← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

اتباعها لاستصدار هذا القانون، نظرا لأنها تمثل أسلوب الاستعماريين في المكر والخداع. كان هناك مشروع تم تقديمه من قبل السلطات الإفرنسية في ٢٠ أيار - مايو - ١٩٢٠ من أجل تمديد العمل بقانون ١٥ تموز - يوليو - سنة ١٩١٤ لمدة سنتين إضافيتين. وكان لزاما تقديم هذا القانون إلى (هيئة الشؤون الخارجية والمستعمرات) في مجلس النواب الإفرنسي، غير أن تعديل هذا القانون والموافقة عليه لمصلحة المواطنين الجزائريين، كان سيحظى بدعم النائب (موتيه) صديق الأمير خالد، ولهذا فقد عمل الاشتراكي (ليون بلوم) على تحويل المشروع إلى (هيئة الإدارة العامة) وتم طرحه أمام مجلس النواب في جلسة تغيب فيها النواب الذين يدافعون عن التمديد - وفي مقدمتهم - موتيه - وذلك في يوم ٢١ حزيران - يونيو - ١٩٢٠. وأصبح هذا المشروع هو القانون المعروف بقانون ٤ آب - أغسطس - ١٩٢٠. وفيه تم تمديد العمل بقانون سنة ١٩١٤ لمدة سنة واحدة فقط. المهم بعد ذلك أيضا، متابعة ذلك الحوار الذي تردد في البرلمان الإفرنسي. فقد وقف النائب (موتيه) لاستجواب الحكومة في موضوع السياسة التي تعتزم تبنيها تجاه المواطنين الجزائريين المسلمين. فتصدى للإجابة عليه نواب الجزائر - من الإفرنسيين - وأعلنوا: (بأنهم يستغربون عدم إقدام الحكومة حتى تلك اللحظة على اعتقال الأمير خالد زعيم المتعصبين المسلمين). (وطالبوا بتكوين هيئة تتولى التحقيق في موقف النقيب السابق خالد) ورد

стр. 1087

موتيه على هذا الهجوم بقوله: (إن الأمير خالد يحمل الصليب الحربي، ولديه ما يكفي من أكاليل الغار لتحميه ضد العار الذي يراد إلصاقه به) (١). ووقف أيضا نائب فرنسي ليقول: (بأنه كنائب اشتراكي، ارتكب عملا شائنا وقبيحا ضد مصلحة فرنسا، عندما حمل مجلس النواب الذي يستظل بالعلم الإفرنسي - الأزرق السماوي - على الموافقة على قانون قدمه النواب الجزائريون، وكانت الكلمة النهائية والحاسمة للنائب - موتيه - الذي عاد ليخاطب المنتخبين الجزائريين - الإفرنسيين بقوله: (إن سياستكم ستدفع بالمسلمين للتجمع خلف علمهم الأخضر). هل من الغريب توجيه كل هذه السهام للأمير خالد بن

стр. 1088

الهاشمي، وهو ما زال يحتل موقعا ثانويا ومتواضعا في أفق العمل السياسي؟ في الحقيقة، أبرزت الانتخابات البلدية بصورة مباغتة نجما تألق في ليل الظلام لمسلمي الجزائر، وأخذت كتلة المسلمين في التعرف عليه، عن كثب، وأعجبتها فيه دونما ريب قدرته على التصدي للإدارة الاستعمارية في الجزائر والانتصار عليها. هذا السيد الكبير، الذي ينتعل دائما الحذاء البني ويلبس القفاز الأبيض، خلق يكون أميرا في كل ملامحه، بما في ذلك لحيته، وهو كما وصفه تقرير من تقارير الشرطة الإفرنسية: (إنه يلهب مشاعر الجماهير المسلمة حيثما اتجه، وهو يصر على طرح نفسه بصفته حفيدا للأمير عبد القادر). وقد أخذت الشخصيات الإسلامية التقليدية في التقرب إليه والإحاطة به ومبايعته على العمل معه والاشتراك في الصحيفة التي بات يرأس تحريرها - صحيفة الأقدام. ولا ريب أن الأمير خالد قد تأثر بذلك أشد التأثير، فكان يسلك في ممارسته مذهب الزعماء الدينيين - المشايخ - فيؤم المصلين في صلواتهم، ويذهب لتعزية ومواساة العائلات الشهيرة بمعاداتها للاستعمار منذ أجيال عديدة. ويذكر له اشتراكه في العيد السنوي لسيدي عمار الشريف في قرية (آبو) ووقوفه لوعظ أكثر من ثمانية آلاف مسلم، تقاطروا من كل مكان للاشتراك في إحياء هذه المناسبة. عملت الإدارة الاستعمارية من جهتها على تقديم الأمير خالد منذ فوزه بانتخابات البلدية، بصفة (الأمير المزعوم) و (رئيس

стр. 1089

الشيح ذوي العمائم) و (بطل المسلمين المحافظين). وكانت ترى في نجاحه المباغت (يقظة مفاجئة للتعصب الإسلامي). وكتب الحاكم العام للجزائر رسالة إلى الوزارة الإفرنسية بتارخ ٤ أيار - مايو - ١٩٢٠ جاء فيها: (لم تتوقف كتلة المسلمين عن الخضوع لفكرة دينية تختلط فيها تطلعات غامضة وقوية عن الوطنية الإسلامية). كما أن منظمة الاستخبارات لشؤوون الوطنيين المسلمين، خضعت للرعب من فكرة (الرابطة أو الجامعة الإسلامية) والتي كان يتم طرحها من قبل الأمير خالد قبل سنة ١٩١٤، ثم استبدالها بعد هذه السنة بشعار (الوطنية الإسلامية). وقد اشتركت الصحافة في إذكاء مخاوف منظمة الاستخبارات من خلال طرحها لما يجده الأمير خالد، ولو أنها كانت تعالج هذه المخاوف بأسلوب ساخر، مثل قولها: (الفزاعة القديمة للجامعة الإسلامية) (والجهاز الحربي لخصومنا: الوطنيين). ذلك هو الموقف العام للأوروبيين في الجزائر من الأمير خالد، غير أن بعض الإفرنسيين الليبراليين والذين عرفوه عن قرب اتخذوا موقفا مؤيدا له، من أمثال فيكتور باروكاند وبوجيفا وفيكتور سيلمان الذي سيصبح فيما بعد رئيسا لتحرير (صحيفة الإقدام). أما في باريس، فكان هناك تناقض في الرأي تجاهه. وعلى سبيل المثال، فقد كان رأي مساعد الأمين العام للدولة في وزارة الداخلية والمسؤول عن الجزائر - روبرت داوود - والذي عمل من قبل رئيسا لمكتب الحاكم العام للجزائر فأكسب معرفة جيدة

стр. 1090

أوضاع الجزائر السياسية، كان هذا الرأي واضحا في تصريحه في شهر آذار - مارس - ١٩٢٠ والذي تضمن ما يلي: (أكد الأمير خالد باستمرار ولاءه التام لفرنسا ولو أنه حشد حوله كل جماعة المشايخ، مما بات يدفع إلى التفكير بأنه تولى قيادة الحاقدين على فرنسا). كما أن رئيس استخبارات شؤون الجزائر في وزارة الداخلية - بينر - والذي كان يستطيع أن يقوم بصورة صحيحة ما ترسله استخبارات الجزائر من معلومات، لم يعتقد أيضا بصحة ما يقال عن دور الأمير خالد (التخريبي) فقال معلقا على مثل هذه المعلومات: (يظهر أن هناك مبالغة كبيرة في القول بأن مشاعر الأمير خالد هي مشاعر مضادة لفرنسا). أما الجنرال (ليوتي) فإنه لم يتوقف منذ سنة ١٩٠٨، عن إثارة الشكوك ضد الأمير خالد، فكتب إلى صديق له في الجزائر يوم ٤ آذار - مارس - سنة ١٩٢٠ ما يلي: (أعرف الأمير خالد معرفة جيدة، وأعرف أية محنة أو كارثة يمثلها بشحصه) وعاد في ٦ أيار - مايو - ١٩٢٢ للقول: (لا أثق بهذا الشجاع المتهور الذي يندفع كما تندفع النار). يظهر من خلال العرض السابق لمقومات الأمير خالد طوال سنتي ١٩١٩ و ١٩٢٠، أنه بقي مخلصا، من وجهة النظر السياسية، لمبادىء حزبه - الجزائر الفتاة. ويبرز ذلك واضحا عبر ما كانت تطرحه (الأخبار) (من ترحيب بالحقوق التي أمكن اكتسابها بقانون سنة ١٩١٩ وخاصة ما تميز به من الصراحة في

стр. 1091

مناقشة المجالس البلدية، الأمر الذي تحول إلى مدرسة كبرى لتعلم الحريات السياسية) وكذلك قول الأمير خالد إلى إخوانه المسلمين وهو يطلب إليهم (منح ثقتهم الكاملة لأولئك الإفرنسيين الفرسان والذين يعملون بصدق من أجل تمثيلنا بمثيلا صحيحا). وحدد الأمير خالد في حزيران - يونيو - ١٩١٩ - في صحيفة الأقدام مطالب الجزائريين المسلمين وهي: ١ - إزالة - أو رفع - القوانين الاستثنائية. ٢ - إقامة المجمعات المشتركة أو المختلطة (وكان الإفرنسيون يقيمون مدنهم الخاصة بهم). ٣ - إزالة الحواجز العسكرية. ٤ - ضم أقاليم الجزائر الثلاثة وإخضاعها للقوانين المطبقة على الأقاليم الإفرنسية ذاتها. وعاد الأمير خالد فطالب باسم مسلمي الوطن الجزائري إجراء تمثيل للمواطنين الجزائريين في المجالس الإفرنسية - التشريعية والتنفيذية - مع منح مسلمي الجزائر حقوق المواطنين الإفرنسية ذاتها بدون أي تعرض أو تغيير في حالة المسلمين الشخصية. ويظهر من ذلك أن الأمير خالد كان يعارض سياسة الدمج الكامل للجزائر بفرنسا. وخاض في سبيل ذلك صراعا حادا مع صديقه (جان ميليا) الذي كان يطالب بدمج الجزائريين إدماجا كاملا بالإفرنسيين وإصدار قانون جديد مثل (قانون كريميو) خاص بالمسلمين. وكانت حجة الأمير خالد في ذلك: أ - إن مشروع الدمج هو مشروع خيالي لأن كتلة المسلمين لا

стр. 1092

تريده. وهي لا ترغب في نوعية المواطن الإفرنسي، ولا ترضى لحالتها بديلا بسبب تمسكها بعقيدتها الدينية. ٢ - إن فرنسا ذاتها لا توافق أبدا على مثل هذا البرنامج الاجتماعي خوفا من قيام خمسة ملايين مسلم جزائري بإغراق الإفرنسيين في وطنهم (١). وجاء في تقرير للشرطة أن خالدا رد على (جان ميليا) خلال حفل تكريم أقيم على شرفه بما يلي: (إن إصدار قانون - مثل قانون كريميو - لا يمكن له أن يرضي المواطنين المسلمين الذين يريدون الاحتفاظ بلغتهم وعاداتهم وتقاليدهم ودينهم والذين يتطلعون للعيش بهدوء وسلام. ولا يمكن للمواطن المسلم أن يتخلى عن وضعه الشخصي). وبينما كان الأمير خالد يعارض سياسة الدمج، فإنه طرح بديلا عن هذه السياسة بسياسة الاتحاد). وكان يردد: (لندع الحديث عن الدمج، ولنأخذ بسياسة الاتحاد). وقد أخذ في هذا المجال بالمقولة التي طرحها بعض الإفرنسيين وهي: (اعملوا على اتحاد العرقين - الجنسيتين - في إطار من الاحترام المتبادل للطرفين). وتبنى في هذا المجال شعار (فرنسا والإسلام). ومن أجل ذلك، فقد طالب بجعل التعليم الإبتدائي (عربيا - فرنسيا) في وقت واحد. وجعل هذا التعليم إلزاميا في الجزائر، إلى جانب إقامة

стр. 1093

جامعة عربية تقف إلى جانب الجامعة الإفرنسية في التعليم العالي. لقد كان ذلك كافيا جدا حتى يعتبر (مجلس الاستعماريين) الذي عقد في حزيران - يونيو - سنة ١٩١٩ بأن الأمير خالد يجعل من نفسه (بطل العقل الوطني المسلم) وأن تعمل الصحافة الاستعمارية على وصفه (ببطل بعث الجامعة الإسلامية). غير أن الأمير خالد استطاع أن يتجنب بكفاءة عالية ما تثيره مثل هذه المقولات من ردود فعل عند الاستعماريين الإفرنسيين فقال في حديث له مع المستشار العام للإدارة الجزائرية: (بأن عائلته في سوريا وقعت ضحية العنف التركي - مشيرا بذلك إلى إقدام جمال باشا على إعدام الأمير عمر وابنه يوم ٢٠ نيسان - أبريل - سنة ١٩١٦ - ثم أن عائلته دفعت الثمن مرة أخرى على أيدي الوطنيين العرب). غير أن ذلك لا يمكن أن يعيقه من الحفاط على علاقاته مع عائلته. والبقاء على حذر من مسيرة الأحداث وتطوراتها في سوريا. (وأنه إذا ما كان يصر على طرح القضية الوطنية، فليس ذلك إلا من أجل إشراك إخوانه في الدين للعمل عبر القنوات الشرعية من أجل الوصول إلى موقف أفضل). ولكن مثل هذا الدفاع لم يمنع المستشار الإفرنسي من تأنيبه: (لأنه قال لخصومه ممن قبلوا الجلسة الإفرنسية، بأنهم تنكروا لدينهم ولأصلهم - جنسيتهم). لم يكن العمل السياسي للأمير خالد، بعد ذلك، في وسط المجالس الجزائرية، إلا ترجمة أمينة لأقواله المعروفة، ومواقفه

стр. 1094

السياسية الثابتة، فعندما تم انتخابه مستشارا عاما، أعلن عن تمنياته: ١ - أن يتم إلغاء وعزل كافة القوانين والمجالس الاستثنائية. ٢ - عدم العودة للسلطات الزجرية التي كان يعتمدها رجال الإدارة الإفرنسية. ٣ - الموافقة على التمثيل النيابي - البرلماني - للمواطنين المسلمين. وأما في مجال عمله في الإدارة المالية - بصفته عضوا منتخبا فيها - فقد حاول الاحتجاج على الضرائب التي تضمنها مشروع قانون يعيد فرض السلطات الزجرية - الانضباطية - وكان رد الفعل على هذا الاحتجاج كما وصفه الحاكم العام الإفرنسي: (كان معظم الأعضاء المنتخبين من الكهول الذين حافظوا على وفائهم في خدمة الإدارة الإفرنسية. ولهذا فإنهم رفضوا احتجاج لأمير خالد وأحبطوا له أمنيته). وقد نقلت الاستخبارات الإفرنسية في الجزائر للحكومة الإفرنسية معلومات - وصفتها بأنها مؤكدة - عن تصميم الأمير خالد على مقابلة مؤتمر عمداء الجزائر الذي عقد في أيار - مايو - ١٩٢٠ وذلك بمحاولة تنظيم مؤتمر موسع لتمثيل المواطنين المسلمين. وأن سي بن رحال والدكتور موسى يعملان مع الأمير خالد في هذا الاتجاه. ولكن لم يتحقق شيء من ذلك -. وكان لهذه الفكرة التي طرحها الأمير خالد ثمارها فيما بعد، حيث تم عقد أول مؤتمر (للنواب المسلمين) في الجزائر يوم ١١ أيلول - سبتمبر - ١٩٢٧ .

стр. 1095

(وهو تاريخ ولادة حركة اتحاد النواب المنتخبين للمسلمين). وتبع ذلك توجه الأمير خالد والدكتور موسى وابن رحال إلى باريس لطرح وجهة نظرهم ومعارضة الوفد الذي أرسله الحاكم العام للجزائر (وضم محيي الدين زروق والدكتور بنثاني - أو ابن شامي - وقائد صياح سي حني) بهدف إقامة النظام (الخاص بالمسلمين). وقد وصل الأمير خالد ورفيقاه في وقت متأخر، حيث كان مجلس النواب الإفرنسي قد أقر إقامة النظام الذي اقترحه الحاكم العام للجزائر. وقام رئيس مجلس النواب الإفرنسي باستقبال الأمير ورفيقيه، وخفف من مخاوفهم بشأن الأساليب التي سيتم اتباعها في تطبيق هذا القانون). وقابل الأمير خالد مساعد الأمين العام لوزارة الداخلية الإفرنسي. وطلب تقديمه لمحكمة تنظر في الاتهامات الموجهة إليه. ومنها (ما تضمنه برنامجه الانتخابي لسنة ١٩١٩ عن استقلال الشعب العربي) وكذلك ما كانت تتضمنه الحملة الصحافية التي كان يوجهها الاستعمار ضده ومنها تهمة (تنظيمه لبؤرة الاضطرابات في الجزائر على نحو ما سبق له أن فعله في المغرب). غير أن مساعد الأمين العام لوزارة الداخلية أجابه بقوله: (لنضرب صفحا على الماضي) وأكد ذلك بأن الدوائر المركزية في باريس لم تأخذ بما كانت تتبناه الإدارة الاستعمارية في الجزائر من تحريض ضد الأمير خالد. غير أن هذا التأكيد لم يعمل على إزالة الشكوك من إمكانية تطوير الموقف نحو اتجاه أكثر ثوروية.

стр. 1096

قدم الأمير خالد ومعه مستشارو البلديات المسلمين في الجزائر استقالاتهم من أعمالهم في يوم ٩ تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٢٠. وذلك على الرغم من عدم تطبيق قرار إلغاء الانتخابات الذي اتخذه مدير شرطة الجزائر. غير أن احتجاج المرشحين الفاشلين في الانتخابات أمام مجلس الدولة جعل قرار الإلغاء معلقا. وكان أصدقاء الأمير خالد يتوقعون إجراء انتخابات جديدة، وكان يهمهم من أمر هذه الانتخابات إبراز المصالحة التي تمت بين أعضاء حزب (الجزائر الفتاة) بأكثر مما يهمهم الفوز فيها. ولقد بدأت هذه المصالحة في أثر ذلك النداء المؤثر الذي وجهه الشيخ - الكهل - ابن رحال وطلب فيه (إقامة الوحدة بين أولئك الذين يمزق بعضهم بعضا، والذين يجب عليهم توحيد جهودهم لما فيه خير المسلمين ومصلحتهم). وانتهت المحاولات الأولى بإجراء المصالحة بين الأمير خالد والدكتور موسى بن شفوف، النائب المالي عن خنشلة وذلك بحضور ابن شامي (بنثامي). كما حدثت مصالحات كثيرة طوال سنة ١٩٢٠، وأقبل القسم الأكبر من أعضاء حزب الجزائر الفتاة على إجراء المصالحة فيما بينهم، وتقارب الخصوم بعضهم من بعض في يوم واحد، مما دفع رئيس شرطة الجزائر الذي عمل طويلا من أجل هذا الانقسام والتمزق للقول: (لقد ظهر بأن الانقسام بين الأمير خالد وأعضاء حزب الجزائر الفتاة، لم يكن انقساما نهائيا أو حاسما). وأن

стр. 1097

تظاهرة المصالحة هي تعبير عن الحقوق، وتأكيد على الخطأ السياسي الذي تم ارتكابه بتطبيق قانون المواطنين المسلمين). كانت الثمرة الأولى للمصالحة هي وضع قائمة انتخابية موحدة برئاسة الأمير خالد وضمت قائد حمود والدكتور العربي والحاج عمار - وكان الحاج موسى قد توفي - بالإضافة إلى الدكتور تامزالي وشيكيكن وساطور رشيد وإلياس بن سمعان وفيكتور باروكان وضمت القائمة أيضا كافرا ويهوديا وإفرنسيا (وكان على رأس القائمه في وهران اليهودي مردخاي شالوم). ومقابل ذلك تم وضع قائمة برئاسة الدكتور بنثامي (ابن شامي) وتوجيه الدكتور صوالح ودعم الإدارة الإفرنسية التي يمثلها الباشا آغا صحراوي وصياح مصطفى سي حنة ومحيي الدين زروق والقائد الإبراهيمي الأخضر وكان لهذه المجموعة صحيفتها (المستقبل الجزائري) والتي كان يديرها الدكتور بنثامي، ثم أصبحت تحمل عشية الانتخابات اسم (مستقبل الجزائر) وانتقلت إدارتها أيضا إلى الدكتور صوالح يوم ٧ كانون الثاني - يناير ١٩٢١. وعلى الرغم من دعم الإدارة الإفرنسية المطلق للقائمة المضادة لقائمة الأمير خالد، فقد انتصر الأمير خالد ونجحت قائمته بكاملها، فكتب يوم ٩ كانون الثاني - يناير - ١٩٢١ رسالة إلى وزير الداخلية الإفرنسي - في باريس - جاء فيها: (على الرغم من الضغوط التي لا توصف، فقد نجحت القاثمة التي أترأسها بكاملها).وتجدر الإشارة إلى أن عدد الناخبين في الجزائر بلغ (١٨٨٠) ناخبا؛ اشترك منهم في الاقتراع ٨٦٦ مواطنا وحمل

стр. 1098

الأمير خالد على (٧٢٠) صوتا، أما الدكتور بنثامي، الذي فشل في الانتخابات، فلم يحصل على أكثر من (٢٦٣) صوتا. أما الدكتور العربي الذي أخرج من قائمة الأمير خالد في اللحظة الأخيرة، فإنه سقط في الانتخابات، ولم يحصل على أكثر من (٢٦٣) صوتا. وبرهنت هذه النتيجة، وللمرة الرابعة، ثقة الجزائرين المسلمين المطلقة بالأمير خالد، ودعمهم لقيادته. لم يعد لدى الإدارة الاستعمارية في الجزائر، إعتبارا من هذا التاريخ، أدنى شك أو ريية في أن (خميرة الوطنية الإسلامية قد ثبتت في الجزائر). وبات الهم الأساسي الذي تعانيه أجهزة الاستخبارات هو متابعة تحرك المواطنين المسلمين في انتظار (إعادة بعث الحضارة الإسلامية - في الجزائر - بكل أبعادها وشموليتها). وهي الحضارة التي سيتم التمهيد لها - من وجهة نظر الإدارة الاستعمارية في الجزائر - وبنشر التعليم العربي على نطاق واسع). واستخلصت الإدارة الاستعمارية مخطط عمل الوطنية الإسلامية، ومراحله بالتالي: ١ - إقامة تحالف مع الاشتراكيين الأوروبيين. ٢ - تركيز الجهد في مرحلة وسيطة للحصول على المساواة بين العروق - الجنسيات - وتنسيق التعاون مع الدولة التي تحتل بلاد المسلمين. ٣ - الانتقال بعد ذلك إلى مرحلة الاستقلال الكامل.

стр. 1099

وكان هدف الإدارة الاستعمارية من إبراز هذا المخطط المزعوم، أو المفروض، هو إحراج الأمير خالد أمام حكومة باريس. ومقابل ذلك فإن شباب (حزب الجزائر الفتاة) لم يتوقفوا أبدا عن التصدي لمجابهة مثل هذه المقولات الخبيثة - في تلك الفترة - فكان مما يقولونه عن خصومهم في الإدارة الإفرنسية في الجزائر: (إنهم يحاولون اظهار وطنيتنا على أنها مضادة لفرنسا، وكل ذلك لأننا مستقلون - ولم نخضع لهذه الإدارة الإفرنسية). وأظهر نائب جزائري صورة الموقف بالمقولة التالية: (يجب ألا يغيب عن الأنظار أبدا بأن الإدارة الإفرنسية تضع الانتخابات دائما في ظروف صعبة للغاية. فإما أن يفوز المرشح للانتخابات بدعم من الحكومة فيكون عبدا لها - مملوكا -، وإما أن يفوز مستقلا عنها فتصفه - أو تتهمه - بأنه محرض على الثورة). أما مجلة الأقدام - الناطقة باسم (حزب الجزائر الفتاة) فقد نشرت في عددها ٢٣ أيلول - سبتمبر - ١٩٢١ ما يلي: (اليوم، ونحن نمارس ذات الحقوق، ونضطلع بذات الواجبات التي يضطلع بها الإفرنسيون، بات لزاما علينا ممارسة الحقوق بصورة مشتركة دونما أي احتواء أو احتجاج). وفي الحقيقة، فقد احتح أصدقاء خالد على توصية المستشار العام للجزائر الذي طالب بإلغاء تجنيد المسلمين مقابل رفض منحهم الحقوق الوطنية. كما عمل خالد بدوره على توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة الإفرنسية بهذا الشأن، مركزا بإلحاح على عدم

стр. 1100

المساواة في مدة الخدمة العسكرية بين الجزائريين والإفرنسيين (١). بقيت قضية التحالف مع الشيوعية، وهي القضية التي أخدت صفتها الشرعية من خلال اقتراح شخصي تقدم به الوفد الجزائري - التونسي إلى مؤتمر مدينة تور، وتضمن هذا الاقراح ما يلي: (إذا ما وافقت الجزائر - وصوتت - في المؤتمر فإن ذلك بسبب ما تضمنته بنود المؤتمر الثالث الدولي بشأن الاستعمار، وهي البنود التي أوجدت فيها البروليتاريا الجزائرية تعبيرا عن تطلعاتها في استرداد حقوقها). وتولت مجلة الأمير خالد إدانة الشيوعية بقولها: (قضية المسلمين الجزائريين هي قضية عرقية ولا يمكن حلها بوسيلة صراع الطبقات) (٢). وعادت المجلة للقول: (لنتحدث بصراحة، فحزب الجزائر الفتاة لا يحتاج لإخفاء عواطفه تجاه الشيوعية التي لا يمكن له اعتناقها بسبب عقيدته الدينية) (٣). وقد أدان الحزب الشيوعي الإفرنسي - الجزائري - ما حملته مقررات المؤتمر الدولي الثالث للأحزاب الشيوعية في العالم. وهاجم أيضا (الوطنية الإسلامية الجزائرية) كما أدان المبادىء الوطنية والإقطاعية للبورجوازيين العرب.

стр. 1101

لم يلبث الأمير خالد أن استقال من مناصبه التي تم انتخابه لإشعالها وهي (المستشار العام) و (المنتخب المالي). وكانت استقالته المباغتة يوم ٢٢ أيار - مايو - ١٩٢١، بسيب ما أوضحه الأمير خالد ذاته في مقولته التالية: (إنني لا أرى فائدة من وجودنا في هذه المجالس. إننا غارقون في وسط أكثرية ساحقة. وعلاوة على كوننا أقلية، فهناك عدد كبير منا من الأتباع - المرتبطين - وعلى هذا فستكون أصواتنا معدومة، وأعمالنا ملغاة). وزاد من تأثير هذه المباغتة أنها حدثت عشية افتتاح مؤتمر (النواب المنتخبين الماليين) والتي تميزت عند افتتاحها في يوم ١٧ حزيران - يونيو - بخطاب ألقاه (ابن رحال) والذي وصفه ليوتي بقوله: (بأنه ذو فائدة عظيمة. في حين وصفته صحافة الجروة بأنه: (تظاهرة تعبر عن بعث الروح الإسلامية وهي تستعيد حقها في النهوض أمام السيادة الإفرنسية) (١). ويظهر أن الأمير خالد أراد باستقالته، إثارة انتباه أعضاء البرلمان بشأن استعادة الحقوق الجزائرية. وقد كتب الأمير خالد في رسالة استقالته: (علينا اليوم وأكثر من أي وقت مضى، توجيه أنظارنا نحو الوطن الأم - فرنسا - ونحوها وحدها فقط، على أمل رؤية هذا الوطن وهو يقرر مصيرنا بصورة حقيقية). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد اتخذ الأعضاء الماليون المنتخبون المسلمون - من العرب والبربر - قرارا بالإجماع يوم ٣١ أيار - مايو - ١٩٢١ يعارض مباشرة ذلك القرار الذي قدمه ممثل الإدارة الإفرنسية إلى

стр. 1102

(المجلس الاستعماري الجزائري). وطالب النواب - المنتخبون المسلمون بصورة أساسية إجراء تمثيل خاص بهم، وانتخاب حر لهم، وإقامة مجلس للنواب الجزائريين المسلمين وأن يكون لهم نسبة الخمسين في المجالس الجزائرية القائمة أو التي ستتم إقامتها في المستقبل. وجدير بالذكر هنا، أن النزعة الاستقلالية البارزة للمسلمين، لم تكن إلا رد فعل لما ظهر لدى المستوطنين الأوروبيين في الجزائر من نزعة استقلالية، استثارت المسلمين جميعهم، ودفعت رئيس النواب الماليين للقول: (إن التجمع الجزائري يسمح لنا بالتصويت على الأسس والأنظمة والتي لا يمكن الاعتراف بها أو قولها إلا بواسطتنا ومن قبلنا). وكان من الطبيعي، ومن المتوقع، أن تثير استقالة الأمير خالد جدلا حادا بين الأصدقاء والأعداء على السواء، كما كان من الطبيعي، ومن المتوقع أيضا، أن يتعرض الأمير خالد ذاته لضغوط بمجرد إصابته بإحباط، أو ردة فعل فقط على ما أظهره المستوطنون من نزعة استقلالية. وكان في جملة ما تعرض له الأمير خالد تلك الحملة الصحفية التي شنتها ضده الصحف التابعة للدوائر الاستعمارية. وبالمقابل فقد تصدى آخرون للدفاع عنه، ومما قيل بهذا الشأن: (يجب ألا تنجح تلك العقول السقيمة والنفوس الخبيثة في مسعاها لترجمة الرغبة في التحرر من هيمنة فرنسا واستغلالها لخنق أصوات المسلمين الجزائريين).

стр. 1103

وكان مما عاناه الأمير خالد هو إظهار بعض أصدقائه - وفيهم من كان شديد الحماسة - رغبتهم الواضحة في التخلي عن الصراع، واعتزال ميدان الجهاد. كما كان في جملة ما عاناه أيضا تعرض صحيفته (الأقدام) لمتاعب مالية؛ مما اضطره لإصدارها في صحيفة واحدة، بل حتى إيقافها عن الصدور من يوم ١٠ حزيران - يونيو -وحتى يوم ٢٢ تموز - يوليو -. وكان أن اجتمع مؤتمر النواب المنتخبين المسلمين للبلديات، وتقدموا إلى الأمير خالد برجاء العدول عن استقالته. ورشح نفسه بعد ذلك للانتخابات الفرعية في شهر تموز - يوليو - ١٩٢١،وعادت الإدارة الإفرنسية في الجزائر لبذل جهودها لإسقاطه غير أنها فشلت في مساعيها، ونجح الأمير خالد بأكثرية ألفي صوت، وانتصر على منافسه (محيي الدين زروق) الذي كان مرشح المخابرات الإفرنسية. أدى هذا النجاح، والذي لم يكن متوقعا تماما، إلى إعادة تنظيم صفوف حزب (الجزائر الفتاة) كما أعيد تنظيم إدارة صحيفة (الأقدام). فاختفى من إدارتها الحاج عمار وقايد حمود. وفي يوم ٢ أيلول - سبتمبر - أعلن الرجلان (تنازلهما عن عملهما لمصلحة الأمير خالد) الذي أسند إدارة الصحيفة إلى أحمد بلول، وهو أستاذ مجاز في العلوم الفيزيائية. كما أدى نجاح الأمير خالد إلى مصالحة بينه وبين (بنثامي) أو بن شامي. وعندما جرت الانتخابات الفرعية في تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٢١، أفاد (بنثامي) من دعم الأمير خالد له، ففاز في المدية بانتخاب (المستشار العام)،كما عمل الأمير خالد على دعم مرشح آخر في هذه الانتخابات (في المليانة) مما أدى إلى نجاح هذا المرشح.

стр. 1104

عاد التفاؤل مهيمنا على مناخ حزب الجزائر الفتاة في نهاية شهر تموز - يوليو - ١٩٢١ وذلك لدى استقبال الحاكم العام الجديد للجزائر، والذي عمل فور وصوله على إعادة قانون سنة ١٩١٩ إلى مجلس الشيوخ. وعبرت مجلة (الأقدام) عن تفاؤلها هذا بقولها: (إننا على يقين من أن - الحاكم الجديد - سيسرع إلى تأمين حل مناسب لقضية إعادة حقوقنا، نظرا لعدالة قضتنا) (١)؛ وهي القضية التي تشمل، فيما تشمله: التمثيل النيابي - البرلماني - والإلحاق السياسي والإداري بفرنسا، والتي باتت اليوم تحتل أكثر من أي وقت مضى - الأفضلية الأولى على كل ما عداها من الأمور. ولم يحاول حزب الجزائر الفتاة - في كل ذلك - إخفاء مخاوفه من إقامة نظام (المحمية الجزائرية - أو الدومينيون الجزائري) نظرا لأن إقامة مثل هذا النظام ستضع الجزائريين المسلمين تحت رحمة الاستعماريين. وقد حاول الأمير خالد من جهته طرح ذلك، على أحد الوزراء، لدى مروره بالجزائر، غير أن السلطات الجزائرية حالت بينه وبين مقابلة هذا الوزير. فانتقم الأمير خالد لنفسه بأن طرح ما يريد قوله على وفد برلماني إفرنسي كان قد وصل إلى الجزائر في أيار - مايو - ١٩٢١، لمشاهدة المعرض الذي أقيم فيها. وفي هذا اللقاء، عارض الأمير خالد منح حقوق الإستقلال للمستوطنين الإفرنسيين وطالب بإلحاق الجزائر بالوطن الأم - فرنسا - سياسيا وأداريا - مع الاستجابة لرغبات المسلمين في الاحتفاظ

стр. 1105

بحالتهم الشخصية. وكان من رأيه أن تستمر فرنسا بممارسة دورها الوسيط أو الحكم بين المستوطنين - الكولون - وبين الجزائريين المسلمين. وكان يردد باستمرار: (أننا نريد أبدا البقاء تحت الوصاية الإفرنسية - فرنسا - ذلك لأنها هي وحدها القادرة على توجيه مصالح جميع العناصر من سكان الجزائر بصورة متوازنة وعادلة) (١). وتجدر الإشارة إلى ذلك السؤال الذي طرحته صحيفة جزائرية على الأمير خالد وهو: (ما هو الحال الذي ستكون عليه الجزائر في سنة ١٩٥٠؟ وهل ستكون فرنسية أو عربية؟ فأجاب الأمير خالد بقوله: (سيكون هناك أجانب - أغراب - تحت قبضة الأوروبيين المسوطنين في الجزائر؟، وهو ما حدث فعلا. قام (أحمد بلول) بتقديم مقترحات الأمير خالد - سابقة الذكر - إلى لجنة مجلس الشيوخ الإفرنسي وذلك في يوم ٢٣ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٢٢، واستهلها بقراءة تقرير (قائد حمود) والذي تبناه نواب العرب والقبائل في مؤتمرهم يوم ٣١ - أيار - مايو - ١٩٢١. ثم اقترح الموافقة على منح حق الاقتراح - الانتخاب لهذا التمثيل للهيكل الانتخابي الذي تنبثق عنه مجالس المنتخبين - أو النواب المالين) - وهذا يعني منح هذا الحق إلى مائة ألف ناخب تقريبا من المسلمين الجزائريين. وقام أفراد لجنة مجلس الشيوخ بتهنئة (أحمد بلول) على تواضعه وعلى ما تميزت به مقترحاته من الواقعية. كما أن النواب الافرنسيين بصورة عامة لم يكونوا معادين أو ضد مثل هذا

стр. 1106

التمثيل، غير أنهم لم يكونوا في الوقت ذاته على استعداد للتضحية بمستوطني الجزائر، أو التعرض لمقاومتهم العنيدة بصفتهم ممثلي الاستعمار. وهكذا تم تشكيل جامعة إفرنسية لتمثيل المواطنين المسلمين الجزائريين في مجلس النواب - البرلمان - وأسندت رئاسة هذه الجامعة إلى الفرنسي (إداوار هيريوت)؛ غير أن هذه الجامعة ولدت ميتة، ولم تمارس أي نشاط. وأثناء ذلك، حاول الأمير خالد تنظيم (جمعية الأخوة الجزائرية) في الجزائر بهدف تأمين الوسائل الضرورية للعمل من أجل دعم المطالب السياسية. غير أن دور هذه الجمعية اقتصر على جمع الاشتراكات، وتأمين الدعم المالي، ولم تتحول إلى حزاب سياسي حقيقي. قام رئيس الجمهورية الإفرنسية (ميلراند) بزيارة للمغرب العربي - الإسلامي (الذي كان يطلق عليه الاستعماريون اسم شمال أفريقية لفصله عن العالم العربي - الإسلامي. فأفاد حزب (الجزائر الفتاة) من هذه المناسبة لإثارة انتباه فرنسا، وتركيز الأنظار على قضية مطالب الجزائريين - المسلمين ... وحصل الأمير خالد على موافقة الحاكم العام للجزائر من أجل مقابلة رئيس الجمهورية الإفرنسية - بالرغم من معارضة رئيس الشرطة في الجزائر وتم هذا اللقاء يوم ٢٠ نيسان - أبرل - ١٩٢٢. في المكان الذي اختاره الحاكم العام للجزائر وهو (مسجد سيدي عبد الرحمن) في الجزائر العاصمة. وأراد الأمير خالد تفسير انتقال

стр. 1107

رئيس الجمهورية (ميلراند) (١) إلى المسجد (بمثابة تعبير عن رغبة في الإعلان لسكان الجزائر، دونما تمييز بين معتقداتهم، ودونما تفريق بين عروقهم - أجناسهم - أنهم جميعا أبناء لفرنسا، وأن لهم حقوقا متساوية في أوطانهم). وطالب الأمير خالد باسم التضحيات التي قدمها الجزائريون المسلمون في الحرب، ومن أجل التطور البطيء والثابت للمصالح والأفكار، أن يتم تطوير الحريات التي قدمتها فرنسا بسخاء وذلك حتى يأخذ الجزائريون المسلمون مكانتهم في صف العائلة الإفرنسية الكبيرة. وكان مما قاله: (لقد أتينا للاشتراك في تمثيل نيابي - برلماني - في البرلمان الإفرنسي. ونحن نستحق هذا الشرف. وسيعتبر الوطن الأم دونما ريب، أن من واجبه إقرارنا ومنحنا هذه الحقوق تلقائيا). ولقد وصف نائب فرنسي كان يرافق رئيس الجمهورية، بأن الأمير خالد قدم مطالبه بفخر وتعال ولكن باحترام. ورد الرئيس الإفرنسي الذي ما جاء إلى الجزائر إلا من أجل دعم الإفرنسيين المستوطنين وإدخال الطمأنينة إلى نفوسهم. فقال بوضوح وصراحة: (لا ريب عندي بأنه سيأتي يوم يتم فيه زيادة الحقوق

стр. 1108

السياسية التي سبق منحها للمواطنين الجزائريين ... وأعتقد أنه من الحذر انتظار النتائج التي سيسفر عنها قانون ١٩١٩). الأمر الواضح هو أن هذه الإجابة السلبية لم تغلق الباب نهائيا أمام مطالب الأمير خالد، وعلق الأمير خالد على ذلك بقوله: (إن رئيس الجمهورية الإفرنسية لا تستطيع قول ما هو أكثر من ذلك، ,وإلا فإنه سيخرج على سلطاته المحدودة والضعيفة والتي حددها له الدستور الإفرنسي). أما مرافقو الرئيس الإفرنسي - مساعدوه - فكان تعليقهم على لقاء خالد برئيس الجمهورية، كالتالي: (لقد كان لقاءا مشهورا ومتسما بالعظمة ولعله أمر مثير رؤية حفيد الأمير عبد القادر وهو يتحدث من موقع الند للند، مع رئيس الجمهورية الإفرنسية). هذا في حين أخذت دوائر المستوطنين الاستعماريين اعتبار خطاب خالد أمام رئيس الجمهورية بأنه لا يمثل (أكثر من صوت نشاز - منعزل) إلا أن خطاب قائد حمود أمام الرئيس الإفرنسي في بليدا، وكذلك خطاب محمد بن رحال في وهران، دحض مقولة أولئك الحاقدين اللذين اعتبروا أن موقف الأمير خالد هو موقف (لا يحتمل، ولا يحوز التهاون بشأنه، وأخذوا في تناقل النبأ على أنه (حدث خطير). وقامت الدوائر الاستعمارية في الجزائر بنقل المعركة ضد الأمير خالد إلى الصحافة الإفرنسية في فرنسا. فأخذت هذه - عن عمد وتصميم - في التعليق على خطاب الأمير خالد تحت عناوين مثيرة، مثل: (الخطاب المباغت) و (الموقف غير المتوقع) و (الخطاب الذي جاء في غير وقته، وفي غير محله) و (ضربة قوة حقيقية) أو (الانقلاب

стр. 1109

الحقيقي) و (تظاهره وطنية للجزائريين المسلمين على غرار التظاهرة التونسية). وذهبت بعض الصحف للتذكير (برحلة الأمير خالد ورفيقه انفر باشا إلى موسكو في أيلول - سبتمبر - ١٩٢٠). وقامت الحكومة الإفرنسية بنشر كتيب خاص تحت عنوان (رحلة الرئيس إلى الجزائر) وتضمن في موضوع خطاب الأمير خالد، الفقرة التالية: (لم يكن من المتوقع أبدا، على ما يظهر، أن يلقي الأمير خالد مثل هذا الخطاب، لا سيما وأن عائلته تعيش مع عدونا - عمه عبد الملك). وهكذا استطاعت الدوائر الاستعمارية في الجزائر - الكولون - تجنيد أكثر من مائتي صحيفة لتضخيم ما أطلقت عليه (أسطورة الحدث الشهير ليوم ٢٠ نيسان - أبريل - ١٩٢٢). غير أن رجلا واحدا لم يغير موقفه من الأمير خالد، وهذا الرجل هو الحاكم العام للجزائر، الذي قال في مقابلة صحافية: (لقد رفع البعض أصواتهم بالصراخ عاليا ... أليس من الواجب رؤية الأمور من زاوية مضادة؛ والنظر إلى مطالب الأمير خالد على أنها علامة إيجابية على التعلق بفرنسا، مما يثير الإعجاب بمؤهلاته ومواقفه) (١). لم يكن الإفرنسيون في الجزائر مستعدين على كل حال للتساهل تجاه هذه القضية التي طرحها الأمير خالد. وفي ٢٠ أيار - مايو - ١٩٢٢، أعلن النواب - المنتخبون - الماليون بأنهم لا يستطيعون الموافقة على التعديلات في تكوين المجالس الجزائرية. وهي التعديلات التي منحت، المستوطنين الأوروبيين حتى التمثيل في البرلمان

стр. 1110

- مجلس النواب - الإفرنسي، مع زيادة عدد ممثليهم، مستشاريهم -. وعارض رئيس مجلس النواب - المنتخبين - تسجيل هذا الطلب الذي تقدم به النواب المسلمون في إعلانهم. وعندئذ غادر النواب المسلمون قاعة الاجتماع احتجاجا على موقف رئيس المجلس. وأخذ حزب (الجزائر الفتاة) بالمطالبة بتحقيق المساواة مع الأوروبيين في مجال التمثيل النيابي (أي ٦ ممثلين لمجلس النواب و٣ ممثلين لمجلس الشيوخ). وذهبت صحيفة إفرنسية - مذهب السخرية من ذلك - فقالت: (يمكن تأجيل منح الحقوق السياسية - للمسلمين الجزائريين - حتى وقت متأخر - وإلى سنة ٢٣٢٥ م. تقريبا). انتقل الصراع إلى مجلس النواب الإفرنسي، حيث تقدم نائبان فرنسيان بمشروع قانون لتأجيل تطبيق نظام (المواطنين المسلمين). ويقترح مشروع القانون هذا منح حتى التمثيل النيابي - البرلماني - لخمسة ملايين من المسلمين)،وذلك بمعدل نائب واحد لكل مقاطعة من مقاطعات الجزائر الثلاث، وممثل واحد عن الجزائر كلها لمجلس الشيوخ. ودافع أحد النائبين اللذين قدما هذا المشروع - وهو السيد موتيه - عن مشروعه أمام لجنة شؤون المسلمين بقوله: (يجب الاهتمام بالمسلمين الجزائريين، وتأهيلهم للحياة السياسية الإفرنسية ... ويجب إفساح المجال أمام المسلمين الجزائريين حتى يستديروا بوجوههم نحو فرنسا ومعاملتها كحكم - أو وسيط - عادل ... ولقد أزفت الساعة لإظهار أنفسنا بصفتنا متحررين جدا - ليبراليين - ... ويجب عدم الانتظار حتى تقوم الحركة التي ترتسم على صفحة الجزائر بانتزاع هذا الإصلاح، وتحقيقه بالقوة ... ولعله من

стр. 1111

الأفضل إجراء هذا الإصلاح في الوقت المناسب (١). جاء رد النواب الجزائريين المسلمين على هذا المشروع في رسالة إجماعية تتلخص بأن شروع القانون ليس أكثر من (هيمنة إفرنسية). في حين دافع أصحاب المشروع عن مشروعهم فوصفوه بأنه (فأل حسن). وعندئذ استخدم النواب الجزائريون الإفرنسيون حججا أخرى تتلخص بأن: مطالب المنتخبين الجزائريين هي مطالب تتناقض مع مبادىء الحقوق الإفرنسية، وأنها تعيق عملية الدمج؛ وهي بنتيجة ذلك ظاهرة تعبر عن الوطنية الإسلامية. وهذا ما عبر عنه نائب - وهران - الإفرنسي بقوله: (يشعر الجزائريون شعورا غامضا - ضبابيا - عن تخمر الوطنية الإسلامية في نفوسهم، وهم يتعاطفون بقلوبهم مع الأتراك. ويريدون التعبير عن تطلعاتهم هذه بمجموعة من التظاهرات، ويعتقدون أن باستطاعتهم الوصول إلى أهدافهم الجديدة عن طريق طرح قضية التمثيل النيابي - البرلماني). ورافق ذلك الجدل، توجيه الاتهامات وإثارة الشكوك حول شخص الأمير خالد. وفي يوم ٥ تموز - يوليو - ١٩٢٢، وقف أحد النواب في مجلس النواب ليوجه اتهامه للأمير خالد بأنه ومحرض الثورة) و (قاتل الجزائر)، في حين وقف نائب آخر ليثير قضية (علاقة الأمير خالد بعمه الخائن لفرنسا - عبد الملك. وكان الإفرنسيون على

стр. 1112

حق - من وجهة نظرهم طبعا - بتوجيه كل أحقادهم ضد الأمير خالد وحزبه (الجزائر الفتاة) الذي تبنى في هذه الفترة الحكمة التالية شعارا لعمله: (لا أحد يدافع عمن لا تمثيل له في مجلس النواب -البرلمان).

стр. 1113

٤ - الصفحات الأخيرة في جهاد الأمير خالد (١٩٢٣ - ١٩٣٦) بينما كان النواب الجزائريون في صراع مع مجلس النواب الإفرنسي لإسقاط القانون الذي يمنح النواب المسلمين تمثيلا في البرلمان الإفرنسي، كان الحاكم العام للجزائر يكتب رسالة إلى وزير الداخلية يؤكد فيها وجهة نظره: (وهي أن الإصلاحات التي تم إدخالها منذ سنة ١٩١٩ هي إصلاحات كافية ختى تلك الفترة). وأثناء ذلك كانت الإدارة الاستعمارية في الجزائر تهاجم بعنف ما أسمته: (الحفنة الصغيرة من أنصاف المتعلمين الذين يتلقون أوامرهم وتعليماتهم من الأمير خالد (. هذا في حين عمبت هذه الإدارة على تكوين أربع دواثر انتخابية جديدة في أيلول - سبتمبر - ١٩٢٢ وذلك بطريقة تسمح بتعديل نتائج الانتخابات القادمة للمستشارين العامين بحيث يكون نصف عددهم من المسلمين، وقد تم اقتطاع هذه الدوائر الانتخابية بما يضمن عزلها عن نفوذ دوائر (الجزائر الفتاة).

стр. 1114

وعندما جرت الانتخابات في العاصمة الجزائر، نجحت الإدارة الإفرنسية في إسقاط ثلاثة من مرشحي حزب (الجزائر الفتاة) وذلك على الرغم من فوز الأمير خالد في هذه الانتخابات. وكانت نتائج هذه الانتخابات تمثل انتصارا لرئيس الشرطة الذي تمكن من إسقاط كل أصدقاء الأمير خالد وإخوانه. وشعر الأمير خالد بخيبة أمل مريرة لهذا الفشل غير المتوقع عبر عنها بقوله: (إننا ضحايا قضية عادلة. وتشاركنا كتلة الجماهير كلها طريقتنا في معالجتنا للأمور. وإنهم قليلون أولئك الذين يمتلكون الشجاعة للتعبير عن آرائهم). اتسع أفق الصراع فور ظهور نتائج الانتخابات بين الأمير خالد وأعدائه. فمنذ شهر أيلول - سبتمبر - ١٩٢٢، أخذت الصحافة التابعة للدوائر الاستعمارية - الكولون - في فرنسا ذاتها بالترويج بالفكرة: (إن مطالب الأمير خالد لا تقف عند حدود التمثيل النيابي - البرلمان - وإنما تتجاوزها للمطالبة بتوسيع نطاق التعليم للأدب العربي. وأنه يحاول جمع الأموال لإقامة مدرسة كبرى، يتم فيها تعليم اللغة العربية بصورة حرة). وفي ٢٠ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٢٢، وقف نائب في مجلس النواب الإفرنسي ليناقش قضية التعويضات التي تدفعها فرقا لأحفاد الأمير عبد القادر بقوله: (يجب عدم مساعدة أولئك الذين لا يعملون على مساعدتنا) (١). واستنكر من جديد تلك الحملة من

стр. 1115

الاضطرابات التي يقودها الأمير خالد، والتي تتخمر فيها الثورة ضد فرنسا. واتهم الأمير خالد: (بأنه يثير الحرب الأهلية ويحرض على انفصال الجزائر عن فرنسا). وأورد هذا النائب (مورينو) ما كان قد كتبه الأمير خالد في صحيفته محذرا الأوروبيين بقوله: (إنكم تدفعون بالجزائريين المسلمين إلى مهاوي اليأس، وتثيرون فيهم مشاعر الغضب، عندما تبرهنون بأنهم لن يحققوا شيئا من المكاسب عن طريقكم، وعندئذ لا يحدون أمامهم سوى اللجوء إلى السلاح، وهم لا يخافون أن يخسروا شيئا بعد كل ما فقدوه منذ وقت طويل بفضل أعمالكم، وهم عندها لن يقولوا لكم أبدا: (افسحوا لنا المجال بقربكم) وإنما سيقولون لكم: لماذا أتيتم، وماذا تفعلون هنا؟ عودوا إلى بلادكم). ثم تابع - النائب مورينو - هجومه على الأمير خالد، مشيرا إلى تلك النداءات التي كان يوجهها الأمير إلى مواطنيه المسلمين وإلى الكتلة الوطنية. وعاد من جديد إلى ما كان يتقاضاه الأمير خالد من تعويضات، طالبا إيقافها ومنعها عن (هذه الأفعى التي تنفث سمها في صدر من يقدم لها الغذاء). ونهض نائب فرنسي آخر - عن الجزائر - (وكان قد أحيل من قبل إلى القضاء بتهمة التحريض على العصيان العسكري وإثارة حركة عصيان) فوجه حديثه إلى رئيس مجلس النواب: (مطالبا بإعادة النظر في اضبارة - ليوتي - وما تتضمنه من إدانة للأمير خالد وما قام به من تحريض ثوري في المغرب). ثم حصل على موافقة مجلس النواب بتمديد (قانون أو نظام التعامل مع

стр. 1116

المواطنين المسلمين) لمدة خمسة أعوام، بعد أن كان من المقرر تطبيقه لمدة سنتين فقط. وتبع هذه الهدية التي قدمتها فرنسا إلى الأمير خالد مع قدوم عيد الميلاد - نويل - أن وقف بعض أصدقاء الأمير خالد، ووجهوا إليه التقريع واللوم باعتباره المسؤول عن الاقتراع الذي أدى إلى تمديد (نظام التعامل مع المواطنين المسلمين). ودافع الأمير عن نفسه، غير أن هذا الدفاع لم يخفف من العبء الثقيل الذي بات يرزح على صدره، وهو العبء الذي زاد من ثقله استمرار الصحافة في حملتها الشرسة ضده. وكان من أبرز ظواهر الحملة الجديدة، تخصيص زوايا اعتبارا من بداية كانون الثاني - يناير - ١٩٢٣ ,يتم فيها نشر مقولات زعماء المسلمين والشخصيات البارزة من أتباع فرنسا - والتي تتركز ضد: (المحرض خالد عدو فرنسا وعدو مواطنيه المسلمين). وظهر بوضوح أن هذه الحملة ليست إلا تمهيدا للانتخابات القادمة من أجل تجديد انتخاب المندوبين أو النواب الماليين. أما صحافة الدوائر الاستعمارية - في فرنسا والجزائر - فقد ركزت هجومها في شهري شباط - وآذار (فبراير ومارس ١٩٣٣) على مقولة (اتهام الأمير خالد بالعمالة لموسكو). وكان مما قيل بهذا الشأن: (هذا الأمير الذي تموله فرنسا ليقود بالتعاون مع البولشفيك في موسكو حملة هدفها إشعال نار الثورة وذبح الإفرنسيين). وكذلك: (هذا السيد العظيم المسلم الذي يسير وهو يضع يدا بيد مع الحزب الشيوعي في الجزائر، ويلتقط اليهود في البلد، ويجمع الناقمين من الموظفين

стр. 1117

ويحشدهم جميعا في حزب وطني جزائري، للعمل ضد فرنسا). وقالت إحدى صحف الدوائر الاستعمارية: (لقد ذهب الأمير خالد إلى موسكو لتلقي التوجيهات والتعليمات، ثم عاد إلى عنابة -بونة - للدفاع عن حزبه - الجزائر الفتاة - ودحض حملة الافتراءات الموجهة إليه شخصيا. ونجح في ذلك نجاحا كبيرا. كما استطاع توجيه حملته لإثارة الاضطرابات ضذ الإفرنسيين. وقد عملت الإدارة الإفرنسية منذ زمن بعيد على إعاقته حتى لا يتحرك على هواه). وأثناء ذلك أقام ابن النائب - مورينو - دعوى على الأمير خالد بتهمة (القدح والذم) ضده وذلك لأن ابن هذا النائب (قارن خدمة النقيب المتقاعد خالد في الجبهة بنزهة من نزهاته التي يتسكع فيها (بالشوارع) وكان أن حكمت المحكمة على الأمير خالد بدفع غرامة ألف فرنك كتعويض وخمسة آلاف فرنك - عطل وضرر ... وأثناء ذلك أيضا، كان الأمير خالد هو المرشح عن الدائرة الانتخابية الأولى للجزائر العاصمة - منذ يوم ٢٣ آذار - مارس - ١٩٢٣، غير أنه امتنع عن دخول المنافسة الانتخابية. وفي يوم ٦ نيسان - أبريل - أعلنت صحيفة (الأقدام) (بأن الأمير خالد يتنازل عن حقه في الانتخاب لمصلحة منافسه عبد النور تامزالي). وامتنع عن الظهور في المحافل العامة. وكان قد كتب يوم ١٦ آذار - مارس - ما يلي: (فليشهد الله بأني لست من أولئك الباحثين عن شرف الوصاية، لقد اقتحمت مجال العمل السياسي، وخضت الصراع في مجالس النواب - المنتخبين - للدفاع بكل ما

стр. 1118

وهبني الله من القوة، وبكل ما في قلبي من الحب لحماية مصالح إخواني المسلمين ورفع الضرر عنهم). أثار انسحاب الأمير خالد من المعركة الانتخابية جوا من الشك، فمضى المواطنون بين مصدق ومكذب، غير أن الأمير خالد قطع الشك باليقين في رسالته التي وجهها إلى الصحافة يوم ١١ نيسان - أبريل - ١٩٢٣ وجاء فيها: (لقد أتعبتني خدمتي العسكرية الطويلة، فأحلت على التقاعد بحالة عجز صحي كامل - مائة بالمائة - وأرغب في أخذ استراحة باتت ضرورية، أو حتمية، لصحتي المتدهورة. وانسحب من مجال العمل السياسي، متنازلا عن كل المناصب التي تم انتخابي لها - في النيابة المالية، والمستشارية العامة، والبلدية). فهل كانت استقالة الأمير خالد حقا بسبب سوء حالته الصحية؟ للرد على هذا السؤال، يمكن العودة لما كان قد كتبه يوم ٢٦ - آذار - مارس - ذلك الخصم العنيد للأمير خالد - الجنرال ليوتي - وجاء فيه: (لقد أصابني ما يشبه الدوار خلال إقامتي في الجزائر، وأثناء أحاديثي مع أصدقائي القدامى من الجزائريين بشأن التطورات الطارئة ... إنني لم أعرف من قبل مثل هذا الشعور العميق بالمرارة، والإحباط، والحقد. إنها سياسة إجرامية حقا). والجنرال ليوتي، لا يحاول معرفة أساب هذه المشاعر - التي لم يعرفها من قبل على حد زعمه - وكل ما أمكن له معرفته هو تدهور الوضع في الجزائر إلى مرحلة خطيرة. وعلاج هذه الحالة من وجهة نظر الاستعماريين معروف ويتلخص بالقمع ولا شيء غير القمع. ونظرا لما يتطلبه مثل هذا القمع من أضحيات، فلماذا لا يكون

стр. 1119

الأمير خالد وحزبه - الجزائر الفتاة - ضحية جديدة في حملة ضحايا الاستعمار؟ وفي الواقع، فإن الإدارة الاستعمارية الإفرنسية في الجزائر حققت نجاحا كبيرا في تنفيذ مخططاتها خلال هذه المرحلة. وأمكن لها في انتخابات ١٥ نيسان - أبريل - ١٩٢٣ إسقاط كل مرشحي حزب الجزائر الفتاة، وجاءت بعد ذلك لاستثمار هذا النجاح وترجمته رسميا على أنه ارتداد المواطنين الجزائريين المسلمين عن سياسة الأمير خالد، واتجاههم لتأييد الشخصيات المعروفة بولائها - عمالتها - لفرنسا. وقد جاء في تقرير الموقف السياسي والإداري عن مسلمي الجزائر - يوم الأول من أيار - مايو - ١٩٢٣ ما يلي: (تمت ترجمة انسحاب الأمير خالد من الانتخابات - في كل مكان - بأنه شارة تدل على الرغبة في التهدئة والاتفاق والمصالحة، على نحو ما يحدث في المعارك الانتخابية. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن عزوف الناخبين عن الانتخابات، وتجنب حدوث أي صدام، قد طبع هذه الانتخابات بطابع الإدانة، فلم يظهر إلا كل معتدل حذر أو من الموالين للسلطة وأتباعها). لقد أدى انسحاب الأمير خالد من المعركة الإنتخابية إلى زوال ما يمكن أن يطلق عليه اسم (معركة انتخابية) فاقتصرت بيانات مرشحي القوى المتوازنة والمتعاكسة على تبادل التهاني، وحتى أصدقاء خالد لم يضمنوا بياناتهم شيئا أكثر من عرض قضية التمثيل النيابي - البرلماني - وأكثر من قضية مدة الخدمة العسكرية؛ وامتدح واقعية القوانين الشرعية للناخبين الذين يعرفون من يفضلون من مرشحي النظام والمصالحة.

стр. 1120

غير أن هناك على كل حال رغبة - تمثل احتجاجا - رفعها المجلس البلدي لمدينة (سطيف) في أيار - مايو - ١٩٢٣ ونقلت إلى حكومة باريس. وهي توضح تماما ما كانت عليه هذه الانتخابات. وقد جاء في هذا الاحتجاج ما يلي: (يطلب مستشارو البلدية الأوروبيون، ألا تكون الانتخابات القادمة للمسلمين خاضعة لأي نوع من أنواع الضغوط أو الإرهاب، وأن تترك لهم حرية انتخاب المرشحين الذين يرغبون في انتخابهم). وقف الحاكم العام للجزائر أمام نواب المالية المنتخبين، واكتفى بالقول: (كان الفشل من نصيب أولئك المحرضين الذين يكثرون من شقشقة اللسان). ذلك لأنه كان يعتبر من وجهة نظره بأن مطالب حزب (الجزائر الفتاة) لا تستجيب للتطلعات العميقة، غير أنها تمهد الطريق للاقتراحات النظرية التي كان يطرحها الأمير خالد ورفاقه. وهي اقتراحات في غير وقتها - هذا مع إزالة الشكوك المحيطة بها - ذلك لأن الحاكم العام لم يكن ليأخذ بهذه الشكوك القائلة بوجود مؤامرة وطنية مضادة لفرنسا. حققت الإدارة الإفرنسية في الجزائر، المرحلة الأولى من مخططها، فقد أمكن لها إرغام الأمير خالد على الانسحاب من مجال العمل السياسي، وألحقت الهزيمة بحزبه في الانتخابات. وجاءت المرحلة الثانية لإبعاده عن الجزائر. ولم تكن هذه الإدارة في حاجة لاستصدار مرسوم بالإبعاد أو افتعال أزمة تزيد - أو تعيد للزعيم المهزوم قوته، وتمنحه مزيدا من الرصيد المعنوي. لا سيما وأن العمل الرسمي ضد الأمير خالد كان سيصطدم حتما بعقبات كؤود وليس أقلها كون الأمير

стр. 1121

خالد (ضابطا سابقا في الجيش الإفرنسي) علاوة على كونه (نائبا منتخبا) حتى بعد استقالته. وعلى هذا فقد كانت الضغوط غير المباشرة أفضل وسيلة تمتلكها الإدارة الإفرنسية للوصول إلى أهدافها في محاربة الأمير خالد، لاسيما بعد أن حققت وسائل الضغط هذه نجاحا كبيرا في المرحلة السابقة، ولم يعد من الغريب أن تظهر عملية إبعاد الأمير خالد - أو نفيه - على أنها مجرد رغبة شخصية. وقد عبر الأمير خالد عن رغبته هذه في رسالته التي حررها في (عين البيضاء) يوم ١١ نيسان - أبريل - وأعلن فيها استقالته، كما أعلن رغبته بالتوجه إلى سوريا. غير أنه أرجأ الحسم في قرار الإبعاد الاختياري حتى نهاية شهر تموز - يوليو - ١٩٢٣، حيث أعلن (الشيخ عبد العزيز الثعالبي) أيضا رغبته في مغادرة تونس والتوجه إلى الشرق بعد هزيمته (١). وقد كتب الأمير خالد إلى أصدقائه رسالة في ٣٠ تموز - يوليو - ١٩٢٣ جاء فيها: (لم يعد بمقدورنا إطلاقا العيش في الجزائر حيث أصبحت الحياة فيها - بالنسبة لي - أمرا لا يطاق ولا يحتمل، ولم يعد أمامي إلا الانسحاب إلى بلد يتوافر فيه قدر أكبر من الإنسانية).

стр. 1122

كانت سياسة (السوط والجزرة - أو الترغيب والترهيب) هي إحدى السياسات المعروفة للاستعمار، وقد طبقت فرنسا هذه السياسة على (الأمير عبد القادر - وورثته). وقد تحدث الشيخ ابن باديس الذي كان يعتبر الأمير خالد زعيما عظيما، بأن موضوع مغادرة الأمير خالد للجزائر قد طرح على المناقشة. وأن فرنسا قد أخذت على عاتقها وفاء ديونه التي بلغت (٨٥) ألف فرنك. كما التزمت بدفع نفقات سفره، وأبقت له تعويضاته السنوية (١). وصل الأمير خالد إلى مصر، وشرع على الفور بالعمل لتسوية قضية (الخلافة الإسلامية) ووجه نداءا طالب فيه بعقد مؤتمر إسلامي في كابول. باعتبار أن أفغانستان هي البلد الإسلامي الوحيد الذي لم يخضع للاستعمار. ومن النعروف أن (كمال أتاتورك) قد أزال منصب الخلافة الإسلامية في ٣ آذار - مارس - ١٩٢٤، مما أثار نقمة عارمة في كل أنحاء الوطن الإسلامي، وبصورة خاصة في المشرق الإسلامي. وفي الأول من نيسان - أبريل - ١٩٢٤ نشرت صحيفة الأهرام (القاهرية) نداءا وجهه الأمير سعيد حفيد الأمير عبد القادر، طالب فيه عقد مؤتمر إسلامي عالمي، وكان الأمير سعيد هو رئيس الرابطة الإسلامية لبلاد المشرق الإسلامي. فكان من الطبيعي، ومن المتوقع، أن ينضم الأمير خالد إلى الأمير سعيد، ليعملا معا لدعم قضية العالم الإسلامي. حدثت بعد ذلك تطورات على الساحة الإفرنسية دفعت بالأمير خالد للتفكير في استئناف نشاطه السياسي. فقد جاءت نتائج

стр. 1123

انتخابات أيار - مايو - ١٩٢٤، لتحمل تحالف اليسار (الكارتل اليساري) إلى سدة الحكم، فاستقال رئيس الجمهورية (ميلراند) وتولى (هيريوت) (١) تشكيل الحكومة. وهو الرجل الذي كان معروفا بتعاطفه الشديد مع حزب (الجزائر الفتاة). واشتهر بتشجيعه لهم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكان من مقولاته المشهورة، (لنشجع أولئك الفتيان المغمورين في الجزائر، والذين أخد الوطن الإفرنسي في استقبالهم واحتضانهم، كأبنائه الآخرين، منذ أن سقط إخوانهم قتلى إلى جانب أبنائنا - في ميادين القتال). وعندما أعلن (هيريوت) بيانه الوزاري، ضمنه تأكيده: (بأننا سنأخذ بعين الاعتبار مصالح مستعمراتنا. وذلك عن طريق تعميم ثمار حضارتنا على أبناء المستعمرات والذين لا تعتبرهم فرنسا موضوعا من موضوعاتها وإنما أبناء لها). ومع استلام الرئيس (هيريوت) لمسؤولياته، ترأس (الجامعة الإفرنسية، لتمثيل المواطنين المسلمين الجزائريين في المجلس النيابي الإفرنسي. وأدى ذلك إلى بعث التفاؤل في نفس الأمير خالد الذي أرسل في ذات اليوم الذي تشكلت فيه الوزارة الإفرنسية الجديدة - وهو يوم ١٤ حزيران - يونيو -برقية عاطفية ومثيرة جاء فيها: (إننا نرى في تسلمكم السلطة، بشائر عصر سعيد، ومقدمة

стр. 1124

عهد جديد، يتم فيه إدخال المواطنين الجزائريين المسلمين في طريق التحرر، وإزالة القوانين والتدابير الاستثنائية وإجراء تمثيل في المجلس النيابي الإفرنسي - البرلمان - وإصدار عفو سياسي عام، وتأمين حرية التعليم، وتحقيق المساواة في الأعباء العسكرية. وأملنا كبير بنفسكم الحرة الليبرالية) التوقيع - الأمير خالد - في المنفى-. لقد كان تذييل البرقية الموجهة للرئيس الإفرنسي بصفة (المنفى) هو تأكيد ثابت بأن مغادرة الأمير خالد لوطنه الجزائر، لم تكن مغادرة طوعية، وهو ما أكده الأمير خالد أيضا بعد ذلك في تصريحاته أثناء جولة له في فرنسا بقوله: (أنه أبعد عن وطنه لأنه دافع عن المصالح الحيوية لمواطنيه المسلمين الجزائريين). وأخذ في الاستعداد أو للسفر إلى فرنسا، غير أنه كان لا بد له قبل سفره من الاشتراك في استقبال الزعيم المصري الكبير سعد زغلول باشا في الإسكندرية، وذلك لدى عودته من منفاه للمرة الثانية ظافرا باعتراف حكومة العمال البريطانية بزعامته للحركة الوطنية المصرية. ولقد كان لتواقت الأحداث في عودة الزعيم المصري من منفاه وفوز تحالف اليسار الإفرنسي دورهما الثابت في حفز الأمير خالد لمتابعة الجهاد والتوجه إلى فرنسا حيث وصل إليها في بداية شهر تموز - يوليو - وفي نفسه أمل كبير بأن يتمكن من الدفاع عن قضية إخوانه المسلمين في الجزائر. استقبل الحزب الشيوعي الأمير خالد بمجرد وصوله إلى باريس، في محاولة منه لاحتضانه والمتجرة باسمه. ونشرت صحيفة (أومانيتيه) (١)

стр. 1125

صورته مع صورة عن رسالة (المنفي الأمير خالد) إلى الرئيس هيريوت. وأعد الحزب الشيوعي في برنامجه تكليف الأمير خالد بإلقاء محاضرتين حدد موعدهما في يومي ١٢ و١٩ تموز - يوليو - حضرهما حشد كبير من أبناء المغرب العربي - الإسلامي بالإضافة إلى عدد من أبناء المستعمرات الأخرى ممن يعملون أو يقيمون في العاصمة الإفرنسية. وقدم عريف الحفل الأمير خالد إلى جمهور الحضور بالعبارة التالية: (القائد الذي أرهب الاستعمار وأدانه بأكثر مما فعله أحد سواه). وقد استقبل أبناء المغرب المسلمين الأمير خالد بنداء: (عاشت أفريقيا الشمالية حرة مستقلة) غير أن الصحافة الشيوعية تجنبت الإثارة من قريب أو بعيد إلى نداء أبناء المغرب المسلمين الذين كانوا يرددون الهتاف دونما توقف. وفي المحاضرة التي ألقاها الأمير خالد يوم ١٢ تموز - يوليو - نهض النائب الشيوعي الإفرنسي - أندريه برثون - والذي تولى من قبل الدفاع عن الشيخ الثعالبي - فوعد الحضور: (بأن تعمل الشيوعية الدولية على تحرير مسلمي الجزائر) ثم ختم مقولته بنداء وجهه الأمير علي بن الأمير عبد القادر (والذي كان عضو الهيئة المركزية للحزب الشيوعي) إلى حضور المحاضرة. وظهر واضحا أن الأمير خالد لم يخضع لهيمنة الحزب الشيوعي، على الرغم من كل المحاولات، وهذا ما أشار إليه تقرير الهيئة المركزية - فرع أفريقيا الإفرنسية - غير أنه أيد الإتحاد بين أبناء المستعمرات ودافع بصورة موضوعية عن قضية (التبعية لحزب
следующие страницы →