مراحل الدعوة خلال حياة الرسول ﷺ :
ذكر الدكتور البوطى (١) - وتبعه جمع من كُتَّابِ السيرة اعتماداً على فهمهم لكلام ابن اسحاق (٢) - أن مراحل الدعوة في حياة النبي ﷺ أربع مراحل:
المرحلة الأولى: الدعوة سرا واستمرت ثلاث سنين.
المرحلة الثانية: الدعوة جهرا، والكف عن القتال. واستمرت إلى الهجرة.
المرحلة الثالثة: الدعوة جهرا مع قتال المبتدئين بالقتال واستمرت إلى صلح الحديبية.
المرحلة الرابعة: الدعوة جهرا، مع قتال من يقف في سبيل سير الدعوة) (٣) (.
ولابد من وقفة مع الدعوة قبل النظر في تلك المراحل، فيما تدعو إليه، ووسائلها، وما ينبغى أن يتسلح به الدعاة إلى الله تعالى ليحققوا دعوتهم وينجحوا فيها، وذلك ما أدته الآيات الأولى النازلة من الله تعالى إلى رسوله ﷺ في سورة المزمل والمدثر وغيرهما مما نشير إليه لأنه منهج هذه الدراسة.
ونشير في هذا السياق إلى سورتى المزمل والمدثر، فإن قلنا بقول جمهور المفسرين إن المزمل نزلت قبل المدثر، فيكون فيها الأمر بالتهيؤ وإعداد النفس لتحمل أعباء الرساله حيث بينت وسائل ذلك وطرقه، ونبدأ بما بدأت به السورة حيث يقول المولى سبحانه:
стр. 282
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾.
وننظر في تحليل هذه الآيات وأول ما يصادفنا نداء النبي بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ نداء تلطف وترفق ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١].
وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين: إنه التزمل الذي جرى في قول النبي ﷺ «زَمِّلُوني زَمِّلُوني» حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري» وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذٍ، وعليه فهو حقيقة.
ومحملها على أن التزمُّل حقيقة، وقال عكرمة (١): معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوءة فيكون قوله: ﴿اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ مع قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا
طَوِيلًا (٧)﴾ [المزمل: ٧] تحريضاً على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلاّ قليلاً من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه. ومحمل التزمل عنده على المجاز.
فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالاً على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة (٢)، أن يقولوا: إنه ساحر.
стр. 283
أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل، ثم فتر الوحي فلما رأى المَلَكَ الذي أرسل إليه بحراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾.
فنداء النبي بوصف المزمل باعتبار حالته وقت ندائه وَليس المزمل معدوداً من أسماء النبي ﷺ قال السهيلي: ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عدّه من أسمائه.
﴿وَاللَّيْلِ﴾: زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر.
وأمْر الرسول بقيام الليل أمْر إيجاب وهو خاص به لأن الخطاب موجه إليه وحده مثل السور التي سبقت نزولَ هذه السورة، وأما قيام الليل للمسلمين فهم اقتدوا فيه بالرسول ﷺ كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيات ولعل حكمة هذا القيام الذي فرض على الرسول ﷺ في صدر رسالته هو أن تزداد به سريرته زكاء يقوي استعداده لتلقي الوحي حتى لا يحرجه الوحي (١) كما ضغطه عند نزوله كما ورد في حديث البخاري:
«فغطني حتى بلغ مني الجَهد» ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الحديث، ويدل لهذه الحكمة قوله تعالى عقبه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
وقد كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء قبيل بعثته بإلهام من الله تعالى، فالذي ألهمه ذلك قبل أن يوحي إليه يجدر بأن يأمره به بعد أن أوحى إليه فلا يبقى فترة من الزمن غير متعبد لعبادة، وهو قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
وقد استمر وجوب قيام الليل على رسول ﷺ بعد فرض الصلوات الخمس تعظيماً
стр. 284
لشأنه بكثرة الإِقبال على مناجاة ربه في وقت فراغه من تبليغ الوحي وتدبير شؤون المسلمين وهو وقت الليل فكان هذا حكماً خاصاً بالنبي ﷺ وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبي ﷺ ولم يكن واجباً على غيره ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس (١).
وقال ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ وهو عود إلى الترغيب في أن تكون مدة القيام أكثر من نصف الليل ولذلك لم يقيد ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ بمثل ما قيد به ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾ لتكون الزيادة على النصف متسعة، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ أخذ بالعزيمة فقام حتى تورمت قدماه وقيل له في ذلك: «إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» فقال: «أفَلا أكونُ عبداً شكوراً (٢)».
والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه: إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة الملَك.
والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة، مستعار لصعوبة حفظه لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه فيكون حفظ ذلك القول عسيراً على الرسول الأمّي تنوء الطاقة عن تلقّيه.
وأشعر قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ أن ثقله متعلق ابتداء بالرسول ﷺ لقوله قبله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ وهو ثقل مجازي في جميع اعتباراته وهو ثقيل صعب تلقيه ممن أنزل عليه. قال ابن عباس: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربَّد له جِلده» (أي تغير بمثل القشعريرة) وقالت عائشة: «رَأَيْتُةُ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفَضُّ عرقاً (٣)».
стр. 285
ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه. وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإِحاطة به فكم غاصت فيه أفهام العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين وحكماء فشابه الشيء الثقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه.
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ ..
والمعنى: أن في قيام الليل تزكية وتصفية لسرّك وارتقاء بك إلى المراقي الملكية.
والوِطاء: الوفاق والملاءمة، قال تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. والمعنى: أن صلاة الليل أوفق بالمصلي بين اللسان والقلب، أي بين النطق بالألفاظ وتفهم معانيها للهدوء الذي يحصل في الليل وانقطاع الشواغل وبحاصل هذا فسر مجاهد (١).
والأقوم: الأفضل في التقوي الذي هو عدم الاعوجاح والالتواء واستعير ﴿وَأَقْوَمُ﴾ للأفضل الأنفع.
فالمعنى: أن صلاة الليل أعون على تذكر القرآن والسلامة من نسيان بعض الآيات، وأعون على المزيد من التدبر (٢).
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ ..
يفيد تأكيداً للمحافظة على قيام الليل لأن النهار لا يغني غَناءه فيتحصل من المعنى: قم الليل لأن قيامه أشد وقعاً وأرسخ قولاً، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك. وشغل النبي ﷺ في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ القرآن وتعليم الدين
стр. 286
ومحاجة المشركين وافتقادَ المؤمنين المستضعفين، فعبر عن جميع ذلك بالسبح الطويل، وفيه إرشاد إلى أن النهار ظرف واسع لإِيقاع ما عسى أن يكلفه قيامُ الليل من فتور بالنهار لينام بعض النهار وليقوم بمهامه فيه (١).
وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي في النهار من أول البعثة قبل فرض الصلوات الخمس كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٩، ١٠]. وقد تقدم في سورة الجن أن استماعهم القرآن كان في صلاة النبي ﷺ بأصحابه في نخلة في طريقهم إلى عكاظ. ويظهر أن يكون كل هذا مقصوداً لأنه مما تسمح به دلالة كلمة ﴿سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ وهي من بليغ الإِيجاز (٢).
انقطاع مجازي، أي تفرغ البال والفكر إلى ما يرضي الله، فكأنه انقطع عن الناس وانحاز إلى جانب الله فعدي بـ ﴿إِلَى﴾ الدالة على الانتهاء، قال امرؤ القيس:
والتبتيل: مصدر بتَّل المشدد الذي هو فعل متعد مثل التّقطيع.
المراد بالانقطاع المأمور به انقطاع خاص وهو الانقطاع عن الأعمال التي تمنعه من قيام الليل ومهام النهار في نشر الدعوة ومحاجّة المشركين ولذلك قيل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله فكل عمل يقوم به النبي ﷺ من أعمال الحياة فهو لدين الله فإن طعامه وشرابه ونومه وشؤونه للاستعانة على نشر دين الله. وكذلك منعشات الروح البريئة من الإِثم مثل الطِّيب، وتزوج النساء، والأنس إلى أهله وأبنائه وذويه، وقد قال: «حُبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب (٣)». وهو حال مأمور به المؤمنون القائمون بأمر الدعوة التى ينبغى الاتصاف بها.
стр. 287
وليس هو التبتل المفضي إلى الرهبانية وهو الإِعراض عن النساء وعن تدبير أمور الحياة لأن ذلك لا يلاقي صفة الرسالة.
ومن أكبر التبتل إلى الله الانقطاع عن الإِشراك، وهو معنى الحنيفيّة، وهو التعلق بالله وحده في كل أموره – ومن معانى التبتل ذلك الاعتكاف على الله تعالى، والخلوة به تزودا بزاد جديد يصفى النفس ويقويها على القيام بمهمات الدعوة.
ولذلك عقب قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ﴾.
وخلاصة المعنى: أن النبي ﷺ مأمور أن لا تخلو أوقاته عن إقبال على عبادة الله ومراقبته والانقطاع للدعوة لدين الحق، وإذ قد كان النبي ﷺ من قبلُ غير غافل عن هذا الانقطاع بإرشاد من الله كما ألهمه التحنّث في غار حراء ثم بما أفاضه عليه من الوحي والرسالة. فالأمر في قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ مراد به الدوام على ذلك فإنه قد كان يذكر الله فيما قبل فإن في سورة القلم (٥١) (وقد نزلت قبل المزمل) ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ على أن القرآن الذي أنزل أولاً أكثره إرشاد للنبي ﷺ إلى طرائق دعوة الرسالة فلذلك كان غالب ما في هذه السورِ الأوللِ منه مقتصراً على سَن التكاليف الخاصة بالرسول ﷺ ، ويتبعه في ذلك الداعون بدعوته المتمسكون بسنته ﷺ .
وعُقِّب وصفُ الله تعالى بـ ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ بالإِخبار عنه أو بوصفه بأنه لا إله إلاّ هو لأن تفرده بالإلهية بمنزلة النتيجة لربوبية المشرق والمغرب فلما كانت ربُوبيته للعالم لا ينازع فيها المشركون أعقبت بما يقتضي إبطال دعوى المشركين تعدد الآلهة بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تعريضاً بهم في أثناء الكلام وإن كان الكلام مسوقاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 288
ولذلك فرع عليه قوله: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ وإذ كان الأمر باتخاذ وكيلاً مسبباً عن كونه لا إله إلاّ هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ وكيل غيره، إذ ليس غيره بأهل لاتخاذه وكيلاً.
والوكيل: الذي يُوكَل إليه الأمور، أي يُفوض إلى تصرفه، ومن أهم التفويض أمر الانتصار لمن توكل عليه، فإن النبي ﷺ لما بلغه قول المشركين فيه اغتم لذلك، وقد روي أن ذلك سبب تزمله من مَوْجدة الحزن فأمره الله بأن لا يعتمد إلاّ عليه، وهذا تكفل بالنصر ولذلك عقب بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠].
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ ..
وهو كذلك من عظيم زاد الدعوة، التوكل في النصر على الله سبحانه، وهو الشأن للدعاة في كل زمان ومكان.
عطف على قوله: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٩]، والمناسبة أن الصبر على الأذى يستعان عليه بالتوكل على الله.
ومن هذا المعنى قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [سورة المعارج: ٥].
فالهجر الجميل هو الذي يَقتصر صاحبه على حقيقة الهجر، وهو ترك المخالطة فلا يقرنها بجفاء آخر أو أذى، ولما كان الهجر ينشأ عن بغض المهجور، أو كراهية أعماله كان معرَّضاً لأن يعتلق به أذى من سبّ أو ضرب أو نحو ذلك. فأمر الله رسوله بهجر المشركين هجراً جميلاً، أي أن يهجرهم ولا يزيدَ على هجرهم سَبّاً أو انتقاماً.
وهذا الهجر: هو إمساك النبي عن مكافاتهم بمثل ما يقولونه مما أشار إليه قوله تعالى: واصبر على ما يقولون.
стр. 289
وليس منسحباً على الدعوة للدين فإنها مستمرة ولكنها تبليغ عن الله تعالى فلا ينسب إلى النبي (١).
وقد انتزع فخر الدين من هذه الآية منزعاً خُلُقياً بأن الله جمع ما يحتاج إليه الإِنسان في مخالطَة الناس في هاتين الكلمتين لأن المرء إما أن يكون مخالطاً فلا بد له من الصبر على أذاهم وإيحاشهم لأنه إن أطمع نفسه بالراحة معهم لم يجدها مستمرة فيقع في الغموم إن لم يَرضْ نفسه بالصبر على أذاهم، وإن ترك المخالطة فذلك هو الهجر الجميل (٢).
وفي الآيات الرد القوى على " وات " في أنه وحى من الله إذ من يقول لنفسه ويخزن ويستدعى ذلك من الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن أين الوعى أو اللاوعى أو اللبيدو في ذلك من أين سمع ذلك من قبل ﷺ ، وكيف يخبر به نفسه وكيف يقول لها ذلك؟! وكذلك الهجر الجميل والأمر بالتوكل وأن التوكل مع الصبر من أسباب النصر.
وإذ كنا قد بينا في سورة المزمل زاد الدعوة والصفات التى على الرسول ﷺ ودعاته من بعده أن يتصفوا بها والتعبد القلبى والبدنى اللازم لتحمل تبعات الدعوة ومسؤلياتها، فإن سورة المدثر تبين هدف الدعوة وحقيقتها فهو التوحيد لله وطريقة رفع ذلك، وتجنب عبادة غيره ونبذها والتبرؤ منها ... مع التركيز على صفات جديدة يلزم التحلى بها أو التخلى عنها وهاهى ذى الآيات الكريمات:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ ..
نوديّ النبي ﷺ بوصفه في حالة خاصة تلبس بها حين نزول السورة. وهي أنه لما رأى الملك بين السماء والأرض فرق من رؤيته فرجع إلى خديجة فقال: دثروني دثروني، أو قال:
стр. 290
زملوني، أو قال: زملوني فدثروني، على اختلاف الروايات، والجمع بينها ظاهر فدثرته فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾.
وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [المزمل: ١] ما في هذا النداء من التكرمة والتلطف.
والقيام المأمور به ليس مستعملاً في حقيقته في الغالب وإنما هو مستعمل في الأمر بالمبادرة والإِقبال والتهمُّم بالإِنذار مجازاً أو كناية.
وأفادت فاء ﴿فَأَنْذِرْ﴾ تعقيب إفادة التحفز والشروع بالأمر بإيقاع الإِنذار (١).
ففعل ﴿قُمْ﴾ منزَّل منزلة اللازم، وتفريع ﴿فَأَنْذِرْ﴾ عليه يبين المراد من الأمر بالقيام.
والمعنى: يا أيها المدثر من الرعب لرؤية مَلَك الوحي لا تخف وأقبل على الإِنذار.
والظاهر: أن هذه الآية أول ما نزل في الأمر بالدعوة لأن سورة العلق لم تتضمن أمراً بالدعوة، وصدر سورة المزمل تضمن أنه مسبوق بالدعوة لقوله فيه ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، وقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]. وإنما كان تكذيبهم بعد أن أبلغهم أنه رسول من الله إليهم وابتدىء بالأمر بالإنذار لأن الإنذار يجمع معاني التحذير من فعل شيء لا يليق وعواقبه فالإِنذار حقيق بالتقديم قبل الأمر بمحامد الفعال لأن التخلية مقدمة على التحلية ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن غالب أحوال الناس يومئذٍ محتاجة إلى الإِنذار والتحذير.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ ..
стр. 291
فالتقدير: مهمْا يكن شيء فكبّرْ ربّك.
والمعنى: أن لا يفتر عن الإِعلان بتعظيم الله وتوحيده في كُل زمان وكل حال وهذا من الإِيجاز.
فمعنى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ صِف ربّك بصفات التعظيم ربك أنت الاله الواحد، الحق، وهذا يشمل تنزيهه عن النقائص فيشمل توحيده بالإلهية وتنزيهه عن الولد، ويشمل وصفه بصفات الكمال كلها. وتعريض بأن الآلهة لاتستحق الالوهية بل هي مخلوقات زائلة.
ومعنى ﴿فَكَبِّرْ﴾: كبره في اعتقادك: وكبره بقولك تسبيحاً وتعليماً. ويشمل هذا المعنى أن يقول: «الله أكبر» لأنه إذا قال هذه الكلمة أفاد وصف الله بأنه أكبر من كل كبير، أي أجلّ وأنزه من كل جليل، وهذا تنبيه على أن الدعوة إلى الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات، ولذلك جعلت هذه الكلمة افتتاحاً للصلاة.
وأحسب أن في ذكر التكبير إيماء إلى شرع الصلاة التي أولها التكبير وخاصة اقترانه بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] فإنه إيماء إلى شرع الطهارة، فلعل ذلك إعداد لشرع الصلاة (١).
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ ..
هو في النظم مثل نظم ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣] .. أي لا تترك تطهير ثيابك.
وللثياب إطلاق صريح وهو ما يلبسه اللابس، وإطلاق كنائي فيكنى بالثياب عن ذات صاحبها، كقول عنترة:
стр. 292
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم (١)
وللتطهير إطلاق حقيقي وهو التنظيف وإزالة النجاسات وإطلاق مجازي وهو التزكية قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣].
والمعنيان صالحان في الآية فتحمل عليهما معاً فتحصل أربعةُ معان لأنه مأمور بالطهارة الحقيقية لثيابه إبطالاً لما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الاكتراث بذلك. وقد وردت أحاديث في ذلك يقوّي بعضها بعضاً وأقواها مَا رواه الترمذي «إِن الله نظيف يحب النظافة». وقال: هو غريب (٢).
والطهارة لجسده بالأولى.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ ..
﴿وَالرُّجْزَ﴾: يقال بكسر الراء وضمها وهما لغتان فيه والمعنى واحد عند جمهور أهل اللغة. وقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرّجز بالكسر العذاب والنجاسة والمعصية، وبالضم الوثن (٣). ويحمل الرجز هنا على ما يشمل الأوثان وغيرها من أكل الميتة والدم.
وتقديم ﴿وَالرُّجْزَ﴾ على فعل ﴿فَاهْجُرْ﴾ للاهتمام في مهيع الأمر بتركه.
والهجر: ترك المخالطة وعدم الاقتراب من الشيء. والهجر هنا كناية عن ترك التلبس بالأحوال الخاصة بأنواع الرجز لكل نوع بما يناسبه في عرف الناس.
стр. 293
والأمر بهجر الرجز يستلزم أن لا يعبد الأصنام وأن ينفي عنها الإلهية.
ومناسبة عطف ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ على الأمر بهجر الرجز أن المنّ في العطية كثير من خُلق أهل الشرك فلما أمره الله بهجر الرجز نهاه عن أخلاق أهل الرجز نهياً يقتضي الأمر بالصدقة والإِكثار منها بطريق الكناية فكأنه قال: وتصدق وأكثر من الصدقة ولا تمنن، أي لا تعدّ ما أعطيته كثيراً فتمسك عن الازدياد فيه، أو تتطرق إليك ندامة على ما أعطيت.
والسين والتاء في قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ للعدّ، أي بعد ما أعطيته كثيراً.
وهذا من بديع التأكيد لحصول المأمور به جعلت الصدقة كالحاصلة، أي لأنها من خلقه ﷺ إذ كان أجود الناس وقد عرف بذلك من قبل رسالته لأن الله هيأه لمكارم الأخلاق فقد قالت له خديجة في حديث بدء الوحي «إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم». ففي هذه الآية إيماء إلى التصدق، كما كان فيها إيماء إلى الصلاة، ومن عادة القرآن الجمع بين الصلاة والزكاة.
والمنّ: تذكير المنعِم المنعَمَ عليه بإنعامه.
والاستكثار: عدّ الشيء كثيراً، أي لا تستعظم ما تعطيه.
وهذا النهي يفيد تعميم كل استكثار كيفما كان ما يعطيه من الكثرة (١).
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ .. تثبيت للنبي ﷺ على تحمل ما يلقاه من أذى المشركين وعلى مشاقّ الدعوة.
والصبر: ثبات النفس وتحملها المشاق والآلام ونحوها. ومصدر الصبر وما يشتق منه يتضمن معنى التحمّل للشيء الشاقّ.
стр. 294
ويعدّى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف ﴿عَلَى﴾، يقال: صبر على الأذى. ويتضمن معنى الخضوع للشيء الشاق فيعدى إلى اسم ما يتحمله الصابر باللام. ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين، فلا يقال: اصبر على الله، ويقال: اصبر على حكم الله، أو لحكم الله. فيجوز أن تكون اللام في قوله ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف، أي اصبر لأمره وتكاليف وحيه كما قال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة الطور: ٤٨] وقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [سورة الإِنسان: ٢٤] فيناسب نداءه بـ
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] لأنه تدثر من شدة وقع رؤية المَلك، وتركُ ذكر المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب.
وتقديم ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ على ﴿فَاصْبِرْ﴾ للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها مع الرعاية على الفاصلة، وجَعل بعضهم اللام في ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ لام التعليل، أي اصبر على أذاهم لأجله، فيكون في معنى: إنه يصبر توكلاً على أن الله يتولى جزاءهم، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق النبي ﷺ من أذى المشركين.
وفي التعبير عن الله بوصف ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ إيماء إلى أن هذا الصبر برّ بالمولى وطاعة له.
فهذه ست وصايا أوصى الله بها رسوله ﷺ في مبدإ رسالته وهي من جوامع القرآن أراد الله بها تزكية رسوله وجعلها قدوة لأمته. تبين بواعث الدعوة وأهدافها وطرائق القبول لها، والزاد الذى يُقَوى على تحملها، وأسباب النصر فيها وكل ذلك مما يراد من المؤمنين – المتقين – اليوم ليعودوا لرفع راية الاسلام ونشر دعوته، وقد رأينا في ذلك الحكمة، والتعامل الحسن والصبر، والعبادة.
وتحمل في طياتها كثير الرد على "وات" وأمثاله في بواعث الدعوة التى أخترعها ونسج حولها مالم يأت به كتاب، أو يتفوه به كاتب.
стр. 295
وفي توضيح تلك المعانى ما يغنى عن إيراد الردود.
مما سبق من شرح الآيات الأولى المنزلة على الرسول ﷺ تم تأكيدها بآيات كثيرة نزلت لتدل دلالة واضحة على مضمون الدعوة وأسبابها، وبواعثها، وما ينبغى على حامل هذه الدعوة أن يكون عليه من أخلاق وصفات، ثم على جراء هذه الدعوة وأن ليس للداعى أو عليه إلا بذل جهده فيها فقط ليتحقق له أسباب نجاتة في الدنيا والآخرة.
стр. 296
المبحث الخامس
بواعث الدعوة
ونأتى بعد ذلك لمناقشة سريعة مع "وات" وان كان يفضل أن نطول بسبب آرائه في الدعوة وبواعثها، ولكن الاختصار دعانا لأن نرد على ما يهم فقط.
أول ذلك: بواعث الدعوة. ونلخص آراء "وات" في بواعث الدعوة الاسلامية فيما يلى:
١ - أن الدين الجديد جاء ردا على مرض العصر حيث تطور العرب من حياة البداوة إلى اقتصاد حضارى، وقد ذكر ذلك في كتابة "محمد في المدينة" ومعنى ذلك أن باعث الدعوة اقتصادى مادى بحت (١).
٢ - ذكر في كتابة " محمد في مكة" ما يناقض ذلك فيقول ما ملخصه: إنه ولو كان محمد على علم واسع بالأمراض الاقتصادية ... فإنه كان يعد الناحية الدينية أساسية ولهذا حصر اهتمامه بهذه الناحية " (٢).
٣ - ذكر أن الجانب الدينى صحيح في حركة محمد التى تزعمها ولكنه وثيق الصلة بالجوانب الاخرى (٣) أي السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
стр. 297
وقبل مناقشة "وات" فيما سبق نذكر بأنه بنى كتبه وكلا مه على أن الدعوة الإسلامية لا علاقة لها بالوحى، ولا تعلق لها بالسماء، وهذا ما يدلك عليه نكل ما أوتى حتى يستطيع بنو دينه وجلدته أن يكونوا الرأى اللاهوتى في سيدنا محمد ﷺ ودينه، إذ هو دافعه الذى نص عليه في بداية كتابه كما نوهنا أكثر من مرة ليبنى عندهم الخلفية الصلبة في رد الاسلام، وذلك الذى حدث واقعا، وبناء على ذلك رأينا اضطرابه في بواعث الدعوة، إذ لو كانت الإلهيه عنده كما هي في الحقيقة لم نحتج منه أو من غيره إلى ذكر بواعثها، لأنها تكون التنزيل الإلهى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في كل ما يتعلق بها.
ولتوضيح الرد على كلام " وات " نقول:
أولا: إذا كان الباعث ماديا جاء ردا على مرض العصر من انتقال العرب من حياة البداوة إلى الاقتصاد الحضرى، فما أبعد هذا الكلام وأجدره بالإهمال لعدة أمور:
الأمر الأول: لأن العرب لم ينتقلوا إلى الحياة الحضرية متطورين كما يزعم "وات" من الحياة البداوية حين جاءهم رسول الله ﷺ بالرسالة، بل ما زالوا إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى والبداوة هي الغالبة عليهم.
الأمر الثاني: ماهى آثار أو مظاهر أو مكونات وأفكار هذا الباعث المادى الذى دعاهم إليه، وما الذى ظهر عليهم وغلب على تصرفاتهم من اتباعهم لهذا الباعث، لنقول تلك اراء ومبادئ هذا الباعث قد ظهرت عليهم، بل على واحد منهم. هذا الكلام لا أصل له ولا حقيقة، ولا له ذرة قد تحققت في ذوات الأشخاص أو على الأرض آنئذ.
الأمر الثالث: ما هي أعراض مرض العصر الذى يلصقه "وات" في القرن العشرين بالقرن السابع ويسقطه عليه إسقاطا، إنه لم يعرف أهل ذلك القرن، ومن بعدهم هذا اللفظ أصلا فضلا عما يعنيه، فكيف نصمهم به ونفرضه عليهم، ثم نحاكمهم باتهامهم به. حيث
стр. 298
لم يذكره مؤرخ واحد منهم إلى يومنا هذا فيما وقع تحت أيدينا من مراجع ومصادر.
ثانيا: إذا كان الباعث ماديا فأين ذلك في القرآن الكريم الذى دعا إليه رسول الله ﷺ .
وأين ذلك في سيرته المشرفة وسنته المطهرة، ثم قد اتفق المفسرون والمحدثون والعلماء كافة على خلاف ذلك الأمر المادي، حيث جاءت الآيات الكريمات به، والأحاديث الشريفة بتحديد النظرة الصحيحة عند النبي ﷺ للدنيا كلها لا للبواعث المادية فقط، بكونها معبراً للآخرة وأنها زائلة وأن العمل والسعي يكون لما عند الله إلى آخر ذلك، وقد حقق ذلك ﷺ بالتطبيقات الحية من كونه نبيًا عبدًا، لا نبيًا ملكًا.
ثالثًا: هاجر النبي ﷺ ، وهاجر الصحابة المكرمون يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله، ويؤثرهم أهل المدينة على أنفسهم مع ما بهم من خصاصة هل كل ذلك من الباعث المادي، وقد تركوا أرضهم وديارهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم لله ورسوله؟ إنه من أعجب المصائب التي حلت بالبحث العلمي.
والردود كثيرة على "وات" ومقصدنا الأصلي السيرة.
ثم إن كان العامل الديني وهو كما قرره "وات" خليط من النصرانية واليهودية لا علاقة بالله لتصنع المشروع العربي هو الباعث فما باله يتطور في فكر "وات" ليصبح عاملاً ماديًا إذ كيف يلتقيان، ولم يذكر العامل المادي الاقتصادي؟
أما التناقض الثالث وهو إنه ديني جاء لمعالجة الجوانب الاقتصادية ..
فنعم على المفهوم الصحيح أن دين الله جاء لتحقيق هداية الناس وأسباب نجاتهم في الدنيا والآخرة وبالتالي لا ينفك أن يكون مصلحًا باتباعهم لتعاليم السماء لكل جوانب حيواتهم، واستقامتها على النهج الأرشد في كل ما يخص البشر.
стр. 299
أما باعث الدعوة وما يتعلق بها من جوانبها كافة مجملاً في بعضه مفصلاً في الباقي فهو كما أكدته الآيات الأولى، حيث لم يتركه الله جل وعلا لتقدير أو تحرير أحد وتنظيره، فمنها قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٢ - ٣] الدعوة إلى توحيد الرب سبحانه، وإنذار كل من ذكرنا بذلك، وببقية مضامين الدعوة المحصلة لهذا التوحيد الذي ينبني عليه سعادة الدنيا والآخرة بداية بقوم النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
وذكر عبد الله النعيم في هذا المقام كلام الإمام ابن كثير حيث يقول: "بعث الله محمدًا ﷺ على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب ممسكين بدين إبراهيم الخليل، فبدلوه وغيره واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك كان أهل الكتاب، قد بدلوا كتبهم وحرفوها، فبعث الله محمدًا بشرع عظيم شامل كامل فيه الهداية والبيان لكل ما يحتاج إليه الناس من أمر معاشهم ومعادهم، وجمع له تعالى جميع المحاسن، وأعطاه ما لم يعط أحدًا من الأولين والآخرين" (١) فجاءت الدعوة لتكون للناس كافة حتى قيام الساعة، وبحيث يكون محمد ﵇ خاتمًا للنبيين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (٢).
стр. 300
المبحث السادس
عالمية الدعوة
وقبل أن ننتقل عما سلف من نقد لـ"وات" في الدعوة، فلا بد من الإشارة إلى موضوع مهم، وهو من مواضيع "وات" والمستشرقين (١) وهو تجريد دعوة الإسلام من عالميتها، مع أنه أمر كفلق الصبح واضح لكل أعمى أن الإسلام منتشر في المشارق والمغارب من الدنيا، وأن من نشروا الإسلام في أقاصي الأرض من أوربا وآسيا وغيرهما كان كثير منهم غير عرب وهذا الواقع لا يحتاج لأدنى بيان، حتى يشكك في أصله، وأن هؤلاء جميعًا دخلوا في دين لم يأمرهم بذلك، ولم يدعهم إليه.
ونبدأ هنا بذكر الدوافع والبواعث التي جعلت "وات" وغيره يستبعد فكرة عالمية الرسالة الإسلامية.
ويمكن للباحث - وهو في غاية الإنصاف - أن يقول إن الاستشراق بحكم انتمائه للكنيسة وعمله تحت رايتها، أو المؤسسات السياسية المرتهنة للكنيسة في الغالب ليس في استطاعته أن يتقبل فكرة العالمية الإسلامية أو حتى مجرد إثباتها بحثيًا فضلاً عن الترويج لها في كتاباته، إذ معنى ذلك أن تحارب الكنيسة نفسها، وتفقد أحد مبررات وجودها، أو المبرر الأقوى (الأوحد) إن صحت الدعوة الإسلامية عند أحد منهم، وفي ذلك نهاية الوجود
стр. 301
المسيحي، فلا يستطيع المستشرق ذو العقلية والثقافة المسيحية أن يتحدث إذن عن عالمية الإسلام، خاصة وأن هذه الدراسات الاستشراقية هي التي تشكل العقلية الغربية، وتحدد موقفها من الإسلام، يكفي إبراز بعض حقائق الإسلام بعد تشويهها حتى تظل الكنيسة محتفظة برعاياها. (١)
ونعود فنناقش عالمية الدعوة مع "وات" وأشباهه لأن الحديث عن إقليمية الدعوة تعني إسقاط الطابع الوضعي العلماني عليها، ولذا رأيناه يقرر أن القول بأن الرسول ﷺ دعا الإمبراطور البيزنطي والفارسي وغيرهما للدخول في الإسلام قول خاطئ، لأنه من غير المعقول أن يوجه سياسي حكيم كمحمد مثل هذا النداء، وأن تقارير السفراء الذين أرسلهم مملوءة بالتناقضات. (٢)
ويواصل "وات" كلامه معترضًا على كتب الرسول ﷺ للملوك يدعوهم إلى الإسلام، زاعمًا بواعث أخرى لهذه الرسائل إذا قبل بوجودها فيقول: "وهذا شيء غير معقول إذا كانت الرسائل دعوة للدخول في الإسلام، والاعتراف بمحمد كزعيم ديني، لأنه لا يمكن تصور نجاشي الحبشة وإمبراطور الروم يستجيبان لمثل هذه الدعوة لكن إذا قبلنا بأن الأشخاص المذكورين حملوا فعلاً رسائل من محمد إلى أصحابها، وأنهم استقبلوا استقبالاً حسنًا فليس من المستحيل أن يكون محتوى الرسائل قد تبدل نوعًا ما خلال النقل ... تسمح لنا هذه الفرضية أن ندعي أنه إذا كان محمد قد ألمح إلى معتقداته الدينية، فإن المشكلة الحقيقية كانت سياسية، ربما اقترح عقد محالفة حياد ربما أراد مجرد منع المكيين من الحصول على المساعدة الخارجية، لأنه يستبعد من محمد دعوة هؤلاء الحكام الأقوياء للدخول في الإسلام. (٣)
стр. 302
نحن مضطرون لاستكمال عرض بقية كلامه الذي يبين بوضوح موقفه لأنه وجه كل ما يمت لعالمية الدعوة من قريب أو بعيد بصلة، نافيًا ومؤولاً، ومخترعًا لفرضيات يفسر بها هذا الأمر، فيدعي فيما سنذكر أن دعوة الرسول ﷺ كانت خاصة بقريش، ثم يلمز ما جاء في القرآن مفيدًا غير ذلك فيقول: "اعتبر محمد نفسه أول الأمر مرسلاً إلى قومه القرشيين، ثم أخذ شيئًا فشيئًا وبدرجات لا تبدو بوضوح في القرآن يتراءى له هدف أوسع لرسالته، دعا قبل الهجرة بعض أفراد القبائل البدوية إلى الإيمان بالله عدا مفاوضة سكان المدينة، ثم احتلت فكرة الأمة القائمة على أساس ديني مكان الصدارة بحلول الهجرة." (١) ويذكر توسع النبي ﷺ في الدعوة، ولكن يلبسها ثوبًا آخر فيقول: "نحن نعتقد بأن محمدًا بعد عودته من الطائف أخذ يدعو أفراد القبائل البدوية للدخول في الإسلام، وإن وراء هذا النشاط فكرة غامضة في توحيد العرب جميعًا." (٢)
كلام "وات" السابق، وكلام غيره من المستشرقين في ذات المسألة مليء بالتناقض الصارخ والحشد الهائل من تعمد الخطأ، وكما ذكرنا نعزوه لانتمائه الكنسي، ولتطعيم رعايا الكنيسة بالواقي من التفكير في الإسلام أو النظرة الموضوعية له، بل لتكوين آراء رفضه ومقت نبيه ﷺ ومحاربته.
ونبدأ في النظر في كلام "وات" من حيث انتهى، لأنه يوافق الترتيب التاريخي للسيرة، ونشير إلى هذه المغالطة أولاً: وهي قوله: "غير أن قول بعض المصادر، وهي ليست أقدم المصادر أنه نظر للإسلام على أنه دين شامل وعام" (٣)
وهذه المغالطة المكشوفة نذكر شيئًا منها في هذا السطر من كلامه لنرى العجب:
стр. 303
أولها: فقوله بعض المصادر، ولم يذكر شيئًا منها طبعًا، هذه واحدة أنه على العكس ليس بعض المصادر ذكرت ذلك، بل كل المصادر، إذ لا يمكن لمصدر يدعي الإسلام أن يقول إنه دين غير شامل - ناقص هو - أو غير كامل لكل أحد، وندلل على ذلك بالسؤال، لو قيل لأي أحد من هؤلاء الصحابة المقدمين فضلاً عن أبي بكر ﵁ مثلاً هل الإسلام الذي تدعون إليه دين شامل وعام؟ لا يظن من ساعتها أن يقول لا، بل نعم بغير تردد ولا روية ولا تفكير ولا نظر، وهذا يجرنا إلى:
ثانيها: وهي المغالطة المفضوحة في قوله بأنها ليست أقدم المصادر، فبعد عدم ذكره إياها نعتها بأنها ليست أقدم المصادر وهذا من التشويش والشغب بالباطل على الحق الواضح بادعاءات لا أصل لها، لو سألنا "وات" نفسه دلنا على مصدر من ذلك لما استطاع، فهل ترى مصدر أقدم من أبي بكر والصحابة ومن نقلوا عنهم، ودونوا السنة من ورائهم، كلهم نقلوا أن الإسلام دين عام وشامل.
ثالثها: أن مصدر ذلك كله هو الرسول ﷺ فيما يأمره به ربه، وبما أرسله به إلى الناس ليبلغهم إياه، وذلك في قوله ﷺ : "بعثت إلى الناس كافة" (١) ومصدقًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وسنفصل ذلك بعد قليل إن شاء الله.
نعود إلى "وات" لنكر على كلامه من آخره، فنراه يذكر أن محمدًا بعد عودته من الطائف أخذ يدعو أفراد القبائل البدوية للدخول في الإسلام، ويصعب عليه أن يقول إنه مأمور، أو مرسل إليه بدعوة غير قريش وأن الدعوة عامة لكل الناس، بل وجه ذلك بباعث لا علاقة له بالدين، أو بشخصية الرسول ﷺ ، أو بواقع الأحداث، وإنما هو اختراع من اختراعات "وات" التي لا تنتهي لتفسير التاريخ بما لا يتفق مع وقائعه وهو أن وراء
стр. 304
هذا النشاط فكرة غامضة في توحيد العرب جميعًا.
سنوافق "وات" في أن وراء ذلك ليس عالمية الدعوة ولكن ما الغموض في فكرة توحيد العرب جميعًا، وما الذي يمكن أن يكون غامضًا عندما يعرض محمد فكرة توحيد العرب، وما الذي سيثقل على قريش فهمه حينئذ، ولا يمكن إدراكه لخفائه وغموضه، بل لو عرضت هذه الفكرة على قريش – وسنستخدم ألفاظ "وات" – فما المانع أن يرحبوا بها، وتلاقي صدى عندهم في أن يتوحد العرب جميعًا وراء قريش، إنه إذًا تهويل من القول لا معنى تحته، ولا طائل من ورائه، إلا قطع الطريق على محاولة فهم الإسلام من عرب ومن عجم بصراخ ليس غير.
ونلتفت إلى ما بعد هذا الكلام، وهو قوله بأن الدعوة كانت لقريش، وأن محمدًا اعتبر نفسه في أول الأمر مرسل إليهم، وتراءى له بدرجات لا تبدو واضحة في القرآن أن له هدفًا أوسع لرسالته فدعا هذه القبائل البدوية عدا سكان المدينة ومفاوضتهم، ثم احتلت فكرة الأمة على أساس ديني الصدارة قبل الهجرة مباشرة.
وهذا كلام متناقض جدًا ينسف بعضه بعضًا، وأوله ألم تقل يا مستر "وات" أن ليس ثم وحي وأن أجزاء من القرآن سمعها النبي ﷺ واستدعاها بعد ذلك، وأنه اللبيدو، وغير ذلك من تعليم ورقة وقد مات ونحوه مما زعمت وادعيت فأين ذهب ذلك كله؟ حتى تقول إنه في أول الأمر اعتبر نفسه مرسلاً لقريش فمن الذي أرسله، ثم تراءى له في القرآن هدف أوسع لرسالته وبدرجات لا تبدو بوضوح فأنى له وهو الذي يستدعي ذلك أو يقال له ثم يتراءى له بغير وضوح كيف وهو الذي قاله ويحفظه وبلغه، ثم يتراءى له عدم وضوحه، ثم يتلقى الكفار من قريش وغيرهم هذا الكلام منه ويؤمنون به، لا يجادلون فيه ولا يمارون ولا يتراءى لهم مع أنه كان الأولى بهم إذا مبلغهم يتراءى له، ويتناقض، ولا
стр. 305
يعلم ما يقول كاملاً واضحًا، يبلغه البلاغ المبين؛ الذي لا إبانة بعده، ولا وضوح مثله، وهو السياسي الحكيم كما تدعي في سياق الموضوع.
كيف انقلب بك الحال إذن في نظرتك للرسالة والوحي والرسول إلى هذا الحد من تهافت البحث وتناقضه وتكذيب اللاحق من قولك للسابق.
ثم تزيدنا إيمانًا بما نقول فيك، عندما تملأنا يقينًا بذكرك إن قيام الأمة على أساس ديني كان له مكان الصدارة بحلول الهجرة، فعلى أي أساس كان يدعو القبائل وأفرادها كما زعمت، وبماذا ردوا قوله، وعلى أي شيء بايعه أهل المدينة (يثرب) فهو من أول يوم - كما سنذكر شيئًا عن المسلمين الأوائل - كان يدعوهم للدين لتوحيد الرب لنبذ عبادة الأوثان للصلاة والصلة والعفاف وهذا من تكاليف الدين إلى آخره لم يتضح له ما كان يتراءى في القرآن الكريم إلا بحلول الهجرة، ترى لو لم يهاجر، فما عسى أن يكون عليه الموقف؟ وما موقف من آمنوا مبكرين برسالته قبل الهجرة بزمن طويل، ألم يبلغهم بكل وضوح وبيان أن الدعوة عامة شاملة من أول يوم ليدعوا أقوامهم كذلك إليها، وبكل وضوح وثقة.
ثم نورد الآن بعض ما تلاه النبي ﷺ على العالم كافة من آيات الذكر الحكيم وأحاديثه النبوية المشرفة التي تدل على عالمية الدعوة من أول أيامها ردًا على ما سبق قبل أن نناقش "وات" في رسائل النبي ﷺ للملوك والحكام يدعوهم إلى الدخول في الإسلام لا لشيء آخر.
يقول المولى جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٦] وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٧، ٢٨]
стр. 306
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] ونقتصر على هذه الآيات إذ هي وافية تمامًا بالغرض والرد على "وات" في ذات الوقت ونلاحظ ذلك فيما يلي:
أولاً: أن هذه الآيات كلها - من سوء طالع "وات" - كلها مكية، وإن مطالعته للقرآن كمصدر أول عنده ليصادف هذه الآيات ويصطدم بمعانيها، وبدلاً من التسليم بما لا مجال في إنكار، ثم بعد ذلك إعمال الفكر والنظر والتحليل فيه إذ به يتجاهل هذه الآيات كلها، أو يؤولها هذه التأويلات المتعسفة المجافية للحقيقة المخالفة للواقع، وبكل سهولة ومن غير غضاضة، وبدون أسف على المنهج العلمي المدعى، وهو يبين في نفس الوقت المنهج الانتقائي لـ"وات" (١)، حيث يتجاهل الآيات والروايات الإسلامية، مؤلفًا تاريخًا يناقشه ويبحث له عن دوافع.
ثانيًا: إن مكية هذه الآيات ليؤكد مبدأ عالمية الدعوة منذ ظهرت، وجاءت تلك العالمية في أول سورة نزلت بعد قوله "اقرأ" على قول جمهرة من المفسرين، وهي سورة القلم حيث ذكرنا الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ وهذا له مغزاه ودلالاته العقيدية، إذ لم تظهر في العهد المدني فيكون حجة بأن عالمية الرسالة جاءت تطورًا للجماعة الإسلامية وقيام دولتها، بل لما قامت هذه الدولة بدأت تدعو لمعتقداتها التي تدرجت في الدعوة إليها، وتهيأت الظروف للقيام بأعبائها والتوسع فيها، فانفتحت على العالم الخارجي.
ثالثًا: مما نلاحظه في هذه الآيات تلك النظرة المتكاملة المتسقة للنبي ﷺ ورسالته، فهي
стр. 307
للبشارة والإنذار والرحمة والذكر والذكرى، وكل ذلك متوائم مع دعوة مكة ومن حولها وأهل الكتاب والناس كافة، وجميع العالمين، وأنه النبي الخاتم به ختم النبيون ﷺ .
ويدل في ذات الوقت على التدرج المناسب لقبول الدعوة وانتشارها، وأن ذلك إنما كان عن أمر الله به في أمره بما سبق كله، وما يبرهن ذلك إلا على أن هذه دعوة الله تعالى وهدايته التي أسداها إلى جميع خلقه، فكيف تكون ناقصة أو غير عامة، سواء في تفصيلاتها أو في كلياتها العامة الصالحة لكل زمان ومكان.
وآخر ذرائع "وات" التي تذرع بها ليمنع عالمية الدعوة، هي رسائل النبي ﷺ إلى الحكام والملوك، ما برح "وات" أن يكون كعهدنا به كما هو ينكر الروايات الصحيحة، وينشر الضعيفة الشاذة، ويخترع تاريخًا لم يكن، ويوجه له دوافع وبواعث ما كانت ولن تكون، وهذا ما حدث لرسائل الرسول ﷺ للملوك وحكام الدنيا آنئذ، فهو ينكر الرسائل أولاً، وهي ثابتة في مصادره التي لا يملك سواها، فإن قبلها فهي مليئة بالتناقضات، أو قد تبدلت هذه الرسائل قبل وصولها لمحطتها، وإلا فهي سياسية ألمح فيها محمد ﷺ إلى معتقداته الدينية مجرد تلميح وسياستها أن محمداً ﷺ اقترح عقد محالفة حياد، أو ربما أراد منع المكيين من الحصول على المساعدة الخارجية، لأنه لا يمكن أن يدعو هؤلاء الحكام الأقوياء لأن يكونوا من أتباعه – أي بالدخول في الإسلام – خاصة وهو السياسي الحكيم – عليه أفضل الصلاة والسلام.
ونناقشه سريعًا – ونحن حزانى ندامى – أن مثل هذا يناقش.
ونبادره القول بأن هؤلاء الحكام الأقوياء الذين لا يمكن لمحمد ﷺ أن يدعوهم إلى الإسلام هزمهم أتباع سيدنا محمد ﷺ شر هزيمة في التاريخ من أوله إلى آخره، وكما يعلم القاصي والداني، لم يهزمهم بسياسة ولا عدد ولا عدة ولكن كما هو ثابت عند "وات"
стр. 308
والمستشرقين أنهم هزموهم بذلك الدين الذي عرضوه عليهم فإذا كان هؤلاء الأقوياء قد هُزموا وليس أمام محمد ﷺ فما بالك لو كان القائد لذلك هو ﷺ إذا كانت قيادتهم لبعض أتباعه، وفعل بهم ذلك ثم يجيء منهج "وات" في البناء والهدم فيبني على كون محمد ﷺ سياسيًا حكيمًا هدم عالمية الدعوة ليقول إن محمدًا السياسي الحكيم لا يمكن أن يفعل ذلك؟ لِمَ أيها العبقري وهو يدعو بدعوة الله، وبأمر الله، لا يهمه أحد لأنه يعلم تمام العلم أن النصر من عند الله تعالى، وأنه مطالب بتبليغ دعوة الله إلى الناس كافة وهي ملخصة في قوله لهم: "أسلم تسلم" (١)، ولا يستطيع إلا أن يأتمر بأمر الله جل وعلا: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقد تحقق ذلك كله بفضل الله تعالى.
فأين أولاً بعد ما سبق عقد محالفة حياد، أو منع المكيين من وصول المساعدة الخارجية لهم، وقد ذكر أصحاب السير وقرأها "وات" أن أهل مكة كانوا في هدنة مع النبي ﷺ وتركوا حربهم، بعد أن نهكتهم المعارك، وأضرت بهم الحروب بحيث انتهت الحروب بين النبي ﷺ وأهل مكة، ولم يبق إلا فتح مكة كما هو معلوم بغير قتال، فما حاجته لافتراضات "وات"، أو إنها توهمات "وات" وخيالاته التي يفترض فيها أمرين:
الأول: التناقض في الرسائل، الثاني: تبدلها مع وصولها إلى المرسل إليهم.
وكلا الافتراضين لا دليل عليه إلا تشويه أمر الدعوة في عقل القارئ بدون أي برهان، لما في نفس المستشرقين من حاجات يقضونها من دين الله تعالى، وإلا فما الدليل على أي من ذلك، إلا النفث في روع المتهمين بأن الإسلام دعوة قومية، لا علاقة لها بالسماء لتناقضها، وأن الدين - أي اللبيدو - عنصر فيه.
стр. 309
وقد ذكر عبد الله النعيم في كتابه الاستشراق في السيرة النبوية أن الدكتور "محمد حميد الله الحيدر آبادي" قد قام بتحقيق رسائل النبي ﷺ في كتاب سماه "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي" (١) ولم يتبين أو يُثِر فيها شكًا ولا تناقضًا – ليس دفاعًا عن رسائل النبي ﷺ لأنه لم يرد بها على أحد، وإنما أورد الرسائل كما وردت في السنة المشرفة كبحث من بحوثها، وليس أمامنا إلا افتراض أن تلك النصوص التي نقلت هي ما قيل ما دام ذلك صحيحاً، ما لم يكن عندنا طعن في سندها أو متنها من المتخصصين في هذا العلم، فما كان إذن على "وات" إلا التسليم بصحة الرسائل، ثم بعد ذلك ينظر في فهمها وتحليلها، وهو ما لم يحدث بل ألقى القول على عواهنه، ومن غير متخصص فيه، بعد عدم نجاحه في تكذيب أو رد تلك الرسائل.
إذا نظرنا في تلك الرسائل رأيناها جميعًا ذات صبغة دعوية إسلامية: "إني أدعوك إلى الله وحده، وأن تتبعني وأن تؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله" (٢) أو قوله فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم" وليس فيها إشارة من قريب أو من بعيد أو قول أصلاً لعقد محالفات سياسية، أو منع مكة من المساعدات الخارجية.
إن مما لا شك فيه أن تعامل النبي ﷺ مع كل أولئك لم يكن من منطلقات سياسية، لأن الوضع السياسي للنبي ﷺ وهو كما يقول "وات" السياسي الحكيم ما كان يسمح بالسياسة والتحالفات مع كل أولئك بأي حساب من حسابات القوى، ومن ثم لم تكن له إلا الوجهة
стр. 310
الواحدة الدعوة إلى الله تعالى مخاطبًا إياهم من منطلق ديني محض، وهو قوله تعالى كما ذكرنا ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
ونورد في نهاية هذا المبحث شيئًا مما ورد عن الرسول ﷺ يردده على مسامع الناس كافة إلى يوم القيامة بدون تردد، مبينًا لهم البيان المبين، بأنه أُرسل إلى جميع الثقلين فمن ذلك قوله ﵊: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (١)، وحديث: "بعثت إلى الناس كافة" (٢)، وحديث: "أرسلت إلى الناس كافة وبي ختم النبيون" (٣)، وحديث: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٤).
وهذه الأحاديث تبين عالمية الرسالة، وهذه الأحاديث تدحض كلام المخالفين، بحيث يكون تصديق الواقع لها من أكبر دليل على صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ مع صدق المنبني عليها من كون هذه الرسالة عالمية شاملة عامة، ودليل على معجزة النبوة وصحتها في وقت لم يكن لرسول الله أن يقول هذا القول إلا وهو مؤيد من السماء.
بدأت الإسلامية سراً - كما ذكر من ذكر من أهل السير - يعنى يدعو الناس ﷺ خفية إلى التوحيد، ونبذ مظاهر الشرك. (٥)
وكان المجتمع المكى - شأن سائر الجزيرة العربية - يعتمد في تنظيمه على القبيلة، فهى الوحدة الاجتماعية، ولما كانت مكة تخضع لقبيلة واحدة هي قريش
стр. 311
بفروعها (عشائرها) فقد بدت هذه العشائر ككيانات خاصة لكنها متحالفة داخل الكيان العام لقريش، وكان المتوقع أن ينتشر الإسلام في بنى هاشم - قبيلة الرسول ﷺ إلا أن نصيب بنى هاشم لم يكن أوفر حظاً، بل كان منه أقرباء شديد والعداوة للرسول ﷺ والإسلام كأبى لهب وأبى سفيان بن الحارث وغيرهم، وكان منهم المتعاطفون مع الرسول ﷺ أكثر من سواهم وإن لم يحملهم هذا التعاطف على الإسلام، حيث مات أكبر مناصرى النبي ﷺ على الكفر، وهو عمه أبو طالب.
إن الإسلام قد انتشر بصورة متوازنة بين عشائر قريش، فلم يكن لأى منها ثقل كبير في الدعوة، وهذا ما شهد به الواقع، وهو مخالف لطبيعة الحياة القبلية آنذاك.
وإذا كان هذا الوضع قد أفقد الإسلام الاستفادة الكاملة من التكوين القبلى لنشر الدعوة وحمايتها، فإن هذه الدعوة لم تؤلب عليه العشائر بحجة تحقق مصالح عشيرة على حساب يقية العشائر.
ولعل هذا التوازن أعان على انتشار الإسلام في العشائر القرشية دون تحفظات متصلة بالعصبية، فأبو بكر الصديق من «تيم»، وعثمان بن عفان من «بنى أمية»، والزبير بن العوام من «بنى أسد»، ومصعب بن عمير من «بنى عبد الدار»، وعلى بن أبى طالب من «بنى هاشم»، وعمر بن الخطاب من «بنى عدى»، وعبد الرحمن بن عوف من «بنى زهرة»، وعثمان بن مظعون من «بنى جمح»، بل إن عدداً ممن أسلموا في تلك الفترة لم يكونوا من قريش، فعبد الله بن مسعود هذلى، وعتبة بن غزوان من مازن، وعبد الله بن قيس من الأشعريين، وعمار بن ياسر من مذحج، وزيد بن حارثة من كلب، والطفيل بن عمرو من دوس، وأبو ذر من غفار، وعمرو بن عبسة من سُليم، وعامر بن ربيعة من عنز بن وائل،
стр. 312
وصهيب النمرى من النمر بن قاسط، كان واضحاً من الوهلة الأولى أن الإسلام ليس خاصاً بمكة وقريش. (١)
أما المسلمون الاوائل فمنهم:
١ - السيدة خديجة – رضى الله عنها – زوج النبي ﷺ فهى أول من آمنت بالله ورسوله ﷺ إذ يدل حديث بدء الوحى على أنها أول من عرفت خبر النبوة وتنزل وحى السماء، وأنها صدقت الرسول ﷺ وواسته وآزرته وخففت عنه، وهونت عليه أمر الناس فلا غرابة أن تكون أول من آمن، وكذلك كانت أول من أمر الرسول ﷺ بتبشيره بالجنة، حيث قال – صلوات الله وسلامه عليه -: «أمرت بأن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» (٢)، وأخباره فضائلها جمة رضى الله عنها.
٢ - على بن أبى طالب، فقد أسلم في هذا الوقت المبكر، فقد كان في حجر النبي ﷺ كما ذكرنا تخفيفاً على أبى طالب ورداً لجميله، وهو يومئذ ابن عشر سنين على أصح الأقوال فكان أول الذكور إسلاماً وقد كثرت الروايات الواهية والموضوعة حتى تحديد يوم إسلامه وصلاته، وفضائله الكثيرة الثابته لا تحتاج لهذا الكذب والمغالاة. (٣)
стр. 313
٣ - مولاه زيد بن حارثة، وهو الذى اختار البقاء والإقامة مع الرسول ﷺ على أن يرجع لأبيه وأهله عندما جاء أخوه يطلبه من النبي ﷺ ، فأقام عند النبي ﷺ وتبناه الرسول ﷺ وعرف بـ «زيد بن محمد»، فأقام عند النبي ﷺ ، وصدقه وأسلم وصلى معه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، قال: أنا زيد بن حارثة. (١)
٤ - أبو بكر الصديق ﵁، فقد استنبط الحافظ ابن كثير أنه أول الناس إسلاماً من حديث صحيح فيه: «إن الله بعثنى إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق وواسانى بنفسه وماله» (٢)، وقال هو عن نفسه عندما اختير خليفة للمسلمين: ألست أول من أسلم (٣)، وقد أسلم أهل أبى بكر بإسلامه، قالت عائشة - رضى الله عنها - «لم أعقل أبوىّ إلا وهما يدينان الدين». وقد ذهب الزهرى إلى أن أول الناس إسلاماً زيد بن حارثة (٤)، ونظراً لأقوال الزهرى في أن أول من أسلم خديجة فقد توالت محاولات التوفيق بين الأقوال، وأول من وفق بين أقوال الزهرى هو الواقدى.
تحرك أبو بكر ﵁ وسط أقاربه ومواليه وأصدقائه ومن يثق به من قومه، فاستجاب له نفر كريم منهم: طلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف (٥) وعثمان بن مظعون وأبو عبيدة بن الجراح وأبو سلمة بن
стр. 314
عبد الأسد، والأرقم بن أبى الأرقم.
ومن خلال هؤلاء وغيرهم أخذ الإسلام ينتشر في مكة وخارجها، ودخل فيه أناس من بطون قريش ومواليها كافة، وممن اشتهروا بين السابقين إلى الإسلام من الموالى: بلال بن رباح وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر ووالده وأمه سُمية بنت خباط. (١)
٥ - ورقة بن نوفل، كان من المسلمين الاوائل وفقا الاحاديث التى بينت ذلك. (٢)
وفي فترة وجيزة وصل عدد الذين سبقوا إلى الإسلام من بطون قريش إلى أكثر من أربعين كما عدهم ابن هشام (٣)، وأكثر من خمسين كما عدهم اليعمرى (٤).
ونلاحظ على السابقين الأولين إلى الإسلام ما يلى:
أولاً: من أكثر الملاحظات انتشاراً قديماً وحديثاً، ثم بعد ذلك أخذاً ورداً لتبيين الحكمة فيها، هي أن الغالب على الداخلين الأولين في الإسلام أنهم خليط من الفقراء الضعفاء العبيد الذين رأوا في الإسلام إحساساً بقيمتهم أو استعادة لحريتهم وكرامتهم.
والنظرة المدققة الفاحصة لهذا الرأى نجده مخالفاً للواقع، إذ رأينا أن السابقين إلى الإسلام عندما كان عددهم ثلاثة وستين شخصاً، فإن الفقراء والمستضعفين والموالى
стр. 315
والأخلاط من الأعاجم ثلاثة عشر فقط لا يزيد مجموعهم على الخمس (١)، وإذا علمنا أن معظم أصحاب السير إن لم يكن كلهم كانوا مع ذلك الرأى المنتشر علمنا، أنهم لم يكن لهم قصد في تقليل العدد، وإن كانوا لا يقللون أو يكثرون لطبيعة الدين الذى اعتنقوه، والذى لم يكن ليدعو لسوى الحقيقة مع الصدق والأمانة.
ثانياً: أن سبب انتشار هذا القول هو أن الذين تحملوا القسط الأكبر من التعذيب الظاهر على ملأ من الناس هم الأرقاء والموالى، ولذلك انتشر أمرهم أما من عذب ضمن قبيلته فلم يذكروا كثيراً لينتشر أمرهم (٢)، وسنشير إلى شيء من ذلك إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: أوضح ابن حجر ﵀ معنى كلمتى «الضعفاء»، «الشرفاء»، اللتين وقعتا في حديث هرقل عندما سأل أبا سفيان أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم، فمعنى الأولى عنده أن أتباع الرسل هم أهل الاستكانة لا أهل التكبر الذين أصروا على الشقاق بغياً وحسداً كأبى جهل وأتباعه، ويكون الشرف في الثانية مرادفاً للكبر والعلو، وهذا هو التفسير الملائم إذ ما ذكرنا من أسماء المؤمنين الأولين، وهم الأغلبية ليسوا أرقاء ولا عبيداً، وإنما كانوا أهل الإنصاف وترك الكبر والمعاندة والجحود. (٣)
ونشير إلى ذكر بعض هؤلاء الذين تقدم إسلامهم وما علمته بهم قبائلهم سواء كانوا من صميمها أو من مواليها وأرقائها. وكذلك لنذكر من قيل إنهم من السابقين الأولين إلى الإسلام.
стр. 316
تدل رواية صحيحة على تقدم إسلام سعد بن أبى وقاص، وأنه بقى أسبوعاً ثالث مسلم ثم أسلم آخرون. (١)
وقد نزل القرآن الكريم في خبر إسلامه كما أخبر عن نفسه قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثة أيام حتى غشى عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، قال فإذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أو جروها.
والحادثة تدل على صلابة موقف المؤمنين الأولين أمام الفتن التى تعرضوا لها.
وأسلم عثمان بن عفان ﵁ في وقت مبكر، وروى أنه قال إنه الرابع في الاسلام (٢)، وأسلم طلحة بن عبيد الله التيمى وأسلم الزبير بن العوام، وكان ابن ست عشرة سنة (٣)، وتشير الرواية إلى تعذيب عم الزبير له بالنار بسبب إسلامه. (٤)
وممن بَكَّر في الدخول في الإسلام خالد بن سَعد بن العاص. (٥)
وأمَّا قصة عبد الله بن مسعود حيث يروى أنه أسلم قبل دخول الرسول ﷺ دار الأرقم فيحكيها فيقول: كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبى معيط بمكة فأتى علىَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقال: يا غلام هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إنى مؤتمن
стр. 317
ولست بساقيكما قالا فهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ لرسول الله ﷺ الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبوبكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقيانى. ثم قال للضرع: اقْلُص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ ، قلت علمنى من هذا القول الطيب – يعنى القرآن – فقال رسول الله ﷺ : «إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعنى فيها أحد». (١)
وذكرت رواية أنه كان سادس من أسلم.
ولا شك في تقدم إسلام خباب بن الأرت، وروى أنه السادس في الاسلام (٢)، وكذلك تقدم إسلام بلال الحبشى، وكان عبداً رقيقاً فاشتراه أبو بكر وأعتقه. (٣)
وقد ثبت أن عمار بن ياسر أسلم مبكراً فقد قال عن نفسه: «رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر». (٤)
ونذكر تكملة لذلك من غير قريش ومن خارج مكة قصة عمرو بن عبسة السلمى، فقد كان يرى نفسه رابع أربعة، هم أول المسلمين حيث يقول: «فلقد رأيتنى إذ ذاك ربع الإسلام». (٥)
стр. 318
ويحكى قصته فيقول: «كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتى فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبى. فقلت: وما نبى؟ قال: أرسلنى الله. فقلت: وبأى شيء أرسلت؟ قال: أرسلنى بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إنى متبعك. قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالى وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بى قد ظهرت فأتنى، قال: فذهبت إلى أهلى، وقدم رسول الله ﷺ المدينة وكنت في أهلى، فجعلت أتخبر الأخبار واسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم علىَّ نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذى قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه ....». (١)
ويبدو أن رسول الله ﷺ لم يخبره بجميع من أسلم، إذ هو قد سأله عمن معه قبل أن يعلن الإسلام، وكذلك حرصاً من الرسول ﷺ على سلامة من أسلم من الأذى، لذلك ذكر أنه كان رابع الإسلام، وما ذلك إلا بحسب ما بدا له، وإلا فإن أبا ذر أيضاً قد أعلن يوم أسلم أنه كان كذلك رابع الاسلام مما يدل على أن المسلمين كانوا متكتمين في أمر إسلامهم حرصاً على مصلحة الدعوة بحيث لم يكن كلاهما يعلم بإسلام الآخر. (٢)
стр. 319
لقد أجمع الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا في قلة من العدد، أو الضعف في العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا أجمعوا على حربهم أن يقدموا مصلحة بقاء النفس على مصلحة الدين الموهومة أو المنتفية، إذ ذلك أيضاً في الواقع مصلحة للدين، لأنه أن تبقى أرواح المسلمين سليمة فيمكن أن يتقدموا ليجاهدوا في الميادين الأخرى المفتوحة، وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضراراً بالدين ذاته، وفسحاً للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدوداً أمامهم من السبل. (١)
والكلام عن المسلمين الأوائل يأخذ إلى هذه الأمور، وهي:
١ - أن الاضطهاد لم يكن ليفرق بين الأرقاء والموالى، وبين الاحرار من بيوتات مكة العالية، إلا في ظهوره في الاوائل على روءس الأشهاد.
٢ - أن أولئك الذين أسلموا قد نالهم قسط وافر من التعذيب ليرجعوا عن دينهم، ومع ذلك صبروا وثبتوا، ومنهم من هاجر فراراً بينهم إلى الحبشة، كما سنذكر في مبحث الاضطهاد إن شاء الله تعالى.
٣ - أن الإسلام لم يقف عند حد دعوة الفقراء إلى الإسلام بدليل أن الأكثرية من معتنقيه في تلك الفترة الحرجة والظروف الصعبة كما أشرنا كانوا من أشراف قريش.
وكانوا بعد ذلك القوة الضاربة في أية ملاقاة مع أية عدو، إذ لم يشهد التاريخ أن جيوش سيدنا محمد ﷺ من بدء الجهاد كان الغالب عليهم أنهم من العبيد والموالى، بل كان القادة والفرسان والمشاة كانت أكثر يتهم من أولئك الجند الأبرار من الأشراف، لا يستطيع
стр. 320
أن يمارى في هذا أحد، إذ سجلات التاريخ شاهده بذلك، مع بذلهم وتضحياتهم بأموالهم إنفاقاً في سبيل الله فجمعوا بذلك بين النفس والمال.
ومن ثم نعود إلى القرآن الكريم كمنهج للدراسة، نذكر فيه سيرة أولئك، ثم نرد على "وات" في هذا البحث.
ونذكر آية واحدة في هذا السياق كفيلة بتبين سيرتهم في الكتاب المعظم، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
يقول سيد قطب ما ملخصه مشيراً إلى مراحل بناء المجتمع المسلم، وتكون طبقاته الإيمانية: لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة، إذ أحست قريش – ممثلة الجاهلية – بالخطر الحقيقى الذى يتهددها من دعوة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وما تمثله من تمرد على كل طاغوت في الأرض لا يستمد سلطانه من سلطان الله، والفرار منه إلى الله، وبالخطر الجدى من هذا التجمع العضوى الذى أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة الرسول ﷺ ، هذا التجمع الذى يدين منذ يومه الأول بالعبودية والطاعة لله ورسوله ﷺ لم تكد الجاهلية تستشعر هذا الخطر حتى شنتها حرباً شعواء على الدعوة الجديدة وتجمعها وقيادتها، وأصدرت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن قتنة ومن حيلة. وهو دأب أعداء الاسلام في كل آن وزمان عندئذ تعرض كل فرد في التجمغ الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان. ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والانضمام إلى التجمع الاسلامى الوليد إلا كل من نذر نفسه لله، وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب، والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان.