← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

استدعاؤهم للحضور إلى هنا بصورة دورية للمثول أمام مجلس الوزراء الإفرنسي من أجل مناقشة ميزانية الجزائر، ومن أجل طرح رغبات الشعب العربي وتطلعاته، وللاشتراك في المناقشات وفي الاقراع على القوانين التي تتعلق بالجزائر). - غير أن (جوريس) حدد أمام مجلس الوزراء شروط اختيار من يجب منحهم حتى تمثيل الجزائريين - من العرب - أو أن يقتصر هذا الحق على الموظفين والعسكريين المسلمين بالإضافة إلى أولئك الذين تخرجهم المدارس الإفرنسية، و (منح العرب المسلمين ضمانات المواطنين الإفرنسيين، حتى يعتادوا شيئا فشيئا على التنكر للضمانات التقليدية التي يجدونها في كتابهم المقدس - القرآن الكريم). بذلك يمكن لفرنسا على ما يعتقده (جوريس) امتصاص نقمة العرب المسلمين: (فالغضب عند المسلمين هو أقوى من الخوف) ويمكن عن طريق الاشتراكية: (جمع كل البروليتاريا على صعيد واحد سواء منهم الإفرنسيون أو الإيطاليون أو الإسبان أو العرب البؤساء - وبذلك يتم توحيد كل العروق في الجزائر، وتوفير مناخ الثقة المتبادلة فيما بينهم، و (يبقى موقد العدالة الاجتماعية هو الوسيلة لصهر العناصر المتنافرة التي تثير الاضطراب في الجزائر. وإننا على ثقة بأن المستقبل والسلام، مرتبطان بهذه العدالة). عقد بعد ذلك المؤتمر الخامس (للحزب الاشتراكي للعمال الجزائريين) في سنة ١٩٠٢ وقدم فيه، وللمرة الأولى، تقرير عن سياسة الاشتراكيين تجاه المسلمين، وتضمن هذا التقرير: (١ - يجب على البروليتاريا الجزائرية الاهتمام بالمواطنين - المسلمين -

стр. 1052

والدفاع عن حقوقهم لفرض المساواة في الرواتب. ٢ - تطبيق سياسة الدمج وفرضها بالقوة. ٣ - جعل التعليم الإفرنسي إلزاميا ومجاني. ٤ - فرض اللغة الإفرنسية على كل المواطنين المسلمين، حتى في المساجد. ٥ - منع إصدار الصحف باللغة العربية). وكان تعليق (جوريس) على هذا التقرير - ما يلي: (أهنىء نفسي وأنا أرى ما يتم اتخاذه من إجراءات ضد الفقر وما يتم التوصية به من مضاعفة لعدد المدارس والمستوصفات، وإحياء تلك الصناعات الوطنية الأصيلة التي كان يمارسها الجزائريون. ومنح هذا الشعب أخيرا الشعور بأن فرنسا تستخدم تجاهه الكرم والطيبة،. وحدد (جوريس) الهدف من ذلك، وهو: (دعم التوسع السلمي بأساليب معقولة لمصلحة فرنسا والحضارة الإفرنسية، وتجنب التوسع عن طريق الغزو العسكري، (١). عقد بعد ذلك مؤتمر أمستردام سنة ١٩٠٤، والذي ضم ممثلي اليسار في العالم، وتمخض عن هذا المؤتمر ولادة (الحزب الاشتراكي الموحد). ثم عقد هذا الحزب مؤتمرا في شتوتغارت بألمانيا سنة ١٩٠٧، واتخذ مواقف واضحة ضد الاستعمار واستغلال الشعوب بعضها لبعض وأدان سياسة الدمج التي كان يتبناها الحزب الاشتراكي الإفرنسي. وأوصى بتوجيه نداء للمسلمين في العالم كله من الهند حتى المعرب، لإعادة بعث مؤسساتهم الدينية، غير أنه كان من المحال تحقيق ذلك، بعد أن

стр. 1053

عملت الدوائر الاستعمارية على تحطيم كل القيادات والمؤسسات الدينية في المغرب العربي - الإسلامي. غير أن الجزائر لم تعدم الوسيلة للتأكيد على أصالتها الثوروية، وبرز ذلك من خلال جهد (الأمير خالد) لتأسيس (حزب الجزائر الفتاة). والغريب في الأمر أن (الحزب الاشتراكي الإفرنسي) لم يحاول بذل أي اهتمام بقضايا المواطنين الجزائريين، إلا عندما اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى، في سنة ١٩١٤. وكان ظهور حزب الجزائر الفتاة، في واقعه، وعلى الرغم من كل الظروف التي أحاطت به، مجرد تعبير عن (يقظة الإسلام). كما كان اشتراك الجزائريين في الحرب، وما قدموه من تضحيات تعبيرا آخر عن (الوجود الإسلامي) غير أن هذا التعبير بقي مرتبطا بالإدارة الاستعمارية. ولعل ذلك هو الذي دفع بالحزب الاشتراكي الإفرنسي إلى إعادة تقويم موقفه من الجزائر الإسلامية وقضيتها.

стр. 1054

(فليشهد الله: بأنني لست من أولئك الباحثين عن شرف الوصاية. لقد اقتحمت مجال العمل السياسي، وخضت الصراع في مجالس النواب - المنتخبين - للدفاع بكل ما وهبني الله من القوة، وبكل ما في قلبي من الحب، عن مصالح إخواني المسلمين ورفع الضرر عنهم. الأمير خالد •---------------------------------• الفصل الثاني ١ - الأمير خالد - من دمشق إلى الجزائر -. ٢ - في أفق الصراع السياسي (١٩١٣ - ١٩١٩). ٣ - مع لعبة التمثيل والانتخابات (١٩١٩ - ١٩٢٢). ٤ - الصفحات الأخيرة في جهاد الأمير خالد (١٩٢٣ - ١٩٣٦).

стр. 1055

١ - الأمير خالد - من دمشق إلى الجزائر كان صورة عن عصره، ومرآة انعكست عليها أحداث أمته ووطنه، غير أنه لم يكن مجرد صورة سلبية أو مرآة جامدة فحسب، بكلمة أوضح، لم يعش حياته العامة منفعلا بقدر ما كان فاعلا، ولم يشترك في أحداث قومه متأثرا بقدر ما كان إيجابيا ومؤثرا. لقد حمل في أعماق نفسه، وهو ما زال صغيرا، جراح أسرته، وما كانت تعانيه من مرارة البعد عن الوطن، وضغوط القهر. وصحيح أن العالم الإسلامي كان في تلك الحقبة التاريخية مفتوح الرحاب أمام كل المسلمين للحركة والتنقل، لا حدود ولا سدود أمام الإنسان المسلم في وطنه الكبير، وصحيح أيضا أن العرب والمسلمين قد احتفظوا حتى تلك الفترة بعاداتهم وتقاليدهم الموروثة منذ مئات السنين، ومنها استعدادهم الدائم للارتحال والاستيطان في أي مكان يختارونه، وأي موقع يريدونه في كل ديار الإسلام. وصحيح بعد ذلك، أن دمشق الخالدة بقيت أبدا كعهدها، قاعدة صلبة للعروبة والإسلام، بحيث يستطيع الإنسان

стр. 1056

المسلم أن يركن إليها ويرتاح فيها، ويجد في رحابها أهلا تربطه بهم وتشدهم إليه روابط الإسلام الوشيجة. غير أن الظروف التي أحاطت بانتقال أهله وعشيرته وذوي قرابته وبني قومه، لم تكن في كل الأحوال ظروفا طبيعية. لقد احتل الاستعمار الإفرنسي موطن الآباء والأجداد. وقام جده بتولي قيادة الجهاد في سبيل الله، حتى إذا ما انتصر الباطل على الحق في غفلة من الزمن، لم يعد باستطاعة قائد الأحرار البقاء فوق ميادين جهاده ومنتجع قومه، فغادر موطن صباه، ومضى في رحلة العمر الشاقة حتى وصل (دمشق). وهنالك، استقر بمن معه، واستمرت دورة الحياة في مسيرتها. فكبر الأبناء وتكاثر الأحفاد. وكان منهم ذلك الشاب الذي نشأ وهو يحمل في أعماق نفسه آمال أمته وآلامها، ذلك هو الأمير خالد بن الهاشمي بن الحاج عبد القادر الجزائري، أبرز قادة المقاومة الجزائرية في وجه الاستعمار الإفرنسي. ولد الأمير خالد في دمشق يوم ٢٠ شباط - فبراير - ١٨٧٥. وكان أبوه الهاشمي بن الأمير عبد القادر، أما أمه فكانت سوداء. ولم يكن العرب، المسلمون، يفرقون بين العروق والأجناس منذ أن أطلق الرسول الأعظم ﷺ صيحته الإنسانية الخالدة في الديار المقدسة: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). وهكذا نشأ خالد في (بيت التقوى). وتردد على معاهد دمشق الدينية، وأمضى في رحاب دورها ومساجدها ومراتعها مرحلة طفولته المبكرة وشبابه الغض، حتى إذا ما بدأ ساعده

стр. 1057

يصلب على الحياة، وحتى إذا ما أخذ عوده يقسو على الأيام، قرر (الهاشمي) العودة إلى الجزائر، في سنة ١٨٩٢، وخلف وراءه مئات الأفراد من أبناء عمومته، ممن ضمتهم الدولة العثمانية إلى أجهزتها وقياداتها العسكرية والسياسية والإدارية، ومضى الأمير خالد وأخوه في رفقة أبيهما إلى موطن الآباء ومثوى الأجداد في (الجزائر المحروسة). لم يستقر الأمير خالد في الجزائر طويلا، إذ لم تمض سوى أشهر قليلة حتى تم إرساله وأخيه إلى باريس للدراسة في ثانوية (ليسيه لويس لوغيراند) بصفتهما طلابا داخليين يتقاضى المعهد منهما التعويضات المقررة للدراسة. استخدمت السياسة الاستعمارية الإفرنسية، في جملة وسائلها، أسلوب اختيار أبناء زعماء البلاد الخاضعة لاستعمارها، وضمهم إلى الجيش، فكانت بذلك تحتفظ بهم كرهن - رهائن -. وتضعهم في الوقت ذاته تحت مراقبتها المباشرة، بالإضافة إلى استخدامهم لضرب الحركات الوطنية إذا ما تطلب الأمر. وميزت السلطات الإفرنسية بين هؤلاء الذين يقبلون التخلي عن جنسيتهم ويقبلون الجنسية الإفرنسية، حيث كانت تفتح لها المجالات للترفيع في سلم الرتب العسكرية، مع تعيينهم في القوات الإفرنسية. أما أولئك الذين يرفضون اعتناق الجنسية الإفرنسية، فكان ترفيعهم يتوتف عند رتبة نقيب (كابتن)، مع تعيينهم في القوات الوطنية فقط (الأنديجين). وعلى هذا، قبلت

стр. 1058

الكلية العسكرية الإفرنسية (سان سير) (١) الأمير خالد - بدون إجراء الفحص العادي للقبول - وذلك في ٧ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٩٣. وحاولت الإدارة الإفرنسية قبول الأمير خالد لا كأجنبي، وإنما كمواطن فرنسي - على أمل قبوله الجنسية الإفرنسية قبل تخرجه من الكلية. وأظهر الأمير خالد تفوقا واضحا في دراسته العسكرية، غير أنه ترك الكلية قبل الوقت المحدد لامتحانات التخرج - وغادر باريس في مطلع سنة ١٨٩٥. وذكر أن السبب في ذلك هو ما تضمنته إضبارته من أوصاف في غير مصلحته مثل: (متكتم منطو على ذاته، يميل إلى العنف، يحتقر رؤساءه ويزدريهم). والحقيقة أن سبب تركه للكلية هو إصابة والده بمرض وصل به إلى مرحلة خطيرة، ونفاد موارده المالية، مما دفعه إلى استدعاء ابنه خالد للوقوف إلى جانبه في آخر أيامه. المهم في الأمر هو أن حكومة باريس شعرت بالقلق تجاه تقلب مزاج الأمير الهاشمي، ونواياه المضادة لفرنسا. علاوة على الديون الضخمة التي بات يرزح تحت أعبائها، مما قد يدفعه إلى الثورة أو ترك الجزائر مع كل أفراد

стр. 1059

أسرته مما قد يثير النقمة في ظروف كانت الإدارة الإفرنسية تحرص كل الحرص خلالها على تهدئة البلاد وإخماد عوامل النقمة. وعلى هذا تلقى رئيس المباحث الخاصة أمرا بإعاقة سفر الأمير خالد إلى الجزائر. ولكن هذا الأمر لم يكن ليعيق عائلة الأمير الهاشمي من ركوب البحر بصورة سرية ومغادرة الجزائر، وعلى هذا فرضت السلطات الإفرنسية على عائلة الهاشمي الإقامة الإجبارية في (بوسعادة). وكانت السلطات العسكرية الإفرنسية تتابع باهتمام ما كانت تقوم به السلطات المدنية من أعمال ضد عائلة الهاشمي، وأدركت مدى الخطأ الكبير الذي وقعت فيه هذه السلطات المدنية، فأخذت على عاتقها تصحيح الموقف، ونجح الجنرال (كوليه) (١) في رفع هذه العقوبة، وأعيد قبول الأمير خالد من جديد في الكلية الحربية (سان سير) فالتحق بها يوم ١٥ أيار - مايو - ١٨٩٦ وذلك لإكمال المدة المحددة لدراسته العسكرية. تجاوز الأمير خالد هذه البدايات الشاقة، ورفض قبول الجنسية الإفرنسي، ولم يبق أمامه إلا متابعة حياته العسكرية العادية (ضابطا في جيش المواطنين الجزائريين) (٢). تخرج الأمير خالد برتبة ملازم ثان في الجيش، وكان عليه الانتظار لمدة خمس سنوات حتى يتم ترفيعه لرتبة ملازم - هذا في

стр. 1060

حين كانت المدة المحددة للترفيع هي أربعة أعوام فقط - ولم يكن باستطاعة الأمير خالد تفسير هذا التأخير إلا أنه وسيلة للإزعاج المتعمد. وقد مارس الخدمة في وحدات فرنسية لمدة سبعة أعوام وذلك خلافا لرغبته حيث كان قد طلب تعيينه في إحدى كتائب الصبايحية الجزائرية. وكان تعليقه على ذلك - في وقت لاحق - بما يلي: (لقد كنت دائما، وبدون أي حجة أو ذريعة موضعا للشبهات والشكوك). كان الأمير خالد يعاني في هذه الفترة من الإحباطات المتتالية، فقد كان يعتبر نفسه ممثلا لقومه، غير أن السلطات الإفرنسية لم تكن لتتعامل معه إلا كملازم في الجيش الجزائري. ولعل هذا ما يفسر سبب إرساله لبرقية التهنئة التالية لرئيس مجلس النواب الإفرنسي في الأول من كانون الثاني - يناير - ١٩٠٢: (لنضرع إلى الله من أجل رفاه فرنسا وعظمتها). وقد رد الرئيس الإفرنسي على هذه التهنئة، غير أن الحاكم العام للجزائر تدخل في الأمر، وعمل على تأخير تسليم الرد حتى يوم ١٤ تموز - يوليو - حيث مناسة عيد الثورة الإفرنسية. وكان الأمير خالد قد طلب في سنة ١٩٠٠ منحه لقب - آغا - غير أن السلطات الحاكمة في الجزائر رفضت الاستجابة حتى لهذا الطلب المتواضع الذي لا يشير إلا إلى رغبة الأمير في تجاوز حدود رتبة الملازم - التي هي رتبة أصغر من شأنه دونما ريب -. وخلال ذلك، لم تكن هموم مواطنيه لتغيب عن أنظاره، مما تركه نهبا لمشاعر القسوة والمرارة. يضاف إلى ذلك ما كان يعانيه من نقص

стр. 1061

الموارد المالية، الأمر الذي جعله - كأبيه - ساخطا باستمرار على مجمل الأوضاع العامة والخاصة في أموره الحياتية. المهم في الأمر، هو أن الأمير خالد نقل لفترة قصيرة، للخدمة في كتيبة الصبايحية الأولى، في سنة ١٩٠٤ أو١٩٠٥، وفي سنة ١٩٠٧، استدعيت كتيبته للعمل في المغرب - مراكش - للإسهام فيما أطلق عليه صفة (عمليات تهدئة الشوايا). وأظهر الأمير خالد كفاءة عالية في قيادة قوته تحت نيران المعركة، الأمر الذي استحق الإشادة بسلوكه في تعميم (الأمر اليومي للجيش). وتم ترفيعه سنة ١٩٠٨ إلى رتبة نقيب (كابتن) فكانت هذه أعلى رتبة يمكن أن يبلغها طابط جزائري لا يحمل الجنسية الإفرنسية. وكان رؤساؤه قد وعدوه بمنحه وسام جوقة الشرف (ليجيون دونور) تقديرا لجهوده وبطولته، كما وعدوه بتعيينه نائبا للحاكم العام للجزائر غير أن شيئا من هذه الوعود لم يتحقق. ومقابل ذلك، أقر له الحاكم العام للجزائر حتى تقاضي تعويض سنوي قدره (٢٨٠٠) فرنك إفرنسي، تم رصده في موازنة الجزائر، بالإضافة إلى التعويض السنوي الذي كان يتلقاه من وزارة الخارجية الإفرنسية، شأنه في هذا التعويض شأن كل ورثة وأحفاد الأمير عبد القادر الذين كانوا يتقاضون تعويضات مماثلة. وعلم الأمير خالد في هذه الفترة بأن رئيسه قد تلقى توبيخا من الحاكم العام للجزائر، لأنه أرسل الأمير خالد إلى (الشوايا) بدون استشارته أو أخذ رأيه. لقد كانت الإدارة الإفرنسية ترغب يقينا في عدم إتاحة الفرصة أمام الأمير خالد للحصول على هيبة عسكرية، غير أن سلوكه في

стр. 1062

المغرب ضد رغبة الإفرنسيين هو الذي ساعد الحاكم العام للجزائر عل اتخاذ موقفه العدواني، فقد كانت فرنسا تتظاهر بالحياد من الصراع الدائر في المغرب بين السلطان عبد العزيز وبين ابن عمه الثائر ضده مولاي عبد الحفيظ. وقد اتخذ الأمير خالد موقفا صريحا إلى جانب السلطان عبد العزيز، وعندما نجح مولاي عبد الحفيظ في خلع السلطان، حاول التحرك لدعمه. وهكذا اتجه الأمير خالد للاتقاء بعمه الأمير عبد الملك الذي كان قائدا سابقا - جنرالا - في الجيش العثمانى، ثم انتقل للعمل مع القوات الإفرنسية، فقاد رتلا فرنسيا من طنجة بهدف استثارة القبائل لمصلحة السلطان المخلوع والذي لجأ إلى طنجة. وصرح الأمير خالد فيما بعد - بأنه تحرك لإنقاذ عمه ودعمه، وذلك بعد أن أعلم رؤساءه بتحركه. وزعمت السلطابت الإفرنسية أن هذا التحرك قد سبب لها حرجا كبيرا في المغرب - وفقا لتقيوم الجنرال ليوتي الحاكم العام للجزائر -. وصدر الأمر إلى النقيب خالد بتجنب إجراء أي اتصال مع عمه الأمير عبد الملك. اعترفت فرنسا بنظام السلطان الجديد - مولاي عبد الحفيظ، وأصبح الأمير خالد خصما في نظر النظام الجديد في مراكش - المغرب - ولم يعد باستطاعته العودة إلى المغرب بصفته ضابطا في الجيش الإفرنسي. وهكذا فعندما جاء دور كتيبته للتوجه إلى (وجدة) في سنة ١٩١٠، طلب إليه عدم مرافقة كتيبته من جند الصبايحية، الأمر الذي أغاظ الأمير خالد، ودفعه إلى الاستقالة من الجيش في نيسان - إبريل - ١٩١٠. وهنا تدخل قائد الفيلق

стр. 1063

الإفرنسي التاسع عشر - الجنرال بايود - (١) والذي كان شأنه شأن معظم القادة الإفرنسين ممن كانوا ينظرون بتقدير كبير لكفاءة الأمير خالد وقدراته. وطلب إلى السلطات الإفرنسية في الجزائر السماح له بضم الأمير خالد إلى قواته في الدار البيضاء - كازابلانكا - غير أن وزير الخارجية الإفرنسية رفض هذا الطلب بتحريض من الحاكم العام للجزائر - الجنرال ليوتي -. غير أن الجنرال بايود نجح في النهاية بإقناع الأمير خالد بالعدول عن استقالته وسحبها، كما حصل له على إجازة من القيادة في تموز - يوليو - ١٩١١، لمدة أشهر عديدة يقضيها في دمشق. وعندما عاد إلى كتيبته في سنة ١٩١٢ كان على هذه الكتيبة ركوب البحر، والانتقال إلى المغرب، وعادت المشكلة للظهور من جديد: ماذا يفعلون بالأمير خالد؟ وقام الجنرال بايود بطرح المشكلة مباشرة على الجنرال ليوتي، بقوله: (يجب أن يرافق الأمير خالد سريته، ذلك لأنه إن لم يرافقها فسيصاب بحرج - معنوي - قد يدفعه ليصبح عدوا). ولكن الحاكم العام للجزائر، ليوتي، أجاب بقوله: (إني أعرف خالدا معرفة وثيقة جدا،

стр. 1064

واعترف له بذكائه الحاد جدا، وبإخلاصه لأصوله ووفائه بالتزاماته تجاه تقاليده العرقية. غير أنه سبب حرجا لنا في أزمة سنة ١٩٠٨. إنه عنصر شغب واضطراب. خذه إلى الجزائر). على كل حال، لقد شعر النقيب خالد بالشكوك وهي تحيط به، فقرر أخذ المبادأة، وتقدم إلى حكومة باريس بطلب لإعفائه من الخدمة وتسريحه من الجيش، ولم يستسلم للوعود أو الإغراءات بإمكانية استدعائه في وقت لاحق للخدمة في المغرب - مراكش -. ولم يبق أمام وزير الحربية الإفرنسي (ميسيمي) إلا أن يعبر عن أسفه، وقبل اسقالة النقيب خالد في ١٥ حزيران - يونيو ١٩١٣. ولكن هذه الاستقالة حددت على شكل إجازة مفتوحة لمدة ثلاث سنوات، ومنح وسام جوقة الشرف برتبة فارس للأمير خالد مكافأة له على شجاعته في حملة سنة ١٩٠٨. حانت الفرصة التي طالما تطلع إليها الأمير خالد وهي الانتقال للعمل السياسي، وإظهار خصومته الدفينة للاستعماريين. ولم يبق لديه مجال للانتظار، فقد تفجرت القروح التي طالما عانى من آلامها بعد كل تلك المتاعب والعقبات. فبدأ بالتدخل منذ سنة ١٩١٣، في الانتخابات المخصصة لاختيار المندوبين الماليين. وعمل على دعم أحد أصدقائه (زروق الحلاوي) ضد مرشح الإدارة الإفرنسية (بن سيام) وكان الفشل من نصيب صديق الأمير خالد. وأفادت الإدارة الإفرنسية من هذه المناسبة لتوجه إلى الأمير خالد اتهاما: (بأنه يخطط لإثارة الاضطرابات) وأنه (يحرض على

стр. 1065

توجيه الانتخابات بصورة سيئة) وأنه يجب - نتيجة لذلك حرمانه من (التعويض السنوي الذي يتقاضاه من خزانة الجزائر). فكان رده على ذلك: (بأنه لم يترك له الخيار لخدمة فرنسا من أجل المال). ولم يعد من الصعب على الأمير خالد اتخاذ قراره للمضي قدما في مجال الصراع السياسي. وقد التف حوله أصدقاؤه وهم يشجعونه لممارسة دوره السياسى. وقال الأمير خالد فى ذلك: (لم أرغب أبدا أن أكون أكثر من جندي. غير أني لم أعد قادرا على الخدمة منذ الآن فصاعدا، بدون أن أخسر علاقاتي بفرنسا وبإخواني في الدين). بدأ الأمير خالد اعتبارا من هذا التاريخ في الظهور كواحد من أبرز قادة حركة (الجزائر الفتاة) وكانت هذه الحركة السياسية قد أخذت طريقها إلى الظهور منذ سنة (١٩٠٠) وضمت في صفوفها نفرا من الشباب الجزائريين المسلمين الذين تلقوا دراساتهم في المدارس الإفرنسية بالإضافة إلى العناصر المستقلة من رجال الإدارة الإفرنسية. وبذلت الحركة جهدا واضحا لضم العناصر المثقفة والنشطة والتي تعتقد بجدوى الدمج مع فرنسا، مع فتح المجال أمام المسلمين، لتمثيلهم بدرجة أكبر في المجالس المحلية وأجهزة الإدارة الوطنية. وقد اصطدمت هذه الحركة، منذ البداية، بالإدارة الإفرنسية في الجزائر والصحافة التابعة لها، غير أنها لقيت بالمقابل دعما قويا من فرنسا، ومن الشخصيات السياسية الليبرالية بصورة خاصة (١)

стр. 1066

غير أن حركة (الجزائر الفتاة) بقيت حركة محدودة لا تمثل أكثر من فئة محدودة من المواطنين، ولا تحتل مركزا مناسبا بين مراكز القوى المتصارعة على الساحة الجزائرية - الإفرنسية. وقد حاولت الحركة إقناع الرأي العام في أوساط المسلمين بقبول الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الإفرنسي (والتي فرضت بموجب قانون صدر سنة ١٩١٢)، وذلك مقابل منح المواطنين المسلمين الحقوق السياسية. غير أن الحركة فشلت في إقناع المسلمين كما فشلت في الحصول على الحقوق السياسية. ورفض المسلمون المحافظون الذين كانت تدعمهم الإدارة الاستعمارية الجزائرية الاعتراف بحركة (الجزائر الفتاة) التي اعتبروها حركة لا تمثل إلا الشباب السياسي الطموح. أما الاستعماريون فكان رأيهم حاسما وواضحا: (اطردوا هؤلاء الشبان الأتراك - أنصار الجامعة الإسلامية). في حين كان الموقف في فرنسا مناقضا تماما لموقف الاستعماريين في الجزائر، حيث أخذت أكثر العقول السياسية المتطرفة في مناصرة حركة (الجزائر الفتاة) والمطالبة بفتح المدن الإفرنسية أمام هذه النخبة المتطورة، وذلك تجنبا لما قد يحدث في المسقبل من اضطراب أو ثورة. وكان هذا الموقف السياسي لحركة (الجزائر الفتاة) الذي يصدم الإدارة الإفرنسية في الجزائر، هو الذي جذب إليه الأمير خالد بن

стр. 1067

الهاشمي. وقد كان هناك يقينا بعضا من التناقض بالنسبة لهذا الضابط، الذي يمثل في سلوكه السيد الشرقي الكبير والذي أخذ إخوانه في مناداته منذ ذلك الحين (بالأمير خالده). ثم أصبح لزاما عليه أن يمثل دوره السياسي، باعتباره بطلا لنظام الدمج مع فرنسا. غير أن هذا التناقض لم يكن مثيرا في تلك الحقبة التاريخية، وها هو نائب نانسي - المقدم دريانت - يقدم الأمير خالد إلى أعضاء الحركة بقوله: (إنه رجل له مكانته السامية، يتحدث باللغة الإفرنسية بطريقة مثيرة للإعجاب، وهو يعرف تماما متطلبات مواطنيه واحتياجاتهم، وليس إخلاصه لهم بالأمر المثير، كما أنه من غير المثير أيضا وفاءه بالتزاماته تجاه فرنسا وطنه بالتبني). ثم أليس الأمير خالد، واحدا من هذه النخبة المختارة من أبناء المسلمين الذين اكتسبوا الظواهر الإفرنسية واللسان الإفرنسي، مع بقائهم أوفياء لتقاليدهم العربية وعقيدتهم الإسلامية؟ وهل باستطاعة الأمير خالد التنكر لما يحق له أن يفخر به من أصالة المولد ونبل المحتد، الشريف، بالإضافة إلى تلك السنوات الطوال التي عاشها في ظروف متناقضة وصعبة؟ فلماذا لا يمارس بعد ذلك الدور الذي يتناسب مع تكونه الطبيعي وليعمل على استرداد الحقوق السياسية المسلوبة من قومه؟ وليحاول أن يكون مفيدا لقومه ولإخوانه في الدين بما لا يتناقض مع مصلحة فرنسا.

стр. 1068

٢ - في أفق الصراع السياسي (١٩١٣ - ١١١٩) غادر الأمير خالد الجزائر، وتوجه إلى باريس، فوصلها مع نهاية سنة ١٩١٣، وبدأ جولته بإلقاء المحاضرات عن (الظروف السياسة والاجتماعية التي يعيشها المسلمون في الجزائر). وطرح خلال محاضراته برنامج حزب (الجزائر الفتاة) ودافع عنه بكبرياء ولكن بطريقة ديبلوماسية. ومما قاله: (نحن أبناء عرق له أمجاده، وله عظمته، وهو ليس بالعرق الأدنى، غير أنه يعاني في هذه المرحلة من قصور كبير في التقويم. وهو يرفض أن يزج نفسه على طرق المستقبل التي يفتحونها أمامه. ولكنه لن يستمر في رفضه هذا) ومما قاله أيضا: (يشتكي المسلمون من حرمانهم من فرص التعليم، كما يشتكون من النطام الاستثنائي الذي فرض عليهم). ويتعرض الأمير خالد لمواقف جده الأمير عبد القادر حين يقول: (عندما نعتقد بأن تاريخنا قد انتهى، فإنه سيبدأ معكم أنتم الإفرنسيون. تماما على نحو ما انتهى تاريخ أجدادكم المغول ليبدأ مع روما). وفي النهاية

стр. 1069

أثار الأمير خالد قضية التقارب الإفرنسي - العربي في الجزائر فقال: (إن الحلف العضوي الذي يمزج قوى الإفرنسيين بقوى المواطنين الجزائريين من شأنه تحقيق التقارب في المستقبل بين العرقين - أو الجنسيتين - ومن الحكمة بمكان منح هؤلاء الذين قبلوا أداء كل واجباتهم بما في ذلك دفع الضرائب - وضريبة الدم خاصة - أن ينالوا بالمقابل حقوقهم) وأنهى محاضرته بقوله: (افتحوا أمامنا أبواب العلم، واعملوا على مساعدتنا قدر ما تستطيعون في أيام السلم. وشاركونا في رفاهكم وعدالتكم. وعندئذ سنقف إلى جانبكم في ساعات الخطر). استقبل الليبراليون الإفرنسيون بالهتاف والتصفيق هذا الأسلوب الذي طرح فيه الأمير خالد قضية بلاده في محاضراته طوال سنة ١٩١٤، وبلغة امتزج فيها الفخر بالسياسة، وضم فيها ما تميز به العرق العربي من الفخر بالماضي التليد والاعتزاز بأرض الأجداد، واستعادة الأصالة السياسية التي تجمع بين الشعبين. وكتب صحيفة (الأزمنة) الإفرنسية في ذلك: (لقد نظرت باريس إليه بعيون امرأة خاضعة لتأثيره). غير أن الحاكم العام للجزائر اسقبل ردود الفعل هذه بغضب جامح. وأصبح الأمير خالد واحدا من دعاة ومؤسسي الاتحاد الإفرنسي - الجزائري الموجه لإجراء إصلاحات ليبرالية في الجزائر. ولم يتردد الأمير خالد في دعم هذا الاتجاه فكان مما قاله بهذا الشأن: (إذا كان من السهل التفاهم مع الإفرنسيين في فرنسا، فإن ذلك يعني أن وجود مشكلة اسمها (مواطني الجزائر) هو تعبير عن خطأ الإفرنسيين في الجزائر).

стр. 1070

وصرح الأمير خالد بعد ذلك: (إنه لا يستطيع الثقة بالإدارة الجزائرية التي يجب عليها تطبيق القوانين التي وضعت - أو التي سيتم وضعها. أو تنفيذ السياسة الجديدة التي حددها مجلس النوواب الإفرنسي - في شهر شباط - فبراير -١٩١٤).وعلى هذا طالب إلى الأمير خالد برجاء - أن يحدد مباشرة الحقوق التي يرغب حزب (الجزائر الفتاة) في استردادها لمصلحة المواطنين. فطلب الأمير خالد: (١ - استخدام اليد العاملة الجزائرية في فرنسا وتأمين الحماية لها. ٢ - رفع الضغط الذي يمارسه النظام عن المواطنين والقبائل جميعها ودونما استثناء. ٣ - إجراء تمثيل صحيح ونزيه للمواطنين الجزائريين في كل الهيئات الاستشارية والمجالس التشريعية). وكان مما قاله بهذا الشأن: (إن من يطلق عليهم اسم ممثلينا قد صنعوا في الحقيقة للعمل ضد استرداد حقوقنا الشرعية وخدمة مصالحهم الشخصية فقط، في حين أن الجزائر الفتاة، باسقلاليتها وعدم وجود مصالح شخصية لأفرادها، تمثل أصدق تمثيل الرأي العام الجزائري). يظهر مما سبق، وبشكل واضح تماما، أن الأمير خالد، قد وضع نفسه في موضع الخصم العنيد للإدارة الإفرنسية في الجزائر ولمن يتم انتخابهم من قبل هذه الإدارة باسم (نواب إداريين). وقام منذ ذلك الحين صراع بين الحكومة الإفرنسية في الجزائر، والتي أخذت في العمل للتخلص منه، وبين وزارة الخارجية الإفرنسية التي التزمت طويلا بالدفاع عنه وحمايته. وبينما كانت الإدارة

стр. 1071

الإفرنسية في الجزائر ترى في الأمير خالد عدوا للجمهور الجزائري، كانت الوزارة الإفرنسية تعتبره رجلا مستقلا يدين بالولاء لباريس. ما أن اندلعت نار الحرب العالمية الأولى حتى أسرع النقيب خالد للتطوع على الفور في وحدات المتطوعين الجزائريين (القوم). وقد نظرت باريس إلى هذه المبادأة بتقدير كبير. في حين اعتبر الحاكم العام للجزائر أن هذه المبادأة تنطوي (على سوء النية وذات طابع تحريضي مثير). وفكر وزير الحرب الإفرنسي - في كانون الأول - ديسمبر، ١٩١٤ - بإرساله إلى سوريا من أجل العمل ضد الأتراك - العثمانيين. غير أن الحاكم العام للجزائر عارض هذه الفكرة وأسقطها. أما الأمير خالد، فكان من أنصار مبدأ قيام (الثورة العربية) التي أقرها المؤتمر العربي الأول في باريس (في كانون الثاني - يناير - ١٩١٣) والتي كانت تحتضنها الحكومة الإفرنسية وتشجعها وتروج لها منذ زمن بعيد. وقد أظهر الأمير خالد حماسته للإسهام في مشروع الثورة العربية ومعه فرسان الصبايحية الجزائريين. وصرح بعدئذ في كانون الثاني - يناير - ١٩١٥، لصحيفة الأزمنة، (بأن تدخل الألمان في شؤون الإمبراطورية العثمانية سيكون حافزا للقيام بالثورة ضد السلطة غير الشرعية). غير أن حماسة الأمير خالد اصطدمت بعقبات أحبطت تطلعاته. وكان في جملة هذه العقبات غير المتوقعة رغبة الإدارة الإفرنسية في مقاومة الطموح لدى سلالة الأمير عبد القادر، وما يتميز به أفراد هذه السلالة من الفخر

стр. 1072

والاعتداد بقوة الشخصية القيادية. وجاءت مسيرة الأحداث مؤيدة لوجهة نظر الإدارة الاستعمارية، ففي ١٠ آذار - مارس - ١٩١٥ غادر عبد الملك - عم الأمير خالد - مدينة طنجة بصورة مباغتة، والتحق بمنطقة الاستعمار الإسباني ليرفع في منطقة الريف راية (الجهاد في سبيل الله) ضد المستعمرين. وانتقلت عائلة الأمير خالد بدورها إلى منطقة الاستعمار الإسباني أما الأمير خالد، فقد أعلن على الملأ التزامه بالولاء لفرنسا. وفي هذه الفترة أعلنت أجهزة الإعلام الألمانية - في رسائل مزعومة من عبد الملك وعلي باشا - تاريخها ١١ كانون الأول - ديسمبر - ١٩١٤، الاستيلاء على تازه، وأعقب ذلك نشر رسالة مزعومة ثالثة تاريخها ٢٥ كانون الثاني - يناير - ١٩١٥، تعلن توجه الأمير خالد إلى الصحراء ومعه (٧) آلاف رجل. وأكدت السلطات الاستعمارية في الجزائر أن الألمان قد أعلنوا عن تنصيب الأمير خالد سلطانا على الجزائر في ١٢ كانون الثاني - يناير -. واجتاحت الجزائر خلال هذه الفترة شائعة تقول: (أن هناك نبوءة تنتشر من قبل الحرب عن ظهور أحد أبناء هذا الذي أضاع الجزائر، يأتي لإنقاذ الجزائر، وأن هذا الإبن سيحمل لقب السلطان، وسيأتي إلى الجزائر من الريف. وخدمت هذه الشائعة قضية عبد الملك الذي اختار له اسما حركيا هو: الحاج قداح). وعلى أثر ذلك، فكر وزير الحرب الإفرنسي بإيقاف الأمير خالد واعتقاله، غير أن الحاكم العام شك في صحة المعلومات التي توافرت لديه، واكتفى بالرد: (أن مثل هذا الإجراء سيؤكد

стр. 1073

للمواطنين الجزائريين ما يتم تناقله من شائعات). وأثناء ذلك، كان الأمير خالد يمارس عمله في جبهة القتال، وقد أرسل إلى زوجته وابنه أمرا حاسما بترك تطوان والعودة إلى الجزائر. كما التمس من الحاكم الإفرنسي تقديم المساعدة لإرجاع زوجته وابنه، وقد تم تنفيذ ذلك فعلا. واعترفت الحكومة الإفرنسية بسلامة موقف الأمير خالد، وقررت منحه التعويض السنوي الذي كان يتقاضاه عمه عبد الملك، وهو مبلغ خمسة آلاف فرنك. ولم تمض على ذلك أكثر من فترة قصيرة حتى منح الأمير وسام جوقة الشرف، وكان للشجاعة التي أظهرها في القتال تقديرها، فتم منح الأمير خالد وسام الصليب الحربي، مع الإشارة - ببطورلاته في عدد من المرات (بواسطة تعميم الأوامر اليومية). وقد كان لذلك دوره في إرغام الحاكم العام للجزائر على إخفاء حقده الدفين ضد الأمير خالد. غير أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في اعتراض رسائل الأمير خالد ومراقبتها، وإحاطته بشبكة من الجواسيس حتى في وحدته، شأنه شأن المواطنين عامة. وكانت هذه الجاسوسية مصدر إثارة حقيقية للضباط وصف الضباط المسلمين مما دفع بعضهم للفرار، وإعلانهم أنهم لجئوا إلى الفرار للتخلص من هذه الرقابة المزعجة. بقيت السلطات العسكرية مستمرة، على كل حال، في التعامل مع الأمير خالد بتقدير واحترام كبيرين. على نحو ما كان أمرها معه باستمرار. وكان الأمير خالد أثناء ذلك، في حركة دائمة وتنقل مستمر بين الوحدات الجزائرية، لمعالجة كل ظاهرة من ظواهر

стр. 1074

الضعف، وليعيد الهدوء والثقة لنفوس المقاتلين، وليثير حماسة الرماة بكلماته البليغة، وليؤم الصلاة علنا ويقيم شرائع العبادة الإسلامية، حتى بات من المعروف في الجزائر بأن الأمير خالد يمارس دور الشيوخ ورجال الدين. عاد الأمير خالد إلى الجزائر مع نهاية سنة ١٩١٦، بعد أن أمضى في الجبهة فترة ثمانية عشر شهرا، لقضاء إجازته، غير أنه عاد في الحقيقة بسبب ما كان يعانيه من مرض (التدرن الرئوي - السل). وأظهرت الإدارة الإفرنسية تذمرها على الفور من وصول الأمير خالد إلى الجزائر، وذلك لأنه لم يتم إعلامها مسبقا، ولأن محرضي الشعب كانوا في انتظاره. ولم تلبث الإدارة الإفرنسية في الجزائر أن أعلنت بأن هذا المرض منتشر جدا في أوساط الشبيبة الجزائرية، وقام مدير صحيفة الإسلام - صادق بن دندون - بالترويج لهذه المقولة. وأعلنت الإدارة الإفرنسية في الجزائر - في سنة ١٩١٧ - بأن مرض الأمير خالد هو (مرض مزعوم) وكانت حجتها في ذلك أن عودته قد ترافقت مع فترة الإصلاح في الجزائر، وأن الأمير خالد قد أقدم على خطبة حفيدة باشآغا مسكره - ولد القاضي - على الرغم من كونه متزوجا وله ابن من زوجته السابقة. وأضيف إلى ذلك رحلة الأمير خالد إلى باريس، للاشتراك في مؤتمر (جامعة حقوق الإنسان) الأمر الذي لم ترض عنه الإدارة الإفرنسية في الجزائر. ذلك لأن هذا المؤتمر الذي عقد في تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩١٦، قد طالب بأن تتضمن معاهدة السلام المقبلة: (الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها) وكان

стр. 1075

الحزب الوطني التونسي هو أول من رفع هذا الشعار وطالب بتنفيذه. وقد عمل مؤتمر سنة ١٩١٧ على دراسة المشكلة الجزائرية، وقرر قبول اعتناق قدامى المحاربين الجزائريين للجنسية الإفرنسية مع احتفاظهم بوضعهم الإسلامي، مع منحهم حق الاشتراك في انتخابات مجلس النواب والشويح، وكذلك حقهم في ترشيح أنفسهم لشغل المناصب البرلمانية في المجلسين المذكورين؛ وكذلك تعميم التعليم وجعله إلزاميا للجنسين الذكور والإناث. وفي الواقع، فقد تأثر الأمير خالد تأثرا كبيرا بمقررات هذا المؤتمر، وتكونت لديه قناعة بأن العالم السياسي الإفرنسي بات مستعدا لمنح المسلمين حتى التمثيل النيابي - البرلماني - بدون أن يتخلى هؤلاء عن أوضاعهم الدينية. ما إن تماثل الأمير خالد للشفاء من مرضه حتى طلب إلى القيادة الإفرنسية إعفاءه من الخدمة بصورة نهائية، لكن القيادة رفضت طلبه هذا، فعاد إلى الخدمة، ووجد نفسه، عندما تم توقيع الهدنة، قائدا - لسرية في كتيبة الصبايحية الأولى - في المدية - وكانت الإدارة الإفرنسية في الجزائر تتابع تردده الدائم على مدينة الجزائر واتصالاته بحزب الجزائر الفتاة وأعضائه العاملين. كما كانت تهتم بما يظهره من تفاخر بعلاقته مع (ماريوس - موتيه) (١) ومع

стр. 1076

الحاشية المحيطة بالرئيس الأمريكي (ويلسون) وبنتيجة هذه العلاقة، أخذت الإدارة الإفرنسية في الجزائر باتهامه بإقامة علاقات غير مباشرة مع الرئيس ويلسون والإيحاء له: (لوضع مبادئه في حقوق الشعوب لتقرير مصيرها، وبالتالي استعادة الجزائر لاستقلالها). واستطاع الأمير خالد باستمرار الدفاع عن نفسه، وتحدي متهميه لإثبات صحة أقوالهم. وكان يردد: (لو فعلت ذلك، لغادرت الجزائر منذ عهد بعيد، ولما بقيت فيها). وظهر أن تلك الاتهامات لم تكن تستند إلا على تقارير الشرطة، وهي تقارير كانت تفتقر إلى الصحة والدقة، كما أن التقارير التي قدمها - المتطوعون - عن علاقاته بالحزب الدستوري التونسي، لم تكن صحيحة. الأمر الذي دفع الإدارة الإفرنسية في الجزائر إلى طي الموضوع، وعدم رفعه إلى حكومة باريس، ووضع حد حاسم للحوار حول هذا الموضوع. غير أن الحقيقة الثابتة هي أن المبادىء التي طرحها ويلسون بشأن (حق تقرير المصير) قد تركت أصداء قوية في أوساط المواطنين الجزائريين حتى بات الحديث عن هذا الحق هو محور أحاديث العامة والخاصة في المجتمع الجزائري لمدة طويلة من الزمن. بقي الأمير خالد محافظا على ولائه لفرنسا بصورة عامة، على الرغم من كل المداخلات والإغراءات. وها هو أحد رؤسائه (العقيد كلوزيه) سجل في تقريره عنه سنة ١٩١٩ ما يلى: (أعرف النقيب خالد منذ واحد وعشرين عاما، إنه ضابط يتمتع

стр. 1077

بكفاءة عالية جدا، وهو يدرك تماما الموقف والسلوك اللذين يفرضهما عليه أصله ... وإني أعتبره - شخصيا - بمثابة نموذج رائع للجندي. وإن ما حصل عليه من الأوسمة والثناءات لتؤكدان ذلك. إنه رجل واجب ومسؤولية، فخور وأبي ومتحفظ ووفي بالإضافة إلى ما ينفرد به من فضائل نبيلة وأخلاق عالية). انطلاقا من هذا الموقف، فإن الأمير خالد لم يشترك في مؤتمر (المغاربة الوطنيين المنفيين في لوزان) سنة ١٩١٦. كما لم يشترك في المؤتمر الثالث للوطنيين المضطهدين والذي طالب باستعادة تونس والجزائر لاسقلالهما. ولم يشترك أيضا في (جمعية المسلمين لاستقلال الجزائر وتونس) وهي الجمعية التي تأسست في برلين (في كانون الثاني - يناير - ١٩١٦) (والتي ضمت إليها عمه الأمير باشا وابن عمه الأمير سعيد) (١). وهكذا بقي الأمير خالد ملتزما بحزب (الجزائر الفتاة) لا أكثر ولا أقل، وهو الحزب الذي صنفته ألمانيا في الحرب العالمية الأولى بأنه حزب معاد لها، لأن أعضاءه لم ينقادوا للوطنيين المنفيين والذين اجتمعوا في مؤتمر برلين. وقد أعلن الأمير خالد في بداية سنة ١٩١٩، أنه من أنصار

стр. 1078

تشكيل وفد جزائري وإرساله إلى (مؤتمر السلم). ذلك لأن إنكلترا قررت على ما يقال إحاطة نفسها بممثلين عن مستعمراتها والدول التابعة لها - الدومينيون -، وأن على فرنسا أن تفعل ذات الشيء بالنسبة لمستعمراتها ومحمياتها. وقد أثارت هذه المقولة الإدارة الإفرنسية التي اعتقدت: (بأن الأمير خالد يريد تقليد الوطنيين الهنود، وإنه يعمل على تحقيق الاستقلال للجزائر من خلال مؤتمر السلم). ويجب أن يضاف إلى ذلك، أن الإرادة الإفرنسية فرضت على الجزائر في تلك الفترة ستارا من الشكوك حول كل شباب (الجزائر الفتاة): (هذه الحفنة من المتعلمين والطموحين والمتآمرين) والذين ما فتؤوا يثيرون المتاعب لأنهم لم يفيدوا شيئا من إصلاحات سنة ١٩١٩، وذلك لأن نسبة النواب المسلمين لا زالت محددة بما لا يتجاوز معدل ربع عدد الأعضاء في المجالس الاستشارية العامة، وثلث عدد أعضاء المجالس البلدية، وثلاثين بالمائة من عدد المنتخبين الماليين. وباتت الإدارة الإفرنسية تخشى من أن تقف وهي عاجزة عن تعيين المرشحين للانتخابات واحتواء نشاطاتهم وأعمالهم , لقد كان عدد من يحق لهم الانتخاب في سنة ١٩١٤ لا يتجاوز خمسة آلاف ناخب، وها هو العدد يقفز إلى مائة ألف (أو على وجه الدقة ١٠٣،١٤٩ ناخب يشكلون أحد عشر بالمائة من مجموع المواطنين الجزائريين الذكور والذين يتجاوزون الخامسة والعشرين من عمرهم) فهل تستطيع الإدارة الإفرنسية في الجزائر توجيه هذا العدد؟ ... لقد كان لزاما على الإدارة الإفرنسية إعداد هؤلاء الناخبين الجدد، وتعليمهم في مؤسسات التعليم الخاصة

стр. 1079

بالدولة، غير أن الإدارة عملت بدلا من ذلك على اتباع أسلوب مبتكر يتلخص بإنقاص عدد الناخبين، وإثارة الانشفاق بين الشبيبة الجزائرية وخلق التناقضات بين العروق - الأجناس - الجزائرية وضرب بعضها ببعض. أمام هذا الموقف، حاول الأمير خالد تشكيل حزب إسلامي واحد وموحد يضم القبائل والعرب وسواهم ويكون لهذا الحزب فروعه في كل مكان. وكان مما يردده بهذا الشأن: (لنبتعد عن العقلية العرقية فالدين الإسلامي - يضمنا جميعا). ولم تقف الإدارة الإفرنسية أمام هذه المحاولة موقف المتفرج، فأسرعت إلى دفع عملائها ورجال أجهزة مخابراتها للعمل بنشاط - في المدن الكبرى خاصة - من أجل إثارة التناقضات، وشحن العداء بين العرب والقبائل - البربر - والنصارى، وتحريض بعضهم على بعض. وعملت على بعث الأحقاد فيما بين القبائل، عن طريق نشر قوائم الخصوم المرشحين للانتخابات البلدية المقبلة. بقيت (الجزائر الفتاة) تضم حتى تلك الفترة في صفوفها المسلمين - الإفرنسيين (أي الذين حصلوا على الجنسية الإفرنسية). وأراد قائد الشرطة استثمار هذا الموقف فألقى قنبلته لتمزيق وحدة الحزب من خلال طرح السؤال المتعلق بقانون الجنسية. وكان هذا السؤال هو: هل يجب قبول الجنسية التي جاء قانون سنة ١٩١٩ ليفسح المجال أمام الجزائريين لاكتسابها، الأمر الذي يساعد ويدعم بعض أعضاء حزب الجزائر الفتاة، من أمثال

стр. 1080

الدكتور ابن شامي والمحامي بو دربا والأستاذ صوالاح وكلهم يحملون الجنسية الإفرنسية مما يجعلهم في يوم من الأيام يقفون على قدم المساواة مع الأوروبيين عن طريق غزو المجلس الجزائري؟. أو هل يجب العمل بما يناقض ذلك، والتنكر لكل حاملي الجنسية الإفرنسية وذلك بتطبيق مبدأ التنازل عن الحالة الشخصية للمسلم كشرط لحصوله على الجنسية الإفرنسية. حتى لا يسترد إلا حقوقه السياسية؟ ... كان الشيخ العجوز الحاج موسى عضوا منتخبا في المجلس الاستشاري لبلدية الجزائر منذ سنة ١٨٨٤، وقد احتفظ دائما بإخلاصه لعقيدته الإسلامية، كما احتفظ بقدرته على تحسس مشاعر قومه والاستجابة لهم. ولهذا فقد أقر الوضع الذي تفرضه الإجابة على السؤال الثاني. ووافقه على ذلك عدد من شباب حزب الجزائر الفتاة، وفي مقدمتهم الأمير خالد، والمهندس قائد حمود ومدير صحيفة الجزائر الفتاة (الأقدام) وهو الحاج عمار حمو. وأخيرا تم وضع لائحتين انتخابيتين معاديتين. وبقي أمل حزب الجزائر الفتاة معلقا بحسم القضية - قضية الجنسية - عن طريق انتخابات المسلمين في الجزائر.

стр. 1081

٣ - مع لعبة التمثيل والانتخابات (١٩١٩ - ١٩٢٢) أحيل خالد بن الهاشمي على التقاعد في تشرين الثاني - نوفمبر -١٩١٩، فتقدم لانتخابات بلدية الجزائر، منافسا للحاج موسى مصطفى الذي تم انتخابه بعدد (٩٤٠) مقابل (٩٢٥) للأمير خالد. في حين هزمت قائمة حزب (الجزائر الفتاة) وفشلت بسبب تبني الحزب لقضية اكتساب الجنسية الإفرنسية. وأصابت هذه الهزيمة الدكتور ابن شامي بجرح لأنه كان يعتقد في نفسه أنه زعيم حزب الجزائر الفتاة منذ سنة ١٩١٢، وزاد من عمق جرحه أنه لم يحصل على أكثر من (٣٣٢) صوتا. الأمر الذي دفعه إلى اتهام الأمير خالد (بالتآمر ضد السلطة الإفرنسية، واستثمار تأثيراته الفوضوية). وتبنى مدير مكتب الشرطة هذا الاتهام، فقاد الدكتور ابن شامي إلى (باريس) حتى يقوم بعرض شكاواه ضد الأمير خالد. كما تابع ابن شامي حملاته ضد الأمير خالد في صحيفة الحزب (المستقبل الجزائري) ومما كتبه بهذا الشأن: من المعروف أنه

стр. 1082

استنفر الجمهور علنا، طالبا تدخله الفوضوي، ومثيرا التعصب الإسلامي ضد سياسة الدمج، وضد الحصول على الجنسية الإفرنسية، متهما حامليها بالكفار، أصحاب القبعات الإفرنسية - البيريه). وعلقت صحيفة الأخبار على ذلك: (يجب إلغاء نتائج الانتخابات لأنها ألحقت الهزيمة بسياسة الدمج، وهي السياسة غير الشرعية لفرنسا ذاتها). المهم في الأمر، هو أن مستشارية الشرطة ألغت نتائج انتخابات البلدية بزعم أن هذه الانتخابات قد اعتمدت على (التعصب الإسلامي). جرت بعد ذلك انتخابات نيسان (أبريل) - حزيران (يونيو ١٩٢٠، وعلى الرغم من معارضة الإدارة الإفرنسية، فقد تم انتخاب الأمير خالد - وعلى التتابع - نائبا ماليا، ثم مستشارا عاما، وتم انتخابه بأكثرية ساحقة ضد مرشحي الإدارة الإفرنسية، حيث حصل على (٧) آلاف صوت مقابل (٢٥٠٠) صوتا نالها محيي الدين رزوق الذي كان أمينا عاما للاتحاد الإفرنسي - الجزائري منذ سنة ١٩١٤، ومستشارا عاما بأكثرية (٢٥٠٥) صوتا مقابل (٢٥٦) صوتا أحرزها الدكتور تامزالي. وفي انتخابات ١٨ نيسان - إبريل - استطاع الأمير خالد دعم أصدقائه، فأمكن ضمان النجاح لأربعة منهم، وهم محمد بن رحال والدكتور موسى وابن عموره وقائد حمود. وتم انتخاب مدير صحيفة (الأقدام - راشيدي) الحاج عمار حمو، مستشارا عاما ضد باشآغا بن سيام، والذي هزم في الانتخابات المالية من قبل شيخ

стр. 1083

الزاوية (بن تونس). وبذلك أصبح باستطاعة حزب الأمير خالد أيضا احتلال ٥ مناصب من مراكز المستشارين العامين البالغ عددهم ٢٩ مستشارا. وعلى الرغم من أن الأمير خالد ورفاقه الناجحين في انتخابات ١٨ نيسان - أبريل - لم يشكلوا أكثر من خمسة، من أصل ٢٠ منتخبا، فقد أعلن المستعمرون والإدارة الإفرنسية، الويل والثبور لما بات يتهدد الإفرنسيين من خطر، على حد زعمهم (١). وعمل رئيس الشرطة على توجيه رسالة مفتوحة لكل عمداء المدن - مخاتير - طالبا إليهم إعلامه عن متطلباتهم من البواريد والرشاشات لضمان الدفاع عن المراكز الاستعمارية. وعقد بعد ذلك مؤتمر لعمداء الجزائر في شهر أيار - مايو - ١٩٢٠؛ تم فيه توجيه احتجاج شديد اللهجة ضد الحقوق الانتخابية التي أقرها البرلمان الإفرنسي للمواطنين الجزائريين المسلمين. وأخذ هذا المؤتمر على عاتقه إثارة الاضطرابات ضد تلك القوانين. وحذر الحكومة الإفرنسية من مغبة (المسؤولية التي تتحملها وهي تتجاوز الاعتبارات، وتخطىء التقويم، بتطبيقها للقوانين التي تتم دراستها والتصويت عليها خارج الجزائر والجزائريين). وأعلن رئيس متتخبي الاستعماريين أمام النواب الماليين: (بأنه

стр. 1084

يجب عدم الوقوع في خطأ منح كتلة - المسلمين الجزائريين - حقوق الانتخابات التي لا تتناسب مع حالتهم الاجتماعية - وهي الحالة التي كان يتم وصفها من قبل الاستعماريين بأنها حالة العصر البرونزي، إن لم تكن حالة العصر الحجري). وفي ١٥ أيار - مايو - أعلن أستاذ في جامعة الجزائر - هو الدكتور برنارد لافيرن - (بأن قانون سنة ١٩١٩ قد أفسح المجال الواسع أمام المنتخبين المسلمين بحيث أنه لن تمر أكثر من أربعة أعوام حتى تحمل الانتخابات ممثلي عائلات الزوايا والمساجد بالرغم من أنهم لا يرتبطون مع الإدارة الإفرنسية بأية روابط). والمهم في الأمر هو أن هذه التظاهرة العنيفة قد حظيت بالدعم الاجتماعي والموحد لممثلي البلديات البالغ عددهم (٢٤٦) ممثلا. وأدى ذلك إلى قيام حملة حقيقية في مجال الصحافة، بدأتها صحيفة (صدى الجزائر) بمقال يحمل عنوانا مثيرا: (الجزائر في خطر). وأثارت في مقالها الشكوك حول صحة ولاء الجزائري المسلم، والنقيب السابق خالد. وفي ٢٠ آب - أغسطس - ١٩٢٠، أجمعت الصحافة الاستعمارية على المطالبة: (باعتقال كل المحرضين من حزب خالد). ومضت صحيفة (برق القسنطينة) لتشير - حسب زعمها - إلى ذلك (الحقد الدفين، والقسوة الوحشية التي تطبع بطابعها العرق بكامله - العرق العربي الإسلامي - والذي مضى قرابة قرن على تحضيره بدون أن تقتلع هذه الحضارة شيئا من وحشيته؟). والغريب في الأمر أن الصحافة الاستعمارية - وهي تردد مثل

стр. 1085

هذه الترهات، لم تحاول التعرض لما نزل بالمواطنين المسلمين من المجاعة في سنة ١٩٢٠، (حيث كانت ألنسوة يحملن على سواعدهن أبناءهم الموتى من الجوع). ولم تعمل هذه الصحافة - إلا على شحن عواطف الاستعماريين بالمزيد من الكراهية والبغضاء - هذا إذا كانوا في حاجة لمثل هذا المزيد - ضد أولئك الذين تصدوا لمجابهة الشر، والذين رفضوا الخضوع لسياسة الضغط، فقاموا للدفاع عن حقوق المسلمين، وطالبوا بتمثيلهم تمثيلا سياسيا صحيحا. نشرت صحيفة (الأزمنة) في عددها يوم ٢٠ أيار - مايو - ١٩٢٠، وعلى صفحتها الأولى، موضوعا عن التمثيل النيابي - البرلماني - للمسلمين الجزائريين، جاء فيه: (يجب أن يكون للمسلمين نوابهم في مجلس النواب والشيوخ، ذلك أن تطوير المصارحة الاستعمارية، يجب أن يتبعه تطوير مماثل وعلى ذات المستوى من الصراحة - من طرف المواطنين المسلمين). وتحركت على الفور وفي الاتجاه المضاد، الدوائر الاستعمارية، فطرحت قضايا (طرح الجنسية الإفرنسية على المسلمين) و (مشكلة الأمن). وتجاوزت ذلك إلى ما يمكن تسميته (بتنظيم مؤامرة حقيقية) لاستصدار قانون (إعادة فرض السلطات التأديبية وتشديد الرقابة على المواطنين) وذلك عشية وصول الأمير خالد مع وفد جزائري إلى باريس يوم ٢٩ تموز - يوليو ١٩٢٠. وهنا قد يكون من المناسب التوقف قليلا عند الطريقة التي تم

стр. 1086

اتباعها لاستصدار هذا القانون، نظرا لأنها تمثل أسلوب الاستعماريين في المكر والخداع. كان هناك مشروع تم تقديمه من قبل السلطات الإفرنسية في ٢٠ أيار - مايو - ١٩٢٠ من أجل تمديد العمل بقانون ١٥ تموز - يوليو - سنة ١٩١٤ لمدة سنتين إضافيتين. وكان لزاما تقديم هذا القانون إلى (هيئة الشؤون الخارجية والمستعمرات) في مجلس النواب الإفرنسي، غير أن تعديل هذا القانون والموافقة عليه لمصلحة المواطنين الجزائريين، كان سيحظى بدعم النائب (موتيه) صديق الأمير خالد، ولهذا فقد عمل الاشتراكي (ليون بلوم) على تحويل المشروع إلى (هيئة الإدارة العامة) وتم طرحه أمام مجلس النواب في جلسة تغيب فيها النواب الذين يدافعون عن التمديد - وفي مقدمتهم - موتيه - وذلك في يوم ٢١ حزيران - يونيو - ١٩٢٠. وأصبح هذا المشروع هو القانون المعروف بقانون ٤ آب - أغسطس - ١٩٢٠. وفيه تم تمديد العمل بقانون سنة ١٩١٤ لمدة سنة واحدة فقط. المهم بعد ذلك أيضا، متابعة ذلك الحوار الذي تردد في البرلمان الإفرنسي. فقد وقف النائب (موتيه) لاستجواب الحكومة في موضوع السياسة التي تعتزم تبنيها تجاه المواطنين الجزائريين المسلمين. فتصدى للإجابة عليه نواب الجزائر - من الإفرنسيين - وأعلنوا: (بأنهم يستغربون عدم إقدام الحكومة حتى تلك اللحظة على اعتقال الأمير خالد زعيم المتعصبين المسلمين). (وطالبوا بتكوين هيئة تتولى التحقيق في موقف النقيب السابق خالد) ورد

стр. 1087

موتيه على هذا الهجوم بقوله: (إن الأمير خالد يحمل الصليب الحربي، ولديه ما يكفي من أكاليل الغار لتحميه ضد العار الذي يراد إلصاقه به) (١). ووقف أيضا نائب فرنسي ليقول: (بأنه كنائب اشتراكي، ارتكب عملا شائنا وقبيحا ضد مصلحة فرنسا، عندما حمل مجلس النواب الذي يستظل بالعلم الإفرنسي - الأزرق السماوي - على الموافقة على قانون قدمه النواب الجزائريون، وكانت الكلمة النهائية والحاسمة للنائب - موتيه - الذي عاد ليخاطب المنتخبين الجزائريين - الإفرنسيين بقوله: (إن سياستكم ستدفع بالمسلمين للتجمع خلف علمهم الأخضر). هل من الغريب توجيه كل هذه السهام للأمير خالد بن

стр. 1088

الهاشمي، وهو ما زال يحتل موقعا ثانويا ومتواضعا في أفق العمل السياسي؟ في الحقيقة، أبرزت الانتخابات البلدية بصورة مباغتة نجما تألق في ليل الظلام لمسلمي الجزائر، وأخذت كتلة المسلمين في التعرف عليه، عن كثب، وأعجبتها فيه دونما ريب قدرته على التصدي للإدارة الاستعمارية في الجزائر والانتصار عليها. هذا السيد الكبير، الذي ينتعل دائما الحذاء البني ويلبس القفاز الأبيض، خلق يكون أميرا في كل ملامحه، بما في ذلك لحيته، وهو كما وصفه تقرير من تقارير الشرطة الإفرنسية: (إنه يلهب مشاعر الجماهير المسلمة حيثما اتجه، وهو يصر على طرح نفسه بصفته حفيدا للأمير عبد القادر). وقد أخذت الشخصيات الإسلامية التقليدية في التقرب إليه والإحاطة به ومبايعته على العمل معه والاشتراك في الصحيفة التي بات يرأس تحريرها - صحيفة الأقدام. ولا ريب أن الأمير خالد قد تأثر بذلك أشد التأثير، فكان يسلك في ممارسته مذهب الزعماء الدينيين - المشايخ - فيؤم المصلين في صلواتهم، ويذهب لتعزية ومواساة العائلات الشهيرة بمعاداتها للاستعمار منذ أجيال عديدة. ويذكر له اشتراكه في العيد السنوي لسيدي عمار الشريف في قرية (آبو) ووقوفه لوعظ أكثر من ثمانية آلاف مسلم، تقاطروا من كل مكان للاشتراك في إحياء هذه المناسبة. عملت الإدارة الاستعمارية من جهتها على تقديم الأمير خالد منذ فوزه بانتخابات البلدية، بصفة (الأمير المزعوم) و (رئيس

стр. 1089

الشيح ذوي العمائم) و (بطل المسلمين المحافظين). وكانت ترى في نجاحه المباغت (يقظة مفاجئة للتعصب الإسلامي). وكتب الحاكم العام للجزائر رسالة إلى الوزارة الإفرنسية بتارخ ٤ أيار - مايو - ١٩٢٠ جاء فيها: (لم تتوقف كتلة المسلمين عن الخضوع لفكرة دينية تختلط فيها تطلعات غامضة وقوية عن الوطنية الإسلامية). كما أن منظمة الاستخبارات لشؤوون الوطنيين المسلمين، خضعت للرعب من فكرة (الرابطة أو الجامعة الإسلامية) والتي كان يتم طرحها من قبل الأمير خالد قبل سنة ١٩١٤، ثم استبدالها بعد هذه السنة بشعار (الوطنية الإسلامية). وقد اشتركت الصحافة في إذكاء مخاوف منظمة الاستخبارات من خلال طرحها لما يجده الأمير خالد، ولو أنها كانت تعالج هذه المخاوف بأسلوب ساخر، مثل قولها: (الفزاعة القديمة للجامعة الإسلامية) (والجهاز الحربي لخصومنا: الوطنيين). ذلك هو الموقف العام للأوروبيين في الجزائر من الأمير خالد، غير أن بعض الإفرنسيين الليبراليين والذين عرفوه عن قرب اتخذوا موقفا مؤيدا له، من أمثال فيكتور باروكاند وبوجيفا وفيكتور سيلمان الذي سيصبح فيما بعد رئيسا لتحرير (صحيفة الإقدام). أما في باريس، فكان هناك تناقض في الرأي تجاهه. وعلى سبيل المثال، فقد كان رأي مساعد الأمين العام للدولة في وزارة الداخلية والمسؤول عن الجزائر - روبرت داوود - والذي عمل من قبل رئيسا لمكتب الحاكم العام للجزائر فأكسب معرفة جيدة

стр. 1090

أوضاع الجزائر السياسية، كان هذا الرأي واضحا في تصريحه في شهر آذار - مارس - ١٩٢٠ والذي تضمن ما يلي: (أكد الأمير خالد باستمرار ولاءه التام لفرنسا ولو أنه حشد حوله كل جماعة المشايخ، مما بات يدفع إلى التفكير بأنه تولى قيادة الحاقدين على فرنسا). كما أن رئيس استخبارات شؤون الجزائر في وزارة الداخلية - بينر - والذي كان يستطيع أن يقوم بصورة صحيحة ما ترسله استخبارات الجزائر من معلومات، لم يعتقد أيضا بصحة ما يقال عن دور الأمير خالد (التخريبي) فقال معلقا على مثل هذه المعلومات: (يظهر أن هناك مبالغة كبيرة في القول بأن مشاعر الأمير خالد هي مشاعر مضادة لفرنسا). أما الجنرال (ليوتي) فإنه لم يتوقف منذ سنة ١٩٠٨، عن إثارة الشكوك ضد الأمير خالد، فكتب إلى صديق له في الجزائر يوم ٤ آذار - مارس - سنة ١٩٢٠ ما يلي: (أعرف الأمير خالد معرفة جيدة، وأعرف أية محنة أو كارثة يمثلها بشحصه) وعاد في ٦ أيار - مايو - ١٩٢٢ للقول: (لا أثق بهذا الشجاع المتهور الذي يندفع كما تندفع النار). يظهر من خلال العرض السابق لمقومات الأمير خالد طوال سنتي ١٩١٩ و ١٩٢٠، أنه بقي مخلصا، من وجهة النظر السياسية، لمبادىء حزبه - الجزائر الفتاة. ويبرز ذلك واضحا عبر ما كانت تطرحه (الأخبار) (من ترحيب بالحقوق التي أمكن اكتسابها بقانون سنة ١٩١٩ وخاصة ما تميز به من الصراحة في
следующие страницы →