← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢ - خير الدين على طريق الجهاد ترددت أصداء كارثة (تلمسان) بقوة في ضمائر أبناء الجزائر الأحرار، واجتمع المسؤولون فيها من الشيوخ والزعماء - أهل الحل والعقد - لمناقشة الموقف بعد استشهاد (عروج) وقرروا أن يسندوا إلى (خير الدين) واجب (إمارة الجهاد) بعد أخيه، وألحوا عليه في ذلك، لكنه اعتذر عن قبول الإمارة، وأعرض عنها، وأبلغ المسؤولين في الجزائر أنه يعتزم السفر إلى عاصمة الخلافة (استانبول) على أمل الحصول على أسطول جديد يساعده على متابعة الجهاد في سبيل الله في البحر, وأجابه علماء الجزائر: بأن الله يوجب عليه الجهاد في هذه المدينة - الجزائر - لحماية المسلمين، وأن الدين لا يسمح له بتركها نهبا للمفترسين، فأجابهم عندئذ بقوله: (لقد بقيت منفردا دون أخوتي - الذين استشهدوا جميعا فوق أرض الجزائر - وقد رأيتم ما فعله بنا صاحب تلمسان من بني زيان، واستعانته علينا بغير ملتنا حتى كفانا الله أمره. وصاحب تونس الحفصي الذي لا يرى ضرورة نصرتنا وإعانتنا والذي أسلمنا للعدو بمنع البارود عنا - أثناء حملة بجاية - لولا لطف الله. فالرأي هو أن نصل

стр. 107

أيدينا بالقوة الإسلامية - وهو السلطان سليم خان - ونعتمد عليه في حماية هذه المدينة، ولا يكون ذلك إلا ببيعته والدخول في طاعته، والدعاء له في الخطب على المنابر، وضرب السكة - النقود - باسمه، لنتفيأ ظل حمايته. فاستكانوا لذلك ورضوا به، وأعلنوا بالدعاء له على المنابر. وكتبوا بذلك للحضرة السلطانية، وبعثوا له من السكة باسمه في الجزائر). قرر الجزائريون بذلك أن تكون دولتهم الفتية جزءا من الإمبراطورية العثمانية الضخمة، ووافق خير الدين على البقاء مؤقتا رئيسا لهذه الدولة، حتى يتخذ السلطان العثماني قراره فيما عرضه عليه أهل الجزائر. ويمدهم بما طلبوه من دعم عن طريق الوفد الجزائري الذي ارتحل إلى القاهرة، حيث كان السلطان سليم مقيما لتنظيم البلاد. وقابل الوفد الذي كان يرأسه الحاج حسين السلطان سليم. وأجابهم على سؤلهم، وأعلمهم بموافقته على أن يشمل دولة الجزائر برعايته. وأن تكون مشتركة مع الدولة العثمانية في الجهاد ضد المسيحية. وأضفى على خير الدين لقب (باي لرباي) أي (باي البايات) باعتباره الرئيس الأعلى لكل البايات الذين يتولون، أو سوف يتولون الحكم في بلاد الشمال الأفريقي. وخول السلطان دولة (باي لرباي) حق سك النقود باسمها، وذلك دلالة الاستقلال ضمن الإمبراطورية العثمانية. عمل السلطان سليم بعد ذلك مباشرة على إرسال دعم ال الجزائر يتكون من قوة بحرية محملة بأربعة آلاف مقاتل من المتطوعين الأتراك وكميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والتجهيزات الحربية. ووصلت هذه الإمدادات إلى مدينة الجزائر حيث تم إنزالها على ساحل

стр. 108

(باب الواد). وبدأت القوات الجزائرية استعدادها لمجابهة الأعمال العدوانية المتوقعة. كان حكم إسبانيا قد انتهى (منذ سنة ١٥١٦) إلى الملك شارل الخامس (شارلكان) الذي وضع هدفه الأول بالقضاء على الدولة الجزائرية الفتية، وإزالة ما تمثله من تهديد، وتوطيد الحكم الإسباني في المغرب العربي - الإسلامي. وقد توافرت المعلومات عن قرب احتمال إرسال قوة إسبانية جديدة للجزائر، فزادت أهلها حماسة للقتال واستعدادا للحرب. وانصرف (خير الدين) لتنظيم أمور الدولة الجديدة في المغرب الأوسط (الجزائر) وحشد القدرات والإمكانات كلها من أجل تأمين متطلبات الحرب التي باتت وشيكة بعد أن استثارت عملية انضمام الجزائر للإمبراطورية العثمانية حماسة أوروبا كلها وحماسة إسبانيا المتعصبة منها بصورة خاصة لتطوير الحرب الصليبية. اغتنم شارلكان فرصة استشهاد (عروج) وما أحدثه ذلك من هزة عميقة في النفوس - بعد انتصار الإسبانيين في (تلمسان) فاتفق مع (أبي حمو - ملك تلمسان) على أن يشترك الطرفان في توجيه الضربة الحاسمة للجزائر، وذلك بأن تقوم القوات الإسبانية بإنزال بحري في الوقت الذي تتقدم فيه قوات ملك تلمسان برا. وضمت الحملة الإسبانية في هذه المرة قوة ضخمة تتكون من أربعين سفينة تحمل على متنها. خمسة آلاف من المقاتلين الإسبانيين والأوروبيين، ووضعت الحملة تحت قيادة نائب ملك الصقليين (هوغو دي منكاد) يعاونه في قيادة الحملة (غونزالفو - مارينو - دي ريبيرا). وأبحر الأسطول من جزيرة صقليا في أواخر تموز - يوليو - سنة ١٥١٩، وتوجه إلى (المرسى

стр. 109

الكبير) وأخذ منها جندا وعتادا. ثم سار في اتجاه بجاية، حيث انضمت إليه قوة ضخمة حملت معها المزيد من الأسلحة والأعتدة، وفي النهاية وصلت الحملة إلى مياه الجزائر يوم ١٧ آب - أغطس -. وبدأت عملية الإنزال على امتداد الساحل الواقع إلى اليسار من وادي الحراش. وقد وضع (خير الدين) مخططه للمعركة على أساس التجربة السابقة التي حالفها النجاح، فقرر إفساح الفرصة أمام القوات الإسبانية لإنزال قواتها وتجهيزاتها إلى أرض الشاطىء ثم العمل على استنزاف قدرتها القتالية وروحها المعنوية بمجموعة من العمليات الخاصة (الإغارات والكمائن) والانقضاض بعد ذلك على القوات الإسبانية في معركة حاسمة في الوقت المناسب والمكان المناسب. وهكذا تمكن الإسبانيون من إنزال أسلحتهم ووسائطهم وقواتهم دونما عناء كبير، وأقاموا قاعدتهم خلف (وادي الحراش) وبدأت الاشتباكات بين الطرفين المتصارعين، ثم ما لبث الجيش الإسباني أن أبدأ التحرك بكتلته الرئيسية في اتجاه المرتفعات المحيطة بمدينة الجزائر حتى وصل إلى (كدية الصابون) المشرفة على المدينة - من ورائها - وأخذت القوات الإسبانية على الفور ببناء قلعة حصينة فوق تلك الكدية أطلقوا عليها اسم (قلعة الإمبراطور) - وهي التي هدمت ورممت مرارا. وكان لها شأن عظيم في تاريخ الجزائر، ولا تزال موجودة حتى اليوم - وجهزوها بالمدافع الثقيلة، ووضعوا الجزائر فعلا تحت تهديد مدافعهم. وكانت القوات الإسبانية وهي تشيد معقلها، تنتظر قدوم جيش تلمسان الذي كان من المفروض أن يتولى قيادته (الملك عبد الله

стр. 110

الثاني). وانتظرت القوات الإسبانية طوال ستنة أيام بدون أن يظهر ما يشير إلى احتمال تقدم هذا الجيش، وتمت عملية بناء المعقل، فيما كانت الاشتباكات المستمرة تستنزف قدرة القوات الإسبانية وتضعف من روحهم المعنوية، وإذ ذاك قرر القائد الإسباني القيام بهجوم عام على مدينة الجزائر. وقرر (خير الدين) تكوين قوة من خمسائة مجاهد واجبها الإغارة على المعسكر الإسباني (المجاور لوادي الحراش) والذي لم يترك الإسبانيون لحراسته إلا قوات قليلة. ومن ثم الإغارة على السفن وتدمير ما يمكن تدميره منها. وتوجهت هذه القوة - المنتقاة من خيرة المجاهدين - فأبادت حرس المعسكر وأشعلت النار في القوارب التي تصل الأسطول بالبر، وأخذت هذه القوة بتهديد السفن الواقفة في عرض البحر. كان القائد الإسباني يتابع من موقعه في (كدية الصابون) تطور هذه العملية التي تبددت خط المواصلات البحري للقوات الإسبانية. ونجحت العملية الخداعية التي خطط لها خير الدين، إذ توجهت قوة كبيرة من الإسبانيين نحو البحر في محاولة لإنقاذ القوارب والسفن. وانقسمت القوة الإسبانية بذلك إلى قسمين. ففتح المجاهدون أبواب الجزائر بصورة مباغتة، وانطلقت حشودهم كالسيل الجارف وهم يدمرون القوات الإسبانية ويحتاجونها من كل اتجاه. وهيمن الاضطراب على القوات العادية، وفقدت قيادتها السيطرة وباتت معزولة وعاجزة عن إدارة المعركة. فيما كان المجاهدون يدمرون بسيوفهم ونيران بنادقهم كل من يصادفهم، وأصبحت القوات الإسبانية ممزقة على شكل جزر مقارمة في وسط محيط المجاهدين

стр. 111

الواسع، بحيث لم تتمكن إلا فلول ممزقة من الوصول إلى القوارب والسفن. واستمرت المعركة بكل قسوتها طوال يوم ٢٠ آب (أغطس) سنة ١٥١٩ م (٩٢٥ هـ) وأمكن لبقية القوات الإسبانية - وفلولها الممزقة ركوب البحر والوصول إلى السفن. وهنا جاءت الطبيعة من جديد لتتدخل في مصلحة المجاهدين الجزائريين. إذ هبت عاصفة عاتية يوم ٢١ (آب) أغسطس ووصلت ذروتها في اليوم التالي عندما تحولت إلى إعصار مدمر أرغم (٢٤) سفينة إسبانية من سفن الأسطول على اللجوء إلى الجزائر حيث وقعت هذه السفن غنيمة في أيدي المجاهدين - بكل من فيها وما فيها من مقاتلين وأعتدة. وانتهت هذه المعركة يوم ٢٤ آب - أغسطس - بانتصار المسلمين انتصارا كاملا. وأغرقت مياه البحر أربعة آلاف من المقاتلين الإسبانيين، ووقع في قبضة الأسر ثلاثة آلاف مقاتل وقد حاول هؤلاء تنظيم صفوفهم والانقضاض على المسلمين فتمت إبادتهم إبادة كاملة وبذلك دمرت الحملة التي أرسلها شارلكان تدميرا كاملا. وخابت آمال الإسبانيين والأوروبيين بهذه الحملة الصليبية. خلال ذلك حدثت تحولات على مسرح المغرب العربي - الإسلامي، فقد كان الملك الزياني (أبو حمو الثالث) قد توفي في سنة ٩٦٤ هـ = ١٥١٨ م - أي في ذات السنة التي استشهد فيها عروج وخلفه على حكم مملكة تلمسان أخوه (عبد الله الثاني) الذي اتبع سياسة جديدة قائمة على الحياد تجاه الصراع الجزائري - الإسباني، والاعتماد على خير الدين - لا على الإسبانيين - إذا كان لا بد من الاعتماد على أحد الطرفين. ولم تكن هذه السياسة إلا استجابة

стр. 112

لتطلعات المواطنين في تلمسان الذين كانوا يرفضون نصرة أعداء الدين ضد أبناء دينهم وإخوانهم من الجزائريين والأتراك العثمانيين. وانتهج (مسعود) شقيق (عبد الله الثاني) هذه السياسة ذاتها عندما طرد أخاه من تلمسان. وكان ذلك هو سبب إحجام ملك تلمسان عن إرسال جيشه لدعم الإسبانيين عندما قاموا بتنفيذ حملتهم ضد الجزائر. غير أن انتصار خير الدين وقوات المسلمين ذلك الانتصار الحاسم، أثار قلق سلطان بني حفص بتونس، خوفا من القوة المتعاظمة في المغرب الأوسط (الجزائر) وندم على ما فاته من نصرة الإسبانيين، فكتب إلى (صاحب تلمسان) يحذره من القوة المتعاظمة لخير الدين وبذلك عاد (محمد بن الحسن - الحفصي) للتآمر ضد المسلمين خوفا على نفوذه ومملكته في تونس من أن تطالها قوة المسلمين المتحالفين في الجزائر مع الإمبراطورية العثمانية. وأعاد (خير الدين) تنظيم مملكة الجزائر، فقسمها إلى قسمين: قسم شرقي يمتد من شرقي العاصمة الجزائرية حتى حدود المملكة الحفصية بتونس وتشمل بلاد القبائل الجبلية، ووضع على رأس هذا القسم أخوه في الجهاد وصديقه (أحمد بن القاضي الغبريني - سلطان كوكو ببلاد زواوة، حيث كانت بلدة كوكو تقع على بعد (١٨) كيلو مترا في الجنوب الشرقي من مدينة أربعاء بني براثن). أما القسم الغربي، فكان يمتد من الجزائر إلى حدود دولة بني زيان - غير المحددة بدقة - ووضع لإدارته (محمد بن علي). وظن (خير الدين) أن باستطاعته الاعتماد في إدارة القسمين على الزعيمين المحليين لحكم البلاد. وترك لمدينة الجزائر السلطة العليا، ومباشرة أمور الحرب والسياسة. غير أن هذا التنظيم أثار نقمة

стр. 113

(عبد العزيز) ملك قلعة بني عباس، والعدو اللدود (لأحمد بن القاضي)، إذ أن هذا التنظيم وضع عدوه أميرا عليه وحاكما في جهته، فحمل لواء العصيان، وأعلن تبعيته للملك الحفصي بتونس. غير أن التهديد الخطير لم يظهر من (عبد العزيز - ملك قلعة بني عباس) بقدر ما ظهر من (أحمد بن القاضي الغبريني ذاته) والذي ما إن شعر بقوته حتى انقاد لتيار المؤامرات. فأعلن تمرده على (خير الدين) وانضم إلى الحفصيين ملوك تونس معتمدا على ما يقدمونه له من الدعم والتأييد. وأسرع (خير الدين) فقاد قواته لقتال (ابن القاضي) وخاض ضده معارك ضارية في جبال زواوة المنيعة الشامخة، واضطر (خير الدين) للتراجع حتى (عنابة) ثم تلقى (ابن القاضي) دعما من السلطان الحفصي بتونس، فطور أعماله القتالية، وأثار سكان الجبال ضد (خير الدين) وتدهور الموقف إلى درجة خطيرة بحيث وجد خير الدين نفسه مرغما على الخروج بنفسه لقتال صديقه القديم. ولم يكن يمتلك من القوى ما يساعده على مجابهة قوات الحفصيين المتحالفة مع ابن القاضي وهكذا فعندما وقعت المعركة في (فليسة أم الليل) وقف خير الدين وليس معه إلا الجنود الأتراك الذين أبيدوا إبادة تامة، ولم ينج خير الدين وبعض رجاله إلا بصعوبة كبيرة، فانسحب بهم إلى قاعدته القديمة (جيجل) ليجد فيها ملاذه الوحيد. وأرسل إلى الجزائر فطلب أسطوله وأسلحته وكنوزه. في حين تابع (ابن القاضي) تقدمه في سهل متيجة (متوجة). وأعمل في القرى تدميرا ونهبا. حتى وصل الجزائر. فجعلها قاعدة له. واستمر في حكم الجزائر مدة ستة أعوام (١٥٢١ - ١٥٢٧). وخلال هذه الفترة، كادت تتفتت تلك الرابطة التي أحكم

стр. 114

(خير الدين) صنعها وشكل منها دولة الجزائر. غير أن حكم (ابن القاضي) تميز بالرعونة والقسوة، مما أثار الفوضى والاضطراب في كل مكان، وكان في ذلك مصرعه. انصرف (خير الدين) لإعادة تنظيم أموره في قاعدته (جيجل) متنقلا ما بينها وبين (جزيرة جربة) وقد أمكن له بما عرف عنه من كفاءة قيادية عالية، وهمة لا تعرف الفتور أو ينال منها التعب. أن يشكل قوة جديدة، وأن يتابع نشاطه البحري بصورة ناجحة. وتعاظمت قدرة جيشه الجديدة. وهنا حددث تحول جديد، إذ وجد عدوه القديم (عبد العزيز ملك قلعة بني عباس) أن من مصلحته التحالف مع (خير الدين) ضد العدو المشترك (ابن القاضي) والذي كان في الأصل هو سبب العداء فيما بينهما. فبرز إلى الميدان من جديد، واسترجع مدينة (القل) وانضمت إليه مدينة (قسنطينة) وجاءته جموع الشعب المجاهد مؤيدة ومناصرة، فسار بها نحو الجزائر. وقاد (الشيخ أحمد بن القاضي) قواته بسرعة، فغادر الجزائر لملاقاة خصمه بين مرتفعات جبال القبائل. والتقت القوتان المتصارعتان عند (ثنية بني عائشة) فدارت الدائرة على (ابن القاضي) وتمزقت قواته حتى لم يبق معه إلا قلة من أنصاره الذين أدركوا ما خسروه من خلال التمزق الذي صنعه قائدهم (ابن القاضي) فقرروا التخلص منه. وجاءت فئة منهم خيمته عند غروب الشمس فقتلوه، وانتهت في سنة (١٥٢٧) تلك الفتنة التي أضعفت الجزائر إلى حد كبير. لم يكن (خير الدين) بعيدا عن مسرح الأحداث، فأسرع بقيادة قواته، متوجها بها إلى الجزائر، حيث استقبلته جماهير الشعب المسلم استقبال الفاتحين. بعد أن عملت بإرادتها على تدمير (أعداء

стр. 115

الداخل). وأقيمت الاحتفالات الضخمة بمناسة هذا النصر. ولم يستمر الصراع طويلا بين الجانبين، إذ عملت القبائل على إعادة توحيد إرادتها من جديد. وجاء (الحسين بن القاضي - شقيق الشيخ أحمد) والذي تولى الإمارة بعد مقتل أخيه، فوضع نفسه تحت تصرف (خير الدين). واستسلم في سنة (١٥٢٩) استسلاما غير مهين تقبله (خير الدين) بالتقدير والاحترام. وانصرف (خير الدين) لتضميد الجراح التي خلفتها الفتنة الهوجاء، وعمل على إعادة تنظيم الدولة، وشكل الجيش وسلحه بطريقة أفضل مما كان عليه في السابق، وحشد أسطوله الضخم في الجزائر بعد أن ضم إليه ما كان قد غنمه في جهاده البحري خلال الفترة السابقة، وما لبثت الجزائر طويلا حتى استردت قوتها، وظهرت من جديد وهي تمتلك كل القدرات الضرورية لمتابعة الجهاد في سبيل الله، حيث توافرت لها إرادة جماهيرية - شعبية - صلبة، وجيش قوي منظم في البر والبحر، وإرادة قيادية صلبة تعرف هدفها وتضطلع بواجبها على أفضل صورة ممكنة. أ - بناء الجزائر والجهاد في البحر كان وجود الحامية الإسبانية في (جزيرة الصخرة - صخرة الجزائر) أمر يتناقض مع ما تتطلبه مدينة الجزائر من (الأمن). فقرر (خير الدين) بعد أن تم له تنظيم الأمور العمل على تحريرها. وهكذا أخذت المدفعية الجزائرية بقذف قنابلها الحديدية من مرابضها التي تم تشييدها على مسافة مائتي متر فقط من جدران المعقل الإسباني، وذلك في شهر رمضان ٩٣٦ هـ (٦ أيار - مايو - ١٥٢٩). وأمر (خير الدين) بتجهيز كل السفن الحربية وشحنها بالرجال والعتاد، وأذاع في

стр. 116

كل مكان أنه سيبحر إلى السواحل الإسبانية من أجل الغزو والجهاد. وخرجت السفن فعلا من وراء صخور الجزائر، وأخذت طريقها نحو الشمال، لكن تلك السفن عادت أدراجها تحت جنح الظلام، واختبأت في مرفأ (نتغوس) المقابل للجزائر على الطرف الآخر من الخليج. وكان معقل الصخرة حصينا جدا، وقد بذل الإسبانيون جهدا كبيرا لتحصينه وزيادة قوته، وأقاموا فيه مستودعات ضخمة من الأسلحة والأعتدة والمواد التموينية حتى تتمكن حاميته من الدفاع عنه لمدة طويلة. لم تتمكن الرمايات الأولى من الأثر كثيرا على تحصينات العقل وأسراره، وفي يوم الخميس ٢٢ أيار (مايو) فتحت بطاريات المدفعية الجزائرية المتمركزة في المدينة نيرانها بكثافة عالية. واستمر القصف طوال يوم الخميس وليل الجمعة بكاملها حتى الفجر، ثم صمتت المدفعية. وظن أفراد الحامية الإسبانية أن العملية قد انتهت، وأنه باستطاعتهم أخد قسط من الراحة، وفي تلك الفترة بالذات كان الأسطول الجزائري يخترق الخليج من ناحية. (تاما - نتغوس) تتقدمها تلك السفينة الضخمة التي كان خير الدين قد غنمها من (البنادقة - دولة البندقية) وشحنها بالسلاح والرجال. وأحاطت السفن بالجزيرة من الشرق والغرب. وعندما تنبه الحرس والمراقبون في القلعة لحركة القوات الإسلامية، وأطلقوا النفير لاستنفار القوات، كان الوقت متأخرا جدا. إذ ما لبث المجاهدون حتى غادروا سفنهم وقاموا بالإنزال فوق أرض المعقل، وهاجموا الحصن يإغارة مباغتة وتمكنوا من اقتحامه. دارت بعد ذلك معركة قصيرة وحاسمة، سقط فيها (٦٥)

стр. 117

مقاتلا من الإسبانيين، وأنصارهم وخسرت قوات المسلمين (١١) تركيا و (٣٥) عربيا. وأسر المسلمون من الإسبانيين (٩٠) جنديا و (٢٠) من النساء والأطفال. وكان قائد معقل الصخرة (مارتينودي فاركاس) بين الأسرى. وقد حاول التستر على المخبأ الذي أودع فيه مقدارا من المال، فتعرض للتعذيب حتى استخرج الأموال التي بلغت ألفي دوقة (٤٨) ألف دينار جزائري. ثم جعلوه بعد ذلك على بقية الأسرى، الذين كلفوا ببناء منارة مسجد خير الدين، الذي كان قد بدىء ببنائه في العاصمة الجزائر. وقسم (خير الدين) الأسرى إلى قسمين تم تكليف القسم الأول بتدمير التحصينات التي أقامها الإسبانيون في جزيرة الصخرة (أبنيون) فيما تم تكليف القسم الثاني ببناء المسجد ورفع مئذنته. وما كادت هذه العملية تتم حتى ظهرت في الأفق سفينة إسبانية ضخمة تحمل على ظهرها قوة تتكون من سبعمائة محارب علاوة على الأسلحة والإمدادات المختلفة. وكانت أبراج الحراسة الجزائرية تتابع - بالمناظير المقربة - تحرك هذه السفينة وهي تقترب من معقل الصخرة. ولم تلبث سفن المجاهدين أن انقضت عليها وأسرتها، واقتادتها إلى ميناء الجزائر. وقرر (خير الدين) تحصين الجزائر، فأمر جماعة الأسرى بنقل الصخور والحجارة التي تراكمت من أنقاض معقل الصخرة، وذلك لوصل البر بجزيرة اصطفلة تحت اشراف معلمي البناء الجزائريين. كما أرسل السفن إلى الجهة القابلة نحو الخليج عند مرفأ (تامانتغوس) فجاءته بصخور رومانية قديمة لإكمال العمل. وبذلك أمكن بناء

стр. 118

الأسطول الجزائري يعود بالغنائم

стр. 119

الجسر العريض الذي لا يزال يحمل حتى اليوم اسم (جسر خير الدين) والذي وصل بين الجزر العشرين بعضها ببعض ببناء دائري متين، ليست فيه إلا فتحة واحدة (١) وهكذا تم إنشاء مرسى مدينة الجزائر العتيق (الذي يعرف اليوم باسم - الجفنة) والذي أصبح مقرا للأسطول الجزائري يحميه من العواصف التي تحملها رياح الغرب. وما إن حقق خير الدين انتصاره العظيم بتحرير جزيرة (أبنيون) حتى أعلن: (أن من كان يؤمن بالله ورسوله، ويريد الجنة في الدار الآخرة، فعليه أن ينضم إلى جيشه بكل سرعة، وذلك لمهاجمة وهران والمرسى الكبير). وانصرف الأسطول الإسلامي أثناء ذلك للجهاد في البحر، وكان الأسطول الجزائري يشمل (١٥) سفينة من نوع (القالير) وقد ألقى الرعب والهلع في قلوب سكان السواحل

стр. 120

الإسبانية، إذ أمعن فيهم حربا وتدميرا وسبيا إلى درجة أن السكان تركوا قراهم وهجروها والتجأوا إلى داخل البلاد. ومقابل ذلك، كانت بقايا المسلمين الأندلسيين تشعر بالبهجة لهذه الانتصارات التي بعثت الأمل في نفوسهم، وعرضت عليهم بعض ما يلقونه من قهر واضطهاد. وتلقى قائد الأسطول الإسباني وفي سنة (١٥٣٠ م) أمرا إمبراطوريا بأن يتقدم لمهاجمة الأسطول الإسلامي وتدميره. فاستعد الأميرال (أفريدريكو بور - توندو) للحملة الصليبية الجديدة. وانطلق بقوة (١٢) سفينة حربية ضخمة لمطاردة أسطول (خير الدين) إلى أن وجده بين جزيرتين من جزر الباليئار. وظن الأميرال الإسباني أن الموقف لمصلحته، فهاجم الأسطول الجزائري بقوة وعنف، وقذفه بنيران مدافعه. غير أن الأسطول الإسلامي تلقى الصدمة بثبات، ووجه (خير الدين) على الفور هجوما مضادا ركزه على سفينة القيادة الإسبانية. وقاد (خير الدين) سفينته بنفسه، وانطلق بها كالسهم حتى وقف بمحاذاة الهدف، وقفز المجاهدون على ظهر السفينة الضخمة وسيوفهم تلتمع في أيديهم. ودارت معركة عنيفة قتل خلالها قائد الأسطول الإسباني وقسم كبير من أفراد سفينته، ووجه (خير الدين) هذه السفينة نحو بقية سفن الأسطول الإسباني، واستمرت الهجمات السريعة، فتم أسر بعض السفن الإسبانية وحرق بعضها الآخر وإغراق عدد منها. وانتهت معركة اليوم بتدمير الأسطول الإسباني تدميرا كاملا بحيث لم تنج منه إلا سفينة واحدة استطاعت الفرار لإعلام قيادتها عن المجزرة الرهيبة التي قضت على الأسطول. وانسحب الأسطول الجزائري بعد أن ضم إليه الغنائم والأسلاب التي كسبها من المعركة.

стр. 121

أثارت معركة جزر الباليئار مناخا من الفزع الذي تجاوز حدود إسبانيا. فبادر (شارلكان) إلى معالجة الموقف بحزم. وعمل على إعادة تنظيم أسطوله وأسند قيادته إلى ضابط مغامر كان قد اكتسب شهرة واسعة في قيادته للأساطيل البحرية وممارسة أعمال القرصنة. وكان هذا الضابط هو (الأميرال اندريا دوريا) (١) الذي كان يعتبر باستمرار أن (خير الدين) هو عدوه اللدود. انصرف (أندريا دوريا) إلى مدينة جنوة من أجل تنظيم أسطوله، وأمضى سنة (١٥٣٠) في الاستعداد لحملته الضخمة القادمة. ثم غادر المرسى الإيطالي الكبير في تموز (يوليو) سنة (١٥٣١) على رأس أسطول يضم عشرين سفينة تحمل ألفا وخمسمائة من المقاتلين الأشداء، وسار بهم نحو الساحل الجزائري وقد حدد هدفه بتدمير الأسطول الإسلامي كمرحلة أولى، ثم الانطلاق من مركز بجاية في الشرق ومركز وهران والمرسى الكبير في الغرب لخنق الدولة الجزائرية، ووضع المغرب العربي الإسلامي بكامله تحت الحكم الكاثوليكي - الإسباني.

стр. 122

كان (خير الدين) يتابع جهود عدوه (أندريا دوريا) باستمرار، وعندما علم باقتراب ركوبه البحر جمع أسطوله الذي كان يضم أربعين سفينة، وحشد قواته، واستنفر الحاميات، وأخذ في الاستعداد للمعركة. غير أنه كان يجهل محور تحرك الأسطول المسيحي بقدر جهله لما كان يعتزم خصمه تنفيذه. ولم يبق أمامه إلا الانتظار ريثما يحدد لمكان الذي يختاره عدوه مسرحا لعملياته. حدد (أندريا دوريا) مدينة شرشال هدفا مباشرا لهجومه، وكان يعرف أن حامية هذه المدينة مكونة من أبنائها مع عدد محدود من الأتراك العثمانيين. وكانت هذه الحامية ضعيفة بالمقارنة مع قوة أسطوله حتى لو انضم لدعمها المجاهدون من القرى والمراكز المجاورة وإنها والحالة هذه لا تستطيع الصمود لفترة طويلة. بحيث أنه يستطيع إذا ما تم له احتلالها، الاستقرار فيها وتنظيم حامية قوية فيها للدفاع عن قلعتها، وبذلك يصبح (خير الدين) عاجزا عن مهاجته أو إخراجه من هذه القاعدة. وكانت مدينة شرشال يومئذ مركزا من أكبر مراكز الدولة الجزائرية الحديثة وقد عرف (عروج) أهمية موقعها الممتاز فعمل على تحصينها، وشيد فيها قلعة قوية، وأقيم فيها مصنع لتأمين متطلبات الجيش الإسلامي وإمداده بالأعتدة والمواد التموينية، كما أقيم فيها مصنع للأخشابب يعتمد على غابات (الونشريس) والغابات الكثيفة التي كانت قريبة منها , وكانت شرشال بحكم موقعها الطبيعي - وهي لا تبعد عن مدينة الجزائر الواقعة إلى شرقها مسافة إلا ١٢٠ كيلومترا، ووهران الواقعة إلى غربيها - تشكل تهديدا مباشرا للجزائر إذا ما أمكن للأسطول الإسباني احتلالها تمهيدا لعملياته التالية.

стр. 123

استيقظت الحامية الإسلامية المدافعة عن (شرشال) فإذا بالأسطول الإسباني يتقدم من الأفق ويقترب بسرعة نحو مدينتهم، فاجتمع القادة على عجل، وتقرر إخلاء البلدة من سكانها على الفور، وحشد كل القوى في القلعة للدفاع عنها، واستنزاف قدرة العدو لأطول مدة ممكنة ريثما يصل الدعم من الجزائر ومن داخل البلاد. أنزل (اندريا دوريا) قواته على أرض شرشال بدون مقاومة تذكر، وركزت الحامية الإسلامية ومن معها من المجاهدين في معقل القصبة، وأخذوا في متابعة تحركات العدو بيقظة وحذر. وبادر الإسبانيون بالبحث عمن بشرشال من أسرى النصارى، وكانوا نحوا من ثمانمائة، فوجدوا مخابئهم وأخرجوهم، وضموهم إلى الجيش، وعمل هؤلاء الأسرى كأدلاء نظرا لمعرفتهم بديار كبار القوم وبالأماكن التي تضم مخابىء الأموال ونفائس الذخائر، وانتشر الجيش الإسباني وراء الأسرى، وتحول إلى عصابات للنهب والسلب. وأخذت زمر منه في التوغل إلى داخل الديار حتى وصل بعضهم إلى الحدائق والمزارع المحيطة بالبلدة. وأيقنت القيادة الإسلامية ساعتئذ أنه بات بالإمكان الانتصار على هذه الفرق الممزقة بعزل بعضها عن بعض وتدمير كل قوة منها على حدة. ففتحوا أبواب القلعة، واندفعوا وهم يرددون صيحة حرب المسلمين (الله أكبر) وأحاطوا بالعدو من كل جانب، وحالوا بين تجمع هذه الفرق والتقاء بعضها مع بعض، كما حالوا بينها وبين البحر، في حين كانت مدفعية القلعة تقذف قطع الأسطول الإسباني بنيرانها وقذائفها. فاختل نظام العدو، وسادت الفوضى والاضطرابات في صفوفه، فيما كانت نيران الجزائريين وسيوفهم تدمر قوة الغزاة، بحيث لم تغرب شمس ذلك اليوم حتى

стр. 124

انتشرت فوق أرض شرشال جثث ألف وأربعمائة من الإسبانيين، بالإضافة إلى ستمائة أسير وقعوا في قبضة المجاهدين. ولم يتمكن من الوصول إلى السفن أكثر من ثلاثمائة رجل من بقايا القوة الإسبانية ومن الأسرى الذين تمكنوا من النجاة. ووقف (أندريا دوريا) ذاهلا أمام قوة هذه الصدمة، وتلكأ في الرحيل عن شرشال وهو لا يدري إلى أين يتجه ولا ماذا يعمل. وعندها وصله إنذار باقتراب أسطول الجزائر مسرعا تحت قيادة (خير الدين)، وعرف (دوريا) أنه لا قبل له بمنازله خصمه في مثل هذه الظروف فقرر مغادرة أرض المعركة بسرعة لحماية ما بقي لديه من القوة. وعندما وصل خير الدين إلى شرشال وعرف نتيجة المعركة، انطلق بأسطوله لمطاردة خصمه، الذي كان أسرع منه في التحرك فلم يتمكن من اللحاق به. غير أن هذه المطاردة لم تكن محرومة من الثمار. إذ عثر خير الدين على سفينتين إسبانيتين كانتا محملتين بالأعتدة والمواد التموينية، فاستولى عليهما واقتادهما. ترددت أصداء هذا الانتصار بقوه وانعكست على مختلف دوائر الصراع بأشكال مختلفة. فقد أصبح الشعب في الجزائر أكثر ثقة بقدراته وإمكاناته، وباتت الجماهير الخاضعة لحكم (بني زيان) في تلمسان تنتظر لحظة تحررها للانضمام إلى مسيرة المجاهدين في سبيل الله. وأصبحت الإمبراطورية العثمانية أكثر استعدادا لدعم (خير الدين) من أجل طرد أعداء الدين من المغرب العربي الإسلامي. وأصبحت الملكة الإسبانية وإمبراطورها شارلكان أكثر تصميما على تجهيز حملة قوية يتم بواسطتها التعويض عن الهزائم

стр. 125

السابقة. والتي نالت من هيبة الإمبراطورية التي فرضت ذاتها على زعامة الغرب لقيادة الحرب ضد المسلمين. ونتج عن ذلك تعرض المسلمين في الأندلس لمزيد من القهر والاضطهاد بعد أن تجمعوا فوق بقعة محدودة ما بين ساحل البحر وجبال البشرات. فارتفعت أصوات الاستغاثة التي لم يعد باستطاعة خير - الدين تجاهلها أو التنكر لها، لا سيما وأنه تولى إنقاذ المسلمين في الأندلس وساعدتم يوم لم يكن يمتلك إلا إمكانات محدودة، فكيف به وهو يمتلك اليوم إمكانات أرهبت أكبر دولة أوروبية. وهكذا مضى (خير الدين) ومعه (٣٦) سفينة حتى بلغ السواحل الإسبانية التي التجأ إليها المسلمون، ولم يجرأ الأسطول الإسباني التعرض لأسطول (خير الدين) فأخذ هذا على سفنه أكبر عدد من الراغبين في الحفاظ على دينهم وكرامتهم. وكان يترك أكبر عدد من بحارته الجزائريين فوق الأرض الأندلسيين حتى يحمل مقابلهم عددا من النازحين. حتى إذا ما أوصلهم إلى الجزائر، عاد إلى إسبانيا ليأتي بغيرهم، وكرر غدوه ورواحه بين الساحلين سبع مرات متوالية حتى تمكن من إنقاذ سبعين ألفا من رجال الأندلس ونسائهم وأطفالهم، واشتد بهؤلاء ساعد المسلمين الذين نزلوا بمدينة الجزائر وسهل متيجة (متوجة) وعمروا مدنا مثل البليدة ودلس وأدخلوا إلى البلاد بقايا حضارتهم العريقة وصناعتهم وفنونهم وخبراتهم المختلفة. عمل (خير الدين) بعد ذلك على تطوير صراعه، فاتخذ من جزائر (هيار) (١) الأندلسية قاعدة لعملياته في غرب المتوسط والمحيط

стр. 126

الأطلسي، حيث كانت السفن الإسبانية والبرتغالية تحمل وهي عائدة من أمريكا الجنوبية، ذهب الهنود الحمر وثرواتهم. فركز خير الدين وقادته جهودهم لحرمان إسبانيا من هذه الثروة ووضعها في خدمة المسلمين ليتقووا بها على أعدائهم. وجمع (خير الدين) حوله نخبة من الرجال جعلهم هيئة قيادته، ومنهم ابنه (حسان خير الدين) و (طورغود رايس) و (صالح رايس - موحد الأرض الجزائرية فيما بعد) و (سنان منقذ تونس فيما بعد أيضا) و (محمد حسن آغا) (١) الذي جعله ناشبا عنه أثناء غيابه عن الجزائر. واشتدت الحرب الصليبية ضراوة بين الإمبراطورية العثمانية وأوروبا التي تتزعمها الإمبراطورية الإسبانية. وتبع ذلك تصعيد في الصراع البحري الذي تولى قيادته (أندريا دوريا). ورد السلطان سليمان على ذلك بتعيين (خير الدين) أميرا عاما على البحر (قبودان باشا) مع بقائه على رأس دولة الجزائر. ب - خير الدين - أميرا عاما للأسطول العثماني كان لا بد للأمير (خير الدين) من التوجه إلى عاصمة

стр. 127

الإمبراطورية العثمانية، فخلف نائبه (محمد حسن آغا) على ولاية الجزائر. وسار توا نحو (إستانبول) على رأس جزء من الأسطول يتكون من عشرين سفينة وهناك، في دار الخلافة والسلطنة، استقبل السلطان سليمان القانوني أمير بحره (خير الدين) استقبالا يليق بأفضل المجاهدين وأكبر قادة المسلمين. ولم يغادر (خير الدين) عاصمة الإمبراطورية، إلا وقد تولى لأول مرة قيادة أسطول ضخم يتكون من ثمانين سفينة، علاوة على سفن الأسطول الجزائري وبات بإمكان (خير الدين) مجابهة التحديات المتعاظمة للأسطول الصليبي - الإسباني. ومن جهة أخرى أخذت الأمور في التدهور بسبب سوء إدارة الحفصيين (بتونس) , وكان الملك قد انتهى فيها إلى (السلطان محمد) الذي خلف أباه (محمد بن الحسن) على العرش الحفصي، والذي وصفته المصادر التاريخية بما يلي: (كان محمد بن الحسن مشتغلا باللهو والخمر، مهملا لأمور الملك، وترك خمسة وأربعين ذكرا. خلفه منهم الحسن، فقتل إخوته، ولم ينج منهم إلا (الرشيد وعبد المؤمن) لغيبتهما، واشتغل - مثل أبيه - بالخمور والفجور، وجمع حوله أكثر من أربعمائة غلام أمرد. فمالت عنه الأمة إلى الرشيد. ولجأ الرشيد إلى خير الدين صاحب الجزائر، واستعان به على حرب أخيه , وما كاد السلطان يطلع على حقيقة الحالة (بتونس) ويدرك أن هذه المدينة التي انحصر فيها ملك بني حفص، هي نقطة الضعف في التنظيم الإسلامي الجديد، وأن العدو يوشك أن ينقض عليها ليستخدمها مع طرابلس، لضرب هذا الجهاز ومحاولة تقويضه، حتى أمر خير الدين بالسير توا نحو تونس، وإبعاد هذه الأدران عنها). وصل الأسطول

стр. 128

العثماني الذي تولى قيادته خير الدين إلى عنابة في شهر آب - أغسطس - (١٥٣٣م) وأخذ منها دعما جاءه به نائبه (حسن آغا) ثم تقدم نحو (بنزرت) برا، ونحو (حلق الوادي) بحرا، فتمكن منهما بدون عناء، ووقف على أسوار مدينة (تونس) ففتحت له أبوابها، واستقبله أهلها اسقبالا رائعا عبر فيه الأهالي عن تطلعاتهم وآمالهم. وجمع (خير الدين) حوله الأعراب الذين انساقوا في تيار الفوضى وإثارة الفتن ووحدهم في تيار الجهاد. كما كتب إلى الأعراب وحذرهم سوء عاقبة الفتنة في الإسلام. وأجابوه إلى ذلك، غير أنهم اشترطوا عليه الإبقاء في أيديهم على ما أعطاه لهم بنو حفص من الإقطاعات، فالتزم لهم بذلك، واشترط عليهم، أن يكون مشتاهم بالصحراء. وأن يكفوا اليد العادية ثم بعث إلى نائبه بالجزائر في إرسال عسكر وأربعمائة فارس، ولما وصلوا وزعهم بالجهات، لما رأى من حال أمر المملكة. أثناء ذلك، كان سلطان تونس السابق (الحسن بن محمد) قد وجد طريق النجاة، فهرب متنقلا من بلد إلى آخر حتى انتهى به المطاف إلى إسبانيا، وقابل الإمبراطور شارلكان، واستثاره لحرب قومه، ولم تكن هناك حاجة لمثل هذه الاستثارة، إذ كان (شارلكان) قد أعد عدته لقيادة حملة قوية ضد المغرب الإسلامي، غير أنه وجد في شخص (الحسن بن محمد) أداة جيدة يمكن استخدامها لتنفيذ مخططه. قاد (شارلكان) قواته، وأبحر من مدينة برشلونة يوم ٣١ أيار - مايو - سنة ١٥٣٥م. وقد تولى قيادة حملة صليبية حقيقية تضم (٣٠) ألفا من المقاتلين الأشداء حملتهم (٥٠٠) سفينة شراعية. ووصل هذا الأسطول إلى مواجهة (قرطاجنة) وسواحل مدينة (تونس) في يوم ١٦ حزيران (يونيو).

стр. 129

ولم تكن القوة التي يقودها (خير الدين) كافية لإيقاف هذه الحملة الضخمة، إذ لم يكن الجيش الإسلامي يضم أكثر من سبعة آلاف من الأتراك وخمسة آلاف من التونسيين، وتخلف الأعراب عن الجهاد، فكانت النتيجة الحتمية هي استيلاء (شارلكان) على معقل (حلق الوادي) وهو مرسى مدينة تونس. واستعد لمهاجمة العاصمة الحفصية، يتقدم صفوفه بصفة رمزية (الحسن بن محمد) الذي كان قد أبرم مع صاحبه (شارلكان) معاهدة رهيبة خان فيها قومه ودينه. وتقدم الجيش الإسباني نحو مدينة تونس. وفي نفس تلك الساعة، وقع بتونس الحدث الذي عجل بالانهيار، والذي كان السبب المباشر للكارثة العظمى، ذلك هو انتفاض عشرة آلاف أسير نصراني كانوا محبوسين في العاصمة الحفصية. فعندما خلت المدينة من الجيش الذي تقدم لقتال العدو، وجد هؤلاء الأسرى فرصتهم السانحة، فخرجوا من معتقلهم، ونظموا صفوفهم. ثم هاجموا معقل القصبة الذي لم يكن به من الحرس إلا القليل. فتمكنوا منه، ووجهوا مدافعه في اتجاه جيش المسلمين، الذي وقع بين نارين، وأوصدوا أبواب المدينة وأقاموا عليه الحراسة، ليمنعوا خير الدين وجيشه من الرجوع إليها والتحصن لمقاومة شارلكان ريثما تصل قوات الدعم. وشعر (خير الدين) بالخطر من قبل أن يغادر مدينة تونس، وكان قد اتخذ قراره بإبادة هؤلاء الأسرى غير أن سرعة تقدم (شارلكان) أعاقته عن تنفيذ ما قرره. وهكذا خرج خير الدين للقاء الحملة الصليبية فاستولى على (برج العيون) ثم رجع بمن معه إلى المدينة، فاضطرب عليه أهلها، بعضهم تمسك بطاعته، وبعضهم انحرف عنه وانضم إلى السلطان أبي حفص، فجمع أعيان الناس، وتحدث إليهم، فاختلفوا عليه، فتركهم وخرج بمن معه إلى الحرب. وأبلى خير الدين

стр. 130

في ذلك اليوم البلاء الحسن. غير أنه لم يتمكن من الصمود طويلا، واضطر إلى الانسحاب إلى (القصبة) , ودخل السلطان الحفصي - الحسن - إلى تونس في مقدمة الجيش الصليبي. ولقيهم الأعراب بالمقاومة، فقاتلهم قائد الجيش الصليبي - الصبنيول - ودخل السلطان القصبة، ووعد أهلها بالأمان، وهو لا يملك حق إعطاء الأمان بعد أن تعهد للصبنيول بالموافقة على شرطه وهو استباحة البلاد لمدة ثلاثة أيام. وما إن أمن الناس، وخرجوا من معاقلهم، وتخلوا عن أسلحتهم وانصرفوا إلى أعمالهم ومتاجرهم، حتى باغتتهم القوات الإسبانية، وأعملت فيهم قتلا وبمتاجرهم نهبا وببيوتم سبيا. وفر إلى (زغوان) من استطاع أن يجد الفرصة للفرار بنفسه وبأهله. وانتهت هذه المذبحة الرهيبة بإبادة ثلث أهل تونس ونجاة الثلث ووقوع الثلث في قبضة الأسر والمأسور يفتدي نفسه إن كان له مال. وبلغت الفدية ألف دينار، وتغيرت البلاد وطمست أعلامها وكانت هذه النكبة التي تعرضت لها تونس في سنة ٩٤١ هـ (١٥٣٥ م) هي أقسى ما عرفته في حياتها من نكبات وكوارث، إذ أن عدد القتل من سكان تونس خلال الأيام الرهيبة الثلاثة قد بلغ سبعين ألفا. ونهبت خلال ذلك ثروات المدينة وكنوزها ونفائسها وأموالها وما تراكم فيها عبر مئات السنين بفضل ما عرف عن أهلها من الجهد والنشاط. وأضيفت إلى قائمة الكوارث التي تعرضت لها المدن الإسلامية (مثل بغداد على أيدي التتار والقدس على أيدي الفرنج الصليبيين) كارثة جديدة عرفت (بكارثة تونس). لقد استمرت معركة تونس ٣٦ يوما، مما يؤكد قسوة الصراع وعنفه، فقد نزل الإسبان فوق أرض تونس يوم ١٦ حزيران - يونيو -

стр. 131

واحتلوا حلق الوادي يوم ١٤ تمرز - يوليو - أي بعد شهر تقريبا. واحتلوا تونس ونكبوها يوم ٢١ تموز - يوليو - وقد حاول (شارلكان) التخفيف من وقع المذبحة، وإلقاء تبعاتها على أهل تونس، فكتب إلى عميله حاكم مدينة (بجاية) رسالة يوم ٢٣ تموز (يوليو ١٥٣٥ يقول فيها: (ولكن، ربما أن سكان مدينة تونس لم يقابلوا ملكهم قبولا حسنا، كما يستحق، وكما هو واجبهم، فقد رأينا أن نأمر بنهب المدينة، انتقاما منهم على سوء سلوكهم). استقر السلطان (الحسن بن محمد) على عرش تونس، فوق أشلاء أمته الممزقه وعلى جثث الضحايا من رجال قومه ونسائهم وأطفالهم. وعقد مع الإسبانيين معاهدة نصت على ما يلي: ١ - اعتراف الدولة الحفصية بتبعيتها للدولة الإسبانية. ٢ - ملكية الإسبانيين ملكية مطلقة لمرسى (حلق الوادي) و (قرطاجنة) و (مدينة عنابة) و (مدينة المهدية). ٣ - إلتزام السلطان بألا يدخل بلاده أحدا من مهاجري الأندلس، يهوديا كان أو مسلما. وانسحب (شارلكان) بأسطوله ومعظم جيشه إلى قاعدقه في صقلية. وعاد (خير الدين) إلى قاعدته الأساسية (في الجزائر) بعد أن عانى وقواته من الجوع والظمأ والحر. واستقر حينا بمدينة (قسنطينة). واستقبل أهل الجزائر رجوعه بالبهجة. وانصرف (خير الدين) لإعادة تنظيم قواته من أجل استئناف الجهاد ضد الإسبانيين، لا سيما وقد ظهر بوضوح أن (شارلكان) قد صمم على تدمير دولة الجزائر مهما بلغ الثمن وقد تبين أن مخطط (شارلكان) يعتمد على انتقاص حدود

стр. 132

الجزائر بصورة تدريجية قبل الانقضاض على قلبها (عاصمتها). ومن أجل ذلك، فقد قام بالاستيلاء على (مرسى هنين) ومدينتها. كانت مدينة (هنين) هي المرسى الطبيعي لعاصمة تلمسان، نظرا لقرب المسافة بينهما، إذ تقع داخل جون حسن، في منتصف الطريق بين (بني صاف) و (جامع الغزوات) وبينهما وبين تلمسان - على خط مستقيم - مسافة (٤٥) كيلومترا , وكان ملك (تلمسان) قد أرسل مددا لمرسى هنين عندما قام الإسبانيون باحتلال مدينة (وهران) في سنة ١٥٠٩.وقام بتحصينها وتنظيم الدفاع عنها نظرا لما لها من أهمية اقتصادية باعتبارها مركز المبادلات التجارية مع أوروبا بصورة عامة ومع بلاد البندقية بصورة خاصة. ووجه الإمبراطور (شارلكان) أمرا إلى قائده (دون الفارو دوبازان) في شهر آب (أغسطس) سنة ١٥٣١، باحتلال مدينة (هنين) ومهاجتها بقوة. ولم يتأخر (دوبازان) عن تنفيذ الأمر، فركب وجيشه البحر على متن ١١ سفينة حربية بالإضافة إلى سفينتين ناقلتين للجنود، وأخذ معه أعتدة وموادا تموينية تكفيه لمدة شهرين. وخرج - من مالقة في شهر آب (أغسطس). ثم حل بمدينة وهران حيث انضمت لقوته مجموعة من المقاتلين تتكون من (٢٥٠) جنديا، وغادرها يوم (عيد سان برتلمي - في ٢٤ آب - أغسطس) ووصل إلى مدينة هنين يوم ٨ أيلول - سبتمبر - سنة ١٥٣١. ودخل الأسطول الإسباني المرسى واحتل المدينة والقصبة. لم تكن المدينة تتوقع هذا الهجوم المباغت، ولم تكن قوة الحامية متمركزة في مواقعها عندما وقع العدوان وعلى الرغم من ذلك فقد قاوم المواطنون عملية الغزو وقتلوا (٤٠) إسبانيا، بالإضافة إلى مائة

стр. 133

جريح. وكتب راهب - أسقف - طليطلة إلى الإمبراطور - مبشرا بالفتح، وكان في رسالته ما يلي: (أكد لنا الدين يعرفون البلاد، أن لمدينة هنين ومرساها أهمية بالغة، فهنين بلدة محصنة ذات أسوار منيعة، ولها قلعة عظيمة، ولا تبعد عن تلمسان أكثر من (١٢) مرحلة، وهذا أمر له أهميته العظمى بالنسبة للحركة التجارية التي يمكن أن نتداولها مع العرب، كما أن امتلاكنا لمدينة هنين يساعدنا بصورة خاصة على إبقاء ملك تلمسان تحت قبضة أيدينا، فهو لن يفكر في مهاجمتنا عندما يرانا قد تمكنا من البلاد داخل حدودنا الجديدة وتحصنا بها). اما الدكتور لبربخا ممثل الإمبراطور بوهران فقد كتب لسيده يوم ٢ أيلول - سبتمبر - ١٥٣١ ما يلي: (أعتقد أن احتلالنا لمرسى هنين إنما هو حدث عظيم جدا، ذلك أننا باستقرارنا وبتمكننا من هذه البلدة، نستطيع أن نعاقب ملك تلمسان، ونجبره على القيام بتعهداته، ذلك أن الطريق من هنين إلى تلمسان، أقرب وأضمن من طريق وهران والمرسى الكبير، ونستطيع من هذه البلدة، دون كبير عناء، أن ندخل مدينة تلمسان، وأن نأخذ من مولاي عبد الله أحسن ممتلكاته (١)).

стр. 134

أراد (شارلكان) استثمار الظفر الذي أحرزه في تونس، وتنفيذ شروط معاهدته مع عميله (الملك الحسن بن محمد) والإفادة من حالة العطالة التي تعرض لها خير الدين بعد معركة تونس، فأصدر أمره إلى قائد حملته (المركيز دي مونديخار) بالاستيلاء على مدينة (عنابة) بونة، والتي كانت تابعة بصورة اسمية للسلطان الحفصي في تونس. وهكذا تحرك الأسطول الإسباني في شهر آب أغسطس - نحو عنابة. ووصلها، وقام باحتلالها، وأرسل قائد الحملة إلى الإمبراطور تقريره عن نجاحه في تنفيذ مهمته وذلك في يوم ٢٩ آب - أغسطس - ١٥٣٥. وتضمن التقرير ما يلي: (كان البحر هادئا، إنما كانت الرياح معارضة، فلم يصل الأسطول إلا بعد خمسة أيام إلى عنابة، وكان - دون الفارو دي بازان - قد سبقنا إليها مع الناقلات، وما كاد يصل حتى تلقى بعض ضربات المدفعية مما يدل على أن السكان قد صمموا على الدفاع. وأنزلنا الجند، ثم شكلنا كتيبتين وأرسلناهما لمهاجمة القصر , ولم يكن العرب ينتظرون هجومنا عليه، فبادروا بالتخلي عنه. ولم نفعل ذلك اليوم شيئا آخر. فاكتفينا باحتلال القصبة والمدينة. أما الناقلات التي منعتها مدافع العدو من الاقتراب، فإنها قد دخلت المرسى، وانصرفنا خلال الأيام الثلاثة التالية إلى إنزال المدفعية والذخائر والمؤن إلى البر، وبعد دراسة وضع المدينة والقلعة، تأكدنا أنه يجب احتلالها معا وفي وقت واحد. لأن الجند الذي يحتل القلعة لا يتمكن بسهولة من نجدة العرب الذين يحتلون المدينة ويدافعون عنها، ويجب علينا أن لا تترك العرب يدخلون المدينة إلا بعد التصريح لهم بذلك. فإذا دخلوها فيجب ألا يجدوها خالية من قواتنا لأنهم في هذه الحالة قد يفكرون

стр. 135

بالعودة إليها، أو أن يدخلها عرب آخرون مكانهمم ويتصرفون فيها بصفة تجعلها غير صالحة للسكنى - ولقد تركت (٢٠٠) جندي بالقصر، و (٦٠٠) جندي بالمدينة، وإذا ما رأينا السماح للعرب بسكنى المدينة من جديد، فعلينا أن نقيم حصنا قوق المرتفع الذي يعلو المرسى، حتى نستطيع نجدة جند القصر). لم يكن باستطاعة (خير الدين) وهو يتابع شراسة الهجمة الصليبية، الوقوف في حالة من العطالة أو الجمود، فقرر توجيه ضربة للإسبانيين في قواعدهم، ووقع اختياره على مدينة (ماهون) عاصمة جزائر الباليئار، والمدينة الأولى في جزيرة (مينورقة). قاد (خير الدين) أسطوله بكفاءة، حتى إذا ما وصل إلى (ماهون) قام باحتلالها، غير أنه تجنب سفك الدماء، ولم يفعل ما فعله الإسبانيون في تونس. واكتفى باستحواذ كل ما ضمته المدينة من الثروات. وعاد بها إلى الجزائر، حيث تم توزيعها على المجاهدين بعد تخصيص الخمس (لبيت مال المسلمين) أما الأسرى الذين اقتادهم (خير الدين) من جزيرة (مينورقة) وعددهم ستة آلاف نسمة فقد احتفظ بهم في الجزائر. كان من أثر هذه الإغارة الانتقامية أن تناقصت أهمية انتصارات الإسبانيين في المغرب الإسلامي وأخذت الشكوك في التعاظم حول أهمية ما تبذله القوات الصليبية طالما أن التهديد الذي تمثله الجزائر لا زال قائما، وطالما أن الخطر الذي يمثله (خير الدين) لا زال مستمرا. وترددت أصداء انتصار (خير الدين) - كالعادة - وبصورة متضادة في العاصمتين المتصارعتين (استانبول - و - مدريد) حيث كان الصراع قد وصل ذروته على كافة الجبهات، الأمر الذي دفع السلطان سليمان القانوني إلى استدعاء (خير الدين) إلى القسطنطينية لتولي قيادة

стр. 136

الأسطول العثماني. وعندها كلف (خير الدين) نائبه (محمد حسن آغا) بإدارة أمور المملكة الجزائرية وتوجه إلى عاصمة الإمبراطورية العثمانية فوصلها في شهر كانون الأول - ديسمبر ١٥٣٥م. أصبح باستطاعة (خير الدين) وهو في مركزه الجديد، أكثر قدرة وأشد عزيمة لمتابعة الجهاد ضد الإسبانيين وأنصارهم، وقد عمل على إقناع السلطان سليمان بضرورة شن الحرب على البنادقة، وتم له ذلك في سنة ١٥٣٧، وعندها انصرف (خير الدين) إلى إدارة الحرب بكفاءة عاليه بحيث لم تمض أكثر من ثلاث سنوات حتى استطاع تجريد البنادقة من كل ممتلكاتهم في بحر إيجه حتى سواحل كريت (أقريطش) وتينوس وميقونرس. ولكن اهتمامه الأكبر بقي مركزا على (الجزائر) التي أحبته وأحبها، وأخلص لها بقدر ما أخلصت له. ومن أجل ذلك أيد بحماسة بالغة مبدأ التحالف مع ملك فرنسا (فرنسيس الأول) ضد إمبراطور الغرب (شارلكان). غير أن تصعيد الصراع على حدود أوروبا البرية وفي شرق البحر الأبيض المتوسط قوبل بتحولات خطيرة على مسرح المغرب العربي الإسلامي واعتمد (شارلكان) هنا على (أعداء الداخل) أكثر من اعتماده على (القدرة العسكرية) للوصول إلى أهداف (الحرب الصليبية الشاملة). ج - أعداء الداخل في غياب (خير الدين) عرف الإفرنج الصليبيون عامة والإسبانيون الكاثوليكيون منهم بصورة خاصة، أن ضعف المسلمين عامة إنما يكمن داخلهم أكثر مما يكمن في قدراتهم وإمكاناتهم. وقد أثبتت تجاراب الصراع في الحروب طويلة الأمد على جبهتي الشرق والغرب، في الشام والأندلس، أن الانتصارات التي أحرزها الصليبيون لم تكن إلا بسبب تمزق العرب

стр. 137

المسلمين وتشتتهم. ولهذا فقد اعتمد قادة الإفرنج باستمرار على الخداع والتفرقة أكثر من اعتمادهم على قوة السلاح، وإذا ما تم استخدام قوة السلاح، فهو من أجل دعم السلاح الأول وزيادة فاعليته. وهكذا جاء (شارلكان) ليسير على سياسة أسلافه وليعمل على تطويرها، فبث جواسيسه وعملاءه في كل مكان، وأخذ في استثمار التناقضاتة المتوافرة من أجل اقتطاف ثمارها. وقد يكون من الصعب استعراض الأساليب المختلفة والطرائق المتنوعة التي تم استخدامها في هذا المضمار، ولعل الإشارة إلى بعضها كافية لإبراز الملامح العامة لما كان عليه الموقف في تلك الحقبة التاريخية من الصراع على جبهة المغرب العربي الإسلامي. كان محمد السابع (١٥٢٤) بن عبد الله الثاني حاكم تلمسان قد وصل إلى الحكم بدعم الحراب الإسبانية، وثار عليه أخوه عبد الله الذي ناصره جده لأمه عبد الرحمن بن رضوان أحد شيوخ قبيلة بني عامر. ووقف الإسبان خلف الأخوين، يحرضانهما، ويستثيرانهما. وها هو تقرير كتبه الحاكم العام لوهران (بيدرو دي لودي) ورفعه للأسقف بتارخ ٢٠ آب أغسطس - ١٥٣١ وفيه ما يلي: ١ - (يخوض الملك عبد الله حربا ضد أخيه عبد الله، وقد أرسل مولاي عبد الله جيشه لقتال أخيه محمد، ووقعت معركة يقال أن النصر فيها كان لجماعة عبد الله، لكن قائد بني راشد جاء على رأس خمسمائة من الرجال، فاضطر أخو الملك إلى الانسحاب، وجميع عرب المملكة قائمون اليوم: بعضهم مع الملك وبعضهم مع الأمير عبد الله. وأنا أظن أن كل العرب في هذه الناحية الشرقية من المملكة سينضمون إلى الأمير عبد الله إذا ما حل بهذه الساحة. ونرجو أن يقع الأمر على هذا

стр. 138

المنوال، لأن أخا الملك أصبح حليفنا، وبذلك سنمسك بجميع خيوط اللعب ويستطيع صاحب الجلالة - إمبراطور إسبانيا - أن يفيد من الموقف حسب إرادته - وأنا أعتقد أن ذلك ممكنا، إذا ما أخذنا بهذه الطريقة: جلالة الإمبراطور يؤيد عبد الله ويعترف به ملكا، ويسلم إليه قسما مهما من الأراضي التي سننتزعها من قبضة الأتراك. لكننا مع ذلك لا نقوض سلطان ملك تلمسان، ونترك له ما بيده من الأرض. وبهذه الطريقة سيعلن الإثنان سرورهما ورضاهما، وسيكونان معا عونا لنا على محاربة - خير الدين بربروس - إن ملك تلمسان، (مولاي محمد) قد دعا إليه أحد اليهود من هنا - وهران - ولا ريب أنه سيتخذه واسطة للدخول في مفاوضات معنا. أما العرب الذين أرسلهم لنا الأمير محمد، فقد اعتبروا دعوة هذا اليهودي لتلمسان فضيحة، وبذلت جهدي لتهدئة خواطرهم. وهذا ما يحدث غالبا لمن يتعامل مع الطرفين المتصارعين في وقت واحد). ٢ - وجاء في رسالة الدكتور (لبريخا كوريجبدور) من وهران إلى الإمبراطور بتاريخ ٢ أيلول (سبتمبر) ١٥٣١ ما يلي: (أبذل قصارى جهدي لإقناع عرب المملكة - تلمسان - بأن ينضموا إلينا، وأعتقد أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من معاقبة ملك تلمسان على عدم وفائه بعهوده، وعلى عدم سماحه للعرب بأن يبيعونا المؤن كما كانوا يفعلون من قبل. ولقد دخلت في مفاوضات مع الأمير عبد الله، مع حرصي على أن يعرف الملك - مولاي محمد - ذلك بصفة رسمية، حتى يعلم مدى الخسارة التي تلحق به من جراء امتناعه عن خدمة جلالتكم. وقد طلب إلي الملك أن أرسل له شخصا للتفاوض معه منذ خمسة عشر يوما، فبعثت إليه باثنين

стр. 139

من اليهود الحذرين الأذكياء، وهما أفضل من وجدت هنا. وسارت الأمور سيرا حسنا في بداية الأمر، لكن الأحوال ساءت عندما حل بتلمسان مندوب من قبل التركي العظيم (سليمان القانوني) إذ أظهر مولاي محمد عندها الاعتزاز بالرسول التركي، مما جعله لا يقف عند حدود عدم استقبال المندوبين اليهوديين، بل إنه أسلمهما للقتل. وفي هذه الأثناء، أعلمني الأمير عبد الله بأنه سيحل قريبا بوهران، بصحبة نسائه وأولاده والشيوخ المنضمين تحت لوائه، وأعلمني كذلك أنه سيسلم إلي الرهائن التي طلبناها منه. وأشعر في الواقع بالحيرة، لأنني كنت أخبرت الأمر بأنه إذا ما وضع عائلته عندنا في مدينة وهران، وحذا الشيخ المنثمون إليه حذوه، فإن جلالتكم سوف تسلمون له العون من مال ورجال حتى يحتل مدينة تلمسان، على شرط أن يكون أكثر وفاء من أخيه في تنفيذ شروط الاتفاقية التي ستعقد معه). ٣ - وكتب حاكم (هنين) رسالة للإمبراطور (شارلكان) في يوم ٢٦ نيسان - أبريل - ١٥٣٤ يصف بها حالة (الموقف) في تلمسان؛ وجاء في الرسالة ما يلي: (كتبت منذ أيام لجلالتكم أعلمكم أنني اتصلت من جواسيسنا بأخبار عن مولاي محمد ملك تلمسان، أنه قد استعرض يوم ٢٠ من هذا الشهر جيشا أعده لقتالنا، وهذا الجيش مستعد للسفر حيثما يريد. وأخبرني أحد هؤلاء الجواسيس أن الملك قد اتصل برسول من الجزائر يحمل إليه رسالة تخبره بموت - خير الدين - بربروس. فحزن الملك حزنا شديدا، وألقى بنفسه فوق الأرض نائحا منتحبا، ثم نهض وقال للشيوخ الذين كانوا حوله، بما أن والدي بربروس قد مات، فلم يبق لنا من عمل نعمله، وطلب إليهم أن يعودوا إلى بلادهم ريثها

стр. 140

يحصل من الأتراك على العون والتأييد من جديد. فلما سمع الشيوخ حديثه، خرجوا من عنده وكلهم يقول فيه سوءا. ويقول بعض الجواسيس الآخرين أنه جاءت بعد ذلك رسالة من الجزائر تؤكد أن بربروس لم يمت، إنما هو في مكان مجهول. ويقول البعض أن الملك مولاي محمد لا يريد أن يحارب النصارى، لأنه رجل ليس له إرادة على القتال وأنه منصرف إلى ملذاته، وغارق فيها، وأنه لا يفكر إلا في ابتزاز المال من أية جهة كانت. ويقولون إنه جاء من مدينة الجزائر بزوجتين دخل بهما في هذه المدينة، وجاء كذلك بزوجتين أخذهما بمدينة (فاس) عندما كان محاربا لأبيه. وبعدما تولى الملك بتلمسان، تزوج ست عشرة مرة، ولا يفعل شيئا إلا إقامة الحفلات والأفراح، ويلح في طلب المال من أهل المدينة ومن العرب واليهود). ٤ - وعندما اندلعت الحرب بين الأخوين ملك تلمسان (محمد) وأخيه (عبد الله) الذي كان الإسبانيون يناصرونه ويناصرون جده (ابن رضوان) انتصر ملك تلمسان، وكتب حاكم وهران (الكونت دي الكوديت) تقريرا بتاريخ ١٢ تموز - يوليو - ١٥٣٥ رفعه للإمبراطور شارلكان، وجاء فيه: (إن - ابن رضوان - لا يفكر إلا في أمر واحد ألا وهو الانتقام وأخذ الثأر من مولاي محمد. ولقد طلب مني الإذن بالقدوم إلى وهران، وكذلك طلب بقية الشيوخ الذين بقوا على ولائهم له. وقد منحتهم الإذن. وبما أنه من المهم جدا بالنسبة إلينا أن يبقى العرب دوما مختلفين، فقد حرضت ابن رضوان والشيوخ الذين معه على مواصلة القتال ... وعلى كل فإنني مواصل الجهود لكي يتفاقم أمر الخلاف بين الطرفين).

стр. 141

لقد نجحت هذه السياسة في تحقيق أهدافها، وكان من بعض نتائجها تثبيت أقدام الإستعماريين الإسبانيين فوق بعض مواقع المغرب العربي - الإسلامي. وكان من بعض نتائجها إخضاع الحكام وإشاعة روح التخاذل وهي الروح التي وجدت تعبيرا لها في التحالفات التي أقامها الحكام الإسبان مع بعض الحكام (مثل المعاهدة الإسبانية مع ملك تلمسان) (١). لقد كانت عملية (التفتيت المادي والمعنوي) لقوى العرب المسلمين هي المرحلة التمهيدية لتطوير الأعمال العدوانية، والتي سبقتها عملية جمع معلومات دقيقة عن موازين القوى وتوزيعها وإمكاناتها (أعمال الجاسوسية) وقد يكون من الصعب استقراء كافة البيانات والتقارير المتوافرة في هذا المجال غير أنه ليس من الصعب أبدا معرفة الصورة الإجمالية للجهد المبذول خلال مرحلة الإعداد للمرحلة التالية من الحرب، عبر التقريرين التاليين. ٥ - تقرير سري إسباني عن قوة الجزائر - سنة ١٥٣٣: (يحكم الجزائر الآن (حسن آغا) وينوب عنه في حالة غيابه (حاج باشا) و (القائد الصرردو). ويوجد بمدينة الجزائر (١٨٠٠) تركي , أما ببقية البلاد فيوجد من الأتراك: في تنس ٢٠، في برسك ١٠، في شرشال ٣٠، في المدية ١٥٠، في مليانه ١٠٠، في تادلس ٦٠، في بنوره - أوزنوره - ٢٠، في جيجل ٢٠، في القل ٢٠، في قسنطينة ٣٠٠، فيكون المجموع ٧٣٥. وهكذا يوجد (٢٦٠٠) تركي تقريبا، وتوجد بمدينة الجزائر (٣) آلاف عائلة عربية تقريبا و (٣٠٠)

стр. 142

عائلة يهودية. أما القوة التي بين يدي حسن آغا، وهو مخيم الآن خارج المدينة فهي تشمل (٧٠٠) تركي وألف فارس وألفي راجل من العرب، ويشمل تسليح الجزائر ما يلي: في البرج الفوقاني ثلاثة مدافع لرمي الحجارة، و (٥) مدافع صغيرة. وفي البرج الكبير بباب الواد مدفعان كبيران ومدفعان صغيران. وفي زاوية باب الواد قرب البحر أربعة مدافع، ومن هذا المكان إلى الباب المقابل للجزيرة (١٧) مدفعا، ومن هذا الباب إلى المسجد الكبير (١٧) مدفعا من البرونز و (٤) مدافع من الحديد. وبين المسجد الكبير ودار الصناعة (٢١) مدفعا من بينها (٦) مدافع صغيرة من الحديد. وبين دار الصناعة وباب عزون (٨) مدافع، وفوق الباب ذاته مدفعين صغيرين (يرميان قنابل من الرصاص تزن الواحدة منها كيلوغرام تقريبا). وفي المرسى (٨) سفن يحتوي أكبرها على (١٧) صفا للجذافين. ويشتغلون الآن في المدينة بصنع الخبز المجفف (كعك أو بسكويت) بكل نشاط. وكذلك في المدينة والمليانة، الأمر الذي لم نشاهده من قبل أبدا. ويسود الانزعاج في المدينة لأنهم سمعوا أن الإمبراطور سيعقد الصلح مع ملك فرنسا. لكن خواطرهم هدأت عندما علموا أن السلطان يحهز الآن عمارة قوية - أسطولا). ٦ - وهذا تقرير سري إسباني آخر عن حالة الجزائر: إلى صاحبة الجلالة الملكة من فرانسيسكو بيريز دي إيديا كاييز - حاكم بجاية. بجاية ٢٩ آذار - مارس- ١٥٣٦ (وردت إلينا معلومات من مدينة الجزائر، نقلها لنا ستة من

стр. 143

العبيد المسيحيين الذين تمكنوا من الفرار يوم ٢٧ شباط (فبراير) وغادروا الجزائر بسفينة صغيرة أوصلتهم إلى مدينة بجاية. يوجد الآن في مدينة الجزائر ألفان من الأتراك وسبعة أو ثمانية آلاف من مهاجري الأندلس في مدن الجزائر ومليانة وبقاع أخرى وزعها بربروس على الحاميات. أما حاكم الجزائر اليوم فهو من سردينيا، اسمه حسن آغا، وسكان المدينة في قلق شديد، لأنهم اتصلوا بأنباء موثوق بها تفيد تحرك أسطول جلالتكم. وأخبرنا الأسرى المذكورون ان الأمطار الغزيرة التي انهمرت في فصل الشتاء قد هدمت سور المدينة في ثلاث جهات، وعلى مسافات شاسعة، وقد أقدم السكان على ترميم ما تحطم بكل سرعة، لكن العمل لم يتم إلى الآن نظرا لعدم وجود البنائين العارفين. ويقولون هنا أنهم سيستعينون بألف وخمسمائة من العرب المحيطين بالجزائر من أجل إنجاز العمل. أما مدينة قسنطينة ففيها ألف وخمسمائة من الإنكشارية يقودهم تركي اسمه (القائد كلج علي) وبربروس هو الذي أرسل هؤلاء الإنكشارية وبما أن كلج علي هذا تابع لحكومة الجزائر، فلا ريب أنه سيقدم إلى مدينة الجزائر بمجرد علمه بتحرك أسطول جلالتكم). د - شارلكان وغزو الجزائر كان (شارلكان) يعمل جاهدا على خلق كتلة أوروبية قوية تجابه العالم الإسلامي. وعندما توفي الإمبراطور النمساوي (مكسيميليان) طمع (شارلكان) في ضم هذا العرش. وكان ملك فرنسا (فرنسوا الأول) يطمع في السيطرة على هذا العرش أيضا والذي ينضوي تحت لوائه سبعة ملوك وأمراء. ومن هنا، واعتبارا من سنة ١٥١٩، بدأ الصراع بين الملكين. واجتمع الأمراء الناخبون (الالكتر) في مدينة

стр. 144

فرانكفورت، وبعد المساومات المعهودة تم الاتفاق يوم ٥ تموز (يوليو) ١٥١٩ على انتخاب ملك إسبانيا إمبراطورا للغرب وأصبح يحكم معظم إيطاليا وبلجيكا وهولاندا والنمسا وبعض الشمال الإفرنسي بالإضافة إلى الممتلكات الإسبانية في الأرض الجديدة (أمريكا الجنوبية) ووجدت فرنسا نفسها محاطة بالأعداء وهي تكاد تفقد استقلالها، سيما بعد خيانة مارشال فرنسا (الأمير دي بوربون) أثناء الحرب، واتفاق الأمراء على اقتسام ترابها. وبعد معارك طويلة قاسية، وقع ملك فرنسا أسيرا في إيطاليا يوم ٢٤ شباط (فبراير) ١٥٢٥ وحمل إلى مدريد، حيث أرغم على توقيع معاهدة سلم فيها لأعدائه ما طلبوه منه، وكتب إلى أمه يقول: (سيدتي، لقد خسرت كل شيء، ما عدا الشرف والحياة). ثم أطلق الإسبانيون سراحه بعد أن ترك ولديه رهينة عندهم. وأرسلت أمه - أو أرسل هو عن طريق أمه - رسالة يستغيث فيها بالسلطان سليمان القانوني لنجدته والتحالف معه. وأجابه سليمان إلى ما طلبه (١) وما كاد يذاع نبأ هذا الحلف بين سلطان المسلمين وملك فرنسا المسيحي، حتى اجتاحت أوروبا موجة من النقمة، وارتفع صوت التنديد بملك فرنسا الذي يستنجد - بالكفار - أعداء المسيحية ضد ملك مسيحي. وأسهم (شارلكان) بهذه الحملة من أجل تضييق الخناق على فرنسا، وأعلن إلغاءه للمعاهدة السابقة التي عقدها مع ملك فرنسا وكان التحالف الذي تم الاتفاق عليه بين الملك الفرنسي ومندوبي السلطان العثماني ينص على القيام بهجوم مشترك ضد إيطاليا. وفي أيار - مايو - سنة ١٥٣٨ جمع السلطان سليمان في ألبانيا جيشا كبيرا من

стр. 145

خريطة طرق أهم الحملات الأوربية على الجزائر
следующие страницы →