وطوافاً وسعياً بحركة معينة ودعاء وتلبية ورمياً للحجارة ونحراً وحلقاً ذلك في الحج، وهكذا في كل عبادته وأوامره وسننه.
ولم يكن بعد ذلك، بد من تمييز المكان الذى يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة كى يتمييز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه فهذا التميز تلبية للشعور بالتخصص والتفرد والامتياز، كما أنه بدوره ينشئ شعوراً بالامتياز والتفرد.
ومن هنا كان التشبه بغير المسلمين في خصائصهم التى هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهى عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء، ولم يكن هذا تعصباً ولا تمسكاً بمجرد الشكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة وهذه البواعث هي التى تفرق قوماً عن قوم، وتصوراً عن تصور، وعقلية عن عقلية، وضميراً عن ضمير وخلقاً عن خلق، واتجاهاً في الحياة كلها عن اتجاه.
لذلك ورد عن أبى هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». (١)
وقال ﷺ وقد خرج على جماعة فقاموا له: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً» (٢)، وقال ﷺ : «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، فنهى عن تشبهٍ في مظهرٍ أو لباسٍ، ونهى عن تشبهٍ في حركةٍ أو سلوكٍ، ونهى عن تشبهٍ في قولٍ أو أدبٍ؛ لأن وراء ذلك الشعور الباطن الذى يميز تصوراً عن تصور ومنهجاً في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة.
стр. 457
ثم هو في نفس الوقت نَهْىٌ عن التلقى من غير الله تعالى ومنهجه الذى جاءت الأمة لتحققه في الأرض نَهْىٌ عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض، فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التى تأسر النفس لتقلد ذلك المجتمع المعين، والمسلمون هم الأمة الوسط، هم الأعلون إن كانوا مؤمنين، هم خير أمة أخرجت للناس فإن لم يستخدموا تصورهم ومنهجهم ونظمهم وتقاليدهم من الله فهم يستمدونها من الأدنى الذى جاءوا ليرفعوه.
لقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق للتصور، وأقوم منهج في الحياة، وهو يدعو البشرية كلها إلى أن تفئ إليه، وما كان تعصباً إذن من الإسلام أن يطلب وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر، وعلى منهجه لا على أي منهج آخر، وتحت رايته لا تحت أي راية فالذى يدعوك إلى توحيد الله تعالى وأن يكون من دونه سواء، ويدعوك إلى الوحدة في الارفع من المقصود، والوحدة في الارفع من النظام، ويأبى الحيدة عن منهج الله تعالى والتردى في مهاوى الجاهلية، ليس متعصباً، أو هو متعصب ولكن للخير والحق والصلاح.
والأمة المسلمة اليوم محاطة بل ومتغلغل فيها نفسها شتى التصورات الجاهلية وغيرها التى تعج بها الأرض، وكذلك شتى الأهداف والرايات الجاهلية التى يرفعها الأقوام، وبين شتى الاهتمامات التى تشغل بال الناس على خلاف اهتمامات الإسلام ومنهجه، ومن ثم فهى في حاجة إلى التميز بشخصية لا تتلبس بالشخصيات السائدة جاهلية أو غيرها، وتتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يلتبس بالتصورات السائدة، والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وتصورها هذا التميز هو الوقوف تحت راية تحمل اسم الله وحده؛ فتعرف ساعتها بأنها خير أمة، الأمة الوسط (١).
стр. 458
وهكذا رأينا كيف كانت القبلة تحمل هذه الدلالات التى جاء الإسلام ليؤسسها في الجماعة المسلمة من وقت مبكر تستطيع فيه حمل الراية والسير الحثيث لتحقيق تلك الأهداف مع التمايز بأنهم المسلمون، ولقد ساروا بذلك حتى إنه لا يمكن أن يقال عنهم في كل مجال يحمل الخير والحق والعدل والرحمة إلا إنهم المسلمون. إلى أن فقدوا موقعهم تحت الراية وانزحاوا يمنة ويسرة فحل بهم ما نعانيه اليوم.
نعود إلى هذا الجزء من السيرة النبوية في القرآن الكريم كما هو منهجنا، ونقتصر على ما يوضح الموضوع من كلام الله تعالى، ونبدأ بالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢].
وكان سياق هذه الآية الكريمة بحسب الواقع الظاهر متأخراً بعد تحويل القبلة، إذ ذلك القول من السفهاء إنما هو بعد أن يغير المسلمون قبلتهم فتشاع عنهم هذه المقالة السيئة والإشاعات المغرضة ونذكر حكمة ذلك بشرح الآية فيما يلى كما وضحه الفخر الرازى في «التفسير الكبير»، يقول ماحاصله إن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ فيه قولان:
الأول: وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً لكنه قد يستعمل في الماضى أيضاً، كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون على فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد فإذا ذكروه مرة أخرى صح أن يقال سيقول السفهاء.
الثاني: أن الله أخبر عنهم قبل أن يذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد:
أحدها: أنه ﷺ إذا أخبر عن شيء قبل وقوعه، كان هذا إخبارا بالغيب، فيكون معجزاً.
стр. 459
ثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولاً.
ثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً، ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي ﷺ منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً، وبهذا ظهرت حكمة تقديم تلك الآية وتهيئة المؤمنين وتثبيت قلوبهم لأقوال أعدائهم. (١)
ونعود إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، وهم أولئك الذين نشروا شائعاتهم واتهاماتهم للنبى ﷺ وللمؤمنين يشككون في دينهم، وعدم ثباتهم عليه، بل هم متحيرون لا يدرون إلى أي قبلة يصلون، وهذا تشكيك في صدق الوحى، وبالتالى الرسالة والقرآن الكريم، وبدأوا حرباً قاسية ليضطرب المؤمنون وتتزعزع ثقتهم في دينهم ونبيهم وربهم، ها قد جاءتهم فرصة بغير شوكة اهتبلوها، أقوى وأصعب من ملاقاتهم بالسلاح، وللمرء أن يتخيل حال المؤمنين حينئذ، حيث وصف الله تعالى ذلك الوضع السيء بقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣]. إن رجوع أحد من المؤمنين عن دينه في ذلك الامتحان لهو أقسى من قتله إذ هو تهوين للصف، وتخذيل له وتعريضه للهزيمة النفسية المقدمة للهزيمة العسكرية.
ولتصوير عظم ذلك ذكر الله تعالى أن هذه المقولة هي مقولة السفهاء، والسفيه من لا يميز ما له مما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولا شك أن من فعل ذلك في أمر الدنيا يعدونه سفيهاً، فمن باب الأولى في أمر الدين، وقد وصفهم بالسفاهة أي الخفة والجهل والطيش وعدم تميز الحق النافع، لما أورده عليهم من حجة تدل على سفاهتهم، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]. أي من كان له المشرق والمغرب - وليس هناك من ادعى لنفسه، أو لغيره ذلك - فهو يوجه إلى ما يشاء،
стр. 460
وما يعترض على ذلك إلا جاهل سفيه، ونص عليهم عدم اهتدائهم لأنهم لا يستحقونه لإيثارهم الباطل على الحق، وذلك من تمام سفاهتهم، فلا جرم ... صدر هذه السيرة بتلك الآية لتبين سفاهتهم، حتى يحذر ذلك المؤمنون، بل ليمتنع تردد ذلك في صدورهم.
ويأتى السؤال: ما العظيم في هذا المذكور؟ والكبير فيه، حتى يصوره القرآن الكريم بذلك؟
إن العظيم في ذلك أن السفهاء كانوا الجميع من غير المؤمنين، إذ رمى الكفار المشركون من مكة، واليهود في المدينة، والمنافقون رموا المسلمين عن قوس واحدة، إذ لفظ السفهاء لفظ عموم يصلح لكل الكفار بحسب الدليل العقلى الذى أشرنا إليه، والدليل النقلى وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. (١) فالكل قد اجتمع على المسلمين وشككوا واتهموا وذموا؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً البتة، كان الخطب جسيماً إذ اجتمع كل من في المدينة بل ومشركو مكة على الصياح على المسلمين وإرهابهم من كل فج. حتى قال المؤمنون متوجسين خيفة ما حال إخواننا الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
ذكر المفسرون ذلك، ونسبوا كل قول من بهت وإفك إلى قائله فقالت اليهود: لو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، وكانوا يظنون موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يوافقهم بالكلية، فليس إذا رسولاً.
وقال المشركون: أبى إلا الرجوع لموافقتنا يعنى كأن الوثنية صارت حقاً.
стр. 461
وقال المنافقون: على سبيل الاستهزاء إن التحويل مجرد عبث وعمل بالرأى والشهوة إذ لا تتميز بعض الجهات عن بعض بخاصيةمعقولة تقتضى تغيير القبلة. (١)
نزلت الآيات متتابعة لتوضح الحكمة من ذلك، وتبين مواقف كل فريق، وتؤكد على أمر النبي ﷺ بالتوجه هو والمؤمنون إلى الكعبة، وتثبت المؤمنين وترشد سيرهم وليستمروا صامدين تحت الراية المرفوعة - راية الإيمان - سائرين بها مدافعين عنها.
وننظر في الآية التالية التى تبين بقية سيرة القبلة في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
كانت هذه الحالة في الآية الكريمة وهي طلب النبي ﷺ من ربه ليستجيب له بالتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم ﵇ أول ما ذكر من سيرة النبي - صلوات الله وسلامه عليه - مع القبلة حيث ألهم النبي ﷺ بأنها الحق - وهو الواقع بتقرير الله تعالى ذلك - وجاءت متأخرة عن الآيات السابقة.
ذلك لأن الآيات السابقة كالتمهيد للنبى ﵊ والمؤمنين لهذه الآية، وهي آية إجابة النبي ﷺ لطلبه بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، وكذلك تبيين الحكمة من هذه الاستجابة، فقد وطأ القرآن الكريم لهذا التحويل بالأيه التى ذكرنا وهي: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾، ثم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ...﴾ [البقرة: ١٤٣].
ليكون ذلك تثبيتاً للمؤمنين، واعدادهم لمواجهة هذه الكبيرة، وفي نفس الوقت ليفصل لهم موقفهم وقيمتهم في الدنيا والآخرة التى بوأهم الله إياهم، فلا تؤثر فيهم تلك
стр. 462
الأحداث، بل هم أعلى منها وأجل فكان متناسباً غاية التناسب أن يرشدهم إلى علو مكانتهم باستعلائهم بالإيمان في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
أي ستسمعون من السفهاء ذلك كله، ولكن حقيقة الأمر أنكم أنتم الأمة الوسط العدول الخيار إذا اعتقدتم شيئاً فهو الحق الذى بلغكم به ربكم، فأنتم الشاهدون على كل أمة أو أحد بصدق ما هم عليه وصحته أوْلا، ليس هم الذين يشهدون عليكم بصحة موقف أو فساده: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. أنتم المهيمنون الحاكمون بصحة ما عليه الناس كافة أو بنقيضه لا يرد عليكم أحد ذلك الاعتقاد، أو يدفعه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. (١)
كان ذلك توطئة قوية لهم ألا يتشككوا إذن أو تنزع ثقتهم فيما هم عليه، أو فيما يتنزل عليهم، إنهم الأمة الوسط التى تشهد على الناس جميعاً، فتقيم بينهم القسط والعدل، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدى فيهم رأيا فيكون هو الرأى المعتمد، وتزن قيمتهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعائرهم فتفصل في أمرهم، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل، فهى شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم ... وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول ﷺ هو الذى يشهد عليها، فيقرر ذلك كله، ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيها الكلمة الأخيرة، وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها. (٢)
وبالتالى كانت تلك المقدمات والممهدات للأمة قبل صدور الأمر بتحويل القبلة لتعرفها، ولتستعد لها الاستعداد اللائق، ولتصحح وفقها مفاهيمها وتصوراتها التى
стр. 463
ترشدها طريقها وتجلى معالمه إلى يوم القيامة، ولتشعر بضخامتها، وتقدر دورها حق قدره، مع الكواشف المضيئة لكل ما حولها تصوراً واعتقاداً وقبائل وأشخاصاً.
وبعد هذا الإعداد الطويل للأمة المسلمة في هذا التوقيت الدقيق، جاءت الحكمة الإلهية.
لتبين أن تنقية الصف ليستطيع استكمال السير بأقصى قوة مستطاعة، يتحمل تبعاته، ويقدر مسؤلياته، هو الحكمة المنشودة من خطة التربية الربانية هذه، إن بقاء الصف بغير تمحيص وفرز لبقاء الأصلح الأقوى يجعل باطن الصف مصدعاً مهزوزاً سرعان ما ينهار، أو أجزاء كبيرة منه عند أول صدام، مع أن ظاهره يوحى بغير ذلك، وقد رأينا مصداق هؤلاء في غزوة أحد، ولقد عبرت الآية الكريمة عن هذه الحكمة بقولها: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والله سبحانه يعلم كل ما يكون قبل أن يكون، ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس حتى يحاسبهم عليه، ويأخذهم به، والانقلاب الرجوع إلى المكان الذى جاء منه، انقلب إلى الدار، وقوله: ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، زيادة تأكيد في الرجوع إلى ما كان وراءه؛ لأن العقبين هما خلف الساقين، أي انقلب على طريق عقبيه، وهو هنا استعارة تمثيلية للارتداد عن الإسلام رجوعاً إلى الكفر السابق. (١)
طالت هذه الفترة مع أنها متأخرة في الواقع عن الأمر النازل بتحقيق مطلوب النبي ﷺ : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، كل ذلك لما رأينا من عظات وأحكام وعبر، وتراتيب للانطلاقه الكبرى لأمة الإسلام، والتى اشترطت لها الآية المذكورة آنفاً اتباع النبي ﷺ ظاهراً وباطناً علماً وسلوكاً، عبادة وعقيدة مع
стр. 464
الوسطية في كل أمورها لتصل إلى مقصدها وتبلغ أهدافها وتفوز بسعادة الدارين.
نعود إلى الآية التى وجه الله تعالى بها النبي ﷺ والمؤمنين إلى الكعبة، وهي قوله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ...﴾ [البقرة: ١٤٤]. وننظر في تحليلها.
هذا استئناف ابتدائى، وإفضاء لشرع استقبال الكعبة، ونسخ السابق، فهذا هو المقصود من الكلام المفتتح بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ....﴾.
وقد في كلام العرب للتحقيق، وهنا لتحقيق الخبر، وهو نرى، ولما كان علم الله بذلك مما لا يشك فيه النبي ﷺ حتى يحتاج لتحقيق الخبر به، كان الخبر به مع تأكيده مستعملاً في لازمه على وجه الكناية لدفع الاستبطاء عنه، وأن يطمئنه لأن النبي ﷺ كان حريصاً على حصوله، ويلزم ذلك الوعد بحصوله واللازم الثاني هذا كنايه ثانية.
وجيء بالمضارع من قد للدلالة على التجدد، والمقصود كما ذكرنا، تجدد اللازم ليكون حينئذ تأكيداً لذلك اللازم وهو الوعد. (١)
والتقليب هنا هو ترديد وجهه في السماء، وهو تأدب مع الله في الطلب بغير دعاء كما ذكر بعضهم، ينتظر أن يجاب إلى ذلك، يقول الامام محمد عبده: «فسر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هو شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت، فإن وافقتها الألسنة فهى تبع لها وإلا كان الدعاء لغواً يبغضه الله تعالى ... فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظاراً لما كانت تشعر به روح النبي
стр. 465
- ﷺ وترجوه من نزول الوحى بتحويل القبلة. (١)
ويستكمل قائلاً: ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالباً هذا التحويل ولا تنفى ذلك».
وقال بعض المحققين: من كمال أدبه ﷺ انتظر ولم يسأل. وهذا التوجه هو الذى يحبه الله تعالى، ويهدى قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه. (٢)
وهذا الكلام والحال الجليل إنما يدل على أن الرسول ﷺ لم يكن له من أمر نفسه شيء، وأنه ينتظر الوحى فيما يأتى ويدع، ولو كان الأمر له فما المانع أن يقوم هو بالتحويل للكعبة وأن يدعى في ذلك شيئاً من الإفك المفترى، ثم إن صح هذا فمن أين يخبر بهذه المغيبات التى لا اطلاع لأحد عليها فأخبر بها قبل وقوعها مع حكم وأوامر ووصايا في سياق معجز معنى ونظاماً.
ولقد رأينا القبلة بعد ذلك شأناً ثابتاً للمؤمنين لم يحاور فيه أحد، ولم ولن يمارى فيه صغير ولا كبير إلى يوم القيامة.
جاء بعد هذا الأدب من النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، فبعد أن كان الوعد بالتحويل في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى﴾، بأسلوب الكناية، أتى صريحاً مؤكداً معقباً بالفاء، ليكون المعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب هذا الوعد. وهذا وعد اشتمل على أداتى تأكيد وأداة تعقيب، وذلك غاية اللطف والإحسان. (٣)
стр. 466
وعبر بقوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾، للدلالة على أن ميله للكعبة ميل لتصد الخير، إذ الرضى مشعر بالمحبة الناشئة عن تعقل، ومقام النبي ﷺ يترفع عن أن يتعلق ميله بما ليس فيه مصلحة راجحة، فميله للكعبة لأنها أجدر بيوت الله التى تدل على التوحيد، فهى أحرى بذلك من بيت المقدس إذ بنى هو بعدها، على منوالها، ولم يصل لشأوها في ترتيب الله تعالى لبيوته، ويكون استقبال القبلة إيماء إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب، وهو الأول بوضع الله له – ومن ثم كان التعبير بالرضا في محله الاسمى، وجاء مع قبلة أهل الكتاب بالتعبير بالهوى، وهو الميل إلى غير الحق فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥].
ثم جاء قوله مباشرة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾، تفريعاً على الوعد، وجاء معقباً بالفاء تعجيلاً بهذا الوعد، واختص به النبي ﷺ لما فيه من إرضائه بجميل رغبته، وسيعقبه بقوله تشريكاً للامة معه بقوله سبحانه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وهو تنصيص على تعميم حكم استقبال الكعبة لجميع المسلمين لجميع أقطار الأرض، لئلا يظن أن الخطاب خاص بالنبي ﷺ أو ببعض الاماكن في مكة أو المدينة، أو ببعض جهات الكعبة. (١)
أما فائدة قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قبل: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾، وهلا قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، ففائدته إظهار الاهتمام برغبة النبي ﷺ ، وأنها في محل تقدير الله، إذ كل ذلك منه لرضاء ربه وقيامه بأوامره أفضل القيام، وأن رغبته ورضاه بحيث يعتنى بها، كما دل عليه وصف القبلة بجملة: ﴿تَرْضَاهَا﴾ (٢).
стр. 467
وهنا يبين عظيم قدره، وعلو درجته ﷺ في خضم تلك الأحداث الكبيرة؛ التى هبت سمومها على المسلمين في تلك الآونة، لتؤكد لهم ارتباطه ﷺ بالسماء، ولتربط على قلوبهم، ولتدعم خطوات اتباعها التى ذكرت الحكمة فيها ومن أجلها.
وننهى الكلام على هذه الآية بالحديث عما ختمت به قبل العودة إلى فهم معنى التوجه ومقصوده إلى القبلة، وختم الآية هو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
وهذا التذييل والختم للآية يبين أمرين واضحين في جملة ما وضَّحت دلالة وإشارة:
الأول: وهو أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون بصدق سيدنا محمد ﷺ حسب البشارة به في كتبهم وأن ذلك يتضمن أن ما جاء به الحق، خاصة وقد عبرت الآية بأوتوا الكتاب دون أن يقال أهل الكتاب لتشير إلى أن المقصود أحبار اليهود وأحبار النصارى، وهم العالمون منهم، والأظهر كذلك أن المراد من بقى منهم على الكفر، فصوغ الكلام على أنهم يخالفون ما يعملون، بانكارهم تحويل القبلة مع علمهم كما ذكرت الآية: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، بأسلوب القصر الذى يدل على أن تغيير القبلة هو الحق دون غيره، وهو المبشر به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾، كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم، وهو عملهم بغير ما علموا بسبب المكابرة والعناد والسفه؛ لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه. ويستلزم وعيدهم هذا المقام الخطابى وعداً للمسلمين على عظيم منزلتهم؛ لأن الوعيد لهؤلاء السفهاء ترتب على مخالفتهم للمؤمنين، فلا جرم سيلزم للمؤمنين جزاء على اتباعهم لتغيير القبلة. (١)
стр. 468
أما العود الذى نوهنا إليه آنفاً فهو أن من عمل المؤرخ أن ينظر في الباعث على الحدث التاريخى، ومعرفة أسبابه وكوامنه وعلله، ولذا ينبغى النظر بعد الاشارة الأولى التى سبقت الكلام على القبلة، إلى مقصود هذا الأمر وباعثه على حسب ما استقر من فهم الشرع والواقع.
ونسارع بالقول أن الباعث على استقبال القبلة باعث عظيم، خاصة وقد بُدِأَ في وضع اللبنات كلها في صرح الإسلام العظيم، عقيدة وعبادة وسلوكاً ودعوة ... إلى آخره، ليكون تأسيساً وتأصيلاً لا انفصام فيه ولا تراجع عن ثوابته وما يحقق غاياته وأهدافه ولشرح ذلك الباعث وتبيينه يقال: إن مقصود الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى، وبمقدار استحضار المعبود يقوى الخضوع له، فتترتب عليه آثاره الطيبة في إخلاص العبد لربه وإقباله على عبادته، وذلك ملاك الامتثال والاجتناب. ولهذا جاء في الحديث: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). ولما تنزه سبحانه عن أن يحيط به الحس تعين لمن يحاول أن يستحضر عظمته أن يجعل له مذكراً به من شيء له انتساب خاص به. (٢)
يقول الفخر الرازى: إن الله تعالى خلق في الانسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلى مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية بحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعانى العقلية ... ، إلى أن يقول: ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم، فإنه لابد أن يستقبله بوجهه وأن لا يكون معرضاً عنه، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه، ويبالغ في الخدمة والتضرع له فاستقبال القبلة في الصلاة يجرى مجرى كونه مستقبلاً للملك لا معرضاً
стр. 469
عنه، والقراءة والتسبيحات تجرى مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود يجرى مجرى الخدمة.» (١)
فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس فاستحضارها يكون بشيء له انتساب إليها مباشرة كالديار، أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك، أو بالشبه كالغزال عند المحبين، وقال مالك بن الريب:
دَعانى الهَوى من أهْلِ وُدّى وجيرتى ... بذِى الطّيّسَيْنِ فالتفتُّ وُرائيَا
والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار صفاته هي استحضار ما فيه مزيد دلالة عليه سبحانه من الصفات.
لا جرم أن أوْلى المخلوقات بأن يجعل وسيلة لاستحضار صفات الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التى كان وجودها لأجل الدلالة على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال، مع تجريدها عن كل ما يوهم أنها المقصودة بالعبادة، وتلك هي المساجد التى بناها إبراهيم ﵇، فبنى الكعبة أول بيت، وبنى مسجداً في مكان المسجد الأقصى وغير ذلك.
فإذا استقبل المؤمن بالله شيئاً من البيوت التى أقيمت لمناهضة أهل الشرك، وللدلالة على توحيد الله وتمجيده، كان من استحضار صفات الخالق بما هو أشد أضافة إليه.
لكن هذه البيوت على كثرتها لا تتفاضل إلا بإخلاص النية وكونها مبنية لذلك، وسابقة فيه، لأن السابق الدال لمؤسس اللاحق على تأسيسه، قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقال في مسجد الضرار: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، لأنه أسس بنية التفريق بين المؤمنين وإرصاد لمن حارب الله ورسوله ﷺ .
стр. 470
وللأسبقية قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]، فجعله هدى للناس لأنه أول بيت، فالبيوت التى أقيمت بعده كبيت المقدس من آثار اهتداء من بناها بالبيت الأول.
فلا شك أن أول بناء أقيم لتوحيد الله تعالى وتنزيهه وإعلان ذلك، وإبطال الاشراك هو الكعبة، وبناها أول من حاجَّ الوثنيين بالأدلة، وقاومهم بجعل أصنامهم جذاذاً، ثم قام بأمر الله تعالى بهذا البناء المهيب توحيداً وذكرا؛ ليعلم كل من أتى سبب بنائه، ومضت على ذلك العصور، وتمضى إلى يوم القيامة تذكر رؤيته بالله مع مزية الأولية الباقية، وميزة بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ له بأيديهما دون معونة أحد ولذلك فهو أعرف في الدلالة على التوحيد والرسالة معاً، وهما قطبا إيمان المؤمنين وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره. (١)
ثم سن الحج إليه لتجديد هذه الذكرى، ولتعميمها في الأمم الأخرى، فلا جرم بعد ذلك كله أن يكون أَوْلى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة، وما بنيت بيوت الله تعالى كالمسجد الأقصى إلا بعده بعدة قرون فكان حرياً أن يكون قبلة كل من أسلم لله تعالى، وقبلة الرسول ﷺ وقبلة المؤمنين معه بالأولية.
وما كان استقبال الرسول ﷺ لبيت المقدس إذن إلا لهذه الحكم التى ذكرنا، وكان في التحويل بعد ذلك إلى الكعبة علاوة على ما سبق بشارة للنبى ﷺ بأن أمر قريش قد أشرف على الزوال، وبالتالى ستكون وقعة بدر هي الفيصل بين المسلمين وبينهم لذا كان موضوع القبلة بهذا القدر اليسير - الذى يظن به الطول – من أهم الموضوعات الفارقة التى توجه المؤمنين المتقين الوجهة الصحيحة بإخلاص القصد والوجه لله تعالى وبداية للتمايز الذى لا مفاصلة فيه بغير غبش ولا ضبابية بين رافعى راية الله وغيرهم في كل سلوكهم، وتأكيداً
стр. 471
بعد تأكيد لهذه العقيدة الحقة التى لا تريد إلا الإخلاص لا تبتغى علواً في الأرض ولا فساداً، وإنما تريد علوا للإيمان وأن يرفرف على أرجاء المعمورة رافعاً تكبير الله وحكمه؛ لتصل الأرض بالسماء، مع استعلاء المؤمنين بدينهم لاتصالهم بخالقهم ومعبودهم، مع المناداة حين كل توجه للقبلة بالمساواة والعدل الرحمة وبأن الشرف والكرم والمكانة للتقوى قلباً وقالباً، مع تحقيق روح الإخوة والتكافل والتضامن وإنكار الذات، مع التذكير في كل مناداة بأن كل المؤمنين في الأرض جميعها متجهون نفس الوجهة يدعو أقصاهم لأقصاهم وأعلاهم لأدناهم، ويحزن المتوارى وراء السهول والوديان والجبال للقريب منه والبعيد إذا مسه إذى أو أصابته لأواء، يرجو أن يمكن أن يفديه بماله ونفسه، ويفر ح ويتهلل لكل خبر يأتيه عن سرور إخوانه بنصر أو بما ينشرح به الصدر. وكثير بعد ذلك لا يحوطه به العد، ولا يدخل تحت الحصر إن ما ماجت به المدينة المنورة من جراء تحويل القبلة لم يكن أمام ذرة مما رأينا شيئاً ذا بال، بعدما توالت تلك الحكم وظهرت تلك المنح الآلهية لمن يتبع الرسول ﷺ . جاءت غزوة بدر تتويجاً لهذا الاستكمال لهذا التوجه، مع تربية المؤمنين على القيام بضرائب وتكاليف هذا التوجه، وما أوتى من أوتى منهم بعد ذلك في مواقف انكسار إلا بغياب شيء من هذه التوجيهات.
стр. 472
المبحث الثاني
غزوة بدر في السيرة المشرفة
وصل حديث ما سبق من السيرة، إلى تلك النتيجة المتوقعة بين المسلمين وكفار قريش، وهي ذلك الصدام الدامى، فكانت غزوة بدر الكبرى، فبالرغم من تهديد المسلمين لطرق قريش التجارية إلى الشام، لم يشتبكوا مع قوافل قريش في قتال حاسم، حتى هذه المرحلة، مما جعل قريشاً تواصل إرسال قوافلها التجارية، مع تأمين الحراسة لها، ومع ذلك كان المسلمون لها بالمرصاد؛ فلما بلغهم تحرك قافلة كبيرة لقريش، تحمل أموالاً عظيمة لها، عائدة من الشام، يحرسها ثلاثون أو أربعون رجلاً، بقيادة أبى سفيان بن حرب (١)، أرسل
رسول الله ﷺ بَسْبَس بن عمرو إلى بدر، لاستطلاع أخبار القافلة، فلما رجع إليه، ندب المسلمين إليها، وقال ﷺ : «هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل الله ينفكلموها» (٢).
خرج النبي ﷺ بمن كان مستعداً - متعجلاً، لئلا تفوتهم القافلة، دون أن ينتظر من رغب في الخروج من سكان العوالى ليأتى بظهره (٣)؛ ولذا لم يعاتب أحداً تخلف عنها (٤)، فكان
стр. 473
جيش المسلمين لا يمثل كل طاقاتهم العسكرية؛ فإنهم خرجوا لملاقاة القافلة، ولم يعلموا أنهم سيواجهون جيش قريش.
كان تعدادهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً (١)، منهم مائة من المهاجرين، وبقيتهم من الأنصار. هذه رواية الزبير بن العوام، أما رواية جابر - وقد رده الرسول ﷺ في بدر
لصغره - أن المهاجرين يزيدون على الستين، والأنصار يزيدون على الأربعين ومائتين (٢).
وقد أذن رسول الله ﷺ لحذيفة بن اليمان، ولأبيه ﵄ بعدم الخروج معه لأنهما كانا قد وعدا كفار قريش بعدم القتال معه؛ فطلب منهما الوفاء بعهدهما (٣).
التحق أحد شجعان المشركين بالنبي ﷺ في الطريق، ليقاتل مع قومه، فرده رسول الله ﷺ وقال: «ارجع، فلن استعين بمشرك»؛ كرر الرجل المحاولة، فلم يقبل النبي ﷺ فأسلم الرجل والتحق بالمسلمين (٤). وهنا تظهر قضية العقيدة بصبغتها الإسلامية، خاصة في أول معركة يقاتل فيها المسلمون.
كان مع المسلمين فَرَسان، وسبعون بعيراً يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، وكان أبو لبابة، وعلى بن أبى طالب زميلى رسول الله ﷺ ، فعندما جاء دوره ﷺ في المشى، قالا له: «نحن نمشى عنك» فقال لهما: «ما أنتما بأقوى منى، ولا أنا بأغنى عن الأجر
стр. 474
منكما» (١)، وهذا من أروع المواقف - مواقف هذا النبي ﷺ ، ومواقف الإسلام - عندما يستوى القائد والجند في التحمل والبذل، أن يمشى القائد وجنده راكبون، يطلب الأجر بإخلاص وصدق، ويحرص عليه أشد من حرص جنوده، بل ويسابق جنده في تحمل المشاق، ويقاسمهم الآلام والمتاعب، حائزاً فيها النصيب الأعظم، ولا يرضى إلا أن يكون أمامهم في مواجهتها؛ إن ذلك مما يدفعهم إلى التضحية والفداء، متطلعين إلى رضوان الله وثوابه؛ وقد رأينا ذلك في بدر كما سنذكر - إن شاء الله - شيئاً من سيرتهم.
في الطريق، عند بلوغهم الروحاء - مكان على بعد أربعين ميلاً من المدينة - رد رسول الله ﷺ أبا لبابة، وأَمَّره على المدينة، وكان قد جعل ابن أم مكتوم على الصلاة، وأصبح مرثد بن أبى مرثد مكان أبى لبابة في زمالة الرسول ﷺ على البعير (٢).
لما علم أبو سفيان بالخطر المحدق بقافلة قريش ورجالها، خاصة وقد تكرر ذلك من المسلمين سأل مجدى بن عمرو - عندما اقترب من بدر - عن جيش الرسول ﷺ ، فأخبره براكبين أناخا إلى تل، عرف أبو سفيان أنهما من المدينة فأسرع تاركاً الطريق الرئيسى على يسار بدر إلى الساحل، وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري يستنجد بقريش (٣).
لما علمت قريش الخبر أخذت في الاستعداد للخروج على عجل لإنقاذ عيرها ورجالها، ولتلتقى بالمسلمين في حرب تريد أن تقضى فيها عليهم، لتستريح من الدعوة ورجالها، وما يهدد تجارتها.
стр. 475
وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا في المنام قبل مجيء ضمضم؛ أن رجلاً استنفر قريشاً وألقى بصخرة من رأس جبل أبى قبيس بمكة، فتفتت ولم تترك داراً من دور قريش إلا دخل فيها بعضها، وأثارت الرؤيا خصومة بين العباس بن عبد المطلب وأبى جهل حتى قدم ضمضم وأنذرهم خبر القافلة، فصدق الله رؤيا عاتكة (١).
كانت قريش في أشد حالات الغضب، لقد رأت فيما حدث امتهاناً لكرامتهاً وحطاً لمكانتهاً بين العرب، فضلاً عن ضرب مصالحها الاقتصادية، لذلك أسرعت في الخروج، وحاوت أن تجند كل طاقتها عدداً وعدة، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبى لهب، ولكنه أرسل رجلاً مكانه لدين عليه (٢)، فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً.
أما أبو سفيان فقد نجا بالقافلة وزال الخطر، بعد أن سلك الساحل تاركاً بدراً؛ وكان جيش قريش قد وصل الجحفة (٣)، فأرسل إليهم يخبرهم بنجاة القافلة، وأن يعودوا إلى مكة.
وهمَّ جيش مكة بالرجوع، ولكن أبا جهل رفض ذلك، قائلاً: «والله لا نرجع حتى نَرِد بدراً فنقيم بها ثلاثاً، فننحر الجزور ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً، فامضوا» (٤).
стр. 476
وكان عدد الجيش قد بلغ ألفاً (١)، معهم القيان يضربن بالدفوف، ويتغنون بهجاء المسلمين (٢).
خالف بنو زهرة كلام أبى جهل، ورجع الأخنس بن شريق بهم، وكذلك طالب بن أبى طالب، لما اتهمهم - أي بنى هاشم - من اتهم من قريش بأن هواهم مع محمد ﷺ .
تقدم جيش المشركين - مع ذلك - حتى نزلوا قريباً من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى (٣)، وتبين بذلك أن هدفهم ليس إنقاذ القافلة، بل تأديب المسلمين، وتخليص طرق التجارة من تعرضهم، وإعلاء شأن قريش وهيبتها عند العرب.
أما عن المسلمين، وقد وصلوا بدراً لملاقاة القافلة غير مستعدين لغير ذلك من مواجهة الجيش المكى، وخشى فريق من المؤمنين من لقاءٍ لم يتجهزوا له بكامل عدتهم وعتادهم، فجادلوا الرسول ﷺ في ذلك، وفيها نزل القرآن الكريم (٤): ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٧].
فقام النبي ﷺ باستشارة الصحابة بعد أن أخبرهم بالموقف وما عزمت عليه قريش (٥)، فقام من قادة المهاجرين أبو بكر ﵁، فقال وأحسن، وقام عمر ﵁ فقال وأحسن، وقام
стр. 477
المقداد بن عمرو ﵁ فقال: «يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه»، فقال له الرسول ﷺ خيراً ودعا له.
ثم قال ﷺ أشيروا علىَّ أيها الناس (٢)؛وإنما يريد أن يسمع كلام الأنصار؛ أدرك سعد بن معاذ ﵁ ذلك فقال للنبى ﷺ : «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟» قال: «أجل» قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق .... إلى آخر الرواية التى ذكرنا من قبل (٣).
فَسُرَّ ﷺ بقول سعد ﵁ ونشطه، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدنى
إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن انظر إلى مصارع القوم» (٤) وعندما وصل رسول الله ﷺ قريباً من الصفراء أرسل بَسْبَس بن عمرو الجهنى، وعدى بن أبى الزغباء الجهنى إلى بدر، يتحسسان له الأخبار عن أبى سفيان وعيره (٥)، وقيل أن النبي ﷺ خرج بنفسه هو وأبو بكر ﵁، لذلك عرفا بالضبط مكان جيش المشركين (٦)، وفي مساء يومه ذلك أرسل ﷺ علياً
стр. 478
والزبير وسعد بن أبى وقاص فأسر ساقيين من سقاة قريش وأتوا بهما النبي ﷺ وهو يصلى، وبعد الصلاة استجوبهما فعرف منهما عدد قريش مما ينحرون من الجزور، وذكروا له من بالجيش من أشراف مكة (١)، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» (٢). وأشار ﷺ إلى أماكن مصارع بعض قادة قريش فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ (٣).
سبق الرسول ﷺ قريشاً إلى ماء بدر ليحول بينهم وبين الماء، وعندما استقروا في المكان، بنوا لرسول الله ﷺ عريشاً - شبه خيمة - ليكون مقراً للقيادة وظلاً للقائد (٤).
ومما طمأن الله به المؤمنين ..
إنزال المطر تلك الليلة على معسكر المؤمنين، ووبالاً شديداً على المشركين، وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١]) (٥) (، فكان دهساً للمؤمنين، ثبت به أقدامهم، وربط على قلوبهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان.
كذلك من نعمه تعالى عليهم وفضله الذى تقووا به على ملاقاة الكافرين يوم بدر، إلقاء النعاس عليهم، وإنه لمن المنن عظيمة، أن ينام الجند في وقت الخطر لملاقاة عدوهم،
стр. 479
فإنه راحه لهم، وأمنة عليهم، يقومون بعده بروح عالية مطمئنة واثقة، مع استجمام أبدانهم المرهقة، ليرفعوا راية الله الذى لم يتركهم، وفعل لهم ما لا يستطيع أحد أن يقوم به. وفي ذلك يقول الحق تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (١).
وكذلك أوقع الخلاف في صفوف العدو، فقد روى أن عتبة بن ربيعة من صناديد قريش قام خطيباً ليثنى قومه عن القتال، لأنه علم أن المسلمين لن يموت منهم أحد حتى يقتل واحداً أمامه من المشركين (٢)، ولذا قال النبي ﷺ : «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا (٣)»، وكان ذلك عتبة بن ربيعة، واتهمه أبو جهل بالخوف حتى ذعر لذلك وقام مقاتلاً.
موقف الرسول ﷺ :
كان موقف النبي ﷺ في بدر يُنِمُّ عن اتصال الأرض بالسماء، مع اتخاذ كل الأسباب المادية والمعنوية لقتال العدو، ثم تقدم هو ﷺ أمام الجند المقاتلين كافة.
أما عن استنفاد السبل المادية والمعنوية ..
فقد عسكر النبي ﷺ في مكان أفضل من مكان قريش، أرضاً وماءً، وعبأ قواته بطريقة جديدة لا تعرفها قريش (٤)، وهي تعبئة الصفوف ليقلل بها من خسائر الجيش الإسلامي،
стр. 480
وفيها مزية السيطرة، لكامل قوة الجيش، والتأمين لعمق الجيش، حتى تبقى دائماً بيد القائد قوة احتياطية في الخلف يعالج بها المواقف التى ليست في الحسبان (١).
اتخاذ الخيمة - العريش - لإدارة المعركة: وقد سبق.
القتال بنفسه ﷺ :
حيث أصدر أمره ﷺ لأصحابه قائلاً: «لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» (٢)، وكذلك ورد عن على ﵁ قوله: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً» (٣)، لذا قال ابن كثير: «وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالاً شديداً، ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا، فحثا على القتال وقاتلا بالأبدان جمعاً بين المقامين الشريفين» (٤).
عن التعبئة المعنوية للجند:
فأول ما قال ﷺ محرضاً على القتال والثبات ومواجهة الكفرة، مع البذل والتضحية في سبيل الله : «والذى بنفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» (٥)، وفي رواية مسلم (٦)، أنه عندما دنا المشركون قال
стр. 481
رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض»، وعندما سمع ذلك عُمير بن الحُمام الأنصارى، قال: يارسول الله: أجنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» قال: بخٍ بخٍ فقال رسول الله ﷺ : «ما يحملك على قول بخٍ بخٍ» قال: لا والله يارسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: «فإنك من أهلها»، فأخرج تمرات من قَرَنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة. قال: «فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل»، وقال كذلك عندما سأله أحد الصحابة، وهو عوف بن الحارث: يا رسول الله ما يُضحك الربُ من عبده، قال: «غَمْسَه يَدَه في العدو حاسراً»، فنزع درعاً كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل» (١)، ثم أخذ الرسول ﷺ في توجيه أوامر الحرب قائلاً: «إذا أكثبوكم فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» (٢).
أما ارتباط الأرض بالسماء في شخصه الكريم، طلباً للنصر من الله تعالى، وتعلقاً بخالق الأسباب جل وعلا، فقد ظهر في دعائه لربه، واستغاثته واستنصاره به، مما يبين توكله على الله، لا على الأسباب، واستكماله لكل قوى النصر، ويقينه بأن النصر من عند الله تعالى، فوجدناه منفرداً بربه ليلة بدر يدعوه، يقول الإمام على بن أبى طالب ﵁، في وصف تلك الليلة، ليلة السابع عشر من رمضان سنة اثنين من الهجرة وأمامهم معسكر المشركين: «لقد رأيتنا يوم بدر وما منَّا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ ، فإنه كان يصلى إلى شجرة حتى أصبح ...».
ويبدو أن رسول الله ﷺ أراد أن يريح جيشه تلك الليلة، فقام هو بنفسه بحراستهم (٣)،
стр. 482
وفي صبيحة يوم بدر، عندما تراءى الجمعان، ما زال الرسول ﷺ يهتف بربه موصولاً قلبه به، يقول على بن أبى طالب ﵁، دعا رسول الله ﷺ ربه قائلاً: «اللهم هذه قريش، قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى، اللهم أحنهم الغداة» (١)، وحكى كذلك عمر بن الخطاب ﵁ إكثار النبي ﷺ من الدعاء يوم بدر، قائلاً: «لما كان يوم بدر، نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبى الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم انجز لى ما عدتنى، اللهم آت ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر ﵁، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبى الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]، فأمده الله بالملائكة. وقد خرج من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥] (٢).
وارتباطه ﷺ بالسماء في مثل هذا الموقف، دليل الوحى والرسالة والنبوة، إذ من يدعو
النبي ﷺ ويناشده غير رب الأرض والسماء، لينصره على قريش في موقع لا يظن به النصر، وهو مستيقن بذلك النصر، يبشر به أصحابه، لو وقع غير ذلك ما قامت للدعوة قائمة.
стр. 483
بدء المعركة:
وابتدأت المعركة بالمبارزات الفردية، وقبل المبارزة والقتال، خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى، يريد هدم حوض ماء المسلمين، فقال: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه» وتصدى له حمزة ﵁، وضربه ضربة أطارت قدمه بنصف ساقه، ثم حبا إلى الحوض مضرجاً بدمائه ليبر قسمه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض» (١).
خرج للمبارزة ثلاثة من فرسان قريش، وهم عتبة بن ربيعة، وشيبة أخوه، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم شباب من الأنصار، فلم يقبلوا بغير بنى عمومتهم من المهاجرين، فأمر الرسول ﷺ حمزة، وعبيدة بن الحارث، وعلياً بمبارزتهم، وقد قتل حمزة عتبة، وقتل علىُّ شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد بن عتبة، وجرح كل واحد صاحبه، فأعان حمزة وعلى عبيدة على قتل الوليد، واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين (٢).
أثرت – لا شك - هذه البداية السيئة على المشركين، وألقت في قلوبهم، بظلال قاتمة النتيجة، وَخِيمَةِ العاقبة، في الوقت الذى بدأ المسلمون معركتهم، وهم في أعلى درجات القوة الإيمانية، والاستبشار بالنصر وحسن العاقبة.
جعلت هذه البداية قريشاً تبدأ بالهجوم على المسلمين، فردوهم بالرمى بالنبل منفذين أوامر الرسول ﷺ ، ثم بدأ الالتحام والقتال، وحمى الوطيس، وأخذ النبي ﷺ كفاً من حصى،
стр. 484
فرمى به وجوه القوم، فما بقى منهم أحد إلا امتلأت عيناه من الحصباء وفيها نزلت الآية:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (١).
قُتل في هذه الملحمة سبعون من قريش، وأُسِر مثلهم، وكان يصرع في المواضع التي بَيَّنها الرسول ﷺ لأصحابه قبل المعركة، من ذكرهم بأسمائهم (٢)، وكان ممن قُتل من قادة قريش أبو جهل، عمرو بن هشام المخزومي، الذى وصفه رسول الله ﷺ بأنه فرعون هذه الأمة (٣)، قتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء ﵄، في قصة في الصحيحين وأجهز عليه عبد الله بن مسعود ﵁ (٤).
ومنهم أمية بن خلف، الذى كان يعذب بلالاً ﵁ في مكة، أسره عبد الرحمن بن
عوف ﵁ وأسر معه ابنه علياً، فرآه بلال ﵁ فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا؛ واستصرخ عليه الأنصار فأعانوه على قتله هو وابنه على (٥)، وكان وفاء النبي ﷺ حاضراً آنئذ، كما هو حاله المشرف دائماً، ولم ينسه في غمرة هذا الصدام الدامى، فأصدر توصياته بعدم قتل بعض المشركين ممن كان يقف مساعداً للمؤمنين في مكة، وقت اضطهادهم وتعذيبهم، منهم أبو البخترى بن هشام، وكان ممن سعى في نقض صحيفة المقاطعة، ولم يؤذ النبي ﷺ ، ومنهم نفر من بنى هاشم خرجوا مع قريش مكرهين، كالعباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، والذى وقف بجواره طوال عهده بمكة، خاصة بعد وفاة عمه أبى طالب،
стр. 485
وقد ذكر العباس ﵁ نفسه، أنه كان مسلماً وإنما خرج مستكرهاً (١)، وعندما وصل أبا حذيفة كلامُ النبي ﷺ هذا، قال ذلك القول الذى ندم عليه بعد ذلك وهو: «أنقتل آباءنا وآبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه - أو لألجمنه - بالسيف، فبلغت مقالته رسول الله ﷺ ، فقال لعمر: «يا أبا حفص! أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ ، بالسيف؟» فقال عمر: «يا رسول الله، دعنى فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق». فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها عنى الشهادة؛ فقتل يوم اليمامة شهيداً (٢).
وقد يظن بعضهم مثل هذا الظن من محاباة النبي ﷺ لأقربائه، ولكنه لا يظل خائفاً من هذا الظن، لا يعتقد غير الشهادة، والموت في سبيل الله هو الذى ينجيه منه، بل يظن
بالنبي ﷺ ذلك وهو لا يبالى بالوقوع الضال في عرضه الشريف، والبالغ أسوأ دركات الظن به؛ لأن قوله ذلك إنما هو عن الله تعالى، فهو لا ينطق عن الهوى ﷺ ، هذا الأول في هذا الموقف، والتدليل على سوء الظن.
الثاني: أن الرسول ﷺ أمر بعدم قتل أبى البخترى، وليس عماً له ﷺ ولا من أبناء عمومته، ولكن لمواقفه المشكورة مع المسلمين في مكة.
الثالث: في قول النبي ﷺ : «أيضرب وجه العباس عم النبي ﷺ بالسيف» ليس الاستفهام فيه لإنكار ضربه لكونه عم النبي ﷺ ، وإلا فلِمَ منع قتل غيره، وهو ليس عماً، أو قريباً له ﷺ ؟! فمحمل الكلام إذاً، أيضرب وجه العباس عمِّ النبي ﷺ الذى ليس هناك
стр. 486
مثله، وقف موقفه مع الرسول ﷺ ، وفعل وفعل للمسلمين، أيضرب وجهه مثل هذا بالسيف؟!
الرابع: أن هناك من بنى عمومته ﷺ من حضر بدراً، كأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبى طالب، وغيرهم، ولم يأمر بتركهم ولا حماية حيواتهم.
الخامس: هذا الوفاء الفذ الذى كان يمكن أن يحمل النبي ﷺ على المن على جميع الأسرى بغير فداء للمطعم بن عدى - وقد مات كافراً - وذلك في قوله ﷺ : «لو كان المطعم بن عدى حياً ثم كلمنى في هؤلاء النتن لأطلقتهم له»، وما كان ذلك إلا لما قام به المطعم من حماية النبي ﷺ ، وإجارته له عند دخوله مكة راجعاً مصاباً من الطائف.
وهذا يوضح لنا الرد على ما سنذكر من أقوال المستشرقين، واتهاماتهم للنبى ﷺ في غزوة بدر، بما سنذكر طرفاً منه.
كما يؤكد كذلك هذه الروح العالية، التى لا تنسى اليد التى امتدت لها خلال الضيق والأذى أن تكافئها؛ لا أن تقول: لو قتل هؤلاء أهذا كان جزائى الذى قدمته لهم؟! ألم يشفع عندهم ما بذلته لهم حال اضطهادهم وتعذيبهم وضعفهم؟! ألم تكن هذه يداً بيضاء امتدت إليهم يوماً تغيثهم من شدة عانوها، أو محنة لاقوها؟! ولم تمتد لهم يوماً بأذى، فاستوت اليوم مع من آذوهم وعذبوهم؟! لم يكن الرسول ﷺ أبداً كذلك، بل هو المثل الأعلى للوفاء الكامل.
نزول الملائكة:
لابد من الإشارة إلى مدد السماء في هذه الموقعة الأولى، بنزول الملائكة تؤيد المؤمنين، وتقاتل معهم، وذلك لأمرين:
стр. 487
الأول: تبيين تأييد الله لنبيه ﷺ ، لما قال: اللهم نصرك الذى وعدت، إذ كيف يطلب ﷺ نصراً من إله لم يرسله للناس، ولم ينزل عليه كتابه، ويخصه برسالته؟!
الثاني: تحاشى بعض المسلمين من ذكر ذلك، أو تأوله بالتأويلات الباطلة.
وفي ذلك الرد على المستشرقين المنكرين لنبوة ورسالة النبي ﷺ .
نسوق – بداية - شيئاً من الآيات القرآنية، تثبت الأمور الثلاثة:
الأول: وهي نزول الملائكة.
والثاني: نزولهم ببشارة المؤمنين بنصر الله تعالى، رفعاً لمعنوياتهم وإعلاء لإيمانهم ودينهم.
والثالث: مقاتلة الملائكة مع المؤمنين.
ونبدأ بهذه الآية لوضوحها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ (١) [الأنفال: ٩ - ١٠]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
стр. 488
وأما الأحاديث ..
فأول ما يقابلنا فيها هو نزول جبريل ﵇.
روى الأموى في مغازيه بإسناد حسن: «خفق النبي ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل ﵇ معتجر بعمامة، آخذ بعنان فرسه، يقوده على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعِدَتُه» (١).
وذكر ابن عباس – ﵄ في نزول الملائكة فقال: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم (٢). فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم (٣) أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصارى فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة» (٤).
وروى الإمام أحمد في مسنده، أن رجلاً من الأنصار قصير القامة جاء بالعباس أسيراً، فقال العباس: «يا رسول الله، أن هذا والله ما أسرنى، لقد أسرنى رجل أجلح، من أحسن الناس وجهاً، على فرس أبلق، ما أراه في القوم». فقال الأنصارى: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسكت! فقد أيدك الله تعالى بملك كريم» (٥).
стр. 489
وقد صح اشتراك الملائكة في بدر من قول جبريل ﵇ حين سأل النبي ﷺ : «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة» (١).
وهي أحاديث تبين القاطع من أدلة القرآن الكريم وتوضحه، وتضرب له الأمثلة، وتفصل فيه القول، ليتعاضد الجميع على هذا الحدث، الذى لا يكبر على الله تعالى، إذ له الخلق والأمر، يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهو الرد المجمل على أولئك المصابين بالانهزام النفسى وعقدة الخواجة.
ويَرِدُ السؤال: ما الحكمة من اشتراك الملائكة مع أن جبريل ﵇ وحده قادر على إهلاكهم بأمر الله؟ ويحسن نقل كلام الإمام السبكى (٢)، إذ يجلى الإمام طبيعة الإسلام في تحقيق أهدافه، وارتباط ذلك بالجهد البشرى، في حدود السنن الكونية والقوانين الاجتماعية، وغيرها، فيقول ﵀: «وقع ذلك - أي نزول الملائكة - لإرادة أن يكون الفعل للنبى ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب، وسنتها التى أجراها الله تعالى في عباده. والله تعالى هو فاعل الجميع. والله أعلم».أي أن القتال وقع تبع السنن الكونية، والقوانين الطبيعية، من رسول ﷺ وأصحابه؛ وإنما جاءت الملائكة مدداً في القتال ليس إلا، وإن وقع من بعضهم قتال فما يكون إلا في صورة الأسباب الممكنة للبشر، حتى يبقى الفعل والأثر منسوبين للقائمين به؛ النبي ﷺ وأصحابه؛ وما زاد من الملائكة مما أوحى الله تعالى به إليهم، من القيام بتثبيت المؤمنين وتبشيرهم بالنصر، وخذلان العدو وإلقاء الخوف والفشل في قلوبهم، وقد كان ذلك بشهادة المشركين قبل المؤمنين.
стр. 490
ولبعض المفسرين تأويلات أخرى في أمر نزول الملائكة لا نحتاج إلى الوقوف عندها كثيراً.
فر الباقون من قريش لا يلوون على شيء بعد مقتل سبعين منهم، وأسر سبعين، تاركين وراءهم كل شيء، فكانت الغنائم التى غنمها المسلمون.
أقام النبي ﷺ ببدر ثلاثة أيام، وفيها دفن شهداء المسلمين، وهم أربعة عشر، استأثرت رحمة الله بهم فذهبوا إلى عليين، ولم يذكر أنه ﷺ صلى عليهم (١)، ولم يُنْقل أحد منهم من بدر ليدفن في المدينة (٢)، وأمر الرسول ﷺ بسحب قتلى المشركين إلى آبار بدر فألقوا فيها، وفي اليوم الثالث من الأيام الثلاثة، وقف رسول الله ﷺ على أحد الآبار وكان فيه أربعة وعشرون رجلاً من صناديد قريش، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ويقول: «أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟» فقال عمر ﵁: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : «والذى نفس محمد ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» (٣).
تلقى المسلمون في المدينة بشرى النصر، حيث أرسل الرسول ﷺ زيد بن حارثة ﵁،
стр. 491
ليعجل لهم البشارة قبل وصول النبي ﷺ ، فكانوا بين الفرح الغامر، والحذر ألا يكون خبر مثل هذه الصاعقة يقيناً، قال أسامة: «فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى»، وكانت الدهشة تعلو الوجوه، أحقاً هزمت قريش! وقتل زعماؤها! وأسر صناديدها! وتحطمت كبرياؤها! وظهرت حقيقة آلهتها الباطلة الزائفة! وعقائدها الضالة!. إن أم المؤمنين سودة لفرط دهشتها تقول لأبى يزيد سهيل بن عمرو ويداه معقودتان إلى عنقه بحبل: «أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراماً!» فقال رسول الله ﷺ : «أعلى الله وعلى رسوله؟!» أي تؤلبين، فقالت: «يا رسول الله، والذى بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد، مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل، أن قلت ما قلت» (١).
في طريق عودة الجيش إلى المدينة، أمر الرسول ﷺ بقتل اثنين من الأسرى، هما النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، وكانا يؤذيان المسلمين بمكة، ويشتدان في عداوتهما لله ولرسوله ﷺ ، إن الوقوع في الأسر لا يعنى صدور عفو عام عن الجرائم التى اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع، بالغ السوء، في إيذاء الله ورسوله ﷺ ، وقد أبطرتهم منازلهم فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدى من خناقهم، أليعودوا مرة أخرى أشد عداوة وطلباً للثأر؟! ... إن الحصول منهم على فداء لا يناسب ما وقع منهم في جنب الله، إنهم مجرمو حرب بالاصطلاح الحديث.
إذاً في قتلهما درس بليغ للطغاة؛ وقد رأينا كيف تخلى عقبة عن جبروته، ونادى من للصبية يا محمد أو يا رسول الله؟ فأجابه: النار (٢).
стр. 492
وصل رسول الله ﷺ المدينة هو وجنوده، منصورين مؤيدين مستبشرين بنعمة الله وفضله وعنايته، قد جمعت لهم الأسرى والغنائم.
استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعلياً - رضوان الله عليهم - فيما يصنع بهؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإنى أرى أن نأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً.
فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننى من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل بن أبى طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد قال عمر ﵁: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبى بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرنى ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله ﷺ : للذى عرض علىَّ أصحابك من أخذ الفداء، قد عرض علىَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٩٧ - ٩٨].
ذكرنا الحديث بطوله لنفاسة هذه المعانى التى تبين روابط الإسلام، وعقائد الدين والرد على وات في نظرته في هذا الموقف.
стр. 493
لقد اجتهد الصحابة فيما هو أجدى فائدة، وأولى عاقبة للإسلام والمسلمين في قضية الأسرى، خاصة وهم يرون المؤمنين في تلك البأساء من الجوع والعرى، فإذا بالوحى ينزل ليصحح لهم الاجتهاد، ويبين الأصوب في هذا الأمر، ولكن مع التهديد الشديد في أن أول موقعة للمسلمين كان الواجب هو الإثخان في الأرض، أي إستئصال شأفة هؤلاء المجرمين، حتى يسير موكب الدعوة آمن مما هو فيه الأن، وأن يلقى الرهبة والفزع والرعب في قلوب غيرهم ليفكروا غير مرة قبل أن يهاجموا المسلمين أو أن يتعرضوا لهم.
إن الحياة كما تتقدم بالرجال الأخيار، فإنها تتأخر وتتعفن بالعناصر الخبيثة، وإذا كان من حق الشجرة لكى تنمو أن تُقَلَّم، فمن حق الحياة لكى تصلح أن تنقى من العتاة والمجرمين ولن يقوم عوض أبداً عن هذا الحق ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب.
لما سمع المؤمنون هذا الدرس ووعوه وتدبروه، أباح لهم من رحمته الانتفاع بما أخذوا من الفداء، فنزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].
كان أخذ الفداء بالتالى حلالاً في أول نزوله، ثم جعل الخيار بعد ذلك لإمام المسلمين بين القتل أو الفداء أو المن عدا قتل الأطفال والنساء فلا يجوز قتلهم إذا لم يكونوا محاربين.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. (١)
وكان فداء الأسير ممن يملك المال هو أربعة آلاف درهم، ومع ذلك من رحمة الإسلام والمسلمين، التى تدل على أن المال لم يكن همهم كما علمهم القرآن الكريم فإنهم كانوا يأخذون من بعض الأسارى ما عندهم، وأطلق الرسول ﷺ من لم يقدر على الفداء.
стр. 494
وكان في الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ فأرسلت قلادة لها كانت أهدتها لها أمها السيدة خديجة رضى الله عنها في زواجها لتفدى بها زوجها، فردوها لها، وأطلقوا لها أسيرها لمكانتها من أبيها سيدنا رسول الله ﷺ .
بل كان وارداً أن يطلق سراحهم جميعاً كما قال ﷺ : «لو كان المطعم بن عدى حياً ثم كلمنى في هؤلاء النتن لأطلقتهم له» (١)، وقد ذكرنا هذا الموقف من قبل حيث كان دور الحماية لرسول الله ﷺ عند رجوعه من الطائف، مع موقفه من نقض صحيفة الظلم والقطيعة.
وإن نظرة سطحية فقط على هذه التصرفات تبين الفارق الضخم الذى لم يحدث مثله من أحد في تاريخ الإسلام في قتاله للمسلمين، هذا الفارق الذى يدل على عظم الإسلام وكونه من الله تعالى، وعلى صورة المسلمين السمحة وعقيدتهم البهية المنيرة إزاء أعدائهم؛ إن غيرهم من كل الملل لم يتورعوا عن الإبادة الكاملة لكل صغير وكبير، ذكر وأنثى مع التدمير الشامل لكل ما تقع عليه أيديهم مما له علاقة بالإسلام أو بالمسلمين.
كم أريقت بحار الدماء الذكية على أيدى حاملى الصليب في حروبهم في بيت المقدس مماحدث من مآس وجرائم هي أعتى الجرائم التى وقعت على مدار التاريخ.
وبقى الجزء المنير الآخر في التعامل مع الأسرى، وهو الوصايا من الرسول ﷺ بهم خيراً (٢)، خاصة أن من تبقى منهم لا فداء معه وكان يجيد الكتابة، كان فداؤهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة.
حكى أبو عزيز - شقيق مصعب بن عمير ﵁، وقد أسر في بدر مع المشركين – أنه
стр. 495
وهو بين رهط من آسريه الأنصار - أنهم كانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوه بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ بالأسرى. حتى ما تقع في يد أحدهم خبزه إلا ناوله إياها فيستحى فيردها على أحدهم، فيردها عليه ما يمسها. (١)
تلك أخلاق النبوة والرسالة التى حملت الإسلام إلى الدنيا، فكان فيه سعادة الدنيا والآخرة.
الغنائم:
ونحن عندما نتكلم عن الأسرى فإن الموضوع الذى ارتبط بها شرعاً وحياً وواقعاً هو موضوع الغنائم، الذى لم يكن لها حكم من قبل، ومن ثم كان عرضة لإختلاف وجهات النظر بين الصحابة الذين حضروا الوقعة، والحديث المروى من جانب كتاب السيرة الذى يبين الحادثة هو حديث عبادة بن الصامت ﵁ إذ يقول: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدراً فالتقى الناس، فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم، يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، فنحن نفينا عنها العدو، وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : «لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، وإشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فقسمها رسول الله ﷺ على بواء بين المسلمين أي - بالتساوى (٢)، أخذ الله تعالى