← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قبيل الحرب إلى نحو ثمانين ألفا إبانها. واستمرت هذه الهجرة حتى العام ١٩٢٤، لسد الفراغ في حاجات فرنسا إلى اليد العاملة. وأخذت الهجرة في الهبوط بصورة حادة بعد العام ١٩٢٤، ولا سيما في العام ١٩٢٩، بسبب حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية. وعندما استؤنفت الهجرة ثانية في العام ١٩٣٦، بلغ عدد الجزائريين العاملين في فرنسا نحوا من اثنين وثلاثين ألفا. مقابل نحو من مائة ألف في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٢٠ و١٩٢٤. أدت جهود العمال والجنود الجزائريين، وتضحياتهم، أيام الحرب العالمية الأولى، وموجة الغضب التي هيمنت على الجزائر، إلى قيام اليسار الإفرنسي بتأييد حركة الإصلاح. ورفض رئيس الوزراء (كليمنصو) الإذعان لمقاومة المستوطنين وضغوطهم، من أجل صرفه عن تنفيذ ما أطلق عليه صفة (اقتراحات معتدلة). وصدر تبعا لذلك قانون في عام ١٩١٩، يسمح للمتعلمين الجزائريين - في فرنسا -بالحصول على الجنسية الإفرنسية، شريطة التخلي عن حقوقهم الخاصة بموجب القانون المدني الإسلامي. (وكان القانون الذي بني على تقرير لجنة مجلس الشيوخ الإفرنسي في العام ١٨٦٥ قد سمح بمثل هذه الإجراءات. غير أن التعقيدات التنفيذية جعلت من المحال على الجزائري الحصول على هذه الجنسية). ولكن عدد الجزائريين الذين استجابوا للقانون الجديد لم يكن كبيرا، وعندما حل العام ١٩٣٦، لم يكن عدد الذين اكتسبوا الجنسية الإفرنسية يزيد على بضعة ألوف. وهنا لا بد من الإشارة إلى ذلك الجهد الكبير الذي بذلته (جمعية العلماء المسلمين الجزائرية)

стр. 1017

والتنظيمات الإسلامية الأخرى من أجل توعية المواطنين، وإقناعهم بالتمسك بهويتهم الإسلامية؛ ورفض التجنس بالجنسية الإفرنسية. وعلى كل حال، فقد شرع بعض الجزائريين ممن تعلموا في فرنسا، وتكيفوا مع حياتها، بالمطالبة لقبولهم مواطنين إفرنسيين، على الرغم من القانون المدني الإسلامي. وكان هؤلاء (المعتدلون) يبحثون عن نموذج جديد من الإدماج، ومن المساواة في الأوضاع، ضمن المجتمع الجزائري. وأدت الانتخابات العامة في فرنسا - في أيار، مايو، ١٩٣٦ - إلى فوز اليسار الإفرنسي بانتصار بارز، وقيام حكومة للجبهة الشعبية بقيادة الاشتراكي (ليون بلوم) (١). واستجابت الحكومة الإفرنسية لطلبات (المعتدلين الجزائريين) فوافقت على القانون الذي اقترحه (بلوم - فيوليت) والذي كان من المقرر أن يعطي الجنسية - الإفرنسية إلى فئات معينة من الجزائريين المثقفين (المتعلمين في فرنسا) بدون أن يتخلى هؤلاء عن حقوقهم التي يضمنها لهم القانون المدني الإسلامي، ولكن هذا القانون لم يصدق عليه في البرلمان الإفرنسي، بسبب معارضة المستوطنين القوية له. وأدى فشله إلى خيبة أمل الكثيرين من (المعتدلين) الجزائريين، الذين حاولوا الإخلاص لمدرستهم الإفرنسية التي نشؤوا فيها.

стр. 1018

٣ - السياسة الاستعمارية والظهير البربري أصدرت الحكومة الإفرنسية في ١١ أيلول - سبتمبر - ١٩١٤ القانون الذي اشتهر باسم (الظهير البربري) (١) أو (قانون ليوتي). ونصت المادة الأولى منه على ما يلي: (تبقى القبائل البربرية خاضعة في إدارتها لشرائعها وعاداتها وقوانينها الخاصة، تحت رقابة السلطات الإفرنسية). ونصت المادة الثانية على أن (تختار السلطات الإفرنسية في الوقت ذاته لكل قبيلة ما يناسبها من القوانين والأنظمة). ولقد ظهر هذا القانون بعد مرحلة من الأبحاث والدراسات والممارسات، بدأت مع بداية الغزو الإفرنسي للجزائر، واستمرت حتى قيام الثورة الجزائرية الكبرى (١٩٥٤)، غير أن السبب المباشر لظهوره هو التمرد المستمر لما كان يطلق عليه اسم (بلاد

стр. 1019

المخزن) (١) وبصورة خاصة ما وقع في (خنيفرة) في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩١٤ حيث تصدى رجال المخزن لرتل من القوات الإفرنسية، وقتلوا من أفراده (٦١٣) جنديا، وجرحوا (١١٨٧) جنديا، وكان الهدف الأساسي هو (تأكيد السياسة الاستعمارية وفقا لمبدأ: فرق تسد). وفي الحقيقة فقد أثار ظهور قانون (الظهير البربري) جدلا كبيرا، وحوارا حادا، في كل أنحاء العالم الإسلامي وحاولت الإدارة الاستعمارية الإفرنسية بالمقابل والأجهزة الإعلامية التابعة لها وكتابها وباحثوها وأعوانها، التقليل من أصداء هذا القانون ونتائجه. غير أن ذلك كله لم يتمكن من حجب الحقيقة، وهي أن الإدارة الاستعمارية قد أرادت من خلال هذا القانون، وتطبيقاته، التأكيد على ما تزعمه من أن: (الشعب المغربي ليس شعبا عربيا) وأن هناك فارقا مميزا بين (الشعب المغربي، والكتلة البربرية).

стр. 1020

وأن: (الشعب المغربي الذي لم يتم تعريبه بعد يجب توجيهه للتعامل مع الحضارة الإفرنسية، وعزله عن كل تأثير عربي). وأن (المغرب الذي بقي كتلة بربرية، لم يوثر فيها الإسلام إلا تأثيرا سطحيا وضعيفا، ولم تتوغل فيها العروبة إلا بصورة جزئية ومحدودة جدا، هي كتلة يمكن لها، ويجب لها، أن تمارس دورا من أجل تحقيق فائدة عظمى لفرنسا). وكانت هذه السياسة تستند إلى معطيات قديمة قائمة على وجود لهجة بربرية، يمكن الإفادة منها لخلق واقع جديد عن طريق تكوين عقيدة بربرية جديدة. أسرع من يطلقون على أنفسهم ألقاب (علماء الأجناس - أو العروق) لوضع (نظرية عرقية) تدعم السياسة الاستعمارية، فقالوا: (إن هذا العرق البربري، ينحدر مثلنا نحن - الأوروبيين - من العرق الآري، وهو عرق مميز بمجموعة من الخصائص التي تطبع بمسيمها معظم الإفرنسيين مثل: الصراحة والإخلاص والإحساس بأهمية الروابط الاقصادية، وغياب أو ضعف النزعات العدوانية! ... والكفاءة المتوارثة في العمل، فهذه الكتلة البربرية هي التي جعلت من أفريقيا أهراء - مستودعا - يمون روما بما كانت تحتاجه من الحبوب والغلال. وأخيرا، فهناك حب الحرية، فالتقاليد البربرية قد جعلت من الإنسان البربري، رجلا حرا، يعشق حريته إلى أبعد الحدود، وهو على استعداد للقتال دفاعا عنها). ولقد جعلت هذه الحريات التي تتم ممارستها إجماعيا - كأسس ديمقراطية - وإفراديا - كمواطنين أحرار - جعلت من الصعب إخضاع

стр. 1021

البربر بالقوة وحدها. وهذا ما يؤكده. النظام الاستبدادي الجائر) الذي حاولت الإدارة الإفرنسية تطبيقه سنة ١٨٨٤، فكان من نصيبه الفشل الذريع. ولقد مرت على ذلك سنوات، ويجب تهنئة البربر خاصة على ما أظهروه من عدم الاهتمام بالاضطرابات السياسية ومن إرادة صلبة. فالبربري لا يحلم، لا ببرلمان، ولا بالاستقلال العربي. ويظهر أن البربر، الديمقراطيون منهم والمحافظون على حد سواء. بقوا محتفظين بفضائلهم السياسية التي يعتمدونها لإظهار الأخطاء العربية. أما بالنسبة للعقيدة؛ (فإن الجهود المستمرة طوال ثلاثة عشر قرنا، لم تتمكن من إدخال البربر في الإسلام. وضاعت كل الجهود في الهواء. وليس من قبيل التعصب القول بأن العرق البربري الصافي - النقي - لم يعتنق الإسلام، أو يمارس عباداته. فهم لا يقيمون الصلاة أبدا. وأما الأعياد الدينية بالنسبة لهم، فهي ليست أكثر من مناسبات لإطلاق القنابل، ومن المؤكد أنها تعديل للأساليب الوحشية في التعبير عن الحرية. وهي، في بعض الأحيان، يمكن اعتبارها وسيلة ساذجة للدجل والخداع مما تمارسه الزوايا والمساجد، وهي وسيلة عرف البربر كيف يسخرون منها، لا سيما وأن المعجزات التي ينتظرونها لم تحدث أبدا. وهنا يقع دهاقنة الاستعمار - من العلماء - في تناقضاتهم خ عندما يكتشفون: (بأن البربر يجنحون للتمسك بالدين، وبالإسلام خاصة، وليس ذلك إلا تعبيرا عن استعداد البربر لتبني أية ديانة من الديانات ...). ما من حاجة في الحقيقة للتوقف عند مثل هذه المقولات

стр. 1022

وأشباهها ونظائرها مما سبق ذكره أو مما سيأتي عرضه، فالشواهد التاريخية المعروفة جدا، تدحض ما تتضمنه مثل هذه المقولات الخبيثة في نصوصها واللئيمة فى أهدافها، فمن المعروف أن جيش فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير قد ضم أعدادا فخمة من مسلمي العرب والبربر على حد سواء. وقد استمر المسلمون في رفع راية الجهاد في سبيل الله قرونا طويلة في بر الأندلس وبحره، وفي المغرب العربي الإسلامي ذاته، ولم تكن جيوش المرابطين والموحدين ومن جاء بعدهم، حتى الغزو الصليبي للمغرب العربي الإسلامي (من الإسبانيين ثم الإفرنسيين) بما في ذلك جيش الأمير عبد القادر، إلا جيوشا إسلامية رفعت راية الإسلام لتضم تحتها ودونما تمييز وتفريق المجاهدين من المسلمين عربا وبربرا، وسواهم سواء بسواء ويؤكد ذلك وحده افتراء المزاعم الاستعمارية للتفريق بين العرب والبرر، والتمييز فيما بينهما على أساس عرقي - قومي. غير أنه من المفيد في كل الأحوال، التوقف عند هذه المقولات التي سيصطدم بها كل باحث تاريخي عند التعرض لما أطلقوا عليه صفة (الأدب الاستعماري في الجزائر). ذلك لأنه لا بد لكل باحث من أن يذهل لأساليب التضليل التي اتبعت من أجل اختراع الأكاذيب التي تخدم أهداف الاستعمار، ثم تضخيم هذه الأكاذيب والترويج لها حتى ظهر وكأنها ذات صلة حقيقية بالواقع. وقد أمكن بذلك خلق ما أطلق عليه اسم (الأسطورة القبلية) أو (الأسطورة البربرية) والتي تم دعمها بأبحاث عرقية، قيل أنها علمية، وهي ليست في حقيقتها ذات صلة (بالعلم) إلا من وجهة

стр. 1023

خدمة (الأقوياء البيض من الأوروبيين)، والإسهام في ضمان مصالحهم؛ شأن كل الواجهات العلمية والتقنية التي تسخرها الدول العظمى حاليا للهيمنة على الشعوب المستضعفة. المهم في الأمر، هو ألا يصدم القارىء عندما يقرأ في المراجع الاستعمارية إصطلاح (برابرتنا) لإبراز ذلك الرابط المشترك بين الإفرنسيين والبربر - على ما كان يزعم ضباط الاستعمار وكتابه والعاملون في إدارته، والمنفذون لما يخططه دهاقنته وقسسه ومفكروه. ومن ذلك قولهم: (يتشابه رجال قبائلنا في أفريقيا الشمالية مع رجالنا في إقليم - أوفيرن - (١) فهل يمكن التفريق بين البربري الأصيل ذو العرق الأبيض عن مواطن أوفيرن؟ إن أكثر هؤلاء البرابرة وحشية هم الأقل ممن اتصلوا بالحضارة الخارجية المستوردة. إنهم مميزون بطول القامة، والبياض الناصع للبشرة، والرشاقة في التكوين والنحول مع الصدر البارز المقبب وهي كلها من الملامح التي يشتركون فيها مع مواطنينا في أوفيرن. ويتميز هؤلاء عن سواهم - حتى بين البربر - بخصائصهم المتفوقة

стр. 1024

فيزيولوجيا، وهم أقل الناس تأثرا بالإسلام. هؤلاء الفلاحون الطيبون، ذوو الطباع الخشنة، لديهم كفاءة عالية في اختراع الحيل البسيطة. إنهم نموذج حقيقي للقيم الأخلاقية التي تتعارض بقوة مع القيم الإسلامية. وهكذا فإن الروح القديمة للبربر، هي ذات الروح القديمة لفلاحينا الإفرنسيين. إن حبهم للأرض هو الذي يوجه فضائلهم الحربية. لقد حرث - المسلمون - في المخزن كمن يحرث في البحر، وكان الموج دائما يعمل من ورائهم على إزالة ما يتم بناؤه على الرمال). وحتى يسهل على الاستعماريين الإفرنسيين إدارة هذه القبائل والهيمنة عليها، فقد حاولوا النفخ في بوق (ديموقراطية الشعب) لخلق خصائص مميزة بين قبائل المخزن وبين بقية مواطني الجزائر، وهو ما تبرزه المقولة التالية: (تظهر الديمرقراطية هنا - في الأطلس الأوسط - بكل أبعادها، فالشعب وحده هو القائد والشعب وحده هو الذي يتكلم، والشعب وحده هو الذي يغني). وحتى يفصل الاستعماريون بين رجال القبائل وبين الدين الإسلامي، فقد زعموا مرة أن أصول هؤلاء آرية، وزعموا مرة أخرى، أنهم من أصل روماني، وفي مرة ثالثة زعموا أنهم من أصل يهودي، وفقا لما تتضمنه المقولة التالية: (انحدر بربر الأطلس الأوسط من اليهود، ثم انتقلوا إلى الإسلام). وفي إطار هذه الحرب الصليبية، طرحت مقولات، ونظريات، لا نهاية لها، تصورها المقولة التالية: (عداء البربر للشريعة القرآنية - الإسلامية - هو عداء ثابت، ويعتبر مميزا للعرق

стр. 1025

البربري؛ البعيد عن الإسلام أو المعادي له، فالبربر جميعا لا يقبلون شريعة لهم إلا شريعة عاداتهم الوطنية، حتى أنه بالإمكان القول بأن البربر لا يخضعون للشرع إلا بقدر ما نخضعهم له بالقوة من أجل مساواتهم ببقية المسلمين ... إن القانون الذي يحكم البربر هو قانون العرف، الذي ينسجم في كثير من الأحيان مع قوانيننا الإفرنسية بأكثر مما ينسجم مع القوانين الإسلامية. وإن من مصلحتنا جميعا استخدام عاداتهم المدنية من أجل إخضاعهم لسيطرتنا). لقد كانت السلطات الاستعمارية الإفرنسية تعرف تماما أن ما تطرحه من مقولات، وما تبذله من جهد في هذا المضمار، هو أمر يتناقض مع حقيقة الموقف في الجزائر المجاهدة، فبعد عقود من الجهد عبر سنوات الصراع الوحشي المرير، لإعادة تنظيم القضاء بهدف إضعاف الإسلام والمسلمين، ظهرت وثيقة في سنة ١٩٣٠ تنص على ما يلي: (الإسلام بين هذه القبائل عميق الجذور جدا، وقد بقيت القبائل متعلقة بعاداتها المحلية في كل ما يتعلق بأمورها التي يحكمها القادة والشيوخ. وهم - أي رجال القبائل - يرجعون إلى القاضي للفصل في كل الأمور المتعلقة بأوضاعهم الشخصية). ولكن على الرغم من ذلك، فإن السلطات الاستعمارية لم تيأس من إمكانية إبعاد المسلمين عن قواعدهم الصلبة، لتكوين (مسلمي الهوية) (١) مركزين الجهد على القبائل البررية في الأوسط

стр. 1026

الأطلسي (حيث تشكل القبائل في جبال جرجرة قلعة الاستقلال للناطقين باللغة البربرية. وحيث يمكن - أو يجب تحويل السكان في هذه المنطقة إلى فرنسيين لسانا وقلبا). وللوصول إلى هذا الهدف، عملت السلطات الإفرنسية على اختيار (قبائل الشلوح) (١) والزيانيين كأساس لتوحيد كتلة البربر وإعدادها لتكوين (جمهورية بربرية) تشمل القبائل البربرية في المغرب العربي الإسلامي، وللوصول إلى الهدف، أعطيت التوصيات إلى رجال الاستعمار الإفرنسي بالجزائر: (من أجل منع الحديث باللغة العربية في وسط البربر - وتعليمهم كل شيء ما عدا العربية والإسلام). وكان يتم إعداد الضباط الإفرنسيين والإداريين المدنيين - من الإفرنسيين أيضا - في دورات تعليمية لتطبيق سياسة مستقلة خاصة بالقبائل. وكان في جملة التوجيهات الثابتة التي يلقونها على مسامع هؤلاء، ولا يتعبون من تكرارها باستمرار، تلك التي تنص على ما يلي: (يجب العمل من أجل إيقاف توغل الإسلام عميقا في نفوس أولئك الذين يعتنقون الإسلام ظاهريا - مسلمي الهوية - وعدم السماح لأولئك البربر بالتعريب عن طريق الشرع الإسلامي. وحرمان القضاة من ممارسة دورهم، وصرفهم عن صلاة الجمعة، وعدم الاستهانة بتأثيرها في نفوس المسلمين، كل ذلك

стр. 1027

مع دعم العادات الوطنية للبربر وبعثها. (فالسياسة الحقيقية للبربر تقوم على احترام عاداتهم وتنظيماتهم، وإحاطة هذه العادات والتنظيمات بإصلاحات نقوم بإدخالها إلى البلاد ... والعمل قدر المستطاع بسرية لتعزيز الفوارق اللغوية والدينية والاجتماعية بين العرب من سكان السهول والبربر من سكان الجبال. والحد من اتصال القبائل البربرية بالسكان العرب ومن ثم، الاعتماد على هؤلاء البربر، لتشكيلهم بمرونة من أجل قبول الحضارة الإفرنسية، وإغرائهم بالمساعدات المادية الزهيدة). لم تسقط الحملة الصليبية من حسابها إمكانات تحويل مسلمي البربر إلى النصرانية، إكمالا لمخطط (فرق تسد) وإمعانا في دعم قاعدة الاستعمار. فكان الدين هو أحد وسائل السياسة البربرية التي وضعت النشاط الكاثوليكي في مقدمة وسائلها من أجل استثمار التأثير الجيد للمسيحيين المخلصين والمتحمسين لدينهم، ومن أجل تغطية سوءات الاستعمار بحجاب الأعمال الخيرية (للإخوات البيض) وما تبذله البعثات الفرانسيسكانية من جهد تعليمي وخيري. هذا بالإضافة إلى ما تبذله الهيئة (الأفريقية - الإفرنسية) من جهد في هذا المضمار (١) وكانت التوجيهات المعمول بها هي: (يجب استخدام القسس الأفاضل، لا من أجل

стр. 1028

الوعظ والإرشاد، بل من أجل الإيحاء بالثقة والصداقة واكتساب حب البربر. فالسياسة البربرية ذات أهمية كبرى، بالنسبة لفرنسا، ويجب دعم المدارس والإرساليات العلمانية لاكساب محبة البربر عن طريق إظهار الطيبة وإقامة العلاقات الجيدة، وتقديم الخدمات). ذهب بعض الكاثوليكيين إلى ما هو أبعد من ذلك: (فقد أرادوا إعادة البربر إلى الحظيرة المسيحية، بزعم إعادتهم إلى دين أجدادهم. وبزهم أنهم لا زالوا أقرب إلى الوثنية منهم إلى الإسلام، ومن المقولات التي طرحت في هذا المجال: (يمكن غزو البربر، لا بالسلاح، وإنما بالغزو المعنوي وسيكون الغزاة هم من رجال الإرساليات المسيحية - والمبشرين - الذين يتحدثون إلى هؤلاء - البربر - عن السيد المسيح، وعن تاريخ المسيحية الحافل بأسماء المنقذين، وبالكثير من الأشخاص الأسطوريين). ويظهر هدف المبشرين، وأعمال الإرساليات من خلال المقولة التالية: (لنفسح المجال أمام المسيحية حتى تمارس دورها في التأثير على نفوس البربر ... وسيساعد ذلك دونما ريب على عزل العرب بطريقة فعالة جدا، مما يؤدي بالتالي إلى إبعاد المسلمين عن طريقنا في أفريقيا الشمالية. وسيكون ذلك لمصلحة حضارتنا ولفائدة عرقنا - الآري-). فيما ذهبت مقولة استعمارية إلى المطالبة: (بإطلاق كامل الحرية لإرساليات - التبشيرية - في تحركها وعملها حتى تستطيع الاضطلاع بواجباتها) وكان من هذه

стр. 1029

الواجبات: التبشير بفكرة شرب النبيذ والخمر الذي يثير في النفس البهجة والحبور حتى تحل المشروبات الروحية محل الشاي الأخضر والنعناع، وهي المشروبات التي كان البربر قد اعتادوا على شربها، واعتبار شرب النبيذ والخمر علامة مميزة لهؤلاء الذين سيعتنقون المسيحية. والاهتمام بتعليم الأطفال خاصة، ومضاعفة عدد المدرسين عن طريق الاستعانة بالبربر الذين يرتدون عن دينهم الإسلامي ويصبحون مسيحيين. هذا إلى جانب مضاعفة أعداد الكنائس في (المغرب الكاثوليكي) من أجل الوصول إلى إعادة الفتح المسيحي الجديد للمغرب. يظهر من خلال ذلك أن إصدار قانون (الظهير البربري الأول) في ١١ أيلول - سبتمبر ١٩١٤ لم يكن إلا تتويجا لمجموعة من الجهود الكثيفة والمركزة والتي بدأت مع البدايات الأولى لاستعمار الجزائر، غير أن المقاومات والثورات المستمرة قد شكلت عقبات كؤود في وجه المخططات الاستعمارية. حتى إذا ما جاء ليوتي إلى الجزائر في سنة ١٩١٤، ظن أن الفرصة باتت مناسبة للانتقال من مرحلة العمل السري - أو المتحفظ - إلى مرحلة العمل العلني. وقد تم على أثر إصدار قانون الظهير البربري، تكوين (هيئة للدراسات والأبحاث البربرية) في ٩ كانون الثاني - يناير ١٩١٥ .. وقد حددت مدينة (الرباط) مقرا لهذه الهيئة. وقد كشف تكوين هذه الهيئة وتنظيمها أنها لم تكن مجرد جهاز للأبحاث الاجتماعية. فقد تشكلت هذه الهيئة برئاسة الأمين العام للمحميات الإفرنسية. وضمت في عضويتها مدير شعبة الاستخبارات ورئيس المكتب السياسي لحاكم الجزائر (ليوتي)

стр. 1030

وكان واجب هذه الهيئة هو إعداد المخططات التطبيقية في مجالي السياسة والإدارة. وتحديد القبائل التي تنطبق عليها مواصفات (القبائل البربرية). وقد دمجت هذه الهيئة فيما بعد (بالمدرسة العربية العليا) والتي كان قد تم تأسيسها في الرباط سنة ١٩١٤. وأسندت إدارتها إلى (بربري) تم إعداده وتبنيه من قبل وتثقيفه للاضطلاع بهذه المهمة. وكان برنامج هذه المدرسة يتضمن إلقاء محاضرات وإعداد دورات لتطوير اللغة البربرية التي يسخدمها صغار الضباط والمترجمين، وتحولت المدرسة بسرعة إلى زمرة نشطة تحتل المرتبة الأولى في التخطيط لبرامج (البربر). لقد قيل عن الجنرال ليوتي - الحاكم العام للجزائر - عندما أعلن قانون (الظهير البربري) بأنه - أي ليوتي - يمارس سياسة ملونة ومضادة للبربر، وأنه يعمل مخلصا لقضية بناء المغرب الواحد - والموحد - وأنه أيضا يتخذ موقفا براغماتيا - ذرائعيا - بحيث أنه لا يضع حلا واحدا لأي مشكلة، وإنما لديه دائما مجموعة من الحلول. وقد وجد دونما ريب أن السياسة الإفرنسية التي كانت مطبقة قد أخطأت في تقديرها عندما بالغت في قضية (تكوين كتلة البربر) ومن أجل ذلك فإنه أخذ في وضع صيغ مختلفة مع تنويع في الأساليب المستخدمة حتى يصبح بالإمكان التكيف مع الظروف والمواقف المعقدة جدا في المغرب العربي - الإسلامي. غير أنه من المعروف عن (ليوتي) أيضا بأنه هو الذي أرغم الضباط على

стр. 1031

دراسة العلاقات الجدلية مع البربر. كما عمل - من الناحية الإدارية - على بعث المجالس البربرية. وظهرت أهداف سياسته بوضوح في رسالته إلى حكومة (باريس) يوم ٦ تموز - يوليو ١٩١٥. وفيها: (أعتقد بأنه يجب علينا بعث العادات والمؤسات البربرية، ومنها الجمعة على سبيل المثال، ذلك لأن خصوصية الخيال تشكل أفضل وسيلة لإبراز التناقض أو التضاد مع الإسلام) وهناك أيضا التعميم الذي أصدره (ليوتي) ردا على رسالة أحد ضباط الاستخبارات، بشأن أحد الطلاب العرب الذي دخل المدرسة واستمر في ممارسة عبادته - الصلاة - فكان في تعميم ليوتي ما يلي: (هنا يجب أن تسير السياسة البربرية في الاتجاه المضاد، وعلينا تجنب تعليم اللغة العربية للسكان، والتي تربطهم بماضيهم دائما. إن العروبة هي عامل من عوامل انتشار الإسلام ذلك لأن اللغة العربية هي اللغة التي يعلمها القرآن. وتفرض علينا مصلحتنا تطوير البربر بعيدا عن إطار الإسلام. وعلينا من الناحية اللغوية نقل البربر مباشرة إلى الإفرنسية، ومن أجل ذلك فإننا في حاجة لمدرسين من البربر، كما يجب فتح مدارس فرنسية - بربرية يتم فيها تعليم الإفرنسية إلى أطفال البربر. وعلينا بعد ذلك التدخل بحذر على مستوى المخططات الدينية. فالإسلام غير مستقر في وسط البربر. وقد علمت من هؤلاء الذين احتفظوا باستقلالهم، أن فهمهم للإسلام لا زال سطحيا، وأن هؤلاء البربر قد رفضوا كافة الأحكام التشريعية - القضائية -

стр. 1032

واعتمدوا على العرف والعادة. وعلى كافة ضباطنا استيعاب هذه المبادىء: وعليهم أن يتجنبوا بصورة خاصة التعرض لذكر الإسلام أمام السكان البربر). وعلى هذا الأساس، تم وضع مخطط شامل يتضمن إقامة (مدرسة فرنسية - بربرية) و (تنظيم قضاء مدني بربري) و (تطوير الظهير البربري ودعمه بظهير جديد - أعلن في سنة ١٩٣٠). لقد نص قانون الظهير البربري: (على ضرورة تشكيل مدارس إفرنسية - بربرية، يكون فيها المعلم هو فاتح منطقة القبائل). وواجب هذه المدارس هو: (إسهام المدرسة البربرية في المحافظة على تقاليد البربر ومؤسساتهم. ومعارضة تأثير المدارس القرآنية - الإسلامية، وتوجيه البربر نحو فرنسا) بحيث يصبح من الطبيعي، ومن المتوقع، أن يظهر بين البربر من يقول بعد زمن ليس ببعيد: (بأن أجدادنا هم المغول - أجداد الإفرنسيين). ويتم في هذه المدارس تعليم القراءة والكتابة، باللغة البربرية وبالأحرف اللاتينية، ثم الانتقال إلى التعليم باللغة الإفرنسية للقراءة والكتابة والرياضيات والتاريخ والجغرافيا والصحة، واستبعاد تعليم اللغة البربية والقرآن وعلوم الدين، مع إجراء توجيه نحو الحياة العملية وخاصة الزراعة، والإفابة من حدائق المدارس لهذه الغاية. وتبقى اللغة الإفرنسية هي أساس التعليم كله في المدارس البربرية. وتنفيذا لهذا المخطط، تم في بداية شهر تشرين الأول - أكتوبر -١٩٢٣، فتح (٦) مدارس ابتدائية في (عيط سفوشن) ومدرستين في زيان، وبعد خمسة أشهر تم فتح (٧) مدارس ضمت (٢٠٠)

стр. 1033

طالب. وكانت كل مدرسة تضم على الأقل معلما واحدا مسيحيا من القبائل. وفي تشرين الأول - أكتوبر سنة ١٩٢٤ عملت هيئة الدراسات العليا للمغرب، على تكليف المدرسين بإعداد برامج للبربر تعتمد على عادات البربر وتقاليدهم. واختيار مدرسين من القبائل لضمهم إلى صفوف جهاز التعليم. ومن أجل تجنب كل خطأ في هذه البدايات، فقد تم إعلام هؤلاء المدرسين (بأن هذه المدارس ليست مجرد مراكز تربوية وإنما هي تنظيمات سياسية وأجهزة دعائية. وعلى هذا يجب على المدرسين اعتبار أنفسهم عملاء ومتعاونين مع قادة المراكز. وعلى المدرسين الرجوع إلى هؤلاء القادة في كل مناسبة لتلقي توجيهاتهم). استمر العمل في السنوات التالية لتكوين المزيد من المدارس في كل حدود منطقة (الأطلس الأوسط)، فبلغ عدد المدارس في بداية سنة ١٩٢٧ ست عشرة مدرسة فرنسية - بربرية ضمت (٦٠٠) طالب. وبلغ عدد هذه المدارس في بداية سنة ١٩٣٠ - ثلاثين مدرسة ضمت (٧٠٠) طالب وحققت هذه المدارس التي أطلق عليها المسلمون اسم (مدارس الروم) ما أرادته السلطات الإفرنسية من إنشائها. ولم يعد (للمدرس الفقيه) دوره في التعليم وتدريس القرآن. وانتصر دوره في المسجد على تولي الدفاع ضد هذا الهجوم الشامل. وقد زعمت السلطات الاستعمارية بأن الضباط والطلاب البربر - المتخرجين من هذه المدارس، قد أكدوا أنهم متفوقون عقليا على أمثالهم من طلاب المدارس العربية الريفية.

стр. 1034

وظهر خلال هذه الفترة للسلطات الإفرنسية أن هناك حاجة لتكوين مدرسة عليا من أجل إعداد المدرسين حتى تصبح هذه المدارس (خالصة للبربر ويضطلع بها البربر ذاتهم) وحتى يتم (عزل الجيل وحمايته من كل تأثير عربي أو إسلامي) وقد تم تنظيم هذه المدرسة وإنشاؤها في (عزرو) في شهر تشرين الأول - أكتوبر ١٩٢٧. وكان الحاكم العام للجزائر - الجنرال ليوتي - قد حدد منذ يوم ٢٥ كانون الثاني - يناير ١٩٢٤ أهداف هذه السياسة في رسالة له تضمنت ما يلي: ويجب المحافظة بحزم وثبات على الفوارق القائمة بين سكان بلاد المخزن من العرب، وبين سكان الجبال البربر والذين يجهلون العربية. وأعتقد أنه يجب الإشارة إلى تلك الأهمية التي أعلقها على هذه القضية التي ترتبط بعملنا السياسي والتي تعتبر نتيجة مباشرة من نتائح التهدئة المستمرة للبلاد ذات العادات البربرية). وتبقى الظاهرة الأكثر خطورة في (قانون الظهير البربري) هي ظاهرة إبعاد البربر عن القضاء الإسلامي (قضاء الشرع) وإخضاعهم لحكم (المحكمين). وكانت السلطات الإفرنسية قد أقامت منذ سنة ١٨٥٧ في منطقة القبائل الكبرى ما أطلقت عليه اسم (الجمعة القضائية) واقتصر عملها في البداية على منطقة (القلعة الوطنية) وفقا لمرسوم ٢٩ آب - أغسطس ١٨٧٤. وفي ٢٥ آب - أغسطس - ١٨٨٠ كلف هذا المركز بإعداد النصوص القانونية للحكم والقضاء بما يتوافق مع القانون الإفرنسي. وقد تم تطوير

стр. 1035

(الجمعة القضائية) فأصبحت تضم كل السلطات الإدارية والسياسية في المنطقة (الدوار) بالإضافة إلى الصلاحيات القضائية .. ومع صدور قانون الظهير البربري، تم في ٢٢ أيلول - سبتمبر - ١٩١٥ إعادة تنظيم (الجمعة القضائية) فتقرر اعتماد اللغة الإفرنسية، وبدأ البحث في (مكتب دراسات القضايا البربرية - في مكناس) لإعداد النصوص القانونية التي تساعد (القضاة - المحكمين) على أداء عملهم. واستمر العمل حتى ٨ آذار - مارس ١٩٢٤ حيث صدر الأمر (بتسجيل العرف) الذي يتم الاعتماد عليه في القبائل الكبرى، مع الأخذ بعين الإعتبار عادات البربر وتقاليدهم. وكان الحكام الإفرنسيون هم الذين يشرفون على مجالس (الجمعة القضائية). وحددت صلاحيات المحكمين - من القادة - بالمخالفات والجنح التي تبلغ عقوبتها السجن لمدة سنة، والغرامة بمبلغ ألف فرنك فرنسي. وحتى السنتين والغرامة بألفي فرنك إذا ما اشترك في المحاكمة ممثل عن الحكومة الإفرنسية. أما بقية الجرائم، فتقدم إلى (المجلس القبلي الأعلى) الذي يصدر بدوره أحكامه استنادا إلى التقاليد والعرف. وقد ظهر من خلال الممارسة العملية أن هناك تناقضا وتضادا في إصدار الأحكام، لا بين (أحكام الشرع الإسلامي) و (أحكام الجمعة القضائية) فحسب، وإنما أيضا بين الأحكام الصادرة في كل (جمعة قضائية) بسبب اختلاف (الأعراف والتقاليد والاجتهادات) ما بين جمعة وأخرى، غير أن السلطات الإفرنسية لم تجد في ذلك ما يثير

стр. 1036

الاهتمام، وهو ما عبرت عنه المقولة التالية: (ليس هناك أي خطر - أو محذور - في تحطيم وحدة التنظيم القضائي ضمن منطقة الحكم الإفرنسي، طالما أن الأمر يتعلق بدعم العنصر البربري. وطالما أن الأمر يتعلق بإيجاد ثقل معاكس يمكن له ممارسة دوره - ضد المسلمين - ولعل تحطيم المرآة الواحدة هو - من الناحية السياسية أمر مفيد جدا). وهكذا تم تعميم الجمعة القضائية. فبلغ عدد محاكمها في الأول من كانون الثاني - يناير - ١٩٢٩ ما يقارب (٧٢) جمعة، ووصل عددها في سنة ١٩٣٠ إلى (٨٠) جمعة. وامتد حكمها ليشمل ثلث المناطق الإسلامية في المغرب العربي - الإسلامي، وبقيت (١٤) قبيلة أو بطنا وفخذا من القبائل والبطون والأفخاذ المصنفة، على أنها (بربرية) وعددها الإجمالي (٨٤) قبيلة، غير خاضعة لأحكام (الجمعة القضائية). وكانت هذه النتيجة كافية لإقناع السلطات الإفرنسية بنجاحها في إمكان دعم الظهير البربري بظهير جديد (في سنة ١٩٣٠) تمهيدا لإحلال الحكام والقضاة الإفرنسيين، وتطبيق القانون المدني الإفرنسي. تلك هي بعض ملامح ما أطلق عليه اسم (الظهير البربري) (١) وليس المجال هنا هو مجال تقويم نتائج هذا (الظهير) أو التعرض لما جابهه من مقاومة الإسلام والمسلمين من عرب وبربر على حد

стр. 1037

سواء، مما سيتم التعرض له في أبحاث قادمة. غير أنه من المهم هنا الإشارة إلى ما يتعرض له العالم العربي - الإسلامي من حملات معاصرة مختلفة في أساليبها وطرائقها، غير أنها تنطبق في أهدافها مع ما سبق عرضه.

стр. 1038

٤ - الثورة الجزائرية (١٨٩٧ - ١٨٩٩) ومواقف الاشتراكيين باتت المواقف العقائدية - المبدئية - للاشتراكيين تجاه الاستعمار والامبريالية معروفة تماما. غير أن هذه المواقف، ليست كذلك تجاه العمل السياسي للاشتراكيين في تعاملهم مع القضية الجزائرية. وفي الحقيقة، فإنه لم يكن للاشتراكيين الإفرنسيين مواقف واضحة وموحدة، مع الاستعمار أو ضده، وعلى هذا، فإنه بالإمكان اعتبار (جوريس) (١) و (بلوم) ومدرستهما الاشتراكية نموذجا لما كانت عليه مواقف الاشتراكيين الإفرنسيين من القضية الجزائرية.

стр. 1039

كتب (جوريس) بأن أول معرفة له بالقضية الجزائرية، قد جاءته عن طريق (محاسب معهد كاستر) حيث كان (جوريس) في سنته الدراسية الثالثة عشرة. وإن هذا المحاسب ذكر له بأنه أمر حاجبه بمساعدته من أجل ضرب عامل الحديقة ضربا مبرحا. وذلك عندما كان يعمل في الجزائر، لأن عامل الحديقة العربي تجرأ على استخدام (المرحاض) الخاص ببيت المحاسب فشعر الشاب اليهودي جوريس (بالهوة التي انحدرت إليها عبودية الإنسان) وكتب عن ذلك ما يلي: (شعرت بالشفقة الكبيرة تجاه هذا العرق العربي، الذي يعمل الجنود والقسس على تجريده وسلبه كل حقوقه. وتخيلت هذا الرجل وقد جلس يحكي لأطفاله، بكل هدوء، تلك الأعمال البشعة والمجردة من الشجاعة. ولا ريب أن العادة المستمرة في ممارسة الضغط غير المسؤول قد جرد هؤلاء الناس من ضمائرهم). تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة (الشفقة على مخلوقات المستعمرات - من العرب المسلمين خاصة) كانت في تلك الفترة هي البدعة السائدة - المودة - في وسط دهاقنة الاستعمار. فتولى الجمهوريون الإفرنسيون، قضية الدفاع عن حقوق مواطني المستعمرات. وعمل (بول بيرت) وزير التعليم الإفرنسي، على تشكيل (جمعية حماية الجزائريين) في سنة ١٨٨٣، وكذلك عمل الاقتصادي (ليوري - بوليو) صاحب نظرية التوسع الاستعماري والذي ترأس (الجمعية الإفرنسية لحماية أبناء البلاد الجزائريين). ومن المعروف أن (ظاهرة الشفقة) هذه كانت مرتبطة تاريخيا بعملية النهب الاستعماري، واستغلال اليد العاملة في المستعمرات.

стр. 1040

المهم في الأمر، وبصرف النظر عن تلك البدايات لذكريات (جوريس)، فإن اهتمامه بالقضية الجزائرية لم يظهر واضحا قبل رحلته إلى الجزائر في (نيسان - أبريل - ١٨٩٠) ويذكر عنه أنه أثار أمام التحالف الإفرنسي في سنة ١٨٨٤: (ضرورة نشر اللغة الإفرنسية في المستعمرات، وبصورة خاصة بين العرب والقبائل، وذلك لمساعدة المستعمرين الإفرنسيين في مهمتهم الصعبة لإنجاح عملية الدمج والغزو المعنوي). وكان من رأيه في عملية الدمج: (بأنه ليس هناك في الجزائر حاليا إلا جمع من الناس المغلوبين على أمرهم ومائة ألف من المنتصرين. وليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه اسم (شعب حقيقي) إلى جانب (الشعب الإفرنسي) وهذا ما يتطلب تعميم اللغة الإفرنسية). وكان الشاب (جوريس) في تلك الفترة، مرشحا للبرلمان على لائحة (الاتحاد الجمهوري) في سنة ١٨٨٥. ولهذا لم يكن من الغريب أن يظهر تعلقه بسياسة التوسع الاستعماري للجمهوريين، وكان قوله المعروف في ذلك: (لقد أضاعت علينا الإمبراطورية إقليمين ومنحتنا الجمهورية مستعمرتين) والمقصود بالإقليمين: الألزاس واللورين اللذين فقدتهما فرنسا بنتيجة حربها مع بروسيا سنة ١٨٧٠ وانهارت على أثرها إمبراطورية نابوليون الثالث، أما المقصود بالمستعمرتين فهما: المغرب العربي الإسلامي والمكسيك. في الوقت ذاته، لم يحاول (جوريس) التستر أو إخفاء إعجابه بالاستعماري (جوليوس فيري) الرجل الذي استطاع خلال ثلاث

стр. 1041

سنوات: (نقل مركز ثقل فرنسا إلى بلاد بعيدة فيما وراء البحار). وفي سنة ١٨٨٧ (استنفر كل إمكاناته لإثارة حماسة الجنود وفخر المواطنين بانتصارهم على القبائل، واحتفل بأبطال هذه المعارك الرائعة). ولم يعرف عن (جوريس) أنه أظهر اهتماما بتلك المناقشات البرلمانية بشأن القضية الجزائرية، لا بصفته نائبا في مجلس النواب، ولا بصفته صحافيا، ولا حتى بصفته ممثلا لليسار. مع العلم أن تلك المناقشات التي احتدمت في سنة ١٨٩٢، قد استأثرت باهتمام الجميع. لم يعد (جوريس، نائبا عن الجمهوريين في سنة ١٨٩٣، وإنما أصبح ممثلا للاشتراكيين. وبصفته هذه ذهب إلى الجزائر - لاكتشافها والتعرف عليها - في نيسان - أبريل ١٨٩٥. وفي الجزائر، اشترك جوريس (بالمؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي العمالي الجزائري،،ولم يعرف عن (جوريس) أنه تحدث في هذا المؤتمر، أو تعرض لأي موقف من المواقف. وما إن مضى شهر على مغادرة (جوريس) للجزائر، حتى فرضت السلطالت الإفرنسية الحصار على (٦٥) عضوا من أعضاء المؤتمر في ضاحية (مصطفى) - حاليا حي الجزائر - خلال أيام ٢٢ و٢٣ و٢٤ حزيران - يونيوا - ولم يحرك (جوريس) ساكنا حول هذه القضية. وعبر (جوريس) عن مشاعره تجاه (المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي العمالي الجزائري) بقوله: (من المعتقد بأن الجزائر المستعمرة تسير في طريقها نحو الاستقلال الإداري، وستعلن بحزم أنها ضد اليهود). كما أعلن عند مغادرته للجزائر: (بأنه من الصعب القيام بعمل له أهميته بشأن الجزائر).

стр. 1042

يمكن هنا التوقف قليلا عند مقولة (ضد اليهود) وهي التي سبقت مقولة (ضد السامية) في الجزائر. ويتطلب ذلك العودة إلى ردود فعل المهاجرين اللاتين تجاه اليهود، والذين هاجروا للاستيطان في الجزائر حاملين معهم أفكارهم ومعتقداتهم المضادة لليهود. ومعروف أن اللاتين يحملون حقدا ضد اليهود (قتلة السيد المسيح - بحسب اعتقادهم). وقد بقي هذا الاعتقاد قويا في وسط الإسبانيين الذين استوطنوا في (وهران) والمالطيين والإيطاليين الذين استقروا على ساحل قسنطينة وفي (الجروة). وعندما صدر (قانون كريميو) - بمنح الجنسية الإفرنسية لليهود - أفاد هؤلاء الكاثوليك منه لإثارة الأحقاد في أوساط المواطنين الجزائريين المسلمين، والتظاهر في الوقت ذاته بالأسف لاضطرارهم لمحاباة اليهود الذين أصبحت لكتلة أصواتهم الانتخابية ثقلها في التحكم بانتخاب نوابهم. وأصبحت الحركة المضادة لليهودية في الجزائر، منذ ذلك الحين، قاعدة في لعبة الانتخابات البرلمانية. تشكلت أول (جمعية ضد اليهود) في الجزائر، غداة انتخابات تموز - يوليو - ١٨٧١. وقام أفراد المعسكر الذي فشل في الانتخابات بتوجيه اتهاماتهم لليهود، كما أدانوا قانون كريميو الذي تسبب في إثارة القبائل الكبرى التي احتضنت ثورة المقراني والحداد (سنة ١٨٧١). واستخلص الجمهوريون (الانتهازيون) النتيجة من ذلك، فقرروا استثمار القوة الانتخابية لليهود، وأخذوا في إجراء الاتصالات مع سماسرة اليهود الذين تعهدوا لهم بضمان النجاح في الانتخابات بصورة مستمرة. وذهب اليهودي الشهير

стр. 1043

(سمعون كانوي) (١) إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد أعطى اسمه لجهازه (الكانوي) الذي ضمن النجاح في الانتخابات (اللحزب الجزائري) طوال عشرين عاما، وهو الحزب الذي كان من أبرز نوابه المعروفين (برتانيا وطوسون) (٢). وأمام هذا الموقف، قرر اليسار الراديكالي - المتطرف - والذي كان محروما من السلطة، استخدام ورقة (الحركة المضادة لليهود) كبوق انتخابي، ولم يلبث أن أطلق على (الحزب الإفرنسي) صفة (الحزب المناضل ضد الحزب اليهودي). وعندما خاض اليساريون الجزائريون الانتخابات البلدية، انبرى الحزب اليهودي لمحاربتهم فأطلق عليهم ألقاب (الانتهازيين الجزائريين) و (نقابة الانتهازيين)، وأمكن لهم دونما كبير عناء الانتصار على اليساريين الجزائريين. وعمل هؤلاء على إثارة الفضائح المتعلقة بتزوير الانتخابات، وأضعفت هذه الفضائح من قوة (الحزب اليهودي) غير أنها لم تزحزحه عن مواقعه. وأمام هذا الموقف، قرر الحاكم العام للجزائر (تنظيف إسطبلات أوغياس) (٣) ولم يتردد في إفساح

стр. 1044

المجال أمام المواطنين الجزائريين المقربين من السلطة، ودعم الراديكاليين المعادين لليهود بصورة سرية. وهكذا ظهرت في انتخابات سنة ١٨٩٥، البيانات الانتخابية التي تصف اليهود - بالأجانب والغرباء -. ومنذ ذلك الحين تعاظم نفوذ الراديكاليين اليساريين المدعومين من قبل الإدارة الحكومية. وتبع ذلك اقتراب الحزب الإفرنسي من السلطة، مستفيدا في ذلك من الاستثمارات المالية الضخمة التي كانت تجنيها فرنسا من الجزائر. لم تكن الظروف السياسية هي التي صنعت كل شيء على كل حال، فلقد انفجرت المشاعر المضادة لليهود اعتبارا من سنة ١٨٩٥، وكان ذلك بعد الأزمة الاقتصادية الحادة (١٨٩٣ - ١٨٩٤) والتي عرفت باسم (أزمة الخمور). وكان باستطاعة المصارف مجابهة هذه الأزمة بسهولة عن طريق تقديم (السلف) للمزارعين الأوروبيين. غير أن المصارف (البنوك) امتنت عن تقديم مثل هذه السلف، بحجة الضغط الكبير الذي تتعرض له والذي يفوق قدرتها. ولم يبق أمام المستوطنين (المعمرين) إلا اللجوء للمرابين من اليهود (مستثمري البؤس والشقاء)؛ وأدى ذلك إلى تعاظم النقمة ضد اليهود، مما أدى إلى انتشار أرجوزة مضادة لهؤلاء المرابين التاريخيين تقول:

стр. 1045

عشنا طويلا في بؤس وشقاء وعلينا اليوم طرد الغرباء فلنبعد ولنطرد هؤلاء الغرباء عصابة اليهود القذرة وعلى الرغم من كل الظواهر، فقد تبين بوضوح بأنه لم يبق إلا خطوة واحدة للانتقال من الحركة (المضادة لليهود) إلى (الاسقلال الإداري). وقد أدان (جوليوس فيري) و (جوليوس كامبون) (١) بصورة رسمية، سياسة الدمج التي عرفت منذ سنة ١٨٨١ بسياسة (إلحاق الجزائر بفرسا). وكانت سياسة الدمج أو الإلحاق هذه هي سياسة (الانتهازيين واليهود) كما وصفها اليساريون الراديكاليون، ومقابل ذلك تبنى هؤلاء سياسة الاستقلال الإداري للجزائر، وإقامة موازنة خاصة وبرلمان خاص لها. ولقد كان هذا الاتجاه تعبيرا عن ظهور الجيل الجديد من الإفرنسيين الاستعماريين، وهو الجيل الذي أخذ في الجنوح إلى الاستقلال بالجزائر، والذي رفع شعار (الجزائر الحرة). وكان الاعتقاد الأشد في وسط هذا الجيل هو: ضرورة صهر العروق الأوروبية فوق أرض الجزائر لتكوين شعب جديد - وظهر عدد من

стр. 1046

الكتاب والزعماء الذين عبروا عن هذا الاتجاه، لعل من أبرزهم (دانييل سوران) (١) الذي كان من رأيه: (الجزائر غير فرنسا، ولو أن الجزائريين فرنسيون. فغدا أو بعد غد، ستكون الجزائر مستقلة. إن فرنسا ترزح على صدورنا دونما شفقة أو رحمة، وهي بذلك تدفعنا لسوء الحظ نحو المخرج المرعب، وسيأتي يوم لن تكون الجزائر هي فرنسا، هذا إذا لم تصبح عدوة لها). ولماذا لا يستقل الإفرنسيون المهاجرون إلى الجزائر؟ ألم يحصل الإنكليز الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة - على الاستقلال، وحاربوا الإنكليز ذاتهم بقيادة جورج واشنطن؟ وعلى هذا، فعندما عقد المؤتمر الاشتراكي الثالث، بحضور (جورس) سنة ١٨٩٥. تحدث الخطباء كثيرا عن اليهود، وهاجموهم بعنف، غير أن المؤتمر لم يتخذ توصيات محددة

стр. 1047

وواضحة ضدهم. وتركز الحوار حول الاستقلال الإداري للمستعمرين، وإجراء تشريع يناسبهم. ومما قيل في هذا المجال: (يجب إعداد القوانين هنا في الجزائر، حيث بإمكاننا الإسهام بدعمها على الأقل، بدون انتظار طويل أو بذل عناء كبير، و (تقضي الضرورة بوضع تشريع يستجيب لحاجات المستعمرين - المستوطنين). ولم يمارس (جوريس) في المؤتمر دورا كبيرا، باستثاء بعض الملاحظات والتوجيهات والتوصيات التنظيمية والإدارية. أما الحوار حول العلاقة مع أبناء البلاد الأصليين - العرب المسلمين - فلم يتعرض له أعضاء المؤتمر إلا من ناحية متطلبات أمن الأوروبيين، ومما قيل بهذا الشأن: (إن الاستجابة لما يرضي - العرب المسلمين - في حدود الشرعية، ستسهم يقينا في إزالة القسم الأكبر من ظواهر العنف القائمة يين الاستعماريين والمواطنين - انديجين). كان ذلك هو موقف الإفرنسيين - الجزائريين - الاشتراكيين في مؤتمرهم سنة ١٨٩٥. وخرج (جوريس) من المؤتمر بنتيجة واحدة وهي: (أن العرب والمستعمرين متفقون في نقطة واحدة على الأقل - وهي عداءهم لليهود). وأمام هذا الموقف كتب مقالا جاء فيه: (ما هو التطور الدقيق للممتلكات العربية؟ وما هو العدد الأقصى للعائلات العربية التي انتزع اليهود بمهارتهم ملكيتها؟ ثم ما هي حركة أو معدلات الرواتب بين العرب والأوروبيين؟ ثم ما هي سبل الأوروبيينس والعرب واليهود في مختلف الفروع الإدارية

стр. 1048

ومختلف المؤسسات القائمة في الجزائر؟). وطرح (جوريس) قضية تعليم العرب، فأجابه المستوطنون بأنه لا فائدة ترجى من تعليم العرب الذين يشكلون خطرا في عدائهم للأوروبيين. وعندئذ قال لهم جوريس بحزم: (ألم يحتفظ العرب بمؤهلاتهم الفكرية وقيمهم الأخلاقية؟ أليست لديهم القدرة على سبيل المثال، لإدراك معطيات الأعمال الجيدة، والأخوة الإنسانية والشجاعة والإخلاص والعرفان بالجميل، وهي القيم التي لم تزدهر في التاريخ بمثل ما ازدهرت في التاريخ العربي؟ وبالاختصار، هل توقف عرب الجزائر عن ممارسة دورهم في التاريخ، وأصبحوا يعيشون على هامشه؟). وحمل (جوريس) على فكرة انفصال الجزائر عن الوطن الإفرنسي، بزعم أنه من المحال فصل السياسة الجزائرية، عن السياسة العامة للاشتراكية الإفرنسية في العالم. وأعلن عن اعتقاده بإمكانات قيام اليهود بدور الوساطة - المصالحة بين الأوروبيين والعرب في الجزائر. وحدد لاشتراكيي الجزائر - الإفرنسيين - دورا مزدوجا: طرد الانتهازيين من اليهود وإبعادهم عن السلطة، وتنسيق جهودهم مع الاشتراكيين الإفرنسيين، والاهتمام كذلك بالعرب - على اعتبار أنهم كتلة من البروليتاريا الفقيرة والمحرومة والتي تعيش أقسى درجات البؤس. لقد حدد (جوريس) دور الاشتراكية في عالم الاستعمار بقوله: (لا ينتظر التيار الإنساني منا إيقافه من أجل تصفية شوائبه. وكل ما يجب على الاشتراكيين عمله، هو أخذ المبادأة لتقديم مقترحات إنسانية أو تقديم الاحتجاجات الضرورية، سواء كان الأمر يتعلق

стр. 1049

بالهندوس الذين يستعمرهم الإنكليز أو العرب الذين يستعمرهم الإفرنسيون). استمرت بعد ذلك أعمال التحريض ضد اليهود في الجزائر، جنبا إلى جنب مع نشاط الجيل الإفرنسي الجديد العامل على الاستقلال الإداري. وأمكن بذلك خلق مناخ مثير ساعد على تشكيل موقف درامي، تفجر عن اضطرابات مثيرة في شهر أيار - مايو ١٨٩٧، حيث دمرت المخازن والمتاجر اليهودية، وقام الأوروبيون بانتهاك حرمة المعابد اليهودية، كما هاجموا العمال العرب في معتقلاتهم، وأشعلوا النيران التي امتدت ألسنة لهيبها لتحرق الجزائر كلها. وامتدت الاضطرابات من مستغانم إلى أنكرمان ثم إلى عين تيموشنت ووصلت إلى وهران ثم إلى الجروة فالجزائر. ووقف رجال الشرطة موقف المتفرج، ولم يحاولوا مجابهة مثيري الاضطراب أو التعرض لهم. كما قامت البلديات بإبعاد اليهود. وعندما استدعت السلطات الجيش للتدخل، أظهر الضباط رغبة في عدم التعرض لمثيري الاضطراب، نتيجة حقدهم ضد اليهود، وتأثرهم بالخائن اليهودي دريفوس (الضابط الإفرنسي الذي خان فرنسا لمصلحة بروسيا) (١).

стр. 1050

واسؤنفت الاضطرابات طوال الفترة من ١٩ حتى ٢٥ كانون الثاني - يناير - ١٨٩٨، وفي هذه المرة: (وخلال دقيقتين فقط، احترقت مخازن اليهود في شارع باب الواد. واقتلعت الأبواب والنوافذ وألقي بها وسط الشارع. وتطايرت البضائع في الفضاء. غير أن أحدا لم يسرق - أو ينهب - شيئا. ولم يشترك العرب في ذلك باستثناء بعض الأولاد). ولم تتوقف الاضطرابات إلا عندما تدخلت كتائب القناصة المسلمين، والتي قامت باعتقال خمسمائة من المتظاهرين. وكانت الظاهرة المثيرة في هذه (الحركة الشعبية الكبرى) اقترانها بطلب الاستقلال والعداء لليهود. واتخذ الاشتراكيون موقفا واضحا من (اللاسامية) ومن العداء لليهود، فكان موقفهم هذا ممثلا بالمقولة التالية: (ليسوا اشتراكيين أولئك الذين يناصبون اليهود العداء). لقد كان هدف (جوريس) ومدرسته الاشتراكية الإفرنسية، على ما يظهر بوضوح هو: ١ - إصلاح سوءات النظام الاستعماري لمصلحة فرنسا. ٢ - إصلاح الإنحرافات اليهودية لمصلحة اليهود ذاتهم. ٣ - تنفيذ مخطط دمج العرب المسلمين بالمجتمع الإفرنسي وهو ما تبرزه المقولات التالية: (لماذا لا يسمح للعرب بانتخاب عدد من ممثليهم الذين يتم

стр. 1051

استدعاؤهم للحضور إلى هنا بصورة دورية للمثول أمام مجلس الوزراء الإفرنسي من أجل مناقشة ميزانية الجزائر، ومن أجل طرح رغبات الشعب العربي وتطلعاته، وللاشتراك في المناقشات وفي الاقراع على القوانين التي تتعلق بالجزائر). - غير أن (جوريس) حدد أمام مجلس الوزراء شروط اختيار من يجب منحهم حتى تمثيل الجزائريين - من العرب - أو أن يقتصر هذا الحق على الموظفين والعسكريين المسلمين بالإضافة إلى أولئك الذين تخرجهم المدارس الإفرنسية، و (منح العرب المسلمين ضمانات المواطنين الإفرنسيين، حتى يعتادوا شيئا فشيئا على التنكر للضمانات التقليدية التي يجدونها في كتابهم المقدس - القرآن الكريم). بذلك يمكن لفرنسا على ما يعتقده (جوريس) امتصاص نقمة العرب المسلمين: (فالغضب عند المسلمين هو أقوى من الخوف) ويمكن عن طريق الاشتراكية: (جمع كل البروليتاريا على صعيد واحد سواء منهم الإفرنسيون أو الإيطاليون أو الإسبان أو العرب البؤساء - وبذلك يتم توحيد كل العروق في الجزائر، وتوفير مناخ الثقة المتبادلة فيما بينهم، و (يبقى موقد العدالة الاجتماعية هو الوسيلة لصهر العناصر المتنافرة التي تثير الاضطراب في الجزائر. وإننا على ثقة بأن المستقبل والسلام، مرتبطان بهذه العدالة). عقد بعد ذلك المؤتمر الخامس (للحزب الاشتراكي للعمال الجزائريين) في سنة ١٩٠٢ وقدم فيه، وللمرة الأولى، تقرير عن سياسة الاشتراكيين تجاه المسلمين، وتضمن هذا التقرير: (١ - يجب على البروليتاريا الجزائرية الاهتمام بالمواطنين - المسلمين -

стр. 1052

والدفاع عن حقوقهم لفرض المساواة في الرواتب. ٢ - تطبيق سياسة الدمج وفرضها بالقوة. ٣ - جعل التعليم الإفرنسي إلزاميا ومجاني. ٤ - فرض اللغة الإفرنسية على كل المواطنين المسلمين، حتى في المساجد. ٥ - منع إصدار الصحف باللغة العربية). وكان تعليق (جوريس) على هذا التقرير - ما يلي: (أهنىء نفسي وأنا أرى ما يتم اتخاذه من إجراءات ضد الفقر وما يتم التوصية به من مضاعفة لعدد المدارس والمستوصفات، وإحياء تلك الصناعات الوطنية الأصيلة التي كان يمارسها الجزائريون. ومنح هذا الشعب أخيرا الشعور بأن فرنسا تستخدم تجاهه الكرم والطيبة،. وحدد (جوريس) الهدف من ذلك، وهو: (دعم التوسع السلمي بأساليب معقولة لمصلحة فرنسا والحضارة الإفرنسية، وتجنب التوسع عن طريق الغزو العسكري، (١). عقد بعد ذلك مؤتمر أمستردام سنة ١٩٠٤، والذي ضم ممثلي اليسار في العالم، وتمخض عن هذا المؤتمر ولادة (الحزب الاشتراكي الموحد). ثم عقد هذا الحزب مؤتمرا في شتوتغارت بألمانيا سنة ١٩٠٧، واتخذ مواقف واضحة ضد الاستعمار واستغلال الشعوب بعضها لبعض وأدان سياسة الدمج التي كان يتبناها الحزب الاشتراكي الإفرنسي. وأوصى بتوجيه نداء للمسلمين في العالم كله من الهند حتى المعرب، لإعادة بعث مؤسساتهم الدينية، غير أنه كان من المحال تحقيق ذلك، بعد أن

стр. 1053

عملت الدوائر الاستعمارية على تحطيم كل القيادات والمؤسسات الدينية في المغرب العربي - الإسلامي. غير أن الجزائر لم تعدم الوسيلة للتأكيد على أصالتها الثوروية، وبرز ذلك من خلال جهد (الأمير خالد) لتأسيس (حزب الجزائر الفتاة). والغريب في الأمر أن (الحزب الاشتراكي الإفرنسي) لم يحاول بذل أي اهتمام بقضايا المواطنين الجزائريين، إلا عندما اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى، في سنة ١٩١٤. وكان ظهور حزب الجزائر الفتاة، في واقعه، وعلى الرغم من كل الظروف التي أحاطت به، مجرد تعبير عن (يقظة الإسلام). كما كان اشتراك الجزائريين في الحرب، وما قدموه من تضحيات تعبيرا آخر عن (الوجود الإسلامي) غير أن هذا التعبير بقي مرتبطا بالإدارة الاستعمارية. ولعل ذلك هو الذي دفع بالحزب الاشتراكي الإفرنسي إلى إعادة تقويم موقفه من الجزائر الإسلامية وقضيتها.

стр. 1054

(فليشهد الله: بأنني لست من أولئك الباحثين عن شرف الوصاية. لقد اقتحمت مجال العمل السياسي، وخضت الصراع في مجالس النواب - المنتخبين - للدفاع بكل ما وهبني الله من القوة، وبكل ما في قلبي من الحب، عن مصالح إخواني المسلمين ورفع الضرر عنهم. الأمير خالد •---------------------------------• الفصل الثاني ١ - الأمير خالد - من دمشق إلى الجزائر -. ٢ - في أفق الصراع السياسي (١٩١٣ - ١٩١٩). ٣ - مع لعبة التمثيل والانتخابات (١٩١٩ - ١٩٢٢). ٤ - الصفحات الأخيرة في جهاد الأمير خالد (١٩٢٣ - ١٩٣٦).

стр. 1055

١ - الأمير خالد - من دمشق إلى الجزائر كان صورة عن عصره، ومرآة انعكست عليها أحداث أمته ووطنه، غير أنه لم يكن مجرد صورة سلبية أو مرآة جامدة فحسب، بكلمة أوضح، لم يعش حياته العامة منفعلا بقدر ما كان فاعلا، ولم يشترك في أحداث قومه متأثرا بقدر ما كان إيجابيا ومؤثرا. لقد حمل في أعماق نفسه، وهو ما زال صغيرا، جراح أسرته، وما كانت تعانيه من مرارة البعد عن الوطن، وضغوط القهر. وصحيح أن العالم الإسلامي كان في تلك الحقبة التاريخية مفتوح الرحاب أمام كل المسلمين للحركة والتنقل، لا حدود ولا سدود أمام الإنسان المسلم في وطنه الكبير، وصحيح أيضا أن العرب والمسلمين قد احتفظوا حتى تلك الفترة بعاداتهم وتقاليدهم الموروثة منذ مئات السنين، ومنها استعدادهم الدائم للارتحال والاستيطان في أي مكان يختارونه، وأي موقع يريدونه في كل ديار الإسلام. وصحيح بعد ذلك، أن دمشق الخالدة بقيت أبدا كعهدها، قاعدة صلبة للعروبة والإسلام، بحيث يستطيع الإنسان
следующие страницы →