تدل رواية صحيحة على تقدم إسلام سعد بن أبى وقاص، وأنه بقى أسبوعاً ثالث مسلم ثم أسلم آخرون. (١)
وقد نزل القرآن الكريم في خبر إسلامه كما أخبر عن نفسه قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثة أيام حتى غشى عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، قال فإذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أو جروها.
والحادثة تدل على صلابة موقف المؤمنين الأولين أمام الفتن التى تعرضوا لها.
وأسلم عثمان بن عفان ﵁ في وقت مبكر، وروى أنه قال إنه الرابع في الاسلام (٢)، وأسلم طلحة بن عبيد الله التيمى وأسلم الزبير بن العوام، وكان ابن ست عشرة سنة (٣)، وتشير الرواية إلى تعذيب عم الزبير له بالنار بسبب إسلامه. (٤)
وممن بَكَّر في الدخول في الإسلام خالد بن سَعد بن العاص. (٥)
وأمَّا قصة عبد الله بن مسعود حيث يروى أنه أسلم قبل دخول الرسول ﷺ دار الأرقم فيحكيها فيقول: كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبى معيط بمكة فأتى علىَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقال: يا غلام هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إنى مؤتمن
стр. 317
ولست بساقيكما قالا فهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ لرسول الله ﷺ الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبوبكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقيانى. ثم قال للضرع: اقْلُص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ ، قلت علمنى من هذا القول الطيب – يعنى القرآن – فقال رسول الله ﷺ : «إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعنى فيها أحد». (١)
وذكرت رواية أنه كان سادس من أسلم.
ولا شك في تقدم إسلام خباب بن الأرت، وروى أنه السادس في الاسلام (٢)، وكذلك تقدم إسلام بلال الحبشى، وكان عبداً رقيقاً فاشتراه أبو بكر وأعتقه. (٣)
وقد ثبت أن عمار بن ياسر أسلم مبكراً فقد قال عن نفسه: «رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر». (٤)
ونذكر تكملة لذلك من غير قريش ومن خارج مكة قصة عمرو بن عبسة السلمى، فقد كان يرى نفسه رابع أربعة، هم أول المسلمين حيث يقول: «فلقد رأيتنى إذ ذاك ربع الإسلام». (٥)
стр. 318
ويحكى قصته فيقول: «كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتى فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً جرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبى. فقلت: وما نبى؟ قال: أرسلنى الله. فقلت: وبأى شيء أرسلت؟ قال: أرسلنى بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إنى متبعك. قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالى وحال الناس! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بى قد ظهرت فأتنى، قال: فذهبت إلى أهلى، وقدم رسول الله ﷺ المدينة وكنت في أهلى، فجعلت أتخبر الأخبار واسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم علىَّ نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذى قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه ....». (١)
ويبدو أن رسول الله ﷺ لم يخبره بجميع من أسلم، إذ هو قد سأله عمن معه قبل أن يعلن الإسلام، وكذلك حرصاً من الرسول ﷺ على سلامة من أسلم من الأذى، لذلك ذكر أنه كان رابع الإسلام، وما ذلك إلا بحسب ما بدا له، وإلا فإن أبا ذر أيضاً قد أعلن يوم أسلم أنه كان كذلك رابع الاسلام مما يدل على أن المسلمين كانوا متكتمين في أمر إسلامهم حرصاً على مصلحة الدعوة بحيث لم يكن كلاهما يعلم بإسلام الآخر. (٢)
стр. 319
لقد أجمع الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا في قلة من العدد، أو الضعف في العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا أجمعوا على حربهم أن يقدموا مصلحة بقاء النفس على مصلحة الدين الموهومة أو المنتفية، إذ ذلك أيضاً في الواقع مصلحة للدين، لأنه أن تبقى أرواح المسلمين سليمة فيمكن أن يتقدموا ليجاهدوا في الميادين الأخرى المفتوحة، وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضراراً بالدين ذاته، وفسحاً للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدوداً أمامهم من السبل. (١)
والكلام عن المسلمين الأوائل يأخذ إلى هذه الأمور، وهي:
١ - أن الاضطهاد لم يكن ليفرق بين الأرقاء والموالى، وبين الاحرار من بيوتات مكة العالية، إلا في ظهوره في الاوائل على روءس الأشهاد.
٢ - أن أولئك الذين أسلموا قد نالهم قسط وافر من التعذيب ليرجعوا عن دينهم، ومع ذلك صبروا وثبتوا، ومنهم من هاجر فراراً بينهم إلى الحبشة، كما سنذكر في مبحث الاضطهاد إن شاء الله تعالى.
٣ - أن الإسلام لم يقف عند حد دعوة الفقراء إلى الإسلام بدليل أن الأكثرية من معتنقيه في تلك الفترة الحرجة والظروف الصعبة كما أشرنا كانوا من أشراف قريش.
وكانوا بعد ذلك القوة الضاربة في أية ملاقاة مع أية عدو، إذ لم يشهد التاريخ أن جيوش سيدنا محمد ﷺ من بدء الجهاد كان الغالب عليهم أنهم من العبيد والموالى، بل كان القادة والفرسان والمشاة كانت أكثر يتهم من أولئك الجند الأبرار من الأشراف، لا يستطيع
стр. 320
أن يمارى في هذا أحد، إذ سجلات التاريخ شاهده بذلك، مع بذلهم وتضحياتهم بأموالهم إنفاقاً في سبيل الله فجمعوا بذلك بين النفس والمال.
ومن ثم نعود إلى القرآن الكريم كمنهج للدراسة، نذكر فيه سيرة أولئك، ثم نرد على "وات" في هذا البحث.
ونذكر آية واحدة في هذا السياق كفيلة بتبين سيرتهم في الكتاب المعظم، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
يقول سيد قطب ما ملخصه مشيراً إلى مراحل بناء المجتمع المسلم، وتكون طبقاته الإيمانية: لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة، إذ أحست قريش – ممثلة الجاهلية – بالخطر الحقيقى الذى يتهددها من دعوة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وما تمثله من تمرد على كل طاغوت في الأرض لا يستمد سلطانه من سلطان الله، والفرار منه إلى الله، وبالخطر الجدى من هذا التجمع العضوى الذى أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة الرسول ﷺ ، هذا التجمع الذى يدين منذ يومه الأول بالعبودية والطاعة لله ورسوله ﷺ لم تكد الجاهلية تستشعر هذا الخطر حتى شنتها حرباً شعواء على الدعوة الجديدة وتجمعها وقيادتها، وأصدرت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن قتنة ومن حيلة. وهو دأب أعداء الاسلام في كل آن وزمان عندئذ تعرض كل فرد في التجمغ الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان. ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والانضمام إلى التجمع الاسلامى الوليد إلا كل من نذر نفسه لله، وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب، والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان.
стр. 321
وبذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربى، فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، وقطع ذلك الطريق الشائك المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة فريدة التكوين.
وهكذا اختار الله تعالى السابقين من المهاجرين من هذه العناصر الفريدة النادرة ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة، ثم ليكونوا مع السابقين من الأنصار القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة. (١)
لقد بايع أولئك السابقون من الأنصار النبي ﷺ في العقبة وهم يعلمون عاقبتها وضريبتها وأن يحاربهم الأصفر والأحمر، وأن ليس لهم سوى الجنة إن هم وفوا بذلك، فلا جرم أن يكونوا مع السابقين من المهاجرين الذين بنوا هذا البنيان وأعدوا هذا الإعداد.
إن تلك النواة الصلبة كانت السبب المباشر في تماسك وصلابة المجتمع في وجه الاعراض والظواهر والخلخلة أحياناً التى كانت وراء تفاوت طبقات المجتمع الايمانية.
لا شك إذن أن المهاجرين - على أي تعريف كانوا - كانت خلاصتهم والكمل منهم أولئك السابقين إلى الإسلام. (٢)
ونظرة أخرى تبين أنهم ما دخلوا الإسلام طمعاً في غنم يغنمونه في هذا الوقت، ولا كان ينتظرونه، ولا إلى شيء يسعون لتحصيله في هذه الدنيا الزائلة، إذ كان الواقع والدعوة والنبي ﷺ وما يحيط به يمنع تصور وقوع شيء من ذلك فضلاً عن انتظاره، لم يكونوا ينتظرون إلا رضا الله عنهم وأن يجاوروه في جنته.
стр. 322
ومن ثم جاء جزاؤهم رضى الله عنهم، وهو أعلى ما ينتظر المؤمن ربه أن يحل عليه رضوانه، فلا يسخط عليه أبداً، وأن يكون من مظاهر هذا الرضا أعظم إكرام وأجزل مثوبة في الدنيا والآخرة.
وإن من علو مقام هذه الصفوة أن يبادلوا ربهم الرضا اللائق بربهم منهم، أن يرفع الله منزلتهم ودرجتهم ليذكرهم ويمدحهم بأنهم رضوا عن ربهم، فذلك حال وشأن لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه، ذلك حالهم الدائم مع ربهم ﵃ ورضوا عنه، أما علامة الرضا فهى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وبتحليل الآية يتجلى:
أولاً: أن الآية جاءت عقب ذكر الفرق المتلبسة بالنقائص على تفاوت بينهما، لتذكر القدوة الصالحة والمثل الكامل في الأيمان والفضائل والنصرة في سبيل الله ليحتذى طالب الصلاح حذوهم، ولئلا يخلو تقسيم القبائل الساكنة بالمدينة وحواليها وبواديها عن ذكر أفضل الأقسام تنويهاً به.
ثانيا: بالتالى جاءت الجملة عطفاً على جملة: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨].
والمقصود بالسبق السبق في الإيمان، لأن سياق الآيات قبلها في تمييز أحوال المؤمنين الخلص، والكفلر الصرحاء، والكفار المنافقين، فكان المراد بالسابقين الذين سبقوا غيرهم من نفس صنفهم أي من المؤمنين.
ويكون من سبقوا غيرهم هم المقصودين سواء المهاجرين قبل أن يهاجر النبي ﷺ إلى المدينة، أو الأنصار الذين سبقوا غيرهم ممن آمن من الأنصار وهم أهل العقبتين الأولى والثانية.
стр. 323
وأن أول مقصود بهذا الخطاب القرآنى هم المسلمون الأوائل بلا دفع، وتلك قيمتهم ومنزلتهم، وهذه عاقبتهم ومآلهم.
والأنصار جمع نصير، وهو الناصر، وهو بهذا الجمع علب على الأوس والخزرج الذين آمنوا بالنبي ﷺ في حياته أو بعد مماته، وعلى أبنائهم إلى آخر الزمان، ويطلق على أبناء المنافقين الذين نشأوا مسلمين حقاً.
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ..
هم الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الإيمان، وأما الأحسان فهو العمل، والباء للملابسة أي اتبعوهم في الإيمان وهم متلبسون بالعمل الصالح الممدوحين عليه والذى اقتدوا فيه بالسابقين، وما بعثهم على ذلك إلا إلاخلاص، ومن ثم فهم محسنون، وما ذكر الاحسان هنا إلا لأن من أتى بعد السابقين الأولين منهم من آمن اعتزازاً بالمسلمين لما صاروا كثرة في المدينة، ومنهم من آمن وفي إيمانه ضعف وتردد كالمؤلفة قلوبهم فربما نزل بهم إلى النفاق وربما ارتقوا إلى الإيمان الكامل، ولذلك قيد الاتباع بالاحسان حتى يدخلوا في وعد الله لهم بالرضا وإعداد الجنات.
وجملة: ﴿﵃﴾، خبر عن ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾، وقدم السابقون المسند إليه، على خبره الفعلى لقصد التأكيد والتقوية.
ورضوا عنه أنه أعطاهم حتى بلغوا الرضا عن الله تعالى، وهو إذ يعطيهم إنما يمدحهم، وهو من أجل الدرجات وأعلى المنازل.
وزادها بالإعداد لهم، أي التهيئة الدالة على العناية والكرامة بهم، الذى يؤذن بكمال الاهتمام حتى لا يكون ماهيأ لهم إلا أكمل نوع.
стр. 324
ولتقديم المسند إليه، والعناية بالمعد لهم، كانت الآية الوحيدة في نظائرها التى حذف فيها من - من تحتها الانهار - لوجود التأكيد والعناية فلا يحتاج إلى من التى ليست إلا للتأكيد مع أسماء الظروف. (١)
اتضح من الآية سيرة وتحليلاً علو الرتبة لأولئك المسلمين الأوائل في الدنيا والآخرة، وفي كل مجالات التضحية والبذل لنشرالاسلام ورفع رايته، ونقف الآن مع «وات» بما سور من صفحات في سيرتهم طمساً لكل أسس السيرة وقواعدها كما فهمنا من منهجه لنبين موقفه مع إسراع الرد وإيجازه عليه، وإن كنا بعد هذا العرض المصغر، لا نحتاج لدفعٍ، ولكن ما باليد حيلة.
ونبدأ كلام "وات" بهذه النظرية التي وضعها، حيث يقول: لما كان النُبل يكون مبدئياً في الإسلام على الإخلاص لقضية الأمة الإسلامية، فقد استغل المسلمون حقوق أجدادهم في النبل والكرامة، ولهذا يجب معالجة أخبار المسلمين الأوائل بحذر. فإذا ما وجدنا أن أحفاد شخص ما، أو المعجبين به يعلنون أنه كان من بين العشرة الأوائل، فمن الحذر الافتراض أنه كان على الأغلب الخامس والثلاثين بينهم (٢).
وهذه النظرية من "وات" لا تحمل سوى التشكيك والسخرية التى حملته على التناقض والمغالطة ومخالفة الواقع والادعاء الباطل، إلخ .. ولذا صدق هذا النقد بقولنا:
أولاً: أن المسلمين يقوم إخلاصهم لقضية الإسلام على النبل، فإذا كان النبل هو الحامل على الإخلاص فلماذا لم يؤمن كفار قريش وفيهم من النبلاء كُثُر، فضلاً عن إخلاصهم للإسلام، خاصة وإن من كانوا نبلاء في الجاهلية (٣)، كانوا هم النبلاء في الإسلام،
стр. 325
إن ذلك دليل من "وات" على عدم فهم قضايا دين الإسلام، ومقوماته ومبادئه، فكيف يهاجمه مدعياً العلم به، والتخصص فيه.
ثانياً: أن المسلمين استغلوا حقوق أجدادهم في النبل والكرامة، ليلحقوهم بالمسلمين الأُوَل؛ منذ متى كان المسلمون يستغلون حقوق الغير في النبل والكرامة، وكيف تُستغل؟! ولمصلحة من؟!
إن كلام "وات" يدل ابتداء على الجهل مرة أخرى بقضايا الإسلام، إذ أن إسلام شخص أو كفره، إنما هو له أو عليه، وأن المسلمين إنما يثبتون الصدق الذي أمرهم الله تعالى به، وينهون وينفون خلافه، وهو ما نهاهم الله تعالى عنه، ثم - وهي الطامة
ل"وات" - فليدلنا على واحد فقط من المؤمنين الموثقين المتقين استغل ذلك ليكذب، وينسب لأهل النبل شيئاً لم يكن.
وإن "وات" لم يأخذ حذره إذ لو قلنا ما مصلحة الحفيد أن يستغل نبل الجد وكرامته يقول "وات" ليثبت بهذا الاستغلال نبل الجد وكرامته نعم العقل إذا أو أنه من السابقين، وماذا فيها في منطقك ومنهجك أن نثبت للجد النبل بقية النبل ونعده بسبب نبله من المسلمين الأوائل دعنا من ذلك، ولنعكس القضية وهي الأهم مَنْ مِنْ الاحفاد قد استغل موقعه ومنصبه ليثبت لجده الكافر نبلاً وكرامة، أو إسلاماً وإخلاصاً وهذا ادعى وأهم، بل لقد ذكروا أجدادهم بكل ما علموا من كفر كما ذكروا أجداد غيرهم بما حازوا من إيمان.
والمعنى أن كتاب السير الاسلامية بالذات هم أجدر الناس وأحراهم بالكتابة الصحيحة المسندة، التى خضعت للنقد العلمى النزيه، سنداً ومتناً بما لم تشهد له البشرية نظيراً فكيف تتفق الروايات على الباطل وهي مختلفة الأسانيد، ثم هذا يخالف القواعد المنهجية التى وضعها المحدثون ليميزوا الصحيح المسند إلى النبي ﷺ وإلى غيره مما لم يصح
стр. 326
متنه، ولا تصح نسبته (١)، وهذه القواعد لا علاقة لها بالسياسة، ولا بالمجاملة، بل هي قواعد تعتنى بمعرفة الصحيح وغيره من حيث هو بغير علاقات أخرى، والدارسون لذلك من المستشرقين يعلمون ذلك لا يمارون فيه.
ثالثا: نرد على فكاهة "وات" كذلك وهي أن من المعجبين بشخص من يلفق له ويكذب أنه من السابقين الأوائل إلى الإسلام، والرد هو أن الأحفاد أو المعجبين بشخص لا يمكن أن يخفى كلامهم، وبالتالى لابد حسب منطق الاشياء أن يكون مجال أخذ ورد، إذ لابد أن يجد من يقول له كذبت ليس منهم أو أخطأت لم يكن سابقاً إلى الإسلام أما أن يجتمع كل هذه الالاف في كل الاقطار على ذلك، فلابد أن يكون صحيحاً، ولا نعلم من المعجبين بهم في ذلك إلا على بن أبى طالب حيث أورد له الشيعة، الصحيح والباطل، لينسبوا إليه ذلك، وهو ﵁ ليس في حاجة إلى ذلك، وإن "وات" نفسه قد أثبت أنه من الأولين، وهي لطيفة من لطائف "وات" أن المعجبين والأحفاد أثبتوا له ذلك، ولم يتحفظ "وات" ولم يحذر كما يطلب منا.
أما الفكاهة الأصلية فهى أن "وات" يزعم أن كل من قيل عنه إنه من السابقين فهو الخامس والثلاثون في القائمة، ولا يدرى أي بحث هذا أم أنه يريد أن يضحكنا ولمَ الخامس والثلاثون وليس الرابع والثلاثين، حتى سخريته وفكاهته لا تحمل إلا الكذب ومخالفة الواقع إذ أن الخامس والثلاثين في القائمة ليس أياً ممن ذكر "وات".
أم أن المتقدمين الأوائل رضوان الله عليهم قد حجزوا المقعد الخامس والثلاثين لمن سيأتى من الأحفاد والمعجبين ليضعوا فيه جدهم أو محل أعجابهم!؟ فخالفوا ذلك ووضعوهم في العشرة الأوائل، أو ضاق المقعد بالمعجبين فوزعوهم على المقاعد الأولى الفارغة!!؟
стр. 327
رابعاً: يذكر "وات": ومثلاً قول الطبرى إنه بعد هؤلاء الثلاثة، على وزيد وأبو بكر الذين كانوا أول من انتمى إلى الإسلام يأتى عدد من المسلمين الذين جاء بهم أبو بكر موضع شك؛ لأن هؤلاء الرجال المذكورين هم في الحقيقة الخمسة الذين أصبحوا القادة على حين وفاة عمر، فقد عينهم لتأمين انتخاب الخليفة. وإنه من الصعب القول بأن هؤلاء الخمسة أنفسهم قد جاؤوا معاً إلى محمد قبل عشرين سنة عند بدء الإسلام. وأسماؤهم هي عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبى وقاص، طلحة بن عبيد الله. (١)
والرد على "وات" أين الحذر من الأحفاد والمعجبين في هذه القصة، وأين هم أصلاً ليضعوا هؤلاء الخمسة في السابقين إلى الإسلام.
إنهم كانوا من السابقين حقاً إلى إلاسلام، وإلا فأين مصادر "وات" التى تثبت خلاف ذلك وليس له إلا مصادر الإسلام، وقد انتفى حذره من الأحفاد والمعجبين، فماذا بقى له من تخوف لتكون المصادر قد نقلت الحق والواقع كما هو، أم أنه كان يريد أن يلفقوا له مصادر تنفى الحق لتكون حقاً في نظره عجيبة طريقة البحث هذه ليست بحثاً إنها تشكيك لا سند له ولا منطق ليت لهذا التشكيك - بعد كلامه هو - ذرة من دليل يؤيده والمتصور المعقول هو أن عمر ﵁ قد اختار هؤلاء الخمسة لسبقهم إلى الإسلام إذ تلك عادته في تقديم الصحابة ومجلس مشورته، فإذا بفعل عمر هذا عند "وات" يصبح مادة الاشتباه في صحة سبق هؤلاء الخمسة إلى الإسلام، وتلك عجيبة العجائب في قلب الحقائق رأساً على عقب. فبدلاً من أن تكون الحادثة دليل سبقهم صارت شبهة عدم سبقهم!! (٢)
стр. 328
ثم يقال ل"وات"، ما موضع الشك في الحادثة أي في اتيان هؤلاء الخمسة ليسلموا قبل عشرين سنة، وهي في الحساب خطأ من "وات" إذ لو حسبنا عُمْرَ دعوة النبي بثلاث وعشرين سنة وخلافة أبى بكر بسنتين ونصف وعمر أكثر من عشر سنين لكان الحساب الصحيح انهم أتو النبي ﷺ قبل خمسة وثلاثين عاماً ما المانع في ذلك عقلاً أو عادة أو واقعاً أو على أي نحو من مناحى المنطق، لقد جاء على بن أبى طالب ليُسْلِمَ قبل ثمانية وخمسين عاماً من عند بدء خلافته ﵁، وهذه لا يمارى فيها "وات".
وما رأى "وات" - وهو يعلم ذلك - أن هؤلاء الخمسة من العشرة الذين بشرهم النبي ﷺ بالجنة في حياته المكرمة، فليس إذن في حاجة إلى أحفاد ولا معجبين ليضعوهم في العشرة الاوائل في الإسلام بعدما وضعهم الله جل وعلا على لسان نبيه في هذا الإخبار بالغيب ضمن عشرة لا مقدم عليهم.
ثم النظرة الأخيرة - وليس للكلام مع "وات" آخر - كما ذكرنا إذ في كل سطر مما كتب ضلال تفنى الحياة ولم يستكمل المرء رده عليه، وهو من قدم على هؤلاء المكرمين أحداً أو قال لقد سبقهم فلان أو فلان إلى يومنا هذا، فلم الشغب بما يهمله الواقع ولا نتيجة له إلا الخزى والباطل بما هذا البحث لا طائل تحته من "وات"، لأنه بحث لم يؤد إلى نتيجة وفائدة، بل على العكس خالف الواقع وفهم هذا الواقع، استخرج لنا"وات"، أو اكتشف سبباً جديداً آخر لسبق هؤلاء إلى الإسلام، ألا وهو الصراع الطبقى، وهو من المناهج التى ظهرت في القرن الأخير، وطبقها "وات" بمنهج الإسقاط وهو أن يسقط هذا الجديد على ما مضى من خمسة عشر قرناً، إن البيئة القديمة لم تسمع بهذا المصطلح، فضلاً عن أن تطبقه أو أن تدعو إليه، أو أن تفسر الأحداث، أو أن يكون له واقع تفلسف به الأمور حتى عند إهمال المصطلحات والنظر إلى معانيها ومضامينها.
стр. 329
إن تطبيق المصطلحات الجديدة، وفي بيئاتها الجديدة، والتى هي مختلفة عن البيئات القديمة وعن البيئات العربية بالذات، لهو بحث فيما لا علاقة له بالبحث، إنه إمساك بأطراف غريبة أجنبية عن البحث تؤدى إلى نتيجة لا نسب بينها وبين ما بحثت فيه، وليست النتيجة في النهاية إلا من عمل الباحث وفي عقله، وما يريد ويهوى لا بما يقوده إليه البحث هذا إن اعتبرنا أن البحث في هذه الطريق لا علاقة بالأبحاث أصلاً.
ذلكم «وات»، وليته جعل إسلام الطبقات الدنيا هي صاحبة المشكلة، فاصطدم بأن وجد السابقين ليسوا كلهم من الفقراء الذين لهم مآرب في مصارعة الأغنياء للحصول على فرص متكافئة.
ومن ثم ركز صراعه وهو عجيب بين الطبقة الوسطى والتى أعلى منها، وهو على حد علمنا كما بينه أصحابه المحدثون لا علاقة له بالصراع الطبقى الذى ينشأ ونشأ على بحث الغربيين في الصراع في أوربا. بعد هذه المقدمة نرجع إلى كلامه "وات" نفسه لنناقشه حيث يقول: إن الإسلام لم يستمد قوته من رجال الطبقة السفلى من السلم الاجتماعى، بل من أولئك الذين كانوا في الطبقة الوسطى، وأدركوا الفارق بينهم وبين أصحاب الامتيازات في الذروة، فأخذوا يقنعون أنفسهم بأنهم أقل امتيازاً منهم، فنشأ صراع ليس بين المالكين والمعوزين بل بين المالكين والذين أقل منهم.
وهنا نرى"وات"، يحدثنا عن متناقضات، وأمور لم تحدث، وواقع لم نسمع به مخالف على أقل تقدير لما نقله أصحاب السيرة، فضلاً عن مخالفته لدعوة الإسلام ومبادئه أما الأمور التى لم تحدث فهى أن هذه الطبقة المتوسطة أخذت تفنع نفسها بأنها أقل امتيازاً من الأعلى حتى نشأ الصراع، ولم يخبرنا "وات" كعادته بمصدر واحد استقى منه هذه المعلومات، التى لا شك في انتشارها إذ هي مبادئ الصراع وأفكاره.
стр. 330
ثانياً: أن شباباً من أفضل العائلات في مكة قد انتمى للإسلام، وخير مثال هو خالد بن سعيد بن العاص هذا كلام "وات" بنصه فما الذى حمل هؤلاء وهم أعلى درجات السلم الاجتماعى على الإسلام؟ وما هو الصراع الطبقى الذى أخذوا يحدثون به أنفسهم؟ بل أين حظ هذا الكلام من واقع ملموس نتشبث به في وقوع تفكير من ذلك فضلاً عن حدوثه؟ إن الواقع وانتشاره من الأدلة على أن تلك الأحداث لها حظ من الحقيقة كان على "وات" أن يبحث عن الأسباب الكامنة وراء إسلامهم، ليعطى للبحث شيئاً من القيمة والمصداقية، إن الخواء الروحى، والتطلع إلى ما يملأ القلب ويروى هذا الظمأ الروحى القلبى كان السبب المباشر، إذ لا يعقل أن يترك هؤلاء حياة الرفاهية والعلو الاجتماعى والسياسي، ثم بعد ذلك يحاربون لتحصيلها مرة أخرى هذا شيء أشبه بالخيال والعبث واللامعقول.
أما مخالفة مبادئ هذا الدين فتظهر مما يلى:
١ - أن الإسلام جاء ليدعو الناس كافة إلى توحيد الله وعبادته، ولا يعدهم بشيء إلا الجنة كما ذكرت السيرة في مبايعات الرسول ﷺ ، ولم يفرق في الدعوة إلى الإسلام بين فئة وأخرى وهي دعوته إلى أن لقى الله ، ودخل من دخل فيها وهو يعلم تبعات ذلك ومشقاته كما أشرنا ونشير إن شاء الله تعالى.
٢ - أن تفكير المؤمنين وتحركاتهم كل ذلك مرجعه إلى أمر الله تعالى ورسوله، وأن أفكارهم وحياتهم قد صيغت على نحو جديد لا علاقة له بالموروث الجاهلى المخالف، وما كان ليأمر بذلك ويحدده، ويصير صاحبه مسلماً إلا باتباع النبي ﷺ ، فأين ذلك في دينه وجهاده وحياته حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟ إن المسلمين لم يكونوا ليفكروا أو ينشئوا شيئاً من بنات أفكارهم أو علاقتهم دون إذنه أو أمره، إن ذلك من "وات" تفريغ الدعوة من ارتباطها بالسماء وأنها وحى يوحى من الله، كما هو دأبه في دراسة السيرة.
стр. 331
إن ما ظهر من دراسة السيرة في السنة النبوية والقرآن الكريم كما وضحنا لتظهر القيمة العليا لأولئك الأبرار الأُول الذين لم يكن لهم هم ولا توقع ولا انتظار لدينا حتى يشغلهم صراع طبقى مدعى، أو غيره مما لا يسير إلى نفس الاهداف وبالطريقة التى حددها لهم الله تعالى.
إنما كان شغلهم الدائم هو: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١]، مهما لاقوا في سبيل ذلك لا يثنيهم عن المضى فيه شيء، قدوتهم الرسول ﷺ كل ذلك ابتغاء وجه الله الأعلى.
إن قضية الإسلام كانت تعترضها أفكار الملأ وتخوفاتهم على زعامتهم أن تنقل لسيدنا محمد ﷺ عندما يدينون له بالطاعة لله، وهو ما رفضوه اعتباراً لدين آبائهم وتقاليدهم وخشية على مصالحهم وزعامتهم، أما الشباب فلم يكونوا على هذا الفكر، خاصة مع البحث واللهث عن الحق الذى يدينون به والذى لم يجدوه في يهودية ولا مسيحية وأصنام.
نكتفى بالرد عند هذا الحد على "وات" خاصة، وأن كلامه لن يغير من الواقع والتاريخ شيئاً، ولا هو يزيد علماً ومعرفة وتبيينا لحقائق التاريخ، فهو لا يزيد على قليل من الغبار الاسود الداكن يود أن يحجب به وجه الشمس المشرق، وأن يلوى به أعناق البحث العلمى الصلب المتأبى على التدليس.
стр. 332
المبحث السابع
الجهر بالدعوة
يبدو أن تكتم النبي ﷺ بأمر دعوة الناس إلى الله تعالى، قد انتهى تقريباً بنزول قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، إذ خرج ﷺ إلى جبل الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا من هذا: فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقى؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك، أما جمعتنا إلا لهذا!! ثم قال: فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١].
وقال أبو هريرة ﵁: لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص، فقال: «يا بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى هاشم! يا بنى عبد المطلب! ... يا فاطمة فإنى لا أملك لكم من الله شيئاً ...». (١)
كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد فاصل الرسول ﷺ قومه على دعوته،
стр. 333
وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبية القرابة التى يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتى من عند الله. (١)
ومن الطبيعى أن يبدأ الرسول ﷺ دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، إذ إن مكة بلد توغلت فيه روح القبلية، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته وتأييده وحمايته، كما أن القيام بالدعوة في مكة لابد أن يكون لها أثر خاص لما لهذا البلد من مركز دينى خطير فجلبها إلى خطيرة الإسلام لا بد أن يكون له وقع كبير على بقية القبائل، على أن هذا لا يعنى أن رسالة الإسلام في أدوارها الأولى محدودة بقريش، لأن الإسلام اتخذ قريشاً الخطوة الأولى في دعوته العالمية حيث نص في أوائل ما نزل على عالميتة ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [ص: ٨٧] (٢)، وكان الموقف السلبى لعشيرة الرسول ﷺ ، وقريش من الدعوة دليلاً على المصورين له بدعوة القومية العربية، أو الحزب الهاشمى، إذ كان من رؤساء العشيرة أبو طالب وأبو لهب ممن مات على الكفر. (٣)
ثم يشير ترتيب الدعوة بإنذار الأقربين، إلى هذا الأولويات التى ينبغى أن يراعيها الدعاة إلى الله تعالى وكل داع حال دعوته، ودرجات المسؤلية التى تتعلق بكل مسلم خصوصاً وعموماً. (٤)
ونعود إلى إسلام أبى ذر مرة أخرى، حيث قد أسلم ﵁ على التحقيق في فترة الجهر بالدعوة.
стр. 334
حيث استدل الحافظ بن حجر بقصة إسلام أبى ذر، واستضافة على بن أبى طالب ﵃ أجمعين إلى كونها بعد المبعث في سن يتمكن فيها على معرفة الغريب وسؤاله، والحيطة والحذر في الكلام معه ثم استضافته.
ونذكر الروايات الصحيحة أن أبا ذر ﵁ كان منكراً لحال الجاهلية، يأبى عبادة الأصنام وينكر على من يشرك بالله، وكان يصلى لله قبل إسلامه بثلاث سنوات دون أن يخص قبلة بالتوجه ويبدو أنه كان متأثراً بالأحناف، ولما سمع بالنبي ﷺ قدم إلى مكة، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه على ﵁ فعرف أنه غريب، فاستضافه ولم يسأله عن شيء، ثم غادره صباحاً إلى المسجد الحرام فمكث حتى أمسى، فرآه على فاستضافه لليلة ثانية، وحدث مثل ذلك في الليلة الثالثة، ثم سأله عن سبب قدومه، فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة الرسول ﷺ فقال له على: «فإنه حق وهو رسول الله فإذا أصبحت فاتبعنى، فإنى إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء فإن مضيت فاتبعنى، فتبعه وقابل الرسول ﷺ ، واستمع إلى قوله فأسلم، فقال له النبي ﷺ : «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى، فقال: والذى نفسى بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم؛ فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه»، فأتى العباسُ بن عبد المطلب فحذرهم من انتقام غِفار (١)، والتعرض لتجارتهم التى تمر بديارهم إلى الشام. فأنقذه منهم.
وهذه الرواية تفيد وجود بعض الأحناف في البوادى، ولعل ما بدا من حذر على ﵁ وما وقع من ضرب قريش لأبى ذر، ومن وصف أنيس أخى أبى ذر الحالة في مكة عندما
стр. 335
دخلها قبل دخول أبى ذر، فقال لأخيه: وكن على حذر من أهل مكة فقد شنقوا له وتجهموا.
كل ذلك يفيد إعلان الدعوة والجهر بها، وزيادة المعاناة والاضطهاد للداخلين في الإسلام.
وهناك قصص أخرى من قصص دخول غير المكيين في الإسلام تبين بوضوح وتظهر بجلاء الاعلان بالدعوة، والتبعات العظام التى زادت على المؤمنين وعلى من أسلم في تلك الفترة، كما سنشير إلى أنواع الاضطهاد والأذى في معاملة المكيين وغيرهم لمن دخل الإسلام في مكة، وفي قبائلهم.
ودخل الإسلام في هذه الفترة ضماد - من أزد شنوءة - فقد تم في مرحلة الجهر بالدعوة، حيث وصف المشركون الرسول ﷺ بالجنون فجاءه ليرقيه من مس الجنون، فسمع من الرسول ﷺ فأسلم. (١)
وكذلك قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى، وأنه دعا الرسول ﷺ للالتجاء إلى حصن المنيع، فأبى الرسول ﷺ ذلك (٢). ولابد أن دعوة الطفيل ﵁، تلك كانت عند اشتداد المقاومة القرشية. (٣)
стр. 336
المبحث الثامن
معنى الاضطهاد
نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر: ٩٤]، ومازالت أصداء جهره ﷺ بالدعوة تموج بها جنبات مكة المكرمة، وأسرع ﵊ صادعاً بالحق بعد إنذارهم، داعياً إلى هجر الأوثان، مواجهاً للمشركين بحقائق التوحيد، وبفساد الشرك، داحضاً أباطيل الجاهلية مسفهاً عقول المؤمنين بها، التى توارثوها خلفاً عن سلف، وهم مدركون تمام الإدراك لجدواها في تحقيق مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، الناجمة عن سدنتهم للكعبة بيت إبراهيم ﵇، وما يتبع ذلك من حركات البيع والشراء التى من خلالها يجنون أرباحهم ومكانتهم، ما كانوا إذن ليتركوا من الناحية العقيدية تلك الموروثات، التى هي السبب المباشر في ثرائهم وسيادتهم، ولو أدى ذلك إلى اتخاذ كل الاجراءات القاسية لوقف هذه الدعوة ووأدها.
بدأ أصحاب النفوذ والسطوة والمصالح إذن مجابهة الدعوة، والوقوف في وجهها بشتى الأساليب، سواء كان في مواجهة النبي ﷺ الذى يمثل الخطر الداهم عليهم، أو في مواجهة من آمن ودخل في الإسلام. (١)
стр. 337
أذى الرسول ﷺ
ونبدأ بما لقى الرسول ﷺ من الأذى ونتبعه بما لاقى الصحابة ﵃، كل ذلك مما جاءت به السيرة، ثم نرتب أنواع المحاربة، والمواجهات التى قام بها المشركون لإيقاف الدعوة ومجابهتها، ثم نلخص ما ورد في القرآن الكريم من هذه السيرة، وبعدها نقف مع "وات" لنذكر كلامه في هذا البحث «الاضطهاد»، لنرى أنه لا يستحق الرد.
أتخذ الأذى صوراً شتى من السب العلنى بكل أساليبه وألفاظه، ومن الضرر المادى.
وهذا الروايات تعتضد لتثبت الوقوع التاريخى للحدث، ويجيء الاثبات القرآنى الجليل ليؤكد صحة ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، دون التعرض لكل الجزيئات إذ ذلك ليس من مقصود القرآن الكريم ككتاب هداية ونور.
من هذه الروايات ما جاء عن أم جميل بنت حرب، امرأة أبى لهب أنها أقبلت عندما نزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١]، وهي تنشد: مُذَممٌّ أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصيناً، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁ فسألت أبا بكر إن كان النبي قد هجاها، فنفى ذلك (١). وكان رسول الله ﷺ يفرح لأن المشركين يسبون مذمماً يقول: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنى شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً وأنا محمد». (٢)
ويحكى عبد الله بم مسعود ﵁ وهو أحد شهود هذه القصة فيقول: «بينما رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائى! أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرسها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم
стр. 338
يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه. وثبت النبي ﷺ ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلى فاطمة رضى الله عنها - وهي جويرية - فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش».
ثم تسمَّى: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بي ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبى معيط وعمارة بن الوليد، قال عبد الله بن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب - قليب بدر - ثم قال رسول الله ﷺ : «وأتبع أصحاب القليب لعنة». (١)
وقد بينت الروايات الصحيحة الأخرى أن الذى رمى الفرث عليه هو عقبة بن أبى معيط، بتحريض من أبى جهل، وأن المشركين تأثروا لدعوة الرسول ﷺ وشق عليهم الأمر لأنهم يرون أن الدعوة بمكة مستجابة. (٢)
وقد ثبت أن الرسول ﷺ دعا على قريش لما كذبوه واستعصوا عليه فقال: «اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة فخصت كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود، وجعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من الجوع».
فأتى أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، وقد أثبت القرآن الكريم هذا الحادث فقال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)
стр. 339
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥].
فلما دعا ربه لهم آملاً في توبتهم عادوا إلى كفرهم ونسوا ما أخذوا على أنفسهم من الإيمان مما حكاه القرآن الكريم عنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾. (١)
ونلاحظ أن دعاءه عليهم ﷺ لم يكن بسبب أذاهم له، وإنما بسبب الإمعان في التكذيب والوقوف في وجه إيمان غيرهم فطالما احتمل أذاهم، ولم يَدعُ عليهم، بل دعا لهم بالهداية بما يدل على أعلى مثل في الصبر، والاحتمال وإن أوذى في ماله ونفسه وأهله. (٢)
وهو الذى تدل عليه سيرته من أنه لما قال له جبريل هذا ملك الجبال لو أردت أن يطبق عليهم الاخشبين لفعل، فأبى لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله ولئن كان ذلك في مكة فلقد كان في المدينة مثالاً أعلى لذلك أيضاً ففى غزوة أحد وقد شج وجهه الكريم وكسرت رباعيته، وهو يقول والدم يسيل على وجهه اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون، وما كان ليفسر دعاؤه في الحالة السابقة، إلا بقوله هو ﷺ اللهم أعنى عليهم يعنى أن دعاءه عليهم كان من باب التدليل على قوة الله ونصره، وأنه نبيه وأنه صاحب رسالة منه فكان تصديق الله له بإنزال شيء من العقوبة بهم سبيلاً لتخويفهم حتى يؤمنوا وفعلاً قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾، فكان ذلك كالعون من الله له على دخولهم في الإسلام برؤيتهم مصداق دعائه.
ونستكمل تلك الصورة الأليمة فيما لاقاه النبي ﷺ يقول ابن حجر فيما صح عن أنس ﵁ قال: «لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غشى عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادى: ويلكم
стр. 340
أتقتلون رجلاً أن يقول ربىَ الله؟ فتركوه وأقبلوا على أبى بكر» (١).
إن حرص الرسول ﷺ على الصلاة في المسجد الحرام أدى إلى الاحتكاك بالمشركين مراراً، وحرصه على إظهار شعائر الإسلام، واحترام الكعبة، ولقاء الناس لأغراض الدعوة، ومن هنا حاول المشركون صده عن تحقيق ذلك بكل أنواع الأذى، ولم ينقطع التهديد باستمرار الأذى ولو وصل إلى القتل، وذلك على لسان زعماء قريش منذ أن بدأت الدعوة العلنية، وكان يشتد ذلك ويتصاعد مع الأيام، ونذكر شيئاً مما وقع له في تلك الأيام إلى أن اضطر إلى الهجرة فمن ذلك:
ما حدث من أبى جهل عندما قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم.
فقال: واللات والعزى؛ لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لا عفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ ، وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته، فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقى بيديه. فقيل له: ما لك؟
فقال: إن بينى وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة.
فقال رسول الله ﷺ : لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضواً عضواً.
ولقد خلد القرآن الكريم هذا الحدث، فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٦ - ١٠].
وقد ذكروا في أسباب النزول أن هذه هي المرة التى جاءه أبو جهل فقال: ألم أنهك عن
стр. 341
هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ بعد أن نَهَرَ أبا جهل وأغلظ له القول، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر منى، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٧ - ١٨]. (١)
وقد سأل عروة بن الزبير وعبَد الله بن عمرو بن العاص: أخبرنى بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ : قال: بينا رسول الله ﷺ يصلى بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط، فأخذ بمنكب الرسول ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمكبه، ودفع عن رسول الله ﷺ ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
وكان رسول الله ﷺ يذكر شيئاً مما لاقاه من أذى قريش فيقول: «لقد أُخفتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علىَّ ثلاثون ما بين يوم وليلة ومالى ولا لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال» (٢)
وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله ﷺ بالشروع والاتفاق والإعداد والقيام بالمحاولة بالمحاولة الآثمة لقتله في أواخر المرحلة المكية مما عجل وكان سبباً مباشراً في هجرته ﷺ إلى المدينة المنورة.
وإن محاولة قتله ﵊ لم تقف عند ذلك الاتفاق قبل الهجرة مباشرة، بل وقع من الملأ من قريش قبل ذلك، إذ يحكى ابن عباس رضى الله عنهما تعاهداً على ذلك
стр. 342
تم في الحجر من الحرم الشريف حيث يقول: «إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمداً قمنا إليه قيامَ واحدٍ، فلم نفارقه حتى نقتله فأقبلت فاطمة تبكى حتى دخلت على أبيها. فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، قال: يا بنية أدنى وَضوءاً، قتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا هذا هو، فخفضوا أبصارهم، وعَقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رءوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه، قال: فما أصابت رجلاً منهم حصاة إلا قد قتل يوم بدر كافراً». (١)
ولزاماً لابد من الإشارة إلى بقية المواجهات، وأساليب الأذى التى أنزلها المشركون بالنبي ﷺ وجابهوه بها، خاصة وقد ذكرها القرآن الكريم بشيء من التفصيل، كل ذلك قبل أن نبين الاضطهاد الذى حل كذلك بالمؤمنين.
وإننا نخوض بعض الشيء في تفاصيل ذلك، حتى يكون الدليل الساطع في الرد على "وات"، في منهجه وآرائه في قضية الاضطهاد.
ومن أبرز تلك الأساليب:
١ - كان لجؤوهم إلى إبى طالب ليكف النبي ﷺ عن دعوته، أو رفع يده عن حمايته ونصره حيث ذهبت مجموعة من أشرافهم إلى عمه بتلك المطالب، أو أن ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين، فكفى ما أتى به من سب آلهتهم، وعيب دينهم وتسفيه أحلامهم، وتضليل آبائهم وإن أبا طالب أرسل عقيلاً – ابن أبى طالب – إلى النبي ﷺ فلما حضر قال له عمه: إن بنى عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته
стр. 343
عن أذاهم، فحلق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة، فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخى فارجعوا.
وإن المتأمل في هذا الموقف ليعلم أمرين:
الأول: عدم تردد أو نكوص أصحاب الدعوة عما أمروا به، وأنهم يجب أن يمضوا في القيام بواجب البلاغ مهما تحملوا في سبيله، مستمسكين بذلك، بل إن تركهم ذلك لمن المستحيلات التى لا يمكن أن تكون إلا أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً.
الثاني: أن تراتيب حماية ونصرة الدعوة لبيد الله جل وعلا، وتقع من حيث لا يحتسب الدعاة والمصلحون، فهذا الموقف من أبى طالب وهو كافر قد استخدمه الله فيه للذود عن النبي ﷺ وإنها من حكم الله البديعة إذ لو كان مسلماً لنازله الكفار ولآذوه مع النبي ﷺ ، وما كان ليكون له من جاه وهيبة واحترام، وإنما كانوا سيتجرأون عليه، ويبسطوا إليه أيديهم والسنتهم بأسوأ السوء.
٢ - الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه:
ومن هذه الاتهامات:
- الجنون، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]، وقد رد عليهم بقوله سبحانه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ [القلم: ٢ - ٣]، حيث بيناه من قبل.
- السحر والكذب، وقد ذكر ذلك القرآن الكريم في ضمن ما كادوا به النبي ﷺ فقال
стр. 344
تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ [ص: ٤]، ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان: ٨]، وقد قال الوليد بن المغيرة، عندما جاء موسم الحج للملأ من قريش الذين سيقومون بصد الناس عن دعوة الرسول ﷺ : «يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكدب بعضكم بعضاً .....»، ومع أنه هو نفسه قد أكد لهم أن محمداً ﷺ ليس ساحراً ولا مجنوناً ولا كاهناً ولا شاعراً، إلا إنه ارتضى لنفسه ولهم أن يقولوا إنه ساحر ألا ترون كيف يفرق بين المرء وزوجه والولد ووالده وتفرقوا على هذا القول، وأخذوا يتلقون الناس يحذرونهم من أمر الرسول ﷺ ، ومع ذلك شاءت إرادة الله أن ينشر ذكره في بلاد العرب بسبب من ذلك. (١)
وأما اتهامه بالكذب فقد قال الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤].
- واتهموه بالإتيان بالأساطير قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥].
- واتهموه بأن القرآن من عند البشر، وأن الله لم ينزل عليه شيئاً، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال أيضاً: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
٣ - السخرية والاستهزاء والضحك والهمز واللمز والتعالى على المؤمنين، لم يقف
стр. 345
المشركون عند حد في سوء تعاملهم مع النبي ﷺ والمؤمنين، فأخذوا في أسلوب آخر يواجهون به المؤمنين، ويثبطونهم به عن الدعوة إلى الله تعالى، وشغلهم بشحن نفوسهم بالضيق والحزن عن مواصلة البلاغ المبين، وفي ذلك يقول المولى : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَن اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال ذاكراً لمزهم موبخاً لهم عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠].
وثبت من طرق صحيحة أن أشراف قريش اجتمعوا يوماً في الحجر يتذاكرون أمر الرسول ﷺ وما جاء به، وبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ليطوف بالبيت. فلما رأوه غمزوه ببعض القول ثلاث مرات، فقال لهم: «يا معشر قريش، أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح .....» (١)، وقد فزعوا من هذا الموقف.
وكان من سخريتهم كذلك واستهزائهم ما قص القرآن الكريم في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان: ٤١].
وقد مَرَّ ﷺ يوماً بجماعة من زعماء قريش فهمزوه، واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]. (٢)
وروى البخاري أن امرأة قالت للرسول ﷺ ساخرة مستهزأة: إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً. فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا
стр. 346
سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. (١)
وقد نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]، لتدل على وجود هؤلاء المستهزئين، وشدة استهزائهم وأذاهم، بدليل ما فعل الله تعالى بهم، وكان فعله - سبحانه - بهم تسلية للنبى ﷺ وتقوية لعزمه.
وكان من هؤلاء المستهزئين رؤوس الكفر وأئمة الضلال، فأرسل الله سبحانه عليهم جبريلَ ﵇، بأنواع العقوبات، حيث أبادهم وقطع دابرهم، بأن عاقبهم عقوبات شديدة في أبدانهم، ليكونوا عبرة لغيرهم، ويكفى نزول القرآن الكريم بذلك المعنى، وهؤلاء المجرمون هم: الأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأسود بن عبد يغوث الزهرى، والوليد بن المغيرة المخزومى، والعاص بن وائل السهمى، والحارث ابن عيطل السهمى (٢).
وكان من كبار المستهزئين أبو جهل، وروى عنه البخاري أنه قال مستهزئاً: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.» (٣)
واستكمالاً للسخرية والاستهزاء المنبنية على التعالى والكبر، قال المشركون
للنبى ﷺ : لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء، يعنون صهيباً وبلالاً وخباباً فاطردهم عنك، فهم النبي ﷺ بذلك طمعاً في إسلامهم وإسلام قومهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ
стр. 347
شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢]. (١)
سب القرآن ومنزله ومن جاء به والتشويش عليه:
ثبت عن ابن عباس ﵄ قوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، أنها نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن. (٢)
وزيادة على ذلك، نهى الله المسلمين أن يسبوا أصنام المشركين لئلا يكون ذريعة لهم فيسبوا الله تعالى اعتداء وجهلاً فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وكان المشركون مع ذلك يتواصون بافتعال الضجة العالية، والصياح المنكر عند قراءة القرآن الكريم، منعاً لسماع الناس له، أو لوصول الهدى إلى أحدٍ عندما كان الرسول ﷺ يقوم بتبليغ دعوة الله تعالى، وفي ذلك نزل قوله سبحانه واصفاً تلك الحالة المنكرة والتواصى بها:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦]. (٣)
أسلوب المساومات والترغيب والترهيب:
وكان من أساليب قريش في صد الدعوة، ومجابهة النبي ﷺ ، أسلوب المساومة، ولم يكن
стр. 348
ذلك إلا لترك الدعوة كما ظنوا في نهاية المطاف، سواء في أن يسكت النبي ﷺ عن آلهتهم، وكذلك هم يسكتون عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]، أو بأن يعبدوا إلاهه يوماً، ويعبد آلهتهم يوماً، كما في قوله تعالى واصفاً هذا العرض ناهياً عن ذلك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦]. (١)
وعندما اشتكى أبوطالب وزاد ثقله، قال كفار قريش لقد أسلم حمزة وعمر، وفشا أمر محمد ﷺ في القبائل، فانطلقوا بنا إلى أبى طالب، ليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، فإنا والله لا نأمن أن يبتزونا أمرنا، وعندما جاء وفدهم إلى أبى طالب قال للنبى ﷺ : «يابن أخى هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ نعم كلمة واحدة يعطونيها يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم. وفي رواية: تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله. فقال القوم: كلمة واحدة؟ قال: نعم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك عشر كلمات، قال: تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دون الله. فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: يا محمد تريد أن تجعل الآلهه آلهاً واحداً؟ إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم الله بينكم وبينهم، ثم تفرقوا، فأنزل الله فيهم أول سورة «ص» (٢). أما أسلوب الترغيب، فقد استخدمته قريش لإثناء النبي ﷺ عن دعوته، ومن ذلك أنها أرسلت عتبة بن ربيعة للرسول ﷺ فقال له: يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من
стр. 349
المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع منى أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها: إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.»
فلما فرغ من قوله تلا رسول الله ﷺ صدر سورة «فصلت» إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، وعندها وضع عتبة يده على فيه، وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش مخبراً إياهم، بأن ما سمع ليس شعراً، ولا سحراً، ولا كهانة؛ واقترح على قريش أن تدع محمداً ﷺ وشأنه) (١) (.
ولما لم يأت الترغيب بما اشتهت قريش، وما كان؛ - فتلك دعوة الله تعالى، لا يسألهم النبي ﷺ هم ولا غيرهم عليها أجراً؛ وإنما هو يدعوهم إلى هدايتهم ونجاتهم -؛ لجأت قريش حينئذ إلى الترهيب، واستخدمت فيه كل الوسائل الصادة عن سبيل الله، وقد أشرنا إلى أساليب منها.
وقد ذكر ابن اسحاق فيما ذكر ابن هشام، أن أبا جهل إذا سمع عن رجل قد أسلم، وله شرف ومنعة، أنبه وأخزاه وقال له: «تركت دين أبيك وهوخير منك لنسفهن حلمك، ولنضعفن رأيك ولنضعن شرفك.» وإن كان تاجراً قال له: ولنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به. (٢)
стр. 350
طلبهم المعجزات أو المزايا للنبى ﷺ على خلاف البشر:
ومما ظنوا أنه حجر عثرة أمام دعوة النبي ﷺ يكذبونه به، ويشوشون به على الناس لئلا يؤمنوا أن يظهروا الرسول ﷺ بمظهر العاجز عن أن يأتى لهم بما يقدر عليه الرب من خوارق العادات، مما يدل على أنه ليس مبلغاً عن الله تعالى، مع أنه لما جاءهم بشيء من ذلك، أجراه الله تعالى على يديه، قالوا مكذبين: «إن هذا إلا سحر يؤثر».
ومن ذلك قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
ورد عليهم في الأيه نفسها بأن يقول لهم: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
وسألوه أن يسير لهم جبال مكة، ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويبعث لهم من مضى من الآباء الموتى أمثال قصى ليسألوه عن صدق محمد، ورد الله عليهمفى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]. (١)
لقد كانت مطلوباتهم تلك على وجه المعاندة، لا الاستفسار والهداية إن هي وقعت بحيث يتم إيمانهم ودخولهم في الإسلام بتحققها، ومن ثم لم يجابوا إلى كثير منها، وما أجيبوا إليه ليس لتركهم العناد، بل لإظهار صدق النبي ﷺ وقوة الله وقدرته جل وعلا من ناحية
стр. 351
ولتحذيرهم من الاستمرار في الغى والاضطهاد من ناحية أخرى، وهو المؤدى إلى إهلاكهم كإهلاك من كانوا أشد منهم قوة وبطشاً. لذلك قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١].
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (١) [الإسراء: ٥٩].
وقد روى الإمام أحمد كذلك من حديث ابن عباس ﵃ قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحى عنهم الجبال فيزدرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأنى بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذى سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم. قال: «لا با استأنى بهم»، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٢) [الإسراء: ٥٩].
الاعتداء والتعذيب والاضطهاد لبقية المسلمين:
إذا كان ما مضى ذكره شيء مما حدث للنبى ﷺ ، فإن بقية المسلمين ذاقوا من ذلك الأمرين، وقد ذكرت السيرة شيئاً مما كان نذكر بعضه لنكمل به هذا البحث، ولننظر إلى كلام "وات"، المتهافت بعد ذلك.
стр. 352
روى أحمد عن ابن مسعود قال: «أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس ...». (١)
وروى ابن اسحاق في قصة هجرة عمر وقصة عياش معه أن قريشاً منعت هشام بن العاص بن وائل السهمى من الهجرة مع عمر وعياش، وفتنته فافتتن، واحتالوا على عياش فردوه من المدينة إلى مكة مقيداً. (٢)
وكان عمر بن الخطاب قبل أن يسلم يوثق سعيد بن زيد، ابن عمه، ويكرهه ليرجع عن الإسلام (٣)، ولم يستطع رسول الله ﷺ أن يفعل لهم شيئاً، وحتى عندما استقر بالمدينة لم يملك لهؤلاء إلا الدعاء، حيث كان يقول: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف». (٤)
ونال أبا بكر نصيبُه من الأذى حتى خرج مهاجراً فأدركه الاخنس بن شريف ورده في جواره.
وذات يوم قام أبو بكر خطيباً في المسجد الحرام، فضربه المشركون ضرباً شديداً، ومن ضربه عتبة بن ربيعة حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يعرف وحهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبى بكر، وحملوه في ثوب إلى منزله،
стр. 353
ولا يشكون في موته، وأقسموا لئن مات أبو بكر ليقتلن عتبة بن ربيعة. (١)
وكان ابن مسعود من أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة؛ على الرغم من تحذير المسلمين له من عدوان المشركين، وخشيتهم عليه، فعندما فعل ذلك، ضربوه على وجهه حتى أثروا فيه، وعندما قال له الصحابة هذا الذى خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، قالوا: لا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. (٢)
وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته حتى يرجع عن دينه. (٣)
ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشاً، فتخشف جلده تخشف الحية، وحتى حمله أصحابه على قسيهم لشدة ما به من جهه. (٤)
واعتدوا عَلىَ عمر بن الخطاب عندما أسلم، وحاولوا قتله إذ سال بهم الوادى مجتمعين يقاتلونه ويقاتلهم حتى أعبا وترك نفسه لهم، وانقذه الله بالعاص بن وائل السهمى وسوف يأتى ذكر إسلام عمر بن الخطاب إن شاء الله تعالى في موضعه بعد الهجرة إلى الحبشة إن أدركه البحث. (٥)
وممن أوذى عثمان بن مظعون، فقد روى أنه عندما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن، رد جوار الوليد وعندما قدم «لبيد» بن ربيعة - الشاعر – إلى مكة وكان في مجلس لقريش ينشدهم
стр. 354
شعره، قال لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، قال عثمان بن مظعون: «صدقت»، وعندما قال: «وكل نعيم لا محالة زائل»، قال له عثمان: «كذبت، نعيم الجنة لا يزول»، قال لبيد: «يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟»، فقال رجل من القوم: «إن هذا أيضاً في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى تفاقم أمرهما فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: «أما والله يا ابن أخى إن كانت عينك عما أصابت لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة»، قال عثمان: «بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس»، فقال الوليد: «هلم يا ابن أخى، إن شئت فعد إلى جوارك»، فقال: «لا». (١)
وكان عم الزبير بن العوام يعلقه في حصير، ويدخن عليه النار، ويقول: «ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبداً.» (٢)
ولم يقتصر هذا الاضطهاد، كما يظن الظان أو يتبادر إلى فهمه على أهل مكة فقط، بل هذا أبو ذر الغفارى ﵁ لما سمع خبر الرسول ﷺ ، ودخل مكة وأخذ يسأل حتى عرف موضع الرسول – صلوات الله وسلامه عليه – وأسلم فخرج وأعلن إسلامه فضربه أهل مكة حتى أغشى عليه، وكاد أن يموت، فخلصه العباس ﵁ منهم (٣)، محذراً لهم بأن غفار يمكن أن تقطع طريق تجارتهم إلى الشام.
стр. 355
ولا يحسب القارىء أن هذا التعذيب قد اقتصر على ما ذكر، وأن كل أحد أخذ قسطه وانتهى الأمر، ورجع إلى حياته ودعوته، كلا ولكن التعذيب بقى ما بقيت الدعوة في مكة، بل كان يزداد ويتنوع على نفس الأشخاص وعلى غيرهم كلما دعوا أفراداً جدداً إلى الإسلام، وكلما رأى المشركون ازدياد عدد المسلمين، حتى آل الحال بهم إلى ترك مكة والهجرة إلى الحبشة، أو التخفى أو الدخول في جوار الكفرة.
تعذيب الموالى:
لقد نال الموالى القسط الأقسى والأفظع من التعذيب علانية على رؤوس الأشهاد، حيث صب المشركون جام حقدهم كله على هؤلاء الضعفاء لعدم المنعة التى تمنعهم، أو القوة التى يقاومون بها.
وقد وصل الحال بهم في التعذيب أن عذرهم الله تعالى بالنطق بكلمة الكفر يخففون بها عن أنفسهم سوء العذاب النازل عليهم.
قال سعيد بن جبير لابن عباس: «أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: «نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجوعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالساً من شدة الضرب الذى نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده.» (١)
وقد ذكرنا حديث ابن مسعود أن أول من أظهر الإسلام سبعة إلى قوله فأما الباقون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس وتكملته، فما منهم من أحد إلا واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه