خالد (ضابطا سابقا في الجيش الإفرنسي) علاوة على كونه (نائبا منتخبا) حتى بعد استقالته.
وعلى هذا فقد كانت الضغوط غير المباشرة أفضل وسيلة تمتلكها الإدارة الإفرنسية للوصول إلى أهدافها في محاربة الأمير خالد، لاسيما بعد أن حققت وسائل الضغط هذه نجاحا كبيرا في المرحلة السابقة، ولم يعد من الغريب أن تظهر عملية إبعاد الأمير خالد - أو نفيه - على أنها مجرد رغبة شخصية. وقد عبر الأمير خالد عن رغبته هذه في رسالته التي حررها في (عين البيضاء) يوم ١١ نيسان - أبريل - وأعلن فيها استقالته، كما أعلن رغبته بالتوجه إلى سوريا.
غير أنه أرجأ الحسم في قرار الإبعاد الاختياري حتى نهاية شهر تموز - يوليو - ١٩٢٣، حيث أعلن (الشيخ عبد العزيز الثعالبي) أيضا رغبته في مغادرة تونس والتوجه إلى الشرق بعد هزيمته (١). وقد كتب الأمير خالد إلى أصدقائه رسالة في ٣٠ تموز - يوليو - ١٩٢٣ جاء فيها: (لم يعد بمقدورنا إطلاقا العيش في الجزائر حيث أصبحت الحياة فيها - بالنسبة لي - أمرا لا يطاق ولا يحتمل، ولم يعد أمامي إلا الانسحاب إلى بلد يتوافر فيه قدر أكبر من الإنسانية).
стр. 1122
كانت سياسة (السوط والجزرة - أو الترغيب والترهيب) هي إحدى السياسات المعروفة للاستعمار، وقد طبقت فرنسا هذه السياسة على (الأمير عبد القادر - وورثته). وقد تحدث الشيخ ابن باديس الذي كان يعتبر الأمير خالد زعيما عظيما، بأن موضوع مغادرة الأمير خالد للجزائر قد طرح على المناقشة. وأن فرنسا قد أخذت على عاتقها وفاء ديونه التي بلغت (٨٥) ألف فرنك. كما التزمت بدفع نفقات سفره، وأبقت له تعويضاته السنوية (١).
وصل الأمير خالد إلى مصر، وشرع على الفور بالعمل لتسوية قضية (الخلافة الإسلامية) ووجه نداءا طالب فيه بعقد مؤتمر إسلامي في كابول. باعتبار أن أفغانستان هي البلد الإسلامي الوحيد الذي لم يخضع للاستعمار. ومن النعروف أن (كمال أتاتورك) قد أزال منصب الخلافة الإسلامية في ٣ آذار - مارس - ١٩٢٤، مما أثار نقمة عارمة في كل أنحاء الوطن الإسلامي، وبصورة خاصة في المشرق الإسلامي. وفي الأول من نيسان - أبريل - ١٩٢٤ نشرت صحيفة الأهرام (القاهرية) نداءا وجهه الأمير سعيد حفيد الأمير عبد القادر، طالب فيه عقد مؤتمر إسلامي عالمي، وكان الأمير سعيد هو رئيس الرابطة الإسلامية لبلاد المشرق الإسلامي. فكان من الطبيعي، ومن المتوقع، أن ينضم الأمير خالد إلى الأمير سعيد، ليعملا معا لدعم قضية العالم الإسلامي.
حدثت بعد ذلك تطورات على الساحة الإفرنسية دفعت بالأمير خالد للتفكير في استئناف نشاطه السياسي. فقد جاءت نتائج
стр. 1123
انتخابات أيار - مايو - ١٩٢٤، لتحمل تحالف اليسار (الكارتل اليساري) إلى سدة الحكم، فاستقال رئيس الجمهورية (ميلراند) وتولى (هيريوت) (١) تشكيل الحكومة. وهو الرجل الذي كان معروفا بتعاطفه الشديد مع حزب (الجزائر الفتاة). واشتهر بتشجيعه لهم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكان من مقولاته المشهورة، (لنشجع أولئك الفتيان المغمورين في الجزائر، والذين أخد الوطن الإفرنسي في استقبالهم واحتضانهم، كأبنائه الآخرين، منذ أن سقط إخوانهم قتلى إلى جانب أبنائنا - في ميادين القتال).
وعندما أعلن (هيريوت) بيانه الوزاري، ضمنه تأكيده: (بأننا سنأخذ بعين الاعتبار مصالح مستعمراتنا. وذلك عن طريق تعميم ثمار حضارتنا على أبناء المستعمرات والذين لا تعتبرهم فرنسا موضوعا من موضوعاتها وإنما أبناء لها). ومع استلام الرئيس (هيريوت) لمسؤولياته، ترأس (الجامعة الإفرنسية، لتمثيل المواطنين المسلمين الجزائريين في المجلس النيابي الإفرنسي. وأدى ذلك إلى بعث التفاؤل في نفس الأمير خالد الذي أرسل في ذات اليوم الذي تشكلت فيه الوزارة الإفرنسية الجديدة - وهو يوم ١٤ حزيران - يونيو -برقية عاطفية ومثيرة جاء فيها:
(إننا نرى في تسلمكم السلطة، بشائر عصر سعيد، ومقدمة
стр. 1124
عهد جديد، يتم فيه إدخال المواطنين الجزائريين المسلمين في طريق التحرر، وإزالة القوانين والتدابير الاستثنائية وإجراء تمثيل في المجلس النيابي الإفرنسي - البرلمان - وإصدار عفو سياسي عام، وتأمين حرية التعليم، وتحقيق المساواة في الأعباء العسكرية. وأملنا كبير بنفسكم الحرة الليبرالية) التوقيع - الأمير خالد - في المنفى-.
لقد كان تذييل البرقية الموجهة للرئيس الإفرنسي بصفة (المنفى) هو تأكيد ثابت بأن مغادرة الأمير خالد لوطنه الجزائر، لم تكن مغادرة طوعية، وهو ما أكده الأمير خالد أيضا بعد ذلك في تصريحاته أثناء جولة له في فرنسا بقوله: (أنه أبعد عن وطنه لأنه دافع عن المصالح الحيوية لمواطنيه المسلمين الجزائريين). وأخذ في الاستعداد أو للسفر إلى فرنسا، غير أنه كان لا بد له قبل سفره من الاشتراك في استقبال الزعيم المصري الكبير سعد زغلول باشا في الإسكندرية، وذلك لدى عودته من منفاه للمرة الثانية ظافرا باعتراف حكومة العمال البريطانية بزعامته للحركة الوطنية المصرية.
ولقد كان لتواقت الأحداث في عودة الزعيم المصري من منفاه وفوز تحالف اليسار الإفرنسي دورهما الثابت في حفز الأمير خالد لمتابعة الجهاد والتوجه إلى فرنسا حيث وصل إليها في بداية شهر تموز - يوليو - وفي نفسه أمل كبير بأن يتمكن من الدفاع عن قضية إخوانه المسلمين في الجزائر.
استقبل الحزب الشيوعي الأمير خالد بمجرد وصوله إلى باريس، في محاولة منه لاحتضانه والمتجرة باسمه. ونشرت صحيفة (أومانيتيه) (١)
стр. 1125
صورته مع صورة عن رسالة (المنفي الأمير خالد) إلى الرئيس هيريوت. وأعد الحزب الشيوعي في برنامجه تكليف الأمير خالد بإلقاء محاضرتين حدد موعدهما في يومي ١٢ و١٩ تموز - يوليو - حضرهما حشد كبير من أبناء المغرب العربي - الإسلامي بالإضافة إلى عدد من أبناء المستعمرات الأخرى ممن يعملون أو يقيمون في العاصمة الإفرنسية. وقدم عريف الحفل الأمير خالد إلى جمهور الحضور بالعبارة التالية: (القائد الذي أرهب الاستعمار وأدانه بأكثر مما فعله أحد سواه).
وقد استقبل أبناء المغرب المسلمين الأمير خالد بنداء: (عاشت أفريقيا الشمالية حرة مستقلة) غير أن الصحافة الشيوعية تجنبت الإثارة من قريب أو بعيد إلى نداء أبناء المغرب المسلمين الذين كانوا يرددون الهتاف دونما توقف.
وفي المحاضرة التي ألقاها الأمير خالد يوم ١٢ تموز - يوليو - نهض النائب الشيوعي الإفرنسي - أندريه برثون - والذي تولى من قبل الدفاع عن الشيخ الثعالبي - فوعد الحضور: (بأن تعمل الشيوعية الدولية على تحرير مسلمي الجزائر) ثم ختم مقولته بنداء وجهه الأمير علي بن الأمير عبد القادر (والذي كان عضو الهيئة المركزية للحزب الشيوعي) إلى حضور المحاضرة.
وظهر واضحا أن الأمير خالد لم يخضع لهيمنة الحزب الشيوعي، على الرغم من كل المحاولات، وهذا ما أشار إليه تقرير الهيئة المركزية - فرع أفريقيا الإفرنسية - غير أنه أيد الإتحاد بين أبناء المستعمرات ودافع بصورة موضوعية عن قضية (التبعية لحزب
стр. 1126
سياسي) مشيرا بذلك إلى ما كانت قد نشرته صحيفة (الأقدام) (١) حيث رد الأمير خالد على صحيفة (العمل الإفرنسي) بالجملة التالية: (من المحال علينا التبعية لحزب أوروبي - لم نشكله نحن نظرا لما عليه حالنا البائسة ونحن خاضعون للقوانين الاستثنائية).
واكتفى الأمير خالد بتوجيه الشكر إلى ممثل الأحزاب الاشتراكية والشيوعية (الذين يدافعون عن المسلمين). وأثار بصفته ممثلا وحيدا لفكر المسلمين الجزائريين إلى التكتل الاتحادي (تريدينيون) والذي كان يوجهه صديقه - فيكتور سبيلمان - الذي وصفه أمير البيان شكيب أرسلان (بأنه الملاك الحارس للشعب الجزائري) (٢).
غير أن ذلك لم يمنع الحزب الشيوعي من استثمار هذا التجمع لتشكيل حزب (نجمة شمال أفريقيا) وهو الحزب الذي تبنى هدف (المطالبة باستقلال أقطار الشمال الأفريقي الثلاثة - تونس والجزائر والمغرب - استقلالا كاملا، وسحب جيوش الاحتلال الإفرنسية من هذه الأقطار). وأصدر هذا الحزب صحيفة ناطقة باسمه، اختار لها اسم المجلة الأسبوعية التي كان يصدرها ويحررها الأمير خالد وهي (مجلة الأقدام) وأضيف لها اسم الأمير خالد بصفة (مدير شرف).
تميزت محاضرات الأمير خالد بالموضوعية، وبوفرة المعلومات قدر تميزها بقوة العاطفة والحماسة، وقد نشرت هذه المحاضرات تحت
стр. 1127
عنوان (موقف المسلمين في الجزائر - محاضرات ألقيت في باريس بحضور أكثر من (١٢) ألف مستمع) وذكر أن عدد العمال الجزائريين في مقاطعة السين أكثر من (١٥,٤٥٠) عاملا (١). وركز الأمير خالد في محاضراته على ما تضمنته رسالته إلى الرئيس الإفرنسي من مطالب، وأبرزها:
١ - التمثيل النيابي البرلماني - للمسلمين بما يتعادل مع تمثيل الأوروبيين المستوطنين في الجزائر (أي ٦ منتخبين لمجلس النواب و٣
منتخبين لمجلس الشيوخ مع تجاوز التفاوت الكبير في العدد، حيث كان عدد المسلمين في الجزائر يتجاوز الخمسة ملايين).
٢ - إزالة النظام المفروض على المواطنين المسلمين - أنديجين.
٣ - المساواة في أداء الخدمة العسكرية بين الجزائريين والإفرنسيين.
٤ - إفساح المجال أمام الجزائريين للترفيع في المناصب المدنية والرتب العسكرية حتى أرفع المناصب والرتب.
٥ - ضمان حرية الصحافة وحرية التعليم.
٦ - ترك حرية التعليم الديني وفصله عن تدخل الكنيسة والدولة.
٧ - تطبيق القوانين الاجتماعية - الضمانات - الممنوحة للإفرنسيين على المواطنين الجزائريين.
стр. 1128
٨ - منح العمال الجزائريين حرية العمل في فرنسا بصورة تامة.
لقد اصطدمت هذه المتطلبات بمقاومات مختلفة، ففي مجال عمل الجزائريين في فرنسا، صرح رئيس اتحاد عمداء الجزائر - الإفرنسيين آبو - (بضرورة تقييد خروج اليد العاملة الجزائرية من الجزائر. وقال: بأن هذه اليد العاملة ضعيفة غير أنها مفيدة في كل الأحوال للعمل في الجزائر وفي الجزائر وحدها) (١). وكذلك فعلت كافة الصحف التابعة للدوائر الاستعمارية. أما صحيفة الشيوعيين - أومانيتيه - فقد عالجت الموضوع بأسلوب ساخر، وذكرت: (أنها مع إقرارها لهذه الحقوق الأساسية إلا أن البورجوازيين يهدفون من خلالها غزو الديموقراطية بأجمل الوسائل وأمضى الأسلحة).
على كل حال، وبالرغم من خلو محاضرات الأمير خالد من المطالب الجديدة، فإن ما طرحه أصبح فيما بعد هو الأساس الذي تبناه الوطنيون الجزائريون في برامجهم الحزبية. وبصورة خاصة ما أعلنه الأمير خالد - بلسانه - للمرة الأولى، وعلى رؤوس الأشهاد، عن وضع الجزائر قبل الاستعمار الإفرنسي من تطور علمي ورفاه اقتصادي (حيث كانت أموال الأوقاف - الحبوس - وحدها تتجاوز مئات ملايين الفرنكات الإفرنسية، وأن قسما من هذه الأموال كان مخصصا لتعليم أكثر من ٣٠٠ ألف طفل في مدارس تعليم القرآن الكريم). وقارن ذلك بما أصبح عليه حال الجزائر من فقر وبؤس متعاظمين نتيجة النهب الاستعماري.
стр. 1129
تصدى الليبراليون واليساريون للعمل على مستوى المخطط السياسي الإفرنسي، فأدانوا تفاهم الأمير خالد مع الشيوعيين واعتبروا ذلك - ذنبا لا يمكن الصفح عنه-. وعمل مدير (مجلة المواطنين الجزائريين - بورداري) (١) على اتخاذ قرار بقطع علاقاته مع الأمير خالد (الذي فضل - بزعم مدير المجلة - الاستسلام للإرهابيين المغامرين الشيوعيين).
أما الرئيس الإفرنسي الإشتراكي - هيريوت - فقد صرح فيما بعد - وبمناسبة الحديث عن تونس:
(بأنه يعارض هذا التحالف الوحشي الغريب بين الشيوعية والوطنية) وكان هذا الرأي هو المهيمن بصورة عامة على وسط اليسار الإفرنسي. أما اليمين الإفرنسي فقد عاد لتبني اتهامات فرنسيي الجزائر للأمير خالد (المجند في خدمة البولشفيك). بالإضافة إلى افتراءات كثيرة - منها إقدام الأمير على تنظيم العمال المسلمين في فرنسا ...
انعكست هذه الحملة الجائرة التي اشترك فيها اليمين واليسار بصورة قوية على الصفحة النفسية للأمير خالد، وأشعرته باليأس. فطلب من جديد إلى صحيفة - أومانيتيه - نشر رسالة له تضمنت ما يلي: (ما أن يرفع مواطن مسلم صوته عاليا في الجزائر للاحتجاج ضدها ينزل به من الظلم حتى يتهمونه بأنه محرض على التخريب وأنه عامل ضد فرنسا ... وليست محاولات تغطية احتجاجاتي ضد
стр. 1130
نوعية الوصاية المفروضة على المواطنين المسلمين في الجزائر إلا كمن يحاول اعتراض ضياء الشمس بالمظلة).
كانت هذه الرسالة البليغة والاحتجاجية آخر محاولة علنية بذلها الأمير خالد لطرح قضية وطنه. وعرف من ردود الفعل الإفرنسية أن إقامته في باريس لم تعد موضع رضى السلطات فيها. كما شعر بأن جهده مع (كارتل اليسار) قد وصل إلى منتهاه. فغادر فرنسا، ووصل إلى الإسكندرية - في مصر - مع بداية فصل الخريف لسنة ١٩٢٤، ولم يتمكن من تحقيق رغبته في التوجه إلى دمشق، نظرا لمنع السلطات الإفرنسية له من اقتحام مناطق نفوذها.
وفي الإسكندرية حاول الأمير خالد الهرب من رقابة القنصل الإفرنسي، واستخدم جواز سفر وأوراق ثبوتية زائفة لمغادرة مصر. غير أن أمره اكتشف فأحيل إلى محكمة قنصلية في الإسكندرية، واعتقل، وأصدرت المحكمة حكمها عليها في شهر آب - أغسطس - سنة ١٩٢٥ بالسجن لمدة خمسة أشهر ...
ضاع بعد ذلك كل أثر للأمير خالد، وترددت شائعات كثيرة عن اشتراكه في ثورة الريف بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي. كما ترددت شائعات مماثلة عن اشتراكه في الثورة السورية الكبرى (سنة ١٩٢٥) غير أنه ما من وثائق رسمية تؤكد ذلك أو تنفيه.
أفاقت دمشق على خبر مباغت صباح يوم ١٠ كانون الثاني - يناير - ١٩٣٦ معلنا وفاة المجاهد الأمير خالد بن الهاشمي الجزائري.
وأقيمت عليه الصلاة في مسجد بني أمية الكبير. وانتقل إلى جوار
стр. 1131
ربه عن عمر يناهز الستين عاما. وانتقل الخبر بسرعة في أقطار العالم الإسلامي. فصدرت الصحافة الجزائرية - الإسلامية - وهي (تعلن الحداد العام في الجزائر. لقد مات الأمير خالد). (١) وكتبت صحيفة الدفاع: (تبكي جزائر المسلمين اليوم في الأمير خالد فارسا ومجاهدا مضى، غير أن اسمه الخالد سيبقى مرتبطا ارتباطا وثيقا بحركة الجزائر الفتاة التي أسسها ودعمها بكل ما في نفسه من العزم والقوة، وغذاها بكل حماسته وإيمانه).
لم يشمل الحزن إخوانه من حزب الجزائر الفتاة فقط. فقد شعر الجميع بالخسارة الفادحة لفقده، فمضى العلماء لتأبينه، واشترك الشيوعيون في مأتمه.
لقد مضى الإنسان المؤمن والمجاهد الصادق للقاء وجه ربه، غير أن تضحياته وجهوده ومعاناته لم تلبث أن أينعت ثمارا عمت بفائدتها كل الوطن الجزائري (٢).
стр. 1132
سيدنا هو رسول الله ﷺ ، أشرف البشر، فمن ذا الذي يستطيع الانتقاص من قدرنا).
(أضرم أجدادنا حربا حامية الوطيس لمدة خمسة عشر عاما، وأزيد، لم يكن النصر حليفهم. غير أن تقدير بطولتهم وشجاعتهم هو حق ثابت لا ينبغي أن ينكره المنتصرون علينا. كما لا ينبغي لي، أنا حفيد الأمير عبد القادر، أن أسكت عنه مثلما فعل كثير من النواب المنتخبين.
الأمير خالد الهاشمي الجزائري
•---------------------------------•
الفصل الثالث
١ - الأمير خالد في موقعه التاريخي.
٢ - من الجد عبد القادر إلى الحفيد خالد
стр. 1133
١ - الأمير خالد في موقعه التاريخي
قد يقف الباحث أو المؤرخ حائرا أمام هذا الركام المتناقض من المقولات، وهو يحاول تقويم الموقف الصحيح للأمير خالد. وقد تتزايد حيرته إذا ما حاول إجراء مثل هذا التقويم بعيدا عن إطاري الأحداث الزماني والمكاني، بمعنى إسقاط الموقف العام - الدولي والمحلي - لتلك الحقبة التاريخية وإهمال الموتف الخاص لما كان عليه موقف مراكز القوى الاستعمارية والإسلامية في الجزائر خلال مرحلة تصدي الأمير خالد لتوجيه مسيرة الأحداث. وهنا قد يكون من المناسب قبل كل شيء الأخذ ببعض المعطيات التي أصبحت بمثابة المسلمات الوصفية نظرا لالتقاء كثير من وجهات النظر المتباينة عندها، وأبرزها:
١ - لقد ظهر الأمير خالد - في المرحلة الوسيطة بين تطور الهجوم الاستعماري الشامل، وبين البدايات المبكرة للهجوم المضاد للاستعمار عامة. يؤكد ذلك التوسع الاستعماري الذي أعقب الحرب العالمية الأولى (باسم الانتداب أو الحماية أو
стр. 1134
الوصاية) وما قابله من انتفاضات في العالم الإسلامي (ثورات تونس ومقاومات ليبيا والحركات الوطنية في مصر وثورة المهدي في السودان والثورة السورية الكبرى ١٩٢٥).
٢ - وظهر الأمير خالد بعد قرن من استعمار فرنسا للجزائر تقريبا حيث اجتاحت جحافل الغزو الاستعماري الجزائر في سنة ١٨٣٠ م على ما هو معروف، وبدأ الأمير خالد نشاطه للعمل في الفترة ١٩١٥ - ١٩٢٥. وخلال هذه الفترة نجحت قوى الاستعمار في إزالة الكثير من قواعد الصمود والمجابهة - إذا صح التعبير - فقد أمكن لفرنسا ومؤسساتها خلال هذه الفترة القضاء على القيادات القبلية والزعامات الدينية وتركت الساحة الجزائرية في حالة من الفراغ أخذت هي بإملاء فراغها بأجهزة وتنظيمات تابعة لها. مع استثمار كافة التناقضات الممكنة لإفراغ هذه التنظيمات من أهدافها.
٣ - وعاش الأمير خالد بعد ذلك متنقلا بين دمشق - وطنه بالولادة - والجزائر وطن آبائه وأجداده، وفرنسا - الوطن الأم. كما كان يطلق عليها، فكان لا بد له من معالجة آلام وآمال مواطنيه من منظار شامل، ولقد عرف بحكم مواطنته أبعاد القضية التي يعيشها. والأخذ بقضية الجزائر على أنها قضية خاصة وعامة، تعود خصوصيتها إلى طبيعة ما يعانيه مسلمو الجزائر، وتعود عموميتها إلى ارتباطها بالهجوم الاستعماري الصليبي الشامل. ولقد عاصر الأمير خالد أحداثا مثيرة، لم يكن أقلها إزالة الخلافة الإسلامية، ولم يكن أقلها تمزيق العالم الإسلامي واقتسامه بين الدولتين
стр. 1135
الاستعماريتين الكبيرتين بريطانيا وفرنسا. ولم يكن أقلها أيضا ظهور حركات اشتراكية تبعها انفجار الثورة الشيوعية في ألمانيا وروسيا. وكان لذلك كله دوره في التحرك السياسي وفي المعاناة الصعبة لظروف الصراع.
٤ - والأمير خالد قبل ذلك وبعده سليل أسرة منسوبة إلى الرسول الأعظم ﷺ ، وهو أصيل المحتد كريم المنبت. فكان لا بد لذلك من أن يطبعه بطابعه وأن يسمه بميسمه، فهو أحق الناس بالدفاع عن الإسلام والمسلمين، لا سيما وهو يعيش كل ظروف القهر والمعاناة الناجمة عن ظروف الحملة الصليبية الجديدة. وهو إلى ذلك، لا يرى في غير الإسلام وسيلة لدعم الصمود، ولإحياء الأمل في النفوس. فكان من نتيجة ذلك أن ربط الأمير خالد بين ماضي المسلمين وحاضرهم وما يجب أن يكون عليه مستقبلهم. ووضع بذلك أساس قاعدة العمل.
٥ - وكان المسلمون في الجزائر يجدون في العالم الإسلامي متنفسا كلما أثقل صدرهم كاهل الاستعمار، فكان الزعماء يفرون
بدينهم إلى تونس وإلى المغرب أحيانا، وإلى مصر في أحيان أخرى، وإلى بلاد الشام خاصة في كل الظروف، غير أن جحافل الغزو الاستعماري سبقتهم - أو لحقت بهم - لاحتلال هذه البلاد. فبات المخرج عسيرا، وضاقت دنيا المسلميىن يما رحبت. ولم يبق أمام المحكومين إلا الاحتكام إلى حاكميهم وصدقت المقولة (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم). ولكن، وحتى في ظروف (ليل الاستعمار الحالك السواد) لم يفقد الأمير خالد كل الأمل في
стр. 1136
إمكان صيانة قواعد الصمود، والإبقاء على ما بقي منها، فمهد بذلك الطريق، وأضاء شعلة النور وسط الظلام، لتهتدي بهداها، ولتستضيء بنورها الأجيال المقبلة.
وبعد، قد يكون من السهل على الباحث أو المؤرخ أن يقف اليوم، ليصدر إدانته على ما قام به الأمير عبد القادر الجزائري، وأن يتهم قادة ثورة ١٨٧١ - المقراني والحداد بالقصور أو التقصير، وأن يعود إلى مقاومة الحاج باي أحمد في قسنطينة، وأن يصف بومزراق وبو معزه ولالا فاطمة والإخوان الرحمانيين وحتى الأمير خالد، بأنهم ضلوا السبيل وأخطأوا التقدير. غير أن مثل هذه الأحكام تفتقر إلى النزاهة قدر افتقارها للموضوعية. لقد كان كل واحد منهم صورة صحيحة للفترة التي عاشها، ومن المحال إدانة مرحلة تاريخية بدون الأخذ بجميع العوامل المحيطة بتلك المرحلة وما سبقها ثم ما رافقها وما تبعها أيضا. وفي إطار اتصال هذا النسيج التاريخي يمكن تقويم أهمية عمل تلك النجوم التي أضاءت السبيل وهي تضحي بوجودها وبكل ما تملك للدفاع عن قيمها ومثلها العليا وفضائلها الخالدة.
عند هذه النقطة، يمكن العودة لاستقراء سيرة الأمير خالد وأعماله، لا من أجل الدفاع عنه، فقد دافع عن نفسه طوال حياته بإباء الرجال، وشمم الأبطال، وإيمان المجاهدين الذين يحتسيون جهادهم في سبيل الله ورسالته الإسلامية. وإنما من أجل إجراء تقويم وجيز لتلك الأعمال، واستخلاص أبرز دروسها.
عندما بدأ الأمير خالد نشاطه السياسي لخوض انتخابات البلدية
стр. 1137
سنة ١٩١٩، ترافق ذلك مع الصراع بشأن قانون ٤ شباط - فبراير - ١٩١٩ (١) وأدى ذلك إلى تطور الحركة الوطنية الجزائرية، وتكوين شخصية الشعب الجزائري الإسلامية، وتركز الصراع حول سياسة الإدماج أو ضدها، من خلال التجنس بالجنسية الإفرنسية أو رفضها. وقد أراد بعض الشبان الجزائريين - المتفرنسين - الإفادة من القانون المذكور على حد زعمهم لزيادة عدد الناخبين والمنتخبين. وهنا اتخذ الأمير موقفه التاريخي الذي عبر عنه بقوله: (لا يقبل المسلم الجزائري بديلا عن جنسيته بجنسية أخرى إلا في نطاق شخصيته الخاصة، لسبب جوهري واحد، هو المحافظة على دينه وشريعته الإسلامية).
وفي معركة الانتخابات - سابقة الذكر - ظهرت ثلاث قوائم، عبرت عن الاتجاهين المتصارعين على الدمج والتجنس، وضده،
فكانت القائمة الأولى برئاسة شيخ عظيم التقوى والورع هو الشيخ الحاج موسى الذي كان مستشار بلدية الجزائر منذ سنة ١٨٨٤، ولم تضم هذه القائمه أي جزائري متجنس بالجنسية الإفرنسية، وكانت الشخصية البارزة المرموق إليها من بين كل المرشحين،
стр. 1138
هي شخصية الأمير خالد. ومقابل ذلك، كانت القائمة الثانية برئاسة السيدين (وليد عسيى) و (ابن شامي أو بنثامي) لا تضم إلا الشخصيات والأعيان المتجنسين بالجنسية الإفرنسية أو المؤيدين للتجنيس والداعمين له. أما القائمة الثالثة، فقد شملت مرشحين جزائريين غير معروفين بالإضافة إلى إفرنسيين عرف عنهم دفاعهم عن حقوق المواطنين المسلمين، وهما: المحامي - لادميرال -والصحافية (باروخان) مديرة جريدة الأخبار.
ومن المفيد ملاحظة ما رافق الحملة الانتخابية من بيانات تبرز طبيعة الصراع. فقد هاجمت صحيفة - الأقدام - الناطقة باسم (حزب الجزائر الفتاة) بقولها: (لم يبق في الجزائر متجنس واحد يمكن أن يشرف أقرانه بتمثيلهم في المجالس، لأن قائمة السيد بنثامي - ابن شامي - قد لمت شملهم جميعا) هذا فيما كان الأمير خالد يدعو الناخيين الجزائريين إلى التصويت على (قائمة المرشحين المسلمين غير المتجنسيين لئلا يتولى أمورهم المرتدون - الكفرة - أصحاب القبعات - البيريه). وكان يذكر الناخبين في كل مناسبة: (بأن المسلم الصادق يحرم عليه انتخاب إفرنسيين أو أشخاص ينتمون إليهم. ويستعمل في مخاطبتهم عبارة الاعتزاز بالإسلام، والإعراض عن الجهل والجاهلين التي استعملها الرسول ﷺ مع هرقل عظيم الروم -والتي كان الأمير عبد القادر يستعملها في مراسلاته مع الماريشال بيجو متحديا له - وهي: - السلام على من اتبع الهدى -) ومقابل ذلك: (كان المرشحون على قائمة بنثامي - ابن شامي - ينددون بالقومية الإسلامية والتنكر لأساليبها والشكوى من خصومهم الذين
стр. 1139
يصفونهم للعامة بالمارقين المرتدين عن الدين).
يمكن فهم محاولة الأمير خالد، وإخوانه المجاهدين، بسهولة ودونما كبير جهد أو عناء، لقد استطاعت فرنسا تكوين تيار جارف، فكأن لا بد للمؤمنين المخلصين من تكوين سد في وجه هذا التيار، وعدم تمكينه من اقتلاع ما بقي من جذور الأصالة الذاتية الكامنة في الإسلام، وفي الإسلام فقط، وعلى هذا أيضا يمكن فهم الحوافز التي دفعت بالأمير خالد وإخوانه إلى طرح المطالب التي تؤدي - بمجموعها - إلى تطوير السد القائم بين فرنسا والمسلمين. ولئن طلب الأمير خالد في كل مقولاته معاملة الجزائريين كالفرنسيين، فإن ذلك للتخفيف عنهم من جهة، ولتوفير المناخ أمام بناء القاعدة الثوروية الصلبة.
وهذا بدقة ما أبرزه بحث للباحث الجزائري (محفوظ قداش) (١) جاء فيه ما يلي:
(كان نشاط الأمير خالد يرتكز على مبدأ مستقر، ألا وهو الاعتصام بالإسلام، ولهذا المبدأ أثر عميق في السياسة الجزائرية، الماضية والحاضرة، فهو محورها، ولم يكن في الإمكان حينذاك أن يعبر الناس علنا عن الوطنية والقومية السياسية. غير أن الدين وقضية الدفاع عن الشخصية الإسلامية، كانا يفتحان للأمير خالد مجالا رحبا لإفراغ ما في جعبته.
стр. 1140
ويجب ألا ننسى أن الإسلام هو الذي بقي طوال عهد الاستعمار الإفرنسي الضمان الأول للشخصية الجزائرية. فلم تشق القومية الجزائرية طريقها إلى الإستقلال، ولم تهمس مطالبها الأولى، إلا بفضل انتسابها إلى العالم العربي - الإسلامي، وأخذ نصيبها من نهضته الميمونة، فكان الأمير خالد في الجزائر رائدا من روادها العظام. فنشر في (الأقدام) عدة مقالات عن المدنية العربية، وطلب إلى الأدباء المسلمين إعداد دراسات خاصة بها وتراجم أقطابها وعلمائها المشهورين لمقابلتها بالاكتشافات الأوروبية الحديثة، التي كاد ظهورها وتطورها السريع بعد حرب ١٩١٤ - ١٩١٨ أن يخطف أبصار المسلمين، ويضعف إيمانهم بمبادئهم وأعمالهم ومستقبلهم. فانبعثت النهضة في الجزائر العاصمة، فكانت وثبة وطنية، ورغبة شديدة في ثورة كبرى، وأخذ الزعماء يحلمون وقتئذ بإنشاء دولة إسلامية عظمى، وإحياء مجد الأجداد وحضارتهم الزاهرة زمن الخلافة في دمشق وبغداد وقرطبة).
وتصدى الأمير خالد لفضح سوءات الاستعمار، وإسقاط الأقنعة عن مزاعم الحضارة الغربية التي حملها الاستعمار الإفرنسي لجزائر المسلمين، فكان في جملة مقولاته بهذا الصدد: (لم يعمل الاستعمار شيئا لنا أو لأهلنا، فالجوع يقف على الأبواب، وليس لنا إلا أن نركب القطارات ونسلك الطرق والمحطات المخصصة لكبار المعمرين - المستوطنين -. نعم! إنهم ينشئون لنا بعض المدارس في الأكواخ. ولكنهم يقتطعون في نفس الوقت أراضينا، ويسلبون أولادنا، ويغتصبون أموالنا، ويعلموننا الخمر والميسر، ويحملون إلينا جميع الأمراض والموبقات والرذائل التي يتصف
стр. 1141
بها رجال يدعون أنهم متحضرون ... وعندما نمر بضواحي العاصمة وعند المرور على بعض الدواوير بما فيها الداخلة في المزارع النموذجية، نكاد أن نقطع ونجزم أن فرنسا لا وجود ولا أثر لها في الجزائر منذ (٩٥) عاما. فليس هناك لا مدارس ولا طرق ولا آبار ولا سدود، ولا أطباء ولا بيطريون ولا مستشارون زراعيون) (... إن حقوق الأهالي مهدورة منسية ... فكأن المسلم الجزائري لا يصلح إلا أن يكون جنديا أو دافعا للضرائب الباهظة، ولو كلفه ذلك بيع آخر عنزة من ماشيته).
وفي مقولة أخرى:
(.. يقول لنا بعض الأوروبيين: لو كنتم تحت سيطرة الألمان أو الإنكليز لكنتم تقدرون سلوك فرنسا تجاهكم! وأقول: هل هناك، اللهم، جور أقسى من جور فرنسا ... لا يمكن أن يتمنى المرء بعد هذا الظلم الغاشم إلا الموت ... ! فإذا كانت سياسة الإدارة الإفرنسية قائمة على تقويض اللغة والدين وإفقار الشعب، فقد نجحت كل النجاح: فالشعب غارق في الجهل، والدين ورجاله في محنة، والفقر مدقع).
والأمير خالد، وهو يطالب معاملة المسلمين الجزائريين كالإفرنسيين، يصرخ مع أفراد حزبه في وجه الاستعماريين: (في هذه الأفريقية، التي تتجه إليها كل الأطماع الشرسة الدفينة، والتي عاث فيها على تعاقب العصور كل نوع جديد من جنود ومرتزقة ومعمرين وموظفين، أصبحنا نتهم بإثارة الثورة لأننا نقول: إن الناس يموتون جوعا. ونتهم بعداوة فرنسا ومقاومتها لأننا نطالب
стр. 1142
بالمساواة بين خلق الله ... إذن، فلنكن فوضويين وشيوعيين وأعداء لفرنسا، ووطنيين وكل ما شئتم من صفة، ولكن لنبق رجالا قبل كل شيء ...).
ويحذر الأمير خالد الإفرنسيين من التمادي في سياساتهم الاستعمارية، فيقول لهم: (أيها الأوروبيون: إن كل الإجراءات التي تتخذونها ضد هؤلاء وأولئك لن تجدي نفعا، لأن الحوادث المقبلة ستكتسح كل هذا العبث والفساد، ولأن الأجل لذلك قد حل ... إن الإفرنسيين القاطنين بالجزائر، باتوا وهم ينتظرون بمرارة اليوم الذي سيرغمون فيه على شد أمتعتهم وحقائبهم للعودة إلى الوطن الأم ... فمستقبلهم غامض مجهول، والأفق أمامهم ملبد بالغيوم والسحب والعاصفة على وشك الرعد والقصف على رؤوسهم، وهم منذ الآن يتألمون من ذلك ويتحسرون عليه ... ! وقد حق لهم أن يشتكوا ويتألموا ... فأي شيء أعز عليهم، وأي
ألم أشد من مغادرة بلد كانوا يعيشون فيه عيشة الأمراء والأسياد في ثراء واسع بلا كد أو تعب، تخدمهم أقوام وأمم من العبيد، دون أمل في الرجوع يوما إلى ذلك الفردوس؟ إني لأشفق على كربهم حقا، وعلى عدم انبثاق بصيص من نور في أفقهم).
ويرتفع صوت الأمير عاليا وهو ينذر الاستعماريين بما يشبه إعلان الحرب، فيقول لهم: (الحذر ثم الحذر، إننا دخلنا لأمد
طويل في طور من الحروب الأهلية والعالمية والفتن التي لا يدري أحد بعواقبها. فإذا تماديتم في تعسير حياة الأهالي - المواطنين - بعد يسرهم في أوطانهم، فستكون شدة انفجار ثوراتهم على قدر
стр. 1143
شد الخناق عليهم) ولقد كان هذا التحذير الذي يشبه النبوءة بما سيحدث، مرتبطا برؤية الأمير خالد - الواضحة - لمسار خط الاستعمار، على الرغم من شدة ظلام ليل الاستعمار في تلك الفترة، وها هو يربط خط هذا المسار بمجمل قضية الاستعمار، وذلك من خلال مقولته: (أيها اللبنانيون والسوريون والجزائريون والتونسيون والمغاربة ... إنكم عبيد خاضعون لنير بعض السماسرة والبورجوازيين الذين سوغوا لأنفسهم تدنيس أرض أوطانكم العزيزة. إن لكم في بعض معاقل الحرية في الخارج أصدقاء يقظين ... أجل، وقولي لكم هو عين الحق والصدق والأمانة ... سننتقم جميعا).
وكان لا بد للأمير خالد، في إطار تحركه السياسي، من توجيه غضبه نحو أولئك المتجنسين الذين كانوا لا يؤيدون مطالبة الجزائريين بالتمثيل النيابي، وظهر ذلك في تعامله - على سبيل المثال - مع (مسيو صوالح) الذي وصفه: (بالخيانة لبني جلدته، والكفر والارتداد عن دينه. وقال عنه: إنه يعتقد أن تجنسه وكفره، وقطع الصلة بينه وبين ملته، وأكل لحم الخنزير، ولبس القبعة أو البرنيطة، كل ذلك يخوله صفة الإفرنسي النبيل. فمثله كمثل الوطواط، لا هو عصفور ولا هو فأر، إنما يتجسم في خلقه الرياء والنفاق، ولن يجد إلا اللعنة والخزي، أينما ولى وجهه).
والمعروف - في الجزائر - عن (مسيو صوالح) هذا، انه لم تبق له في تلك الفترة أية علاقة مع إخوانه الجزائريين. فكانت جريدته (الناصح) تعتبر لسان حال الإدارة الإفرنسية. وكانت الولاية العامة
стр. 1144
هي التي تتولى تغطية نفقاتها ومصاريفها. وحدت الوقاحة (بمسيو صوالح) أنه بات يجادل في مبدأ تمثيل المسلمين في مجلس النواب الإفرنسي ذاته. فكان يتساءل كمن لا يعلم ولا يدري شيئا بقوله: (هل هذا التمثيل ممكن؟ وهل هو ناضج قد أتى أوانه؟).
وقدر ما كان يهتم الأمير خالد بكبار الأمور المتعلقة بالسياسة الاستراتيجية، فقد كان يظهر قدرا مماثلا من الاهتمام بشؤون مواطنيه الصغرى: (فهو يعمل قدر استطاعته من أجل التطوير الاجتماعي للمسلمين، مثل إنارة (حي القصبة) في الجزائر العاصمة، وجلب المياه النقية إلى المساكن، وإنشاء مراكز صحية، وإغلاق دور البغاء بالقصبة، ومقاومة شرب الخمور والكحول، وتوسيع مقبرة (سيدي محمد) وغير ذلك. وتضمنت جهوده دعم المزارعين وإرشادهم، وعتقهم من ربقة الاستعمار، ولم تكن مطالبته بفتح المجال للعمال من أجل العمل في فرنسا إلا بهدف تحرير العمال من سيطرة المستعمرين - الكولون - وتطويرهم اقتصاديا واجتماعيا وكان الوحيد من العائلات العريقة الجذور الذي رفع صوته بقوة ضد نظام الرعوية البغيض.
وعلى هذا الأساس طلب (يوسف حمدان) الأمين العام للأخوة الجزائرية، - وهو تنظيم شيوعي - إلى المواطنين بنداء حار: (أن تتم إعادة الأمير خالد إلى وطنه وإماطة اللثام عن أصدقائه القدماء الذي دفعتهم السلطة الاستعمارية في الجزائر للوقوف ضده).
وبسبب ذلك، تعرض الأمير خالد، في جملة ما تعرض له من اتهامات، اتهامه بالشيوعية، وقد سبق في عرض سيرة الأمير
стр. 1145
الإشارة إلى رفضه الخضوع لهيمنة الشيوعيين، أو تسليم قضية بلاده لغير أبنائها معتمدا في ذلك على القدرة الذاتية للعالم العربي الإسلامي، وتناقض هذه القدرة الإسلامية مع معطيات العقيدة الشيوعية.
غير أن ذلك لم يمنع الأمير خالد من الإشارة إلى السبب الذي يدفع اليائسين المسلمين من التعلق بأي أمل يخرجهم من مأزقهم، فقال في ذلك: (إن المسلمين اشتراكيون وتعاونيون واتحاديون بالطبع، كما تدل على ذلك بيئتهم وعيشتهم، ولكن لم يكونوا متطرفين أبدا. وإذا كان إلى يومنا هذا عدد كبير منهم قد انقادوا إلى النظرية الشيوعية واعتنقوا مذهبها. فالسبب الجوهري في ذلك هو السياسة الحمقاء التي يمارسها الولاة والعمال الإفرنسيون في الجزائر والتي يتضاعف فيها يوما بعد يوم عدد الساخطين والناقمين).
وأبرز الأمير خالد أسباب ما يحيط به من بؤس، وما يعانيه مواطنوه. فنسب ذلك إلى الاستعمار وإدارته وأساليبه، وفضح طريقة الاستعماريين في الاستحواذ على الأراضي الخصبة، وذكر أن ثروات المعمرين الطائلة لم تأتهم من عمل المحاريث والأدوات الزراعية فقط، وإنما من عرق الفلاح الجزائري وجهده. وقارن بين دخل المعمرين الذين كانت أرباحهم تبلغ الملايين، وبين أجور الفلاحين المسلمين التي كانت تتراوح بين ٢ و٤ فرنكات في اليوم. فصب جام غضبه على المسؤولين عن ذلك.
كما انتقد بقسوة الإدارة الإفرنسية في الجزائر على تقصيرها
стр. 1146
وتهاونها. وانتقد أيضا قلة نواب المسلمين والممثلين الجزائريين في البلديات ووفرة عدد الموظفين الأوروبيين فيها بحيث كانوا يبتلعون وحدهم موارد ميزانيتها كلها.
وطرح الأمير خالد أيضا (وضع البلديات العسكرية، فندد بالتعسف والإرهاب فيها، وكان يعتمد في كثير من الحجج على مقولات الأوروبيين ذاتهم، مستفيدا في ذلك من التناقضات بين القيادات الإفرنسية ذاتها وبين القيادات الاستعمارية في الجزائر، والحكومة الإفرنسية في باريس. ومن ذلك ما قاله أحد الولاة الإفرنسيين القدامى: (إن تطبيق الحضارة على الجزائريين في بعض النواحي معناه الزيادة المطردة في الضرائب والغرامات ونهب أموالهم وأخذها غصبا وتجريدهم من أملاكهم والوصول بهم إلى الخراب والهلاك).
стр. 1147
٢ - من الجد عبد القادر إلى الحفيد خالد
عملت الإدارة الاستعمارية في الجزائر، وهي تحكم قبضتها على الوطن الجزائري أرضا وشعبا، على تشويه سمعة الأمير عبد القادر وذلك على نحو ما فعلته مع كل القيادات الجزائرية المتتالية ضمن إطار الحملة الشاملة لتدمير قواعد الصمود، وفصل الجماهير عن قياداتها، وتدمير الجماهير وقياداتها معا بعد ذلك حتى تفرغ الساحة من كل زعامة دينية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
وقد أدرك الأمير خالد ذلك لدى انتقاله بصحبة والده وأفراد عائلته من دمشق إلى الجزائر. فكان لابد له من التصدي لتصحيح المواقف الخاطئة والأفكار المشوهة، ولهذا لم يعد من الغريب عليه أن يحاول الإفادة من كل موقف للتذكير بأعمال جده العظيم، والإشادة بجهوده ومنجزاته، والتذكير بتضحياته ومعاناته. ولم يكن هدف الأمير خالد- يقينا - التأكيد على رابطة عصبية كتلك العصبية الجاهلية، بدلالة عدم وقوفه إلى جانب أقاربه في المواقف التي
стр. 1148
تتناقض مع هدفه السياسي.
وهكذا - وعلى سبيل المثال - فعندما نسب إليه سلوك أقاربه من أمثال خاله الأمير علي باشا وابن عمه الأمير سعيد من أعضاء اللجنة الإسلامية لاستقلال الجزائر وتونس، المنشأة في برلين في شهر يناير - كانون الثاني - ١٩١٦. رد الأمير خالد على ذلك بقوله: (بأنه يطلب ألا يحاكم إلا على نشاطه السياسي فقط، وعلى أعماله وحدها، لا على أعمال أقربائه). ومن هنا يظهر أن تركيز الأمير خالد على سيرة جده إنما كان بهدف تحقيق ما يلي:
١ - ربط وحدة الجهاد على أرض الجزائر في نسيج متصل.
٢ - الالتزام بالقيم والأهداف التي جاهد في سبيلها الأمير عبد القادر والتي يسير عليها هو أيضا باعتبار أنها تشكل القاعدة الثابتة والصلبة للجهاد ضد الحملة الصليبية الجديدة.
وليس من الغريب أن يردد الأمير في كل مناسبة على أسماع مواطنيه العبارة التالية: (لا تنسوا أن آباءكم قد هبوا للنضال لأول
إشارة من جدي الكريم).
وعند هذه النقطة، نقطة الجهاد والنضال يلتقي الجد والحفيد في قضية الدفاع عن الإسلام والمسلمين، في الجزائر المجاهدة خاصة، وفي العالم الإسلامي عامة، وقد تكون ملاحظة هذا الخط المشترك واضحة من خلال الموافف المعروفة والتي يمكن استقراء بعض ملامحها عبر النماذج والأمثولات التي لا تشكل في كل الحالات إلا قليلا من كثير، ووجيزا من ملحمة متطاولة تتجاوز في
стр. 1149
مضمونها وأهدافها كل الحدود.
كانت الفكرة الشائعة، والتي طالما روج لها الاستعماريون في فرنسا: (بأن جماهير المسلمين لا تزال تعيش في غياهب الجهل، وهي بعيدة كل البعد عن - نور الحضارة الأوروبية. فالمسلمون متخلفون جدا، منعزلون بأنفسهم بسبب تعصبهم الديني، الذي لا ينسجم مع مطالبتهم بالحصول على حق التمثيل السياسي والاجتماعي على قدم المساواة مع الإفرنسيين، وعلى هذا فإن منحهم مقاعد النيابة أو عضوية مجلس الشيوخ هو أمر سوف لا يجديهم نفعا، وهم في حاجة أكيدة إلى زيادة في التربية والتعليم - الإفرنسي - حتى تصبح لديهم القابلية لفهم المدنية الأوروبية، ويصبحوا قادرين على اكتساب الأساليب الحديثة للتنمية الاقتصادية وتطبيقها. وقد يطالب نوابهم باستقلال الجزائر - باسم مبادىء ويلسن - في الحين الذي تباع فيه نساؤهم رقيقا).
ويتصدى الأمير خالد للرد على هذه المقولة، بنخوة الرجل العربي، وإيمان الإنسان المسلم، فيقول: (لقد أفاد المسلمون أوروبا إلى حد بعيد جدا بحضارتهم ومدنيتهم. وإذا كانوا متأخرين الآن، فلأن (٣٠) ألفا على الأكثر من أصل خمسة ملايين جزائري يترددون على المدارس. ويمكن للجزائريين على غرار السنغاليين، الذين اعتبروا مواطنين إفرنسيين مع احتفاظهم بنظام أحوالهم الشخصية الإسلامية، أن يكون لهم ممثلون في مجلس النواب. وأنه لا جدوى من الحديث مع الوطنيين الجزائريين عن
أساليب التنمية، ما دام هناك استمرار في إحداث مراكز جديدة
стр. 1150
للاستعمار، وما دام تطبيق قانون - طورانس - مستمرا (١).
أما ما قيل عن المرأة المسلمة بأن الصداق الذي يؤديه لها زوجها إنما هو ثمن شرائها ... ففي بلادكم أنتم أيها الأوروبيون، تشتريكم نساؤكم - وفي أوروبا كلها تعقد زيجات المنفعة والمتعة، وفيها كلها لبس وإكراه. وكذلك يشاهد المرء اليوم في شوارع باريس فتيات يكاد عمرهن لا يتجاوز (١٢) سنة، وهن يتعاطين البغاء جهرة ...
وأما بالنسبة لقضية الربط بين التعليم والتمثيل، فالأمر المعروف هو أن الاستعماريين الأوروبيين وأعوانهم فضلوا أناسا جهلة عينوهم تعيينا - في الانتخابات - على المثقفين المسلمين المخلصين والذين كان الشعب يريد انتخابهم. فحالوا دونه ودون ذلك. واتهموا هؤلاء المثقفين بالوطنية المتعصبة، وبالنزوع إلى الاستقلال التام. والحال أن الأوروبيين هم الذين يطالبون باستقلال الجزائر الذادي - ليتحكموا بالمواطنين المسلمين، وليستأثروا بخيرات البلاد - بينما يكتفي النواب المسلمون بالمطالبة بربط العمالات الجزائرية الثلاث إلى العمالات الإفرنسية، وجعلها سواء بسواء معها في كل الشؤون).
وقرأ الأمير خالد - وهو في منفاه بسوريا سنة ١٩٣٤ - مقالا مهينا
стр. 1151
بالرسول ﷺ كتبه صحفي إفرنسي. وتعرض فيه أيضا لأزواجه ﵅، فوجه إليه الأمير برقية شديدة اللهجة يخبره أنه مسلم غيور على دينه، وأنه من سلالة ذلك النبي العظيم، ويقول فيها أنه يترك له الخيار بين اثنين: إما الاعتراف علنا بذنبه، وإما المنازلة بالسلاح. فأجاب الصحفي، وهو المسمى - بيير مارييل - الأمير برسالة اعتذار (١).
هنا يمكن العودة إلى مواقف الجد - الأمير عبد القادر - يوم اجتمع عدد من القسس في فرنسا، ووجهوا إليه أسئلة عديدة، منها السؤال التالي:
(إن دعوة محمد اكتنفها الغموض من جميع جوانبها، وإن العرب بوجه عام، والشرقيين منهم بوجه خاص قد كابروا، وادعوا أن دعوة محمد دعوة يقرها العقل والمنطق). ورد الأمير عبد القادر بالتالي:
(لم تكن رسالة محمد دعوة تهويس وإسعاف، ولكنها دعوة اتساع أفق وشمول نظر، فاستطاعت بذلك تلبية حاجة البشر كافة، من خاصة وعامة، وذلك لأنها الرسالة الوحيدة بين الرسائل التي لا مسخ فيها ولا إسفاف، ولا غش ولا إجفاف، وهي فوق هذا وذاك بدأت باسم الله الرحمن الرحيم. وختمت بأنه رب العالمين.
وجاءت رسالة الإسلام في وقت كان العالم كله في تأخر من جميع الوجوه، دينيا وعلميا ومدنيا وسياسيا.
стр. 1152
فلم يمر قرن واحد، حتى أوجدت للعالم كله دينا قيما وعلما محكما ومدنية سعيدة وسياسة رشيدة، فنفخت في الإنسانية روحا جديدة، لا تقبل الفناء، ما دامت الأرض والسماء. فهي كالينبوع الذي تفجر في أرض وفاض على غيرها، فأحياها بعد موتها. وكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. ولا تقف صفات الإسلام عند هذا الحد في الصفات التي تتميز بها الديانات والرسالات، بل كان من أهم صفاته أنه دين الهداية إلى الحق، والارتفاع بقيمة العقل من الانسياق وراء المعميات والخوارق الغريبة عن الطبيعة المدنية في الاقتناع والتصديق.
واستمرت رسالة الإسلام، تغزو الممالك والبقاع، وأخذت راية الدين الحنيف ترفرف على البلدان والأمصار، وتغلغلت دعوة النبي العربي في أوروبا وغيرها من البلاد التابعة للديانة المسيحية، وعز على الكنيسة أن ترى دين محمد يعلو على كل دين ويدحض كل فرية وكل دعوة تقوم على الزيف والأباطيل. فجندوا لها إرسالياتهم التبشيرية، وبعثروها في الممالك والأصقاع، ظانين أنها تجدي مع رسالة من عند الله.
وحاول مبشرو أوروبا أن يصفوا الإسلام بالنقائص، فمنهم من قال: إن دعوة محمد استهوت الناس حسب غرائزهم، وإرضاء أثرة المنافع والثروة فيهم. وفات هؤلاء أن الإسلام جاء لتنظيم حياة الناس. وزعم فريق آخر منهم، أن الإسلام لم يكن يريد بدعوته غير الشهرة الشخصية والحياة والسلطان، ويقصدون بذلك محمدا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 1153
وفات هؤلاء أيضا أن رسالة محمد جاءت مليئة بالرحمة والبر والحنان وأن صفاتها صفات الحكمة والخير، وأنها اتسمت بأهداف سامية لا تمت إلى طلب السلطان والجاه. وفريق ثالث من هؤلاء، زعم بكل سخافة وحمق أن الطمع في الأقاويل تبطل هذه الدعاوى وتنقضها. وجلية الأمر أن محمدا لم يكن كغيره، يرضى بأوضاع كاذبة، أو يسير تبعا لاعتبارات باطلة، أو يقبل أن يتسم بأكاذيب وأباطيل زائفة، فجاء نتيجة لذلك صوته منبعثا من الطبيعة ذاتها. ولهذا وجد آذانا صاغية، وقلوبا واعية، فانتشرت رسالته، وعمت الناس كافة. وتلك هي رسالة السماء، قام بها خير رسول وخير إنسان، (١).
وعاد القسس لطرح سؤال آخر: (لماذا يحفظ العرب القرآن؟ مع أن هذه الطريقة تؤثر كثيرا على عقول الناس، وبخاصة الصغار منهم، وهذا الإجراء سيكون أثره السيء على النشء الجديد. وأجاب الأمير عبد القادر:
(إن هذا السؤال غريب ومتسم بالعصبية، وإني لأفهم الأسباب التي تدفعكم إلى هذا النوع من التفكير، ولو أنكم واجهتم الحقيقة كما يجب أن تواجه لأدركتم أن حفظ القرآن له مميزاته. ومما لا شك فيه أن الحفظ من أهم الأسباب لاستدعاء الفهم. فإنما طلب الفهم والإدراك إنما يكون عند ظهور الحاجة إليه. وعند الإحساس بعدم الفهم، وحينئذ يلجأ الحافظ إلى السؤال عن معنى ما سمع أو
стр. 1154
ما حفظ من الدين، يظن أنهم يعرفون ذلك الذي خفي عليه. وعلى ذلك يكون حفظ آيات القرآن من أعظم الدواعي إلى دراستها وطلب معرفتها.
وكثير من العلماء الأعلام الذين حفظ التاريخ آثارهم، وجرى ذكرهم في الخافقين، وكانت لهم اليد الطولى في الدرس والإفادة والتأليف، وخدمة العلم والأدب، كانوا من أولئك الذين لقنوا القرآن وهم صغار أحداث لم يبلغوا رشدهم، وكانوا هم الذين فهموا كتاب الله واجتهدوا في تأويله، واستنبطوا منه الآداب والأحكام، وأصبحوا أئمة يستضاء بنورهم، ويهتدى بهديهم وقد خدم كثير منهم الدين، وأحيوا علوم اللسان، وحذقوا كثيرا من ألوان المعارف، وأصبحوا بها مضرب الأمثال.
لقد فتح القرآن الكريم لكثير من النابهين باب النبوغ، ولم يعطل لواحد من الذين عنوا به، وأقبلوا عليه، ملكة من الملكات؛ بل إنه هو الذي نبه فكرهم، وشحذ عزائمهم، وجعل لهم ذكرا في العالمين. وكان البيت المسلم يحرص أشد الحرص على أن تلقى فيه آيات القرآن، يسمعها الرجال والنساء والولدان كل صباح، لا يكاد يخلو من ذلك بيت من بيوت المسلمين. وكان التنادي في الإغراق على قراء القرآن ومحفظيه للأحداث مضرب الأمثال. كما كان الولدان أنفسهم يتنافسون في حفظه ويتبارون في تلاوته.
كان ذلك من تقاليد المسلمين، حتى سرت عوامل الضعف وتتابعت الأحداث، ووفد الاستعمار على بلاد المسلمين، مختفيا
стр. 1155
وراء ما يزعم من أصول التربية الحديثة، وكأن هذه التربية شيء غريب عن الإسلام والمسلمين، وكأنه لم يكن في هذه الأمة مفكرون في أصول التربية، نظروا في أسسها، وشرحوا أهدافها، ووضحوا مناهجها، ولذلك فإن هذه التربية الحديثة لا تستقل على هؤلاء الصبيان شيئا إلا أخذهم بحفظ كتاب الله، وتنشئتهم على هداه، وما أسرع ما استجاب ضعاف النفوس لهذه الدعوة، غير ناظرين إلى ما تخفي هذه الدعوة وراءها من عمل الاستعمار على المباعدة بين نائئة هذه الأمة، وبين المأثور الصالح من تقاليد السلف وأصول العقيدة، ولن يتمكن العرب من فهم دينهم إلا إذا اهتموا بالقرآن الاهتمام التام.
إن القرآن هو أسمى الكتب السماوية التي تبدو فيها سمات الرقي جلية ناصعة مهما سخر أولئك السذج المتعصبون لآلية العصر، والمتذيلون للمدنية المادية التي تقوم على أساس الغرائز والتي لابد أن تهوي في العاجل القريب إلى التلاشي والفناء. بل قل: إنها بدأت تسير في طريق الفناء بخطوات واسعه، لن تغيثها منه سلطة الاختراعات، ولن تنجيها قوة الحديد والنار.
حقا إن ما يحتويه القرآن بين ثناياه من إمارات السمو وعلائم الكمال لهو خليق بالدرس والتأمل. ولم لا؟ ألسنا في الوقت الذي نرى فيه أنصار المدنية المادية، وأشياع الحرية الزائفة، يوغلون في الظلم والجشع والكذب والنفاق، نشاهد مبادىء هذا الكتاب تنتصب وسط الدائرة الجهنمية المؤلمة من الآثام والجرائم منارة عالية بها بعد الطبيعة تشع من ثناياها الأنوار السماوية، وتنبعث من
стр. 1156
خلالها الأصوات الأبدية، هاتفة باسم الحق، مؤيدة كلمة الفضيلة، ناطقة بقداسة الشرف واحترام العدالة والإنصاف، ولا تكاد هذه الأنوار تبدو، حتى تغشى عيون الآثمين، ويخطف سنا برقها أبصار المجرمين، ولا توشك تلك الأصوات أن تهتف حتى ترتجف منها قلوب الظالمين. وترتعد لها فرائص المنافقين.
ويحس أولئك وهؤلاء في أفئدتهم بالرهبة من السماء، تهددهم وتنذرهم بالويل والثبور، وعندئذ يحنقون على أهل هذه التعاليم القوية الكاشفة عن تضليلهم، والفاضحة لتغريرهم، ويودون أن يمزقوهم شذر مذر ليزول سلطانهم، ويتزلزل كيانهم، وعندئذ لا يجدون أمامهم أنجع من وسائل الدس والتفريق، ولا أنجح من بث الشقاق والتمزيق. ولا أحد من سيف الإغراء والإغواء، وتملك المطامع، والتزلق إلى الأهواء. وإنشاب أظافر الاستعمار في بلادهم، والهيمنة على مواقفهم، والتسلط على مواردها ومصادرها حتى يستذلوا فيخفتون بهذا الاستذلال ذلك الصوت الذي يروعهم نهارا ويقض مضاجعهم ليلا.
ولكن لو أن المسلمين أخلصوا لدينهم، واتبعوا تعاليم كتابهم، وتخلقوا بأخلاق نبيهم، لسخروا من كل إغراء، ونظروا إلى المثل الأعلى المرسوم في قرآنهم. وتطلعوا إلى السمو المتمثل في كل آية. وأيقنوا أن هذا الكتاب، شأنه أن يقودهم إلى الحرية والسعادة. بل إلى الرفعة والسيادة. ذلك بأنه إذا انتصرت في قلوب المؤمنين روح الخير التي تمثل الألوهية على الأرض، تعهدت هذه الروح العلائق بين الإنسان وربه بالتقوية والإنماء.
стр. 1157
ومتى تفرقت تلك العلائق، جعلت النفس المؤمنة تتلقى أوامر السماء بهيئة نقية صافية، ثم تمليها أولا على حياتها العملية الخاصة، حتى يطبق العلم على العمل، فتحقق الحكمة: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾.
فإذا تم للمؤمن ذلك أفاض تلك الأوامر الإلهية على بيئته ومجتمعه، وقد تتسع هذه الدعوة حتى تعم الإنسانية جمعاء، وإذ ذاك تصلح حال الدنيا ويسودها السلام وتشملها العدالة. ويحل الرضاء محل النزاع، وتحل المحبة محل البغض والحفيظة، ومن آيات ذلك أن الأوامر الإلهية كانت مند غابر العصور ولا تزال وستظل، تقود بني الإنسان إلى الفلاح والكمال إذا وضعوها موضع الاحترام والعناية والتطبيق، ولكنها تشهد دمارهم وفناءهم إذا هم سحبوا عليها ذيول الإهمال والنسيان.
فالقرآن إذا هو روح الإسلام الذي أشع ولا يزال يشع في الوجود، وهو قلبه الذي ينبض بالحياة، وعقله الذي به يفكر ويتأمل، والذي ضمن له ذلك الامتياز على جميع ما عرفته البشرية من أديان، والذي أفاض تلك المبادىء السامية الخالدة. ويشتمل القرآن على كل خير الإنسانية وعوامل رقيها وتقدمها، محتويا على جميع عناصر الصلاحية لكل الأزمنة، والأمكنة والبيئات والمجتمعات على اختلاف نزعتها، وتباين مشاربها، مما حقق لنبيه أن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين. وجعل رسالته غاية الغايات ونهاية النهايات، وأسند إليها الكلمة الفاصلة، والقول الحاسم في جميع التشريعات الفردية والعلائق الأسرية والقوانين
стр. 1158
المدنية والأنظمة الدولية، والمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسلمية والحربية والمعاهدات السياسية. وبالإجمال كل ما يحتاج إليه الفرد أو الأمة، في الحياة الخاصة أو العامة.
إن القرآن هو نظام عالمي واقعي موحى، فهو ينظم تطبيق كل حادثة من أحداث الوجود وشرحها وتقديرها. إنه بالنسبة إلى جميع المؤمنين بمثابة ذاكرة قد أعدت أتم الإعداد. أو مذكرة إحصائية للمفردات اللغوية أو قاموس من القواميس له. وهو بالنسبة إلى كثيرين أيضا كتاب للتعريفات المضمونة والقابلة للتطبيق دائما. إنه مجموعة من اللغات للأفعال العملية وللتأملات الباطنية التي تركز الانتباه في البراهين على المجد الإلهي وقوة الله. والقرآن هو الذي يقوم بدور تبسيط مشكلة منهج الحياة أمام المؤمنين. لأن هذه المجموعة من القوانين الموحاة هي التي تغذي الذاكرة، وتحل عقال العمل دون أن يكون لدى الفكر حاجة للتردد. ويكفينا اعترافات بعض النصارى الذين درسوا الإسلام.
يقول مستشرق: (حسب هذا الكتاب جلالا ومجدا أن الأربعة عشر قرنا التي مرت عليه، لم تستطع أن تخفف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضا كأن عهده بالوجود أمس).
ويقول مستشرق آخر: (ولقد أتى محمد بكتاب تحدى به البشر جميعا أن يأتوا بسورة من مثله، فعاقهم العجز وشملتهم الخيبة
وبهتوا أمام ذلك الإحراج القوي الذي أغلق في وجوههم كل باب).
стр. 1159
ويقول مستشرق ثالث: (لقد تحدى محمد الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وهذا هو برهان رسالته بالمعنى الكامل. ولم يكن الأمر في القرآن يتعلق بقيمة أدبية استثنائية، فإن محمدا كان يحتقر الشعراء. ودفع عن نفسه أن يكون واحدا منهم). هذا هو مجمل آراء فريق من العلماء الذين يبتغون من بحوثهم مرضاة العلم في ذاته، ويقصدون وجه الحقيقة حيث كانت فلا يخرجون عنها. غير أن هناك فريقا آخر من الباحثين الغربيين يخضعون في بحوثهم لأهواء شخصية أو مطامع فردية أو أهداف سياسية أو تعصبات دينية تعميهم عن الحق وتضلهم عن الصراط السوي، فهم حين يدرسرن القرآن دراسة عميقة ويتأملون في مبادئه الأساسية وعناصره الأولية تأملات دقيقة، يتبينون ميزاته التي لا نظير لها في أي كتاب سماوي آخر، نراهم بدلا من الإشادة بهذه الحقائق الناصعة، يسارعون فينظرون إلى بني جلدتهم بأن القرآن كتاب خطير، لأنه اشتمل على مبادىء يمكن أن تقيم الدنيا وتقعدها، وذلك إثر اليقظات الإسلامية التي أصبحت تطل من الشرق والغرب. ولقد خاف هؤلاء أن تكون هذه اليقظات الإسلامية، والحركات الاستقلالية هي أشعة من تباشير الصباح لمستقبل العالم الإسلامي الباسم، وحملة شعلة المعرفة والنور وتطبيق شريعة الله.
ذلك هو مشعل النور الذي استمر الأمير عبد القادر في حمله وهو في غياهب سجنه (في سارية امبواز بفرنسا - حيث أقام أربعة سنوات ١٨٤٧ - ١٨٥١) ثم تناقل الأبناء والأحفاد في رفع هذا
стр. 1160
المشعل حتى جاء الأمير خالد، فقام بأداء دوره مدافعا عن الإسلام والمسلمين، حتى مضى للقاء ربه راضيا مرضيا. غير أن جهده بقي حديث الأجيال. وجاء من بعده سلف تابعوا رفع مشعل النور. ولعل أصدق ما يطبق على وصف حال الأمير خالد، قوله تعالى لرسوله الكريم الذي هو أسوة حسنة للناس أجمعين، وإماما هاديا للمسلمين، ونموذجا لما كان - ويكون عليه - الرسل والصديقون والمجاهدون في سبيل الله، وفي سبيل رسالته الخالدة أبدا على الدنيا - مادام في الدنيا صوت للمسلمين، قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا
﴾ (١).