← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

آلاف، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيماً أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى؛ لأن ذلك أرهب للعدو. وكان حلول الملائكة في المسلمين بكيفية يعلمها الله تعالى، فيراهم من أكرمه الله برؤيتهم أو بإراءة الله الناس ما ليس من شأنه أن يرى عادة. (١) وما كان إمداد المؤمنين بالملائكة إلا ليبشرهم، وإلا فقد كان يكفيهم أن يضمن لهم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة. وأما فائدة التبشير بإمداد الملائكة فيقول الطاهر بن عاشور: «يوم بدر كان في أول يوم لقى فيه المسلمون عدواً قوياً وجيشاً عديداً، فبشرهم الله بكيفية النصر الذى ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعانى يدق إدراكه سكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم.» (٢) وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠]، كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقى هو الله جل وعلا، ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه، وما جعل إمدادكم بهم بشيء من الأشياء إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة. وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب بعضهم، ويشع ظاهرها بأن النبي ﷺ أخبرهم بذلك الإمداد وفي

стр. 527

الأخبار ما يؤيده، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة ﵈. (١) وبعد أن بشرهم بنزول الملائكة، وطمأن قلوبهم بالنصر، أكد لهم مرة أخرى على التعلق بالله تعالى وأنه خالق الأسباب، وأن كل شيء منه، فلا يركنوا إلا إليه ولا يتوكلوا إلا عليه في النصر وفي تحقيق كل أمورهم وتيسيرها فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]، أي لا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله تعالى، وختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، بصيغة الخبر المؤكد فنزل المخاطبين منزلة من يتردد في أنه تعالى موصوف بهاتين الصفتين، وهما العزة المقتضية أنه إذا وعد بالنصر لم يعجزه شيء. والحكمة فيما يصدر من جانبه يجب غوص الأفهام في تبين مقتضاه، فكيف لا يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظفر بأحدى الطائفتين، وقد فاتتهم العير أن ذلك آيل إلى الوعد بالظفر بالنفير. وإن كانت الجملة في نفس الوقت مستأنفة استئنافاً ابتدائياً جعلت كالإخبار بما ليس بمعلوم لهم. (٢) أخرنا الكلام على المعنى الثاني من نزول الملائكة، وهو قتال الملائكة في بدر مع المؤمنين مناسبة لسياق الأحداث، مع نزول الآية التى تتحدث عنه. والآن مع المشهد التالى وهو في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١].

стр. 528

لقد استجاب الله للمؤمنين عندما استغاثوا به، وأعلمهم أن النصر من عنده، فكان حسبهم بعد ذلك أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية، وأن يغالبوا الهزة الأولى التى أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعى، وأن يمضوا في طاعة أمر الله، واثقين بنصر الله، كان حسبهم هذا لينتهى دورهم، ويجيء دور قدرة الله التى تصرفهم وتدبرهم، فكانت البشرى المطمئنة تثبيتاً للقلوب في مواجهة الخطر، وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة، ثم النصر من عند الله وحده، حيث لا يملك النصر غيره. وهو: «العزيز» القادر الغالب على أمره، وهو: «الحكيم» الذى يحل كل أمر محله. (١) لقد انتهى دور العصبة المؤمنة في أخذها بالأسباب، فهلَّ علينا مشهد الاعداد المباشر للقتال وهو اعداد المقاتلين، وتهيئة مسرح العمليات، وهو يصور ما يأتى، جاء المدد الأول من أمداد الله تعالى للعصبة المؤمنة يوم بدر في هذا المشهد يذكر قصة النعاس الذى غشاهم قبل المعركة فهى قصة حالة نفسية عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره، لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه، فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم، والطمأنينة تفيض على قلوبهم، كان يوم أحد تكرر الفزع، وتكرر النعاس، وتكررت الطمأنينة، كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحول المفاجيء إنه مدد من أمداد الله تعالى. وهذا في الترتيب والمدد التهيئة لأبلغ رد على المستشرقين في كل سيرته ﷺ من كونها اصطفاء واختياراً وتدبيراً وترتيباً من الله، إذ ذلك كله ليس في مقدور جميع البشر أن يفعلوه، أو ينزلوه إن كان شيئاً منه في الظاهر فما بال الباحث بالقلب والطمأنينة وتغشية

стр. 529

النعاس ونزول الملائكة مع إنزال المطر وإجراء تصاريف ليست في وقتها تخص هذه الفئة المؤمنة. وإذ قد صحوا من هذا النعاس بهذا المدد الروحى، جاءتهم أمداد أخرى تحيط بهم من الأمداد المادية هي قصة الماء: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، فتم المدد الروحى بالمدد المادى لتسكن القلوب في هذه الصحراء بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال. ونعود لتحليل الآية الكريمة: يقول الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»: لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله تعالى برسوله ﷺ وبالمؤمنين، فقرنها في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذ الزمانية. وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب. (١) إذ يغشيكم النعاس يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم، إذ الغشى كون الشيء غاشيا أي غاماً ومغطياً وهو بدل من: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، على القول بجواز تعدد البدل، أو مفعولاً فيه لقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾، فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حصوله، والنعاس النوم غير الثقيل يزيل التعب ولا يغيب صاحبه، وإسناد الإغشاء إلى الله تعالى؛ لأنه الذى قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، فهو نوم منحهم الله إياه لفائدتهم، وإما إسناد الغشى إلى النعاس حقيقة على المتعارف، وقد علمنا أنه من تقدير الله تعالى بقوله: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾، أي أماناً منه، فإن الخوف والمشقة أطارا كراهم من أوكاره، فلما طامن الله قلوبهم رفرف بجناحه عليهم فنعسوا، وجاء الغَشْى بصيغة المضارع لاستحضار

стр. 530

تلك الحالة تذكيراً بنعمة الله تعالى، إذ لما نعسوا زال أثر الخوف من نفوسهم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطاً، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة، ويزيل شعور الخوف الذى هو فتور الأعصاب. و ﴿مِنْهُ﴾، أي من الله سبحانه، لإفادة تشريف ذلك النعاس، وأنه وارد من جانب القدس فهو لطف وسكينة ورحمة ربانية، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله تعالى. (١) كان ذلك حال المؤمنين الواقع لهم بقدره الله ومشيئته وذلك شيء من مدده، الذى اتبعه بذكر مدد آخر، له قصة نستكمل بها جوانب المشهد الذى نحن فيه، وهي قصة المطر الذى أكرمهم الله به في تلك الصحراء القاحلة، في قلة الزاد والماء، إنها لعناية الاهية لا يستطيعها البشر كافة ليحقق بها لجنده هذه الأمور الأربعة: الأول: ليطهرهم به من الحدث الأصغر والأكبر، وليملأوا أسقيتهم، وليشربوا ويحوزوا الماء إلى رحالهم. الثاني: إذهاب رجز الشيطان عنهم. الثالث: الربط على قلوبهم. الرابع: تثبيت الأقدام. وذكر إن إنزال المطر عليهم من الله تعالى للتنبيه على إكرامهم به في وقت احتياجهم إلى الماء، أو لكونه كذلك في غير الوقت المعتاد نزول الأمطار فيه، فقد كان المسلمون حين

стр. 531

اقتربوا من بدر راموا أن يسبقوا المشركين إلى ماء بدر، ولكن طريقهم كان دَهْساً رملاً ليناً فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض المشركين ملبدة، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أمكن لهم، واستوحلت الأرض للمشركين فصار السير فيها شاقاً، فأمكن المسلمين السبق إلى الماء من بدر، ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيراً من المطر فشربوا وتطهروا. أما الرِجز فهو القذر وهو الحسى، وكذلك المعنوى المعبر عنه بالحديث، فالله جل وعلا أذهب عنهم بالماء رجز الشيطان ذلك، لأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس الثياب والأبدان والنجاسة مما يلائم طبع الشيطان، علاوة على ما فسر جمهور العلماء الرجز هنا بوسوسة الشيطان وتخويفه من العطش، حيث غلب المسلمون قبل نزول المطر على ماء بدر فظمئوا وأصبحوا مجنبين محدثين فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال: أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين، فأنزل الله الماء فسال به الوادى ... إلى آخر ما ذكر (١)، أما قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾، أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه، والربط هو الشد أي ربط القلوب، وأنما أتى بـ ﴿عَلَى﴾، هنا للايماء إلى أنها امتلأت من ذلك حتى علا عليها، وفيه من إفادة التمكن ما لا يخفى. وتثبيت الأقدام هو ألا تسوخ في ذلك الدهس، بل تتمكن من السير في الرمل وجوز ان المراد بالتثبيت كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين. (٢) كل ذلك - وأكثر منه مما وقع من السيرة - ذكرته الآية القرآنية الكريمة في هذا الموجز الموحى، مع نسبته إلى الله تعالى لا إلى غيره، ليكون عبرة للمؤمنين إلى اليوم، مع تذكير

стр. 532

الحاضرين بما كان من عظات عبر وأحكام ليستأنفوا توطيد أركان الشريعة، ونشر تعاليم الإسلام، رفع رايته وهم في تمام الثقة واليقين والتوكل على الله تعالى، وأن الناصر لدينه على الحقيقة هو الله، وإنما أكرمهم ليكونوا الأسباب الظاهرة التى يؤيد بها دينه، ويهزم بها أعداءه، وتتجلى فيها صدق الرسالة وصحة النبوة، وإتصال الأرض بالسماء، وليبدو بها وحى الله العظيم. تعبأ المؤمنون للقتال، وتقدم المسارعون إلى جنة عرضها السموات والأرض الصفوف، وبدأ المؤمنون في حصد إحدى الحسنيين، فجاءت الآية التى تبرز المشهد الجليل الهائل، مشهد الأمر لملائكة الإمداد المردفين بأن يعاونوا المؤمنين، وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. ونسوق كلاماً مختصراً مرة أخرى لسيد قطب ﵀ (١)، دالاً يوضح تمهيد المقصود فيقول: ذلك ما أوحى الله به إلى الملائكة من تثبيت الذين آمنوا، وإلى ما وعد به من إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، وإلى ما أمر به الملائكة من الاشتراك الفعلى في المعركة. إنه الأمر الهائل، إنها معية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المؤمنة، هذا هو الأمر الذى لا يجوز أن يشغلنا عنه أن نبحث: كيف اشتركت الملائكة؟ ولاكم قتيلاً قتلت؟ ولا كيف قتلت؟ إن الحقيقة الكبيرة الهائلة في الموقف هي تلك الحقيقة (إن حركة العصبة المسلمة بهذا الدين أمر هائل عظيم أمر يستحق معية الله لملائكته في المعركة)، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة. إننا نؤمن بخلق من خلق الله اسماهم الملائكة، ولا ندرك من طبيعتهم وعملهم إلا ما

стр. 533

أخبرنا به النص عن خالقهم جل وعلا، فلا نملك إدراك الكيفية التى اشتركوا بها في نصر المؤمنين في بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى أو الحديث الصحيح، لقد أوحى إليهم أنى معكم، وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا، وأن يضربوا فوق أعناق المشركين، وأن يضربوا منهم كل بنان، كل ذلك فعلوا؛ لأنهم يفعلون ما يؤمرون، وقد وعد الله تعالى أن يلقى الرعب في قلوب الذين كفروا فكان ذلك، ووعده الحق، ولكنا لا نعلم كيف كان ذلك، فالله هو الذى خلق وهو أعلم بمن خلق. ولا شك أن ذلك لا يستعظم على قدرة الله تعالى، فكله من الممكن الجائز فكيف يكون محلاً لإنكار، أو ريب وتردد، وقد نزل الملائكة على الأنبياء من قبل، وقاموا بإبادة وخسف قرى ومدن مازالت آثارهم تحكى ذلك، فما المانع أن ينزلوا على المؤمنين المكرمين مدداً لهم يقاتلون على وفق علم الله وترتيبه مع بقاء نواميس النصر العادية وأسبابها. ووقفه عجلى على تحليل الآية الكريمة: ﴿إِذْ﴾ ظرف متعلق بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١)، والخطاب هنا للنبى ﷺ كما تنطق به الكاف، لما أن المأمور به مما لا يستطيعه غيره وهو الوحى للملائكة وهو تلطف به ﷺ في نفس الوقت، إذ الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر، وما خاطبهم الله به فكان الخطاب إلى النبي ﷺ أولى؛ لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم، ويحصل العلم للمسلمين تبعاً له. وأن كل ما يهم المسلمون هو نصر الملائكة إياهم، وقد حصل.

стр. 534

وعُرف اسم الله هنا بالاضافة إلى النبي ﷺ ﴿رَبَّكُمْ﴾، ليوافق تستغيثون لأن النبي ﷺ أول من استغاث، ولما فيه من التنويه بقدره واللطف به ورفع شأنه. (١) وإيحاء الله تعالى إلى الملائكة بأنه معهم مقصود منه تشريفهم، وتشريف العمل الذى سيكلفون به، لأن المعية تؤذن إجمالاً بوجود شيء يستدعى المصاحبة، فكان قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، مقدمة للتكليف بعمل شريف يذكر ما تتعلق به المعية، لأنه سيعلم من بقية الكلام، أي أنى معكم في عملكم الذى أكلفكم به. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وعُرف هؤلاء المطلوب تثبيتهم بالموصول لايماء صلة ﴿آَمَنُوا﴾، بأن إيمانهم هو الباعث على هذه العناية، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان. وهنا يظهر موقع الفاء من حيث ما دل عليه ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾، من التهيئة لتلقى التكليف بعمل عظيم، وإنما كان هذا العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها، ووضع أضدادها لأنه يجعل الحبن شجاعة، والخوف إقداماً، والهلع ثباتاً في جانب المؤمنين، ويجعل العزة رعباً في قلوب المشركين، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سبب من أسباب القطع المعتادة، فكانت الأعمال التى عهد للملائكة عملها خوارق عادات. وكان المراد التثبيت أيضاً الحمل على الصمود في مواطن الحرب والجد وفي مقاساة الشدائد في القتال قولاً وحالاً مثل ظهورهم بصورة بشرية يعرفونها بالنصر على أعدائهم، وأنهم سمعوا المشركين يقولون لئن حمل علينا المسلمون لننكشفن (٢).

стр. 535

﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، جاءت تفسيراً لقوله تعالى: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾، في إعانة المؤمنين بإلقاء الرعب في قلوب اعدائهم، أي يجعلهم مرعوبين خائفين منزعجى النفوس يتوقعون كل مكروه، وأسند الرعب إلى نفسه وحده ؛ لأن الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فجعله الله بواسطة أخرى غير الملائكة، وإسناده إليه سبحانه على طريقة الإجمال بدون بيان لكيفية إلقائه، إشارة إلى أنه رعب شديد، قدره الله تعالى على كيفية خارقة للعادة، وإنما كان كذلك لأن أسباب ضده قائمة من وفرة عدد المشركين وعددهم، وإقدامهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم، وليسمع بهم العرب فلا يزالون يهابون قريشاً. فلما وقع لهم الرعب دل على خرق ذلك كله ولم يقل سبحانه سنلقى بدلاً من سألقى حتى لا يتوهم أن للملائكة سبباً في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا. (١) وما زلنا مع هذا المدد للمؤمنين عبرة لغيرهم، وبشارة لمن بعدهم ممن تحقق فيهم الإيمان الجالب لهذا النصر. فقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .. وهي تفسير لقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾، مبين لكيفية التثبيت، ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة (٢). يقول الالوسى: «وقوله : ﴿سَأُلْقِي﴾، إلخ جمل استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنها مصدقهً ومبنيهً لإعانته إياهم على التثبيت، وقوله : ﴿فَاضْرِبُوا﴾، إلخ جملة مستعقبة للتثبيت، بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ، وكأن المعنى أنى معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا، وجيء

стр. 536

بالفاء للنكتة المذكورة ..... إلى أن يقول: وأما القول بأن ﴿فَاضْرِبُوا﴾، إلخ خطاب منه تعالى للمؤمنين وأنى ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة. وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة (١). ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾، أي الرؤوس من المشركين، وفوق باقية على ظرفيتها، وقيل: إنها مفعول به، وهي بمعنى الأعلى إذا كان بمعنى الرأس، وقيل: زائدة، وقيل بمعنى على أي على الأعناق أو الأعناق. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، وهي جمع بنانة وهي الإصبع وقيل طرفه، وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين، وضرب البنان يبطل صلاحية المضروب للقتال، وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة، وقد ذكرنا في السيرة عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى (٢)، وعلى المعنى الثاني يكون بتسديد ضربات المسلمين فيكون إسناد الضرب اليهم مجازاً عقلياً لأنهم سبب جاء الخطاب القرآنى ليبين لنا بعد ذلك كله – مع أننا اختصرناه لأقل ما يمكن – ليشدد على موقفين وهما موقف المشركين وموقف المسلمين. الأمر الأول: موقف المشركين: حيث ذكر أن سبب ما فعل بهم إنما كان لمشاقة الله ورسوله ﷺ ، وما ينتظرهم في الآخرة أشد أنكى فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ [الأنفال: ١٣ - ١٤].

стр. 537

والباء للسببية تفيد معنى التعليل، والمخاطب إما الملائكة بمعنى أن ما فعلتموه بهم كان لمحاداتهم لله ورسوله ﷺ ، أو الخطاب لمن لم تبلغهم الآية من المشركين الأحياء يوم بدر، ولذلك فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله ﷺ ، أو لكل أحد ممن يليق به الخطاب (١). والمشاقة التى فعل الله ذلك كله بهم لسببها هي العداوة بعصيان وعناد، وهي مشتقة من – الشِق – بالكسر أي هم في جانب والنبي ﷺ في جانب، ليسوا في جانب الإيمان والطاعة، بل الكفر والمعصية والمخالفة للرسول ﷺ ، ومن ثم كان التصريح بسبب الانتقام تعريضاً للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا الانتقام والعقاب العظيم، فيوشك ما هو مخالفة للرسول ﷺ ولو بدون مشاقة أن يوقع في العذاب والانكسار وإن كان دون ذلك، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجباً للخير الشامل للنصر وغيره وهذا ما يمثله الواقع الذى تردينا إليه مقارنة بأعظم واقع كانوا فيه (٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الإظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال شناعة ما اجترءوا عليه، والإشعار بعلة الحكم. وأما قوله: ﴿فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .. فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهانى، كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وكل من يشاقق الله ورسوله ﷺ فله بسبب ذلك عقاب شديد

стр. 538

كائناً من كان، فإذن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله ﷺ عقاب شديد. (١) فلم يكن ذلك العقاب في نهاية مشهد المشاقة الهائل هذا إلا تقريراً موضحاً لما وراء المعركة، ووراء النصر فيها والهزيمة، من قاعدة ودستور لمجرى هذه الأمور: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال: ١٣]. أنها ليست فلته عارضة ولا مصادفة عابرة، أن ينصر الله العصبة المسلمة، وأن يسلط على أعدائها الرعب والملائكة مع العصبة المؤمنة، إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله ﷺ ووقفوا يصدون عن سبيل الله ويحولون دون منهج الله للحياة. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ينزل عقابه عليهم وهو قادر على عقابهم بأقل بكثير لأنهم أضعف من أن يقفوا لعقابه. أنها قاعدة وسنة لا فلتة ومصادفة، حيث انطلقت العصبة المسلمة في الأرض لتقرير ألوهية الله وحده، ثم وقف منها عدو لها موقف المشاقة لله ورسوله ﷺ ، كان التثبيت لهم والرعب والهزيمة للمشاقين لله ورسوله ﷺ ، ما استقامت العصبة المؤمنة على الطريق، واطمأنت إلى ربها، وتوكلت عليه وحده. وفي نهاية هذا المشهد يتوجه بالخطاب للمشاقين الصادين عن سبيله، إن هذا الحكم الذى حل بكم في الدنيا ليس نهاية المطاف إنه أمر ممتد إلى ما وراء هذه الأرض، وإلى ما بعد هذه الحياة في الآخرة.

стр. 539

﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ .. فهذه نهاية المطاف وهو هذا العذاب الذى لا يقاس إليه ما ذقتم من الرعب والهزيمة ومن الضرب فوق الأعناق ومن ضرب كل بنان. (١) الأمر الثاني: وهو الخاص بالمسلمين: وشددت عليه الآيات قبل نهاية قص الغزوة من الوجهة القرآنية، وهي قضية عدم الفرار أمام زحف الكفار، وكان منطقياً أن يجيء هذا النهى، وهذا الوعيد الشديد على وقوعه من المؤمنين بعدما رأوا كيف كان الأمر كله بترتيب الله تعالى تهيئة ونصراً. وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. بعد أن سرد القرآن الكريم الواقعة، ومشاهدها وملابساتها، وقبل أن يختمها، ويسوق الأحكام التى صارت دستوراً لكل ما يأتى من مشاهد للمؤمنين بعد ذلك، جاء في أنسب اللحظات هذا الحكم القرآنى لحظات استجابة القلوب للتوجيه. يعنى بعد أن أراهم قدرة الله وحكمته في تدبيره، وعونه ومدده، وعلموا منها أنهم لم يكونوا فيها سوى ستار لقدر الله تعالى وقوته، فهو سبحانه الذى أخرج رسوله من بيته بالحق، لم يخرجه بطراً ولا اعتداء ولا طغياناً ولا رياء الناس، والله هو الذى اختار لهم إحدى الطائفتين لأمر يريده كما بين، وهو الذى أمدهم بالملائكة مردفين، والله هو الذى غشاهم النعاس أمنة منه ونزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به، ويذهب عنهم رجز

стр. 540

الشيطان وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام، والله هو الذى أوحى إلى الملائكة ليثبتوا الذى آمنوا، وألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، وهو الذى أشرك الملائكة في المعركة، وأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق وأن يضربوا من المشركين كل بنان، وهو الذى غنمهم الغنيمة، ورزقهم من فضله بعد أن خرجوا لا مال ولا ظهر ولا عتاد. فلما ذكرهم بذلك، وأعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين، اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والفرار، فالجملة معترضة بين جملة إذ يوحى ربك للملائكة وجملة فلم تقتلوهم، وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والثبات والاقدام لتكون تلك سيرتهم الدائمة، بعد ذلك صموداً عند اللقاء حتى يروا بشائر نصره التى لا تتخلف إن التزموا أسباب هذا النصر، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية، قال الحصين بن الحمام: تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما (١) بعد أن استعرض القرآن الكريم تلك المشاهد كلها، الآن يجيء الأمر للذين آمنوا أن يثبتوا إذا لقوا الذين كفروا وألا يولوهم الأدبار فراراً وهزيمة، ما دام أن النصر والهزيمة موكولة لإرادة فوق إرادة البشر، وإلى أسباب غير الأسباب الظاهرة التى يراها الناس حيث كان المسلمون مظهراً لتجلى ذلك كله من الله تعالى، وهو يريد في نفس الوقت أن يكون الجهاد والبلاء من سعيهم ليثيبهم الثواب الأوفى ويعطيهم الجزاء الأعلى. ويكون المعنى يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا زحفاً متدانين متقاربين، فلا تفروا عنهم إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب تختارون بها أو تنحرفون بها إلى موقع حسن، أو تدبرون خطة أحكم، أو أن يكون ذلك انضماماً إلى فئة أخرى من المسلمين، أو إلى قواعد

стр. 541

المسلمين لتواصلوا وتعاودوا القتال كرة أخرى، وأن من تولى وأعطى العدو دبره بهذا الوضع المستبشع فقد استحق ذلك العقاب؛ غضباً من الله ومأوى في جهنم، وصار هذا الحكم عاماً إلى يوم القيامة حيث ذكر الرسول ﷺ أن الفرار من الزحف من الكبائر العظيمة. (١) ليس من مقصودنا هنا تفسير الآية وتحليلها، لأنها ليست من السيرة القرآنية، وإنما جاءت لتبين للمؤمنين. أولاً: صحة كل هذه المشاهد السابقة، وصدق نسبتها إلى الله تعالى، ومن ثم جاء الأمر بناء على ذلك بعدم الفرار أمام الكفرة، ولذا كانت الجملة مترابطة مع السياق ملتحمة معه. ثانياً: كان التركيز على هذا الأمر مبكراً دليلاً على أنه بداية دخول المسلمين لمعارك عديدة مع الكفرة، وأنهم يجب أن يؤهلوا من أول معركة لكل ملاقاة بعد ذلك، فكانت رؤية هذه العناية من الله تعالى من المهمات الحاثة لهم على ذلك البذل والتفانى والإقدام. يستكمل القرآن الكريم بقية مشاهد موقعة بدر، وهو المشهد الذى يكشف لنا عن قدرة الله وهو يدير المعركة وراءهم، ويقتل لهم أعداءهم، ويرمى لهم ويصيب، وهم ينالون أجر البلاء؛ لأن الله تعالى يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء، ليثيبهم عليه من فضله، وهو الذى وهبهم إياه. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]. ذكرنا في أحاديث السيرة أن الرسول ﷺ أمر بقبضة من حصى الوادى، فرمى بها

стр. 542

المشركين، وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا أصابته فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم فقيل لهم فلم تقتلوهم، والأظهر أن الفاء هي الفصيحة وهي واقعة في جواب شرط مقدر، أي إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، أو التقدير إذا علمتم أن الله أوحى إلى الملائكة بضرب أعناق المشركين وقطع أيديهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم وقد بين لكم ذلك. (١) وكذلك كانت تلك الرمية من النبي ﷺ التى انهزم المشركون على إثرها فقال له تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، أنت يا محمد ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، أنها رمية الله تعالى، فلم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغة أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت هذا الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسوله ﷺ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذى لا يطيقه فعل البشر هو فعل الله ، فكان الله فاعل الرمى على الحقيقة وفي ذلك: ١ - إثبات لطف الله تعالى بالنبي ﷺ وإظهار صدق وأعلام نبوته. ٢ - وهو كون قتل المشركين ورميهم حاصلاً من الله لأمن المسلمين ونصرهم يفيد تعليل وتوجيه ما نهاهم عنه من توليه الأدبار، ويفيد أمرهم بالصبر والثبات. ٣ - التعريض بضمان تأييد الله إياهم إن امتثلوا لقوله مثلاً: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فإنهم إن امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم، وذلك ما يؤكد على

стр. 543

ما أشير إليه من قبل من الوعيد على تولية الأدبار، وقطع عذر الفارين المتولين، ومن ثم جاءهم في وقعة أحد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمرانك ١٥٥]. ومازالت هناك علل أخرى يذكرها القرآن الكريم لما أنزل الله من أسباب نصره، منها ما ختمت به هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فجعل قتل المشركين وما أصابهم من رميه ﷺ لعلة أخرى، وهي أن يبلى المؤمنين بلاء حسناً أي ليعطيهم سبحانه من عنده عطاء جميل ومنه قول زهير: جزى الله بالاحسان ما فعلاً بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذى يبلى غير مشوب بالشدائد، يشكرونه عليه فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طوبتهم لمن لا يعرفها، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة. (١) والعلة الثانية في هذا السياق في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ [الأنفال: ١٨]. والأشارة ب ﴿ذَلِكُمْ﴾، إلى البلاء الحسن وعطف عليه جملة ﴿وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، والتقدير ليبلى المؤمنين وليوهن كيد الكافرين، فأراد الله توهينهم بهزيمتهم تلك الشنيعة ليوهن كيدهم للإضرار بالمسلمين، وهو بشارة لاستمرار وزيادة هذا الوهن حتى زوال عداء قريش للنبى ﷺ وللمسلمين، وذلك ما انتهى إليه واقع الأمر ويدل على البشارة أنه ما كان ذلك الوهن ليعود قوة تهزم بها المسلمون ويعود المسلمون مقهورين تحت الكفرة.

стр. 544

تنتقل الآيات مرة أخرى لتنقل لنا مشهداً من بديع المشاهد، وإن كان موقعه في السيرة هو أول مشاهد اللقاء الدامى، ولكن أنسب موضع له أن تختم به تلك المشاهد المقصوصة كما جاء به القرآن الكريم، فهو يشير إليه يذكره في ذات الوقت بأسلوب التوبيخ والسخرية اللائقة بسخرية الكفرة وما كانوا فيه، لأنه مع أنه وقفة لأبى جهل في بداية المعركة، إلا أن أثرها ووقعها يثبت أو يهدم في نفس الوقت الحقائق في صدور المؤمنين والكفرة على السواء ولذا جعل التنبيه به من أشد المهمات، والختم به لتلك المقاطع المتسلسلة من القصص القرآنى من أعظم المناسبات بل والمفاجآت، التى تدل على القصد وأن ذلك كله لم يكن فلتة أو عرضاً. وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال: ١٩]. وقف أبو جهل لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض فقال: «اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف فأحنه الغداة» (١)، أي فأهلكه، فكان هو المستفتح. أي هو الذى دعا أن يهلك أضل الفريقين، ولذا ذهب جمهور المفسرون على أن الخطاب موجه إلى المشركين وفيه التفات من الغيبة اقتضاها قوله تعالى: ﴿وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، وكان النصر والفتح لرسول الله ﷺ وأصحابه، فخوطب المشركون بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم والتوبيخ أي جاءهم الفتح نعم ولكنه فتح للمسلمين ونصر عليكم أيها المشركون، وحمل ابن عطية «المحرر الوجيز»، فعل جاءكم على معنى فقد تبين لكم النصر ورأيتموه، وأنه

стр. 545

عليكم لا لكم، فيكون مجيء الفتح بمعنى الظهور فلاتهكم فيها. (١) وجاء طلب الفتح بصيغة المضارع مع أن الفعل قد مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين، وبذلك تظهر مناسبة عطف باقى الجمل ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا ...... وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، أي: وإن تعودوا إلى العناد والقتال نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر. ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل بقوله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾، حيث أكد لهم أنهم لن تنفعهم جماعتهم على كثرتها كما لم تغن عنهم شيئاً في موقعة بدر وجاء بـ ﴿وَلَوْ﴾، الاتصالية أي لن تغنى عنكم في حال من الأحوال، ولو كانت في حال كثرة على فئة المؤمنين وهنا احتمالان في عود الضمير في ﴿تَعُودُوا﴾: الأول: إن تعودوا للاستفتاح وطلب النصر على المسلمين فالحال واضح. الثاني: إن تعودوا لقتال ومحاربة المسلمين، فيشكل عليها وقوع هذه الفلته للمشركين في غزوة أحد. والجواب عن هذا أن الشرط لم يكن بأداة شرط ليفيد العموم فلا يتخلف ك (مهما) وغيرها وبالتالى لا يبطله تخلف مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة. ويمكن إضافة القول بأن المسلمين قد انتصروا في أحد حتى إذا خالفوا شرط النصر بالامتثال لأوامر الشرع، لأنه كما ذكرنا من قبل أنه مهما تكبر الجماعة المسلمة مستمسكة

стр. 546

وممتثلة لأوامر الشرع فإنها منصورة، يضاف إلى ذلك أن غزوة أحد لم تكن هزيمة بالمعنى المعهود للهزيمة، إذ لم يؤسر أحد، ولم تسبب النساء والذرارى، ولم تحتل الأرض، ولم يستسلم الجيش، ولم يقم جيش المشركين بالبقاء في أرض المعركة أيامه التالية على العادة الجارية حين يحتفل بالنصر، بل أسرع بالرجوع إلى مكة، علاوة على قيام جيش المسلمين بمطاردة واسعة النطاق للجيش المكى في اليوم التالى للمعركة، مما جعلهم يسرعون الخطى ناجين بجلودهم من مصير عسر، لو استكملوا الحرب مع جيش المسلمين بعدما رأوا نصر المسلمين عليهم في أول المعركة ووقوع أعداد كبيرة من القتلى بينهم. ومع ذلك ففى هذا الوعيد بشارة بوقوع النصر الحاسم والفتح المبين، وأنه سيكون للمسلمين يوم فتح مكة. (١) وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، لتكون تعليلاً لما سبق من نصر وتأييد، وتعليلاً وتمهيداً لما سيأتى من ملاقاة الكافرين من أن النصر سيكون حليفهم، لمعية الله التى لا يدركها العقل لأولئك المؤمنين وأن تلك المعية التى من ضمن ما تقتضيه، نصر مَنْ كان الله معهم، مكفولة لكل من تحقق بالإيمان في أي عصر وزمان الإيمان الذى هو الركن الركين في نزول نصر الله تعالى، ولكنه ليس أي إيمان، بل الإيمان الذى يصحب الرب فيه أولياءه، لأنه إذا كان معهم فمعهم الفئة التى لا تغلب، والحارس الذى لا ينام، والهادى الذى لا يضل ثم الواو في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ ....﴾، عاطفة على جملة ﴿وَأَن اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، فيستقيم به أسباب النصر أنه يوهن ويضعف تدبير وعمل الكفرة، وهو مع المؤمنين في ذات الوقت يقويهم ويمدهم ويحفظهم وينصرهم، ويحقق لهم كل ما سبق من نعم أسداها لهم من أول السورة إلى ذلك الموقع.

стр. 547

وورد بعد ذلك مباشرة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠]. ولما لم يكن غرضنا التفسير لغير آيات الغزوة، فإننا نختصر إلى القدر الذى يشير إلى ترابط مشاهد الغزوة بما تبعها من أوامر ووصايا وعظات فقط. وبهذا الاختصار نختتم هذه المشاهد، لنعود إلى مقاطع أخرى ذكرتها السورة من مشاهد الغزوة، ولكنها جاءت متباعدة عن هذه السلسلة المتتابعة وبادىء الرأى فإن هذه الآيات عود لما بدأت به آيات السورة في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فضمت هاتان الآيتان في البدء والختام كل تلك المقاطع وأغلقت عليها وشدتها برباط النصر رباط الطاعة لله ورسوله ﷺ وترك مشاقته وعصيان أمره. فإنه أراهم الله تعالى آيات لطفه وعنايته بهم، ورأوا فوائد امتثال أمر الرسول ﷺ بالخروج لملاقاة الجيش وكانوا كارهين، أعقب ذلك بأن أمرهم بطاعة الله ورسوله ﷺ شكراً على نعمة النصر، واعتباراً بأن ما يأمرهم به خيرٌ عواقبه، وحذرهم من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ . وفي هذا رجوع إلى الأمر بالطاعة الذى افتتحت به السورة رجوع الخطيب إلى مقدمة كلامه ليأخذها بعد الاستدلال في صورة نتيجة أسفر عنها احتجاحه. فإنه لما ابتدأ فأمرهم بطاعة الله ورسوله ﷺ : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾، في سياق ترجيح ما أمرهم به الرسول ﷺ على ما تهواه أنفسهم، وضرب لهم مثلاً لذلك بحادثة كراهتهم الخروج إلى بدر للقاء النفير خشية الهزيمة، وما نجم عن طاعتهم للرسول ﷺ ومخالفتهم هواهم من النصر العظيم والغُنم الوفير والتأييد المبين للرسول ﷺ ، والتأسيس لإقرار دينه إلى آخر المشاهد التى ذكرهم بمنته فيها، وكيف هزم المشركين لمشاقتهم لله ولرسوله ﷺ وهي معصية وترك طاعة الرسول ﷺ ، وما حدث لهم جراء ذلك، وعرض بالمسلمين في أن

стр. 548

يصيبهم ما أصاب المشاقين أن هم اتبعوا هواهم وتركوا طاعته ﷺ ، وبوجوب أن يتبرأوا مما فيه أي شائبة لعصيانه، وضمن لهم بعد ذلك النصر أن أطاعوا الله ورسوله ﷺ وتوكلوا على الله وطلبوا منه النصر، أعقب ذلك بإعادة الأمر بالطاعة لله ورسوله ﷺ وأن لا يتولوا عنه كل ذلك فذلكة للمقصود من الموعظة الواقعة بطولها. انتهت هذه الخلاصة المجملة لما فصل تبييناً للقضية الأصلية، ونسرع إلى البحث في بقية المشاهد التى صورت متباعدة عن المشاهد الأولى، لحكمة عالية لا شك، إذ اشتملت الآيات الواقعة بين تلك المشاهد على منن ونعم ذكرهم الله بها، وعلى أوامر ونواه يجب أن يلتزموها في مسيرتهم، وعلى وصايا تعيق المسيرة وتمنعها من مواصلة الرحلة مرفوعة الراية، ووصايا تثبيت الأقدام، وتبقى الراية وتدفعها دائماً إلى الأمام، وتضم في تلك الآيات أيضاً صورة المشركين وإنفاقهم الأموال ليحاربوا الله ورسوله، فإذا بها تكون عليهم حسرة ويغلبون في الدنيا، ويحشرون إلى جهنم في الآخرة، مما يقوى قلوب المؤمنين، ويرفع معنوياتهم، ويرشدهم إلى الطريق الأمثل لملاقاة الكفار والانتصار عليهم إلى آخر ما حوته تلك الآيات الكريمات، إلى أن نصل إلى المشهد المقصود حيث يجمع في طياته مشاهد كثيرة وهو في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ

стр. 549

النَّاسِوَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٥١]. بدأت الآيات الأولى في قصة بدر كما ذكر القرآن الكريم بتسليم الأنفال لله ورسوله ﷺ وأنها خاصة به جل وعلا يضعها ويقسمها حيث يشاء، ثم بين الأهم من الأنفال والذى يجب أن يكون عليه المؤمنون من الإيمان وأخلاقه، ليركنوا إليه ويتوكلوا عليه لأن كل ذلك بترتيبه هو سبحانه لا بترتيبهم ولا بترتيب الدنيا جميعاً. وإذ استقرت الأحوال والنفوس والأوامر والنواهى والوصايا كما أبرزتها الآيات من الله تعالى، عاد القرآن الكريم ليفصل قسمة الغنائم كما أراد هو جل وعلا، ومع إعلان هذه القسمة بعد انتهاء المعركة وضح لهم أموراً أخرى تؤكد عليهم أن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، وشرح صدورهم بمعنى جديد مازالت أصداه عالية، وستبقى إلى يوم القيامة وهو تسمية يوم بدر بيوم الفرقان، وكان مناسباً بعد ذكر الفرقان أن يبين لهم مستحضراً الحالة أمامهم كأنها مشاهدة كيف كان فرقاناً، وكذلك التوجيهات التالية لهذا النصر الإلهى، الذى لا دخل لهم فيه ليعود بهم إلى السيرة العطرة التى أرادها لهم، ولتكون تلك التوجيهات النيبراس الهادى لهذا الطريق القويم لرفعة الدنيا والآخرة. وبتفصيل يسير يبدأ هذا الشطر ببيان حكم الله تعالى في الغنائم ليستوحوا له إن كانوا يؤمنون بالله وما أنزل على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ثم يكشف لهم عن تدبير الله وتقديره في الموقعة التى جاءت بهذه الغنائم، ويستحضر جانباً آخر من مواقف المعركة

стр. 550

ومشاهدها يتجلى فيه هذا التقدير وذلك التدبير، كما يتجلى مرة أخرى أنهم لم يكونوا سوى أداة لإمضاء قدر الله تعالى ستاراً له، ثم يهيب بهم من وراء هذا الذى كشفهم لهم من حقيقة المعركة إلى الثبات عند اللقاء، وإلى ذكر الله وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ويحذرهم التنازع مخافة الفشل والانكسار، ويدعوهم إلى الصبر، وتجنب البطر والرياء في الجهاد، ويحذرهم عاقبة الكفار الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله منخدعين بكيد الشيطان، ويؤكد لهم مرة أخرى، الدعوة إلى التوكل على الله وحده، القوى القادر على النصر، الحكيم في تقدير وتدبيره، ثم يريهم سنته في أخذ الكافرين المكذبين، وكما ذكر في الشطر الأول الملائكة يثبتون المؤمنين، ويضربون أعناق الكفار وأيديهم، ذكر هنا أن الملائكة يتوفون الذين كفروا يضربون وجوههم وأدبارهم – ثم زاد بذكر نعمته ومنته في تآلف المؤمنين والتى لم تكن ولو اجتمع لها من بأقطارها - يطمئنهم إلى كفايته لهم وحمايته إياهم، ومن ثم حرضهم على القتال، وأن يصمدوا في أضعف حالاتهم، بضعْف أكفائهم من المشركين، والله ناصرهم ما صبروا. (١) هذا التمهيد نواجه به ما يخصنا فقط من أحداث السيرة ومعانيها، ونبدأ لما استسلموا لأمر الله كما طلب منهم، واستقر فيهم مدلول الإيمان، عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة، ويستبقى الخمس على الأصل لله ولرسوله ﷺ ، لقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو، إنما يستحقونها بمنح الله لهم إياها، بما منحهم من نصر من عنده، وبما دبر أمر المعركة كله، إن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو مقتضى الإيمان بالله تعالى، وذكر مع الإيمان بالله الإيمان بما أنزل على عبده يوم الفرقان فذكرهم بعبده ﷺ تشديداً على الإيمان به، وتصديقاً له فيما أخبر عن ربه، وأن العبودية التى وصل إليها هي أعلى درجات الإيمان والاصطفاء وإنه أعلى مقام يصل إليه الانسان بتكريم الله له، فهى تجلى لهم

стр. 551

قيمة النبي ﷺ عند الله، وفيما يبلغ به عن ربه، وفيما يوكله فيه ربه من التصرف وبالتالى يرشدهم إلى حقيقة العبودية التى يجب أن يسعوا ليدركوها بفضل الله تعالى ليخرجوا بها من عبودية العباد والنفس والهوى والمألوفات والعادات، ليكونوا أحراراً كما فطرهم لا يعبدون سوى إلاههم الواحد جل وعلا. (١) ويبين لهم أيضاً أن ما أنزل على عبده يوم الفرقان قد رأوه وسمعوه، قد عاينوه وعايشوه وعلموا أن ليس لأحد فيه فضل، وألا قوة على إيجاده وإنزاله إلا للقوى القاهر، مما يستجيش به عندهم عواطف الإيمان ودلائل اليقين وقوة الثقة، التى تحملهم على أن يكونوا كما أراد الله ورسوله ﷺ في كل أحوالهم ومعاركهم لينزل عليهم ما شاهدوه بأعينهم واستقر مدلوله في قلوبهم ووجدانهم، ليس بعد ذلك دلائل لإيمان، ولا لتصديق ولا لنبوة، وما يتخلف شيء بعد الآن بسبب من أنفسهم. ونجيء إلى وصف ذلك اليوم بالفرقان. إن الفرقان الأول – وهو المجمل – الذى أشار إليه المفسرون، وهي أنها كانت فرقاناً بين الحق والباطل، ولكنه الحق الذى قامت عليه السماوات والأرض الحق الأصيل الذى يعنى تفرد الرب بالالوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وأن الكون كله في عبوديته لا معقب له ولا شريك، وبين الباطل الزائف الذى يقيمه في الأرض طواغيت تعبد من دون الله تعالى وتتصرف في خلق الله بما تشاء هي. لقد كانت فرقاناً بين الوحدانية المجردة لله تعالى في الشعور والضمير، والخلق والسلوك والعبادة والمعاملة، وبين الشرك في كل الصور التى تشمل عبودية الضمير لغير الله تعالى من الأشخاص والقيم والأهواء والتقاليد وغيرها بحيث لا تنحنى الهامات لغير

стр. 552

الله متساوية في الخضوع لشرعة. لقد كانت غزوة بدر فرقاناً بين عهدين في تاريخ الإسلام عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة، إنه عهد الاندفاع لتحقيق المنهج الجديد والدولة الجديدة والمجتمع الجديد في واقع الحياة، يزيل المعوقات التى تحول دون ذلك في واقع المسلمين أولاً، وفي حياة البشرية بعد ذلك. وما هي إلا سنوات بداية بذلك العهد الذى كان إيذاناً بانتهاء دولة الكفر حتى ظهر صدق هذا الفرقان وأنه كان حقاً. كانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ البشرية، فالبشرية بمجموعها قبل قيام نظام الإسلام كانت غير البشرية بعد قيام نظام الإسلام، بلا جدال، وكانت تلك البداية في غزوة بدر، والتى لولا تدبير الله تعالى لدينه وجنده وما أراد لهذه البشرية من الهداية بالرسالة الخاتمة لكانت غنيمة لقافلة بها بعض الأموال. هذا المجتمع الذى يمثل ميلاداً جديداً للإنسان، وهذه القيم التى تقوم عليها الحياة، ويقوم عليها النظام الاجتماعى والقانونى وغيره كل ذلك لم يعد ملكاً للمسلمين وحدهم، بل صار شيئاً فشيئاً ملكاً للبشرية تأثرت به سواء في دار الإسلام أو في خارجها، سواء بصداقة الإسلام أو بعداوته، إن الصليبين الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام في ربوعه قد تأثروا بقضاياه ومنها نظامه الاجتماعى فرجعوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الاقطاعى، وإن التتار الذين دمروا خلافة الإسلام وهدموا حواضره بإيحاء من اليهود والصليبين من أهل دار الإسلام رجعوا يعتنقون هذه العقيدة ونشروها في رقعة من الأرض جديدة في قلب أوربا ظلت الخلافة فيها من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، على أية حال لقد تأثر التاريخ البشرى كله في أرض الإسلام أو الأرض التى تناهضه على السواء. (١)

стр. 553

وأخيراً كانت فرقاناً في التصور بين أسباب النصر وعوامل الهزيمة، لقد كانت كل عوامل النصر الظاهرة في صف المشركين، وكانت في صف المؤمنين كل عوامل الهزيمة الظاهرة، حتى قال المنافقون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]، لقد أراد الله تعالى أن تجرى المعركة على هذا النحو لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، فتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، ليعلموا أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، لقد كانت تلك الألفاظ القليلة الموحية بكل تلك الإيحاءات هي أعلام السيرة التى ساروا بها وساروا تحتها وساروا وراءها، وكلما تمسكوا بها ثبتت وتقدمت وانتصرت، وكلما سقط علم من أعلامها ولم يرفعوه بدأت تهتز الأركان، وتتكالب القوى وهو ما ندركه اليوم، وندرك به ضرورة رفع تلك الأعلام مرة أخرى لنعيد السيرة سيرة الرسول ﷺ وصحبه، السيرة الأولى. وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يعود إلى المعركة ليعيد عرضها في ثوب لم ينشر من قبل بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها، كما لو كانت معروضة فعلاً، ويكشف عن تدبير الله تعالى في إدارتها، وكان هذا المشهد يمكن أن يذكر في أول السورة مع أول ما ذكر إذ له تعلق شديد ببداية المعركة، وإنما ذكرها ليدلل على الفرقان الحاصل بهذا العرض، ويبينه لهم بعد المعركة لأنه المستمر معهم بعد ذلك ومع المؤمنين إلى يوم القيامة، وكذلك مع الكافرين، وليكون تمهيداً لأحكام أغراض مستمرة دائمة مبتدئة بيوم الفرقان. يقول تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا

стр. 554

وَيُقَلِّلُكُمْفِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤٢ - ٤٤]. إن الآيات تحكى وتنطق بمواقع الفريقين، وفي نفس الوقت شاهدة بالتدبير الخفى من ورائها إن يد الله تكاد ترى وهي توقف هؤلاء هنا وهؤلاء هناك والقافلة من بعيد أسفل منهم بمحازاة الساحل. ثم تبين الآيات الرؤيا التى رآها النبي ﷺ في إغفائه تقللهم في عينه تسليماً من الله للمؤمنين من الفشل والتنازع لو رآهم كثيراً إلى آخر المدلولات والاشارات والمنطوقات في هذه الآيات القليلة الموحية بأعظم المعانى التى سنشير إلى بعضها في طوايا الكلام إن شاء الله تعالى. لقد نزل المؤمنون بضفة الوادى القريبة من المدينة، ونزل جيش المشركين بقيادة أبى جهل بالضفة البعيدة من المدينة، وبين الفريقين ربوة تفصلهما، وأما القافلة فقد فر بها أبوسفيان إلى محاذاة الساحل فكانت تحت المؤمنين من جهة البحر، ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه، وإنما جمعهما الله هكذا على جانبى الربوة لأمر يريده، حتى لو أن بينهما موعداً على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد، هذا يذكر به المولى سبحانه المؤمنين الآن ليذكرهم بتدبيره وتقديره وإحاطته بكل شيء. إن وراء هذا التلاقى بهذا العرض لأمراً مقضياً يريد رب العباد تحقيقه بكم أيها المؤمنون في عالم الواقع ويدبر له هذه التدبير الخفى اللطيف، ويهيء له جميع الظروف التى تيسر لكم القيام به إنه قوله وحكمه العدل: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. (١) إن الهلاك هنا قد يعبر به حقيقة عن القتل، مجازاً عن الكفر، وكذا الحياة يعبر بها عن

стр. 555

الحياة والإيمان حقيقة ومجازاً كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فمن يؤمن بعد ذلك في هذا الفرقان الضخم يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة، ومن يكفر بدون ما شبهة قط يكفر عن بينة فيهلك عن بينة – إن المعركة بظروفها التى لابستها وصاحبتها – تحمل بينة لا تجحد وتدل دلالة لا تنكر على تدبير وراء تدبير البشر، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر إنها تثبت لهذا الدين رباً يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوة المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم. ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذى أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: فلعمرى إن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل الله – كما يزعم محمد – فما لأحد بالله من طاقة. ولقد علموا – لو كان العلم يجدى – أنهم إنما يقاتلون الله كما قال لهم رسول الله الصادق الأمين ﷺ ، وأنه ما لأحد بالله من طاقة .... فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة. (١) وبعد هذا التعقيب على ما سبق يأتى أظهار القرآن الكريم للتدبير الخفى اللطيف: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣]. لقد كان من تدبير الله تعالى أن يرى النبي ﷺ رؤيا في منامه يرى فيها الكافرين قليلاً لا قوة لهم ولا وزن فيخبر أصحابه برؤياه فيستبشروا ويتشجعوا على خوض المعركة، ويخبر المولى جل وعلا بعلة ذلك، بأنه علم سبحانه أنه لو أراهم كثيراً لفت ذلك في عضد

стр. 556

المسلمين، ولأضعف قلوبهم عن قتال لا استعداد له ولا توقع، ولتنازعوا في اللقاء وعدمه، والنزاع أشأم شيء يصيب جيشاً في مثل هذا الموطن. والرؤيا - رؤيا النبي ﷺ وهي حق -، فكيف يراهم على مخالفة الواقع وهم كثير، إنهم قليل كما رآهم ﷺ فعلاً إن القوة مهما كانت كثيرة العدد والعدة بغير إيمان فهى قليلة العناء قليلة الوزن في المعركة، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع والإيمان الدافع، هذه هي الحقيقة من وراء الظاهر المخادع، وهي التى أدخلت الطمأنينة في قلوب المؤمنين وكان هذا تدبيراً من تدبير الله العليم بذات الصدور كما ختمت به الآية. وعندما التقى الجمعان جاءت رؤية العيان لتكرر الرؤيا النبوية الصادقة بأن يرى كل من الفريقين الآخر قليلاً ليقضى الله أمره المفعول وينفذ قدره السابق، وجاء التذييل: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وهو التعقيب المناسب لتحقيق التدبير ووقوع القضاء، وهو أن الأمور كلها مرجعها إلى الله يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته، ولا تند عن قدرته وحكمه، ولا ينفذ في الوجود شيء إلا ما قضاه وجرت به المقادير. ومنها على وجه الأخص ذلك الحكم الذى نحن بصدده، إذ الكلام مسوق إليه سوقاً أولياً. ونشير سريعاً إلى تحليل تلك الآيات من آيات السيرة القرآنية لغزوة بدر، حيث بدأت بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١]. وهذا انتقال لبيان ما أجمل من حكم الأنفال الذى افتتحته السورة، وافتتاحه بـ ﴿وَاعْلَمُوا﴾، للاهتمام بشأنه، والتنبيه على رعاية العمل به، فإن المقصود بالعلم تَقَرُرُ الجزم بأن ذلك حكم الله، والعمل بذلك المعلوم، فيكون ﴿وَاعْلَمُوا﴾، كناية مراداً به صريحه ولازمه، والخطاب لجميع

стр. 557

المسلمين، وبالخصوص جيش بدر. (١) ﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾، شرط يتعلق بما دل عليه قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العمل بالمعلوم والامتثال لمقتضاه، لأن العلم المجرد يستوى فيه المؤمن والكافر صح تعلق الشرط به، فيكون قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾، دليلاً على الجواب، أو هو الجواب مقدماً على شرطه، والتقدير: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنما غنمتم إلى آخره، لأن الذى يتوقف على تحقق الإيمان بالله وآياته هو العلم بأنه حكم الله مع العمل المترتب على ذلك العلم. مطلق العلم بأن الرسول ﷺ قال ذلك. (٢) وبالتأمل نرى أن الشرط هنا محقق الوقوع؛ إذ لا شك في أن المخاطبين مؤمنون بالله، والمقصود منه تحقق المشروط، وهو مضمون: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ إلى آخرها. وجيء في الشرط بحرف ﴿إِنَّ﴾، التى شأن شرطها أن يكون مشكوكاً في وقوعه زيادة في حثهم على الطاعة حيث بفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه إلهاباً لهم ليبعثهم على إظهار تحقق الشرط فيهم. فالمعنى حينئذ أنكم آمنتم بالله والإيمان يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له سبحانه، وآمنتم بما أنزل على عبده يوم بدر حين فرق الله بين الحق والباطل فرأيتم ذلك رأى العين وارتقى إيمانكم من مرتبة حق اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فعلمتم أن الله أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين، فكان ما دفعكم إليه أحفظ لمصلحتكم، وأشد تثبيتاً لقوة دينكم فمن رأوا ذلك وتحققوه فهم أحرياء بأن يعلموا أن ما شرع الله لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة، ووراء ذلك مصالح جمة آجلة في الدنيا والآخرة.

стр. 558

وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾، عطف على اسم الجلالة، والمعنى وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان – يوم بدر – وتخصيص ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، بالذكر من جملة معتقدات الإيمان؛ لأن لذلك المنزل في هذا اليوم وقعه الشديد التأثير عليهم مما يجعل لهذا المنزل مزيد تعلق بالمسارعة إلى العمل بما أمروا به في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾. وإن ما نبههم إليه في ذلك الإنزال أمران: الأول: أن يكون المنزل هو الوحى الذى أنزله على عبده يوم بدر كوعده باحدى الطائفتين وتبشيره بالنصر، والوحى بقلة أولئك وهؤلاء ... إلى آخر ما نزل من وحى الله تعالى لرسوله ﷺ . الثاني: أن المنزل يوم الفرقان هو ما شاهدوه بأعينهم من خوارق العادات، واللطف الإلهى، كنزول الملائكة، وإنزال المطر عند حاجة المسلمين إليه، ونصر القلة على الكثرة إلى غير ذلك مما ذكرنا في موضعه. وإن إطلاق الانزال ليشمل الأمرين كما ذكرنا معاً. وتزيد الآية في إظهار أمر آخر وهو التشريف لهذا الانزال والتطهر؛ لأن إطلاق الانزال على حصوله استعارة تشبيهاً له بالواصل إليهم من علو تعظيماً له (١)، علاوة على تعظيم النبي ﷺ بالاضافة إلى الله جل وعلا، وبصفة العبودية خاصة التى هي أعلى درجات وصفات المدح، مع إرشاد المؤمنين إلى العبودية التى يجب أن يكونوا عليها في تلقى أوامر مولاهم السيد الأعلى وأن حصولهم على تلك المرتبة العليا عند الله تعالى، كما هي لنبيهم بكونهم يكونون عبيداً لربهم منقادين له مع تمام المحبة.

стр. 559

و ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، هو يوم بدر وهو اليوم السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وقد ذكرنا لم سمى الفرقان - ولكن إضافة يوم إلى الفرقان إضافة تنويه به وتشريف له - وقوله: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، بدل من يوم الفرقان، فإضافة يوم إلى جملة: ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، للتذكير بذلك الالتقاء العجيب الذى كان فيه نصرهم على عدوهم، وهذا الالتقاء العجيب حقه أن يذكر به لحكمه التى أشرنا إليه، وحصوله الذى لا يمكن لأحد إحداثه إلا الله، وإن استمرار المؤمنين على ذكر منه لتقوية لإيمانهم، وشحذاً لهمهم على مواصلة المسيرة، ومن ثم رأينا تفصيل القرآن الكريم لهذا اللقاء لذينك الجمعين، جمع المؤمنين المؤيد بالله، وجمع المشركين. فيما يأتى من آيات. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، اعتراض بتذييل الآيات السابقة لارتباطها بما بعدها كأنها في سلك واحد لو قلنا يوم التقى الجمعان إذ أنتم بالعدوة الدنيا .... إلى آخره فالكلام مستقيم ولكن البلاغة في الاعتراض بهذا التذييل ليؤكد أن ما حدث بتمام قدرته وما سيفصله حالاً إنما هو كذلك بتمام قدرته، وهذا دليل على أنه لا يتعاصى على قدرته شيء؛ فإن ما أسداه لكم يوم بدر لم يكن جارياً على متعارف الأسباب المعتادة، فقدرة الله تعالى قلبت الأحوال، وأنشأت والأشياء من غير مجاريها، وأن ما جرى ليلتقى الجمعان بهذه الطريقة كان بترتيب الله وتدبيره، ثم قصه القرآن مفصلاً بقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢]. ﴿إِذْ﴾ ظرف ل ﴿أَنْزَلْنَا﴾، أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا، ووصف الهيئة ليس من دواعى القرآن الكريم وأغراضه، فهو أطناب في وصف المنازل، لا يذكره القرآن إلا أن يكون فيه عبرة لازم التذكير بها وقد ظهرت هنا، وهي الحالة الحرجة التى كان المسلمون عليها التى

стр. 560

بينها الظرف وما أضيف إليه لتذكيرهم بها، وتنبيههم للطف عظيم حفهم من الله تعالى، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين، وكيف ألتقى الجمعان في مكان واحد على غير ميعاد، ووجد المسلمون أنفسهم أمام عدو قوى العدد والعدة والمكانة من حسن الموقع. والعدوة (١)، ضفة الوادى وشاطئه. والوصف بالدنيا والقصوى يَشْعُر المخاطبون بفائدته، وهي أن المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى، لأنها الأنسب كما بينا فلما سبق المشركون اغتم المسلمون لذلك، فلما نزل المسلمون بالعدوة الدنيا انقلب الموقف بإنزال الله للمطر، حيث تخير المسلمون أحسن موقع وثبتت أرضهم وسقوا وغوروا الماء واتخذوا الحوض، فلما وصل المشركون وجدوا المسلمين قد احتازوا الماء وساء موقفهم ولم تنفعهم العدوة القصوى التى ظن المسلمون أنها الأحسن والأوفق. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وهم عير قريش التى أفلتت من المسلمين بمحازاة الساحل بقيادة أبو سفيان، فلو علم العدو بهذا الوضع لاطبقوا بجماعتيهم على المسلمين، ولكن الله صرفهم عن التفطن لذلك، وصرف المسلمين عن العير، ولو حاولوا لوقعوا بين جماعتى العدو. و ﴿أَسْفَلَ﴾، منصوب على الظرفية المكانية، وهو في محل رفع خبر عن الركب، أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه لتغنموا ما فيه. نعود إلى التقييد بهذا الوقت وتلك الحالة فيه، فهو مثل وصف المنازل لاجدوى منه في

стр. 561

القرآن الكريم إلا للعبرة والعظة للسامعين والمؤمنين، ومن ثم كان الغرض من ذلك شكر نعمة الله على ما وفقهم إليه وصرفهم له، وعلى نصرهم بخلاف ظنهم، ليحسن ظنُهم بالله تعالى والاعتماد عليه في أمورهم، فإن تكامل وصفهم بكل تلك الأحوال من أول السورة وبداية سرد القصة ليبرهن وهم موقنون بذلك، أنهم في أصعب حالة وعدد ومكان وعدة ولم يكن لهم شيء يوازن المشركين فضلاً عن أن يتفوقوا فيه عليهم، فكان من عجيب عناية الله تعالى أن قلب تلك الحالة رأساً على عقب، وألقى الله في قلوب المشركين تهوين أمر المسلمين فلم يأخذوا حذرهم – وهم على حق في ظاهر الأمر – لأى شيء يأخذون حذرهم، وجعلوا مقامهم في بدر مقام لهو وطرب. فنصر الله المسلمين، من حيث لا يتوقع المسلمون ولا المشركون ولا أي أحد كان، ومن ثم فالذين خوطبوا بقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ......﴾، الآية هم أعلم السامعين بفائدة ذلك ولولاه لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى. (١) وجملة ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، في موضع الحال من الجمعان، وعاملالحال فعل ﴿الْتَقَى﴾، أي يوم التقى الجمعان في حال لقاء على غير ميعاد، قد جاء ألزم مما لو كان على ميعاد فإن اللقاء الذى يكون موعوداً قد يتأخر فيه أحد المتواعدين عن وقته (٢)، وهذا اللقاء قد جاء في إبان متحد وفي مكان متقابل ومعنى الاختلاف في الميعاد: اختلاف وقته بأن يتأخر أحد الفريقين عن الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء وللعلامة الطاهر بن عاشور رأى في التلازم بين شرط ﴿وَلَوْ﴾، وجوابها هنا حيث هو خفى وأشكل على المفسرين

стр. 562

ونلخصه فيما يلى لفائدته فيما نحن فيه من سيرة وكيف عبر القرآن الكريم بهذه التعبيرات الجليلة في سوق سيرة النبي ﷺ والمؤمنين، وما ينبغى على المؤمنين أن يفقهوه ليعيدوا به سيرتهم الأولى فيقول: والتلازم بين شرط ﴿وَلَوْ﴾، وجوابها خفى هنا، وقد أشكل على المفسرين، ومنهم من اضطر إلى تقدير كلام محذوف تقديره: ثم علمتم قلتكم، وأن ذلك يفضى إلى التخلف – وقد ذكرنا القائلين بذلك في الهامش السابق – وغير ذلك من التقدير. فالوجه في تفسير هذه الآية أن ﴿وَلَوْ﴾، هذه من قبيل ﴿وَلَوْ﴾، الصُهَيبية فإن لها استعمالات ملاكها: أن لا يقصد ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون الشرط، بل يقصد أن مضمون الجواب حاصل لا محالة، وقد ذكر الشواهد على تفصيلات ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ومحصل هذا أن مضمون الجواب مستمر الحصول في جميع الأحوال في فرض المتكلم، فيأتى بجملة الشرط متضمنة الحالة التى هي عند السامع مظنة أن يحصل فيها نقيض مضمون الجواب وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]. والمعنى: لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، أي في وقت ما تواعدتم عليه؛ لأن غالب أحوال المتواعدين ألا يستوى وفاؤهما في وقت الوفاء بما تواعدا عليه. أي في وقت واحد، لأن التوقيت كان في تلك الأزمان تقريباً يقدرونه بأجزاء النهار كالضحى والعصر والغروب. لا ينضبط كاليوم فلكياً، والمعنى: فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء متحدين وقت حلولكم في العدوتين، فاعلموا أن ذلك تيسير بقدر الله لأنه قدر ذلك لتعلموا أن نصركم من عنده على نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. (١)

стр. 563

وظهر موقع الاستدراك في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]. والتقدير ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غير اتعاد ليقضى الله – ليحقق وينجز – ما أراده من نصركم على المشركين، ولما كان تعليل الاستدراك قد وقع بفعل مسند إلى الله كان مفيداً أن مجيئهم إلى العدوتين على غير تواعد منهم كان عناية بالمسلمين من الله تعالى. ومعنى ﴿أَمْرًا﴾، هنا الشيء العظيم المهم و ﴿كَانَ﴾، تدل على تحقق ثبوت معنى خبرها لاسمها من الماضى مثل قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. فالاستحقاق لهذا الحق ثابت علينا من الأزل، ولذا فمعنى: ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾، أنه ثبت له في علم الله السابق أنه يفعل، فاشتق له صيغة مفعول من فَعَل للتدليل على أنه حين قدرت مفعوليته في الأزل صار كأنه فُعِل. ويكون حاصل المعنى: لينجز الله ويوقع حدثاً عظيماً متصفاً منذ القدم بأنه محقق الوقوع حقيقاً بأن يفعل حتى كأنه قد فُعِل؛ لإنه لا يمنعه ما يحف به من الموانع المعتادة. لا شك أن تلك الآيات في درسها اللغوى والنحوى والبلاغى تشير إلى هذه المعانى المهمة التى هي محل توضيح القرآن الكريم لسرد السيرة قصصاً وفقهاً ومعنى وأحكاماً عبراً وعظات وتأسيساً لواقع، وتثبيتاً لإيمان، وسعياً لنصر إلى آخره، ويظهر ذلك في: عناية الله الأزلية بالمؤمنين فيما يختاره لهم. ترتيب الله لهم، وحملهم على هذا الترتيب، وإفشاء تدبير الكافرين وكيدهم. تبيين الأدلة وتعليل الأحوال والأحكام لهم، ليظهر لهم وجه المصلحة فيما أراد بهم،

стр. 564

وما لم يعلموا من مصالح هو أعظم فائدة لهم حتى يثبتوا ويسيروا مطمئنين واثقين في نصره، يزدادون بذلك إيماناً وتوكلاً وبذلاً وتضحية. التأكيد لهم على صدق الرسالة والرسول ﷺ وصحة النبوة وإتصال الأرض بالسماء وعلى توحيد الله تعالى الذى كل شيء بيده وله ملكوت كل شيء، وعلى الإيمان باليوم الآخر. إن ذلك كله لهو القول الفصل في الرد على شبه المستشرقين، ووضوح الردود على أمراضهم بلا لبس. وما ساقته الآيات الأخيرات ليس إلا جزءاً مما يذخر به القرآن الكريم في عرض السيرة كافة، وأهداف ذلك العرض، بما يوضح أهميته للمؤمنين في كل آن ومكان في محاولة للتشبث بذلك ليعودوا إلى سالف مجدهم وعزهم. والجمل الباقيات في هذه المشاهد تسير على نفس الوتيرة، مع زيادات آخر وتفهيمات جديدة، سوقها للتحليل من ألزم ما يلزم. ويأتى قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، في موضع بدل اشتمال من جملة ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ ....﴾، لأن الأمر هو نصر المؤمنين وقهر المشركين، مع إهلاك المهزومين وإحياء المنصورين، وحفه من الأحوال الدالة على عناية الله بالمسلمين وإهانته للمشركين بالبينة التى تقطع عن الهالكين، وتقتضى شكر الاحياء، وليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة. والهلاك: الموت والاضمحلال ولذلك قوبل بالحياة، والمعنى الزائد عما ذكرنا من قبل إجمالاً هو أن الهلاك والحياة مستعاران لمعنى ذهاب الشوكة، ولمعنى نهوض الأمة وقوتها،

стр. 565

وقد جمع التشبيهين في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فإن الكفار كانوا في منعة وعزة، وكان المسلمون في ضعف وقلة، فلما قضى الله تعالى بالنصر للمسلمين أخفق أمر المشركين ووهنوا، وصار أمر المسلمين إلى جدة ونهوض، وتلك الحياة وذلك الموت لاشارة قوية إلى اضمحلال أمر المشركين يفنوا عن بينة، وارتفاع أمر المسلمين وإيمان من آمن عن بينة، إذ ذلك حكم فصل تحقق بعد ذلك في ذهاب ريحهم وهزيمتهم. فكانت وقعة بدر إذن بداية هلاك من هلك عن بينة حتى ينتهى هلاكهم، وحياة ونهوض من آمن حتى يرتفع أمرهم: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وقد كان. و ﴿وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .. أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين وصف السمع ووصف العلم لاشتمال الإيمان والكفر على القول والاعتقاد اللذين يستدعيان السمع والعلم، وإن كان هذا التذييل يشير أول ما يشير إلى المسلمين بأن الله تعالى سميع لدعائهم بطلب النصر، وسميع بما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر، ومودتهم أن ذات الشوكة تكون لهم. وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة، وكل ذلك ينبههم إلى تربية المهابة بعد ذلك في قلوبهم وأفكارهم وأقوالهم، وأن يكون ذلك كله استجابة لأمر الله ظاهراً وباطناً. وتمضى الآيات لتسكمل بقية ما بدأته من مشاهد، ونسير معها نستجلى تلك السيرة التى قصتها، والتى لم تكن لنقص في السيرة، وواقع الأمر لو حكيت بمثل ما قصت به في القرآن الكريم مع استيفاء هذا القص لكل الجوانب اللازمة من وراء هذا السرد، بما يضيف
следующие страницы →