حاولت فرنسا بعد ذلك التوسع في اتجاه الغرب، غير أنها اصطدمت بمقاومة الدول الغربية (إنكلترا وألمانيا). وفي سنة ١٩٠٤، انتزعت فرنسا موافقة بريطانيا وإسبانيا على مشروعاتها التوسعية بعد أن اعترفت لإنكلترا بحق استعمار مصر، وبعد أن منحت إسبانيا منطقة نفوذ أوسع في ممتلكاتها السابقة في المغرب. وكان الإفرنسيون قد قدموا لسلطان مراكش - السلطان عبد العزيز -مشروعا للإصلاح الإداري، يتم تنفيذه بمساعدتهم.
عندما وصل الإمبراطور البروسي - ويلهلم الثاني - أرض طنجة في ٣١ آذار - مارس - ١٩٠٥ - وكان يقوم برحلة في البحر المتوسط - بعد أن حرضه على ذلك مستشاروه الذين كانوا يؤيدون مصالح (الأخوة مانسمان) الاقتصادية في مناجم مراكش.
وهناك في طنجة، ألقى القيصر ويلهلم خطابا أيد فيه استقلال السلطان، وعلى أثر هذا الخطاب، نجح السلطان عبد العزيز في عقد مؤتمر دولي لبحث المسألة المراكشية. ولقد عقد هذا المؤتمر في الجزيرة الخضراء في الفترة من ١٥ كانون الثاني - يناير - إلى ٧ نيسان - أبريل - ١٩٠٦، لينتهي إلى الاعتراف بسيادة السلطان، والاتفاق على تنظيم شرطة دولية - بوليس - لحراسة المرافىء، وإقامة مصرف للدولة يكون رأس ماله أوروبيا.
تسبب تعاظم التدخل الأجنبي بأمور مراكش في اضطراب النظام والأمن، وبدأ الموقف في الخروج من قبضة السلطان عبد العزيز، واستمرت فرنسا ذلك لتقوم باحتلال (وجدة) و (الدار البيضاء) في سنة ١٩٠٧, وما لبث عبد الحفيظ أن ثار على أخيه السلطان عبد العزيز مستغلا الاستياء العام في طول البلاد وعرضها، وحمل الفقهاء
стр. 982
على خلعه. وتمكن من إخضاع البلاد كلها لطاعته خلال فترة وجيزة. واعترفت به أيضا كل من إسبانيا وفرنسا بعد أن أعلن اعترافه باتفاقات الجزيرة الخضراء.
ولكن عبد الحفيظ لم يكن أقدر من أخيه على مواجهة الأوضاع العسيرة التي خلقها التحريض الخارجي، فطوقه الثوار في فاس سنة ١٩١١، مما دفعه إلى التماس الدعم من فرسا. والواقع، أن هذا الحادث قرر مصير البلاد، على الرغم من أن ألمانيا ظلت تحاول أن تضمن لنفسها بعض الحقوق عن طريق هجومها على أغادير (وهو الهجوم المعروف بوثبة النمر، إذ أرسلت إلى أغادير مركبا حربيا، اسمه النمر (تايغر) بعد أن كانت إسبانيا قد وسعت منطقتها أيضا احتلال العرائش والقصر.
ومهما يكن من أمر، فقد اعترفت ألمانيا ذاتها، آخر الأمر، الحماية الإفرنسية لمراكش - وهي الحماية التي حددت شروطها بصورة رسمية في المعاهد التي عقدت مع السلطان في ٤ تشرين الثاني نوفمبر - سنة ١٩١٢. وخلف عبد الحفيظ السلطان يوسف، حتى إذا توفي هذا سنة ١٩٢٧، خلفه ابنه محمد الثالث. ووطد المارشال (ليوتي) (١) بما شن على القبائل المعادية، سلطة الحكومة التي
стр. 983
انتهى السلطان إلى أن يصبح مجرد رئيس اسمي لها. واحتفظت فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى بالمركز الذي اكتسبته في مراكش، لتبسط نفوذها على البلاد كلها ما بين سنة ١٩٢١وسنة ١٩٢٤ وذلك عن طريق مجموعة من الحروب التي أرهقت فرنسا. ودفع المغاربة (المراكشيون) ثمنا غاليا لها من دمائهم وتضحياتهم.
وعرفت بلاد المغرب - مراكش - في هذه الفترة بطلا من أشهر أبطال الحروب الثوروية في العالم الإسلامي هو (الأمير عبد الكريم الخطابي) الذي كان يعيش مع أسرته منذ عهد بعيد في منطقة الريف، عند أجدر على خليج الخزامى.
وفي سنة ١٩٢١، أعلن الأمير عبد الكريم ثورته ضد الإسبانيين للدفاع عن قومه. ولم يكن مع الأمير آنذاك سوى عدد قليل من الرجال، غير أن لهيب ثورته لم يلبث أن انتشر سريعا بين القبائل كلها في مراكش الشمالية. وأنزل عبد الكريم بأعداء المسلمين خسائر فادحة، ثم هاجم منطقة الاحتلال الإفرنسية، وتهدد فاس بالاحتلال؛ وعندئذ تعاونت قوى الاستعمار الإسباني - الإفرنسي للقضاء عليه وعلى ثورته، وتم لها ذلك في شهر شباط - فبراير - سنة ١٩٢٦ حيث اضطر الأمير عبد الكريم إلى إلقاء السلاح، فنفي في بداية الأمر إلى مرسيليا ثم أبعد إلى جزيرة (ريونيون) بالقرب من جزيرة القمر - مدغسكر - ومنذ ذلك الحين، وطدت إسبانيا أيضا سلطتها في مراكش - المغرب ..
لم تلبث إيطاليا بعد ذلك أن انضمت إلى ركب الدولتين الاستعماريتين (بريطانيا وفرنسا). فاتجهت إلى طرابلس الغرب
стр. 984
(ليبيا)، وطلبت إلى رجال تركيا الفتاة الموافقة على السماح للقوات الإيطالية باحتلال طرابلس الغرب، وعدم التصدي لمقاومة قواتها، غير أن تركيا رفضت الطلب الإيطالي الغريب، فأعلنت هذه الحرب على تركيا يوم ٢٩ أيلول - سبتمبر - ١٩١١، فوطئت قواتها الأرض العربية - الإسلامية يوم (٥) تشرين الأول - أكتوبر - ووقع عبء الدفاع على عاتق أنور باشا ومصطفى كمال، الذي كسب هنا أول إكليل من أكاليل مجده العسكري.
وعلى الرغم من دعم جماهير العرب المسلمين للقوات التركية، ومشاركتهم لها بحماسة في رفع راية الجهاد. إلا أن القوات الإيطالية حققت نجاحا انتهى بعقد معاهدة (أوشي) سنة ١٩١٢. وتخلت تركيا لإطاليا عن طرابلس وبنغازي. ولم يحتفظ الخليفة إلا بحق تعيين الموظفين الدينيين في تلك البلاد.
ليس المجال هنا التعرض للاستعمار الإيطالي وطرائقه الوحشية في قهر الشعب العربي المسلم في ليبيا، فلذلك مجاله الخاص، وبحثه المستقل، غير أن ما يهم البحث هنا هو الإشارة إلى نقطتين أساسيتين ترتبطان بالاستعمار الإفرنسي للمغرب الإسلامي: أولاهما أن استعمار فرنسا للجزائر هو الذي فتح المجال أمام تطور الهجمة الاستعمارية الصليبية ضد العالم الإسلامي، وثانيهما: أن إيطاليا بما عرف عنها من تخاذل وضعف وخور في الحروب قد استأسدت في إبادة الشعب العربي - الإسلامي في طرابلس، محاولة التأكيد لمنافسيها الأوروبيين أنها ليست أقل منهم حماسة للحرب الصليبية ضد المسلمين.
стр. 985
لم تتوقف مقاومة المجاهدين في سبيل الله في طرابلس على الرغم من كل الظروف السيئة التي أحاطت بالبلاد، ومارست (زوايا السنوسيين) هنا ما مارسته زوايا الإخوان الرحمانيين وسواهما في الجزائر المجاهدة. وتصدى لقيادة أعمال الجهاد عدد من المشايخ والزعماء، لعل من أبرزهم محمد بن عبد الله (في فزان) وأحمد الشريف (ومعه فبائل العبيدات والبراعصة والدرسة) وسالم بن الزنقاني، ورمضان السويحلي زعيم مصراته.
ويحتل بعد ذلك عمر المختار مرتبة الريادة في قيادة الجهاد (في برقة) (من سنة ١٩٢٤ حتى سنة ١٩٣١). والذي أرغم الإيطاليين على الدخول معه في مفاوضات سنة ١٩٢٩ فكان في جملة شروطه: (عدم تدخل الحكومة الإيطالية في أمور الدين الإسلامي، والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في دوائر ودواوين الإدارة الإيطالية، والسماح بفتح المدارس الدينية التي تدرس فيها علوم القرآن، والتفسير والحديث والفقه وسائر العلوم. وكذلك إلغاء القانون الذي وضعته إيطاليا والذي ينص على عدم المساواة في الحقوق بين الوطني - الليبي - والإيطالي، إلا إذا تجنس الليبي بالجنسية الإيطالية) غير أن إيطاليا لم تكن جادة في المفاوضات وكان هدفها كسب الوقت، تماما كما فعلت فرنسا مع الأمير عبد القادر الجزائري في معاهدة (تافنة) الشهيرة. فتم استئناف الحرب إلى أن تم لإيطاليا القضاء على الثورة، وإعدام البطل (عمر المختار).
المهم في الأمر، هو أن أساليب الإيطاليين ضد الشعب العربي الإسلامي في ليبيا لم تختلف عن نظيرتها من الأساليب الإفرنسية ضد
стр. 986
الشعب الجزائري. ولقد أرادت إيطاليا: (إقامة مملكة لاتينية في ليبيا - لإعادتها كما كانت في عهد الرومان - ولتأمين استيطان ثلاثة ملايين إيطالي فيها) ومن أجل ذلك: (أقدم الإيطاليون على ارتكاب آلاف الأفعال الوحشية بدون موجب، سوى الانتقام من المسلمين واستئصال شأفتهم من طرابلس وبرقة).
ولما كانت أراضي الجبل الأخضر من برقة، هي أجود قطعة من بر طرابلس، وفيها المياه الجارية والعيون الصافية والغابات الملتفة والمروج الخصبة، فقد توجهت أنظار الإيطاليين إلى استعمارها قبل غيرها. وقاموا بإجلاء القبائل العربية الساكنة في الجبل الأخضر وجواره عن أراضيهم، وجمعوا منهم ثمانين ألفا نسمة رجالا ونساء وأطفالا، وساقوهم إلى صحراء سرت - في الأراضي الواقعة بين برقة وطرابلس على مسافة عشرة أيام من أوطانهم الأصلية، وأنزلوهم في معاطش ومجادب لا يمكن أن يعيش بها بشر، فمات عدد كبير منهم جوعا وعطشا، وماتت مواشيهم كلها من فقد الكلأ والماء. وكان أهالي طرابلس وبرقة يزيدون على المليون ونصف المليون قبل الغزو الإيطالي.
ولم تمض فترة طويلة، حتى انخفض هذا العدد إلى سبعمائة ألف نسمة. وبلغ عدد السكان الذين أعدمهم الإيطاليون شنقا من أهالي طرابلس وبرقة خلال فترة الاحتلال، عشرين ألف نسمة، وكثيرا ما شنقوا أناسا بمجرد إرادة قائد، أو مجرد رغبة ضابط صغير. وقد وقع لهم أنهم شنقوا نسائ جردوهن من ثيابهن وأبقوهن عاريات عدة أيام. كما وقع أنهم كانوا يسلكون ستين أو سبعين شخصا في سلسلة
стр. 987
واحدة، ويحبسونهم على هذه الصروة مدة إلى أن يموتوا.
وجند الإيطاليون من أهالي الجبل الأخضر - برقة - كل الرجال من سن البلوغ إل الخامسة والأربعين ليحاربوا بهم إخوانهم. ثم عمدوا إلى الأحداث من فوق ٤ سنوات حتى ١٢ سنة، فأخذوهم قهرا من أحضان آبائهم وأمهاتهم، في يوم تشيب من هوله الأطفال ودفعوهم إلى إيطالبا لأجل تربيتهم وتنشئتهم في النصرانية. واغتصبوا النساء في أعراضهن وقتلوا منهن الكثيرات ممن دافعن عن شرفهن حتى النهاية. وكان نحو من مائتي امرأة من نساء الأشراف، قد فررن إلى الصحراء قبل وصول الجيش الإيطالي إلى الكفرة، فأرسلت القيادة الإيطالية قوة في إثرهن لمطاردتهن حتى قبضوا عليهن وسحبوهن إلى الكفرة، حيث خلا بهن ضباط الجيش الإيطالي واغتصبوهن. وهكذا أنزلوا المعرات بسبعين أسرة شريفة من أشراف الكفرة، الذين كانت الشمس تقريبا لا ترى وجوههن من الصون والعفاف.
ولما احتج بعض الشيوخ على هتك أعراض السيدات المذكورات، أمر القائد الإيطالي بقتلهم. ثم استباح الإيطاليون الزاوية السنوسية بالكفرة - المسماة بالتاج - وأراقوا الخمور فيها، وداسوا المصاحف الشريفة بالأقدام. وحملوا الشيخ سعد (شيخ قبيلة الفوائد)، وخمسة عشر رجلا معه من الشيوخ، وقذفوا بهم من الطائرات على مشهد من أهلهم، حتى إذا وصل أحدهم إلى الأرض وتقطع إربا، صفق الإيطاليون طربا، ونادوا بالعرب قائلين: (ليأت محمد هذا نبيكم البدوي الذي أمركم بالجهاد، وينقذكم من أيدينا).
стр. 988
وعندما اجتاحت القوات الإيطالية طرابلس، قبضت على ألوف من أهلها في بيوتهم، ونفتهم بدون أدنى مسوغ إلى جزر إيطاليا،
حيث مات أكثرهم من سوء المعاملة. وأباد الإيطاليون في غير ميدان الحرب، كل عربي يزيد عمره على (١٤) سنة، وأحرقوا يوم ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩١١حيا خلف بنك روما، بعد أن ذبحوا أكثر سكانه بينهم النساء والشيوخ والأطفال.
وفي اليوم التالي (يوم ٢٧ تشرين الأول - أكتوبر) وصف أحد المراسلين ما وقع عليه بصره بقوله: (صادفت ٥٠ جنديا يقودون ستة من العرب إلى خرابة يستعملها الجنود لقضاء الحاجة، ولما أدخلوهم إليها، اشترك الضباط والجنود في قتلهم بالمسدسات والبنادق، وما كدت أفر من هذا المشهد حتى رأيت ما هو أشد هولا، وهو طائفة من الجنود يسوقون (٥٠) عربيا بين رجال وأطفال، وأدخلوهم إلى مكان قد تهدم، وبدأ الضباط يقتنصون هذا الصيد الكريه بمسدساتهم وبنادق جنودهم مدة عشرين دقيقة. وكلما سمعوا أنينا من جثة أعادوا عليها النار حتى انقطع الأنين).
واستمر الجيش الإيطالي ثلاثة أيام يطلق الرصاص على كل من يلقاه من العرب. فهلك عدد من النساء والأطفال وبلغ مجموع القتل خلال ثلاثة أيام، أربعة آلاف عربي. ولما كانت (واحة جغبوب) هي مركز السادة السنوسية، فقد حرص الإيطاليون على إبادة رجال الدين فيها ومحو معالم الإسلام. وأصدرت الحكومة الإيطالية أمرا بإقفال جميع الكتاتيب التي تعلم الأطفال أمور دينهم، وتحقظهم قرآنهم الكريم.
стр. 989
وبهذه الطرائق: (استطاع الإيطاليون تشريد ثلث مليون من السكان، وأبادوا ثلث مليون آخر، وتركوا بعد ذلك للمدارس الإطالية إكمال المهمة، فلم يتركوا في طول البلاد وعرضها مدرسة غير إيطالية. وضمنت المدارس الإيطالية القضاء على الدين الإسلامي بجعل التعليم فيها إجباريا. وتكفلت دور الفحش والدعارة بواجب إفساد أخلاق الشبان. وبدؤوا بالتمييز بين العرب والبربر، على أمل تنصير الجنس البربري من أهل طرابلس وبرقة) (١).
وتبقى المنافسة الاستعمارية بين إنكلترا وفرنسا للسيطرة على مصر، هي البداية للصراع على العالم العربي، وقد برزت هذه المنافسة بشكلها الواضح في عهد (محمد علي باشا) وورثته على حكم مصر. حتى إذا ما أمكن توريط هؤلاء الورثة بمشكلات اقصادية مستعصية على الحل. وجدت أوروبا فرصتها لإحكام قبضتها على مصر، فتم تشكيل لجنة أوروبية لتسوية الديون والحد من سياسة الخديوي توفيق المالية. وكانت هذه (الوصاية المالية) كافية لفرض الهيمنة على الدولة بكاملها.
كانت بريطانيا تتطلع في الواقع منذ عهد بعيد للسيطرة على
стр. 990
مصر، بحجة تأمين طريق الهند للتجارة، وجاء احتلال فرنسا للمغرب العربي - الإسلامي ليمهد الطريق أمام إنكلترا للسير نحو قلب العالم العربي الإسلامي. وقد تظاهرت انكلترا في البداية أنها راغبة بمشاركة الدول الأوروبية في الهيمنة على مصر. وقد أدى تدخل (اللجنة الأوروبية) في أمور مصر الداخلية، (كإنقاص عدد أفراد الجيش المصري - بهدف التوفير) إلى ظهور تناقضات حادة، برزت من خلالها الإرادة المصرية - الوطنية في شخص أحمد عرابي، الذي أصبح وزيرا للحربية في شهر شباط - فبراير - سنة ١٨٨٢م. والذي تولى قيادة الحزب الوطني، والمطالبة بالإصلاحات لمصلحة الفلاحين المصريين ضد أصحاب الاقطاعات الواسعة من ذوي الأصول التركية. ولكن الضباط الأتراك في قيادة الجيش المصري دبروا مؤامرة ضد (الزعيم أحمد عرابي)، انتهت إلى نشوب خلاف بينه وبين الخديوي. وهنا دعا أحمد عرابي مجلس النظار إلى عقد مجلس من الأعيان رغم إرادة الخديوي.
واغتنمت بريطانيا الفرصة لتعلن أن سلامة الأوروبيين في مصر باتت (مهددة بالخطر). وأوعزت إلى أسطولها للقيام مع الأسطول الإفرنسي بتظاهرة عسكرية في مياه الإسكندرية. وأسرع - عرابي باشا - إلى تحصين الإسكندرية والاستعداد لمجابهة احتمالات العدوان. وفي هذه الفترة استدعت فرنسا أسطولها، وتركت لبريطانيا حرية العمل ضد مصر، فوجهت إنذارها إلى أحمد عرابي بإيقاف العمل في تحصين الإسكندرية.
وازدادت حدة التوتر في مصر، ووقعت بعض الاعتداءات على
стр. 991
الأوروبيين في ١١ حزيران - يونيو - ١٨٨٢، وعندما رفض عرابي الإنذار البريطاني، قامت البوارج الحربية البريطانية بقصف الإسكندرية يوم ١١ تموز - يوليو - ولم تلبث القوات البريطانية أن وطئت أرض مصر، وانضمت إليها على الفور قوات الخديوي توفيق، الذي كان قد طلب من بريطانيا حمايته. وتوجه أحمد عرابي بقواته إلى التل الكبير لمجابهة القوات (البريطانية - الخديوية). ووقعت معركة يوم ١٣ أيلول - سبتمبر - لم تكن في مصلحة القوات المصرية، رغم ما أظهرته هذه القوات من الاندفاع والحماسة وذلك بسبب عدم التكافؤ في القوى والوسائط التي زجها في المعركة. ولم يمض أكثر من يومين، حتى تم اعتقال أحمد عرابي في القاهرة، حيث تم نفيه إلى جزيرة سيلان ليقضي فيها عشرين عاما تقريبا، وقد تم السماح له بالعودة إلى وطنه سنة ١٩٠١.
قررت معركة (التل الكبير) في الحقيقة، مصير أرض الكنانة ومستقبلها لفترة ثلاثة أرباع القرن تقريبا. فقد فرضت بريطانيا رقابتها على المالية المصرية وقيادة الجيش المصري، وأقامت حاميات بريطانية في مناطق كثيرة، على امتداد قناة السويس ومنطقة البحر الأحمر بصورة خاصة ..
ليس هذا فحسب، بل إنها اصطنعت منصب (القنصل العام) الذي يقيم إلى جانب الخديوي؛ ليكون الحاكم الفعلي للبلاد. شأن المقيمين البريطانيين الذين جرت عادتها على تعيينهم مستشارين للحكام الوطنيين في الهند. إذا فقد أصبح تاريخ مصر - طوال هذه المدة - مرتبطا بتاريخ الإمبراطورية البريطانية. وتم فصل مصر عن
стр. 992
العالم الإسلامي، وعزلها عنه، مع إفساح المجال أمام الأجانب لاستغلال الموارد الوطنية - ومن الامتيازات الضخمة التي اغتصبها الغربيون، توجيه الزراعة لمصلحة الاقتصاد البريطاني، والتحكم فيه، بما يتناقض مع مصلحة الوطنيين المصريين، وتحميل الشعب المصري نفقات الاحتلال البريطاني، ونفقات أجهزة الحكم البريطانية التي امتدت لتشمل كل فروع الدولة. وفرضت بريطانيا ثقافتها على مصر، تماما على نحو ما فعلته فرنسا في الجزائر، وإيطاليا في ليبيا، ولو أنه كانت هناك ثمة فوارق في الأساليب والطرائق.
ولعل حادثة (دنشواي) في دلتا مصر، والتي قتل فيها إنكليزي بضربة شمس. وقيام البريطانيين باستغلال الحادثة لإنزال أشد العقوبات بالفلاحين، وشنق أربعة منهم يوم ٢٨ حزيران - يونيو - سنة ١٩٠٦، مع جلد (١٧) مواطنا بالسياط بطريقة وحشية، هي حادثة كافية لتصوير التشابه بين الطرائق الاستعمارية كلها.
أفادت بريطانيا من ظروف الحرب العالمية الأولى، لتنفيذ مخططها في الإجهاز على الدولة العثمانية، بالتعاون مع حلفائها الأوروبيين، ففرضت على مصر نظام الحماية في ٤ آب - أغسطس - سنة ١٩١٤. وجعلت بريطانيا من مصر وشعبها أداة الهجوم على القوات العثمانية - الألمانية، حتى إذا ما انتهت الحرب، انصرفت الإدارة البريطانية في مصر، إلى إدارة البلاد عن طريق استثمار التناقضات بين الأحزاب بعضها ضد بعض أحيانا، وبينها وبين القصر في أحيان أخرى. ورافق ذلك اضطرابات مثيرة، لعل أبرزها تلك التي رافقت اعتقال الزعيم سعد زغلول وثلاثة من إخوانه في ٨ آذار - مارس - ١٩١٩.
стр. 993
وتبع ذلك محاولات للاتفاق بين القيادات المصرية والسلطات المحتلة، من أجل الحد من نفوذ الاستعمار البريطاني. غير أن بريطانيا كانت تحيط هذه المحاولات، المرة بعد المرة، عن طريق خلق التناقضات الداخلية وتظاهرات القوة.
وكما أخذت فرنسا بالتوسع - كبقعة الزيت - من الجزائر نحو الشرق ونحو الغرب ونحو الجنوب، (للقضاء على دولة رباح - حول بحيرة تشاد وحوض الكونغو). فقد انطلقت بريطانيا من مصر نحو السودان والصومال. ولما كانت ثورة المهدي تشكل العقبة الأولى في وجه كل توسع بريطاني (منذ أن أعلن المهدي ثورته في سنة ١٨٨١)؛ فقد أخذ (كتشنر) على عاتقه القضاء على ثورة أتباع المهدي. وهكذا تحرك كتشنر (القائد العام للجيش البريطاني - المصري) في خريف سنة ١٨٩٦ ليقود ضد السودانيين معركة أم درمان الشهيرة، والتي قتل فيها الخليفة (عبد الله التعايشي)، كما قضي على الدولة المهدية. غير أن السودانيين استمروا في المقاومة، ولم يتمكن البريطانيون من توطيد نفوذهم قبل سنة ١٩٢٨.
أما في الصومال، فقد تولى محمد بن عبد الله حسن - من قبيلة أوغادين - مقاومة الإيطاليين والبريطانيين منذ سنة ١٨٩٩، وأمكن له توجيه ضربات موجعة لقوات الدولتين، واستمر في ذلك حتى سنة ١٩٢٠، حيث قررت بريطانيا تصفية مقاومته بصورة نهائية. واستخدمت أسطولها الجوي لتدمير مواقع المسلمين كلها. وفي الوقت ذاته انطلقت القوات البريطانية لمطاردته، وأمكن لها في النهاية قتله يوم ٢٣ تشرين الثاني سنة ١٩٢٠.
стр. 994
تجدر الإشارة إلى أن هذه الهجمة الصليبية الشاملة، لم تتوقف عند حدود العالم العربي، وإنما تجاوزته إلى أقصى المشرق. وهنا قامت روسيا بدور المنافس للبريطانيين، إذ احتلت قواتها بخارى وسمرقند في سنة ١٨٦٨، ثم ضمت إليها خوارزم سنة ١٨٧٣، كما ضمت إليها خواقند سنة ١٨٧٦ حتى إذا ما أقبلت سنة ١٨٨٤، استولت روسيا على مرو، وبذلك توطد مركزها في المشرق.
ومقابل ذلك قامت بريطانيا باجتياح أفغانستان، واستولت على كابول وقندهار في سنة ١٨٧٨، وعقدت معاهدة مع أفغانستان سنة ١٨٧٩ تنازلت فيها أفغانستان لبريطانيا عن مجازبولان ووادي قرم.
أما بالنسبة لبلاد فارس (إيران)، فقد بقي الصراع الروسي - البريطاني مستمرا عليها، حتى سنة ١٩٠٧، حيث أمكن لروسيا - بعد هزيمتها في الحرب الروسية - اليابانية (١٩٠٤) أن تتفق مع بريطانيا، فحصلت هذه على قاعدة في جنوب فارس تمتد من حدود الأفغان حتى بندر عباس. ومقابل ذلك، حصلت روسيا على الجزء الشمالي من البلاد، والذي يمتد من قصر شيرين - شرقا حتى الحدود الروسية - الأفغانية غربا ويشمل أصفهان ويزدوكاخ. ومع انتقاص العالم الإسلامي من أطرافه، وتمزيقه، بات من السهل على الحملة الصليبية توجيه حرابها إلى قلب العالم الإسلامي (الممثل بالامبراطورية العثمانية) للإجهاز على بقية الروابط التي كانت توحد جهد العالم الإسلامي.
جاءت الحرب العالمية الأولى، بعد ذلك، لتصل بالحملة الصليبية حتى نهايتها. واستطاعت الدولتان الاستعماريتان بريطانيا وفرنسا،
стр. 995
أن تنسقا الجهد فيما بينهما لتمزيق بقايا العالم الإسلامي في إطار معاهدة سايكس - بيكو الشهيرة، وفي إطار إقامة كيان صهيوني في فلسطين (وفقا لما تضمنه تصريح بلفور في ٢ تشرين الثاني - نوفمبر -سنة ١٩١٧). وأكد ذلك أن الحلفاء قد انتهوا إلى قرارات مختلفة جدا عن نص البيان الإفرنسي البريطاني، الذي أعلن بعد هدنة مودرس في ٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩١٨ وفيه: (أن هدف الدولتين هو تحرير الشعوب الخاضعة للنير العثماني، وأنهما مستعدتان لإقامة حكومات مستقلة في سوريا والعراق تكفل للقطرين تطورا سياسيا حرا).
وظهرت النوايا الحقيقية للدولتين الاستعماريتين الكبيرتين (فرنسا وبريطانيا) من خلال البيانات التي أذاعتها روسيا في أعقاب قيام الثورة الشيوعية، وكذلك من خلال التناقضات في تصريحات رجال السياسة في الدولتين الاستعماريتين.
ولقد أدركت فرنسا بأن الفرصة باتت مناسبة لها لاستثمار ما بذلته من جهد، طوال قرون عديدة، من حق حماية النصارى في بلاد الإسلام، ومن خلال نشر الثقافة الإفرنسية في بلاد الشام. كما أن بريطانيا وجدت أخيرا الفرصة مناسبة لتنفيذ مخططاتها في التوسع واكتساب قواعد جديدة.
ولقد حاول الزعماء العرب بقيادة الشريف فيصل حمل قيادات الحلفاء على الوفاء بالتزاماتهم تجاه العرب، غير أن هذه الجهود باءت بالفشل، وعقد مؤتمر سان ريمو في ٢٥ نيسان - أبريل - ١٩٢٠ فتقرر
стр. 996
وضع سوريا كلها تحت الانتداب الإفرنسي، ولم تكن هذه التسمية سوى الغطاء الرسمي لإخفاء بشاعة الاستعمار وسوءاته، وهو ما أكده وزير الخارجية البريطاني - اللورد كرزون - في خطابه أمام مجلس اللوردات، يوم ٢٥ حزيران - يونيو - سنة ١٩٢٠، حيث أعلن: (بأن انتدابات جمعية الأمم ليست إلا حديث خرافة، ذلك لأنها الوسيلة لتوزيع البلاد المفتوحة بين المنتصرين) (١).
ومضت فرنسا لتنفيذ مخطط (الانتداب)، فوجهت إنذارا إلى الملك فيصل (٢) في ١٤ تموز - يوليو - سنة ١٩٢٠ للاعتراف بالانتداب الإفرنسي على الساحل. ورفض الملك فيصل الإنذار، فاحتلت القوات الإفرنسية حلب يوم ٢٣ تموز - يوليو - وأعقبها احتلال دمشق (بعد معركة ميسلون التي انتصر فيها الجنرال غورو على جيش يوسف العظمة الحديث التكوين). ودخلت القوات الإفرنسية دمشق يوم ٢٥ تموز - يوليو.
ولم تلبث فرنسا أن قسمت سوريا إلى أربع دول؛ هي أ - لبنان الكبير. ب - دمشق. ج - حلب. د - دولة العلويين (وهي منطقة النصيرية الواقعة شمالي لبنان بين العاصي والبحر المتوسط). ليس هذا فحسب، بل لقد ضمت بيروت وطرابلس والبقاع إلى دولة لبنان الكبير. وهكذا، وبينما كان في لبنان قبل ذلك (٢٠٠) ألف ماروني موالين لفرنسا، شكلت فرنسا كيانا يضم الأقليات
стр. 997
ومنهم (١٣٥) ألفا من النصارى المنتمين إلى مختلف الطوائف، و (٣٠) ألفا أرمني، و (٢٠) ألفا من الأجانب، و (٤٤) ألف درزي و (١٠٥) آلاف من الشيعة. وثارت سوريا لهذا التقطيع في أوصالها، فما كان من فرنسا إلا أن أعلنت في سنة ١٩٢٢ تشكيل دولة اتحادية سورية تضم دول دمشق وحلب والعلويين. وبدأت فرنسا بتنفيذ مخططاتها لتدمير قواعد الصمود والأصالة في المجتمع السوري الإسلامي - مما أدى إلى الثورات المستمرة.
وتم انتداب فلسطين من قبل بريطانيا في ٢٤ تموز - يوليو - سنة ١٩٢٢ (بموجب اتفاق سان ريمو أيضا). وتم تعيين مندوب سامي بريطاني - يهودي - أطلقت يده في تقسيم البلاد إلى مقاطعات إدارية، مع منحه السلطات المطلقة لتوزيع الأراضي العامة - أملاك الدولة - واستثمار الموارد المعدنية والثروات الطبيعية للبلاد، وكذلك تعيين الموظفين وعزلهم. واعتبرت الإنكليزية والعبرية والعربية لغات رسمية متساوية. وانطلق اليهود تحت حماية المندوب السامي (هربرت صموئيل) لتنفيذ المخطط الصهيوني، وإقامة المستوطنات، والهيمنة على الصناعات والتجارة في المدن الكبرى. وأدى تعاظم نفوذ اليهود إلى انتشار الغضب في أوساط المسلمين الذين وجدوا أنفسهم وقد تحولوا في بلادهم إلى كتلة مهملة ومهددة باستمرار في حاضرها ومستقبلها؛ الأمر الذي أدى إلى ثورة سنة ١٩٣٦ الكبرى والتي لم تتوقف إلا باندلاع الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩م.
وعملت بريطانيا في الوقت ذاته على تقسيم جنوب بلاد الشام إلى
стр. 998
قسمين، فلسطين وشرقي الأردن. وأعلنت قيام إمارة أردنية مستقلة في منطقة شرقي الأردن ولم تلبث أن تحولت الإمارة إلى ممكة حملت اسم (المملكة الأردنية الهاشمية).
وأصبح العراق بدوره تحت سلطة الحماية البريطانية - منذ هدنة مودرس - وأخذت بريطانيا على عاتقها فرض هيمنتها على العراق، وذلك وفقا لمضمون التصريح البريطاني - الإفرنسي الصادر في آذار - مارس - سنة ١٩١٨. غير أن العراق تصدى لمقاومة المخططات البريطانية، وانتقلت المقاومة من مجال الصراع السياسي إلى مجال الصراع المسلح. مما أدى ببريطانيا إلى القيام بمحاولة إحكام سيطرتها، وانتهى الأمر بثورة شبه عامة في ٣٠ حزيران - يونيو سنة ١٩٢٠ م ضد التدخل البريطاني في الشؤون الداخلية للعراق. وقامت بريطانيا بقمع الثورة بصورة وحشية في ربيع سنة ١٩٢١. لكنها أدركت بأنه المحال عليها حكم العراق مباشرة، فقررت إقامة نظام ملكي.
وفي الوقت ذاته كانت الحركات الوطنية في العراق تطالب الملك فيصل الذي أخرجته فرنسا من سوريا، أن يتولى عرش العراق. ووطىء فيصل البصرة في ٢٣ حزيران - يونيو - سنة ١٩٢١. واسقبلته بغداد اسقبالا حماسيا. وجرى استفتاء أعلن على أثره السير (برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني، تنصيب الأمير فيصل ملكا على العراق في ٢٣ آب - أغسطس - سنة ١٩٢١م. غير أن الصراع ضد بريطانيا - وانتدابها - لم يتوقف.
بدأ بعد ذلك الهجوم على قلب الإمبراطورية الثانية التي رفعت
стр. 999
راية الإسلام طوال قرون عديدة. وكانت تركيا قد خسرت البلقان خلال الحرب العالمية الأولى، وانتهى بها الأمر إلى الخروج من الحرب (بعد اقتطاع البلاد العربية منها) وذلك في ٣٠ تشرين، الأول -أكتوبر - ١٩١٨م وذلك بموجب هدنة مودرس وبدأ الحلفاء في دفع قواتهم لاجتياح تركيا، فقامت اليونان باحتلال أزمير في ١٥ أيار - مايو - ١٩١٩ بعد أن شجعتها بريطانيا على ذلك.
وعاشت تركيا فترة من الاضطراب في الحكم، فقام الحلفاء بالتمهيد لقيام مصطفى كمال، بأن قاموا باعتقال مناوئيه وخصومه وتشريدهم؛ كما قام اليونانيون بمذابح وفظائع وحشية في مدينة أزمير لم يسمع بمثلها. وانطلق مصطفى كمال لتنفيذ دوره. فأسس جمعية وطنية في الأناضول واستثار حماسة الأتراك للدفاع عن بلادهم. وأمكن له تحقيق انتصار على اليونانيين في سقارية، ثم عقد مع فرنسا معاهدة حصلت فيها فرنسا على امتياز استثمار مناجم الحديد والكروم والفضة في وادي نهر خرشوط الذي يصب في البحر الأسود. كما عقد معاهدة مع روسيا تنازل فيها عن (باطوم) التي ضمت إلى جمهورية جورجيا السوفييتية.
في ٢٩ تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٩٢٣، أعلن انتخاب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية، وفي ٣ آذار - مارس - سنة ١٩٢٤، ألغيت الخلافة من تركيا. وقام أتاتورك (مصطفى كمال) باستثارة مراكز القوى الدينية، وعمل على تدميرها، وانتقل بعد ذلك إلى إلغاء وزارة الأوقاف في ٢ آذار - مارس - سنة ١٩٢٤ وعهد في
стр. 1000
شؤونها إلى وزارة المعارف. وذهب أتاتورك إلى ما هو أبعد من ذلك فحدد عدد المساجد، ولم يسمح بغير مسجد في كل دائرة يبلغ محيطها خمسمائة متر. كذلك خفض عدد الأئمة إلى ثلاثمائة شيخ فقط. وفرض عليهم أن لا يقصروا خطبة الجمعة على الأمور الدينية، بل أن يتعرضوا للمشكلات الزراعية. وأوصدت أبواب عدد من الجوامع أشهرها جامع أيا صوفيا الذي حول إلى متحف، ومسجد السلطان محمد الفاتح الذي حول إلى مستودع وعمل أتاتورك بعدئذ على إلغاء الأحرف العربية واستبدالها بأحرف لاتينية في ٢٨ آذار - مارس سنة ١٩٢٨. وأمكن بذلك القضاء على تركيا الإسلامية، والسير بها نحو الغرب. وتبع ذلك استبدال القوانين الإسلامية بقوانين أوروبية - وانتهت بذلك وحدة العالم الإسلامي.
стр. 1001
٢ - الهجوم الاستعماري الاستيطاني
على الجزائر
فتحت فرنسا أبواب الجزائر أمام المهاجرين الفرنسيين والأوروبيين على السواء. فكان عدد المهاجرين الإفرنسيين في البداية أقل من عدد المهاجرين الأوروبيين، وفي سنة ١٨٣٩ بلغ عدد المهاجرين إلى الجزائر (٢٥) ألف أوروبي من أصلهم (١١) ألف فرنسي. وفي العام ١٨٤٧ بلغ عدد الإفرنسيين (٤٨) ألفا من أصل (١١٠) آلاف مهاجر أوروبي، بينهم (٣٢) ألف إسباني و (٨ - ٩) آلاف من الإيطاليين والألمان والمالطيين والسويسريين. وبلغ عدد الإفرنسيين في العام (١٨٦٠) مائة وعشرون ألفا من مجموع مائتي ألف - وارتفع هذا الرقم في العام ١٨٧١ إلى (١٣٠) ألف فرنسي مقابل (١١٥) ألف أوروبي. وتعادل الرقمان تقريبا في العام ١٨٧٦.
وفي العام ١٨٨٩ صدر قانون بمنح الجنسية الإفرنسية بصورة آلية لجميع الأفراد الذين ولدوا في الجزائر من أبوين أجنبيين، وتفوق الإفرنسيون في الجزائر على غيرهم من الأوروبيين في عددهم لأول مرة. وتابع الإفرنسيون بعد ذلك تطوير الهجرة إلى الجزائر، بينما
стр. 1002
هبطت نسبة المهاجرين من الجنسيات الأخرى إلى حد كبير بعد العام ١٨٩٥. وتوقفت الهجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم استؤنفت بعد ذلك، غير أن نوعية المهاجرين تبدلت. فلم يعد المزارعون هم الذين يهتمون بالهجرة إلى الجزائر، بل اقتصرت الهجرة على العمال والتجار ورجال الأعمال وموظفي الحكومة وعمالها. وتعود هذه الظاهرة إلى مكننة الزراعة من جهة (إدخال الزراعة الآلية) وإلى تناقص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة من ناحية أخرى.
يبرز العرض السريع السابق أن الجزائر تعرضت لهجمة استيطانية واسعة في أعقاب القضاء على ثورة الحداد والمقراني (ثورة ١٨٧١)؛ ويعود سبب ذلك إلى هجرة الإفرنسيين من مقاطعتي الألزاس واللورين اللتين احتلتهما بروسيا سنة ١٨٧٠، كما أن الآفة الزراعية التي لحقت بالكثير من كروم العنب في فرنسا عام ١٨٧٨، دفعت عددا من صانعي الخمور إلى الجزائر. المهم في الأمر هو أن هذه الهجرة أدت إلى مجموعة من الظواهر، أو العوامل، التي رسمت أبعادها على صفحة الجزائر وعلى مستقبلها. وهذه الظواهر هي: أ - النزعات الاستقلالية للمستوطنين - المهاجرين. ب - التكون النفسي الخاص بالمستوطنين. ج - موقف الجزائريين من الهجرة.
أ - النزعات الاستقلالية للمهاجرين (المستوطنين): أظهر المستوطنون الأوروبيون في الجزائر جنوحا نحو الاستقلال بأمور الجزائر وإدارتها منذ البداية، وكان هذا الجنوح عاملا أساسيا في جملة عوامل اضطراب الإدارة الإفرنسية في الجزائر، وتأرجح هذه الإدارة بين المدنيين والعسكريين، حتى إذا ما سقطت إمبراطورية نابليون
стр. 1003
الثالث إثر الحرب البروسية - الإفرنسية، ظن المستوطنون أن الفرصة باتت مناسبة لهم للاستقلال بأمور الجزائر، فقاموا بمهاجة المراكز العسكرية الإفرنسية، وأنزلوا الإهانات بالعسكريين، وأقاموا لجان الدفاع والأمن العام. وقاموا في شهر تشرين الثاني - نوفمبر ١٨٧٠ بضرب الحاكم العام العجوز (الجنرال إيستر هازي) وطردوه من مقره.
في هذه الفترة من ظهور الروح الانفصالية للمرة الأولى عند المستوطنين، جرت اتصالات مع (غاريبالدي) في إيطاليا، وملكة إنكلترا، ولكن الحكومة الإفرنسية المؤقتة سرعان ما استعادت سيطرتها على الجزائر. وأخذ المستوطنون بعد ذلك في استخدام قوتهم الاقتصادية الجديدة لممارسة الضغوط السياسية ضد الحكومة الإفرنسية، ولتطبيق السياسة المناسبة لهم. وعندما حاولت فرنسا تطبيق سياسة الدمج بهدف معاملة الجزائر كأي مقاطعة إفرنسية أخرى، انبرى المستوطنون لمقاومة هذه السياسة وإحباطها. وظهر خلاف حاد بين المستوطنين وبين الحكومة الإفرنسية - في باريس - في عهد الجمهورية الثالثة بسبب التناقض في وجهات النظر تجاه القضايا الاقتصادية، ومشاريع الاستثمار ونفقات الإدارة في الجزائر، وبسبب التناقض أيضا بشأن الدور المقبل للجزائريين في بلادهم.
وكان معظم المستوطنين يعتقدون بوجوب إبادة الجزائريين وإفنائهم، بينما كان الليبراليون في فرنسا يعتبرون أن من الواجب تدريب الجزائريين على الأعمال الرخيصة. وهو ما تبرزه مقولة
стр. 1004
(جوليوس فيري) (١) رئيس الوزراء الإفرنسي سنة ١٨٩٢ حيث كتب ما يلي:
(قمنا بدراسة نفسية المستوطن دراسة دقيقة ووثاثقية، فوجدنا أنه إنسان محدود الأفق للغاية. ومن المؤكد أن الكفاءة العقلية ليست هي السبب في ظاهرة تحكم المستوطن في مصير أهل البلاد. غير أن هذا المستوطن ليس مجردا من الفضائل، ففيه تتجسد كل صفات العامل المجد، والإنسان الوطني، ولكنه لا يملك ما يمكن للإنسان أن يسميه (بفضيلة الفاتح) وهي التي تتمثل في إنصاف الروح والقلب، وفي الإحساس بإنصاف الضعيف، وإحقاق الحق بما لا يتعارض مطلقا مع صلابة الحكم والإدارة. ومن الصعب على المستوطن الأوروبي أن يفهم بأن ثمة حقوقا أخرى غير حقوقه في البلاد العربية - الإسلامية .. وأن أبناء هذه البلاد ليسوا شعبا خلق للعبودية، أو للتكبيل بالأصفاد وفقا لرغباته. ويعلن المستوطنون أن الشعب الخاضع للاستعمار هو شعب غير قادر على تحسين أوضاعه، أو على تقبل العلم، دون أن يبذل هؤلاء المستوطنون أي جهد أو محاولة لرفع مستواه العقلي والأدبي من الحالة البائسة التي يعيشها. وليس من شك في أن نيتنا لا تتجه إلى إبادة أهل البلاد، ولا القذف بهم إلى ما وراء الصحراء، ولكن
стр. 1005
ليس ثمة فائدة في الاستماع إلى شكاواهم، ولا الاهتمام لتكاثرهم، وهو تكاثر يزداد بصورة مضطردة مع فقرهم).
وهذا ما عاد الجنرال كاترو فأكده بقوله:
(يعيش المستوطنون أكثر من غيرهم من الناس تحت سيطرة غرائزهم، أكثر مما يعيشون وفقا لمتطلبات العقل ومعطيات المثل العليا. وقد ظلوا عن طريق الوراثة الرجعية، على النحو الذي كان عليه آباؤهم عندما ذهبوا إلى إفريقيا لاستيطانها، وهم يشكلون
الرواد الأوائل، حاملين معهم طبيعتهم الميالة إلى العمل وإلى العزلة، فنفذوا بحماسة رائعة ونجاح منقطع النظير مشاريع تحمل طبيعتهم الفردية ومصلحتهم الشخصية. وهم على ضوء هذا يمثلون مجموعة من الأفراد، أكثر من تمثيلهم لجماعة محددة تقوم على مجموعة من الأسس والتقاليد. وهم لا يتنادون إلى التجمع والعمل المشترك إلا دفاعا عن مصالحهم. ولكن هذه المصالح، التي هي في حد ذاتها مصالح طبقية، لا تكون دائما منسجمة مع مصالح فرنسا. ويفتقر هؤلاء الرجال، على الرغم من حسن نيتهم، إلى الفضائل الخلقية الروحية، والتقليل من المفاهيم المادية والأنانية الشديدة الغرور تجاه علاقاتهم مع أهل البلاد. وهم - أي المستوطنون - يفتقرون أيضا إلى خميرة كريمة وأصيلة من الثقافة غير المتحيزة، وإلى تذوق الأفكار، ويتضخم هذا الافتقار مع مرور السنين، ومع ازدياد الثروة، (١).
стр. 1006
المهم في الأمر هو أن امتلاك المستوطنين للثروة قد مكنهم من فرض إرادتهم على الحكم الإفرنسي في باريس، وقد اعترف رئيس الوزراء الإفرنسي (جوليوس فيري) بفشل سياسة (الدمج) في سنة ١٨٩٤، فتم تشكيل مجلس أعلى للجزائر، يضم ستين عضوا بينهم سبعة عشر فقط من الجزائريين.
وخففت فرنسا في العام ١٨٩٦ من ارتباطاتها بالجزائر، وأصبح من حق الجزائر - جزائر المستوطنين - في سنة ١٩٠٠ أن تشرف على شؤونها المالية، ونص قانون صدر في العام ١٨٩٨ على تكوين هبات مالية جزائرية تضم (٢٤) عضوا من الجزائريين و (٤٨) عضوا من المستوطنين - وكانت هذه الهيئات المالية هي التي تقترح الموازنة الجزائرية التي أطلق عليها اسم (باستيل المستوطنين) وظلت تسيطر على البلاد من العام ١٨٩٨ إلى العام ١٩٤٥. وكان المستوطنون والجزائريون من أعضاء هذه الهيئات المالية يمثلون المصالح الضخمة لأصحاب الأملاك. ولم يكن المستوطنون يبدون أي اهتمام بمصالح الجزائريين ورفاهيتهم وكانوا يعزون مشاعر القلق عند الجزائريين إلى التأثيرات الخارجية.
لقد حارب عدد كبير من أبناء الجزائر (ومن أبناء المغرب العربي الإسلامي عامة) تحت العلم الإفرنسي وللدفاع عن (شرف فرنسا) غير أن تضحياتهم قوبلت بالجحود والإنكار من قبل المستوطنين، فقد تصدى هؤلاء لمقاومة كل إصلاح أرادته الحكومة الإفرنسية، لا من أجل مصلحة الجزائريين وإنما من أجل مصلحة فرنسا بالدرجة
стр. 1007
الأولى. وهكذا فعندما طرح (كليمنصو) (١) بعض الاقتراحات التي زعم أنها إصلاحية، جابهه المستوطنون بما يشبه الثورة، وهددوا بالانفصال، على نحو ما كانوا قد فعلوه سنة ١٨٧١، ووجهوا حملة من الاحتجاجات والعرائض والضغط من قبل النواب الذين يمولهم المستوطنون. وهكذا وجد المحاربون الجزائريون أنفسهم أمام موقف عسير في وطنهم ففضلوا الهجرة إلى فرنسا على البقاء في وطنهم.
لقد أطلق الإفرنسيون على العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين لقب (أيام زهو المستوطنين في الجزائر) هذا على الرغم مما تعرضت له الجزائر في هذه المدة من النكسات الاقتصادية التي دفع الجزائريون ثمنها لحساب المستوطنين، ومنها على سبيل المثال (أزمة الخمور) التي وقعت في فرنسا مع مطلع الثلاثينات، وأدت إلى قيام أصحاب صناعة الخمور فيها بالمطالبة بتخفيض مستوردات الخمور من الجزائر. وعلى أثر تهديد المستوطنين بالانفصال ومقاطعه المنتجات الإفرنسية، مما أرغم حكومة (باريس) على إلغاء التعرفة الجمركية العالية التي كانت تعتزم فرضها على خمور الجزائر، ويكفي هنا القول: (أن الجزائر البلد المسلم بات بفضل الحضارة الإفرنسية مصدرا للخمور. وقد كان التوسع في هذه الزراعة على حساب
стр. 1008
زراعة المواد الغذائية الأخرى التي يعيش عليها، ويقتات من خيرها شعب الجزائر).
ب - التكوين النفسي الخاص بالمتسوطنين: تضمنت الفقرة السابقة بعضا من الشواهد التي تبرز التكوين النفسي الخاص
بالمستوطنين في الجزائر، وفي الحقيقة فإن هذا التكوين ليس خاصا، وإنما ينطبق تماما على كل الهجرات الاستيطانية التي رافقت أعمال الاستعمار. فشعور المستوطن بقوة دولته، وما يشهده من أعمال إجرامية وفظائع لإخماد ثورات المواطنين ومقاومتهم للاستعمار، ثم ما تزعمه الدول الاستعمارية من ممارستها للاستعمار بهدف (القيام بدور حضاري ناجم عن تفوق الإنسان
الأوروبي - تفوق الرجل الأبيض) وتغطية ذلك بغطاء ميثولوجي - ديني - في إطار حرب صليبية، كل ذلك مما يجعل المستوطن إنسانا عنصريا، وفردا ومميزا بقسوته الوحشية على أبناء البلاد الخاضعة للاستعمار.
وهنا لا يمكن في الحقيقة المساواة في نظرة المستوطنين إلى أبناء البلاد الأصليين، إذ أن آراء عضو مجلس الشيوخ (هنري بورغو - الذي كان يلقب بملك الخمور في الجزائر، بسبب كثرة ما يملكه من كروم العنب في البلاد) أو جورج بلاشيت (الذي كان يلقب بملك الحلفاء - بسبب تملكه لمئات الأفدنة من الأرض التي تزرع فيها نباتات الحلفاء اللازمة لصناعة الورق المصقول) هي آراء تختلف كل الاختلاف عن آراء زارع الشاي ذو الأصل الإسباني، أو حتى الموظف الإفرنسي الأصل الذي يعمل في دائرة الحاكم العام في
стр. 1009
الجزائر. ومع ذلك، يبدو أن المستوطنين يتحدون في اتخاذ مواقف مشتركة، إذ أن المستوطن الثري يفرض رأيه إلى حد ما على (المستوطن الصغير) الذي لا يشاركه في مصالحه.
لقد كتب أحد الإفرنسيين الليبرالين في موضوع المستوطنين ما يلي: (يشترك هؤلاء المستوطنون الإفرنسيون في الجزائر مع الجنوبيين في الولايات المتحدة في أكثر من صفة واحدة. ولعل في طبعة هذه الصفات: الشجاعة والديناميكية - الحركة المستمرة -وضيق الأفق، والاعتقاد المتأصل في نفوسهم بأنهم خلقوا ليكونوا سادة. ويكون غيرهم عبيدا، وأن أية محاولة لتبديل هذه الفروق هي عملية تستهدف نشر الفوضى، وصحيح من وجهة نظرهم، بأنه يجب العطف على الخدم، ولكن بشرط أن يظهر هؤلاء الرغبة للبقاء دائما في طبقة الخدم).
هذا فيما كتب كاتب آخر:
(تكون البلاد ملكا للناس الذين يعرفون كيف يستثمرونها، وكيف ينهضون بأهلها، ويقيمون لهم المؤسسات، ويوطدون لمصحتهم دعائم الحياة الثقافية والمادية. ويجب أن يفهم كل فرنسي، أن هذا الكفاح الذي يخوضه إخوانه في الجزائر، إنما هو كفاح هدفه الدفاع عن الوطن الأب المشترك، وحماية الحضارة المسيحية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من شمول ومن عمق في المضمون، على تربة أفريقيا. ولقد كانت فكرة الحضارة المسيحية هي سبب وجود فرنسا والحافز لعظمتها، ولهذا فإن إضعاف هذه الفكرة من طريق الخطر الكبير الذي تتعرض له فرنسا في الجزائر
стр. 1010
سيعرض فرنسا ذاتها لخطر الزوال) (١).
تبرز المقولات والشواهد السابقة تلك المواقف المشتركة التي كونها النظام الاستعماري ذاته. فالمستوطن، مثله كمثل أي إنسان آخر، يتشكل ويتكيف ضمن إطار المجتمع الذي يعيشه، ومن هذا المجتمع يستمد قيمه وأفكاره. ولقد أفسد النظام الاستعماري التكوين النفسي للمستوطنين، وبات لزاما عليه تحمل تبعات ما أفسده. ومن غير الصحيح إلغاء التبعات على المواطنين - أو المستوطنين الذين وجدوا أنفسهم، بحكم السياسة الاستعمارية، وهم في وسط معاد لهم في مجموعه، مناوىء لثقافتهم، إدراكا من هذا الوسط بأن تراثه وثقافته ومذهبه الديني، هي بمجموعها القاعدة الصلبة لمجابهة ما يتعرض له.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد وجد المستوطنون أن الحلول الديموقراطية للمشكلات الجزائرية الوطنية، وتحقيق الانفتاح على المواطنين الأصليين، سيفسد عليهم متعة الامتيازات التي يمارسونها ويستثمرونها. ومن هنا برز الجدار الفاصل، ونشأت الهوة العميقة بين المستوطنين الأوروبيين من جهة، وبين المواطنين الجزائريين من جهة أخرى. وكان لا بد لهذا الحاجز الفاصل من أن يتزايد تعاظما مع الأيام، بتأثير الأخطاء المتراكمة، مما خلق الوضع المتفجر بصورة دائمة فوق أرض الجزائر.
стр. 1011
ج - موقف الجزائريين من الهجرة: جابه الجزائريون جحافل الغزو الإفرنسي بالمقاومة الضارية منذ بداية الاحتلال الأجنبي وظل رجال القبائل يقاومون بعنف توسع الإفرنسيين طوال الفترة من عام ١٨٣٠ وحتى عام ١٨٧١. واستخدم الجيش الإفرنسي أشد الوسائل وحشية في حملاته المتطاولة لإخماد جذوة الجهاد المتألفة أبدا فوق ثرى جزائر الأحرار.
ولم تكن مقاومة الجزائريين قائمة فقط بسبب تحريض القيادات المؤمنة، بداية من الأمير عبد القادر وأحمد باي قسنطينة والإخوان الرحمانيين والشيخ الحداد والمقرانيين وسواهم، كم لم تكن هذه المقاومة نتيجة سخط الشعب على وحشية الإفرنسيين ووسائلهم البربرية. وإنما كانت مرتكزة أيضا، ولعل هذا هو المهم، على تعلق الجزائريين بدينهم الإسلامي وتمسكهم بأرضهم الطيبة الطهور.
لقد قامت القوات الإفرنسية بتدمير أراضي الجزائريين تدميرا شاملا ثم أدى اغتصابهم لها فيما بعد إلى تمزيق الروابط الأساسية للمجتمع الريفي. وصدر مرسوم في العام ١٨٤٠ يقضي بمصادرة أملاك الجزائريين الذين امتشقا الحسام ضد الإفرنسيين، والاستيلاء على أراضيهم. وفي سنة ١٨٤٣م، صدر مرسوم آخر يقضي بمصادرة أراضي (الداي التركي) وأراضي الوقف الإسلامي (الحبوس) التي ينفق ريعها على المساجد وغيرها من شؤون المسلمين؛ فأتاح هذا المرسوم للإفرنسيين فرصة السيطرة على شؤون المسلمين. وفي عامي ١٨٤٤ و١٨٤٦ صدرت مراسيم اشتراعية تسمح بمصادرة الأراضي التي لم يكن لأحد فيها حقوق مشروعة - من وجهة نظر القوانين الاستعمارية الإفرنسية -.
стр. 1012
واستمرت الإدارة الإفرنسية في إصدار مراسيم المصادرة للأراضي الجزائرية، مغتنمة كل فرصة مناسبة لإحكام سيطرتها على البلاد. وكان فشل ثورة الإخوان الرحمانيين (ثورة المقراني والحداد ١٨٧١) فرصة مناسبة للإفرنسيين من أجل اغتصاب عدة ملايين أخرى من الأفدنة، مما أنزل ضربة أخرى بالمجتمع الريفي الجزائري.
وأدى هذا العمل إلى إفقار الكثيرين من رجال القبائل الذين كانوا من أشد الناقمين على فرنسا. ودفع بهم إلى الهجرة، والانتشار في كل أنحاء الجزائر بحثا عن العمل. وصدر قانون إفرنسي في العام ١٨٧٣ سمح ببيع أراضي القبائل أو أراضي الوقف. وكانت الأرض إذا بيعت، انتقلت إلى الخضوع لقوانين الأراضي الإفرنسية، وأصبح من المحال إعادتها إلى القوانين الجزائرية الإسلامية، حتى لو كان من ابتاعها جزائريا. وأدت الفوارق بين قوانين تملك الأراضي الإفرنسية والإسلامية إلى بقاء هذه المشكلة حتى في القرن العشرين سببا من أسباب نقمة الجزائريين وسخطهم، لا سيما وأن هذه القوانين في جملتها فرضت على رجال القبائل الإقامة في مناطق معينة، وقيدت حركتهم وحركة قطعان مواشيهم عبر المنتجعات ومناطق الرعي الخصبة التي كانت لهم من قبل. كما أدت عمليات الاغتصاب المتعددة، إلى تراجع الجزائريين عن المناطق الساحلية التي تضم الأراضي الخصبة، وانسحابهم نحو الداخل حيث الأراضي الجبلية المقفرة، والتي تصعب زراعتها.
وهكذا تمزقت الطبقة المتوسطة الجزائرية وضعفت، وعلى سبيل المثال، فقد كان عدد سكان الجزائر يقدرون تقريبا بـ (٧٥) ألفا قبل
стр. 1013
اجتياح فرنسا للجزائر، وهبط هذا العدد مع بداية الاحتلال إلى (٦٠) ألفا، ثم إلى (٢٠) ألف جزائري فقط. ومرت مدن بليدة وميدية والمعسكر وتلمسان وعنابة وقسنطينة وغيرها، بفترات من الحصار والمذابح، وفر الكثيرون من أبناء المدن إلى الأرياف. واستمرت الهجرات على نطاق واسع أيضا إلى بلاد الشام، طوال القرن التاسع عشر، احتجاجا على الإجراءات الإفرنسية.
غير أن مدينة (قسنطينة) انفردت عن سواها من مدن الجزائر، بأنها استطاعت استعادة مكانتها بسرعة؛ فأصبحت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مركزا سياسيا ودينيا لمقاومة المخططات الاستعمارية الإفرنسية. وقد تم لها ذلك بفضل الطبقة المتوسطة ذات الجذور العريقة والتقاليد الراسخة والثقافة الدينية الرفيعة. علاوة على ما يتوافر لهذه المدينة من انفتاح على داخل البلاد، ووجود فئة متعلمة لها قدرة قيادية. وقد تمكنت هذه الطبقة المثقفة المختارة -بمعونة باي قسنطينة، من تجنب الدمار الذي ألحقه الإفرنسيون بالمدن الجزائرية الأخرى، ولم يعد من الغريب والحالة هذه أن تكون هذه المدينة مهدا لظهور عدد كبير من قادة الثورة الجزائرية وزعمائها في وقت لاحق.
على كل حال، أدى نجاح الإفرنسيين في القضاء على ثورة القبائل (سنة ١٨٧١) إلى نهاية فترة من الوطنية الريفية، وبداية فترة أخرى من جهود أهل المدن، يقودهم سكان قسنطينة، للحصول على بعض حقوقهم بوسائل الصراع السلمي. وظلت الطبقة المختارة متماسكة، متلاحمة، في مدينة قسنطينة، لتأخذ على عاتقها قيادة
стр. 1014
الجهاد الديني والصراع السياسي. وهكذا كمنت المعارضة للحكم الإفرنسي في تعابير دينية.
وأثناء ذلك، كان المستوطنون قد حصلوا بين عام ١٨٩٦ وعام ١٩٠٠ على درجة لا بأس بها من الحكم الذاتي. فجعلوا من الجزائر وحدة إدارية مستقلة عن المقاطعات الإفرنسية ذاتها. واعتبارا من هذا التاريخ، أخد الجدال في الاحتدام حول وضع الجزائريين في بلادهم، حيث لا يتساوى الفريقان في نفس الحقوق الإفرنسية. وتقرر أن يكون للجزائريين نسبة الثلث في التمثيل في اللجان المالية. ومع ذلك لم يعين إلا جزائريان في الفترة الأولى، وهما ينتسبان إلى الطبقة الثرية من أصحاب الأراضي. وعين في العام ١٩٢٢ واحد وعشرون جزائريا في هذه اللجان (١) وكانت نسبة الأقلية التي أعطيت للجزائريين في هذه اللجان سببا في بقائهم بدون أية سلطة حقيقية وفعلية.
حدثت في الجزائر انتفاضات وثورات قصيرة (في العام ١٩٠٧ وفي العام ١٩١١) وتمكنت القوات الإفرنسية من قمعها بالقوة. وقامت بتفريق التظاهرات التي جرت احتجاجا على نتائج الانتخابات المزيفة التي حدثت في تلك الفترة. وتألف في الوقت ذاته أول حزب جزائري هو حزب (الجزائر الفتاة) بزعامة الأمير خالد الجزائري، غير أن هذا الحزب لم يعمر طويلا. وقد أعلن هذا الحزب موافقته على الالتزامات التي فرضت حديثا على الجزائريين لأداء
стр. 1015
الخدمة العسكرية - الإلزامية دفاعا عن فرنسا، ولكنه طالب بتوسيع تمثيل الجزائريين في الجمعيات والمجالس المنتخبة، وبتطوير التعليم وتوسيعه، وبإنهاء الضرائب الخاصة المفروضة على العرب، وإلغاء قانون (السكان الأصليين).
وقرر نحو من ثمانمائة مواطن من أهالي تلمسان في العام (١٩١١) الهجرة من مدينتهم والنزوح إلى بلاد الشام (دمشق) احتجاجا على: (قانون التجنيد الذي يرغم الجزائريين على الخدمة تحت راية الصليبيين، ومصادرة أملاك الوقف، وقانون (السكان الأصليين) وجوازات التنقل داخل البلاد، وعدم المساواة أمام المحاكم، وزيادة الضرائب، وعدم تمثيل الجزائريين تمثيلا كافيا في المجالس المنتخبة، ومنافسة الصناعات الأوروبية للصناعات الوطنية - المحلية - وعنف نظام الغابات، والامتيازات الممنوحة لليهود، والغرائم الجمركية والضرائب الثقيلة، وحماية الإدارة الإفرنسية لموظفيها حتى ولو أساؤوا، وعدم اهتمام السلطات بشكاوى الجزائريين). ولد دلت هذه الهجرة الجماعية على إحساس المواطنين الجزائريين باليأس من بذل الجهود لحل مشاكلهم في ظل النظام الاستعماري الجاثم على صدر البلاد.
بدأ بعض الجزائريين بالهجرة من المناطق الريفية على فرنسا بحثا عن العمل، وفرارا من الواقع الذي كانت تعيشه الجزائر، وذلك قبيل الحرب العالمية الأولى. لكن الحرب ذاتها هي التي شكلت الحافز الأساسي لهجرة جماعية واسعة النطاق. وارتفع عدد الجزائريين العاملين في فرنسا من نحو أربعة آلاف أو خمسة آلاف
стр. 1016
قبيل الحرب إلى نحو ثمانين ألفا إبانها. واستمرت هذه الهجرة حتى العام ١٩٢٤، لسد الفراغ في حاجات فرنسا إلى اليد العاملة. وأخذت الهجرة في الهبوط بصورة حادة بعد العام ١٩٢٤، ولا سيما في العام ١٩٢٩، بسبب حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية. وعندما استؤنفت الهجرة ثانية في العام ١٩٣٦، بلغ عدد الجزائريين العاملين في فرنسا نحوا من اثنين وثلاثين ألفا. مقابل نحو من مائة ألف في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٢٠ و١٩٢٤.
أدت جهود العمال والجنود الجزائريين، وتضحياتهم، أيام الحرب العالمية الأولى، وموجة الغضب التي هيمنت على الجزائر، إلى قيام اليسار الإفرنسي بتأييد حركة الإصلاح. ورفض رئيس الوزراء (كليمنصو) الإذعان لمقاومة المستوطنين وضغوطهم، من أجل صرفه عن تنفيذ ما أطلق عليه صفة (اقتراحات معتدلة). وصدر تبعا لذلك قانون في عام ١٩١٩، يسمح للمتعلمين الجزائريين - في فرنسا -بالحصول على الجنسية الإفرنسية، شريطة التخلي عن حقوقهم الخاصة بموجب القانون المدني الإسلامي. (وكان القانون الذي بني على تقرير لجنة مجلس الشيوخ الإفرنسي في العام ١٨٦٥ قد سمح بمثل هذه الإجراءات. غير أن التعقيدات التنفيذية جعلت من المحال على الجزائري الحصول على هذه الجنسية).
ولكن عدد الجزائريين الذين استجابوا للقانون الجديد لم يكن كبيرا، وعندما حل العام ١٩٣٦، لم يكن عدد الذين اكتسبوا الجنسية الإفرنسية يزيد على بضعة ألوف. وهنا لا بد من الإشارة إلى ذلك الجهد الكبير الذي بذلته (جمعية العلماء المسلمين الجزائرية)
стр. 1017
والتنظيمات الإسلامية الأخرى من أجل توعية المواطنين، وإقناعهم بالتمسك بهويتهم الإسلامية؛ ورفض التجنس بالجنسية الإفرنسية.
وعلى كل حال، فقد شرع بعض الجزائريين ممن تعلموا في فرنسا، وتكيفوا مع حياتها، بالمطالبة لقبولهم مواطنين إفرنسيين، على الرغم من القانون المدني الإسلامي. وكان هؤلاء (المعتدلون) يبحثون عن نموذج جديد من الإدماج، ومن المساواة في الأوضاع، ضمن المجتمع الجزائري. وأدت الانتخابات العامة في فرنسا - في أيار، مايو، ١٩٣٦ - إلى فوز اليسار الإفرنسي بانتصار بارز، وقيام حكومة للجبهة الشعبية بقيادة الاشتراكي (ليون بلوم) (١).
واستجابت الحكومة الإفرنسية لطلبات (المعتدلين الجزائريين) فوافقت على القانون الذي اقترحه (بلوم - فيوليت) والذي كان من المقرر أن يعطي الجنسية - الإفرنسية إلى فئات معينة من الجزائريين المثقفين (المتعلمين في فرنسا) بدون أن يتخلى هؤلاء عن حقوقهم التي يضمنها لهم القانون المدني الإسلامي، ولكن هذا القانون لم يصدق عليه في البرلمان الإفرنسي، بسبب معارضة المستوطنين القوية له. وأدى فشله إلى خيبة أمل الكثيرين من (المعتدلين) الجزائريين، الذين حاولوا الإخلاص لمدرستهم الإفرنسية التي نشؤوا فيها.
стр. 1018
٣ - السياسة الاستعمارية والظهير البربري
أصدرت الحكومة الإفرنسية في ١١ أيلول - سبتمبر - ١٩١٤ القانون الذي اشتهر باسم (الظهير البربري) (١) أو (قانون ليوتي). ونصت المادة الأولى منه على ما يلي: (تبقى القبائل البربرية خاضعة في إدارتها لشرائعها وعاداتها وقوانينها الخاصة، تحت رقابة السلطات الإفرنسية). ونصت المادة الثانية على أن (تختار السلطات الإفرنسية في الوقت ذاته لكل قبيلة ما يناسبها من القوانين والأنظمة).
ولقد ظهر هذا القانون بعد مرحلة من الأبحاث والدراسات والممارسات، بدأت مع بداية الغزو الإفرنسي للجزائر، واستمرت حتى قيام الثورة الجزائرية الكبرى (١٩٥٤)، غير أن السبب المباشر لظهوره هو التمرد المستمر لما كان يطلق عليه اسم (بلاد
стр. 1019
المخزن) (١) وبصورة خاصة ما وقع في (خنيفرة) في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩١٤ حيث تصدى رجال المخزن لرتل من القوات الإفرنسية، وقتلوا من أفراده (٦١٣) جنديا، وجرحوا (١١٨٧) جنديا، وكان الهدف الأساسي هو (تأكيد السياسة الاستعمارية وفقا لمبدأ: فرق تسد).
وفي الحقيقة فقد أثار ظهور قانون (الظهير البربري) جدلا كبيرا، وحوارا حادا، في كل أنحاء العالم الإسلامي وحاولت الإدارة الاستعمارية الإفرنسية بالمقابل والأجهزة الإعلامية التابعة لها وكتابها وباحثوها وأعوانها، التقليل من أصداء هذا القانون ونتائجه.
غير أن ذلك كله لم يتمكن من حجب الحقيقة، وهي أن الإدارة الاستعمارية قد أرادت من خلال هذا القانون، وتطبيقاته، التأكيد على ما تزعمه من أن: (الشعب المغربي ليس شعبا عربيا) وأن هناك فارقا مميزا بين (الشعب المغربي، والكتلة البربرية).
стр. 1020
وأن: (الشعب المغربي الذي لم يتم تعريبه بعد يجب توجيهه للتعامل مع الحضارة الإفرنسية، وعزله عن كل تأثير عربي). وأن (المغرب الذي بقي كتلة بربرية، لم يوثر فيها الإسلام إلا تأثيرا سطحيا وضعيفا، ولم تتوغل فيها العروبة إلا بصورة جزئية ومحدودة جدا، هي كتلة يمكن لها، ويجب لها، أن تمارس دورا من أجل تحقيق فائدة عظمى لفرنسا). وكانت هذه السياسة تستند إلى معطيات قديمة قائمة على وجود لهجة بربرية، يمكن الإفادة منها لخلق واقع جديد عن طريق تكوين عقيدة بربرية جديدة.
أسرع من يطلقون على أنفسهم ألقاب (علماء الأجناس - أو العروق) لوضع (نظرية عرقية) تدعم السياسة الاستعمارية، فقالوا: (إن هذا العرق البربري، ينحدر مثلنا نحن - الأوروبيين - من العرق الآري، وهو عرق مميز بمجموعة من الخصائص التي تطبع بمسيمها معظم الإفرنسيين مثل: الصراحة والإخلاص والإحساس بأهمية الروابط الاقصادية، وغياب أو ضعف النزعات العدوانية! ... والكفاءة المتوارثة في العمل، فهذه الكتلة البربرية هي التي جعلت من أفريقيا أهراء - مستودعا - يمون روما بما كانت تحتاجه من الحبوب والغلال. وأخيرا، فهناك حب الحرية، فالتقاليد البربرية قد جعلت من الإنسان البربري، رجلا حرا، يعشق حريته إلى أبعد الحدود، وهو على استعداد للقتال دفاعا عنها).
ولقد جعلت هذه الحريات التي تتم ممارستها إجماعيا - كأسس ديمقراطية - وإفراديا - كمواطنين أحرار - جعلت من الصعب إخضاع