← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ليعجل لهم البشارة قبل وصول النبي ﷺ ، فكانوا بين الفرح الغامر، والحذر ألا يكون خبر مثل هذه الصاعقة يقيناً، قال أسامة: «فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى»، وكانت الدهشة تعلو الوجوه، أحقاً هزمت قريش! وقتل زعماؤها! وأسر صناديدها! وتحطمت كبرياؤها! وظهرت حقيقة آلهتها الباطلة الزائفة! وعقائدها الضالة!. إن أم المؤمنين سودة لفرط دهشتها تقول لأبى يزيد سهيل بن عمرو ويداه معقودتان إلى عنقه بحبل: «أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراماً!» فقال رسول الله ﷺ : «أعلى الله وعلى رسوله؟!» أي تؤلبين، فقالت: «يا رسول الله، والذى بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد، مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل، أن قلت ما قلت» (١). في طريق عودة الجيش إلى المدينة، أمر الرسول ﷺ بقتل اثنين من الأسرى، هما النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، وكانا يؤذيان المسلمين بمكة، ويشتدان في عداوتهما لله ولرسوله ﷺ ، إن الوقوع في الأسر لا يعنى صدور عفو عام عن الجرائم التى اقترفها الأسرى أيام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع، بالغ السوء، في إيذاء الله ورسوله ﷺ ، وقد أبطرتهم منازلهم فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدى من خناقهم، أليعودوا مرة أخرى أشد عداوة وطلباً للثأر؟! ... إن الحصول منهم على فداء لا يناسب ما وقع منهم في جنب الله، إنهم مجرمو حرب بالاصطلاح الحديث. إذاً في قتلهما درس بليغ للطغاة؛ وقد رأينا كيف تخلى عقبة عن جبروته، ونادى من للصبية يا محمد أو يا رسول الله؟ فأجابه: النار (٢).

стр. 492

وصل رسول الله ﷺ المدينة هو وجنوده، منصورين مؤيدين مستبشرين بنعمة الله وفضله وعنايته، قد جمعت لهم الأسرى والغنائم. استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعلياً - رضوان الله عليهم - فيما يصنع بهؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإنى أرى أن نأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننى من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل بن أبى طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر ﵁: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبى بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرنى ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله ﷺ : للذى عرض علىَّ أصحابك من أخذ الفداء، قد عرض علىَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٩٧ - ٩٨]. ذكرنا الحديث بطوله لنفاسة هذه المعانى التى تبين روابط الإسلام، وعقائد الدين والرد على وات في نظرته في هذا الموقف.

стр. 493

لقد اجتهد الصحابة فيما هو أجدى فائدة، وأولى عاقبة للإسلام والمسلمين في قضية الأسرى، خاصة وهم يرون المؤمنين في تلك البأساء من الجوع والعرى، فإذا بالوحى ينزل ليصحح لهم الاجتهاد، ويبين الأصوب في هذا الأمر، ولكن مع التهديد الشديد في أن أول موقعة للمسلمين كان الواجب هو الإثخان في الأرض، أي إستئصال شأفة هؤلاء المجرمين، حتى يسير موكب الدعوة آمن مما هو فيه الأن، وأن يلقى الرهبة والفزع والرعب في قلوب غيرهم ليفكروا غير مرة قبل أن يهاجموا المسلمين أو أن يتعرضوا لهم. إن الحياة كما تتقدم بالرجال الأخيار، فإنها تتأخر وتتعفن بالعناصر الخبيثة، وإذا كان من حق الشجرة لكى تنمو أن تُقَلَّم، فمن حق الحياة لكى تصلح أن تنقى من العتاة والمجرمين ولن يقوم عوض أبداً عن هذا الحق ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب. لما سمع المؤمنون هذا الدرس ووعوه وتدبروه، أباح لهم من رحمته الانتفاع بما أخذوا من الفداء، فنزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. كان أخذ الفداء بالتالى حلالاً في أول نزوله، ثم جعل الخيار بعد ذلك لإمام المسلمين بين القتل أو الفداء أو المن عدا قتل الأطفال والنساء فلا يجوز قتلهم إذا لم يكونوا محاربين. قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. (١) وكان فداء الأسير ممن يملك المال هو أربعة آلاف درهم، ومع ذلك من رحمة الإسلام والمسلمين، التى تدل على أن المال لم يكن همهم كما علمهم القرآن الكريم فإنهم كانوا يأخذون من بعض الأسارى ما عندهم، وأطلق الرسول ﷺ من لم يقدر على الفداء.

стр. 494

وكان في الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ فأرسلت قلادة لها كانت أهدتها لها أمها السيدة خديجة رضى الله عنها في زواجها لتفدى بها زوجها، فردوها لها، وأطلقوا لها أسيرها لمكانتها من أبيها سيدنا رسول الله ﷺ . بل كان وارداً أن يطلق سراحهم جميعاً كما قال ﷺ : «لو كان المطعم بن عدى حياً ثم كلمنى في هؤلاء النتن لأطلقتهم له» (١)، وقد ذكرنا هذا الموقف من قبل حيث كان دور الحماية لرسول الله ﷺ عند رجوعه من الطائف، مع موقفه من نقض صحيفة الظلم والقطيعة. وإن نظرة سطحية فقط على هذه التصرفات تبين الفارق الضخم الذى لم يحدث مثله من أحد في تاريخ الإسلام في قتاله للمسلمين، هذا الفارق الذى يدل على عظم الإسلام وكونه من الله تعالى، وعلى صورة المسلمين السمحة وعقيدتهم البهية المنيرة إزاء أعدائهم؛ إن غيرهم من كل الملل لم يتورعوا عن الإبادة الكاملة لكل صغير وكبير، ذكر وأنثى مع التدمير الشامل لكل ما تقع عليه أيديهم مما له علاقة بالإسلام أو بالمسلمين. كم أريقت بحار الدماء الذكية على أيدى حاملى الصليب في حروبهم في بيت المقدس مماحدث من مآس وجرائم هي أعتى الجرائم التى وقعت على مدار التاريخ. وبقى الجزء المنير الآخر في التعامل مع الأسرى، وهو الوصايا من الرسول ﷺ بهم خيراً (٢)، خاصة أن من تبقى منهم لا فداء معه وكان يجيد الكتابة، كان فداؤهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. حكى أبو عزيز - شقيق مصعب بن عمير ﵁، وقد أسر في بدر مع المشركين – أنه

стр. 495

وهو بين رهط من آسريه الأنصار - أنهم كانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوه بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ بالأسرى. حتى ما تقع في يد أحدهم خبزه إلا ناوله إياها فيستحى فيردها على أحدهم، فيردها عليه ما يمسها. (١) تلك أخلاق النبوة والرسالة التى حملت الإسلام إلى الدنيا، فكان فيه سعادة الدنيا والآخرة. الغنائم: ونحن عندما نتكلم عن الأسرى فإن الموضوع الذى ارتبط بها شرعاً وحياً وواقعاً هو موضوع الغنائم، الذى لم يكن لها حكم من قبل، ومن ثم كان عرضة لإختلاف وجهات النظر بين الصحابة الذين حضروا الوقعة، والحديث المروى من جانب كتاب السيرة الذى يبين الحادثة هو حديث عبادة بن الصامت ﵁ إذ يقول: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدراً فالتقى الناس، فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم، يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، فنحن نفينا عنها العدو، وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : «لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، وإشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فقسمها رسول الله ﷺ على بواء بين المسلمين أي - بالتساوى (٢)، أخذ الله تعالى

стр. 496

الأنفال منهم وجعلها لرسوله ﷺ يفرقها بينهم كما نزل به القرآن الكريم، وكما أمر الله تعالى، وما كان منهم إلا أن قالوا سمعنا وأطعنا. وكان تقسيم الغنائم بالصفراء مرجعهم إلى المدينة، وقسم رسول الله ﷺ لتسعة من المؤمنين تخلفوا عن الغزوة بما يعلم ﷺ أنه لولا عذرهم لحضروا وشاركوا، منهم عثمان بن عفان ﵁، كان يقوم على تمريض زوجه رقية بنت رسول الله ﷺ وتوفيت وهم راجعون من بدر فلم يتمكن من الحضور رضى الله عنهم أجمعين. موقعة بدر، القيمة والنتائج: أما قيمة غزوة بدر فقد استحق المقاتلون فيها لقب «بدرى»، فكانوا الطبقة الأولى من الصحابة حيث جاءت أحاديث الرسول ﷺ وسيرته وسيرة خلفائه من بعده لتبين فضلهم في الدنيا، وعلو مقامهم في الجنة، فأما ما ورد من سمو منزلتهم في الجنة ما رواه البخاري في قصة حارثة بن سراقة الذى أصابه سهم طائش يوم بدر، وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منى، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وأن تكن الأخرى ترى ما أصنع. فقال ﷺ : «ويحك - أو هبلت - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس» (١). وتبين قصة حاطب جانباً آخر يضاف إلى الجانب المتقدم، وملخصه أن حاصب بن أبى بلتعة ﵁ قد حضر بدراً، وفي فتح مكة أرسل إلى قريش من يخبرهم خبر غزو الرسول ﷺ لهم ولكونه بدرياً عفا الرسول ﷺ عنه قائلاً لعمر عندما أراد قتله: «لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم» (٢). ولما قال عبد

стр. 497

لحاطب: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، قال رسول الله ﷺ : «كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية» (١). وأما العطاء المادى في الدنيا فكانوا المقدمين فيه، فعندما سجل عمر ﵁ الجند في الدواوين التى أسسها في الدولة الإسلامية كانوا الطبقة الأولى التى تأخذ أعلى العطاء، وها هي دواوين السنة والرجال توشى صفحاتها الأولى بأسمائهم ومناقبهم مكرمين بذلك على مر الدهور والأعصار (٢) مرضيين برضا الله عنهم، ومزدادين رضا بترضى كل من يترضى عنهم إلى يوم القيامة رضى الله عنهم وعن الصحابة أجمعين. وما ذِكْرُنا لهذه القيمة - نحن غير أهل لذلك - إلا لنبين قليلاً مما قدموا بما وفقهم الله له، واختصهم الله تعالى به، ونسوق منا شيئاً ليتدبر المؤمنون اليوم سيرتهم فيثوبوا إلى مجدهم وعزهم، ولينظر المستشرقون إلى تفسيراتهم للوقائع بما يخالف الحقيقة ويجافى الحق ويناقض العقل والمنطق. وأول ذلك: هو رفعهم للعقيدة واستعلاؤهم بها (٣)، فكانت الدافع لهم والمحرك في كل ما يأتون ويذرون، فكانوا مستعلين بها فوق ما يدعى المستشرقون من مصالح مادية أو منافع دنيوية أو غيرها، وإنما رفع الإسلام بالنصر أو الشهادة، إذ كيف يعن أو يقع في تفكير هؤلاء أن يحصلوا في معركة غير متكافئة غير الهزيمة والقتل أو الإعطاء باليد. الثاني: الوفاء بالبيعة مع الرسول ﷺ بيعة العقبة - ولم يمنعهم شروط الوثيقة بأن نصر النبي ﷺ والقتال معه لمن دهم يثرب، بل قالوا لو خضت البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.

стр. 498

الثالث: الطاعة التامة للرسول ﷺ ، فهم جند مطيعون ومضحون مهما كان الثمن ليقينهم بصدق رسالته ﷺ وأن في طاعته العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة. الرابع: إذا كان تقديمهم لعقيدتهم ودينهم على أنفسهم وأموالهم، فمن باب الأولى أن يظهر ذلك مع غيرهم من الأهل والولد فهاهم المهاجرون يواجهون أقاربهم في المعركة، الابن يواجه أباه، والأخ يواجه أخاه، وغيرهم من عصباتهم فلا تمنعهم أواصر القربى ووشائج النسب أن يقتلوهم لمصلحة الدين والعقيدة (١)، وقد كان ذلك واضحاً جلياً كذلك في موقف عمر ﵁ من الأسارى بعد المعركة. الخامس: أنهم الطبقة الأولى التى تحملت قبل أي أحد عبء الصدمة الأولى في الإيمان والعبادة والسلوك والدعوة، والتضحية والبذل ثم الهجرة والجهاد، وضربوا في كل ذلك بأعلى سهم، وأروع مثل. نتائج بدر: عرفت غزوة بدر بتمجيد القرآن العظيم لها بأنها يوم الفرقان، لأنه فرق بها بين الحق والباطل، ولأنها كانت الفارقة بين عهدين من عهود الإسلام وتاريخه، وكان لها الأثر الكبير في إعلاء شأن الإسلام. شُدِه العرب وغيرهم قاطبةً لذلك النصر الحاسم الذى أكرم الله به المؤمنين في بدر، بل إن أهل مكة استنكروا الخبر أول ما جاءهم وحسبوه هذيان مجنون إذ أول من قدم بمكة بمصاب قريش الَحيْسُمان بن عبد الله الخزاعى، فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة

стр. 499

وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البخترى بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان ابن أمية وهو قاعد في الحجر، والله أن يَعْقّل هذا فاسألوه عنى فقالوا: ما فعل صفوان ابن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالساً في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا (١). فلما إستبان صدق الخبر صعق بعضهم حتى كاد يهلك، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدرى ما يفعل. وكذا استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع أسماءهم من بشريات النصر، وذهب بعضهم إلى أنها أخبار من محض الاختلاق، ولم يصدقوا إلا عندما رأوا الأسرى مقرنين في الأصفاد وقد تعددت مسالك الجميع مختلفة في معالجة الموقف أو توفيق الأوضاع أو الإعلان بالعداوة والمجاهرة بما ينم عن الحقد والسخط. فأما أهل مكة فقد منعوا البكاء والنياحة على قتلاهم لئلا يشمت بهم المسلمون، وأمروا بتأخير دفع الفداء لئلا يأرب عليهم المؤمنون فيه (٢)، ثم إنطووا على أنفسهم يداوون جروحهم، ويستعيدون قواهم، ويستعدون لنيل الثأر، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرهاً للإسلام، ونقمة على رسول الله ﷺ وصحبه، ومزيداً من الاضطهاد لمن يدخل في دينه. وبدأ الانتقام والثأر فأرسل صفوان بن أمية عمير بن وهب الجمحى وكان شيطاناً من شياطين قريش لاغتيال الرسول ﷺ بعد أن وعده صفوان بأن يعول أهله مع أهله وأن يتحمل دينه، وكانت حجة عمير في السفر إلى المدينة في هذه المهمة الخسيسة هو ولده الأسير ليحسنوا إليه، خلاصة ما حدث أن أمسك به عمر بن الخطاب ﵁ عند وصوله

стр. 500

لمسجد الرسول ﷺ حاملاً سيفه، وسأله الرسول ﷺ عن سبب مجيئه فتعلل بولده الأسير، فأخبره الرسول ﷺ بوحى السماء بما حدث بينه وبين صفوان بن أمية في الحجر، فأسلم لتوه إذ ما حضر ذلك ثالث، وطلب من الرسول ﷺ الرجوع إلى مكة للدعوة للإسلام بالشدة التى كان يهاجمه بها ويؤذى بها المسلمين. (١) فأما في المدينة حيث المسلمون كثره مكينة ظاهرة، فقد إستعلى المؤمنون فيها على اليهود وبقايا المشركين، وأخذت العداوة للإسلام وأهله منحى الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهراً وقلوبهم تغلى حقداً وكفراً. فأما المشركون فكان زعيمهم عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين حيث قال في رجوع النبي ﷺ والمسلمين منصورين غانمين من بدر: هذا أمر قد توجه - لا مطمع في إزالته - فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا (٢). ومن بين من عرفوا بالنفاق من مشركى المدينة غير ابن أبى! جلاس بن سويد وأخوة الحارث وأوس بن قيظى. ومن بين من عرف بالنفاق من أحبار يهود المدينة: زيد بن اللصيت ورافع بن حريملة ورفاعة بن زيد بن التابوت. وقد أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامه، ومات على النفاق من مات منهم (٣)، على أن هذا الخداع الذى لاذ به هذا الفريق كان في الوقت الذى عالن فيه الفريق الباقى من اليهود بسخطهم على الإسلام ورسوله ﷺ ، ولم يعودوا يسيطرون على مشاعرهم وأقوالهم وأفعالهم بسبب غيظهم من النتيجة التى لم يكونوا يتوقعونها فاندفعوا نحو العدوان، وأظهروا ألمهم للهزيمة التى أصابت قريشاً، حتى إن كعب بن الأشرف من

стр. 501

زعماء يهود أرسل القصائد في رثاء زعماء المشركين وطالب بالثأر لهم، وحاول اليهود في نفس الوقت التحقير من شأن هذا النصر وأن المسلمين لو لاقوا يهوداً لعلموا من المقاتلون حقاً. أكد كل ذلك نيات اليهود في نكث عهودهم مع رسول الله ﷺ والاستعداد لمجابهة المسلمين، مما مهد للأحداث العنيفة التى وقعت بعد ودفع فيها اليهود ثمن غدرهم ونقضهم للعهد غالياً أفراداً وجماعات حيث بدأ ذلك بإجلاء بنى قينقاع من المدينة لما ابتدأوا هم السير في هذا الطريق العفن، طريق المؤامرات والعدوان وتمزيق العهود (١). بقى موقف الأعراب الضاربين حول المدينة، وهؤلاء قوم لا يهمهم شيء من قضايا الإيمان والكفر، إذ همهم الحصول على قوتهم ولو بالسلب والنهب وقطع الطريق، لقد أقض ذلك النصر مضجعهم فحشدوا جموعهم لانتهاز فرصة للإغارة على المدينة، وقد سبق لهم استياق نعم المدينة، نهض الرسول ﷺ سريعاً فشتت هذه الجموع، ولم يلق في سبيل ذلك متاعب ذات بال. (٢) أتينا إلى نهاية ما إستطعنا تفصيله من غزوة بدر مما ورد في السيرة المشرفة، وكان ينبغى أن نلم بطرف من الحكم والأحكام في نهايتها، ولكن آثر الباحث أن يكون ذلك بعد عرض منهجه في السيرة من القرآن الكريم مع المقارنة والتحليل، ثم نسوق كلام المستشرقين ونخص منهم وات بالذات لنرد عليه.

стр. 502

المبحث الثالث غزوة بدر في القرآن الكريم جاءت سورة الأنفال لتحكى لنا سيرة غزوة بدر بما يليق بالقصص القرآنى في سرد الأحداث، إذ يوضح المفيد اللازم لكل بشر من الحادثة، ويعلق عليها بما هو المقصود من القصص أهدافه وغاياته، ويشرح الحكم والمواعظ والعبر، ويذكر الاوامر والنواهى للامتثال للشرع وفي الغالب يزيد عما حدث شرحاً وتفصيلاً يكون زاداً وتحذيراً وتنبيهاً أو وصايا لما هو آت، حتى استكمل القرآن الكريم بهذا النهج المصور لسيرة النبي ﷺ وأصحابه، ما كان وما يكون، مع مراعاة أحوال الامم السالفة في ذكر ذلك القصص لتلمس مواضع العبر تخويفاً واتقاء، مصوغاً كل ذلك في أعلى درجات البلاغة واللغة، التى تشى بأن الصياغة بهذه الطريقة السامقة إنما هي أيضاً من مطلوبات القرآن الكريم في عرض السيرة لأغراض لا شك سامية مما يستدعى مراعاة ذلك الدرس البلاغى وغيره في فهم صياغة السيرة وسردها، وأنه ما كان كذلك إلا لسمو هدفه في ايصال وفهم وتعلم السيرة القرآنية بهذه التراكيب، والصياغات والاساليب، وأفانين الكلام. لذلك كان التعريج على هذا الدرس من مهمات هذا البحث إظهاراً (لما يمكن من جوانبه) كافة تعميقاً لفهم القرآن ومعرفة جماله وجلاله الباعث على محبته والقيام بحقه والرد على أعدائه، لم يكن عرض السيرة بليغاً بهذه الجماليات لكون ذلك أسلوب القرآن الكريم المعتاد، بل كان لكل مقام مقال.

стр. 503

ولا ننس أن ننوه بوظيفة المؤرخ كما ذكر وات، حيث لا تنحصر في السرد بقدر فهم البواعث والأهداف من وراء ما يقع من أحداث، ذلك ما بلغ القرآن الكريم فيه درجة غير مسبوقة تتوافق وأهداف الإسلام ووسائله، ومعرفة النفس الانسانية ودوافعها وتبيين ما يعتمل فيها وما تقصد إليه تصويراً لذلك وتصحيحاً وتقويماً للمطلوب فيه. ونأتى لسورة الأنفال لنحلل منها ما نستطيع من السيرة مع المقارنة والنظر في جمالياتها. إن أول ما يصادفنا أن سورة الأنفال تحدثت عن غزوة بدر من آخرها، فلم تسرد الأحداث بما بدأت به في واقع الأمر، فبدأت بالحديث عن الغنائم والأنفال، وهو في نهاية الموقعة، وواضح أنها خصت الغنائم بالذات من بين الأحداث الأخيرة في الوقعة ويبدو أن ذلك كان موضوع الساعة إذن بل وكل ساعة، فيه تتحدد وجهة الغزو، وأهداف الجهاد وما ينبغى أن يكون نصب عين المجاهدين والمؤمنين من مقصود ذلك ووسائله النفسية والمادية في الدنيا والآخرة كما سنوضح شيئاً من ذلك. أخذ الحديث وجهات عدة نشير إليها تبين ما سبق: الأول: في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، ومعناه أن هناك نصراً قد تحقق، وحصل بسببه غنائم اختلف الصحابة في توزيعها، وسألوا الرسول ﷺ فيها لعدم علمهم بما ينبغى أن يقسموها به، وأنهم حاوروا الرسول ﷺ تصريحاً، ومنهم من يجادل غيره بما يدل على طلب الفهم في هذا الشأن، والتعبير بالمضارع ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، دل على تكرار السؤال المرة بعد الأخرى من سائلين متعددين، وإما بكثرة السائلين في الموقف الواحد، وجاء السؤال معدى ب ﴿عَنِ﴾، ليدل على طلب المعرفة)، وهذا يدلنا على تأكيد ما حدث في السيرة النبوية، ثم جاء القرآن الكريم بعد ذلك التنازع الذى ذكرته السيرة ليوضح المقصود والمطلوب

стр. 504

والغايات والبواعث إلى آخر ما ذكرنا آنفاً فجاء القاطع القرآنى بقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أي لله تعالى ملكاً واختصاصاً على جعل اللام هنا للملك أو للاختصاص، فهى ملكه ويختص بالقضاء فيها هو جل وعلا فيحكم بما يشاء ويصرفها كيف يشاء، ومعرفة ذلك والقيام به لرسوله ﷺ المبلغ عنه فهى لرسوله ﷺ من هذه الوجهة. ومما ذكرته السيرة ووضحته جملة: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، الايذان بأن ثم تنازعاً قد حدث بين ناس من الجيش في استحقاق الغنائم، وقد كانت لهم عوائد في الجاهلية متبعة في الغنائم والأنفال أرادوا العمل بها وتخالفوا في شأنها والذين سألوا كانوا معروفين، لأن ضمير جمع الغائب في ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾، معلوم عند النبي ﷺ وعند السامعين ساعة عند نزول الآية. الثاني: المنحى الثاني الذى بينته الآيات لتوضح به ما يجب أن تكون عليه سيرة المؤمنين في هذا الموقف خاصة، وكل المواقف بعد ذلك هو تقوى الله ، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله ﷺ ، وختم هذا المنحى بصيغة الإلهاب لنفوسهم على الامتثال، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وذلك ليس تشكيكاً في إيمانهم، بل لأنهم مؤمنون خاطبهم بذلك، لأنه لا يؤمر بذلك غير المؤمنين. (١) وهذا معناه أن المؤمنين همهم الأول هو تقوى الله وأولها في هذا الموقف صلاح ذات البين، وطاعة الرسول ﷺ ، ليس همهم الغنائم وقسمتها، ومن يحوزها أو يحرمها، وهي التربية القرآنية الأولى للمؤمنين بأن تكون وجهتهم تقوى الله وطاعة رسوله والاستسلام لأوامره والاجتناب لنواهيه، مع قولهم سمعنا وأطعنا وهو الشق الأول الذى يقوم به الإسلام والشق الثاني هو تآلف القلوب وصلاح ذات البين والاجتماع والاتفاق على كلمة لا شقاق فيها ولا تصدع لها، بأن يكونوا يداً واحدة على من سواهم، متكافلين متوادين

стр. 505

متراحمين كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ليسوا من مغريات الدنيا في شيء، وإن كانت الغنائم عندهم من مظاهر طلب الآخرة حيث يشير إلى هذا الرأى الأستاذ سيد قطب ﵀ فيقول: «ولقد يدهش الانسان حين يرى أهل بدر يتكلمون في الغنائم، وهم إما من المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شيء، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم، لا يلوون على شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا، وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين، وشاركوهم ديارهم وأموالهم، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها. لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن البلاء في المعركة، وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء، وكان الناس يومئذ حريصين على هذه الشهادة من الرسول ﷺ ومن الله في أول وقعة يشفى فيها صدورهم من المشركين، ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه المتكلمون في الأنفال، حتى ذكرهم الله به، وردهم إليه، ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر». (١) إذن لم يكن من سبب كائناً ما كان ليغطى أو يمنع على الركن الركين من قيام الإسلام، وهو الأخوة الإيمانية التى علمها لهم القرآن الكريم تعليماً واقعياً بنزع الأنفال منهم إلى الله ورسوله ﷺ ، وهتف بهم بهاتف التقوى ليكون لاماً لشملهم مصلحاً لجمعهم وذات بينهم، ليبقى سبب النصر هو القائم الباقى، سبب الفوز في الأولى والآخرة لأنه بغيره كما ذكرت السورة بعد سيكون إخفاقهم، ويعودون بالانكسار والهزيمة قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ومن ثم جاء الأمر بالتقوى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١]، مفرعاً على جملة: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، لأن في تلك الجملة رفعاً للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال وإن

стр. 506

كل ذلك موكول إلى الله وذكرهم حينئذ بأنه قد وجب الرضا بما يقسمه الرسول ﷺ . وقدم الأمر بالتقوى لأنها جامع الطاعات. وعطف الأمر بالاصلاح لما حدث من اختلاف، أما الأمر بالطاعة هنا، فهى كما في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، أي الأمر بالطاعة التامة التى يقتضيها الإيمان الذى يحثهم على ذلك ويظهر الانقياد حقيقة وقوة هذا الإيمان: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. الثالث: إن المنحى الثالث الذى أكدته الآيات منحى صفات المؤمنين حقاً لتبين لهم سيرتهم الصحيحة، فيزدادوا منها أو يثبتوا عليها، ومن تأخر عن تمامها شيئاً ما كانت مجاهدته لنفسه على اللحاق بها والتمثل بتفاصيلها فبعد أن عاش المؤمنون هذه الأحداث، لا شك أسرعوا في إصلاح ذات بينهم، وتصافت أرواحهم، وتسامحت نفوسهم وعادوا لا يحركهم، ولا ينبغى إلا تقوى الله وطاعة رسوله ﷺ وتألف صفهم وترابط جمعهم، وعلموا الهدف الذى يجب أن يسعوا إليه هو ما وصاهم به وتنزلت بسببه تلك السورة لزوم التحقق بأعلى وأهم صفات المؤمنين، لأن كل أعمالهم من جهاد فما دونه إنما هو وسيلة لأن يكونوا مؤمنين حق الإيمان، باذلين أرواحهم ليكون غيرهم لاحقاً بهم، حتى تصبح الأرض كلها الأرض الطيبة الصالحة بإيمان أهلها، التى في نفس الوقت تكون متعبدة بأحسن التعبد موحدة أعلى التوحيد لله رب العالمين، الذى اكرمهم بذلك كله وشرفهم به، واصطفاهم لحمله من دون العالمين. جاءت الجمل القرآنية الكريمة متتابعة تبين صفات المؤمنين، وكأنها تقول ليس المؤمنون الذى يسمعون كلام الله ولا يرعوون ولا يستجيبون له، ولا يسارعون إلى مرضاته بل هم أعلى وأجل إذ يسمعون كلام الله فترتعش قلوبهم ويظهر ذلك في انهمال عيونهم،

стр. 507

وقشعريرة أبدانهم، يرتجفون لذكره فيمتثلون أمره ويجتنبون نهيه، ويتعجلون إلى مرضاته، وليس هم الذين يسألون ويتكلمون في الأنفال، بل هم المنفقون في السراء والضراء، لا ينتظرون أخذاً إنما يسارعون إعطاء، الذين يخرجون من الاعمال الصالحة وقد ازدادوا إيماناً فربط على قلوبهم، وأخذهم هذا الإيمان الزائد إلى مواقع الحق والصواب؛ لا يخرجون من الاعمال الصالحة إلى الدنيا وقد خف إيمانهم فيتنازعون عليها. وهم في كل ذلك متوكلون على الله، محافظون على صلواتهم راكنون إلى ربهم، ينظرون جزاءهم وحسن عاقبتهم فيسارعون إلى ذلك الخير الدائم، وهم مع ذلك ملازمون لطلب المغفرة في كل حين لأنهم لن يوفوا حق نعمة من نعم الله عليهم أو يقوموا بكل ما جاءهم به ﷺ وإن الرسول ﵊ لهو قدوتهم السائر بهم إلى ربهم المرشد لهم إلى أسباب سعادتهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. هؤلاء هم المؤمنون حقاً أي هؤلاء لا غيرهم هم المؤمنون حق الإيمان، وهذه الجملة وما عطف عليها إما أن تكون مستأنفة وإما تعليلية فإن كانت مستأنفة فهى مستأنفةاستئنافاً بيانياً مسوقة لمن أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة جواباً، لسائل يثيره هذا الاشتراط في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]. بعدما تحقق أنهم مؤمنون من قبل فيقول من هم هؤلاء المؤمنون فيجاب بأن المؤمنين هم الذين صفتهم كيت وكيت، فيعلم أن الإيمان الذى جعل شرطاً في الامتثال هو الإيمان الكامل فتنبعث نفوسهم إلى الاتسام به والتباعد عن موانع زيادته.

стр. 508

وإما أن تكون: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وما عطف عليها واقعة موقع التعليل لوجوب الأوامر الثلاثة المتقدمة وهي تقوى الله واصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله، لأن ما تضمنته هذه الجمل التى بعد ﴿إِنَّمَا﴾، من شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما سبق في الجمل. وإذ قدر كان الاحتمالان غير متنافيين صح تحميل الآية عليهما توفيراً لمعانى الكلام المعجز فإن علة الشيء مما يسأل عنه، وإن بيان العلة مما يصح أن يكون استئنافاً بيانياً. (١) ونسوق توضيحاً مختصراً لتلك الصفات، يليق بالباعث التاريخى للأحداث وهو شغل المؤرخ، لا لتفسير القرآن الكريم، ليكون المرء على ذُكر منه لأنه سوف تتكرر معنا هذه المعانى والأوصاف في كل السباقات القرآنية للسيرة النبوية، مع زيادات في كل مرة تُستكمل بها جوانب الشخصية المسلمة، وفي نفس الوقت تظهر لنا الآثار السيئة في بعض أخبار السيرة لعدم تمسك المسلمين على المستوى الفردى أو الجماعى بتلك الخصائص والصفات، كما جاء في غزوة أحد في سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢]، إذ هي من الصفات التى وصى بها وحذر من المآل السيء لمخالفتها مبكراً بعد غزوة بدر، وفي نفس السياق يتضح لنا الرد على (وات) والمستشرقين من قبله فيما يتعلق بمنهجهم التاريخى في عرض السيرة. نعود إلى شرح معانى تلك الصفات وعلاقتها بالاحداث .. الوصف الأول: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]،

стр. 509

والمعنى ليس المؤمنون الكامل إيمانهم إلا أصحاب هذه الصفة التى يعرف المتصف بها تحققها فيه من عدمه من عَرْض نفسه على حقيقتها، فأحيلوا في معرفة أمارات تخلقهم بالإيمان على تلك الصفات التى يأنسونها من أنفسهم والذكر يطلق حقيقة على التلفظ باللسان فإذا علق بالذات كذكر الله أريد ذكر اسمه، أو شأن من شؤونه مثل أمره ونهيه فيجل القلب أي يخاف مع الفزع لاستعظام الموجول منه، وأسند ذلك إلى القلب في كلام العرب لأن القلب يكثر إطلاقه على إحساس الإنسان وقرارة إدراكه، وقد أجملت الآية ذكر الله إجمالاً بديعاً يناسب معنى الوجل، ليكون ذكر الله إذا جاء باسمه أو بذكر عقابه أو عظمته أو ثوابه ورحمته كل ذلك وغيره يورث القلب لكُمل المؤمنين الوجل؛ لأنه يحصل مع هذا الذكر استحضار جلال الله وشدة بأسه وسعة ثوابه، لنعلم الباعث التاريخى الذى اخترعه المستشرقون وات لتلك الأحداث، وهو أنه إذا تذكر ذلك ينبعث عن هذا الاستحضار توقع حلول بأسه، وتوقع انقطاع بعض ثوابه ورحمته، فهو وجل هو الباعث للمؤمن على الاستكثار من الخير، وتوقى ما لا يُرضى الله تعالى، وملاحظة الوقوف عند حدود الله في أمره نهيه، وحال آخر يحصل للمؤمن يبين وجهته وإخلاصه وتربيته الحقة على مائدة القرآن الكريم، على يد الرسول ﷺ وهو الأمل والطمع في ثواب الله، وقد طوى ذكره هنا لاستلزام الوجل إياه؛ لأنه من الوجل أن يخشى وَيجِل من فوات الثواب أو نقصانه. ثم جاءت الصفة الثانية .. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. ولا شك أن ارتباط هذه الصفة بما قبلها ارتباط وثيق، في غاية السلاسة، فإذا كان ذكره سبحانه تجل القلوب به، وهو أنواع كما ذكرنا فيدفعها إلى تلك الأحوال الحسنة فإن أعظم ذكره تلاوة آياته وسماعها الذى يحوى ذلك كل أسباب الوجل فيكون تأثيره أعم وأقوى

стр. 510

فيبادر المرء إلى التحقق عند سماع آياته بكل معانى الوجل، التى تزيد بلا مراء إيمانه، وتقوى يقينه، وتعلو حينئذ درجته، وكأن الآية من ناحية داعية إلى الأخذ بأسباب زيادة الإيمان وقوته الذى هو مصدر كل خير، وأن أي أسباب تدعو إلى خلاف ذلك مما يضعف به الإيمان ويقل ويجب الحذر منه وتركه، وقصة الأنفال وغزوة بدر وبقية الأحداث أول ذلك، والدليل عليه، ومن ناحية أخرى يكون ذلك توجيهاً جديداً للمؤمنين، يوضح لهم صفات الكمل من المؤمنين ليصير ذلك ثابتاً لا تزحزح له، زائداً فيما يستقبلون به دعوتهم، وزاداً يتقوون به في سيرتهم. أما كيفية تأثير التلاوة في زيادة الإيمان، فأن دقائق الإعجاز التى تحتوى عليها آيات القرآن تزيد كل آية تتنزل منها أو تتكرر على الاسماع سامعها يقيناً بأنها من عند الله، فتزيده استدلالاً يُقوى الإيمان حتى يقرب من مرتبة الضرورة، ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال عليها بَشراشِر القلوب، ثم في العمل بما تتضمنه من أمر أو نهى، حتى يحصل كمال التقوى، فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زياد في عوارض الإيمان من قوة اليقين، وتكثير الأعمال. (١) أما ما يتعلق بالمقام من الكلام على الأنفال وعلاقته بتلك الزيادة، وحظه منها، فهو أن سماع الآيات النازلة في هذا الشأن تزيد إيمان المؤمنين بنبذ الشقاق والاختلاف بما ارتفع من ايمانهم بتلك الآيات، ورفع التشاجر الطارىء بسبب الأموال فإن صفات المؤمنين وتحققها والمسارعة إلى تلاوة الآيات والعمل بها، وأن زيادة الإيمان وأهميته لهو مطلوبهم الاسمى الذى بسببه يعرضون عن غيره ويلقونه وراء ظهورهم، ويستقبلون جميعاً أمراً آخر هو

стр. 511

الأهم والأولى عندهم، وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر الأنفال، وتعقيبه بالتقوى واصلاح ذات البين والطاعة، وتعليل ذلك بأن شأن المؤمنين هو إقبالهم على زيادة إيمانهم عند تلاوة آيات الله تعالى، وتلك هي التربية القرآنية التى أخذهم بها، وعلمهم فيها الأهم والمهم، والذى لا قيمة له، وأسباب النصر وضرائب التمكين، فما انتصروا بعد ذلك إلا بما تحقق فيهم من هذه الصفات. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وإن من أهم مقامات الدين التوكل على الله .. وهي صفة ثالثة لـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾، أو حال منه، وجعلت فعلاً مضارعاً للدلالة على تجدد وتكرر ذلك منهم، في كل حين لا يفارقهم التوكل على الله حال دعوتهم وانفالهم وجهادهم وسائر شؤونهم؛ لأن كفايتهم بالله لا بالدنيا وأموالهم، وركونهم وتعلقهم بالله وما عنده لا بالزائل الفانى ولذلك فهو حسبهم كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ومناسبة التوكل بالذات للغرض، وهو ذكر الأنفال أن المؤمنين كما تعلموا أن يكون مقصدهم رضا ربهم وطاعته لا شيء غيره من أمور الدنيا وحظوظ النفس، فهم هنا ليتعلموا وليتربوا على أن التوكل على الله على لا الأنفال والغنائم وغيرها وهو المطلوب، وأن الاعتماد على شيء من ذلك ينافى هذا التوكل فلا يعتمد المرء على ماله ولا قوته ولا حسبه ولا نسبه ولا عقله، ولا جاهه وسلطانه، ولا على خلق يقومون بشيء له من ذلك: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]. ومن ثم كان تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، للاهتمام باسم الله تعالى وذكر الربوبية المضاف إلى ضميرهم لاظهار شرف ذلك، المحب لعباده عليه يكون تمام التوكل وفي الآية تعريض بالمشركين الذين يتوكلون على أصنامهم: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ

стр. 512

دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾ [مريم: ٨١]، ومن ثم كانت مدحاً للمؤمنين وتحذيراً لهم أن يبقى شيء في قلوبهم من آثار التعلق بما نهوا عنه، لتوهم البعض أنهم إذا فوتوه فقد أضاعوا خيراً من الدنيا. ومناسبة التوكل مع قضية الأنفال أنهم أمروا بالتخلى عن الأنفال، والرضا بقسمة رسول الله ﷺ فمن كان حرم، فلا يحزنه ولا يفت في عضده، وليستصغر ذلك أمام توكله على الله، والذى سيعوضه أفضل منه وأعظم. (١) إن الصور التى جاءت بها السير بعد ذلك للصحابة ومن تبعهم بإحسان لتؤكد أشد التأكيد على هذا الوصف، وتحققهم به، حيث كانوا يواجهون أعداءهم بقلة العدد والعدة والزاد والخروج إلى عدوهم وما كانوا ينكثون أو يتراجعون رائدهم في ذلك التوكل على الله تعالى، ولا أظن أن التاريخ سجل لهم موقعة صغيرة أو كبيرة كانوا فيها أكثر عدداً أو أوفر عدة وزاداً. من مواجيههم. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنفال: ٣]. وصفهم هنا بالمحافظة على ركنى الإيمان الأهمين الصلاة والزكاة، وهو مدح منفصل عن السابق؛ لأن اعادة الموصول هنا للدلالة على الانتقال في وصفهم إلى غرض آخر غير الذى جيء بالموصول الأول لأجله (٢)، وكأن إقامة الصلاة والإنفاق مما يمدح به كل أحد، وهو لهؤلاء مما يزدادون به مدحاً عن غيرهم لتقدمهم في صفات الإيمان وعلوها. جمعت هذه الممادح والأوصاف الحسنة مكارم الاعمال القلبية الباطنة من الخشية

стр. 513

والإخلاص والتوكل، ومحاسن الأعمال القالبية الظاهرة من الصلاة والصدقة (١)، فلا جرم كانوا أحرياء بأن يكونوا هم المؤمنين حقاً. كما ختمت الآيات بذلك، لتشتد في التأكيد على صفات المؤمنين؛ التى ينبغى ألا يفرطوا فيها ظاهراً أوباطناً، سراً وعلانية، ببيان ثوابهم عند الله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]. لا شك كان ذلك كله العون والمدد على تحقيق أهداف الرسالة، وإعادة صياغة هؤلاء المؤمنين، وتنبيهاً على ما يجب أن يكون، وتحذيراً من مخالفته فيما سيكون، ثم بدأ القرآن الكريم بعد هذا النمهيد الضخم، في قص سيرة بدر، موزعاً في تضاعيفها ذلك التمهيد الضخم بما يتناسب مع كل مشهد منها في سياقات بصياغات جديدة غير متكررة من الفهم والشحن والاصلاح والاعداد، ونبدأ في أول المشاهد التى قصها القرآن وهي قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٦]. وبالتأمل في هذه الآيات نرى إجمالاً هذه الامور: ١ - أن الله سبحانه هو الذى أخرج النبي ﷺ من بيته من المدينة، أو من المدينة محاطاً متلبساً بالحق في هذا الخروج، فلم يكن ليأمر ربه ليخرج بغير حق، لنعلم أن العير أو النفير التى أخرج النبي ﷺ لملاقاتها كان محقاً تمام الحق في ذلك ولو كره المستشرقون الذين ذكروا باطلهم بأن خروجه لقطع الطرق وغيرها من قبيح الأوصاف المخالفة للواقع. ٢ - أن فريقاً من المؤمنين كرهوا الخروج لملاقاة جيش قريش (النفير)، لنفرة الطباع عن القتال أو لعدم الاستعداد لملاقاة الكفار، وهذا عن الصحابة بعد البذل

стр. 514

والتضحية منهم يدل على أنه ليس داخلاً تحت الاختيار؛ فلا ينتقص من منصبهم وقدرهم، لأنهم هم الذين واصلوا إلى النهاية حتى نصرهم الله تعالى. ٣ - ذكرت الآيات كذلك جدالاً من هؤلاء الكارهين للقتال والذى سماه المولى : ﴿الْحَقَّ﴾، فمتى علموا أنه الحق أي الخروج لملاقاة النفير؟ لا شك قد بين لهم الرسول ﷺ بأن الحق في ملاقاتهم للنفير وبأنهم سينصرون. ٤ - ما زالت النوازع الانسانية في مثل هذا الحال الذى لا يظن، بل لا يتخيل معه النصر لأنهم لم يتخذوا أسبابه تهتف بهم أن ذلك ليس إلا سوقاً إلى الموت. ونحلل ما ذكرنا من الآيات الكريمات، فنجد .. أن الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾، للتشبيه وهو تشبيه حال بحال متصل بما قبله، وهو بتقدير مبتدأ محذوف هو اسم إشارة لما قبله تقديره: هذا حال بحال ما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ووجه الشبه هو كراهية المؤمنين في باديء الأمر لما هو خير لهم في الواقع (١)، سواء الأنفال أو ملاقاة النفير. والمعنى أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمراً موافقاً للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج. وقد أشار هذا الكلام إلى خروج النبي ﷺ موضحاً السبب، وهو أن أبا سفيان بن حرب قد عاد من الشام بعير قريش وفيها أموال عظيمة ندب النبي ﷺ المسلمين إلى الخروج إليها، لعل الله أن ينفلها إياهم تعويضاً بشيء مما سلبه المشركون من أموال المسلمين

стр. 515

ودورهم وأراضيهم، وإعاقه وحصاراً للمشركين عن الاستمرار في اعتداءاتهم على المسلمين ومع أن أبا سفيان قد سلك الساحل ونجا فإن جيش الكفار بقيادة أبى جهل أبى إلا الاستمرار في المسير لملاقاة رسول الله ﷺ بعنجهية وغطرسة ذكرتها السيرة، وما كان رسول الله ﷺ ليتراجع حينئذ أمام جيش الكفار، إن ذلك وحده هزيمة وإعلاء لراية الكفر وفيه ما فيه من تجرؤ كل أحد على المسلمين، إذ كانت القبائل تنتظر ما هي قريش فاعلة مع النبي ﷺ ، كان متساوقاً مع السياق أن يكون الخروج إليهم هو الحق كما ذكر الله تعالى، خاصة إذا وعدهم النصر، لذلك كان التعجيب من موقف الكراهة هذا لأن تأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلة المنكر؛ لأن وقوع ذلك مما شأنه ألا يقع، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول ﷺ ، أو التفويض إليه، وما كان ينبغى لهم أن يكرهوا لقاء العدو، فكان تأكيد الخبر كناية من التعجيب بخبرهم (١)، وهذا أحد الدروس المستفادة التى ألقاها القرآن الكريم على أسماع المؤمنين، كيف يقابلون أوامر الرسول وما يحبه وما يشير به مما نزل به قرآن، أو لم ينزل اكتفاء برأيه ﷺ المؤيد من عند الله تعالى، ليسارعوا إليه ويعجلوا إلى تنفيذه، وسنذكر الإشارة القرآنية بعد قليل في ذلك إن شاء الله تعالى. أما قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٦]، إما جملة مستأنفة، أو هي حال ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك، أو هي حال من الضمير في قوله: ﴿لَكَارِهُونَ﴾، وصيغة المضارع لحكاية الحال كما لو كان حاضراً لزيادة التعجيب منها كما في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ولم يقل جادلنا خرجوا إذن والطريق طويل والجدال متجدد متكرر يعجب منه السامع، خاصة بعدما تبين لهم الحق كما ذكرنا باعلام النبي أنهم ينصرون، وهم ما زالوا يقولون هلا ذكرت لنا النفير والقتال حتى نتأهب ونستعد لذا جاء قوله تعالى: ﴿بَعْدَ

стр. 516

مَاتَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، كأنه لوم لهم على المجادلة في هذا الخروج للنفير وترك العير والمتفحص يجد سبب اللوم أن الرسول ﷺ قد أخبرهم بوعد الله لهم بالعير أو بالنصر على النفير فها قد مضت العير وأفلتت وجاء النفير، فهذا الحق بين بذاته إذا سواء شعر به كلهم أو بعضهم بأنهم منتصرون لا محالة؛ بحيث لا ينبغى الاختلاف فيه، فقد كانوا عرباً أذكياء، وكانوا مؤمنين أصفياء، ورأوا كراهة النبي ﷺ لما اختاروا العير، فكان ذلك كافياً في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم بلا أدنى ريب. ولم يترك القرآن الكريم تصوير حالهم، وهم سائرون إلى القتال بغير أهبة يظنونه الموت الذى تتخيله النفوس ببشاعة وكرب فتكرهه فشبه حالهم في قوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦]، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى الموت: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦]، أي إلى الموت المساقين إليه، لأن حالة الخوف من الشيء المسوق إليه تكون أشد عندما يكون منظوراً فما الظن بالموت. (١) ويأتى الأن مكان الاشارة التى أرجأناها، وهي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فبعد أن انتهت المعركة، وتبين لهم الحق على أرض الواقع وانتصروا، جاء خطاب الله لهم بأنه ما دعاهم للموت حين دعاهم للخروج بل دعاهم للعكس دعاهم لما فيه حياتهم في الأولى والآخرة، إذ من طبيعة الاستجابة لله تعالى، ولرسوله ﷺ وعاقبتها الحياةُ الحسنى، وإن استشهدوا فيها فقد حصلوا أحدى الحسنيين أو أجلهما وأعظمهما: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وليكن شعارهم بعد أن رأوا النتيجة رأى العين هو الحياة في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة الحقة، وبكل معانى الحياة

стр. 517

الحقة لأنها من الله ورسوله ﷺ . ما زال القرآن الكريم يقص علينا مشهد الخروج إلى غزوة بدر، لنرى أمر الله تعالى وشأنه وتدبيره هو المحيط بالمؤمنين وبكل شيء من أوله إلى يوم يلقونه، وليروا ترتيب الله تعالى وإرادته الذى لا ترتيب مثله، ولا راد لإرادته، وأنهم مهما حاولوا أن يمهدوا ويوطدوا ويرتبوا لأنفسهم ما فعل من ترتيبه مثقال ذرة، ولو اطلعوا على الغيب لما اختاروا غيره، وقد نطق واقع النصر بخلاف ما ذهبوا إليه وتشوفوا له ورنت إليه قلوبهم وأبصارهم، جاءت الآيتان التاليتان ليؤكدا ويوضحا السابق، ثم يتحدد هدف المعركة الذى قصد إليه الشارع الحكيم فيقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧ - ٨]. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧]، وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما بهم مما ذكر عن بعضهم، يبين أنه وعدهم إحدى الجماعتين من المشركين العير أو النفير، و ﴿وَإِذْ﴾، منصوب على المفعولية بمضمر إن كان متصرفاً أو ظرف لمفعول ذلك الفعل يعنى واذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتيين والتذكير بهذا الوقت تذكير بما وقع فيه من الحوادث بتفاصليها وذكر بالمضارع ليكون حاضراً مفصلاً كأنه مشاهد عياناً (١)، نذكرهم فيه بعدم ظنهم النصر، وأنهم كذا وكذا مما ذكرنا فكيف بكم الآن من بديع أحكام الله تعالى وتقديره. وقد وعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة بكم تتصرفون فيها كيف شئتم،

стр. 518

وتحبون أن تكون لكم العير، الطائفة التى لا شوكة فيها، أي لا بأس لها، ترى ماذا لو تحقق لكم ذلك أكان أولى، أم ما أراده الله وتعلقت به مشيئته هو الأولى الذى ظهرت لكم علله وحكمه (١). وهذه العلل وهي أهداف المعركة الرئيسية: ١ - أن الله يريد أن يحق الحق بكلماته. ٢ - أن يقطع دابر الكافرين. ٣ - أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. وننقل كلاماً عن سيد قطب لنفاسته فيقول ﵀ ما حاصله لقد أراد الله تعالى - وله الفضل والمنة - أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر الكافرين فيقتل منهم من يقتل ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم وتعلو راية الإسلام وكلمته، ويمكن الله تعالى للعصبة المؤمنة التى تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله تعالى في الأرض، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف بالجهد والجهاد وتكاليفه معاناتها في عالم الواقع في ميدان القتال. لقد أراد الله تعالى للجماعة المسلمة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة لها قوتها وسلطانها، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد والعدة، وليس بالمال والخيل والزاد إنما هو بمقدار ما تحصل بإيمانها من قوة الله تعالى التى لا تقف لها قوة، وأن يحدث ذلك في الواقع الشاهد لا يكون

стр. 519

مجرد تصور قلبى واعتقادى لتتزود منه الأمة المسلمة الزاد المقنع الذى لا شك فيه لواقعها ومستقبلها .... إلى أن يقول: ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك ما تهزم وتغلب خصومها وأعداءها مهما تكن من القلة والعدة المادية ومهما كان أعداؤها بالكثرة والاستعداد والعتاد، ما كانت هذه الحقائق لتستقر كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوى الطغيان. وينظر الناظر اليوم وبعد اليوم ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته الجماعة المؤمنة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها، بين ما حسبته خيراً لها وبين ما قدره الله لها من الخير، وكم يخطيء الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أن يختاروا لأنفسهم خيراً مما اختاره الله لهم، وحين يتضررون مما يريده الله لهم مما قد يعرضهم لبعض الخطر أو يصيبهم بشيء من الأذى بينما يكمن وراءه الخير الذى لا يخطر لهم ببال ولا بخيال. وهذا كفيل بالرد على كل كلام أثاره المرجفون المبشرون من المستشرقين وغير المبشرين منهم على غزوات الرسول جميعاً فضلاً عن سيرته العطرة، إننا نسبق الكلام لنقول ذلك لأنه لن يبقى بعد ذلك مجال للرد على وات. ونستأنف كلاماً أخيراً في هذه الجزئية لسيد قطب حيث يقول: فأين ما أرادته العصبة المسلمة مما أراده الله لها .. ؟ لقد كانت تمضى - لو كانت لهم غير ذات الشوكة - قصة غنيمة. قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها! فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل. قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد والحق في قلة من العدد وضعف في الزاد والراحلة. قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتى. بل قصة انتصار حفنة من القلوب الثابتة المستعلية على الواقع المادى، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها، قد انتصرت

стр. 520

على نفسها، وخاضت المعركة، والكفة راجحة رجحاناً ظاهراً في جانب الباطل، فقلبت بيقينها ميزان الظاهر، فإذا الحق ظاهر غالب (١). ونعود إلى تكملة تحليل الآية، حيث ذكرت أهداف المعركة الثلاثة من الوجهة القرآنية، التى تدل بإشارتها إلى معان أخر تحملها تلك الأهداف: أول أهداف المعركة: هو أن الله تعالى يريد أن يحق الحق بكلماته، يعنى تعلقت إرادة الله هنا بتثبيت الحق وتدعيمه وشد أساساته وأركانه، فلا يتزعزع ولا ينكسر، بل يقوى ويستقر والحق هنا هو دين الحق أي الإسلام، وقد أطلق عليه الحق في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وإن إحقاق الحق باستئصال معانديه، أنتم تريدون نفعاً عاجلاً قليلاً، وأراد الله نفعاً عظيماً في العاجل والآجل، وذلك كله بكلماته، بسبب كلماته، مثل آيات القرآن النازلة في قتال الكفار، وما أمر به الملائكة من نصرة المسلمين يوم بدر وغير ذلك مما هيأ به للمعركة سبحانه شرعاً وقدراً، وكلماته لا تتخلف كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]. الهدف الثاني: هو قطع دابر الكافرين، وهو إزالتهم حتى لا يبقى في مؤخرتهم أحد من ورائهم وإن ذلك لتخضيد لشوكتهم، وإظهار أمر المسلمين ورفع شأن الإسلام، وما يكون فيه المسلمون من أمن واطمئنان بال، وإن حرمهم الغنى العارض، إذ كانوا يحسبون أنهم لا يستطيعون هزيمة عدوهم، إن في ذلك سمو رتبة الدين وعلو كلمة الحق، وهذا ما تحقق للمسلمين بعد بدر، وهم راجعون لا يصدق مسلم ولا يهودى ولا وثنى أنهم انتصروا لقد قلبت الموازين والحسابات، وتغيرت المواقف والأوضاع، ودخل الإسلام

стр. 521

مرحلة جديدة يحسب لها حسابها، بحيث جاءت أحد والخندق بكل أعداء الداخل والخارج توقعاً لقوة المسلمين الفتية وأدائهم القوى في ظاهر الأمر. لم تكن أهداف المسلمين إذا عند معركتهم وبعد نزول القرآن الكريم بتحديد تلك الأهداف كما ادعى المستشرقون، بل التطلع المادى، قد حسم قبل المعركة بكلمات الله التى بين لهم بعد المعركة. الهدف الثالث: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: ٨]. واللام هنا للتعليل وهي متعلق بقوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنفال: ٧]، أي أراد ذلك وكون أسبابه بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطل، وأفاد التعليل هنا معنى الحصر، أي ما فعل إلا لذات الفعل لهذه الغاية الجليلة لا لشيء آخر، ولا لغرض آخر، وقد سيقت الآية لبيان الحكمة الداعية إلى اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها، مع إرادتهم لغيرها، فلا يكون تكرار، إذ الأول لبيان تفاوت ما بين الإرادتين، وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذكر. (١) والحق هو حق من قبل ومن بعد وكذا الباطل، ومعنى يحق الحق إذا هو اظهار حقيقته، فيشتهر ويرتفع ذكره لا جعله حقاً بعد أن لم يكن، وكذا الباطل وهذا في التعبير القرآنى المجيد توكيد أيضاً لإحقاق الحق بنفى ضده وهو إبطال الباطل؛ لأن احقاق الحق من لوازمه إبطال الباطل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ٢١]، لأنه لما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، فصار كل ذلك لتوكيد احقاق الحق، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠].

стр. 522

وعلى كراهة من المجرمين لذلك فعل الله ما فعل بهم، إذ هم المشركون المكذبون، ولا شك أنه لا يقصد بالكراهة مجرد الكراهة القلبية، حتى تكون تلك المبالغ الضخمة في تلك التراتيب الإلهية للمعركة، ولكن الكراهة هنا كناية عن الاستعداد على قدم وساق لاستكمال محاربة الدعوة وقتل نبيها وتشتيت أهلها وفتنتهم عن دينهم إلى آخر ذلك من المقاومة والاستعداد، ومن ثم كان المشركون بكراهتهم أي بكل ما أوتوا يريدون إظهار الباطل وإحقاقه، وما من بد حينئذ أن تنفذ إرادة الله جل وعلا مهما كانوا (١)، وتنقلب الكفة عليهم بجنده الأقل في كل شيء ليحق الحق ويبطل الباطل ولو فعل المجرمون في الأرض ما استطاعوا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كان درساً ممتازاً لأهل الإيمان في كل زمان ومكان تحصله العصبة المؤمنة ليزداد يقينها بالله، وحسن توكلها عليه، وثقتها في دينها ورسولها ﷺ ؛ لتعود رايتها مرتفعة ونورها منتشرا يحمل العدل والحق والمساواة، يحمل الدينونة لله تعالى. وما زلنا سائرين مع السيرة القرآنية تقص لنا سيرة بدر لنقارن ونحلل بما ورد في الواقع لا لنجمع الأحداث لاستنباط المطلوب، وللتزود بوقود الإيمان الذى لا يخبو ولا يغيض، لتندفع قاطرة الحق حتى تبلغ مداها، فنصل إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. مضى السياق هنا بعد تحديد أهداف المعركة، وكل معركة، مع توجيهات في كل موقعة جديدة تستوحيها ظروفها وما يحيط بها، في استحضار جو بدر وملابساتها ومواقفها، والتعبير القرآنى المتميز يعيد تمثيل المشهد بمواقفه وحوادثه وانفعالاته وخفقاته ليعيشوه

стр. 523

مرة أخرى، معايشة التأمل والعبرة والاتعاظ والتأهل لما هو آت - معايشة الشكر لله تعالى والمحافظة على أسباب النصر والتزود منها - معايشة نقل ذلك والتحرك به لمن بعدهم من المؤمنين المتقين، معايشة الثبات على الإسلام والتعلق بالله والثقة في أن النصر من عنده هو سبحانه، ومعايشة الرؤية الحقيقية لابعاد الموقف التى تتجاوز بدراً والجزيرة والعالم كله لتربط الأرض بالسماء والدنيا بالآخرة، ليروا قيمة أقدارهم وأعمالهم في ميزانهم يوم القيامة. ونلاحظ على الآيتين ما يلى: ١ - تقدم ذكر الاستغاثة بعد أن ذكر كراهة بعض المؤمنين لقتال لم يستعدوا له، وبعد أن نبأهم بتصحيح أهدافهم من المعركة إلى الأهداف العليا، خاصة بعد ما اختار لهم ذات الشوكة لتكون لهم. وقد علمنا من السنة الشريفة أن الاستغاثة جاءت متأخرة عندما التقى الفريقان، ونظر النبي ﷺ إلى قلة عدد المؤمنين وزادهم ورحلهم بالإضافة إلى الكفرة فأخذ يستغيث بالله تعالى ويناشده نصره الذى وعده، ويبدو أن هذا التقديم له حكمته في أن تكون استغاثة المؤمنين أولاً بالله تعالى في تحقيق النصر، لا بالنظر إلى قوتهم وعدتهم، إذ لا ينفعهم ذلك عندما يرفع الله عنهم عنايته ونصره، مهما كانوا في نهاية القوة وغاية البأس، لذا قال تعالى بعد ذلك في غزوة حنين مذكراً لهم تذكيراً عملياً كالمعتاد في تربية الله تعالى أوليائه المتقين وجنده المخلصين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، لذا أعقب هذا الآيات الكريمات التى نحن بصددها بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]، فكان تقديم الاستغاثة بالله واللجوء إلى نصره بعد تقديم الأسباب كافة هو العامل المقدم في النصر.

стр. 524

٢ - وكذلك قدمت الآيات الكريمات ذكر الملائكة مع أنهم جاءوا مردفين للمؤمنين عندما ألتقى الصفان، ذلك لحكمة أيضاً ولعلها في الأمور التالية: الأول: أن الاستغاثة بالله وتقديمها تعنى على الفور غوث الله تعالى بالمدد الذى لا يهزم حتى لا ينسى المؤمنين ذلك أو يغفلوا عنه. الثاني: أن تقديم الملائكة يدلهم على نزول السكينة ورباطة الجأش والثبات عن الملاقاة فيدخلون المعركة وهم مستعدون الاستعداد التام للمواجهة، لا يهمهم من عدوهم كثرة ولا أبهة ولا سلاح، بل هم صامدون حتى إحدى الحسنيين، لا يهولهم شيء ولا يكبر عليهم شيء، فلا يزلزل الخوف والرعب - كائناً من كان عدوهم - شيئاً من أفئدتهم ولا من أمن روعاتهم، علاوة على البشارة بالنصر، الذى يجعلهم في نهاية التصميم عليه والمسارعة إليه. الثالث: الاستجابة الفورية بفاء التعقيب من الله تعالى لهم، ليكون عنواناً لهم وللمؤمنين في كل زمان ومكان على نزول مدد الله عليهم، وظهور تباشير النصر، وما تكون استجابة الله لهم إلا بعد استجابتهم له: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، بتحقيق أسباب النصر ظاهراً وباطناً، مادياً ومعنوياً، حتى إذا وقفت بهم الأسباب جاءت قدرته وقوته ومدده الذى لا يقهر وفعله وترتيبه الذى لا يغالب وهو من دروس المؤمنين اليوم. ونعود إلى تحليل الآيتين الكريمتين لهذا المشهد العظيم .. ذكر المفسرون لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، تعلقات كثيرة (١)، ونقتصر على كلام ابن عاشور لتوضيحه للواقع وموافقته له فنختصره حيث يقول: يتعلق ظرف: ﴿إِذْ

стр. 525

تَسْتَغِيثُونَرَبَّكُمْ﴾، بفعل يريده الله، إذ إرادة الله مستمر تعلقها بأزمنة من إرادته إحقاق الحق حتى النصر ونهاية بدر، فكانت استجابة الله لهم بإمدادهم بالملائكة من مظاهر إرادته تحقيق الحق، وإذ كانوا بينهم وبين إرادة الله أن يحق الحق مدة من الزمان، فقد اقترن ببعضها على امتداد تلك المدة كما ذكرنا فصح تعليق ظرف الاستغاثة بفعلها. (١) وعبر بالمضارع لاستحضار هذه الصورة العجيبة (٢)، من الماضى لتكون محل العبرة وعبر بضمير الجماعة وأريد به النبي ﷺ فيكون الجمع للتعظيم، أو لأنه كان يدعو ﷺ لأجلهم معلناً بدعائه وهم يسمعون، فهم بحال من يدعون، أو أن المسلمين أنفسهم كذلك كانوا يستغيثون ويدعون فصح إطلاق الجمع على الجميع. (٣) ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، لما كانت الاستغاثة طلب الغوث، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة وكانوا في ذلك يومئذ، دعوا بطلب النصر لرفع ما هم فيه، فاستجاب لهم، بإجابة دعائهم عقيب الاستغاثة كما تفيده الفاء ولكن على أتم وجه لأن الاستجابة تدل على قبول الطلب والسين والتاء للمبالغة في تحقيق المطلوب. وقد جاءت الاستجابة بكلام من الله هو: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، أي بأنى ممدكم، أي معينكم وناصركم والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر. والإرداف الإتباع والإلحاق؛ فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مدداً، وذلك أن الله أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما ورد في سورة آل عمران، وهم مردفين بألفين، فتلك خمسة

стр. 526

آلاف، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيماً أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى؛ لأن ذلك أرهب للعدو. وكان حلول الملائكة في المسلمين بكيفية يعلمها الله تعالى، فيراهم من أكرمه الله برؤيتهم أو بإراءة الله الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة. (١) وما كان إمداد المؤمنين بالملائكة إلا ليبشرهم، وإلا فقد كان يكفيهم أن يضمن لهم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة. وأما فائدة التبشير بإمداد الملائكة فيقول الطاهر بن عاشور: «يوم بدر كان في أول يوم لقى فيه المسلمون عدواً قوياً وجيشاً عديداً، فبشرهم الله بكيفية النصر الذى ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعانى يدق إدراكه سكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم.» (٢) وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠]، كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقى هو الله جل وعلا، ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه، وما جعل إمدادكم بهم بشيء من الأشياء إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة. وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب بعضهم، ويشع ظاهرها بأن النبي ﷺ أخبرهم بذلك الإمداد وفي

стр. 527

الأخبار ما يؤيده، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة ﵈. (١) وبعد أن بشرهم بنزول الملائكة، وطمأن قلوبهم بالنصر، أكد لهم مرة أخرى على التعلق بالله تعالى وأنه خالق الأسباب، وأن كل شيء منه، فلا يركنوا إلا إليه ولا يتوكلوا إلا عليه في النصر وفي تحقيق كل أمورهم وتيسيرها فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]، أي لا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله تعالى، وختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، بصيغة الخبر المؤكد فنزل المخاطبين منزلة من يتردد في أنه تعالى موصوف بهاتين الصفتين، وهما العزة المقتضية أنه إذا وعد بالنصر لم يعجزه شيء. والحكمة فيما يصدر من جانبه يجب غوص الأفهام في تبين مقتضاه، فكيف لا يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظفر بأحدى الطائفتين، وقد فاتتهم العير أن ذلك آيل إلى الوعد بالظفر بالنفير. وإن كانت الجملة في نفس الوقت مستأنفة استئنافاً ابتدائياً جعلت كالإخبار بما ليس بمعلوم لهم. (٢) أخرنا الكلام على المعنى الثاني من نزول الملائكة، وهو قتال الملائكة في بدر مع المؤمنين مناسبة لسياق الأحداث، مع نزول الآية التى تتحدث عنه. والآن مع المشهد التالى وهو في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١].

стр. 528

لقد استجاب الله للمؤمنين عندما استغاثوا به، وأعلمهم أن النصر من عنده، فكان حسبهم بعد ذلك أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية، وأن يغالبوا الهزة الأولى التى أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعى، وأن يمضوا في طاعة أمر الله، واثقين بنصر الله، كان حسبهم هذا لينتهى دورهم، ويجيء دور قدرة الله التى تصرفهم وتدبرهم، فكانت البشرى المطمئنة تثبيتاً للقلوب في مواجهة الخطر، وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة، ثم النصر من عند الله وحده، حيث لا يملك النصر غيره. وهو: «العزيز» القادر الغالب على أمره، وهو: «الحكيم» الذى يحل كل أمر محله. (١) لقد انتهى دور العصبة المؤمنة في أخذها بالأسباب، فهلَّ علينا مشهد الاعداد المباشر للقتال وهو اعداد المقاتلين، وتهيئة مسرح العمليات، وهو يصور ما يأتى، جاء المدد الأول من أمداد الله تعالى للعصبة المؤمنة يوم بدر في هذا المشهد يذكر قصة النعاس الذى غشاهم قبل المعركة فهى قصة حالة نفسية عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره، لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه، فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم، والطمأنينة تفيض على قلوبهم، كان يوم أحد تكرر الفزع، وتكرر النعاس، وتكررت الطمأنينة، كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحول المفاجيء إنه مدد من أمداد الله تعالى. وهذا في الترتيب والمدد التهيئة لأبلغ رد على المستشرقين في كل سيرته ﷺ من كونها اصطفاء واختياراً وتدبيراً وترتيباً من الله، إذ ذلك كله ليس في مقدور جميع البشر أن يفعلوه، أو ينزلوه إن كان شيئاً منه في الظاهر فما بال الباحث بالقلب والطمأنينة وتغشية

стр. 529

النعاس ونزول الملائكة مع إنزال المطر وإجراء تصاريف ليست في وقتها تخص هذه الفئة المؤمنة. وإذ قد صحوا من هذا النعاس بهذا المدد الروحى، جاءتهم أمداد أخرى تحيط بهم من الأمداد المادية هي قصة الماء: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، فتم المدد الروحى بالمدد المادى لتسكن القلوب في هذه الصحراء بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال. ونعود لتحليل الآية الكريمة: يقول الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»: لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله تعالى برسوله ﷺ وبالمؤمنين، فقرنها في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذ الزمانية. وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب. (١) إذ يغشيكم النعاس يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم، إذ الغشى كون الشيء غاشيا أي غاماً ومغطياً وهو بدل من: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، على القول بجواز تعدد البدل، أو مفعولاً فيه لقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾، فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حصوله، والنعاس النوم غير الثقيل يزيل التعب ولا يغيب صاحبه، وإسناد الإغشاء إلى الله تعالى؛ لأنه الذى قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، فهو نوم منحهم الله إياه لفائدتهم، وإما إسناد الغشى إلى النعاس حقيقة على المتعارف، وقد علمنا أنه من تقدير الله تعالى بقوله: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾، أي أماناً منه، فإن الخوف والمشقة أطارا كراهم من أوكاره، فلما طامن الله قلوبهم رفرف بجناحه عليهم فنعسوا، وجاء الغَشْى بصيغة المضارع لاستحضار

стр. 530

تلك الحالة تذكيراً بنعمة الله تعالى، إذ لما نعسوا زال أثر الخوف من نفوسهم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطاً، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة، ويزيل شعور الخوف الذى هو فتور الأعصاب. و ﴿مِنْهُ﴾، أي من الله سبحانه، لإفادة تشريف ذلك النعاس، وأنه وارد من جانب القدس فهو لطف وسكينة ورحمة ربانية، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله تعالى. (١) كان ذلك حال المؤمنين الواقع لهم بقدره الله ومشيئته وذلك شيء من مدده، الذى اتبعه بذكر مدد آخر، له قصة نستكمل بها جوانب المشهد الذى نحن فيه، وهي قصة المطر الذى أكرمهم الله به في تلك الصحراء القاحلة، في قلة الزاد والماء، إنها لعناية الاهية لا يستطيعها البشر كافة ليحقق بها لجنده هذه الأمور الأربعة: الأول: ليطهرهم به من الحدث الأصغر والأكبر، وليملأوا أسقيتهم، وليشربوا ويحوزوا الماء إلى رحالهم. الثاني: إذهاب رجز الشيطان عنهم. الثالث: الربط على قلوبهم. الرابع: تثبيت الأقدام. وذكر إن إنزال المطر عليهم من الله تعالى للتنبيه على إكرامهم به في وقت احتياجهم إلى الماء، أو لكونه كذلك في غير الوقت المعتاد نزول الأمطار فيه، فقد كان المسلمون حين
следующие страницы →