← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولتحذيرهم من الاستمرار في الغى والاضطهاد من ناحية أخرى، وهو المؤدى إلى إهلاكهم كإهلاك من كانوا أشد منهم قوة وبطشاً. لذلك قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١]. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ (١) [الإسراء: ٥٩]. وقد روى الإمام أحمد كذلك من حديث ابن عباس ﵃ قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحى عنهم الجبال فيزدرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأنى بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذى سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم. قال: «لا با استأنى بهم»، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٢) [الإسراء: ٥٩]. الاعتداء والتعذيب والاضطهاد لبقية المسلمين: إذا كان ما مضى ذكره شيء مما حدث للنبى ﷺ ، فإن بقية المسلمين ذاقوا من ذلك الأمرين، وقد ذكرت السيرة شيئاً مما كان نذكر بعضه لنكمل به هذا البحث، ولننظر إلى كلام "وات"، المتهافت بعد ذلك.

стр. 352

روى أحمد عن ابن مسعود قال: «أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس ...». (١) وروى ابن اسحاق في قصة هجرة عمر وقصة عياش معه أن قريشاً منعت هشام بن العاص بن وائل السهمى من الهجرة مع عمر وعياش، وفتنته فافتتن، واحتالوا على عياش فردوه من المدينة إلى مكة مقيداً. (٢) وكان عمر بن الخطاب قبل أن يسلم يوثق سعيد بن زيد، ابن عمه، ويكرهه ليرجع عن الإسلام (٣)، ولم يستطع رسول الله ﷺ أن يفعل لهم شيئاً، وحتى عندما استقر بالمدينة لم يملك لهؤلاء إلا الدعاء، حيث كان يقول: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف». (٤) ونال أبا بكر نصيبُه من الأذى حتى خرج مهاجراً فأدركه الاخنس بن شريف ورده في جواره. وذات يوم قام أبو بكر خطيباً في المسجد الحرام، فضربه المشركون ضرباً شديداً، ومن ضربه عتبة بن ربيعة حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يعرف وحهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبى بكر، وحملوه في ثوب إلى منزله،

стр. 353

ولا يشكون في موته، وأقسموا لئن مات أبو بكر ليقتلن عتبة بن ربيعة. (١) وكان ابن مسعود من أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة؛ على الرغم من تحذير المسلمين له من عدوان المشركين، وخشيتهم عليه، فعندما فعل ذلك، ضربوه على وجهه حتى أثروا فيه، وعندما قال له الصحابة هذا الذى خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، قالوا: لا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. (٢) وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته حتى يرجع عن دينه. (٣) ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشاً، فتخشف جلده تخشف الحية، وحتى حمله أصحابه على قسيهم لشدة ما به من جهه. (٤) واعتدوا عَلىَ عمر بن الخطاب عندما أسلم، وحاولوا قتله إذ سال بهم الوادى مجتمعين يقاتلونه ويقاتلهم حتى أعبا وترك نفسه لهم، وانقذه الله بالعاص بن وائل السهمى وسوف يأتى ذكر إسلام عمر بن الخطاب إن شاء الله تعالى في موضعه بعد الهجرة إلى الحبشة إن أدركه البحث. (٥) وممن أوذى عثمان بن مظعون، فقد روى أنه عندما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن، رد جوار الوليد وعندما قدم «لبيد» بن ربيعة - الشاعر – إلى مكة وكان في مجلس لقريش ينشدهم

стр. 354

شعره، قال لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، قال عثمان بن مظعون: «صدقت»، وعندما قال: «وكل نعيم لا محالة زائل»، قال له عثمان: «كذبت، نعيم الجنة لا يزول»، قال لبيد: «يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟»، فقال رجل من القوم: «إن هذا أيضاً في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى تفاقم أمرهما فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: «أما والله يا ابن أخى إن كانت عينك عما أصابت لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة»، قال عثمان: «بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس»، فقال الوليد: «هلم يا ابن أخى، إن شئت فعد إلى جوارك»، فقال: «لا». (١) وكان عم الزبير بن العوام يعلقه في حصير، ويدخن عليه النار، ويقول: «ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبداً.» (٢) ولم يقتصر هذا الاضطهاد، كما يظن الظان أو يتبادر إلى فهمه على أهل مكة فقط، بل هذا أبو ذر الغفارى ﵁ لما سمع خبر الرسول ﷺ ، ودخل مكة وأخذ يسأل حتى عرف موضع الرسول – صلوات الله وسلامه عليه – وأسلم فخرج وأعلن إسلامه فضربه أهل مكة حتى أغشى عليه، وكاد أن يموت، فخلصه العباس ﵁ منهم (٣)، محذراً لهم بأن غفار يمكن أن تقطع طريق تجارتهم إلى الشام.

стр. 355

ولا يحسب القارىء أن هذا التعذيب قد اقتصر على ما ذكر، وأن كل أحد أخذ قسطه وانتهى الأمر، ورجع إلى حياته ودعوته، كلا ولكن التعذيب بقى ما بقيت الدعوة في مكة، بل كان يزداد ويتنوع على نفس الأشخاص وعلى غيرهم كلما دعوا أفراداً جدداً إلى الإسلام، وكلما رأى المشركون ازدياد عدد المسلمين، حتى آل الحال بهم إلى ترك مكة والهجرة إلى الحبشة، أو التخفى أو الدخول في جوار الكفرة. تعذيب الموالى: لقد نال الموالى القسط الأقسى والأفظع من التعذيب علانية على رؤوس الأشهاد، حيث صب المشركون جام حقدهم كله على هؤلاء الضعفاء لعدم المنعة التى تمنعهم، أو القوة التى يقاومون بها. وقد وصل الحال بهم في التعذيب أن عذرهم الله تعالى بالنطق بكلمة الكفر يخففون بها عن أنفسهم سوء العذاب النازل عليهم. قال سعيد بن جبير لابن عباس: «أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: «نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجوعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالساً من شدة الضرب الذى نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده.» (١) وقد ذكرنا حديث ابن مسعود أن أول من أظهر الإسلام سبعة إلى قوله فأما الباقون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس وتكملته، فما منهم من أحد إلا واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه

стр. 356

الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. (١) آل ياسر ﵃: كانت تلك الأسرة مضرب المثل فيما لاقاه المستضعفون من الأذى والابتلاء في تاريخ الإسلام، وكان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة فيعذبونهم برمضاء مكة، ومر بهم الرسول ﷺ ذات مرة وهم يعذبون فقال لهم: «أبشروا آل عمار وآل ياسر، فإن موعدكم الجنة.» (٢) وكان أول من استشهد في سبيل الله من هذه الأسرة خاصة، وفي الإسلام عامة: أم عمار – سمية – فقد طعنها أبو جهل بحربة في قلبها فماتت من جراء هذا الاعتداء الآثم. (٣) وتفننوا في أذى عمار، حتى أجبروه على أن يتلفظ بكلمة الكفر بلسانه، وذكر جمهور المفسرين أن من أسباب نزول الآية الكريمة: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ......﴾ [النحل: ١٠٦]، هو موقف عمار بن ياسر. (٤) بلال ﵁: كان مولى لبعض بنى جمح، وهو بلال ابن رباح، وأمه حمامة، ذكر أنه كان حبشياً وهو المشهور. (٥)

стр. 357

كان ﵁ صادق الإسلام طاهر القلب، وكان مولاه أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: «لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى»، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد». (١) وروى أن بلالاً قال: «أعطشونى يوماً وليلة، ثم أخرجونى فعذبونى في الرمضاء في يوم حار (٢)، وعندما رأه أبو بكر ﵁ في هذه الحالة ساوم سادته على شرائه، فاشتراه وأعتقه بخمس أواق، وهو مدفون بالحجارة.» (٣) وفي الصحيح أن بلالاً قال لأبى بكر: «إن كنت إنما اشتريتنى لنفسك فأمسكنى، وإن كنت اشتريتنى لعمل الله فدعنى وعمل الله.» (٤) هذا غير بلاء عريض ناله إلى أن أعتقه أبو بكر ﵁، ومازال الاضطهاد قائماً حتى بعد عتقه إذ كان البلاء نازلاً على غيره وهم أحرار. خباب بن الأرت: هو خباب بن الأرت ... التميمى ويقال الخزاعى، سُبِىَ في الجاهلية، فبيع بمكة، وكان مولى لأم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك، ثم حالف بنى زهرة، كان يعمل قيناً – حداداً – يصنع السيوف، وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام.

стр. 358

وعندما أظهر إسلامه وقع عليه شتى أصناف التعذيب والأذى في المال والنفس، في ضمن وكانوا يضجعونه على صخور ملتهبة، ثم يضعون عليه حجراً حتى لا يستطيع أن يقوم (١)، وأوقدوا له ناراً ووضعوه عليها فما أطفأها إلا ودك ظهره، كما ذكر خباب نفسه، وقد كشف عن ظهره لعمر بن الخطاب ﵁ وذكر أيضاً أنهم كانوا يضجعونه على الرضف، ومع ذلك لم ينالوا منه ما أرادوا. (٢) وله قصة تدل على أن استباحوا منهم كل شيء، وهي في المال، مع العاصى بن وائل حيث صنع له خباب سيفاً فأتاه يتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ ، فقلت: لا أكفر بمحمد – ﵊ – حتى يميتك الله ثم يحييك، قال: إذا أماتنى الله ثم بعثنى ولى مال وولد، فسأقضيك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨]. (٣) ومما يطالعنا في هذا المبحث من الاضطهاد والأذى، هذا السؤال لمَ يلاقى المؤمنون هذا التعذيب وهم جنده سبحانه وعلى الحق المبين وفيهم رسوله ﷺ ؟ والجواب: أن المؤمنين مطالبون بعبودية السراء وعبودية الضراء قياماً بتحقيق أمره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وخاصة الرسل وأتباعهم القائمين الأوائل بدعوة التوحيد وإفراد الرب بالعبادة، وتحمل تلك المسؤلية والجهاد في سبيلها، ودفع ضريبتها من مشقة وعنت حتى يكونوا القدوة لمن بعدهم، ولا يقوم بذلك إلا الأحقاء بذلك، ومن ثم ينزل البلاء ليميز الصادقين من الكاذبين قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ

стр. 359

الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]، وإنه لأمر من مهمات هذه الدين، وهو تنقية الصف المسلم ممن لو لم يعلم بحاله، يوشك أن يكون سبب الهزيمة والخسران والانكسار، فلا ينتصر الدين الذى وعد الله بنصره، ومن ثم يحقق فيه سبحانه أسباب النصر وينفى عنه أسباب الهزيمة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]. وكان أعظم ما يتمايز به المؤمنون من غيرهم هو الجهاد والصبر، ولذا كانا محك الاختبار ومورد الفتنة قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ولا يظن المؤمنون بعد ذلك أن ذلك الفعل من الله يمكن أن يذهب بالدين وبالمؤمنين، بل ذلك من أعظم سبب كسر الكفرة ومحقهم يقول تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١]. ولا يعزب وإن حدث ويحدث، عن بال المؤمنين أن طول وشدة البلاء، توقف الدعوة وتؤخر النصر وتشكك في أمر الله، لأن الله يطمئنهم إلى قرب النصر على عكس الظن وتردد الشك في النفس بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. فكان المؤمنون بعلمهم بتلك القواعد الراسخة التى تثبتهم وتقوى عزائمهم وتشد من أزرهم مستبشرين بالنصر، لا يتطرق إليهم البأس ولا الحزن ولا الضيق، ولا يستوحشون من طول الطريق وكثرة العقبات، صامدين متوكلين على ربهم واثقين في قرب نصره ونزول فَرَجهِ. إن مما يلاحظه – كذلك – المتأمل في هذا الاضطهاد، أن شدة التعذيب جعلت بعضاً

стр. 360

من المؤمنين، الذين كادت أن تزهق أرواحهم مما لاقوا يوافقون الكفرة على النطق بكلمة الكفر، إبقاء على مهجهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يؤثر ذلك في إيمانهم أن أخذوا بالرخصة، ولكن آخرين كُثُر ضرب أعلى الأمثال في الثبات على دينهم، والرضا بجوار ربهم إن هم انتقلوا إليه على تلك الحال، رخيصة هينة أرواحهم فو جنب الله تعالى، متوكلين عليه أحسن التوكل، ولم ينسى التاريخ، ولن ينسى تلك المواقف البطولية الحقة لأولئك الأوائل المصطفين من الصامدين، ليصيروا بذلك القدوة لأصحاب المبادىء في كل زمان ومكان. يقول ابن كثير في تعليقه على موقف عمار بن ياسر من التعذيب: «ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالى المكره على الكفر إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال ﵁، يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، وكذلك حبيب بن زيد الأنصارى، لما قال له مسيلمة الكذاب: «أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: «نعم»، فيقول: «أتشهد أنى رسول الله؟»، فيقول: «لا أسمع». فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك ... والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمى.» (١) ولا شك أن أعداء الإسلام في كل زمان ومكان عندما يتمكنون منهم يسومونهم سوء العذاب، وخطط الإبادة، وصنوف التعذيب، ولن يكفوا عن استخدام كل الوسائل لإطفاء نور الإسلام، ومحاربة دعاته، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله غالب على أمره.

стр. 361

الباب الثالث العهد المدنى

стр. 362

الفصل الأول أسس بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في المدينة

стр. 363

المبحث الأول بناء المسجد كانت إقامة المجتمع الإسلامي المتماسك، الذي تقوم عليه دولة الإسلام، أول ما قام النبي ﷺ ببناء دعائمه، وتشييد أساساته، حتى صارت أعظم دولة عرفها التاريخ، - وإن الاهتمام بقيام تلك الأركان والأصول، كفيلٌ بإعادة تلك الدولة، دولة الحق، والعدل، والهداية، إلى العالمين، تنير الدنيا، وتطلب الآخرة -. وكانت أول خطوة، قام بها النبي ﷺ ، في سبيل ذلك، هي بناء المسجد، بؤرة الإشعاع الديني، والسياسي، والثقافي، والاجتماعي، في المجتمع المسلم، لأنه إنما يكتسب صفة الرسوخ، والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وما ينبع ذلك كله إلا من روح المسجد ووحيه. كان رجال من المسلمين، يُصَلُّونَ في المكان الذي بركت فيه ناقة النبي ﷺ ، - وكان مربداً للتمر لغلامين يتيمين من بنى النجار، في حجر أسعد بن زرارة، هما سهيل وسهل -، فقال رسول الله ﷺ : «هَذَا إِنْ شَاءَ الله الْمَنْزِلُ»، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: «بل نهبه لك يارسول الله «فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا (١)، وفي رواية أخرى للبخاري (٢)، أنه ﷺ عندما أمر ببناء المسجد أرسل إلى ملأ بنى النجار، فجاؤوه، فقال لهم: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي

стр. 364

بِحَائِطِكُمْ هَذَا»، فقالوا: «لا! والله لانطلب ثمنه إلا إلى الله»؛ وفي الصحيح، أن مكان المسجد كان فيه قبور المشركين، وكان فيه خرب، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر ورسول الله ﷺ ينقل معهم وهم يرتجزون: اللهم إن الخير خير الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجرة (١) وغير ذلك من الرجز ورسول الله ﷺ يرتجز معهم. واستغرق البناء اثنى عشر يوماً (٢). ثم فُرض الأذان، بالكيفية التى عليها الآن، في السنة الأولى على الأرجح، وذلك عندما رأى عبد الله بن زيد ﵁ في منامه صيغة الأذان، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فأذن بها، وعندما سمعه عمر ﵁، جاء إلى رسول الله ﷺ وقال إنه رأى ما رأى عبد الله بن زيد. ظل المسجد على حاله الذى بناه عليه الرسول ﷺ ، فلم يزد فيه أبو بكر ﵁ شيئاً، وزاد فيه عمر ﵁ بأن أعاد عُمُدَه وجعلها خشباً، وحمى سقفه من المطر، ثم زاد فيه عثمان ﵁ زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عُمُدَه من حجارة منقوشة وسقفة من ساج (٣). ولم يكن له ﷺ منبر يخطب الناسَ عليه في مسجده، بل كان يخطب وهو مستند إلى جذع

стр. 365

عند مصلاه، فلما اتُخِذ للرسول ﷺ منبر، وعدل إليه ليخطب عليه، خار ذلك الجذع، وحن حنين النوق العشار، لما كان يسمع من خطب الرسول ﷺ ، فوضع يده عليه حتى سكن كما يسكن المولود الذى يسكت. وهذا من دلائل نبوته ﵊ (١). وإن بالمسجد لتتحقق أنظمة وآداب الإسلام، التى سعى إليها الرسول ﷺ ، من أول يوم وصل فيه إلى المدينة المنورة. - إن من أول نظم الإسلام وآدابه، شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين، ولا يتم ذلك إلا بتلاقى المسلمين مرات متعددة، في بيوت الله، تتساقط فيها فوارق الجاه والمال، لتحل بينهم روح التآلف والتآخى والمودة. - وإن من أعظم ما جاء به الإسلام، وعمل على تحقيقه ونشره، وقد ساد واقعاً وفكراً، هو بث روح المساواة والعدل، بين المسلمين في مختلف أحوالهم، وعامة شؤونهم، ولا يتم ذلك إلا بوقوفهم صفاً واحداً، متجهين لرب واحد، وقبلة واحدة، لا فرق بينهم إلا بتقوى الله تعالى، ولا يتم ذلك إلا في بيوت الله، فمهما انصرف الناس إلى بيوتهم يصلون، لا يظهر ذلك، فضلاً عن أن تشيع تلك الروح؛ إلا في بيوت الله تعالى. - وكذلك انصهار المؤمنين في بوتقة من الوحدة الراسخة، يجمعهم عليها حبل الله، الذى هو حكمه وشرعه، فمالم تقم في أنحاء مجتمع المسلمين مساجد، يجتمعون فيها على تعلم حكم الله، وشريعته ليتمسكوا بهما، ويدعوا إليهما على علم وبصيرة، آلت وحدتهم إلى شتات، وفرقتهم الأهواء والشهوات. ولقد كان المسجد يقوم بأعظم دور، من صغير الأعمال - كما يتصور البعض - إلى جليلها:

стр. 366

- فكان مكاناً لتعليم المسلمين أمور دينهم. - وكان مكاناً لاستقبال الرسل - السفراء - الذين يفدون على رسول الله ﷺ . - وكان مكاناً لعقد ألوية وجيوش وسرايا المجاهدين. - كما كان مكاناً لاعتقال أسير الحرب المشرك، إذا كان في ذلك عظة لمن يراه، أو عظة له في سماع القرآن، ورؤية هداية وأخلاق أصحاب هذا الدين. - وكان أعظم مكان، وأكثر اتساعاً، لكى يجتمع الصغير والكبير بقائدهم، مما يُشْعِر بقرب القائد، وتحمله معهم السراء والضراء، ومعرفة أحوالهم مباشرة، والقيام على حل مشاكلهم، ومناقشة شجونهم وشكواهم، مع التآلف والتواضع الجم بينهم، الذى يزيد في آصرة هذا الدين، وفدائه بأرواحهم. - وإن ضعفاء المسلمين، من المهاجرين، والفقراء، ممن عرف بأهل الصفة، وغيرهم لم يكن لهم مأوى إلا المسجد، وكذلك ضعفاء النساء - اللاتى أسلمن من نساء العرب - ولم يجدن محلاً يأوين إليه (١). لما سبق، بعد التأمل، نبادر بالقول: إنه لما عرف الكفرة والمنافقون أهمية المسجد، في قوة المسلمين، وقيام دولتهم، وثباتها، بدأوا من مطلع الدعوة، إلى يومنا هذا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في محاربة المساجد، وتقليص دورها في حياة المسلمين، وإيقاف بنائها، وإغلاقها، وإقامة مساجد للضرار، ترفع راية الفساد، والإفساد في الدين باطناً، وتعلن ظاهراً غير ذلك؛ نكاية في أهل الإسلام، وتفريقاً بينهم، وتشتيتاً لشملهم، والأمثلة لا تحتاج إلى تفصيل.

стр. 367

وإن أول من فعل ذلك، في حياة الرسول ﷺ نفسه -، هم المنافقون، الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، حيث أقاموا وشيدوا مسجد الضرار. نعود كما هو منهجنا، إلى سيرة المسجد في القرآن الكريم، نتتبع آيات ذكرها، نستشف منها - باختصار سريع - تلك السيرة العطرة للمسجد، ومعانيها، كما أراد الله تعالى، ودعا إليها رسول الله ﷺ ، بتحليل هذه الآيات، ومقارنتها مع السيرة المطهرة. وها هي ذي تلك الآيات المختارة، على ترتيب واقعها. الأولى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [الأنفال: ٣٦ - ٣٧]. الثانية: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. الثالثة: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. الرابعة: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] الخامسة: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. السادسة: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨] السابعة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨]. الثامنة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٧]

стр. 368

التاسعة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]. العاشرة: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. ونظرة إجمالية، في هذه الآيات الكريمات، نراها تبين - بما نزل منها في المدينة، وبما نزل في مكة، وهو قليل بالمقارنة بما نزل في المدينة، نظراً لظروف الدعوة أيامها - سيرة المسجد على مدار حياة النبي ﷺ ، وإلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى. ويوضح التصاق سيرته ﷺ بالمسجد، دليلَ هداية الدعوة، وربانيتها، وتوجيهها إلى الله تعالى، وكيف تكون المساجد، - كما رأينا تطبيق الرسول ﷺ العملي، وتطبيق الصحابة - محل النور، والذكر، والمراكز التي تشع منها كل طرائق الخير، وسبل الرشاد، على العالمين، في الدنيا والآخرة. ظهر ذلك بأن يتوجه فيها المسلمون، إلى قبلة واحدة، صفاً واحداً، يعبدون إلهاً واحداً، سواء كانت قبلتهم في مكة إلى بيت المقدس، أو قبلتهم في المدينة إلى الكعبة المشرفة، حيث جاءت آيات، توضح ما نحن بصدده، كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فدل على أن الله تعالى غيَّر له القبلة، التى أمر بها، والتى لم يكن له أن يغيرها إلا أن يأتيه أمر الله تعالى بذلك. وبينت الآيات إجمالاً، لزوم رفع هذه المساجد، بناءً وتشييداً، وكذلك رفعها بما يكون فيها من إشهار فضلها وسمو منزلتها. وأمر كذلك ، بعد تشييدها، ورفعها، بتطهيرها من كل ما يخالف معنى الطهارة حساً، ومعنىً. ثم نادى على كل الناس - وكان ذلك في مكة - بألا يدعوا مع الله أحداً في مساجده، وأن دعاءهم وتوحيدهم، له وحده لا شريك له. وأن يقيموا وجوههم مستقيمين له، غير

стр. 369

عادلين به غَيْرَه، مخلصين له، غير مشركين به. ثم عزز ذلك بالظاهر – إذ كان الإخلاص زينة الباطن - بأن يأخذوا أحسن زينة عند كل مسجد. وأن أعظم المساجد الذي يجب أن يقوم فيه، - لوجوده ﷺ في المدينة ساعتها - هو مسجده المعظم، لأنه أول مسجد أسس هنالك على التقوى، وأن القائمين فيه من باب الأولى - الذين هم صَحْبُه - هم الذين يحبهم الله لأنهم يحبون أن يتطهروا لله تعالى، ظاهراً وباطناً، وذلك موضوع محبة الله تعالى لأهله. قد يتردد الناس في القيام بما سبق، فبين لهم أنه لا يقوم بتعمير تلك المساجد - مهما ساءت الظروف وادلهم الخطب - إلا المؤمنون بالله واليوم الآخر، المقيمون صلاتهم، المؤدون زكواتهم، ويتجلى ذلك كله، بعدم خشيتهم وخوفهم إلا من الله تعالى، وأولئك يُرجى أن يكونوا من هؤلاء الذين ﵃، وهم المهتدون. ولا يهولنك بعد أن كانت تلك سيرة المسجد، أن يقوم المنافقون والكفرة، بمنع مساجد الله تعالى، أن يُذكر فيها اسمه، سواء ببناء مساجد الضرار، أو بالسعي في تخريب المساجد، بكل ما حدث أو يحدث، من أنواع التخريب، فإن لهم خزياً شديداً في الدنيا، وعظيم العذاب في الآخرة. وكيف لا يعذبهم الله تعالى كل العذاب المؤلم لهم، ويخزيهم بكل أنواع الخزي، وهم يصدون عن دينه، ومعرفته، وتوحيده –وهو أعظم شيء -، بالصد عن بيوته، وخاصة بيته الحرام. رأينا بهذا الإجمال، كيف ترتبت تلك الآيات التي اخترناها، لتكون جزءاً من سيرة

стр. 370

المسجد في الإسلام، خاصة إذا علمنا، أنها - وغيرها من الآيات الواردة في نفس الموضوع - لتؤكد بأسباب نزولها اتصال تلك الحلقة، وتسلسلها الزمني، والحكمي، بما يشي بارتباط الدين، ونشره، بالمسجد، وكذلك بشيوع آدابه وأخلاقه، بالمسجد، وبتربية المسلمين على أحسن نظام، - دقيقه وجليله - بالمسجد. وننظر - استكمالاً لما سبق - في موضعين - توخياً للاختصار - من الآيات السابقة، نفصلهما، نوضح بهما شيئاً من المقصود. الموضع الأولى: آيته مكية، حيث وردت في سورة الأعراف، وهي في ترتيب السيوطي (١)، الثامنة والثلاثين، حسب الترتيب الزمني لنزول القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]. وبتأمل هذه الآية، وبالنظر في سياقها، نرى أنها جاءت نفياً، لما سبق ذكره من المشركين، بأن الله جل وعلا - حاشا له - يأمر بالفحشاء، فأنكر عليهم، وبين لهم، ولغيرهم، إلى يوم الدين، ما يأمر به ربهم ، حيث ذكرت الآية مقومات، وأركان الدين الحق، فكراً، وسلوكاً، ودعوة، فجمعت ذلك ملخصاً في ثلاثة أُمور: الأول: الأمر بالقسط. الثاني: إقامة الوجوه عند كل مسجد. الثالث: دعاء الله تعالى، بالإخلاص في الدين له.

стр. 371

وقد صَدَّرت ذلك كله بقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ توجيه آمر للنبى ﷺ بأن يعلن ذلك، وأن يرسله في كل ملأ، ليبين دين الله تعالى، مقيماً به الحجة، نافياً عنه اللبس، والإفك، وإن قلنا ثَمَّ دليل على الوحى القرآنى، للرد على "وات"، وعلى التحليل النفسى، فهو هذه الآية الكريمة، والتى تقول للنبى ﷺ : ﴿قُلْ﴾ أي: ليس من عنده، وما هو الإ مبلغ، وتوضح له ماذا يقول، مما يستحيل أن يكون قد سمعه قبل ذلك، فخزنه في عقله الباطن - كما يزعم -، إذ ما قاله ﷺ ، لم يكن ليقوله، أو ليستطيع أن يرتبه ذلك الترتيب، بشرٌ حينئذ، من حيث الأسلوب، أو المعنى، أو تَرَتُّبُ هذه المعانى على الواقع، مع الإخبار بالبعث، والهداية والضلال. وشَرْحُ ذلك ببعض التفصيل، مما يطول بحثاً ونقلاً، ولكن نسوق شيئاً مما ذكره المفسرون، ونخص ابن عاشور بالذكر، لتوضيحه ذلك لغةً، وبلاغةً فيقول ما ملخصه (١): بعد أن أبطل زعمهم، - أن الله أمرهم بما يفعلونه من الفواحش - إبطالاً عاماً بقوله: «قُلْ إِن اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ»، استأنف استئنافاً استطرادياً، بما فيه جماع مقومات الدين الحق، الذى يجمعه معنى القسط، تعليماً لهم بنقيض جهلهم، وتنويهاً بجلال الله تعالى، بأن يعلموا شأن الذي يأمر الله به، ولأهمية هذا الغرض فصلت هذه الجملة عن التى قبلها، ولم يعطف القول على القول، لأن في إعادة فعل القول، وفي ترك عطفه على نظيره لفتاً للأذهان إليه. والقسط: العدل، وهو هنا بمعناه الأعم، الذى هو وسط بين الإفراط والتفريط في الأشياء، وهو الفضيلة من كل فعل، فالله تعالى أمر بالفضائل، وبما تشهد العقول السليمة أنه صلاح محض، وأنه حسن مستقيم، نظير قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].

стр. 372

فالتوحيد عدل بين الإشراك والتعطيل، والقصاص من القاتل عدل بين إطلال الدماء، وبين قتل الجماعة من قبيلة القاتل، والإحسان عدل بين الشح والإسراف، فالقسط صفة للفعل في ذاته، لكي يكون ملائماً للصلاح، عاجلاً، وآجلاً - أي: سالماً من عواقب الفساد -. فقوله إذن: ﴿أَمَرَ رَبِّي﴾. كلام جامع، لإبطال كل ما يزعمون أن الله أمرهم به، مما ليس من قبيل القسط. وإذا كان القسط هو أمر الله تعالى، وكان توحيد الرب، وإجلاله، وتعظيمه، وإظهار هذا كله، من أعظم القسط، أعقبه بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: قل أقيموا وجوهكم. وإذا كان القصد الأول، إبطالَ بعض ما زعموا من أن الله أمرهم بالالتزام به، ففي هذا الأمر التصريح بما يرضى الله . وهو إقامة وجوههم، دليلاً على كمال الإقبال على عبادة الله تعالى، في مواضع عبادته (١)؛ ولما لم يكن لهم في مكة حينئذ إلا المسجد الحرام، ونزلت الآية تفيد الجمع: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ - أي: عند كل المواضع التى يستخفون بالعبادة فيها - حملت البشارة بأن ستكون لهم مساجد، يقيمون فيها وجوههم لله تعالى، وأعدهم لذلك بالتوجه إليه في معنى الإقامة، فلا يلتفتون يمنة ولا يسرة. قائمين غير متغاضين ولا متوانين، يعظمون معبودهم الحق، ويعظمون مكان عبادتهم، وأن الإشراك، والتعرى، وما كان على غير سنن التوحيد، والعبادة والنسك، والإقبال على الله تعالى، مناف لذلك مناقض له، كما كان حال المشركين يومئذ. فكان ذلك تعليماً، وتربية، وإرشاداً، لما ينبغي أن يكون عليه الذين التزموا الدين الحق، ورفعوا راية الإيمان به. وإن من أشهر ما وقعت عليه أبصارهم، وأبصار المشركين المدعوين للإيمان بالله

стр. 373

وحده أيام البعثة، - مما يبين لهم هذه المعانى، ويوضحها لهم، ويدعو المشركين أن يتركوا شركهم، ليكونوا حنفاء لله - هو الحج وشعائره، فأمرهم أمراً أولوياً، وهو إقامة وجوههم لله تعالى في الحج، مسلمين، ودعوة للمشركين، حيث وضعوا أصنامهم عند الكعبة، وفي جوفها، وعند الصفا والمروة، وغيرها، منكراً عليهم بأن الله لا يأمر بتلك الفحشاء، وغيرها من الفواحش، بل يأمر بنقيضها، وهو القسط، وإقامة الوجوه لله عند كل مكان يعبد فيه، إجلالاً له وتعظيماً، ورفعاً لشأن المكان وتبياناً لفضله. وإذا كانت إقامة الوجوه والتعظيم، مما يظهر على المؤمنين، حال الائتمار بذلك، جاء قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ معطوفاً على قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ليكون القلب، متواطئاً مع الظاهر، فيكون كلاهما عابداً لله، قائماً بحقه، مخلصاً في ذلك، حيث الإخلاص محله القلب، وهو تمحيض الشيء من مخالطة غيره، وبالتالى تكون طاعتهم متمحضة لله جل وعلا وحده، وذلك ما أمرهم به حيث يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. فيجتنبوا بذلك أي إشراك مع الله في طاعته، في كل أُمورهم، فما يفعلون من فعل، وما يقولون من قول، وما يعتقدون من فكر في كل شؤونهم، إلا كانوا مخلصين فيه لله تعالى يرجون رحمته ويخافون عذابه. كانت تلك السيرة، هي البداية الأولى في مكة المكرمة، فيما أمر الله به المؤمنين في قوله النازل قبل هذه الآية في سورة الجن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. ثم أخذت سيرة المسجد مع سيرته ﷺ ، وسيرة أصحابه، تتوالى آياتها، توضيحاً لما ينبغى، وتفسيراً لما يحدث، وتطوراً مع الدعوة، سلسلة آخذٌ بعضها بحلقات بعض، حتى اكتملت بما أشرنا إليه من آيات نزلت في آخر حياة الرسول ﷺ ، وفي نفس الوقت، نزلت لأسباب نزولٍ تُرْشِدُ المؤمنين إلى مؤامرات الكفرة والمنافقين، وتحذرهم الاغترار بما في ظاهر تلك الوقائع، وتنير لهم طريق الحق فيما ينبغى أن يحتذوا فيه حذو النبي ﷺ ، في القيام برسالة المسجد، وحفظها،

стр. 374

حتى يسلموها تامة، واضحة، متحققة على أرض الواقع، لمن بعدهم، وقد كان! حتى وصلنا إلى ما نحن فيه، من حالٍ سببه البعد عن تلك التعاليم الإلهية، في سيرة النبي ﷺ . وتجليةً، لاستمرار سيرة المسجد مع النبي ﷺ وأصحابه، نذكر: الموضع الثاني: وهو من التنزيل المدني، يُظْهِرُ لنا هذا التدرج والبناء، في سيرة المسجد، وهو قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. بعد ذكر مواضع السجود والعبادة في التنزيل المكي، واحترامها، وتوحيد الله فيها، تعظيماً له، وتفخيماً لشأنه سبحانه، بَيَّنَ هذا التنزيل المدنى، الأمر ببناء المساجد، وسماها بيوت الله، بإضافتها إليه سبحانه في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، تشريفاً لها، وإظهاراً لعطاء الله لهم، من الرحمة، والبركة، عندما يكونون في بيوته سبحانه، إذ يكرمهم ويحسن نُزُلَهم، وهو حافظ لزيارتهم، حافظ لهم. إلى غير ذلك مما تقصر العبارة عن وصفه. وبَيَّنَ صفات أولئك الذين يقومون بهذه العمارة لبيوته، كما سنوضحه - إن شاء الله - بَعْدُ، عند تفسير الآيات. والعاقبة الحسنة ينتظرونها من وراء ذلك، بكونهم رجالاً لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره، ولا عما افترضه عليهم من صلاة وزكاة، مع ملازمة الخوف من ملاقاة الله، في يوم تزيغ القلوب والأبصار من أهواله، ومحنه، ليسلموا بذلك، فيجزيهم أحسن الجزاء، ويزيدهم من فضله، في الأولى والآخرة. وبالتأمل في تلك الآيات، يتضح من تحليها تلك المعانى الجليلة:

стр. 375

- هذه الآيات، سبقها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ومعنى ذلك وضحه العلامة أبو السعود (١)، حيث يذكر في تفسيره أن قوله: ﴿عَلَى نُورٍ﴾ متعلق بمحذوفٍ، هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكةٌ للتمثيل، وتصريح بما حصل منه، وتمهيد لما يعقبه، أي ذلك النور الذى عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة الشأن، بما فصل من صفة المشكاة، نور عظيم كائن على نور كذلك، لا أنه نور واحد معين، أو غير معين، فوق غيره، أو هو مجموع نورين، بل هو نور متضاعف، من غير تحديد لتضاعفه، كما مثله بنور المشكاة؛ لكونه أقصى مراتب تضاعفه، مع ما في الزيت وصفائه من زيادة النور والإشراق والبهاء (٢). - أما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ .. فإنه يأتى بعدما ذكر الله تعالى شأن القرآن الكريم، في بيانه للشرائع، والأحكام، ومباديها، وغاياتها المترتبة عليها، من الثواب والعقاب، وغير ذلك من أحوال الآخرة وأهوالها، وأُشير إلى كونه في غاية ما يكون من التوضيح والإظهار، حيث مُثِّل بما فصل من نور المشكاة، وأنه في أقصى مراتب الظهور، وإنما يهتدى بهداه من تعلقت المشيئة الإلهية بهدايته، وعَقَّبَ ذلك بذكر الفريقين: الأول: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...﴾، إلى آخر صفاتهم. الثاني: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩]. وهي الآية التالية لما سبق.

стр. 376

- أما قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ .. فهى المساجد، وأولها ما نزلت فيه الآيات، وهومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد قباء، فتقديم الجار والمجرور، للاهتمام بتلك البيوت، وللتشويق إلى متعلق المجرور، وهو التسبيح، وأصحابه؛ والتنكير للتفخيم من شأنها، وعلو منزلتها ومكانتها؛ والمراد بالإذن في رفعها: الأمر ببنائها رفيعة، لا كسائر البيوت، وكذلك الأمر برفع مقدارها، بعبادة الله تعالى فيها؛ ويكون عطف الأمر بالذكر على الرفع هنا من قبيل العطف التفسيرى؛ وأياً ماكان! ففى التعبير عن الأمر بالرفع: بالإذن، تلويح بأن اللائق بحال المأمور، أن يكون متوجهاً إلى المأمور به ناوياً لتحقيقه، كأنه مستأذن في ذلك، فيقع الأمر به موقع الإذن فيه. وهذه البيوت رُفِعَتْ لذكره ، أو بذكره وعبادته؛ وذكره يعم جميع أذكاره ، وتكون ﴿فِي﴾ متعلقةً بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾، و ﴿فِيهَا﴾ تكريراً لها، للتأكيد والتذكير بها؛ والتقديمُ: للاهتمام، لا لقصر التسبيح في هذه البيوت فقط، فتنزيه الله وتقديسه حالُ المؤمن في كل الأوقات. لذا قال: ﴿اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦]. - ثم قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور: ٣٧]. وهي صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾، مؤكدة لما أفاده التنكير، من الفخامة؛ وهي تعنى أصحاب رسول الله ﷺ أولاً، ثم من كان مثلهم في التعلق بالمساجد؛ وهذه الصفة أيضاً مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح، من غير صارف يلويهم، ولا عاطف يثنيهم، كائناً ما كان. وخص التجارة بالذكر لكونها أشهر أعمالهم، وأقوى صوارفهم، فهم لايشغلهم نوع

стр. 377

من أنواع التجارة؛ ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ أي: ولا فرد من أفراد البيوع، وإن كان في غاية الربح، وإفراده بالذكر مع إندراجه تحت التجارة، لتميزه بأن ربحه متيقن ناجز، وربح ما عداه متوقع في ثانى الحال، وكررت كلمة ﴿لَا﴾. لتذكير نفى الإلهاء وتأكيده (١). ما يلهيهم شئ - كما ذكرنا - عن ذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد، ولا عن إقام الصلاة، في مواقيتها، من غير تأخير، إقامة تامة، يستكملون فيها آدابها، ووسننها، وواجباتها، وأركانها، مع الخشوع فيها لله، وتعلق القلب بها، إذا فرغ منها يود أن يعود إليها، كما في الحديث: «ورجل قلبه معلق في المساجد ...» (٢). وكذلك هؤلاء الرجال! لا يلهيهم شئ عن إخراج زكاة أموالهم، وإحسانهم للمستحقين، وكون إخراج الزكاة مما يفعل ايضاً خارج المساجد، ولكنه تنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد، وكذلك بقية الآية: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ فـ ﴿يَخَافُونَ﴾ صفة لرجال أي لاتفارقهم تحملهم على الاسراع إلى طاعة ربهم، والقيام بواجباته، وعدم الوقوع فيما يغضبه، ومن ثم لاتختص بالبيوت أيضاً بل هي حالهم الغالب عليهم، إذ هم يخافون أهوال وفزع ذلك اليوم الذى تضطرب وتتغير فيه القلوب والأبصار. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ .. متعلق بمحذوف، يدل عليه ما حكى عنهم من أعمالهم المرضية، فقد فعلوا ذلك كله، ليجزيهم الله تعالى ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾. أي: أحسن جزاء لأعمالهم بحسب ما وعدهم، ويتفضل عليهم بأشياء لم تُوعَدْ لهم

стр. 378

بخصوصيتها، أو بمقاديرها، ولم تخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل وعدت بطريقة الإجمال في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقوله ﷺ حكاية عن ربه : «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (١). وهكذا رأينا شيئاً من سيرة المسجد، سجلها التنزيل الإلهي، لتبين جزءاً من سيرة النبي ﷺ ، وسيرة أصحابه المكرمين ﵃، في قيامهم بتنفيذ هذه الأوامر، والتحقق بتلك الوصايا، فكانوا خير مثل لتلك السيرة العطرة، خلفاً للنبي ﷺ ، ولم يتركهم الوحي الرباني، حتى بَشَّرَهُم، بجميل فعالهم، وبَيَّنَ حُسْنَ عاقبتهم، وما ينتظرهم من عظيم الجزاء والأجر، في الدنيا والآخرة، وكان مصداق ذلك في الدنيا هو عاجل بشراهم.

стр. 379

المبحث الثاني المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وننتقل مسرعين إلى: هذا الأساس الذي وضعه رسول الله ﷺ ، عند وصوله إلى المدينة المنورة، بعد الهجرة مباشرة، لبناء المجتمع الإسلامي، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله تعالى ورحمته. وقد كان ذلك لقدوم المهاجرين من مكة إلى المدينة لايملكون شيئاً، تركوا أموالهم، وأولادهم وأرضهم وديارهم، نصرة لله ولرسوله ﷺ ولدينه، ولم يكونوا أهل زراعة، ومع ذلك أعطاهم الأنصارُ، - الذين هم أهل الأرض والعقار - الأرضَ، ليعملوا فيها بنصف ثمارها، ومنهم من أعطيت له منيحة محضة، واستغنوا عنها لما فتح الله عليهم خيبر (١). وقد رد النبي ﷺ ، - نفسُه - ما أعطوه من نخل عندما فتحت عليه قريظة والنضير (٢). وكان ذلك دليل إيثارهم المهاجرين على أنفسهم، حتى وصل بهم الإيثار إلى أن قالوا للرسول ﷺ : «إن شئت فخذ منا منازلنا». فقال لهم خيراً، وابتنى لأصحابه في أرض وهبتها لهم الأنصار، وفي أراض ليست ملكاً لأحد (٣).

стр. 380

ولم تكتف الأنصار بذلك، بل بذلوا - طيعة - أنفسهم أموالهم للمهاجرين، فقالوا للرسول ﷺ : «اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل». قال: «لا» فقالوا «تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر»، قالوا: «سمعنا وأطعنا» (١). وهذا منه ﷺ دفع للمهاجرين لاستكمال أجرهم وثوابهم، وألا يكونوا عالة يثقلون كواهل إخوانهم، ولئلا يظنوا بهجرتهم، وتركهم كلَ شيء، أنهم قد صار لهم الحق والعذر في أن يجلسوا ويستريحوا شيئاً ما، من عناء ما قاسوا، ولكنه كان ﷺ يُعِدّهم لإتمام جهادهم، والثبات على مبادئ البذل والتضحية، ومواصلة مسيرة الهداية، متقدمين فيها الصفوف. ومن التطبيقات العملية، قصة عبد الرحمن بن عوف ﵁، حيث آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ﵁، فقال له سعد: «إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسمُ لك نصفَ مالي، وانظرْ أيَ زوجتيَّ هويتَ، نزلت لك عنها، فإذا حَلَّتْ تزوجْتَها، فقال له عبد الرحمن: «لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ فَدُلَّ على سوق بنى قينقاع ... إلى آخر الحديث، حيث تمكن من الزواج، ودَفْعِ المهر، وقال له الرسول ﷺ : «أَوْلِمْ ولو بشاة» (٢). ولم يكن سعد بن الربيع ﵁ منفرداً عن غيره من الأنصار، فيما عرضه على أخيه، كما يُظَنُّ، فقد طلبوا - كما أشرنا آنفاً - من النبي ﷺ أن يقاسموهم كل شيء، وأن يعطوهم منازلهم، فهو إذاً شأن الصحابة عامة في علاقتهم، وتعاونهم، مع بعضهم البعض، بعد الهجرة خاصةً، وبعد أن آخى النبي ﷺ فيما بينهم (٣). وعلى الرغم من هذا الإيثار، فقد أراد الرسول ﷺ أن يوجد تشريعاً يعالج للمهاجرين أوضاعهم الاقتصادية، فكان أن شرع نظام المؤاخاة في السنة الأولى من الهجرة، حيث آخى

стр. 381

بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة، والتوارث بعد الممات دون ذوى الأرحام (١). وروى أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ حالف بين قريش والأنصار في داره (٢). وروى البعض أن المؤاخاة كانت في المسجد (٣). ومن الجدير بالذكر أن موضوع المؤاخاة قد تم مرتين، مرة في مكة، والأخرى بعد الهجرة إلى المدينة، كما ذكره ابن عبد البر في سيرته (٤). وذكر ابن حجر، أن من أغراض المؤاخاة، أن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض، بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، ومِثْلُ هذا مؤاخاته ﷺ ، لعلى بن أبى طالب ﵁، لأنه هو الذى يقوم به من عهد الصبا، قبل البعثة، واستمر إلى ما بعدها، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأن زيداً مولاهم، فقد ثبتت أخوتهما وهما من المهاجرين (٥). وقد آخى النبي ﷺ بين أصحابه بعد وصوله المدينة، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويستأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل وزالت الوحشة، واستطاعوا أن يقوموا بحياتهم وعيشهم، أبطل الله التوارث بالمؤاخاة، وأبقى أخوة الإيمان كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ

стр. 382

اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. ومن ثَمَّ أُلْغِىَ ذلك بعد بدر أو بعد الأحزاب أو أحد (١). وقد ذكر ابن عباس ﵄ أن ما ألغاه الإسلام من نظام المؤاخاة هو الإرث فقط، أما النصر والرفادة والنصيحة، وأن يوصى لبعض المتآخين بشئ من الميراث فكل ذلك باق (٢)؛ بدليل مؤاخاته ﷺ بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وغيرهما ﵃، وسلمان إنما أسلم بعد أحد وقبل الخندق. وأما حكمة نسخ التوارث - علاوة على ما ذكرنا - أن الروح الإسلامية غدت العصب الطبيعي للمجتمع الإسلامي، في ظل الأخوة الإسلامية العامة، وما يترتب عليها من مسؤليات مختلفة، فلا يخشى على هذا النظام من التقصير أو التمييع أو التفكك، فلا غرو ولا ضرر في أن تعود قرابة الرحم كما كانت؛ وإن أصبح ذلك أثراً بعد عين، فقد ذهبت هذه القضية مع ما ذهب من كثير من أخلاق، ومحاسن، وآداب الإسلام، التي كانت السبب في ثباته وبقائه، وكانت سر حيويته وقوته، وانتشاره وعدالته، وسر علو المسلمين وحضارتهم. مما سبق، يتضح لنا أن وحدة الأمة، وتساندها، لا يمكن أن يتم، إلا بعامل التآخى والمحبة، فتنهض حينئذ هذه الأمة، وتأخذ في أسباب الرقى والتقدم، لأن أي أمة لايجمعها هذا العامل لايمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة فلايمكن أن تتألف منها دولة.

стр. 383

إن التآخي لابد أن يكون مسبوقاً بعقيدة يتم الالتقاء حولها والإيمان بها، لأن التآخى بين مختلفى العقيدة وَهْمٌ، خاصة عندما تحمل العقيدة أصحابها على أنماط وطرائق وسلوك في الحياة يميزها عن غيرها. ومن ثم قدم النبي ﷺ العقيدة، التي جاءت من عند الله تعالى، لتقوم أخوة المؤمنين على ما التقت أفئدتهم عليه، بتلك العقيدة، وفي سبيلها يموتون ويستشهدون، فيقفوا بذلك جميعاً، صفاً واحداً، أمام الله تعالى، عبودية له، واظهاراً للخشوع عنده، والالتزام بتعاليمه، لا اعتبار بينهم لغير التقوى. إن قيام مبدأ التعاون والتناصر، يطبق ميزان العدل والمساواة، وإن المجتمع السليم، هو الذي يقوم على أساسٍ من العدالة، في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق، وإن أول من يضمن سلامة هذه العدالة، وتطبيقها، هو التآخي والتواد، ثم تليها ضمانة السلطة والقانون، فإذا لم تتحقق تلك المباديء، حل محلها الأحقاد والضغائن، بين أفراد المجتمع، والتى تنبيء عن الظلم والطغيان، المؤدى إلى الفتن والضعف والزوال. من أجل ذلك اتخذ رسول الله ﷺ ، - بأمر الله تعالى - من هذا التآخى بين المهاجرين والأنصار، أساساً لأعظم نظام إجتماعى في العالم، ثم تدرجت هذه المباديء إلى شكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكن أساسها الأول، الذي لولاه ما قام هذا المجتمع، هو تلك الأخوة العظيمة، المؤسسة على عقيدة الإسلام الخالد، لما كان لها من أعظم الأثر الإيجابي والتطبيقي المستمر في شد أزر المجتمع، وتثبت دعائمه وأركانه (١)؛ ويوم أن أحس الناس بفقد ذلك الميزان للعدالة، وضعفت مقومات الأخوة، بدأ التفكك يأخذ في أركان المجتمع الإسلامي، إثر تلك الموجات الساخطة التى بدأت تهل على دولة الإسلام.

стр. 384

النظرة القرآنية لسيرة مبدأ الأخوة في الإسلام: ونذكر بعض الآيات القرآنية الكريمة، تبين موضوع الأخوة، وما ينبغى أن نستفيده منها؛ - على سبيل الاختصار، حيث أبرز القرآن الكريم جوانبه كافة، وشَرْحُ ذلك كله يخرج بنا عن حد المقصود -، وهذا ما اخترناه من الآيات الكريمات: - قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧ وهي مكية]. - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. - قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨].قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]. - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. - قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].

стр. 385

- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]. - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠]. ونظرة إجمالية على هذه الآيات الكريمات، مع مراعاة الترتيب الزمنى للنزول، نراها تبين، وتؤكد المعاني التالية: ١ - إن ما يجمع المؤمنين، ويربط بينهم، ويُوجِدُ تلك الحقوق لكل أحد، هو الإيمان بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، لا شيء غير ذلك، وعظم ذلك بأسلوب القصر، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وهذه العقيدة والأخوة الإيمانية أظهرت الآيات بها دلائل في غاية الأهمية. أولها: أن تلك الأخوة، وهذا التآلف، الذي لم يحدث في تاريخ البشرية، نعمة محضة من الله تعالى، لم يستطع أحد، ولن يستطيع أن يوجدها، فضلاً عن أن يضعها في القلوب، لذا قال جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. بل أكثر من ذلك شأناً، ما ذكرته الآية الأخرى، وهو أن هذه الأخوة، بزغت وأشرقت، من جوف ليل العداء الدامس، حيث يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ثم بَيَّن الصورة المقابلة وجلاها، فنفى الولاية بين المؤمنين وبين غيرهم، حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم، ليؤكد - بما لا يتطرق إليه الاحتمال - أن الأخوة توجد حيث يوجد الإيمان، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣].

стр. 386

ثانيها: أن هذه الأخوة - بالتالي - لا تحدها أرض، ولا يقيدها زمن، بل كل مؤمن أخٌ لبقية المؤمنين في سائر بقاع الأرض، وأخٌ لمن كان يترضى عليه، ويدعو له، وأخٌ لمن يكون كذلك، وقد رأينا انجذاب المؤمنين، لمن كان من السالفين منهم، ومحبتهم لهم بغير صحبة، ولا رؤية، وهذا يؤكد ما ذكرناه من عالمية دعوة الإسلام، وشمولها، بما لا يدع ذرةً لتَشَكُّكٍ، أو مجالاً لريب، أو ثغرةً لمستشرق، إلا ثغرات الهوى، وعدم الحياد والإنصاف، والإعراض عن العلم وقواعده، فيما يتعلق بالإسلام وتعاليمه. وجاء في سياق ذلك، الآية التي تمهد الطريق لكل أحد، لكي يكون أخاً للمؤمنين، في بقاع الدنيا كافة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ولايعقل أن يكون ذلك للعرب خاصة، فإن أي تائب من الشرك، أقام الصلاة وأدى الزكاة، تشرف وتمتع بإخوة الدين، لا يقف أمامه عائق من وطن، ولا زمن، وهذا يدل على أن كل كافر - في أي بقعة من المشرق - إذا أسلم، صار أخاً لكل مسلم - في مغارب الكون وأقاصيه شمالاً وجنوباً -. ثالثها: بينت الآيات الكريمات - في جملة ما بينت -، المساواة والعدل كمظهر تام الوضوح، لتلك الإخوة في الحقوق والواجبات، لافرق في ذلك بين جليل وحقير، ولا ذكر وأنثى، ولا أحمر وأسود، ولا حر وعبد، كلهم تجمعهم أخوة الإيمان والمحبة والتآلف؛ والتفاضل بينهم إلا بالتقوى، «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقد ذكرت تلك الآية الكريمة، - التي أوردنا في صدر الكلام - صورة حية لهذه الأخوة، - التي وصى الله تعالى بها، بسبب الإيمان -، لأولئك الذين لاحقوق لهم في عالم

стр. 387

اليوم إلا الملاجيء، ودور الفشل، التي تساعد في إخراج طفل لا قيمة له، وهي قوله تعالى - عندما أُلغى في الإسلام عادة التبني -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وهو تشريع، يوجب لغير معلومى الآباء - فما بال الباحث بمن علم أبوه وفُقِد - يوجب لهم هذه الحقوق المترتبة على أخوة الإيمان، التى شرعها لهم، كما شرعها لأعلى منهم منزلة اجتماعية أو مادية. وهذا أعلى تشريع وصل إليه العالم، وهو تشريع لم يصل إليه مُشَرِّعُو حقوق الإنسان، والحقوق المدنية وغيرها، وإن كتبوا مثله حقوقاً، فإن الواقع ناضح بممارسات فاضحة في هذا المجال، لا حصر لها! لا تخطئُها الأعين، بل هي صارخة، فاقئة لكل الأعين، صاخة لكل الأسماع، تهز الوجدان والضمائر الحية، وتدميها، لم تكن في تشريع الإسلام ولا تطبيقه. ونواصل تلك السيرة، لذلك الصرح الإيماني، الذي رعاه القرآن الكريم، وطبقه النبي ﷺ ، وأصحابه، وعليه، وبه ارتفعت راية الإسلام، حيث التضحية، والبذل، ومحبة كل أحد لأخيه ما يحب لنفسه، بل إيثاره عليها. نعود إلى النظرة الإجمالية، فنشير إلى سيرة الحقوق، - التي أخذت سنين - تنزيلاً وتطبيقاً، مع آيات قليلة، انتخبناها وافية بالغرض؛ لأنها تدل على ما وراءها: ٢ - إن الحقوق التى شرعها الإسلام للمسلمين، بإخوة الدين، تدرجت من حفظ الحقوق التي لا تنازل عنها، في الدم والعرض والمال، وصولاً إلى البذل والإيثار، الذي يقدم فيه المؤمن أخاه على نفسه، بدءاً بعدم التحقير لأي معروف يبذله لإخوانه، ولو كان في نهاية القلة (١)، مروراً بتفريج الكربات، والتيسير للمصائب العسيرات، وستر العورات، والمساندة والمواساة في السراء والضراء.

стр. 388

وتسعفنا الآيات، في الحقوق الأولى بذكر أدناها، تشديداً على أعلاها، ونذكر في ذلك قوله تعالى: ﴿... وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. وقد جاء قبلها عدم السخرية، أو سوء الظن به، أو التجسس عليه، مع ترك التفاخر والتنابز بالالقاب، وبالتالي، ما يكون أكثر من ذلك في عرضه فهو حرام، وكذلك ماله ودمه، قال ﷺ توضيحاً لذلك: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» (١). فما بالك بأزيد من ذلك، بل ما الظن بضربه وسفك دمه! ... ومع ذلك ذكر القرآن الكريم، أنه يمكن أن يحدث ما يعكر صفو هذه الأخوة، بل يجرحها، وإن أعظم الجروح لها هو القتل، ومع ذلك - حتى إن وقع خطأ - لا ينفى الأخوة ولا يهدمها، بل أبقاها الشارع، وندب معها إلى العفو والإحسان، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولاشك أن الأخوة المذكورة هي أخوة الإيمان، اشارة للإحسان، والفضل، والمعروف. وكذلك أمر أمراً قوياً، بألا نترك الخصومات، لتقوض جوانب الأخوة، ولم يتركها حتى جعلها تشريعاً، لا يجوز التفريط فيه، أو التغافل عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وهنا نستشعر هذا المعنى، وهذا الموقع الجليل للصلح، وهو أنه إذا قام المؤمنون المهتمون بأمر إقامة هذا الدين، من الأئمة والعلماء، وأهل الفضل، في فض كل خصام، وإحلال الصلح محل البغضاء، والفرقة، والشحناء، والتدابر، والتربص، وغيرها، وأزيد منها، من أمور السوء بين المسلمين؛ فليتصور المرء حينئذ، قوة

стр. 389

هذا المجتمع وصفاءه، وتراص أفراده جميعاً على كلمة سواء، توحد صفهم، وتقوي بنيانهم، وتجعلهم كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص، يستطيع أن يبني نهضته، وأن يرفع رايته، وأن يصمد لأعدائه، وأن يواصل سيرته شامخاً مستعصياً، على كل عوامل الهدم والفناء. قال تعالى أيضاً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فجعل الإيمان ملهباً لهم، للمسارعة إلى ذلك؛ إذ هو من أهم مميزات الإيمان وعلاماته، وجعله كذلك محور اهتمام المؤمنين جميعاً، عندما أورد الخطاب بصيغة الجمع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. ونصل إلى الصورة التى جَلَّى القرآن الكريم جوانبها لكل المؤمنين، إلى قيام الساعة، وهي صورة المؤمنين أنفسهم، وارتباطهم، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. ذكر صاحب الظلال، في الصور الثلاث، التي أبرزت فيها الآيات الملامح المميزة للمهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم، ما أبرز خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان. الصورة الأولى: هي صورة صادقة، تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين، أخرجوا إخراجاً من ديارهم وأموالهم، أكرههم على الخروج الأذى، والاضطهاد، والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم، في مكة، لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، وقد خرجوا تاركين

стр. 390

ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، لا ملجأ لهم سواه، ومع أنهم مطاردون قليلون، كان خروجهم نصرة لله ولرسوله، بقلوبهم وسيوفهم، في أحرج الساعات وأضيق الأوقات ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، فكان الصدق مقصوراً عليهم، بضمير الفصل مع علو المكانة، بالإشارة البعيدة إليهم؛ فهم صادقون مع الله في أنهم اختاروه، وصادقون مع رسوله ﷺ في أنهم اتبعوه، صادقون مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض، ويراها الناس. والصورة الثانية: لأولئك الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، كذلك صورة مضيئة، صادقة، تفردت بصفات بلغت الآفاق؛ ولولا أنها وقعت بالفعل لحسبها الناس أحلاماً طائرة، ورؤى مجنحة، وأمثلة عليا، قد صاغها خيال مخلق. وقد تبوأوا الدار - دار الهجرة، المدينة - قبل المهاجرين، وتبوأوا الإيمان فيها، كأنه منزل لهم؛ وكلمة دار هي أقرب ما تصور موقف الأنصار من الإيمان، أي: لقد كان دارهم ووطنهم، الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم. وإن محبتهم للمهاجرين عند استقبالهم لهم، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، - لم تعرف البشرية كلها حادثاً مثله -؛ ولم يروا أو يحسوا بموجدة في صدورهم، على أولئك المهاجرين الذين قاسموهم كل شيء، من تفضيل في بعض المواضع، أو مال يختصون به في فيء، فلم يكن في نفوسهم أدنى حسد أو ضيق، بل الإيثار على النفس مع الحاجة، هي القمة العليا التى بلغها الأنصار، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حالة، بصورة خارقة لمألوف البشر، مع التوقى من الشح المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، لا يمكن لشحيح أن يصنع خيراً، فهو يهم كل مرة بالأخذ، ولا يهم مرة بالعطاء، فإذا كان المسلم معطياً، باذلاً، كريماً، فهذا هو الفلاح.
следующие страницы →