← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الخروج لملاقاه قريش: «قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا وعهودنا، على السمع والطاعة، فامض بنا يا رسول الله لما أردت. والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله» (١). دل ما سبق على أن طاعة الرسول ﷺ واجبة، وقد فهم ذلك الأنصار، بل هي من الواجبات التى لا تخلف فيها في أدق المواقف وأصعبها، فما بال الباحث بما دون ذلك، وفي النهاية يكون استدلال وات بما اتخذه النبي ﷺ في أمر عبد الله بن أبى بن سلول - رأس المنافقين - من ترك عقابه بعد مشاركته في حديث الإفك، لا يساوى ذكره أو كتابته، ومع ذلك ننظر فيه، فإذا به لم يكن إلا سياسة حكيمة من الرسول ﷺ ، لعدم تنفير الأنصار من الإسلام، وكذلك لعزل ابن أبى سياسياً، واجتماعياً، حتى إنه لم ترفع له رأس بعد ذلك، وقد وصل الأمر بهذه السياسة الحكيمة منه ﷺ ، أن منع ولد ابن أبى - وكان مسلماً - بعد إعلانه قتل والده للرسول ﷺ إن شاء، ذلك بعد أن منع الابن أباه من دخول المدينة حتى يأذن له النبي ﷺ ؛ وقد اتفق الصحابة على أن تلك السياسة كانت الأصح، والأولى في هذه القضية، ثم يأتى وات ليقول - فارغاً من القول عقلاً وواقعاً - بأن ذلك دليل ضعف مكانة النبي ﷺ ! تراه - عليه أفضل الصلاة والسلام - لو أمر ابنه بقتله، أما كان ليقتله؟! فأين ضعف المكانة؟! واستدل وات كذلك على ضعف مكانة النبي، بأنه ﷺ لم يتخذ قرار تصفية جيب بنى قريظة بعد خيانتهم في الخندق، وأوكل التحكيم فيهم لسعد بن معاذ حليفهم، وكان الأجدر بـ"وات" أن يصرح بأن مكانة سعد بن معاذ كانت أعلى من مكانة النبي ﷺ في هذا

стр. 422

الموقف، وفي زعامته للأوس، وانتهت مكانة المتبوع المطاع ﷺ بارتفاع مكانة سعد بن معاذ ﵁ التابع عليه، وانتهت النبوة والزعامة، وآل الأمر لسعد، بدلاً من النبي ﷺ ، وبدلاً من ابن أبى الذى كادوا ينصبونه ملكاً عليهم، هذا خلط وعمى في البحث، وتعام عن الحق، وقصد مشوب بدليل منهار. إن ملخص القصة، أن بعض الأوس قد طلب من النبي ﷺ أن يترك لهم بنى قريظة، كرامة لهم (١)، كما ترك لابن أُبَىٍّ - زعيم الخزرج - بنى قينقاع، فترك لزعيم الأوس - وهو سعد بن معاذ ﵁ – بني قريظة، فأين الضعف، هلا كان ضعيفاً يوم ترك بنى قينقاع لابن أُبَىٍّ؟! وكان أعلى مكانة من سعد بن معاذ في الجاهلية زعامة وأتباعاً؛ وقد ذكر وات أن سلطات النبي ﷺ بدأت تتسع تدريجياً، فهل تقلصت عند بنى قريظة فتركها ضعفاً لسعد بن معاذ؟! ترى لو كان النبي ﷺ هو المتخذ لقرار التصفية كان سيتعرض له أحد بقتال؟! أو أن ينضم مع بنى قريظة لقتاله؟! وهل لو اجتمعت بنو قريظة والأوس جميعاً كانوا يستطيعون قتاله؟! وهم حينئذ قد افترض أنهم كفروا بالله ورسوله؛ لقد جمع ابن أبى رجاله - وكانوا أكثر من الأوس - إلى جانب بنى قينقاع، وكانوا أشرف من قريظة عند يهود، وأشد تمرساً في القتال منهم، وكان النبي ﷺ حديث عهد بمجيئه المدينة، في قلة من العدد والعدة، ولم نر منهم إلا الاستسلام، فأين الضعف الذى يخالفه الواقع والأحداث والأدلة؟! ذلكم وات وتلك بواعثه، وهذه أدلته على تلك البواعث. لقد جاء في نقد وات للوثيقة – الدستور - أقوال أُخَر، لا تستحق الوقوف عندها، وقف عندها الباحث عبد الله النعيم، فنحيل القاريء إليها (٢).

стр. 423

الفصل الثاني غزوة بدر

стр. 424

المبحث الأول النشاط السياسى والعسكرى إلى غزوة بدر وقبل الخوض في ذلك النشاط نشير إلى شيء من المعاناة التى وقعت للمهاجرين في بداية وصولهم إلى المدينة حيث لم يكن وصولهم نهاية للألآم والمشقات، بل إن تغير المكان من مكة إلى المدينة أصابهم بأزمات صحية تصوروا معها نهايتهم، إذ كان معلوماً عن المدينة أنها موبؤة بالحمى - حمى يثرب - حتى وصل بهم الحال إلى أن يصلوا وهم قعود، وصرف الله تعالى ذلك عن النبي ﷺ رعاية بهم، وإستبقاء لمن يقوم عليهم وعلى أمور الدين. (١) لقد وعك أبو بكر وبلال ﵃، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كَلُ امرئٍ مُقَبَّحٌ في أهلِه ... والموتُ أدنى من شِرَاكِ نَعْلِه وكان بلال ﵁ إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول: ألا ليت شعرى هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادٍ وحولى إذخرٌ وجليلُ وهل أَرِدَنْ يوما مياه مَجَنَّةَ؟ ... وهل يَبْدُوَنْ لى شامةٌ وطَفيل وجاءت عائشة رضى الله عنها إلى النبي ﷺ فأخبرته بما يقولان، فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها

стр. 425

في الجحفة» (١) ووعكت عائشة (٢) رضى الله عنها، وابن فهيرة (٣)، لأن المدينة كانت مشهورة بالحمى، حتى قال مشركو مكة عن المسلمين في عمرة القضية: «أنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب» فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ليروا المشركين قوتهم، وأن الحمى لم تنهكهم كما يزعم الكفار. (٤) واستجاب الله دعاء نبيه فجعلها من أطيب البلاد بعد ذلك. تهديد قريش للمسلمين بعد الهجرة: لم تترك قريش المسلمين يستقرون في المدينة حتى أرسلوا لكفار المدينة تهديدات شديدة بطرد المسلمين، وقد وجدوا عبد الله بن أبى بن سلول خير من يقوم بهذا الموقف حيث ما زال كافراً ظاهراً وباطناً، وكان يعادى النبي ﷺ وأصحابه، ويؤذى النبي ﷺ ويسىء إليه، لأنه كان يرى أن النبي ﷺ قد سلبه ملكه، فقد وصل الرسول ﷺ المدينة، وأهل المدينة يعدون له تاج الملك عليهم، فتركوه وآمنوا، ومن حينها أظهر عداءه وبغضه للرسول ﷺ ، وجاءت موقعة بدر وهزم الله قريشاً فدخل ابن سلول الإسلام كرهاً ظاهراً، وظل كفره باطناً يحارب الله ورسوله والمؤمنين، وصار بذلك رأس النفاق، وكان الرسول ﷺ لحكمته وحسن سياسته يعرض عنه، فلا يقابل إساءته أو أذاه بشيء، - حتى إنه آذى النبي ﷺ ذات

стр. 426

مرة (١) -، فطلب سعد بن عبادة ﵁ سيد الخزرج - العفو له من النبي ﷺ قائلاً: «يا رسول الله اعف عنه، واصفح عنه، فوالذى أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرَة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعِصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذى أعطاك الله، شَرِق بذلك، فلذلك فَعَل به ما رأيت ...». (٢) كاتب المشركون في مكة عبد الله بن أبى بن سلول ليكيد للمسلمين ككيدهم في مكة، وقالوا فيما كتبوا: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم. (٣) لم يتوان ابن سلول عند مجيئه مكتوب قريش أن جمع مشركى المدينة لمحاربة النبي ﷺ ، فلما بلغ أمرهم رسول الله ﷺ قال لهم: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تكيدون به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم». فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا. (٤) تحسباً لهذا الخطر المحدق بالنبي ﷺ قام المسلمون ليلاً بالتناوب على حراسته ﷺ لا يمسه سوء إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «يا أيها الناس انصرفوا عنى فقد عصمنى الله ». (٥)

стр. 427

وكجزء مما تحيكه قريش للمسلمين من أهل المدينة من مواجهات تدفعهم بها لنبذ الإسلام ورسوله ﷺ ، والضغط عليهم ليرجعوا عن نصرة المهاجرين، أو لعدم الدخول في الإسلام، كان إيذاؤهم لأهل المدينة عندما يأتون المسجد الحرام للاعتمار، وقد حدثت حادثة من هذا القبيل لسعد بن معاذ ﵁ عندما جاء معتمراً إلى مكة، وطلب من مضيفه أمية بن خلف أن ينظر له ساعة خلوة يطوف فيها آمناً بالبيت، فأخذه أمية في منتصف النهار حين غفلة الناس، ومع ذلك لقيه أبو جهل، فأخبره به، فقال له: «تطوف بالكعبة آمناً وقد آويتم محمد وأصحابه؟ وتشاجرا؛ ومما قال له سعد: «والله لئن منعتنى أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام ... وهدد أمية هو الآخر بأن الرسول ﷺ سيقتله، وقد كان أن قتله الله ببدر». (١) بداية النشاط العسكرى والسياسى: لم يشرع الجهاد في العهد المكى، بل جاءت الأوامر الإلهية للمسلمين بكف الأيدى، وإقامة الصلاة، والصبر على أذى المشركين، وأن يقبلوا على أنفسهم بالمجاهدة على عبادة الله تعالى، والإتصاف بأوصاف التقوى، التى هي جديرة بأن يثبتوا بعد ذلك إذا لاقوا ودخلوا في مواجهة الكفاح الدامى، وكذلك يقبلون على توسيع دائرة الدين بانتشار الإسلام بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كل ذلك حتى تترسخ جذور الدعوة وتقوى على مواجهة عوادى البغى والظلم، إذ لو حملت الدعوة سيفها حينئذ لهان على الكفار وأدها في مهدها والقضاء عليها وإنهاء وجودها. ولم يكن للمسلمين دار ينحازون إليها ليكون معسكراً في مواجهة قوى الشرك، بل إن حياتهم اليومية لم تكن منفصلة أو متميزة عن المشركين، ولو فرض الجهاد يومئذ لجرى قتال في كل دار أسلم منها أحد (٢).

стр. 428

فلما هاجر المسلمون إلى المدينة، وقام الأنصار بإيواء المهاجرين، ونصرة النبي ﷺ ونصرة الدين، وصارت للمسلمين بقيادة النبي ﷺ أرض هي دار الإسلام جاءهم الإذن بالقتال، وكان الأمر بالجهاد متدرجاً على حسب كل مرحلة من المراحل التى بلغتها الدعوة، وكان أول ما نزل كما يروى ابن عباس ﵁ قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]. وهو من رواية ابن جرير الطبرى بسنده إلى ابن عباس حيث يقول: «لما أخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم. إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن. فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. قال أبو بكر ﵁: «فعرفت أنه سيكون قتال». (١) وزاد أحمد (٢) في روايته لهذا الخبر، أن ابن عباس قال: «وهي أول آية في القتال»، ولم يكن القتال فرضاً عليهم، بل أُذِن لهم بالقتال دفاعاً عن النفس، ثم جاء الأمر بقتال من يقاتلونهم في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وهو بذلك يختلف عن القتال والحرب التى شهدها التاريخ الإنسانى، والتى إستهدفت تحقيق أهداف سياسية أو مآرب اقتصادية لأفراد أو جماعات طموحين يريدون العلو في الأرض، فأعلام الحق والعدل والرحمة هي التى يرفعها ذلك الجهاد، وميزته عن أنواع الحروب الأخرى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]، ويقول الرسول ﷺ : «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا

стр. 429

ولا تغُلّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً» (١). وجاءت المرحلة الأخيرة في تشريع الجهاد بمقاتلة المشركين كافة وابتدائهم به، مر تشريع الجهاد إذن بهذه المراحل الأربعة وهي: ١ - ترك القتال، مع الصبر وتحمل الأذى، وكان ذلك بمكة. ٢ - مرحلة الأذن بالقتال بعد الهجرة. (٢) ٣ - مرحلة الأمر بالقتال من يبدؤهم بالقتال. ٤ - الأمر بقتال جميع المشركين. (٣) وكانت المرحلة الأخيرة هي مرحلة الجهاد الباقى إلى يوم القيامة، بعد أن أخبر الله تعالى، بأن المشركين، وغيرهم من أهل الكتاب، وكل ملل الأرض سوف تحارب الإسلام، ولو لم يحاربها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقد استمر الحال على هذا الوضع إلى يومنا هذا مصداقاً لهذه الآية الكريمة، وكان الواقع أيام الرسول ﷺ يسأل ماذا جنى المسلمون في المدينة على الروم مثلاً حتى يجمعوا لهم الجموع في مؤتة، وينذرونهم بمهاجمة المدينة والتى تسببت في غزوة تبوك، وبماذا يفسر الغزو الصليبى مثلاً في القرون الوسيطة من أوربا الشمالية للمسلمين في عقر دارهم في الشام، ولم يبدأ المسلمون هؤلاء الأوغاد بحرب ولا بغيره حتى سالت دماء المسلمين أنهاراً على

стр. 430

وصف مؤرخيهم، واستمر هذا التكالب والحقد والعدوان والقتل والتنكيل بالمسلمين إلى يومنا هذا، ولم يراعوا فيهم حقوق الحيوان فضلاً عن حقوق الإنسان. ثم إن دعوة الإسلام لا إكراه فيها على الدين، بل هي تبليغ رسالة الله تعالى إلى الناس للإيمان بالدين الحق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإذا قام أي قائم من حاكم أو غيره سداً بين الناس وحريتهم في الاعتقاد، وبدأ في التنكيل بهم وتعذيبهم ليردوهم عن معتقداتهم، فضلاً عن الإستعداد للإغارة على دولة الإسلام، كان على دولة الإسلام وحكامها في نظر المستشرقين، أن ينتظروا ليهاجمهم أعداؤهم من كل فج ليزيلوا دولتهم، أو ليهدموا أركانها دولة الخير والعدل والهدى والرحمة، أو كان على دولة الإسلام وأهلها أن تقف لتتفرج على مآسى المعذبين وأنينهم وصراخ الزوجات والأولاد بسبب إسلامهم، وإلا فالفرية جاهزة، لقد كان انتشار الإسلام بالسيف، وإن المسلمين متعطشون لسفك الدماء. كان القتال إذن فريضة لحماية الحق، وتأمين الدعوة والدعاة، وانتشار العقيدة دون عقبات تخالف حق الإنسان في أن يعتقد ما يشاء، إن الدنيا اليوم تقوم بلا قعود لفرد أو لجماعة أوذوا في أن يختاروا ما شاؤا ومن إعتقادات ليصل الأمر إلى تدمير تلك الدولة التى تقدم على ذلك - بالطبع إلا أن يكون هذا الفرد أو تلك الجماعة مسلمين - فماذا يعيب الإسلام في ذلك وقد قرر تلك الحقوق منذ خمسة عشر قرناً من الزمان ودفع فيها أي في سبيل هذه الحقوق تلك الأرواح والأموال، وذلك بمنطق اليوم وأسلوبه. وإن ثمة عنصر آخر أراده الله لحرب المسلمين المقدسة حقيقة، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، وعندما تكون كلمته هي العليا فإن الخير يشمل الدنيا، وأن الحق والعدل هو ميزانها، وأن الرحمة هي أسلوبها، الكل من مسلم وغيره آمن في كنفها على نفسه وأهله

стр. 431

وولده وحاضره مستقبله، ويوم أن كانت كلمة المسلمين هي العليا وجدنا اليهود والنصارى آمنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وما دفعوا الجزية إلا لإسقاط فريضة الجهاد والدفاع عن الدولة أو الزكاة عنهم، والعكس، يوم استلم أمثال هؤلاء الحكم فعلوا بالمسلمين ما لا يخطر على بال الشيطان من أذى. وإن رفع الظلم الذى حل بالمسلمين في تلك الأيام الكالحة في مكة، كان من أسباب شرع القتال، وهي علة للقتال مقبولة في كل زمان ومكان فإذا لم يرتفع الظلم إلا بصليل السيوف وصهيل الخيل فلابد منه، والمسلمون نهبت أموالهم وصودرت ممتلكاتهم، سلبت دورهم بعد كل ما لاقوا، ومن ثم جاء الإذن معللاً ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، وإنهم ظلموا، وليس ذلك فقط بل هم الآن يُقاتلون كذلك، كان القتال الأول من بعوث وسرايا لمحاولة استرداد شيء من أموالهم التى استولت عليها قريش وكفكفة قريش عن مزيد من الأذى، وإظهار عهد الضعف بالتولى والإدبار مع رفع أي ظلم ممكن عن الباقين بمكة تحت سوط القهر والإذلال (١) إلى أن فرض الجهاد للناس كافة (٢). بدء النبي ﷺ الغزوات والسرايا: عندما أذن الله لنبيه ﷺ بالقتال، ومن معه من المؤمنين سارع النبي ﷺ لإعداد العدة من رجال وعتاد وخطط مستغلين ذلك أحسن الاستغلال لتحقيق أهدافهم التى كانت نصب عين النبي ﷺ .

стр. 432

كان العقل والواقع ومن قبل ذلك الشرع الموحى به أن تكون قريش هي المحط الأول الذى تتعلق به سيوف المقاتلين لأنها الخط الأول والحائط الصلب الذى يقف للإسلام وأهله فالعرب مشاركون لهم في وثنيتهم وبالتالى في عدائهم للإسلام ولرسوله والمؤمنين فهم الصادون عن سبيل الله في الجزيرة المشركة يومها برمتها، وهم المضطهدون للمؤمنين في مكة، المحاربون لهم في المدينة، المؤلبون عليهم العرب والحبش، الذين لا يرعون في المسلمين إلاً ولا ذمة، إن في قتالهم إذن رداً للمظالم أو بشيء منها ورفعاً للظلم، وتمهيداً لدعوة غيرهم إلى دين الحق، ورفع راية الإسلام وكس شوكة الكفر والظلم. اتجهت هذه الغزوات والسرايا من ثم إلى مواقع غربى المدينة واستهدفت أموراً ثلاثة: الأول: تهديد تجارة قريش إلى الشام، وهي ضربة خطيرة لاقتصاد مكة التجارى الذى به حياتها وكذلك في خطوة تالية تهديد تجارتها إلى اليمن وذلك بمهاجمة هذه القوافل شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً لحصار مكة اقتصادياً ورداً لبعض حقوقهم المسلوبة. الثاني: عقد المحالفات والموادعات مع القبائل التى تسكن تلك المناطق التى أصبحت مسرحاً لعمليات المسلمين ضد قريش لضمان تعاونها أو حيادها على الأقل في ذلك الصراع الدامى وهي خطوة نجاحها نجاح في المسلمين في الحصار السياسي لقريش، لأن هذه القبائل تميل مع قريش وثنيةومصالح لأن قريشاً سدنة البيت الذى يحجونه ولهم معبوداتهم وأصنامهم حوله، ثم إن لهم مع قريش مصالح ومحالفات تاريخية سماها القرآن الكريم الإيلاف في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ [قريش: ١ - ٢]، مع إشتراك الجميع في معاداة الإسلام، إن موادعة هذه القبائل وتحييدها نجاح كبير في الوقوف لقريش في تلك المرحلة من الصراع. الثالث: إبراز قوة المسلمين أمام اليهود وبقايا المشركين في المدينة المنورة، فالمسلمون

стр. 433

صاروا لا يقتصرون على السيادة في المدينة، بل تحركوا لفرض سيطرتهم على ما حولها من القبائل، مؤثرين في علاقاتها ومصالحها. لا شك أن هذه السرايا والبعوث قد نجحت في تحقيق أهدافها مما أربك قريشاً وحلفاءها بسبب ضرب نشاطهم التجارى في كل الاتجاهات، وحصل المسلمون على مورد للتموين والتسليح، ونجحت هذه السرايا في إنذار الأعداء بأن للمسلمين المقدرة على التصدى والردع، واكتسبت قوات المسلمين الخبرة في مجال التدريب العسكرى، والمناورة وجس نبض الأعداء ومعرفة بدروب الصحراء وأحوال الأعداء (١). ونلاحظ على هذه السرايا والغزوات في تلك المرحلة أنها لم تكن ذات طابع دينى، يحمل الناس على أوامر الشرع، أو يدعوهم إلى الإسلام، نعم ولكن هذا هو الظاهر من عرض الأحداث، وإن كنا نسابق فنقول إن عدم العلم بالوقوع لا ينفى الوقوع، لأن الأصل في أحوال النبي ﷺ وأصحابه أنهم ما خالطوا أحداً حتى في أحلك أوقاتهم إلا كانت الدعوة إلى الإسلام هي أول ما يبادرون إليه قولاً سلوكاً، وكأن كتاب السيرة لعلمهم بهذا الحال وأنه ديدن المؤمنين وشغلهم الشاغل، ووظيفتهم التى شرفهم الله بها هي الدعوة إلى الإسلام فكأنه من تحصيل الحاصل أن يذكروا به في كل موطن. ثم إن ما استغرقته من هذه الغزوات والسرايا من وقت إلى غزوة بدر الكبرى يعتبر قليلاً في جنب الوقت الباقى، فلاشك أن ذلك كان مصروفاً فيه إلى الدعوة من جملة أشغالهم ولاشك أن المدينة نفسها وما حولها قد أخذت الجزء الأكبر والاهتمام البالغ بالدعوة إلى الله تعالى، لتثبيت قاعدة انطلاق الإسلام على أقوى أساس وأمتنه، وإن مما يقوى هذه القاعدة أن تكون كل طرق المواجهة من حولها مستقرة وتحت السيطرة تحالفاً أو موادعة وتحييداً.

стр. 434

وإن قلة عدد أفراد تلك السرايا والغزوات لينبيء بتوفير العدد الأكبر للقيام بتلك المهمات وتوسيع قاعدة الدين بزيادة رقعة الإسلام وتعميق أثره في النفوس، وزيادة المنضمين إليه، وذلك بنشر الهدى من العلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله تعالى، كل ذلك طاعة لله تعالى، وانتظار مذخور ثوابه، وتأهباً لكل طارئ، وتربصاً بكل هاجم، وتجهيز القوة لتأديب المجرمين يوم يتطاولون. وقد ذكرنا ما سبق لنرد على المستشرقين القائلين بأن النبي ﷺ حينما صار رئيساً سياسياً في المدينة تغير عما كان عليه في مكة بحيث صار الطابع السياسي يزداد بروزاً، والطابع الديني يزداد تراجعاً. (١) وتكملة لما سقنا من ردود، فلابد من القول إن أحكام الدين في تفضيلاتها، والطابع الديني للدعوة ما اكتمل وطهر سواء بنزول أحكام الشريعة، والدعوة إليها والتمسك بها، وتعلمها وتعليمها إلا في المدينة، إن الواجبات والسنن الشرعية والعلاقات الإيمانية والإنسانية والسلوكية التى ميزت المسلمين، كل ذلك كان في المدينة، فالواقع يخالف كلام فلهاوزن (٢)، وغيره من المستشرقين ببروز كل ما يتعلق بدين الإسلام في المدينة، إذ كان المسلمون في مكة لم تتنزل عليهم تلك الأحكام، فضلاً عن اضطهادهم، وتخفيهم بدينهم. وما كان النبي ﷺ ليتبعه في بدر أولئك المقاتلون في سبيل الله، مع بقاء غيرهم وأكثر منهم في المدينة لو كانوا يعلمون أن الرسول ﷺ سيواجه حرباً ما تخلف منهم رجل واحد.

стр. 435

فما كانت التوجهات السياسية إلا تابعة لأوامر الشرع، ومنفذة لتعاليمه تحكمها عقيدة الإسلام المتمثلة في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ مهتدية في كل ذلك بأسوتهم في اتباع تعاليم السماء، والوحى الكريم سيدنا رسول الله ﷺ . ثم خرج في أحد والخندق وسائر الغزوات أضعاف مضاعفة من جند الله، علاوة على من دخلوا الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية، يراهم المستشرقون قد دخلوا الإسلام للسياسة، وصاروا دعاة له وجنداً يرفعون رايته، حقاً إن مفتريات المستشرقين لا تقف للواقع بل وتنهار عند أول مهاجمة لها بساطع البرهان أو الدليل. ونختصر تلك الغزوات .. أولى هذه الغزوات غزوة الأبواء، وتسمى بغزوة ودان، وهما موقعان متجاوران بينها ستة أو ثمانية أميال، وتبعد الأبواء عن المدينة حوالى أربعة وعشرين ميلاً، ولم يقع قتال بل تمت موادعة بنى ضمرة من كنانة، وكانت الغزوة في ١٢ صفر سنة اثنين. وقد عاد الجيش إلى المدينة (١) بعد أن مكث خارجها إلى بداية شهر ربيع الأول (٢) ويذكر عروة بن الزبير (٣) أن النبي ﷺ أرسل سرية من الأبواء تضم ستين رجلاً بقيادة عبيدة بن الحارث (٤)، في حين يذكر ابن اسحاق أن السرية أرسلت إلى سيف البحر بعد العودة إلى المدينة، ثم خرجت سرية حمزة بن عبد المطلب من ثلاثين رجلاً متجهة إلى سيف البحر أيضاً في نفس الوقت للتعرض لقافلة من قريش، ولكن لم يحدث قتال حيث تدخلت

стр. 436

القبائل الموادعة للطرفين دون ذلك، وإن وقع تراشق بالسهام بين سرية عبيدة والقريشيين، ورمى سعد ابن أبى وقاص بسهم فكان أول سهم رمى به في الإسلام. (١) واستمرت حملات المسلمين على الطريق التجارى لقريش فكانت غزوة بُواط (٢) إلى رضوى (٣) قرب ينبع في جمادى الأولى لإعتراض قافلة لقريش، ثم غزوة العُشَيرة (٤) (بينبع) في جمادى الأولى، ولم يقع قتال في رضوى والعشيرة، ولكن جرت موادعة بنى مدلج في العشيرة كانت هذه السرايا والغزوات تهديداً خطيراً لقريش، استهدف ضرب تجارتها ومحاربتها اقتصادياً لحملها على التفكير الجدى في ترك تماديها في سياسة الإيذاء والاضطهاد للمسلمين، وزحزحتها عن كونها حجر العثرة في سبيل الإيمان، وإن المحاصرات الاقتصادية، وضرب آلاتها اليوم من أشد وأنكى ما يقوم به المجرمون في حروبهم ضد بعضهم البعض، أو لحرب بلاد الإسلام، ثم ينكر مستشرقوهم هذه الحملات في حرب المسلمين لقريش، وأنها نوع من قطع الطريق، لقد قطعت اليوم كل الطرق البرية والبحرية والجوية، ومحاصرة الموانى كافة كنوع من أنواع الحرب والسيطرة، بل ذلك دأبهم من قديم، وإن وصف قطاع الطرق ولصوص الأوطان لأقل وصف يوصفون به هم وليس المسلمون. غزوة (بدر الأولى / الصغرى) سَفَوَان: أغار كرز بن جابر الفهرى في جمادى الآخرة عقب غزوة العشيرة على أطراف المدينة ونهب بعض الأبل والمواشى، وهرب بأقصى ما يستطيع، وخرج النبي ﷺ لمطاردته حتى

стр. 437

سَفَوَان من ناحية بدر ولكنه كان قد أفلت من المطاردة، ولكن الحادث أكد للمسلمين على ضرورة بسط سيطرة المسلمين مع جيران المدينة إسلاماً أو موادعة أو غزواً سرية نخلة: كما أسلفنا القول كانت طرق مكة التجارية إلى الشام كلها تحت الرصد والمهاجمة، ولم يبدأ المسلمون بحصار طريقهم إلى اليمن إلا في هذه السرية، حيث بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشر شهراً من الهجرة، ومعه ثمانية رهط وكتب له كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين إمعاناً في السرية وحتى لا يعلم أحد وجهته. ففض الكتاب كما أمر فوجد فيه الأمر بالتوجه حتى ينزل نخلة بين مكة والطائف ليرصد بها قريشاً ويعلم من أخبارهم، وألا يستكره أحداً من أصحابه فمضوا جميعاً، وعندما نزلوا نخلة جنوب مكة كان ذلك في آخر شهر رجب المحرم، ولكنهم تعرضوا لقافلة لقريش فظفروا بها، وقتلوا قائدها وأسروا اثنين من رجالها وعادوا إلى المدينة. (١) كان عبد الله بن جحش يدرك خطورة الأمر في أن يقاتل في نهاية رجب المحرم القتال فيه عند العرب، أو يتركهم، ليدخلوا حينئذ الحرم فيمتنع القتال أيضاً، ولكنه تشاور وأصحابه، فعزموا على قتالهم في آخر رجب. رجع عبد الله بن جحش إلى المدينة بالغنائم والأسيرين، فأبى رسول الله ﷺ أن يتسلمها، لأنه لم يأمر بقتال في الشهر الحرام وأوقف التصرف في العير والأسيرين، بلغت إشاعات قريش الجزيرة كلها بأن محمداً يستحل هو وأصحابه القتال في الشهر الحرام، ويسفكون فيه الدماء، وأنهم أخذوا الأموال والأسرى، وكثر في ذلك القيل والقال

стр. 438

وأرجف اليهود والمنافقون في المدينة قصد إشعال الفتنة، وفي هذه الغمرة من الأسى، والتثريب والعتاب والإرجاف من الأعداء، نزل الوحى حاسماً هذه الأقاويل ومؤيداً مسلك عبد الله تجاه المشركين، وموضحاً سلامة موقفهم. والآيات هي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فكان في هذا العذر لأصحاب السرية ما سرى عنهم، وعن المسلمين ما كانوا فيه من كرب وغم، وقبض الرسول ﷺ الغنائم، وفادى الأسيرين من قريش بشرط رجوع سعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان إذ خرجا عن السرية لبعير لهما نَدّ، فخشى الرسول ﷺ قريشاً عليهما. إن الضجة التى افتعلها المشركون لإثارة الريبة والغبار في سيرة المقاتلين الناصعة الشريفة لهى ضرب من قلب الباطل حقاً، والتغطية على مواقف الخزى من الطغاة ببعض تصرفات المظلومين الحقة. إن الحُرمات المقدسة كافة قد اُنتهكت في محاربة الإسلام واضطهاد أهله، فما الذى أعاد لهذه الحُرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟! ألم يكن المسلمون مع نبيهم مقيمين في البلد الحرام، والأشهر الحرام حين كانوا يعذبون وتنتهك أعراضهم وتسلب أموالهم، وحين قتل منهم تحت التعذيب من قتل، وحين تقرر قتل نبيهم ﷺ ، هل لمثل هؤلاء أن يتأسفوا على انتهاك القيم والأعراف ومنذ متى كانوا حراسها والقائمين على مراعتها وحمايتها، إنهم الملأ المبطل في كل زمان ومكان. أوضحت الآيات القرآنية الكريمة، من ضمن ما أوضحت سيرة هذه السرية - لأنها بينت وأشارت إلى أمور كثيرة أخرى أعم من جزئية الكلام على تلك الحادثة - وأول ما

стр. 439

جَلَّته الآيات ناصعاً صالحاً خالداً لكل زمان، ناصحاً لكل مؤمن، كاشفاً عن دواخل الكفرة تلك المعانى التى نشير إليها فيما يلى: الأول: أن القتال في الشهر الحرام كبير نعم - أي إثم كبير - كما يقال إنه كبيرة من الكبائر، ولكن الصد عن سبيل الله، الصد عن الإسلام والإيمان به والتزام أحكامه أكبر، أي أكبر الكبائر لما يترتب عليه من نشر الكفر وما يسستتبعه من فسق وانحلال من أوامر الشرع، ومن صد عن سبيل الهدى والتمسك بأحكام الإسلام، وشيوع محاربة الله ورسوله ﷺ ودينه والمؤمنين به. وإن إخراج المسلمين من مكة وصدهم عن المسجد أكبر كذلك من القتال في الأشهر الحرم فما الذى جعل أكبر الكبائر ينقلب في طرفة عين إلى أدناها وأصغرها في نظر الطغاة إلا مصالحهم الخاصة، ومحاربة الإسلام، والتشهير به، في الوقت الذى هم أولى بالتشهير بل بالقتال فيه، متى احترموا عهداً أو راعوا ذمة حتى يتباكوا على بعض قيم موروثة قد انتهكت، ومع أن الإسلام لا يقر انتهاكها، ذلك منطق الطغمة الفاسدة دوماً. ودليل ذلك كله أنهم مستمرون وأمثالهم في خطتهم الأصلية في محاربة المسلمين وصدهم عن دينهم بكل وسيلة إلى أن يعودوا إلى الكفر، أو سحق المسلمين حتى لا تقوم لدينهم قائمة، وما أشبه اليوم بالبارحة، ولذلك تابعت الآيات التوجيه والنصح وتفطين المسلمين إلى واقعهم فقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] (١). الثاني: وفي نفس السياق الذى وضح به المولى سبحانه للمؤمنين موقف الكفار الدائم منهم أرسل إليهم التحذير الشديد من الهزيمة أمام القوى الباغية، والتفريط في الإيمان

стр. 440

الذى شرفهم به، وناط سعادتهم في الدنيا والآخرة بالبقاء عليه. فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. (١) الثالث: زكت الآية الخاتمة ما فعله «عبد الله بن جحش» وأصحابه في تلك السرية، رافعة عنهم ما وقع عليهم من تقريع وتوبيخ وتخويف، وهي عِدة بالجميل في ذات الوقت إلى ما ينتظرهم من الرحمة والمغفرة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]، وجاء ذلك على عادة القرآن الكريم بأسلوب الرجاء للمؤمنين، لترك الاتكال والاعتماد على ما قدموا من أعمال مجيدة فيما مضى وحث لهم على إدامة الجهاد والكفاح فيما يستقبلون من حياتهم. (٢) إن عبد الله وصحبه نفذوا أوامر الرسول ﷺ بأمانة وشجاعة، وتوغلوا في أرض العدو مسافات شاسعة متعرضين للقتل متطوعين بغير إكراه ولا حرج، فكان جزاؤهم ذلك لا التعنيف والإساءة. كلام "وات": بعد ما سلف من عرض هذه السرية بالذات في السنة (السيرة المشرفة)، وما نزل من القرآن يؤكد وقوعها، ويظهر الحق الذى يجب أن يعيه المؤمنون منها، والسلوك الذى يجب أن يسيروا عليه في مثلها جاء وات ليرى فيها فرصة سانحة يبدى ويعيد فيها بمنهجه المعوج لشرح الأحداث بما يسيء إلى النبي ﷺ ودينه من ناحية، وإلى أحد أفراد السرية بالذات من ناحية آخرى وهو سعد بن أبى وقاص ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة، خارجاً بالتاريخ

стр. 441

عن مساره بما لا علاقة له به مما يدهش المرء ويثير استهجانه وتقززه. لسنا في حاجة إلى التذكير بمنهج وات من اختراع التاريخ، أو الإسقاط على الحوادث بما لا علاقة لها به من التاريخ الحديث، مع لى عنق الواقع ليوافق رأيه المسبق، ومن ثم نذكر كلامه بحروفه فقط لنناقشه فيه، فمن ذلك: الأول: يقول وات: كان الشيء الأساسى في أوامر محمد في سرية عبد الله بن جحش أن يذهب إلى نخلة وينصب كميناً لقافلة قرشية، وحسب روايات أخرى، وهذه أضافة لاحقة، ترصد - أي ترقب - لترفع المسؤلية عن محمد في أي مواجهة دموية. (١) ولا يدرى الباحث من أي وجوه الكلام - الذى لا وجه له - يبدأ أو يناقش، إذ من أي جهة أتيت الكلام وجدته سيئاً لا يمكن أن يكون بحثاً لقد اختراع اتهاماً ليس إلا مغايراً ومجافياً به الواقع والحق وما يقع في عقول الناس وقد عودنا وات أنه عندما يبدأ في الاختراع يذكر جملاً قد أشرنا إلى بعضها من قبل، ونذكر بها الآن كأنه يقول ها قد بدأ فاصل التأليف التاريخى والتزوير الوثائقى، لنعلم من حيث لا يدرى أنه قد بدأ عزف النشاز الكاذب من هذه الجمل: «إذا أمكن قبول هذه الرواية، ومما يدعو إلى الشك، ويبدو، ومن الممكن، وإذا افترضنا»، كأن الله سبحانه أَبَى إلا أن يكشف الكاذب على رسوله ﷺ . ونبدأ بالقول أن الرواية ليس فيها ذكر لكمين فاخترع أنها لنصب كمين، والرواية الصحيحة الموافقة للعقل والواقع صعب عليه ذكرها إلا بأنها مضافة فيما بعد، فهو يضيف روايات من عنده والرواية الصحيحة يدعى أنها أضيفت ولم يقل من أضافها ويذكر لها تاريخاً لاحقاً يظن أنه يفيده، ومن اختراعه أيضاً، فما علاقة ما يكتب بسيرة النبي ﷺ إذن، إنه الحياد والنزاهة العلمية!، إن الواقع يقول مع العقل إن المراقبة والرصد تكون قبل المهاجمة،

стр. 442

وهذا ما كان يفعله النبي ﷺ أن يرصد ويراقب ويبث العيون حتى إذا درس الواقع دراسة جيدة، أرسل على إثر ذلك المناسب لها من القوة المرجو بها تحقيق الهدف، أو لم يرسل وأجلها لإتمام الاستطلاع؛ أو إعداد العدة اللازمة، خاصة وأنه في حرب مع قريش. والرواية الثابتة، ليست المخترعة من وات، تقول: «فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم» فمحا وات هذه العلة (الجملة)، سبب السرية، وأتى لنا من عنده بقوله تنصب كميناً لقافلة قرشية. واضعاً على الرسول ﷺ ما لم يقله ولن يقوله إلى يوم القيامة، ثم يبنى على هذا الكذب، أو التاريخ المزعوم ما يريد أن يلصقه ظلماً وزوراً بالإسلام ونبيه ﷺ . ثم أبان وات عما يقصد من تزوير التاريخ، بأنهم أي المسلمين زوروه لرفع المسؤلية عن محمد بسبب أي معركة دموية يمكن أن تقع. منذ متى كان سيدنا محمد ﷺ يتنصل من مسؤليته التى شرفه الوحى بها، وأى مسؤلية تقع عليه لو أنه أعلن من بداية السرية كغيرها من السرايا أنها سرية لمعركة دموية، إنه في حرب طويلة بكل الوسائل مع قريش، وإن سرية قتالية لابد من إعلانها حتى يتأهب مقاتلوها، ولا يكون قد ألقى بهم في مهاوى الهلكة أمام أعدائهم، إذ ذلك ليس من خلقه كقائد فضلا عن كونه نبياً ﷺ ، بل لو نسب ذلك إلى أقل قائد في الدنيا لما كان مقبولاً. وإذا علم المتابع أن عدد هذه السرية لا يزيد على أصابع اليد الواحدة حيث ذهب اثنان من السرية هما سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان ليبحثا عن بعيرهما الذى ضل، فهل هذا العدد القليل بعدته الضعيفة يمكن أن يكون سرية هجومية (١)؟! التالى من كلام وات في هذه السرية هو زمن وقوعها، أول رجب أو نصفه أو آخره، واخترع أنها وقعت في نصف رجب، ثم بعد هذا الافتراض الخاطئ يقول: وأما القول بأن

стр. 443

المهاجمين لم يكونوا يعرفون أن اشهر الحرام انتهى .... فهذه لغسل العار الذى أصبح مشهوراً. ثم يرجع القهقرى بعقله فيقول: يبدو أنها - أي السرية - كانت تعلم أن الحادث قد وقع نحو منتصف الشهر - رجب -. ولا بأس أن نضغط على عقولنا، ونأتى على أنفسنا، ونستعين بالله تعالى لتفنيد هذه المقالات: أولاً: لم تختلف المصادر الإسلامية - التى ليس لوات غيرها - في ميعاد الحادث في أول الشهر أو غيره، بل اتفقت المصادر كافة على أنها وقعت في رجب الشهر الحرام. ثانياً: اخترع وات أنها كانت في النصف منه ليؤكد على أنها كانت في رجب وأنهم كانوا يعلمون أنهم قاتلوا في الشهر الحرام الذى يجب احترامه، وهم ينكرون شيئاً من ذلك حتى يغسلوا العار الذى سيلحقهم بسبب ادعائهم أنهم لم يكونوا يعلمون أنهم في رجب والذى سيصبح بعد قليل في كلامك ليس عاراً، فما الذى حمل وات على كل هذه الاختراعات يعلمون ولا يعلمون، والعار وأول رجب وآخره ونصفه. ثالثاً: وحتى يثبت أنهم يعلمون، اختراع أن الحادثة كانت في النصف من رجب، وكذبته المصادر والواقع بأنهم كانوا في آخر يوم من رجب، ولو تركوا القافلة ستدخل الحرم ولا يستطيعون قتالها فآثروا أن يقاتلوا في الشهر الحرام - وهو أخف عندهم - من أن يقاتلوا في الحرم الشريف؛ فأين تنصل المصادر الإسلامية من أن القتال وقع في شهر رجب الذى زعمه وات، وأين مصادره هو التى تثبت هذا التنصل، أله مصادر ذكرت سيرة النبي ﷺ يتحاكم لها ويرجع إليها فيما يقبل أو يرد من السيرة؟ تبين له ما يدعى، ترى لو كانت المصادر الإسلامية لم تذكر ذلك فمن أين كان سيورد هذا النص وتلك الحادثة؟ أم أنه

стр. 444

يعرف طريقة، وهي اختراع سرية لم تكن ولن تكون، كما اخترع وفصل هو أحداثها، فتناقض وتهافت وادعى ما ليس بصادق ولا صحيح. مضطرون إلى استكمال الكلام مع "وات" .. يقول: إن محمداً لو كان في نيته خرق الشهر الحرام فإنه لا يعنى أنه كان يفكر في أمر معيب أو غير مشرف، فقد كان طابع الشهر الحرام مرتبطاً بالديانة الجاهلية التى كان محمد يحاربها، ولهذا كان خرق الشهر الحرام لتحطيم الأصنام. ولكن ماذا نقول عن تردد محمد في قبول خُمس الغنيمة؟ (١) عاد وات مرة أخرى لعادته في التناقض، وإثارة الشبهات بهذا التناقض الذى لا محل له إلا في ذهنه بترتيبه المسبق الذى يؤديه إلى هذه المسالك العقلية الوعرة الضيقة التى لا يستطيع منها فكاكاً أو خروجاً. فبعد أن كان هذا الفعل عاراً، أصبح لا عار فيه ولا عيب ولا مغمز، ولا يظن بذلك أنه يمدح ولكنه يمهد لمنهجه بالبناء ثم الهدم لإثارة التشكيك في الرسول ﷺ ودينه كما سيأتى ولكنه قبل أن يذكر ذلك علله بأن الأشهر الحرام من دين الجاهلية كالأصنام يحاربها سيدنا محمد ﷺ ، فخلط بين الأمرين هذا الخلط الغريب الشائه، والذى لم يحدث من سيدنا محمد ﷺ لا وحياً ولا اجتهاداً. نعم قد جاء الرسول ﷺ بوحى السماء بالدعوة إلى التوحيد، وكسر الأصنام ونبذها وخلعها، ولكنه في نفس الوقت جاءه الوحى بتعظيم الأشهر الحرم، وإبقائها كما ذكرنا الآيات، فكيف يستوى الأمران في ذهن عاقل.

стр. 445

ثم جاء دور الهدم في نظر وات فيسأل سؤال الباحث البرئ: «ولكن ماذا نقول في تردد محمد في قبول خُمس الغنيمة؟». المصادر الصحيحة تقول في رد هذه الشبهة البريئة والتشكيك النزيه في الوحى والرسول ﷺ ، أن السبب في تردد الرسول ﷺ في قبول خمس الغنيمة هو أنهم انتهكوا حرمة الشهر الحرام، وقد قال لهم ذلك ﷺ صريحاً: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام (١)»، وهو الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى، وكان يمكن لأحدهم لو كان ذلك كذباً أن يرجع كافراً، ليقول إن محمداً هو الذى أمرنا بالقتال في الشهر الحرام، وإنه الآن يدعى - حاشا له - أنه لم يأمرنا بذلك، ولأضحت الرسالة من أولها إلى آخرها في مهب الريح المدمرة لها. انظر إلى وات لم يمهلنا أن رد هو على سؤاله التاريخى ليقطع علينا الطريق، ويصادر علينا حق التفكير والنطق فضلاً عن الاعتراض وتبيين الخطأ. كائلاً بأوفى كيل من التهم في جعبته موضحاً اجابته في ثلاث نقاط: (٢) الأولى: أنه ﷺ اكتشف ردود فعل قوية حول خرق الشهر الحرام أكثر مما ينتظر. الثانية: خشية البعض من عقاب تنزله بهم الآلهة - هكذا -. الثالثة: لاحظ البعض التناقض بين الشريعة الآلهية من ناحية ودعوة محمد إلى التضحية في سبيل الله من ناحية أخرى. ويضيف لما سبق من نقاط فيقول: وشيء آخر ثابت وهو أن محمداً لم يكن يعبأ كثيراً

стр. 446

بالقتال في الأشهر الحرم، ولكن كان عليه أن يحترم معتقدات قسم كبير من أتباعه (أصحابه)، وأن يتجنب ما ينشأ عن ذلك من صدى يهدد سلطته كنبى. (١) ونزيد هنا أن احترام النبي ﷺ كان معلوماً حتى آخر أيامه في الدنيا للأشهر الحرام حيث قال في حجة الوداع في أخر ما وصى به أصحابه والمؤمنين إلى يوم القيامة: «إن السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان» (٢)، فأين عدم مبالاته وأنه لا يعبأ بالأشهر الحرم في قتال أو غيره، وقد ذكرنا ما قاله ﷺ لعبد الله وسريته، من أنهم لم يأمرهم بقتال في الشهر الحرام. أما أخذه الغنيمة بعد ذلك، فلم يكن دقيقاً القول بعد ذلك، بل بعد أن نزل الوحى يبرئ ساحة عبد الله بن جحش وسريته من مأثم في قتالهم أو شين في سلوكهم فقد رفض أخذ الغنيمة بما أوحى إليه من أمر الله بتعظيم الأشهر الحرام، وأخذها عندما جاءه أمره كذلك في قرآن يتلى أن ما فعله المشركون بالمسلمين أكبر من القتال في الشهر الحرام، وأن ما فعلوه بقريش التى لم تراع فيهم حرمة شهر ولا حرمة بيت إنما هو جائز من رد العدوان، واسترداد الحقوق المسلوبة، مع بقاء تعظيم حرمات تلك الأشهر. أما قول وات إن الرسول ﷺ اكتشف ردود فعل قوية أكثر مما ينتظر، لذا تردد في قبول الخمس فهو من هراء القول المجافى لحقيقة الانصياع للوحى والإيمان بالنبوة والرسالة، إذ ما الذى حمل هؤلاء الساخطين الذين استرضاهم ﷺ بعدم قبول الغنيمة، ما الذى حملهم على الهدوء وترك الغضب والإعلان بالسخط عند قبول النبي ﷺ الغنيمة وأخذه لها (٣)، إن موقفهم من أصحاب السرية وغضبهم مما فعلوا إنما كان رد فعل لغضب النبي ﷺ بدليل

стр. 447

قولهم لعبد الله وأصحابه: «صنعتم ما لم تؤمروا به» (١)، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا (٢)، كما ذكر ابن اسحاق في السيرة. ومن ثم كانت الحقيقة الناصعة أنه عندما نزل الوحى هدأت الأمور، وعاد عبد الله بن جحش وأصحابه مكرمين معززين بين المسلمين بتأييد الوحى لمسلكهم، ولو كان الغاضبون لهم رد فعل على تصرفات النبي ﷺ أو حتى على عبد الله وإخوانه، لكان لذلك أثره ولامتد هذا الأثر فترة بعد ذلك ثم ترى هل يعبأ سيدنا رسول الله ﷺ برد فعل أحد أو الدنيا كلها بعد نزول الوحى عليه، لقد قام أمام الكفار وحيداً يسفه أحلامهم ويسب آلهتهم ويضلل أفهامهم ولم يبال بهم وبما أنزلوه به وبأصحابه، ثم يأتى بعد ذلك ليعمل حساباً لرد فعل بعض المؤمنين المتقين - لو كان هذا صحيحاً - فيفعل أو يترك لأجلهم! وعندما أراد وات في النقطة الثانية ليبين لنا السبب الثاني على شبهته البريئة كما نوهنا إليها وهي تردد النبي ﷺ بقبول الخمس من الغنيمة، فإذا به يعاود عين المسألة، بخشية البعض من عقاب تنزله الآلهة عليهم، هكذا قال، لا أعتقد أن وات يظن أنه صادق فيما يقول، هل يعتقد وات أن سيدنا محمد ﷺ وصحبه يؤمنون بتعدد الآلهة الذى ذكر هو سابقاً أنه جاء ليحطمها، أو ليس هناك إلا رب الأرض والسماء، الها واحداً لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، في دينه الذى يدعو إليه وقاتل عليه ﷺ ، أن وات يضلل ليشيع أن بعض المسلمين مازالوا خاضعين لمنطق الجاهلية، مؤمنين بالكفر، وهذا أعجب العجب في البحث العلمى. النقطة الثالثة في كلام وات عن أسباب تردد النبي ﷺ في قبول خمس الغنيمة أولاً،

стр. 448

وهي ملاحظة البعض التناقض بين الشريعة الآلهية من ناحية ودعوة سيدنا محمد ﷺ للتضحية من ناحية أخرى. (١) ويقال أولاً: من هؤلاء البعض؟ أهم بعض أصحاب النبي ﷺ ، أو هم بعض من أتى بعدهم من المسلمين، فإن كان كذلك فليذكر وات اسماً واحداً رأى ذلك، أم عاد وات إلى عوائده القديمة في منهجه العلمى من إلقاء التهم بغير تثبيت، وزرع الشبهات والشكوك ثم الصاقها بمن لا يُعَلم. أم هم من المستشرقين ومن تبعهم؟ إذا فليقولوا قولاً يبرئون به ساحتهم من الدجل والتدليس والغش، قولاً فيه شيء من العلم الصحيح والمنطق المستقيم، ليمكن النظر فيه ومعرفة قيمته رداً أو قبولاً. ويقال ثانياً: إن (وات) قد استعمل في منهجه - لم أر من نبه إليها من العلماء - طريقة تحمل المرء على تجشم الرد، وعناء البحث وإعمال الفكر ليبعد به الباحث عن إلهية الدعوة وثبوت الوحى وصدق النبوة وصحة الرسالة، فيأخذ المرء في التجديف معه بعيداً عن الأصل الذى يرمى إليه مصوباً إليه حدقة بحثه إن كان، وفي غمرة البحث ينسى المرء الوحى والرسالة والاحتجاج بهما، وهنا تدب دسيسة وات إلى العقول والقلوب بتثبيت تلك المعانى أو مهاجمتها بعيداً عن الدين والوحى وهو مراده، فيكون بحث الباحث مناظرة لمناظرة أو جدالاً لجدال، بعد به العهد عن النصوص والنبوة وتعلق البحث بالسماء، مع أنه كان يمكن للباحث الرد على وات بكلمة واحدة تثبت بها المعانى ويظهر بها الإيمان وهي «إنه الوحى». من ذلك ما نحن بصدده من ردود وأقواها ظهوراً ما نحن فيه الآن إذ يقول «ظهر

стр. 449

للبعض التناقض بين الشريعة الآلهية ودعوة محمد»، والرد سهل يسير وهو إن الشريعة ودعوة سيدنا محمد ﷺ هي أمر واحد موحى به من عند الله تعالى لا فرق بينها. أما هذا التناقض فمن وات نفسه، إذ هدف لايجاده بتفسيره الخاطئ (أو متعمد الخطأ) للنصوص في هذه السرية، إذ السرية للرصد وللاستطلاع من أخبار قريش فجعلها لنصب كمين، وهو ما يسمية دعوة محمد للتضحية في سبيل الله، وعدم قبوله الخمس وهو الشريعة الآلهية فجعل ذلك تناقضاً (١)، ونسبه للبعض الذين أخفى إعلامهم، لأنهم في الحقيقة غير موجودين، لأن القصة التى حضروها وعلموها غير ما اخترعه وات وألفه، وبالتالى لم يوجد عندهم ما ادعاه وات، ليلمز به الشرع والدعوة، وأن ذلك ليس وحياً في النهاية إلى آخر ما اهتم به وات وسعى إلى اثباته بخيله ورجله. ويكفى أنه خالف الواقع المنصوص وكتب وأرخ خلافه لو سمينا ذلك باسمه الصريح لقلنا يكفيه كذباً. وفي نهاية القول في تردد النبي ﷺ في قبول الخمس ذكر وات أن الرسول ﷺ كان عليه أن يحترم معتقدات قسم كبير من أصحابه، وما ينشأ عن ذلك من صدى يهدد سلطته كنبى. (٢) وهذا كلام لا يحتاج لرد لأن الرسول ﷺ لم يكن ليعبأ بمعتقدات العالم كله لو كانت مخالفة لوحى الله له، وأمر دعوته في مكة ﷺ أشهر شيء في التاريخ، وكذا في المدينة، وأيضاً موقفه الحاسم مع اليهود والنصارى وغيرهم. وإن التاريخ لمثل كلام وات على طريقة وات نفسه لابد أن يدخل فيها، تردده ﷺ في قبول الخمس حتى لا تتهدد سلطته كنبى ﷺ وها قد قبل الخمس هل تهددت سلطته كنبى

стр. 450

لقد رأينا العكس بما يكذب كلام وات ويدحضه، ويبطل في نفس الوقت فهمه للتاريخ وتحليله له ثم ما موقف هذا القسم الكبير من أصحابه الذين لم يحترم معتقداتهم، بعد هذه المخالفة الصارخة منه ﷺ لهذه المعتقدات، إنه شيء معيب للغاية أن يصل تحليل وات إلى هذه الدرجة، لأن هذا القسم الكبير من أصحابه ﷺ لاشك لهم اليد الطولى إذن، وهو ما يفرض معتقداتهم، هل حدث شيء من ذلك همساً أو سراً أو علانية؟ إن الإجابة التى لا نحيد عنها أن معتقداتهم هي ما علمهم ﷺ من معتقدات، بل سبيلهم ظاهراً وباطناً هي سبيله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. والأمر الثاني في قصة السرية هي موقف سعد بن أبى وقاص، حيث سارع وات وتهور فلمزه ﵁ وأساء إليه بما اخترع من حكايات مجافية للواقع والحقيقة تجعل الرد عليه ضرباً من تضييع الوقت، مع حزن النفس وتبرمها بمثل هذا التعصب والتطاول وغير ذلك من الافتراءات التى تلبس ثوب العلم والحياد. وإن الرد عليه يدخل فيما سبق أن رددنا، وإن كان قد أساء إلى النبي ﷺ كما سلف النقل عنه، فلأن يسيء إلى أحد أصحابه بمقالات السوء تلك غير مستغرب ولا مستبعد وما اختار من السرية إلا سعداً ﵁ إلا ليكمل له الإساءة إلى الرسول ﷺ ودينه وأفضل أصحابه المبشرين بالجنة، وبالتالى لا يحتاج الكلام إلى توضيح، وإلى فهم المراد. تحويل القبلة: في نهاية تلك الأحداث التى وقعت قبل غزوة بدر الكبرى، جاء حادث تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة في مكة، وهو ما نختم به تلك الفترة قبل الخوض في موقعة بدر كان النبي ﷺ -

стр. 451

يتجه في صلاته بمكة قبل الهجرة مستقبلاً بيت المقدس جاعلاً الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذا ما ورد صحيحاً عن ابن عباس ﵃. (١) وذهب بعض العلماء إلى أنه ﷺ كان يصلى بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس (٢). ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة استمر في الاتجاه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً (٣). وفي منتصف رجب سنة اثنين للهجرة أمره الله تعالى بالتحول في صلاته إلى الكعبة، قبلة إبراهيم وإسماعيل ﵉، وهو قول الجمهور من العلماء. وقد رحب يهود المدينة باستقبال النبي ﷺ لقبلتهم، خاصة أنهم قد عاهدوا النبي ﷺ كما أوردنا من قبل، وإن كان ذلك منهم محل إنكار كما ذكر الطبرى في تفسيره عن مجاهد أنهم كانوا يقولون: «يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا (٤)»، كأنهم طمعوا في أن يميل النبي ﷺ إلى دينهم حيث رأوا الإسلام يتابعهم في القبلة دليل صحة شيء من تقاليدهم وطقوسهم. لخصت الآيات الكريمة سيرة النبي ﷺ والمسلمين مع القبلة، حيث كانت حادثاً عظيماً في تاريخ الجماعة المسلمة، وله آثاره الضخمة في حياتها.

стр. 452

فبينت الآية الأولى على خلاف الترتيب القرآنى كما سنوضح حكمة ذلك، تقلب وجهه في السماء ﷺ داعياً ربه متضرعاً أو ساكتاً متأدباً يرجوه أن يوجهه إلى الكعبة المشرفة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. ثم جاءه الأمر الإلهى الأول بأن يولىَ وجهه شطر المسجد الحرام فقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]. وجاء الأمر مرة أخرى بالتوجه إلى القبلة فقال جل وعلا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩]. وتلا ذلك الأمر الثالث باستقبال المسجد الحرام فقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٥٠]. ونذكر الآن الآية الأولى في السياق القرآنى الكريم، وإن كان ذكرها الآن هو محلها في الواقع على ما سنشير إلى الحكمة التى أبداها أهل العلم في ذلك، هي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. وفي ثنايا تلك السيرة القرآنية جاءت التوجيهات الإلهية والوصايا الربانية، وجاء توضيح المواقف، وتمييز الناس، والتحذير من الاغترار بالباطل، وظهرت الحكم والعبر والعظات من معانى ذلك كله، لتقود قافلة الإيمان في النور الساطع بقدم راسخ إلى منتهى شوط الأمان والنجاة والرفعة في الدنيا والآخرة. وقبل الخوض في تلك المعانى القرآنية الكريمة يجدر أن نشير إلى كلام له قيمته ذكره

стр. 453

سيد قطب ﵀، فنلخص مجمله: يقول: أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة، واختصاص المسلمين بقبلة خاصة يتوجهون إليها، إذ كان ذلك لا شك لحكمة تربوية ذكرتها الآية الكريمة وهي في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (١) فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومى، ولما كان الإسلام قد جاء لاستخلاص القلوب لله وحده، وتجريدها عن كل تعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير منهج الإسلام المرتبط بالله تعالى مباشرة، المجرد من ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية، فقد نزعهم نزعاً من الاتجاه إلى البيت الحرام واختار لهم المسجد الأقصى ليخلص نفوسهم من كل تلك الرواسب الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول ﷺ ويطيعه في كل أمره طاعة مجردة من كل شيء، الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة، ممن ينقلب على عقبية اعتزازاً بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ، أو تتلبس في خفايا المشاعر وحنايا الضمير حتى إذا استسلم أهل الإيمان لهذا الأمر من الله ورسوله جاءهم الأمر باستقبال الكعبة المشرفة، كذلك إظهاراً للاستسلام لله ولرسوله ﷺ ، ولكنه في أمره باستقبال الكعبة المشرفة ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى هي حقيقة الإسلام، حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉؛ وليكون تراث الأمة المسلمة التى نشأت تلبية لدعوة إبراهيم لربه بأن يبعث فيهم رسولاً بالإسلام الذى كان عليه إبراهيم وبنوه وأحفاده. (٢) يقول الطاهر بن عاشور ﵀: إن المناسبة بين هذه الآية ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ وبين

стр. 454

الآى التى قبلها غير واضحة، ولكن هناك مناسبة بديعة، وهي أن الآيات التى قبلها تكرر فيها التنويه بإبراهيم وملته والكعبة وأن من يرغب عنها فقد سفه نفسه. (١) ونعود إلى سيد قطب ﵀، حيث بسط القول شيئاً ما كما ذكرنا فيقول ﵀ ما مختصره أن الحديث عن المسجد الحرام وبنائه وعمارته، والجدل مع أهل الكتاب والمشركين حول إبراهيم وبنيه وملته وقبلته، وعهده ووصيته، كل هذا الحديث كان خير تمهيد لتحويل القبلة إلى بيت الله الذى بناه والذى يمثل ملته التى من أراد غيرها فقد سفه نفسه والتى دعا ربه أن يبعث رسولاً يقيمها، فتحويل القبلة إذن يبدو في هذا السياق هو الاتجاه الطبيعى المنطقى مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده، وهو الدين الذى ارتضاه الله سبحانه للبشرية كافة، فهو الاتجاه الحسى المتسق مع الاتجاه الشعورى، الذى ينشئه هذا التاريخ. وإن الله عهد لإبراهيم ﵇ أن يكون من المسلمين: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١] وعهد إبراهيم ﵇ لبنيه بالإسلام وكذلك أحفاده: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢] ولقد أعلم الله إبراهيم ﵇ أن وراثة عهد الله وفضله لا يناله الظالمين: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤] إن الأمة المسلمة هي الوارثة لذلك العهد ولذلك الفضل فطبيعى إذن أن ترث بيت الله في مكة، وأن تتخذ منه قبلة. فإذا اتجه المسلمون فترة إلى المسجد الاقصى لحكمة سبقت الذى يتجه إليه اليهود والنصارى، وأبوا أن يفيئوا إلى دين أبيهم إبراهيم ﵇، ليشاركوا الأمة المسلمة وليكونوا أمة واحدة موحدة لله تعالى، فقد جاء أوان تحويل القبلة إلى بيت الله الأول الذى بناه

стр. 455

إبراهيم ﵇ لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة حسيها وشعوريها، وراثة الدين، ووراثة القبلة، ووراثة الفضل من الله جميعاً. إن الاختصاص والتميز للجماعة المسلمة ضرورىٌ من هذا المنطق، ومما رأينا من سيرة النبي ﷺ عامة الاختصاص في التصور والاعتقاد، والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة، وهما واضحان في التصور والاعتقاد، ولكنه قد لا يكون بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة، ولابد من وقفة مع قيمة أشكال العبادة. (١) إن الناظر إلى أشكال العبادات الظاهرة مجردة عن ملابساتها، ومجردة عن طبيعة النفس البشرية وتأثراتها ربما يبدو له أن في الحرص على هذه الأشكال بذاتها شيئاً من التعصب الضيق، أو شيئاً من التعبد للشكليات! ولكن نظرة أرحب وأوسع من هذه النظرة وإدراكاً أعمق لطبيعة الفطرة، يكشفان عن حقيقة أخرى لها كل الاعتبار لهذه الشكليات المتميزة للعبادات، ففى النفس البشرية ميل فطرى ناشيء من تكوين الانسان ذاته من جسد طاهر وروح مغيب إلى اتخاذ أشكال ظاهرة عن المشاعر المضمرة، وهذا لا يحتاج إلى تدليل، وقد أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد» (٢)، فما يظهر إذن على المرء أنما هو تعبير لابد منه لذلك الشعور والميل الداخلى إذ لا تستقر وتهدأ هذه المشاعر المضمرة حتى تتخذ لها شكلاً ظاهراً تدركه الحواس. وعلى هذا الأساس الفطرى أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها، فهى لا تؤدى بمجرد النية وحدها أو التوجه الروحى، لكن ذلك يتخذ شكلاً ظاهراً قياماً واتجاهاً إلى القبلة وتكبيراً وقراءة وركوعاً وسجوداً ذلك في الصلاة، وإحراماً من مكان معين بلباس معين

стр. 456

وطوافاً وسعياً بحركة معينة ودعاء وتلبية ورمياً للحجارة ونحراً وحلقاً ذلك في الحج، وهكذا في كل عبادته وأوامره وسننه. ولم يكن بعد ذلك، بد من تمييز المكان الذى يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة كى يتمييز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه فهذا التميز تلبية للشعور بالتخصص والتفرد والامتياز، كما أنه بدوره ينشئ شعوراً بالامتياز والتفرد. ومن هنا كان التشبه بغير المسلمين في خصائصهم التى هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهى عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء، ولم يكن هذا تعصباً ولا تمسكاً بمجرد الشكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة وهذه البواعث هي التى تفرق قوماً عن قوم، وتصوراً عن تصور، وعقلية عن عقلية، وضميراً عن ضمير وخلقاً عن خلق، واتجاهاً في الحياة كلها عن اتجاه. لذلك ورد عن أبى هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». (١) وقال ﷺ وقد خرج على جماعة فقاموا له: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً» (٢)، وقال ﷺ : «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، فنهى عن تشبهٍ في مظهرٍ أو لباسٍ، ونهى عن تشبهٍ في حركةٍ أو سلوكٍ، ونهى عن تشبهٍ في قولٍ أو أدبٍ؛ لأن وراء ذلك الشعور الباطن الذى يميز تصوراً عن تصور ومنهجاً في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة.

стр. 457

ثم هو في نفس الوقت نَهْىٌ عن التلقى من غير الله تعالى ومنهجه الذى جاءت الأمة لتحققه في الأرض نَهْىٌ عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض، فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التى تأسر النفس لتقلد ذلك المجتمع المعين، والمسلمون هم الأمة الوسط، هم الأعلون إن كانوا مؤمنين، هم خير أمة أخرجت للناس فإن لم يستخدموا تصورهم ومنهجهم ونظمهم وتقاليدهم من الله فهم يستمدونها من الأدنى الذى جاءوا ليرفعوه. لقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق للتصور، وأقوم منهج في الحياة، وهو يدعو البشرية كلها إلى أن تفئ إليه، وما كان تعصباً إذن من الإسلام أن يطلب وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر، وعلى منهجه لا على أي منهج آخر، وتحت رايته لا تحت أي راية فالذى يدعوك إلى توحيد الله تعالى وأن يكون من دونه سواء، ويدعوك إلى الوحدة في الارفع من المقصود، والوحدة في الارفع من النظام، ويأبى الحيدة عن منهج الله تعالى والتردى في مهاوى الجاهلية، ليس متعصباً، أو هو متعصب ولكن للخير والحق والصلاح. والأمة المسلمة اليوم محاطة بل ومتغلغل فيها نفسها شتى التصورات الجاهلية وغيرها التى تعج بها الأرض، وكذلك شتى الأهداف والرايات الجاهلية التى يرفعها الأقوام، وبين شتى الاهتمامات التى تشغل بال الناس على خلاف اهتمامات الإسلام ومنهجه، ومن ثم فهى في حاجة إلى التميز بشخصية لا تتلبس بالشخصيات السائدة جاهلية أو غيرها، وتتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يلتبس بالتصورات السائدة، والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وتصورها هذا التميز هو الوقوف تحت راية تحمل اسم الله وحده؛ فتعرف ساعتها بأنها خير أمة، الأمة الوسط (١).

стр. 458

وهكذا رأينا كيف كانت القبلة تحمل هذه الدلالات التى جاء الإسلام ليؤسسها في الجماعة المسلمة من وقت مبكر تستطيع فيه حمل الراية والسير الحثيث لتحقيق تلك الأهداف مع التمايز بأنهم المسلمون، ولقد ساروا بذلك حتى إنه لا يمكن أن يقال عنهم في كل مجال يحمل الخير والحق والعدل والرحمة إلا إنهم المسلمون. إلى أن فقدوا موقعهم تحت الراية وانزحاوا يمنة ويسرة فحل بهم ما نعانيه اليوم. نعود إلى هذا الجزء من السيرة النبوية في القرآن الكريم كما هو منهجنا، ونقتصر على ما يوضح الموضوع من كلام الله تعالى، ونبدأ بالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. وكان سياق هذه الآية الكريمة بحسب الواقع الظاهر متأخراً بعد تحويل القبلة، إذ ذلك القول من السفهاء إنما هو بعد أن يغير المسلمون قبلتهم فتشاع عنهم هذه المقالة السيئة والإشاعات المغرضة ونذكر حكمة ذلك بشرح الآية فيما يلى كما وضحه الفخر الرازى في «التفسير الكبير»، يقول ماحاصله إن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ فيه قولان: الأول: وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً لكنه قد يستعمل في الماضى أيضاً، كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون على فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد فإذا ذكروه مرة أخرى صح أن يقال سيقول السفهاء. الثاني: أن الله أخبر عنهم قبل أن يذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد: أحدها: أنه ﷺ إذا أخبر عن شيء قبل وقوعه، كان هذا إخبارا بالغيب، فيكون معجزاً.

стр. 459

ثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولاً. ثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً، ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي ﷺ منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً، وبهذا ظهرت حكمة تقديم تلك الآية وتهيئة المؤمنين وتثبيت قلوبهم لأقوال أعدائهم. (١) ونعود إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، وهم أولئك الذين نشروا شائعاتهم واتهاماتهم للنبى ﷺ وللمؤمنين يشككون في دينهم، وعدم ثباتهم عليه، بل هم متحيرون لا يدرون إلى أي قبلة يصلون، وهذا تشكيك في صدق الوحى، وبالتالى الرسالة والقرآن الكريم، وبدأوا حرباً قاسية ليضطرب المؤمنون وتتزعزع ثقتهم في دينهم ونبيهم وربهم، ها قد جاءتهم فرصة بغير شوكة اهتبلوها، أقوى وأصعب من ملاقاتهم بالسلاح، وللمرء أن يتخيل حال المؤمنين حينئذ، حيث وصف الله تعالى ذلك الوضع السيء بقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣]. إن رجوع أحد من المؤمنين عن دينه في ذلك الامتحان لهو أقسى من قتله إذ هو تهوين للصف، وتخذيل له وتعريضه للهزيمة النفسية المقدمة للهزيمة العسكرية. ولتصوير عظم ذلك ذكر الله تعالى أن هذه المقولة هي مقولة السفهاء، والسفيه من لا يميز ما له مما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولا شك أن من فعل ذلك في أمر الدنيا يعدونه سفيهاً، فمن باب الأولى في أمر الدين، وقد وصفهم بالسفاهة أي الخفة والجهل والطيش وعدم تميز الحق النافع، لما أورده عليهم من حجة تدل على سفاهتهم، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. أي من كان له المشرق والمغرب - وليس هناك من ادعى لنفسه، أو لغيره ذلك - فهو يوجه إلى ما يشاء،

стр. 460

وما يعترض على ذلك إلا جاهل سفيه، ونص عليهم عدم اهتدائهم لأنهم لا يستحقونه لإيثارهم الباطل على الحق، وذلك من تمام سفاهتهم، فلا جرم ... صدر هذه السيرة بتلك الآية لتبين سفاهتهم، حتى يحذر ذلك المؤمنون، بل ليمتنع تردد ذلك في صدورهم. ويأتى السؤال: ما العظيم في هذا المذكور؟ والكبير فيه، حتى يصوره القرآن الكريم بذلك؟ إن العظيم في ذلك أن السفهاء كانوا الجميع من غير المؤمنين، إذ رمى الكفار المشركون من مكة، واليهود في المدينة، والمنافقون رموا المسلمين عن قوس واحدة، إذ لفظ السفهاء لفظ عموم يصلح لكل الكفار بحسب الدليل العقلى الذى أشرنا إليه، والدليل النقلى وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. (١) فالكل قد اجتمع على المسلمين وشككوا واتهموا وذموا؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً البتة، كان الخطب جسيماً إذ اجتمع كل من في المدينة بل ومشركو مكة على الصياح على المسلمين وإرهابهم من كل فج. حتى قال المؤمنون متوجسين خيفة ما حال إخواننا الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. ذكر المفسرون ذلك، ونسبوا كل قول من بهت وإفك إلى قائله فقالت اليهود: لو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، وكانوا يظنون موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يوافقهم بالكلية، فليس إذا رسولاً. وقال المشركون: أبى إلا الرجوع لموافقتنا يعنى كأن الوثنية صارت حقاً.
следующие страницы →