ثانيها: أن هذه الأخوة - بالتالي - لا تحدها أرض، ولا يقيدها زمن، بل كل مؤمن أخٌ لبقية المؤمنين في سائر بقاع الأرض، وأخٌ لمن كان يترضى عليه، ويدعو له، وأخٌ لمن يكون كذلك، وقد رأينا انجذاب المؤمنين، لمن كان من السالفين منهم، ومحبتهم لهم بغير صحبة، ولا رؤية، وهذا يؤكد ما ذكرناه من عالمية دعوة الإسلام، وشمولها، بما لا يدع ذرةً لتَشَكُّكٍ، أو مجالاً لريب، أو ثغرةً لمستشرق، إلا ثغرات الهوى، وعدم الحياد والإنصاف، والإعراض عن العلم وقواعده، فيما يتعلق بالإسلام وتعاليمه.
وجاء في سياق ذلك، الآية التي تمهد الطريق لكل أحد، لكي يكون أخاً للمؤمنين، في بقاع الدنيا كافة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ولايعقل أن يكون ذلك للعرب خاصة، فإن أي تائب من الشرك، أقام الصلاة وأدى الزكاة، تشرف وتمتع بإخوة الدين، لا يقف أمامه عائق من وطن، ولا زمن، وهذا يدل على أن كل كافر - في أي بقعة من المشرق - إذا أسلم، صار أخاً لكل مسلم - في مغارب الكون وأقاصيه شمالاً وجنوباً -.
ثالثها: بينت الآيات الكريمات - في جملة ما بينت -، المساواة والعدل كمظهر تام الوضوح، لتلك الإخوة في الحقوق والواجبات، لافرق في ذلك بين جليل وحقير، ولا ذكر وأنثى، ولا أحمر وأسود، ولا حر وعبد، كلهم تجمعهم أخوة الإيمان والمحبة والتآلف؛ والتفاضل بينهم إلا بالتقوى، «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد ذكرت تلك الآية الكريمة، - التي أوردنا في صدر الكلام - صورة حية لهذه الأخوة، - التي وصى الله تعالى بها، بسبب الإيمان -، لأولئك الذين لاحقوق لهم في عالم
стр. 387
اليوم إلا الملاجيء، ودور الفشل، التي تساعد في إخراج طفل لا قيمة له، وهي قوله تعالى - عندما أُلغى في الإسلام عادة التبني -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وهو تشريع، يوجب لغير معلومى الآباء - فما بال الباحث بمن علم أبوه وفُقِد - يوجب لهم هذه الحقوق المترتبة على أخوة الإيمان، التى شرعها لهم، كما شرعها لأعلى منهم منزلة اجتماعية أو مادية.
وهذا أعلى تشريع وصل إليه العالم، وهو تشريع لم يصل إليه مُشَرِّعُو حقوق الإنسان، والحقوق المدنية وغيرها، وإن كتبوا مثله حقوقاً، فإن الواقع ناضح بممارسات فاضحة في هذا المجال، لا حصر لها! لا تخطئُها الأعين، بل هي صارخة، فاقئة لكل الأعين، صاخة لكل الأسماع، تهز الوجدان والضمائر الحية، وتدميها، لم تكن في تشريع الإسلام ولا تطبيقه.
ونواصل تلك السيرة، لذلك الصرح الإيماني، الذي رعاه القرآن الكريم، وطبقه
النبي ﷺ ، وأصحابه، وعليه، وبه ارتفعت راية الإسلام، حيث التضحية، والبذل، ومحبة كل أحد لأخيه ما يحب لنفسه، بل إيثاره عليها.
نعود إلى النظرة الإجمالية، فنشير إلى سيرة الحقوق، - التي أخذت سنين - تنزيلاً وتطبيقاً، مع آيات قليلة، انتخبناها وافية بالغرض؛ لأنها تدل على ما وراءها:
٢ - إن الحقوق التى شرعها الإسلام للمسلمين، بإخوة الدين، تدرجت من حفظ الحقوق التي لا تنازل عنها، في الدم والعرض والمال، وصولاً إلى البذل والإيثار، الذي يقدم فيه المؤمن أخاه على نفسه، بدءاً بعدم التحقير لأي معروف يبذله لإخوانه، ولو كان في نهاية القلة (١)، مروراً بتفريج الكربات، والتيسير للمصائب العسيرات، وستر العورات، والمساندة والمواساة في السراء والضراء.
стр. 388
وتسعفنا الآيات، في الحقوق الأولى بذكر أدناها، تشديداً على أعلاها، ونذكر في ذلك قوله تعالى: ﴿... وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقد جاء قبلها عدم السخرية، أو سوء الظن به، أو التجسس عليه، مع ترك التفاخر والتنابز بالالقاب، وبالتالي، ما يكون أكثر من ذلك في عرضه فهو حرام، وكذلك ماله ودمه، قال ﷺ توضيحاً لذلك: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» (١).
فما بالك بأزيد من ذلك، بل ما الظن بضربه وسفك دمه! ... ومع ذلك ذكر القرآن الكريم، أنه يمكن أن يحدث ما يعكر صفو هذه الأخوة، بل يجرحها، وإن أعظم الجروح لها هو القتل، ومع ذلك - حتى إن وقع خطأ - لا ينفى الأخوة ولا يهدمها، بل أبقاها الشارع، وندب معها إلى العفو والإحسان، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولاشك أن الأخوة المذكورة هي أخوة الإيمان، اشارة للإحسان، والفضل، والمعروف.
وكذلك أمر أمراً قوياً، بألا نترك الخصومات، لتقوض جوانب الأخوة، ولم يتركها حتى جعلها تشريعاً، لا يجوز التفريط فيه، أو التغافل عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وهنا نستشعر هذا المعنى، وهذا الموقع الجليل للصلح، وهو أنه إذا قام المؤمنون المهتمون بأمر إقامة هذا الدين، من الأئمة والعلماء، وأهل الفضل، في فض كل خصام، وإحلال الصلح محل البغضاء، والفرقة، والشحناء، والتدابر، والتربص، وغيرها، وأزيد منها، من أمور السوء بين المسلمين؛ فليتصور المرء حينئذ، قوة
стр. 389
هذا المجتمع وصفاءه، وتراص أفراده جميعاً على كلمة سواء، توحد صفهم، وتقوي بنيانهم، وتجعلهم كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص، يستطيع أن يبني نهضته، وأن يرفع رايته، وأن يصمد لأعدائه، وأن يواصل سيرته شامخاً مستعصياً، على كل عوامل الهدم والفناء.
قال تعالى أيضاً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فجعل الإيمان ملهباً لهم، للمسارعة إلى ذلك؛ إذ هو من أهم مميزات الإيمان وعلاماته، وجعله كذلك محور اهتمام المؤمنين جميعاً، عندما أورد الخطاب بصيغة الجمع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
ونصل إلى الصورة التى جَلَّى القرآن الكريم جوانبها لكل المؤمنين، إلى قيام الساعة، وهي صورة المؤمنين أنفسهم، وارتباطهم، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
ذكر صاحب الظلال، في الصور الثلاث، التي أبرزت فيها الآيات الملامح المميزة للمهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم، ما أبرز خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.
الصورة الأولى: هي صورة صادقة، تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين، أخرجوا إخراجاً من ديارهم وأموالهم، أكرههم على الخروج الأذى، والاضطهاد، والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم، في مكة، لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، وقد خرجوا تاركين
стр. 390
ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، لا ملجأ لهم سواه، ومع أنهم مطاردون قليلون، كان خروجهم نصرة لله ولرسوله، بقلوبهم وسيوفهم، في أحرج الساعات وأضيق الأوقات ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، فكان الصدق مقصوراً عليهم، بضمير الفصل مع علو المكانة، بالإشارة البعيدة إليهم؛ فهم صادقون مع الله في أنهم اختاروه، وصادقون مع رسوله ﷺ في أنهم اتبعوه، صادقون مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض، ويراها الناس.
والصورة الثانية: لأولئك الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، كذلك صورة مضيئة، صادقة، تفردت بصفات بلغت الآفاق؛ ولولا أنها وقعت بالفعل لحسبها الناس أحلاماً طائرة، ورؤى مجنحة، وأمثلة عليا، قد صاغها خيال مخلق.
وقد تبوأوا الدار - دار الهجرة، المدينة - قبل المهاجرين، وتبوأوا الإيمان فيها، كأنه منزل لهم؛ وكلمة دار هي أقرب ما تصور موقف الأنصار من الإيمان، أي: لقد كان دارهم ووطنهم، الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم.
وإن محبتهم للمهاجرين عند استقبالهم لهم، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، - لم تعرف البشرية كلها حادثاً مثله -؛ ولم يروا أو يحسوا بموجدة في صدورهم، على أولئك المهاجرين الذين قاسموهم كل شيء، من تفضيل في بعض المواضع، أو مال يختصون به في فيء، فلم يكن في نفوسهم أدنى حسد أو ضيق، بل الإيثار على النفس مع الحاجة، هي القمة العليا التى بلغها الأنصار، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حالة، بصورة خارقة لمألوف البشر، مع التوقى من الشح المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، لا يمكن لشحيح أن يصنع خيراً، فهو يهم كل مرة بالأخذ، ولا يهم مرة بالعطاء، فإذا كان المسلم معطياً، باذلاً، كريماً، فهذا هو الفلاح.
стр. 391
ونصل إلى الصورة الثالثة، التي بينت هذه السيرة المترابطة للمؤمنين، من يوم أن جاء الإسلام إلى نهاية الدنيا، وكان الأولون من أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان، المثل المدهش لها، وهي الصورة الرضية النظيفة الواعية، التى تبرز أهم ملامح التابعين، بل تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق، في جميع الأوطان والأزمان، والتى وضحت لنا ألوهية هذه الدعوة وربانيتها، فهؤلاء القوم صنع الله، إذ لو كانوا تربية شخص فمن الذى ربى من بعدهم، وإذا كانت تعاليمه، فما الذي حملهم عليها، وربطهم بها، وأقام الوازع في نفوسهم من مخالفتها، ومن الذى جعل الأول والآخر والقريب والبعيد على نفس النهج.
هؤلاء الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار، سمة نفوسهم أنها تتوجه لربها طلباً للمغفرة، لا لنفسها فقط، بل لكل من سبقها بالإيمان، وتتوجه لربها كذلك بطلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا كافة.
تتجلى إذن من وراء تلك النصوص، طبيعة هذه الأمة، وصورتها الوضيئة، في هذه الحياة، وتظهر الآصرة الوثيقة، التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وود وتعاطف، بل بشعور بوشيجة القربى العميقة، التى تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب، ليذكر المؤمن بالحب أخاه، بعد هذه القرون المتطاولة، في إعزاز وكرامة وشوق، كذكره الحي أو أشد (١).
إنها كتيبة واحدة على مدار الزمان، واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعداً إلى الأفق الكريم.
تلك صورة الأخوة كما ذكرها القرآن، وبين فيها القول، وفصل وأبدى وأوضح،
стр. 392
لتكون السيرة المنيرة، التى وضحها الرسول ﷺ ، قولاً وتطبيقاً. لتأتى الآية الأخيرة، في ترتيب تلك الآيات الكريمات، - التي انتخبناها دليلاً ونبراساً لسيرة الأخوة في القرآن الكريم - وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
لتبين عظيم عاقبتهم، وحسن جزائهم، الذى أعده الله لهم، جراء ما قدموا مجتمعين إلى يوم القيامة صفاً واحداً، إنه أعظم الجزاء وأجله، رضا الله عنهم، ومجاورتهم له في جنته خالدين فيها أبداً، وهو الجزاء الحامل على المسارعة إلى تحقيق هذه الأخوة، وملازمتها في كل زمان ومكان.
٣ - ونعود إلى ثالث الملاحظات، على آيات الأخوة وسيرتها القرآنية، وهي ملحوظة لابد منها في الدراسة القرآنية، وهي أن كل هذه الآيات مدنية، ولم تأت آية واحدة مكية، تشير إلى لزوم الأخوة، أو توصى وتأمر بها، ولاشك أن لها أسباباً، وفي ظن الباحث، أن ما توصل إليه من أسباب - إذ لم تذكر أيٌ من المصادر التي اطلع عليها شيئاً من ذلك - تتلخص فيما يلى:
- أن أي أقلية توجد في مكان، يربط بينها رباط العقيدة، أو الجنس، أو غيرها، تستشعر فيما بينها التآلف والمواساة، والقيام بمساعدة بعضهم بعضاً، خاصة عند استشعار الخوف من وقوع مكروه لهم، يهدد حياتهم، أو أموالهم، أو غير ذلك، فيبذلون فيما بينهم ما يدفعون به أي خطر يتهددهم، ويتحدون أمام أي عدو يحاول استباحتهم، ويصير حينئذ ولاؤهم المتضح في التناصر والمعونة لمجموعتهم أو جماعتهم، بل إنهم يمكن أن يتعاهدوا على الموت جميعاً، في سبيل الذود عن بقائهم، وحماية أرواحهم، وأولادهم، وأموالهم.
стр. 393
ولذلك رأينا الصحابة الأولين في مكة، لا ينقصهم التكافل والتراحم والمحبة والمودة، وإن كانوا لا يستطيعون في أحوال كثيرة أن يوقفوا، أو أن يقفوا أمام طوفان الظلم، الذي يغشى معظمهم، ومع ذلك لا ينفكون عن مواساة إخوانهم، وجدانياً، وأن يشاركوهم الشعور بما هم فيه؛ إذ لم يتمكنوا أن يدفعوا عنهم شيئاً.
إن المحنة التى حصرتهم، لاشك جمعتهم في خندق واحد، يدفع كل عن إخوانه، كما يدفع عن نفسه، ويقف فيه عاري الصدر، محتملاً الأذى في سبيل بقاء هذه الجماعة المؤمنة، التي تعبد الله تعالى، حفاظاً على الدعوة، وتضحية بالنفس فما دونها، رخيصاً في سبيل دينه، ينتظر موعود الله بالنصر أو الشهادة، خاصة عندما باشر الإيمان شغاف قلوبهم.
- إن وجود القائد ﷺ يشاركهم، ويقاسمهم ذلك كله، وفي نفس الوقت يبث في قلوبهم ونفوسهم روح الإيمان، كان له أعظم الأثر في التحامهم وتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم. خاصة عندما يكون ﷺ القائم بالمواساة، والتعاطف، مع الضعيف الفقير قبل القوى المليء.
فكان واقعهم كفيلاً بقيام تلك الصورة الفريدة، من صور الأخوة والمحبة، لذا لم يكن ثَمَّ تشريع قرآني بها، إذ يكفى فيها واقع السنة العملى، فلما هاجروا إلى المدينة، ودخل في الإسلام من لم يعايشوا تلك المرحلة، ويتحملوا مشاقها، نزلت التشريعات والوصايا، تأمر بذلك وتبشر به، وإن كانت النواة القدوة قد تعمقت جذورها، وقويت ساقها، مثالاً حياً وواقعاً حقيقياً، سرعان ما يدور في فلكه، الآتي الغريب، عن هذا العلو السامق، ليكون أحد لبناته التى تقوى البنيان، وتشد من أزره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣].
стр. 394
المبحث الثالث
الوثيقة (الصحيفة)
عندما استقر الرسول ﷺ بالمدنية، نظم العلاقات بين أهلها، وكتب كتاباً بهذا الشأن، أوردته المصادر التاريخية، وكذلك دلت على تفاصيله، وجزئياته، الآياتُ القرآنية، والمصادر الحديثية. عرف هذا الكتاب في المصادر القديمة باسم: (الصحيفة) أو (الكتاب)، وأسماه الكُتَّابُ المحدثون: (الدستور) أو (الوثيقة)، وقد استهدف توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات.
ولأهمية هذه الوثيقة، اعتمد الباحثون المعاصرون عليها، في دراسة تنظيمات الرسول ﷺ في المدينة المنورة، ونُظُم الدولة الإسلامية، وعلاقاتها بالملل والدول الأخرى، والنظام السياسى في الإسلام، فمن ثَمَّ احتاجت منا لعرض، ودراسة مفصلة، خاصة وقد استهدفها "وات" بالنقد الشديد، على طريقته في محو، وتأويل حقائق الإسلام الربانية، وسيرة الرسول ﷺ ، المرتبط بالسماء (١)، عندما رأى ذلك قادحاً في مناهج بحثه، التي يطوع التاريخ ويؤلفه لها.
стр. 395
مدى صحة الوثيقة:
لتبيين مدى صحة نسبة هذه الوثيقة، إلى الرسول ﷺ ، لما لها من أهمية تشريعية وتاريخية، نشير إلى بعض من ذكرها من المحدثين والإخباريين.
إن أقدم من أورد نصها كاملاً هو محمد بن إسحاق دون إسناد (١)، ونقلها كل من ابن سيد الناس في سيرته (٢)، وكذلك ابن كثير (٣)، أما الإمام البيهقى (٤) فقد ذكر إسناد ابن إسحاق للوثيقة، - التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون اليهود -، ويبدو أنه رواها من غير طريق ابن إسحاق، وأورد ابن سيد الناس رواية ابن أبى خيثمة (٥) في تاريخه، بمثل رواية ابن إسحاق، ولكنه أسندها، ووردت في كتاب الأموال، لأبى عبيد القاسم بن
стр. 396
سلام (١) ولكن من طريق الزهري (٢) موقوفة عليه، وقد وردت الصحيفة ذاتها من رواية الزهري أيضاً، في كتاب الأموال (٣) لابن زنجويه (٤).
أما صحة الوثيقة، فلا شك أنها تصلح أساساً للدراسة التاريخية؛ التى لاتتطلب عادة تلك الشروط العالية، من صحة الإسناد التى لابد أن تتوفر فيها، للاستدلال على الأحكام التشريعية، وقد ذكرنا صلاحيتها لذلك، للأسباب الآتية:
١ - أنها وردت من طرق كثيرة، تتضافر في إكسابها القوة، والزهري علم من رواد كتاب السيرة، وهو من أوثق أهل العلم والرواية.
٢ - أن أهم كتب السيرة والتاريخ، ذكرت موادعة النبي ﷺ لليهود، وأنهم جميعهم - أي: القبائل الكبيرة المعلومة في التاريخ - هي التي نقضت عهودها، وإلا ما معنى أن ترد الروايات التاريخية، المدعومة بالقرآن الكريم في مهاجمتهم، وإخراجهم من المدينة المنورة، وما ذلك إلا لسبق العهود القوية، التي نقضوها مع النبي ﷺ ، كما ذكرت الروايات كتابتها - أيضاً - بين المهاجرين والأنصار.
стр. 397
٣ - أن أسلوب الوثيقة يدل على أصالتها (١)، فأسلوبها وجملها وما تكرر فيها، ينم على مألوف أساليب العصر المدني، وإن تشابهها، بل واستخدام نفس الجمل مع أساليب كتب الرسول ﷺ الأخرى ليعطيها قوة ويكسبها الثقة (٢).
شواهد على فقرات الوثيقة قرآناً وسنة وتأريخاً:
نذكر بعض الشواهد التى تدل على صحة الصحيفة، من القرآن والسنة وكتب التاريخ، حتى نرد بذلك على القائلين بخلافه، ونبين تهافت كلام"وات".
ونبدأ بالتاريخ لنصل إلى الأعلى، حيث ذكر المؤرخون فقرات معينة، وردت في الصحيفة كالطبري (٣) حيث أشار إلى كتابة المعاقل، وكذلك ابن سعد (٤) أشار إلى كتابة المعاقل بين المؤمنين، وأن لايترك مُفرح في الإسلام، ولا يقتل مسلم بكافر، وعبد الرزاق الصنعاني (٥)، أشار إلى العقل على العاقلة، وأن ذلك بلغهم عن الرسول ﷺ ، كما في الكتاب
стр. 398
الذي بين قريش والأنصار. وذكر المقريزى (١)، وابن حزم (٢)، والديار بكري (٣)، أن الرسول ﷺ كتب كتاباً وادع فيه اليهود، ذكر بعضهم بنى قينقاع، والنضير، وقريظة، إلى آخر ما ذكر، والآخر ذكر يهود فقط.
وقد ورد أثرٌ يؤكد موادعته ﷺ لليهود، وكتابته ذلك معهم، في قصة بني النضير لما غدروا يقول:
«... صبحهم ﷺ بالكتائب، فحصرهم يومه، ثم غدا على بنى قريظة، فحاصرهم، فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بنى النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء ... (٤)» وليس معنى ذلك أن الرسول ﷺ ، لم يكن عاهد بنى قريظة، بل كان بينه وبينهم كتاب، فلما انشغل ببني عمومتهم، - يهود بني النضير - خشي غدرهم، فحاصرهم، فأكدوا له بقاءهم على ما كانوا عليه من العهد، فكان ذلك توكيداً.
وأما ما كان من سنة النبي ﷺ ، التي تؤيد فقرات في الوثيقة، فقد روى منها البخاري (٥)
стр. 399
وأبو داود (١)(٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤)، ونذكر مثلاً واحداً، وهو قوله ﷺ ، فيما رواه النسائي: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، لايقتل مؤمن بكافر؛ ولا ذو عهد في عهده».
هذه الروايات تثبت تحرير الكتاب، من النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وتؤيد الفقرات التى جاءت في الصحيفة عن المعاقل، وفداء الأسرى للمهاجرين وبطون الأنصار.
لقد أورد أحد الباحثين، ثمانية أحاديث تثبت أصل الصحيفة، والكتابة بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة، وما فيها من تفصيلات، ثم ذكر لها شواهد كثيرة (٥).
وأما الآيات القرآنية ..
فقد ذكر الباحث نفسه، سبعاً وعشرين آية، توافق فقرات الصحيفة، ولولا خشية الإطالة، لأوردنا طرفاً منها.
ونهاية النظر في هذه الأدلة، توحي بأن جميع فقرات الصحيفة، لها شواهد من القرآن الكريم، والسنة الصحيحة.
إن الحقيقة العلمية، هي التي حملتنا على الكلام على صحة الوثيقة، بهذا التدقيق
стр. 400
العلمي، نظراً لوجود من يشكك في صحتها، حيث وصلنا إلى أن التشكيك بعد ذلك، يعد مجازفة كبرى، وتَسَرُّعاً في إصدار الأحكام، ومجافاة للأسلوب العلمي، فضلاً عن مخالفة الواقع، كما ذهب إلى ذلك من المعاصرين الأستاذ/ يوسف العش (١)، والأستاذ/ ضيدان اليامي (٢).
فالأول ذهب إلى أنها موضوعة، لأنها لم يروها إلا ابن إسحاق، بغير إسناد، والحقيقة - كما ذكرنا وأوردنا - غيرُ ذلك، والثاني: قال بأنها ضعيفة لا تصح، وينبغي عدم الاحتجاج بها، سوى ما ثبت لفظه أو معناه في أحاديث أخر، وجاء في الصحيفة (٣)، ومن ثَمَّ كان مهماً ما أوردناه، لنعلم حسن إسنادها لغيره، وأنها صحيحة صالحة للاحتجاج بها، في إثبات تلك السيرة من الوجهة التاريخية.
تاريخ كتابة الصحيفة:
ونتكلم فيه لأجل "وات"، حيث من طريقته - التي أشرنا إليها من قبل - تقطيع أوصال الحوادث، والاستدلال بكل جزء مبتور على زمان، أو على حكم، بحيث يخرج الحادث أو النص، من سياقه التاريخي، إلى تاريخ لا علاقة للنص به، بل ولم يقع فيه، - ويمكن أن يكون قد وقع قبل أو بعد ذلك بسنين متطاولة - ليصل إلى نتائج من السيرة وبواعث لها، قد أعدها سلفاً.
وهذا يجرنا إلى بحث الدكتور/ أكرم العمري، حيث انتهى فيه إلى أن الوثيقة في الأصل كانت وثيقتين، ثم جمع المؤرخون بينهما، لتشابه المواقف والأغراض، وكانت الأولى
стр. 401
بين الرسول ﷺ ، يوادع فيها اليهود، والثانية بين قريش (المهاجرين)، والأنصار، تنص على حقوقهم، وواجباتهم، وما يلتزم به كل طرف، وقد ساق أدلته على ذلك، التي منها: أن كتاب اليهود، كان عند قدوم النبي ﷺ المدينة، والكتاب بين المهاجرين والأنصار، كان عند مرجعه ﷺ من بدر منتصراً على قريش، وكان المهاجرون قد كثروا من مكة، ومن غيرها إلى الدرجة التي تُلْزِم - بعد هذا النصر - أن يوضع دستور يحدد تلك العلاقات.
وأما ماورد من كتابةٍ بين النبي ﷺ وبين اليهود بعد قتل كعب بن الأشرف اليهودى، - وكان قتل بعد بدر الكبرى -، فإنما كان توكيداً لما سبق، لأن قتل ابن الأشرف كان بسبب نقضه العهد بينه وبين المسلمين، وإعلان العداوة للنبى ﷺ ، وممالأته لقريش على النبي ﷺ ، ورثائه لقتلى بدر، إلى آخر مافعله غادراً بعهده مع النبي ﷺ والمسلمين، وقد نزل من القرآن الكريم، ما يؤيد ذلك بعد بدر، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ (١) [الأنفال: ٥٦]. وهي تشير إلى أكثر من معاهدة تمت بين الرسول ﷺ واليهود، كما بين ذلك أهل التفسير (٢).
ونستعرض الآن بنود الصحيفة سريعاً، مع تحليل لايخل بالمقصود؛ لنرى تقدم الإسلام في هذا الباب، وسبقه للدنيا في إقرار الدساتير، والعمل بمقتضاها، ولنرد سريعاً على "وات" في مزاعمهم التي أوردها.
أما نص الوثيقة فهي:
стр. 402
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - هذا كتاب، من محمد النبي ﷺ ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، (وأهل) يثرب ومن تبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم.
٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٣ - المهاجرون من قريش، على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، والقسط بين المؤمنين.
٤ - وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
(٥ - ١١) كل ذلك نفس بند بنى عوف من الأنصار وهو البند الرابع (٤).
١٢ أ - وإن المؤمنين لايتركون مفرَحاً بينهم، أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل.
١٢ ب - وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٣ - وأن المؤمنين المتقين، أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم (١)، أو إثماً، أو عدواناً، أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم.
١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض، دون الناس.
١٦ - وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
١٧ - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن، في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
стр. 403
١٨ - وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً.
١٩ - وإن المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
٢٠ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
٢١ أ - وإنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولى المقتول بالعقل، وإن المؤمنين عليه كافة، ولايحل لهم إلا القيام عليه.
٢١ ب - وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولانفساً، ولايحول دونه على مؤمن.
٢٢ - وإنه لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً، أو يؤويه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايوخذ منه صرف ولاعدل.
٢٣ - وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ .
ومن هنا تبدأ وثيقة يهود.
٢٤ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٥ - وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه، وأثم، فإنه لا يوتغ (١) إلا نفسه وأهل بيته.
وما جرى مع يهود بنى عوف يجرى مع بقية قبائل الأنصار حتى البند (٣٦).
٣٦ - وإنه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمد ﷺ .
٣٦ ب - وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا.
٣٧ - وإن عليهم نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والبر دون الإثم.
стр. 404
٣٧ ب - وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.
٣٨ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
٣٩ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٤٠ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤١ - وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٤٢ - وإن ماكان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٣ - وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٤ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٥ أ - وإذا دعوا إلى صالح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
٤٥ ب - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم.
٤٦ - وإن يهود الأوس مواليهم، وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض، من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في الصحيفة وأبره.
٤٧ - وإنه لايحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن، بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ (١).
وبالتأمل في هذه الصحيفة:
стр. 405
نراها تشتمل على مبادئ دستورية، إما واضحة وشاملة، أو يمكن استنباطها من تلك المبادئ المنصوصة، مع انطواء كل ذلك على أحكام شرعية، ذلك كله يجعل كلمة «دستور» هي أقرب إطلاق مناسب من المصطلحات الحديثة على الوثيقة، ومن ثَمَّ تكون هذه الوثيقة أقدم دستور مكتوب في العالم، وإذا كانت بمثابة إعلان دستور، فإنها شملت على ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث، يوضح الخطوط الكلية لنظام الدولة في الداخل والخارج؛ فيما يتعلق بأفراد الدولة مع بعضهم البعض، أو يتعلق بعلاقة الدولة مع الآخرين، ولكن هذه الوثيقة تختلف، أو تزيد عن دساتير اليوم بما يلى:
أولاً: الدولة الإسلامية دولة دستورية، والكلمة العلى فيها للشرع؛ فهى ليست كالدول الدينية في القرون الوسطى في أوربا، والتي حاولوا أن يصموا بها الدولة الإسلامية.
ثانياً: الدولة الإسلامية بدأت حضارتها التى سادت الدنيا، باتباعها لتلك التعاليم والمباديء، وتطبيقها على أرض الواقع، في حين كانت أوربا تحارب العلم، وتحرق العلماء باسم الدين.
ثالثاً: العدالةُ، والمساواةُ، وحريةُ العقيدةِ، التي تمتع بها أفراد الدولة الإسلامية لا تحتاج لدليلٍ، إذ كان يمكن ليهوديٍ - مثلاً - أن يقاضى رئيس الدولة رأساً، ويأخذ حقه منه، في حين أن العنصرية والتمييز ما زالا قائِمَين إلى وقت قريب في أوربا وأمريكا رسمياً، فما زال الواقع يعج أفراداً ومؤسسات بتلك التفرقة وهذه العنصرية والنازية.
رابعاً: هذا الدستور (الوثيقة)، ينطوي على الجانب الأخلاقي، المتمثل في مخاطبة المؤمنين المتقين، بمطالبتهم أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، رجاء الحذر من حساب اليوم الآخر، بما لا نظير له في الدساتير الوضعية.
стр. 406
خامساً: وفي الجانب الاجتماعي، جعلت الوثيقة الجميع - من الأسرة إلى
العشيرة - مسئولاً عما يقع لأفرادها؛ ليقوموا به، من تكافل وتضامن، وإن لم يتمكنوا من ذلك، قامت به الدولة، من بيت مالها، فلا تدع مفرحاً، مثقلاً بالدين، كثير العيال، أو لا عشيرة له، ولا قوم، إلا قامت هي به، تقضي دينه، وتقوم بأولاده، على خلاف واقع اليوم، في الغرب كله، حيث المدين ينتظره الخراب والسجن.
سادساً: هذه المقومات الدستورية - في مجموعها - إنما تقوم على فكرة وحدة الأمة الإسلامية، وما يتعلق بها من المواد التنظيمية الأخرى، المنبثقة من العقيدة الواحدة، فالمسلم له تلك الحقوق، في أي بقعة كانت من بقاع الأرض، بغض النظر عن الجنسية أو الأرض أو غيرها.
سابعاً: تُمَيِّزُ هذه الوثيقة (الدستور) الإسلامَ بأنه دين شامل، لا يقتصر - كما يريد له المستشرقون وأذنابهم - على علاقة المرء بين الإنسان وربه، أو أنه دين يختص بالعرب، أو لا يخرج عن الحدود الإقليمية، ويكفى تكذيب الواقع لكل ذلك، وما حاولوا نشر هذه الغربة إلا لإيقاف المد الإسلامي المتنامي، وحيوية الإسلام المدهشة، أمام دخول الغرب فيه.
وبعد ذلك نقول: إن هذا الدستور قد وضعه الرسول ﷺ ، بوحي الله له، لأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وكتبه أصحابه رضوان الله عليهم، وإن تطبيق المسلمين له أيام النبوة وبعدها، وفي أيام تولى الحكم، كان وفقاً لشرع الله. رأينا ذلك كله دليلاً على صحة الوثيقة، ولاشك أن هذه الأصول الدستورية العامة، تؤيد ما جَدَّ مما يحقق مصالح المسلمين، ونفعهم، ولا يتعارض مع أسس الإسلام، ومبادئه، مما يدل على مرونة الشريعة، وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان. لأننا ما سمعنا بإهدار هذه النصوص، أو التفلت من الالتزام بها، إلا حين خالف الناس الشرع، وأداروا ظهورهم له،
стр. 407
متوجهين شرقاً وغرباً، وما انتكست تلك الحضارة إلا بالبعد عن تعاليم الإسلام الصحيحة (١).
وبذلك يظهر الفارق الضخم، بين هذا الدستور والدساتير الأخرى، من حيث إنه يعتمد في تطبيقه على الجانب الدينى، المتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، ليؤكد تلك الأسس الإلهية، في الوازع الحامل للناس على الانقياد لتلك القوانين.
إن تحليلاً سريعاً لبنود الوثيقة يظهر لنا:
- أنها بين المسلمين المؤمنين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، فكان أن بينت - من أول بند - أنها اتفاق شامل لكل مسلم في كل مكان، مما يدل على أن المسلم حيث كان، مرتبط بذلك الكيان الواحد، «فإنهم أمة من دون الناس»، مما يؤكد على رباط العقيدة، فوجهتهم وولاؤهم، لله تعالى ورسوله ﷺ ، وليس للقبيلة ولا للدم، فاتحدت قبلتهم مع شعورهم وأفكارهم؛ وإن احتكامهم كذلك للشرع، وليس لعرف أو تقليد، لا يقرهما الشرع، وكان ذلك يستهدف اعتزازهم بذاتهم، حتى نهاهم أن يتشبهوا بغيرهم، فقال ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢)، مميزاً لهم عن غيرهم تميزاً واستعلاء، لا يشكل حاجزاً بينهم وبين غيرهم، ليدخلوا في الإسلام.
- ومع ذلك ذكرت بنود في الوثيقة عشائر الأنصار، ولم تذكرهم ليكون الولاء لغير الله تعالى، - للقبيلة - وإنما بينت بغير لبس أسباب ذلك، في تدرج نظام التكافل من ناحية، والتنظيمات الإدارية من ناحية أخرى، ففى نظام التكافل، بَيَّنَتْ حقوق وواجبات العشيرة الواحدة، من التضامن في إعانة المحتاجين، وفكاك الأسرى، وتحمل الديات، وغيرها، مما
стр. 408
هو موجود، أو مما يفرضه الواقع؛ وأما التنظيمات الإدارية، فكثيرة في مسئولية كل عشيرة، في مشاركتها الدولة في القيام بشؤونها، وإعداد رسلها، وجنودها ونقبائها، مع القيام بتنفيذ أمور الدين، وإبلاغ أعمال الرسول ﷺ ، وأموره ونواهيه، ووصاياه إلى غيرها، والقيام بمصلحة كل فئة، وترتيب كل الأمور، الترتيب اللائق بها في مثل هذا الواقع، ولمثل هذه الأعمال، تحت القيادة العامة لرسول الله ﷺ .
- وكما أكدت الوثيقة ما سبق، فقد أكدت على المسؤلية الجماعية، وأن سائر المؤمنين مسؤلون عن تحقيق الأمن، والعدل، في مجتمع المدينة، خاصة، وأن الحدود الشرعية، وأوامر الشرع، وما يتعلق بشيوع المعروف في المجتمع، كل ذلك من الله تعالى، فكان تطبيقه واجباً دينياً على جميع المؤمنين، ومن ثَمَّ نَصَّت الوثيقة على أن أيدي المؤمنين المتقين، على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثماً، أو عدواناً، أو فساداً بين المؤمنين، وأيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم، وبذلك كان المؤمنؤن المتقون - لكمال إيمانهم عن غيرهم من المؤمنين، الذين يمكن أن يقعوا في مثل ذلك - أحرص من سواهم على القيام بواجبات الدين تلك، وكان مثلاً لذلك، القتلُ، حيث فيه القصاص، إلا أن ينزل أولياء القتيل إلى الدية أو العفو، بينت الوثيقة فيه أنه إن اختار أولياء القتيل القتل أو الدية، فإن المؤمنين جميعهم، بمن فيهم أولياء القاتل، يتعاونون في تطبيق الحكم عليه، وعدم حمايته أو إيوائه، ومن خالف ذلك فعليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، لا يُقْبل منه صرف ولا عدل.
- وأقرت الوثيقة مبدأ الجوار (١)، وجعلته حقاً للرجل والمرأة على السواء، وهو من دقة المساواة الواقعة بين المؤمنين، بحيث لا يجوز لأحد أن يخفر مسلماً في جواره، إذ ذمة المسلم - أياً كان - محترمة، لا يتعدى عليها حاكم أو محكوم، ولكنها منعت من بقى على شركه من الأوس والخزرج أن يجير قريشاً، أو تجارتها، التي تمر غربي المدينة، إذ في إجارة العدو شيوع
стр. 409
عدم الاستقرار، والعداوة، التي جعلت الوثيقة الأمن بها لجوف المدينة، ومن قعد ومن رحل كل ذلك آمن. إن ذلك تهديد مباشر ونقض لهذه الوثيقة، حيث أقرت الوثيقة العيش في سلام، لكل أهل المدينة، كما قرأنا في بنودها، ولكن الموالاة التي ينبني عليها المحبة والنصرة والمعونة والتأييد، فهي محصورة فقط في المؤمنين؛ إذ لا يجوز لمسلم أن يوالى كافراً، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وإن كان الإسلام لا يمنع البر والقسط، مع أهل الكتاب المسالمين له.
- ومع ما تقدم، يصح إذن البند (١٧) القائل: إن سلم المؤمنين واحدة، ولكن لا يسالم مؤمن لنفسه من دون المؤمنين، بل إن إعلان الحرب من اختصاص النبي ﷺ ، وعليه فإن المسلمين جميعاً يكونون في حالة حرب مع ذلك العدو، فلا يمكن لفرد أن يهادنهم، لارتباطه بسياسة المسلمين الواحدة تجاه عدوهم، وإن عبء الحرب يقع على كل المؤمنين، بحيث تعقب كل غازية أخرى متناوبين في الجهاد.
وفي ختام كلام الوثيقة بين المهاجرين والأنصار، كان المرجع الأعلى لكل خلاف يقع بين المسلمين، مرده إلى الله جل وعلا ورسوله ﷺ (١).
وبفراغنا من نظرة عجلى، على ما كان بين المسلمين، من شروط في الوثيقة، نشرع في نظرة أخرى، تلقي - كذلك - الضوء سريعاً على شروط المعاهدة بين المسلمين واليهود، مع تحليل ما يهمنا منها لنرد بكليهما على "وات":
стр. 410
- إن بنود تلك المعاهدة، التي تنظم هذه العلاقات، بين المسلمين واليهود، تبدأ من البند الرابع والعشرين، إلى السابع والأربعين.
- وإن أول ما يطالعنا في تلك النصوص، هو الحرية الدينية لليهود، وإنهم ما زالوا على ذلك، حتى لما غدروا وأخرجهم الرسول ﷺ من المدينة، بنقضهم تلك المواثيق، خرجوا وهم يهود، ومن بقى منهم - من غير القبائل الثلاث اللاتى نكثت أيمانها، ومزقت كتب مواثيقها -، ظل يتمتع بتلك الحرية الدينية، والبقاء في المدينة، حتى إن الرسول ﷺ توفي ودرعه مرهون عند يهودي (١).
- لم يقتصر الأمر على ذلك، بل جعل ﷺ ذلك لليهود، ولحلفائهم ولمن تهود من المشركين، فقالت الوثيقة: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم (٢٥ - ٣٥، ٤٦).
- وأكدت كذلك، أن المسؤلية الجنائية، لا تخص إلا صاحبها، فلا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن من ظلم وأثم لايوتغ إلا نفسه وأهل بيته، كما هو الحال مع المسلمين، أو يتركون المدينة، فهم كذلك. (٣١، ٣٧ ب).
- وإن أجار اليهود أحداً، فهو كالنفس غير مضار ولا آثم، ولكن لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها، فلا يفتئت أحد على أحد بجوار إلا أن يوافق أهل المستجير. (٤٠، ٤١).
- ثم جعلت الوثيقة المدينة حرماً آمناً، حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، فلا يحل انتهاكه، فلا يقتل صيده، ولا يقطع شجره، وحرم المدينة بين الحَرَّة الشرقية والحرة الغربية، وبين جبل ثور في الشمال، وجبل عير في الجنوب، ويدخل وادى العقيق في الحرم، وبذلك
стр. 411
أحلت هذه المادة الأمن في المدينة، ومنعت الحروب الداخلية (١)، وبناء عليه جاءت نصوص التعاون والتناصر، وتتلخص في أن بين أهل هذه الصحيفة، النصر والنصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وتفصيل بعضه فيما يلى:
- أن بينهم النصر على من دهم يثرب، وعلى كل أناس حصتهم التى من قبلهم،
(٤٤، ٤٥) فعلى اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
- ومهما كان المؤمنون محاربين، فإن اليهود ينفقون معهم ما داموا كذلك.
- وأنهم إذا دعوا صالح فإنهم يصالحونه، وكذلك المؤمنؤن إلا من حارب في الدين، ومن ثَمَّ لا تُجَار قريش ولا من نصرها. لما بينها وبين المسلمين من حرب، وأذى شديد بسبب الإسلام.
- ولوجود هذه الوثيقة، فإنه لا يخرج من المدينة أحد، إلا بإذن رسول الله ﷺ ، لسلطانه على المسلمين، ولعهده مع اليهود؛ وذلك لما يراه من مصلحة، كأمن المدينة، أو اقتصادها، أو غير ذلك من المصالح العامة، فإن الجميع يخضع للنظام العام، حيث أقر اليهود بسلطة عليا تحاكم فيما يعن من شجار، بين المسلمين واليهود، وهي الرجوع إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ ، إن كان ما يدخل في ذلك، ليس مما يختصمون فيه من قضاياهم الشخصية، فهم يردون فيها إلى التوراة، ليقضى لهم فيها أحبارهم، إلا حيث يحكمون فيها الرسول ﷺ ، فإن شاء قضى بينهم، وإن شاء أعرض عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
стр. 412
والتزام ذلك جعل من خرج فهو آمن، وأكد على البر والصدق والتقوى، في تنفيذ تلك العهود، فجاءت تلك الكلمات المنيرة، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة، وأصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإن الله جار لمن اتصف بذلك، ومحمد رسول الله ﷺ .
توضح كتابة الصحيفة - نفسها -، وما حوت من بنود، أن السلطة العليا في المدينة، كانت لرسول الله ﷺ ، وأن الواقع الذى لا يستطاع دفعه، أنه لم يكن يُنطق بسلطة أخرى لأحد، يقرر علاقات المدينة الخارجية، وشئونها الداخلية، أمنية واجتماعية واقتصادية من المنطلق الإسلامي، وإعلانها الحرب والسلم، إلا رسول الله ﷺ ، مما يؤكد على علو مكانة الرسول ﷺ ، التي لا مراء فيها من ناحية، وعلى صحة بنود هذه الوثيقة من ناحية أخرى.
كما تبرز الوثيقة علاقات هذا الدين الحق، وعلوها ورقيها، وهذا ما كان ينبغى أن نقارنه بآيات من القرآن الكريم لاستكمال المنهج ولكن الإختصار دعانا لذلك.
وات والوثيقة:
لابد من مناقشة المستشرق "وات"، ولو على أقصى سرعة، لإيقافه على محطات الخطأ في سيره مع الوثيقة، وتبيين مواقف الصواب، مع علمنا بدوافعه وبواعثه، التى ذكرناها أكثر من مرة، ولكن بدون تكرار.
إن نقد "وات" الشديد للوثيقة، كان من ثلاث نقاط:
الأولى: دستور المدينة صحةً وتاريخاً.
الثانية: معنى الأمة في هذا الدستور.
الثالثة: مكانة النبي ﷺ في المدينة.
ونبدأ بالقضية الأولى؛ ونناقش "وات" فيها من زاويتين، حيث تتلخص رؤيته فيهما
стр. 413
للوثيقة؛ وهما صحة الوثيقة، وتاريخ كتابتها.
أما صحة الوثيقة فإن "وات" يرى:
أولاً: صحة الوثيقة لأسبابٍ متهافتة؛ منها استحالة التزوير في العصرين الأموى والعباسى، فلا يمكن لأي مزور أن يجعل لمحمد ﷺ هذه المكانة المتواضعة، وأن يحتفظ ببنود ضد قريش، أو أن يجعل غير المسلمين أمة مع المسلمين؛ إذ أن كل ذلك بأسلوب لا شك قديم) (١) (.
ثانياً: نراه شَكَّكَ في صحة الوثيقة، منقلباً على رأيه السابق، ولكن مع تمسكه الشديد بأدلة عدم التزوير في الرأى السابق، - وهذا من عجيب البحث أن ينقض الرأى، ويحتفظ بأدلته، يبدى فيها ويعيد، مفرداً لها صفحات عديدة - وما ذلك إلا لأنه يرى أن هذا
الكلام (٢)، هو مقصوده الذى أورده ابتداءً، سواء صح الخبر أم لم يصح، وما يهدف إليه من توجيه السيرة، وجِهَتُه التى أراد منها كون النبي ﷺ في النهاية - لم يوح إليه، وأن مكانته كذا وكذا، وأن كلام الصحيفة المتناقض يدل على ذلك.
وقد بعدنا - بالاستطراد - عن دليل تشكيكه في الصحيفة، فلنعد إليه؛ وهو أن ابن إسحاق لم يذكر الطريقة التى وصلت بها الوثيقة إليه (٣).
تاريخ كتابة الوثيقة:
يرى "وات" أن بنوداً من الوثيقة كتبت في وقتين مختلفين، أو أوقات مختلفة، وذلك
стр. 414
لفروق لغوية، وبعض البنود تكرار لبنود أخرى، وتعالج نفس المسائل (١).
مع افتراض أن البنود ١٥، ١٦، ١٩، ٢٣ تمثل نص اتفاق أصلى، وقع بين محمد ﷺ وقبائل المدينة في العقبة (مكة)، ثم أضيفت بنود جديدة إلى هذه البنود، بين وقت وآخر حسب الحاجة، كما حذفت البنود القديمة ... هناك مسائل كثيرة غامضة خاضعة للفرضيات) (٢) (.
هذه اعتراضات "وات" كما هي، ونبدأ من آخرها، فيتبين لنا شيئ جديد عن "وات" في عرضه للتاريخ، وبحثه في بواعث الأحداث، وأسبابها، فنبدأ بقوله: هناك مسائل كثيرة غامضة خاضعة للفرضيات، وعلى هذا القول، ما يلى:
١ - هذا دليل الإفلاس في عرض الوقائع، لأن "وات" لم يدع شاردة ولا واردة، يدين بها السيرة وصاحبها - مهما كانت موضوعة لا قيمة لها - إلا وذكرها وأشاد بها، وأكد بكل سبيل من سبله صحتها، وهنا لم يذكر واحدة من الكثير الغامض الذى ادعاه، لأنه لو كان لذكره، وما تغاضى عنه، حتى وإن لم يكن لاخترعه كما قال بلسانه: خاضعة للفرضيات، وكم رأينا افتراضه الكثير مما خطه، يكتب به تاريخاً من عنده، يعينه على استنباط ما أراد سلفاً وأعد.
٢ - لما لم يستطع دفع صحة وقائع وأحداث الوثيقة، بالأدلة التى تفصل القضايا، شكك فيها بهذا القول المجمل، والذى يستطيع كل أحد أن يرد به أي قول لا يتمكن من التصدى لصحته، فيرمى بقوله، ويجرى هناك مسائل كثيرة غامضة.
٣ - السؤال المنطقى، اللازم لما نحن فيه، هو أين الغموض في كثير من مسائل
стр. 415
الوثيقة؟ بل أين هو في كل مسألة وبند منها؟ سواء في المعنى، أو في اللفظ، أو في كليهما، أو حتى في غير ذلك مما يكتنفه الغموض، أم إنه الشغب والتشويش، وإثارة الغبار على الحقائق عند عدم استطاعة الرد - علمياً كان أو غيره - عليها!
بهذه الأدلة من كلام "وات"، لم نعد بحاجة إلى استكمال نقد كلامه؛ ولكن إحقاقَ الحق وإظهار الباطل في كلامه، يملى علينا مناقشة بقية البنود، وكذا إتماماً للأمانة العلمية في ذلك.
فنعود إلى النقطة الأولى وما بعدها، حيث ذكر "وات":
أولاً: صحة الوثيقة؛ لأنه لا يمكن لأى مزور أن يزور فيها هذه البنود - المسيئة للإسلام وللنبى ﷺ ، على حسب اكتشاف "وات".
نقول آمناً بالله، وصدقنا بصحة الوثيقة، بغض النظر عن أسباب عدم التمكن من تزويرها، إذ يكفى أن يقول "وات" لا يمكن لأى مزور أن يزورها.
فإذا بنا نُفَاجأ بأن "وات" يقول إن الصحيفة مزورة، مع إن أدلة عدم التزوير باقية، وهكذا يكون البحث العلمى النزيه المجرد، ويسوق "وات" أدلة التزوير فيقول:
أولاً: إن ابن اسحاق لم يخبرنا كيف وصلت إليه هذه الصحيفة المزورة - أقصد التى لا يمكن تزويرها -، ونذكر القاريء بأننا رددنا على ذلك - بالإسهاب - في بداية الكلام على الوثيقة؛ حتى لا نضطر لإعادته في الرد على "وات" الرد العلمى الحديثى والتاريخى.
ثانياً: إن الوثيقة كتبت في وقتين، أو أوقات مختلفة) (١) (.... إلى آخره، والرد: إنه ليس بين المتقدمين من كُتَّاب السيرة - مما عرفنا - من ذكر وقتين لها، فضلاً عن أوقات مختلفة! مع إن ذلك لم يكن ليعيبهم في شيء، إذ كتب في الوثيقة ما هو أسوأ منه في نظر "وات"، حتى ادعى
стр. 416
عدم إمكانية التزوير؛ والمدققون من المتأخرين ذكروا وقتين لا ثالث لهما، ولكن كان الأول بين المهاجرين والأنصار، والثاني بين المسلمين واليهود، وماذا يخالف الواقع أو العقل في ذلك، وذكرنا بقية الكلام وتوضيحه في محله السابق ليكون رداً مقدماً على كلام "وات".
ثالثاً: مما يؤكد به "وات" تشكيكه في الوثيقة - التى لا يمكن تزويرها - هو أن هناك اتفاقاً أصلياً، وقع في العقبة بمكة قبل الهجرة، بين الرسول ﷺ وقبائل المدينة، وبنوده هي ١٥، ١٦، ١٩، ٢٣.
ومما يثير الأسى، والحزن، على البحث العلمى، وعلى "وات"، أن ينزل بفكره، وألا يحترم عقله وبحثه إلى هذا المستوى؛ إن البند الخامس عشر يتحدث كما ذكرنا عن إجارة المؤمن، أي: له أن يكفل، ويحفظ، ويمنع من أن يتعرض له أحد بأذى، وذلك في الوقت الذى لم يكن للمؤمن فيه أي احترام ولا قيمة من مشركى مكة ومن غيرهم، فكيف يجير غيره في نفس الوقت الذى لا يستطيع أن يمنع فيه نفسه؛ إن إجارة المسلم كانت تكون ذات قيمة بعد الهجرة، لوجود هذا الكيان السياسى، أو أن يكون لهم من القوة والمنعة ما يجعل غيرهم يستجير بهم ليجيروه. ووات يعلم أن ذلك ما كان ليحدث أبداً قبل الهجرة.
ومع ذلك سطر ما قد سمعنا!
وكذلك البند السادس عشر، أَنَّى يكون قد تعاهد فيه النبي ﷺ والمسلمون - قبل
الهجرة - مع اليهود، وهو ينص على أن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، وكما هو معلوم أن الرسول ﷺ وقبائل المدينة - أنفسهم - كانوا مستخفين ليلة العقبة، حتى من أهل يثرب (١)، وفي حالة من الاستضعاف، يترقبون بها أن يؤيدهم أحد، أو يدفع عنهم ظلماً مما وقع بهم، بل لا يستطيع كثير منهم أن يعلن إسلامه، ومن عُلمَ إسلامه
стр. 417
فهو المتحمل لتبعة ما ينزل عليه ويحيق به من الكفرة. أَنَّى لهؤلاء أن ينصروا يهوداً، وأن يكون اليهود معهم غير مظلومين، وأين كان اليهود ليلة العقبة كما يدعى "وات"، ليتعاهدوا مع النبي ﷺ ، ويطلبوا منه ألا يظلموا، وهل يُطلب ذلك من النبي ﷺ ، إلا في ظل سيادة يتمتع بها المسلمون، متمكنين حالها من أن يظلموا أو أن يكفوا الظلم، وما حدث لهم ذلك إلا في ظل دولة المدينة، فكيف يصرح "وات" بأن هذا البند قد وقع قبل الهجرة؟! وفي هذا الواقع المؤلم؟!
أما البند التاسع عشر، فهو يتكلم عن القتال في سبيل الله تعالى، ووات يعلم علم اليقين أن القتال شُرع بعد الهجرة، وأن تلك الأحوال - في مكة، التى أحاطت بذلك البند - لم تكن ليشرع فيها قتال البتة.
والبند الثالث والعشرون أَظْهَرُ من غيره، إذ ذكر فيه أن مرجعية أي خلاف لأهل الصحيفة، إنما هي لله وللرسول محمد ﷺ ؛ هذه المرجعية العليا - التى قررها الواقع، لتجعل النبي ﷺ الحاكم الأعلى - ما استقرت وتحققت وارتضاها المعاصرون لها، الموقعون عليها، إلا في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ ، وإذا بوات يقرر بما لا يدخل في عقل أحد - فضلاً عن الباحثين - أن المرجعية العليا كانت له ﷺ في مكة؛ والتى كانت حاله فيها كما هو معلوم من سيرته حتى تركها مستخفياً وهاجر إلى المدينة.
وهكذا رأينا كلام "وات" لا يثبت لأى تحليل أو نقد تاريخى أو نصى، فضلاً عن التحقيق والتمحيص في ذلك.
يقول عبدالله النعيم - ما حاصله -: إن "وات" أوقع نفسه في تلك الورطة، حتى يخرج القبائل اليهودية الكبرى الثلاث - بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة - من تحمل تبعات الغدر والخيانة للرسول ﷺ ، حيث لم يوقعوا معه عهودًا؛ لأن العهود كانت في العقبة،
стр. 418
ولم يحضرها أي منهم (١). وكأنه يستجيز لهم ذلك، من محاولة اغتيال النبي ﷺ ، وغير ذلك مما فعلت النضير وقريظة وقينقاع، دون أن يرد عليهم النبي ﷺ ، لأنهم لم يعاهدوه على ذلك، وكأن هذه الأحداث بغير عهد مباحة لهم، لا يعاقبون عليها، فلم يخرج "وات" من مستنقع البحث الآسن، المليء بما وصفنا من قبل.
أما السبب الذى لم يَمْحُه "وات"، حيث جعله من أدلة صحة الوثيقة، هو ضعف مكانة النبي ﷺ ، وجعله من أعمدة عدم تزوير الوثيقة، فلما شكك في صحة الوثيقة، إذ به يبقى أعظم أدلة عدم التشكيك فيها بله التزوير بإبقاء هذا الدليل، وإذا أثبت صحة دليل عدم التزوير، فالوثيقة صحيحة فلم التشكيك وإثبات عدم ذلك؛ أو أنه شكك وأثبت عدم صحة الوثيقة فلم أبقى دليل عدم التزوير، بل دليل الصحة عنده؟! الباعث واضح لا يحتاج لتأمل، أو حتى نظر، فهو قد اخترع مكانة للنبى ﷺ ، تنطق الوثيقة بعكسها تماماً، ليبنى عليها كل تلك المجازفات، مع عدم المبالاة بعقل أو بحث؛ إلى آخره.
وتتلخص أدلة "وات" - على ما سبق - في أن النبي ﷺ زعيم قِبَلِّي كغيره، بل هناك من هو أعظم نفوذاً منه، وأن دستور المدينة ليس دليلاً صادقاً على مكانة النبي ﷺ ، حين وصل المدينة، بدليل أنه لم يستطع ملاحقة ابن أُبَىٍّ، حتى طلب الإذن بذلك، وأنه ترك تقرير عقوبة قريظة لزعيم حلفائها، وأن أهل المدينة لم يعترفوا له صراحة بالحكم بينهم، وإنما قبلوا ذلك بالقوة حين ترك الوحى يأمره بالرجوع إلى الله في خلافاتهم كافة، وأن وجوب طاعة النبي ﷺ ، لم تكن صراحة إلا بعد الحديبية، حيث لا يوجب ذلك دستور المدينة. وأن سلطات النبي ﷺ بدأت تتسع تدريجياً) (٢) (.
стр. 419
وبداية الرد السريع المختصر؛ لأن كل سطر عند "وات" يحتاج لنقد لا ينقضى عجب المرء منه، وكيف استجاز ذلك على عقله ونفسه!
إن كلامه من أول سطر يناقض قرائن الأحوال ووقائعها، ويضرب بعضه بعضاً، فبينما يذكر لنا:
أولاً: كون النبي ﷺ زعيماً كغيره، بل هناك من هو أعظم نفوذاً منه؛ فإنه لم يذكر لنا غيره، ولا عِظَم نفوذه، ونحن نُذَكِّره بأن الواقع لم يذكر لنا زعيماً غيره، بيده مقاليد أمور الزعامة في المدينة، سلماً وحرباً، وعلاقات جوار خارجية، وتنظيماً داخلياً. من كان بيده شيء من ذلك عند مجئ النبي ﷺ إلى المدينة؟ لقد ذكر كتاب السيرة ابن أُبَىٍّ، وأنهم يعدونه للملك عليهم، فهل ملك بدخول الرسول المدينة شيئاً؟!
وكان على "وات" أن يذكر أي انسان آخر يُسَيِّر أمور المدينة بما كان يقوم به النبي ﷺ ، خاصة وإن جميع الرسل الذين أتوا المدينة كانوا ينزلون، أو يعاهدون، أو يسلمون لرسول الله ﷺ .
هذه مخالفة صارخة للواقع لا يمكن أن يكون الباعث عليها علم أو حياد أو نزاهة.
ثانياً: كون طاعة الرسول ﷺ لم تجب حتى صلح الحديبية، ويناقض قوله ذلك بدعواه أنهم حُمِلوا بالقوة على الطاعة، وتحكيم الرسول ﷺ بينهم، لنزول الوحى يأمر بذلك.
أما كون طاعة الرسول ﷺ لم تكن واجبة، فهو إلقاء للقول على عواهنه، بغير بينة إلا الاتهام المسبق، وإلا فوات يعلم - قبل غيره - نزول آيات وجوب الطاعة في أول ما نزل بالمدينة على الأقل، فقد جاءت سورة الأنفال وهي من أوائل ما نزل هناك، وأولها الأمر بطاعة الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١] وكل الآيات
стр. 420
- تقريباً - الآمرة بطاعة الرسول ﷺ تكذب وات وهو يعلم ذلك، إذ نزلت قبل الحديبية (١).
ثم ما هي القوة التى حملت المؤمنين على الطاعة وتحكيم الرسول ﷺ كما ذكرت؟! أليس هو صاحب المكانة والنفوذ الضعيفين؟! لدرجة عدم تمكنه من ملاحقة ابن أُبَىٍّ؟ فما الذى تغير حتى تكون له كل هذه القوة الحاملة على انقياد المدينة والتزامها بأوامره، وما المانع إذاً أن يكون دستور المدينة قد أمر بطاعة الرسول ﷺ وتحكيمه؟! مع أننا متيقنون أنه لم يكن يحكم غيره، أو ما سمعنا - فيما وصلنا - تحكيم غيره، أو طاعته، على شيء من هذا النحو الذى كان عليه رسول الله ﷺ ، ثم إذا كان مَرَدَّ قوة الرسول ﷺ ، التى حملت الناس على تحكيمه هو الوحىُ، فقد كان الوحى أقدم من صياغة الوثيقة، فما المانع - على رأى وات - أن يُحْملوا على تحكيمه ﷺ من أول يوم وصل المدينة بتلك القوة الجبرية المدعاة.
ثم إن هناك واقعاً يعلمه وات قد حدث في العقبة الثانية، وهو بيعة الأنصار للنبى ﷺ ، وقد ذكر ذلك ابن اسحاق، فيما رواه عن عبادة بن الصامت، يدل على وجوب طاعة الرسول ﷺ ، حيث يقول في بيعة العقبة: «بايعنا رسول الله ﷺ في يسرنا وعسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» (٢).
وقد كانت علاقة النبي ﷺ بالمسلمين في دستور المدينة، غير موقوفة على أن يسمعوا له ويطيعوا عندما يدهم المدينة عدو، بل ما رأيناه من سعد بن معاذ ﵁ عند مسير قريش إلى المدينة، يوضح خلافه، فقد قال ﵁ عندما رأى النبي ﷺ يود أن يسمع رأى الأنصار في
стр. 421
الخروج لملاقاه قريش: «قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا وعهودنا، على السمع والطاعة، فامض بنا يا رسول الله لما أردت. والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله» (١).
دل ما سبق على أن طاعة الرسول ﷺ واجبة، وقد فهم ذلك الأنصار، بل هي من الواجبات التى لا تخلف فيها في أدق المواقف وأصعبها، فما بال الباحث بما دون ذلك، وفي النهاية يكون استدلال وات بما اتخذه النبي ﷺ في أمر عبد الله بن أبى بن سلول - رأس المنافقين - من ترك عقابه بعد مشاركته في حديث الإفك، لا يساوى ذكره أو كتابته، ومع ذلك ننظر فيه، فإذا به لم يكن إلا سياسة حكيمة من الرسول ﷺ ، لعدم تنفير الأنصار من الإسلام، وكذلك لعزل ابن أبى سياسياً، واجتماعياً، حتى إنه لم ترفع له رأس بعد ذلك، وقد وصل الأمر بهذه السياسة الحكيمة منه ﷺ ، أن منع ولد ابن أبى - وكان مسلماً - بعد إعلانه قتل والده للرسول ﷺ إن شاء، ذلك بعد أن منع الابن أباه من دخول المدينة حتى يأذن له النبي ﷺ ؛ وقد اتفق الصحابة على أن تلك السياسة كانت الأصح، والأولى في هذه القضية، ثم يأتى وات ليقول - فارغاً من القول عقلاً وواقعاً - بأن ذلك دليل ضعف مكانة النبي ﷺ ! تراه - عليه أفضل الصلاة والسلام - لو أمر ابنه بقتله، أما كان ليقتله؟! فأين ضعف المكانة؟!
واستدل وات كذلك على ضعف مكانة النبي، بأنه ﷺ لم يتخذ قرار تصفية جيب بنى قريظة بعد خيانتهم في الخندق، وأوكل التحكيم فيهم لسعد بن معاذ حليفهم، وكان الأجدر بـ"وات" أن يصرح بأن مكانة سعد بن معاذ كانت أعلى من مكانة النبي ﷺ في هذا
стр. 422
الموقف، وفي زعامته للأوس، وانتهت مكانة المتبوع المطاع ﷺ بارتفاع مكانة سعد بن معاذ ﵁ التابع عليه، وانتهت النبوة والزعامة، وآل الأمر لسعد، بدلاً من النبي ﷺ ، وبدلاً من ابن أبى الذى كادوا ينصبونه ملكاً عليهم، هذا خلط وعمى في البحث، وتعام عن الحق، وقصد مشوب بدليل منهار.
إن ملخص القصة، أن بعض الأوس قد طلب من النبي ﷺ أن يترك لهم بنى قريظة، كرامة لهم (١)، كما ترك لابن أُبَىٍّ - زعيم الخزرج - بنى قينقاع، فترك لزعيم الأوس - وهو سعد بن معاذ ﵁ – بني قريظة، فأين الضعف، هلا كان ضعيفاً يوم ترك بنى قينقاع لابن أُبَىٍّ؟! وكان أعلى مكانة من سعد بن معاذ في الجاهلية زعامة وأتباعاً؛ وقد ذكر وات أن سلطات النبي ﷺ بدأت تتسع تدريجياً، فهل تقلصت عند بنى قريظة فتركها ضعفاً لسعد بن معاذ؟! ترى لو كان النبي ﷺ هو المتخذ لقرار التصفية كان سيتعرض له أحد بقتال؟! أو أن ينضم مع بنى قريظة لقتاله؟! وهل لو اجتمعت بنو قريظة والأوس جميعاً كانوا يستطيعون قتاله؟! وهم حينئذ قد افترض أنهم كفروا بالله ورسوله؛ لقد جمع ابن أبى رجاله - وكانوا أكثر من الأوس - إلى جانب بنى قينقاع، وكانوا أشرف من قريظة عند يهود، وأشد تمرساً في القتال منهم، وكان النبي ﷺ حديث عهد بمجيئه المدينة، في قلة من العدد والعدة، ولم نر منهم إلا الاستسلام، فأين الضعف الذى يخالفه الواقع والأحداث والأدلة؟! ذلكم وات وتلك بواعثه، وهذه أدلته على تلك البواعث.
لقد جاء في نقد وات للوثيقة – الدستور - أقوال أُخَر، لا تستحق الوقوف عندها، وقف عندها الباحث عبد الله النعيم، فنحيل القاريء إليها (٢).
стр. 423
الفصل الثاني
غزوة بدر
стр. 424
المبحث الأول
النشاط السياسى والعسكرى إلى غزوة بدر
وقبل الخوض في ذلك النشاط نشير إلى شيء من المعاناة التى وقعت للمهاجرين في بداية وصولهم إلى المدينة حيث لم يكن وصولهم نهاية للألآم والمشقات، بل إن تغير المكان من مكة إلى المدينة أصابهم بأزمات صحية تصوروا معها نهايتهم، إذ كان معلوماً عن المدينة أنها موبؤة بالحمى - حمى يثرب - حتى وصل بهم الحال إلى أن يصلوا وهم قعود، وصرف الله تعالى ذلك عن النبي ﷺ رعاية بهم، وإستبقاء لمن يقوم عليهم وعلى أمور الدين. (١)
لقد وعك أبو بكر وبلال ﵃، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كَلُ امرئٍ مُقَبَّحٌ في أهلِه ... والموتُ أدنى من شِرَاكِ نَعْلِه
وكان بلال ﵁ إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول:
ألا ليت شعرى هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادٍ وحولى إذخرٌ وجليلُ
وهل أَرِدَنْ يوما مياه مَجَنَّةَ؟ ... وهل يَبْدُوَنْ لى شامةٌ وطَفيل
وجاءت عائشة رضى الله عنها إلى النبي ﷺ فأخبرته بما يقولان، فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها
стр. 425
في الجحفة» (١)
ووعكت عائشة (٢) رضى الله عنها، وابن فهيرة (٣)، لأن المدينة كانت مشهورة بالحمى، حتى قال مشركو مكة عن المسلمين في عمرة القضية: «أنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب» فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ليروا المشركين قوتهم، وأن الحمى لم تنهكهم كما يزعم الكفار. (٤) واستجاب الله دعاء نبيه فجعلها من أطيب البلاد بعد ذلك.
تهديد قريش للمسلمين بعد الهجرة:
لم تترك قريش المسلمين يستقرون في المدينة حتى أرسلوا لكفار المدينة تهديدات شديدة بطرد المسلمين، وقد وجدوا عبد الله بن أبى بن سلول خير من يقوم بهذا الموقف حيث ما زال كافراً ظاهراً وباطناً، وكان يعادى النبي ﷺ وأصحابه، ويؤذى النبي ﷺ ويسىء إليه، لأنه كان يرى أن النبي ﷺ قد سلبه ملكه، فقد وصل الرسول ﷺ المدينة، وأهل المدينة يعدون له تاج الملك عليهم، فتركوه وآمنوا، ومن حينها أظهر عداءه وبغضه للرسول ﷺ ، وجاءت موقعة بدر وهزم الله قريشاً فدخل ابن سلول الإسلام كرهاً ظاهراً، وظل كفره باطناً يحارب الله ورسوله والمؤمنين، وصار بذلك رأس النفاق، وكان الرسول ﷺ لحكمته وحسن سياسته يعرض عنه، فلا يقابل إساءته أو أذاه بشيء، - حتى إنه آذى النبي ﷺ ذات