لقد نجحت هذه السياسة في تحقيق أهدافها، وكان من بعض نتائجها تثبيت أقدام الإستعماريين الإسبانيين فوق بعض مواقع المغرب العربي - الإسلامي. وكان من بعض نتائجها إخضاع الحكام وإشاعة روح التخاذل وهي الروح التي وجدت تعبيرا لها في التحالفات التي أقامها الحكام الإسبان مع بعض الحكام (مثل المعاهدة الإسبانية مع ملك تلمسان) (١).
لقد كانت عملية (التفتيت المادي والمعنوي) لقوى العرب المسلمين هي المرحلة التمهيدية لتطوير الأعمال العدوانية، والتي سبقتها عملية جمع معلومات دقيقة عن موازين القوى وتوزيعها وإمكاناتها (أعمال الجاسوسية) وقد يكون من الصعب استقراء كافة البيانات والتقارير المتوافرة في هذا المجال غير أنه ليس من الصعب أبدا معرفة الصورة الإجمالية للجهد المبذول خلال مرحلة الإعداد للمرحلة التالية من الحرب، عبر التقريرين التاليين.
٥ - تقرير سري إسباني عن قوة الجزائر - سنة ١٥٣٣:
(يحكم الجزائر الآن (حسن آغا) وينوب عنه في حالة غيابه (حاج باشا) و (القائد الصرردو). ويوجد بمدينة الجزائر (١٨٠٠) تركي , أما ببقية البلاد فيوجد من الأتراك: في تنس ٢٠، في برسك ١٠، في شرشال ٣٠، في المدية ١٥٠، في مليانه ١٠٠، في تادلس ٦٠، في بنوره - أوزنوره - ٢٠، في جيجل ٢٠، في القل ٢٠، في قسنطينة ٣٠٠، فيكون المجموع ٧٣٥. وهكذا يوجد (٢٦٠٠) تركي تقريبا، وتوجد بمدينة الجزائر (٣) آلاف عائلة عربية تقريبا و (٣٠٠)
стр. 142
عائلة يهودية. أما القوة التي بين يدي حسن آغا، وهو مخيم الآن خارج المدينة فهي تشمل (٧٠٠) تركي وألف فارس وألفي راجل من العرب، ويشمل تسليح الجزائر ما يلي: في البرج الفوقاني ثلاثة مدافع لرمي الحجارة، و (٥) مدافع صغيرة. وفي البرج الكبير بباب الواد مدفعان كبيران ومدفعان صغيران. وفي زاوية باب الواد قرب البحر أربعة مدافع، ومن هذا المكان إلى الباب المقابل للجزيرة (١٧) مدفعا، ومن هذا الباب إلى المسجد الكبير (١٧) مدفعا من البرونز و (٤) مدافع من الحديد. وبين المسجد الكبير ودار الصناعة (٢١) مدفعا من بينها (٦) مدافع صغيرة من الحديد. وبين دار الصناعة وباب عزون (٨) مدافع، وفوق الباب ذاته مدفعين صغيرين (يرميان قنابل من الرصاص تزن الواحدة منها كيلوغرام تقريبا). وفي المرسى (٨) سفن يحتوي أكبرها على (١٧) صفا للجذافين. ويشتغلون الآن في المدينة بصنع الخبز المجفف (كعك أو بسكويت) بكل نشاط. وكذلك في المدينة والمليانة، الأمر الذي لم نشاهده من قبل أبدا. ويسود الانزعاج في المدينة لأنهم سمعوا أن الإمبراطور سيعقد الصلح مع ملك فرنسا. لكن خواطرهم هدأت عندما علموا أن السلطان يحهز الآن عمارة قوية - أسطولا).
٦ - وهذا تقرير سري إسباني آخر عن حالة الجزائر:
إلى صاحبة الجلالة الملكة
من فرانسيسكو بيريز دي إيديا كاييز - حاكم بجاية.
بجاية ٢٩ آذار - مارس- ١٥٣٦
(وردت إلينا معلومات من مدينة الجزائر، نقلها لنا ستة من
стр. 143
العبيد المسيحيين الذين تمكنوا من الفرار يوم ٢٧ شباط (فبراير) وغادروا الجزائر بسفينة صغيرة أوصلتهم إلى مدينة بجاية.
يوجد الآن في مدينة الجزائر ألفان من الأتراك وسبعة أو ثمانية آلاف من مهاجري الأندلس في مدن الجزائر ومليانة وبقاع أخرى وزعها بربروس على الحاميات. أما حاكم الجزائر اليوم فهو من سردينيا، اسمه حسن آغا، وسكان المدينة في قلق شديد، لأنهم اتصلوا بأنباء موثوق بها تفيد تحرك أسطول جلالتكم. وأخبرنا الأسرى المذكورون ان الأمطار الغزيرة التي انهمرت في فصل الشتاء قد هدمت سور المدينة في ثلاث جهات، وعلى مسافات شاسعة، وقد أقدم السكان على ترميم ما تحطم بكل سرعة، لكن العمل لم يتم إلى الآن نظرا لعدم وجود البنائين العارفين. ويقولون هنا أنهم سيستعينون بألف وخمسمائة من العرب المحيطين بالجزائر من أجل إنجاز العمل. أما مدينة قسنطينة ففيها ألف وخمسمائة من الإنكشارية يقودهم تركي اسمه (القائد كلج علي) وبربروس هو الذي أرسل هؤلاء الإنكشارية وبما أن كلج علي هذا تابع لحكومة الجزائر، فلا ريب أنه سيقدم إلى مدينة الجزائر بمجرد علمه بتحرك أسطول جلالتكم).
د - شارلكان وغزو الجزائر
كان (شارلكان) يعمل جاهدا على خلق كتلة أوروبية قوية تجابه العالم الإسلامي. وعندما توفي الإمبراطور النمساوي (مكسيميليان) طمع (شارلكان) في ضم هذا العرش. وكان ملك فرنسا (فرنسوا الأول) يطمع في السيطرة على هذا العرش أيضا والذي ينضوي تحت لوائه سبعة ملوك وأمراء. ومن هنا، واعتبارا من سنة ١٥١٩، بدأ الصراع بين الملكين. واجتمع الأمراء الناخبون (الالكتر) في مدينة
стр. 144
فرانكفورت، وبعد المساومات المعهودة تم الاتفاق يوم ٥ تموز (يوليو) ١٥١٩ على انتخاب ملك إسبانيا إمبراطورا للغرب وأصبح يحكم معظم إيطاليا وبلجيكا وهولاندا والنمسا وبعض الشمال الإفرنسي بالإضافة إلى الممتلكات الإسبانية في الأرض الجديدة (أمريكا الجنوبية) ووجدت فرنسا نفسها محاطة بالأعداء وهي تكاد تفقد استقلالها، سيما بعد خيانة مارشال فرنسا (الأمير دي بوربون) أثناء الحرب، واتفاق الأمراء على اقتسام ترابها. وبعد معارك طويلة قاسية، وقع ملك فرنسا أسيرا في إيطاليا يوم ٢٤ شباط (فبراير) ١٥٢٥ وحمل إلى مدريد، حيث أرغم على توقيع معاهدة سلم فيها لأعدائه ما طلبوه منه، وكتب إلى أمه يقول:
(سيدتي، لقد خسرت كل شيء، ما عدا الشرف والحياة). ثم أطلق الإسبانيون سراحه بعد أن ترك ولديه رهينة عندهم. وأرسلت أمه - أو أرسل هو عن طريق أمه - رسالة يستغيث فيها بالسلطان سليمان القانوني لنجدته والتحالف معه. وأجابه سليمان إلى ما طلبه (١) وما كاد يذاع نبأ هذا الحلف بين سلطان المسلمين وملك فرنسا المسيحي، حتى اجتاحت أوروبا موجة من النقمة، وارتفع صوت التنديد بملك فرنسا الذي يستنجد - بالكفار - أعداء المسيحية ضد ملك مسيحي. وأسهم (شارلكان) بهذه الحملة من أجل تضييق الخناق على فرنسا، وأعلن إلغاءه للمعاهدة السابقة التي عقدها مع ملك فرنسا وكان التحالف الذي تم الاتفاق عليه بين الملك الفرنسي ومندوبي السلطان العثماني ينص على القيام بهجوم مشترك ضد إيطاليا. وفي أيار - مايو - سنة ١٥٣٨ جمع السلطان سليمان في ألبانيا جيشا كبيرا من
стр. 145
خريطة
طرق أهم الحملات
الأوربية على الجزائر
стр. 146
مائة ألف مقاتل للهجوم على إيطاليا.
وكان معه ولداه (محمد وسليم) وسفير فرنسا في إستامبول (مسيو دولانوي) وفي الوقت ذاته قام (خير الدين باشا) بإنزال قواته في ميناء أوترنته بجنوب إيطاليا، استعدادا لمهاجمتها من جهة الجنوب، بينما يهاجمها السلطان سليمان من جهة الشرق، وملك فرنسا من جهة الغرب، لكن ملك فرنسا أحجم عن التقدم استجابة للرأي العام المسيحي، وأدى ذلك إلى فشل المشروع، وانتهى الأمر بتوقيع هدنة بين ملك فرنسا وبين الإمبراطور (شارلكان)، ووقعا على معاهدة الصلح في (نيس) سنة ١٥٣٨ بعد أن مارس البابا (بولس الثالث) نفوذه القوي من أجل المحافظة على الوحدة المسيحية، وصدا للتقدم الإسلامي في بلاد إيطاليا.
فتحت معاهدة (نيس) المجال الواسع أمام (شارلكان) لإعداد حملته الضخمة ضد الجزائر، لا سيما وأن ملك فرنسا تعهد لشارلكان بأنه لن يحاربه ولن يقوم بأي عمل ضده، أثناء محاربته وتحطيمه لسلطان المسلمين في مدينة الجزائر، ففرنسا والبابا وكل البلاد المسيحية كانت مشتركة في الحملة العظمى على مدينة الجزائر.
كان نائب خير الدين في ولاية الجزائر (محمد حسن) يتابع جهوده لإعادة تنظيم البلاد. وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار فيها، وحشد القوى والوسائط لتطوير الصراع ومجابهة الاحتمالات المختلفة، غير أن ذلك لم يصرفه عن متابعة الجهاد في سبيل الله في البحر. وقاد مجموعة من العمليات كان من أبرزها إغارته على جبل طارق ومعركته البحرية ضد قوة من الأسطول الإسباني.
ففي عمليته الأولى، جهز قوة من (١٣٠٠) مقاتل حملتهم
стр. 147
تفصيل معركة الجزائر الكبرى وانكسار الإسبان برا وبحرا أمامها
стр. 148
(١٣) سفينة حربية غادرت الجزائر. في شهر أيلول (سبتمبر) ١٥٣٩. ووصلت هذه القوة الموانىء الجنوبية الأندلسية، وقامت بالإنزال وأغارت على جبل طارق، فاحتلت البلدة، واستولت على ما فيها من غنائم، وأوغلت في الإقليم وهي تصادر ما يقع تحت أيدي المجاهدين وتختار من الإسبانيين جماعات الأسرى والسبايا لبيعهم في المدن المغربية الجنوبية (تطوان خاصة) ثم تعود للميدان.
وعندما تمت العملية وقفل (محمد حسن) راجعا إلى مدينة الجزائر، اصطدم بقوة بحرية إسبانية ضخمة يتولى قيادتها (الأميرال برنارد دي موندوزا) ووقعت معركة ضارية بين القوتين أسفرت عن غرق عدد من سفن الجانيين. وتمكنت القوات الإسبانية من تحرير سبعمائة من الجذافين النصارى الذين كانوا يعملون أسرى فوق السفن الجزائرية. لكن خسائر الإسبان خلال هذه المعركة كانت كبيرة جدا زاد عدد القتل فيها على ثمانمائة قتيل.
وأتم شارلكان استعداداته لحملته الحربية البحرية الكبرى ضد الجزائر. وضم جيشه أفضل المقاتلين والنبلاء من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، بالإضافة إلى المتطوعين، وأيضا إلى الجيش الذي أرسله البابا بقيادة حفيده (كولونا). كما أرسلت رهبنة مالطا (١٤٠) فارسا و (٤٠٠) مقاتلا من المشاة. وأصبح هذا الجيش يضم (٢٤) ألف مقاتل من المشاة - الراجلين و (ألفي) فارس. أما الأسطول فكان يشتمل على (٤٥٠) سفينة نقل ضخمة و (٦٥) سفينة حربية كبرى.
وبلغ مجموع عدد أفراد البحارة (١٢) ألف رجل، وتولى (أندريا دوريا) قيادة القوة البحرية في حين تولى (شارلكان) بنفسه قيادة الحملة.
стр. 149
وعندما أصبحت الحملة جاهزة للتحرك أصدر البابا يوحنا الثالث بيانا نشره على البلاد الأوروبية كلها، أعلن فيه أن هذه الحملة هي حملة صليبية، وأن واجب كل مؤمن بالمسيح مخلص للنصرانية، أن ينضم إليها وأن يشارك في محاربة الكافرين.
وحاولت إسبانيا خلال ذلك إضعاف البحرية العثمانية عن طريق محاولة استمالة (خير الدين - بربروس) وذلك بأن تم إرسال جواسيس من قبل (شارلكان) إلى إستامبول للإتصال مع (خير الدين) ومفاوضته على أساس تعيينه (ملكا) على الشمال الأفريقي كله، واعتراف إسبانيا بملكيته مقابل اعترافه بتبعيته لشارلكان ودفع جزية سنوية محددة. ودخل (خير الدين) في المفاوضات التي استمرت على فترات متناوبة طوال سنتين تحت أشراف (أندريا درريا). وكان (خير الدين) يطلع السلطان على تطور المفاوضات في كل مرحلة من مراحلها، وعندما وصلت مهمة وفد المفاوضات المكون من ثلاثة مفاوصين برئاسة الدكتور (أومبرو) حتى نهايتها، ووفقا لخطة متفق عليها بين خير الدين والسلطان بادر هذا بإلقاء القبض على (الجواسيس الثلاثة) وأودع الدكتور (أرمبرو) في سجن (قلعة الحصون السبعة) بتهمة حث أحد الرعايا العثمانيين على العصيان. وكان وقع هذا الفشل مريرا على نفس (أندريا دوريا) بقدر ما كان مزعجا لإمبراطوره (شارلكان) الذي علق أملا كبيرا في إحراز نصر كبير بثمن بخس إن هو استطاع ضم (خير الدين) لقوته.
ولم يبق أمام (شارلكان) غير الحرب، فتحرك بأسطوله الضخم مغادرا (مرسى ماهون) يوم ١٨ تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٥٤١، ووصل إلى (جون الجزائر) في الساعة السابعة من صباح يوم (٢٠)
стр. 150
تشرين الأول - أكتوبر - وأخذ في إجراء عرض قواته البحرية أمام مدينة الجزائر لإرهاب حاميتها ثم توجه بأسطوله إلى طرف الخليج المقابل لمدينة الجزائر، عند رأس (تامنتغوس - أو تامانتغوس) وخيم هناك مؤقتا، ثم عاد مباشرة نحو الضفة اليسرى لوادي الحراش. وهناك أخذ بإنزال جنده منذ فجر يوم الأحد ٢٣ تشرين الأول - أكتوبر - وفي الساعة التاسعة من اليوم ذاته، نزل الإمبراطور إلى الأرض، محاطا بالأشراف والنبلاء ورجال الحاشية، وأقام المركز العام لأركان حربه الإمبراطوري عند (الحمة أو الحامة) شرقي مدينة الجزائر (حيث حديقة التجارب الآن). وذلك على مقربة من مركز التجمع العام. الواقع بين الحمة وضفة الحراش.
فأسرع (محمد حسن) بتجميع كل ما لديه من القوى، واستعد للدفاع، وقرر مع أركان حربه تطبيق الخطة التي نجح الجزائريون في تنفيذها خلال معاركهم السابقة مع الإسبانيين والتي مكنتهم من النصر مرتين متتاليتين. فتحصنوا في المدينة ينتظرون تطور الأحداث ويراقبون بدقة تحركات الإسبانيين ومناوراتهم.
وعلى هذا فما أن وطأت أقدام الإسبانيين أرض الجزائر، حتى انطلق المجاهدون الجزائريون للعمل تحت قيادة (المجاهد الحاج بشير) وهم يحيطون بالقوات الإسبانية من كل اتجاه، ويوجهون إليها ضربات مباغتة سريعة بواسطة زمر من الفرسان القليلة في عدد أفرادها والسريعة في انقضاضها وانسحابها بحيث لم تترك للقوات الإسبانية فرصة للراحة أو النوم.
وقرر الإمبراطور البدء بتنفيذ معركته في يوم ٢٤ تشرين الأول - أكتوبر - فتولى بنفسه قيادة التحرك نحو الأمام، على رأس الفيلق
стр. 151
الألماني، وترك للفريق الإيطالي وفرسان مالطة مهمة حماية المؤخرة تحت قيادة حفيد البابا (كاميل كالونا). واستمر الإمبراطور في تقدمه، واستمر المجاهدون في الإغارة على القوات الإسبانية، وأرغموها على التوقف حينا عند إحدى الربوات، وفي النهاية وصلت القوات الإسبانية إلى (كدية الصابون - الواقعة على مرتفع خلف مدينة الجزائر)، حيث دارت معركة قاسية مع المجاهدين، تمكن الإمبراطور بعدها من احتلال الموقع الاستراتيجي (للكدية). ووضع أعتدته الثقيلة فيها واتخذ منها قاعدة للهجوم ثم بدأ على الفور بتوسيع قاعدة عملياته، فاحتل مجموعة التلال التي تصل ما بين (كدية الصابون) و (قنطرة العفرون) قرب البحر غربي الجزائر. وبذلك باتت مدينة الجزائر مطوقة ومعزولة في البر والبحر.
وعند ذلك، أرسل (شارلكان) من قبله مندوبا (هو الفارس لورنزو مانويل) لإقناع حامية الجزائر بالاستسلام بعد أن باتت مطوقة، وبعد أن ظهر لها مدى التفوق الكبير في القرى التي أحاطت بالمدينة، ووصل المندوب إلى الجزائر، وأبلغ (محمد حسن) الرسالة التي يحملها وهي كالتالي:
(أنا ملك إسبانيا الذي استولى على تونس وأخرج منها خير الدين، وتونس أعظم من الجزائر وخير الدين أعظم منك) فأجابه (محمد حسن آغا) بالرساله التالية: (غزت إسبائيا الجزائر في عهد عروج مرة، وفي عهد خير الدين مرة، ولم تحصل على طائل، بل انتهبت أموالها وفنيت جنودها، وستحصل المرة الثالثة كذلك إن شاء الله).
في الليلة ذاتها، وصل إلى معسكر شارلكان رسول من قبل والي
стр. 152
الجزائر (محمد حسن آغا) يطلب إذنا للسماح بحرية المرور لمن أراد من أهل الجزائر وخاصة نساءها وأطفالها مغادرة المدينة عبر (باب الواد). وعرف (شارلكان) أن حامية الجزائر مصممة على الدفاع المستميت، وأنه من المحال احتلال الجزائر إلا إذا تم تدميرها تدميرا تاما. ولم يكن الإمبراطور قد أنزل مدفعية الحصار حتى تلك الساعة، فلم يتمكن بذلك من قصف الجزائر بالمدفعية، وفي الوقت ذاته كان المجاهدون الجزائريون يوجهون ضرباتهم الموجعة إلى القوات الإسبانية، في كل مكان، حتى قال أحد فرسان مالطة في تقريره عن المعركة:
(لقد أذهلتنا هذه الطريقة في الحرب، لأننا لم نكن نعرفها من قبل). وكانت أعداد المجاهدين تتعاظم باستمرار بفضل تدفق مقاتليهم من كل مكان بمجرد سماعهم بإنزال القوات الإسبانية. وكان هؤلاء يستفيدون في توجيههم لضرباتهم من معرفتهم الدقيقة بالأرض واستخدامهم لمميزاتها بشكل رائع.
وبدأ المطر الغزير في السقوط مع بداية الليل، وكانت كثافة الأمطار وغزارتها تتزايد مع تقدم الليل. بينما هبت ريح عاتية من الشمال الغربي، فتعالت الأمواج وتشابكت، وأصبح الأسطول الذي يحمل السلاح الثقيل - المدفعية - والأعتدة والمواد التموينية أمام مأزق خطير. ولم يكن للإسبانيين في تلك الليلة خيام يحتمون فيها من وابل المطر، إذ لم يكونوا قد جاؤا بالعتاد اللازم من السفن. فكان لا بد لهم من قضاء شر ليلة بين الماء والوحل بعد أن قضوا أسوأ نهار في المسير والاشتباك بنيران المجاهدين.
ثم أقبل الفجر أخيرا على المجاهدين الذين لم يناموا ليلهم وهم في مدينة الجزائر المحاصرة يستعدون للمعركة الحاسمة. وارتفع الأذان
стр. 153
من المساجد داعيا الناس لبيوت الله، ورددت عشرات مآذن المدينة الدعوة، فأنزلت السكينة على النفوس. وما كادت تنقضي الصلاة، حتى فتحت أبواب المدينة بصورة مباغتة، وتدفقت موجات المجاهدين وهي تردد بصوت واحد صيحة الحرب (الله أكبر).
وقاد المجاهد (الحاج البشير) الهجوم على ميمنة الخط الإسباني، وكانت مستقرة أمام رأس تافورة (بين إدارة البريد المركزي اليوم والبحر). وتلقت الفرقة الإيطالية الصدمة الأولى، فلم تتمكن من الصمود لها، واستولى عليها الرعب والفزع، فتقهقرت متراجعة بدون نظام حتى وصلت إلى معسكراتها. وازداد المجاهدون إقداما واندفاعا لاستثمار هذا النصر الأول. فواصلوا هجومهم في مطاردة فلول الهاربين إلى أن اصطدموا بكامل الفرقة الإيطالية التي كانت تحتل القطاع الأوسط في التنظيم القتالي للقوات الصليبية. وعلى الرغم من التفوق الساحق للقوى الإيطالية، فقد اندفع المجاهدون بحماسة لا توصف لقتالها. ولم تتمكن الفرقة الإيطالية من الصمود أمام الهجوم القوي للمجاهدين. واضطرب أمرها. فولت منهزمة، وتشتت إلى مجموعات صغيرة. ووجد المجاهدون الجزائريون فرصتهم لإبادة ما يستطيعون إبادته من هذه القوى الممزقة. ولم تتوقف المذبحة إلا عندما تدخلت فرقة فرسان مالطة.
كانت هذه الفرقة تقف على مسافة بعيدة من مواقع القوات الإيطالية، فما كادت ترى ضراوة المعركة، وتمزق القوات الإيطالية، مما بات يهدد الجيش الإمبراطوري كله بالدمار، حتى اندفعت بكامل قوتها، وتمركزت في الفج الصغير الذي يقع وراء الجسر والذي يمر منه الطريق المؤدي إلى كدية الصابون، فضمنت بذلك حماية فلول
стр. 154
القوات الإيطالية، واضطر المجاهدون الجزائريون لإيقاف هجومهم حتى لا يتعرض طريق انسحابهم للتهديد. وفي الوقت ذاته اندفع القائدان الصليبيان (كولونا والأمير صالمون) ومعهما زمرة من الفرسان لإيقاف الفرقة الإيطالية، ومنعها من التوغل في فرارها، وأمكن لهما بعد جهد كبير إيقافها وإعادة تجميع من بقي منها بعيدا عن أرض المعركة.
عند هذه المرحلة أصدر القائد (الحاج البشير) أمره إلى المجاهدين بالتراجع المنظم مع المحافظة على التماس مع العدو حتى الوصول إلى أسوار مدينة الجزائر وتحصيناتها، وتم تنفيذ عملية التراجع بطريقة رائعة حسبها فرسان ماطلة انسحابا من المعركة. فانطلقوا بثقل قوتهم لما حسبوه مطاردة، حتى إذا ما وصل المجاهدون بكتلتهم المنظمة إلى مسافة قريبة من حصن (باب عزون) قام رجال الدفاع الجزائريون بفتح الأبواب، ودخل المجاهدون، ثم أغلق الباب بسرعة وأحكم رتاجه وبقيت قوات العدو مكشوفة تجاه السور، تحت سيل المطر الغزير، ولم يعد باستطاعة فرسان مالطة التقدم إلى الأسوار واقتحامها، كما لم يعد باستطاعتهم التراجع بعد أن أصبح سلاح الجزائريين يحصدهم جميعا من وراء ظهورهم.
وامتطى الإمبراطور (شارلكان) صهوة جواده حين بلغته أنباء الكارثة التي نزلت بالقوة الإيطالية، وتقدم مع النبلاء ورجال الحاشية ومهرة الفرسان لنجدة فريق مالطة واقتحم مع قواته منطقة الخطر تحت نيران الحصون الجزائرية ففقدت القوات نصف عدد أفرادها. وأثناء ذلك لم يوقف الجزائريون من عرب الداخل عملياتهم على مؤخرة القوات المعادية. وزاد الأمر سوءا بالنسبة لقوات الفرنج الصليبيين
стр. 155
عندما وقفوا عاجزين عن استخدام أسلحتهم النارية التي أفسدت السيول والأمطار بارودها وحولته إلى كتل من العجين غير المتفجر. في حين كان المجاهدون فوق الأسوار يستخدمون أسلحتهم النارية بصورة رائعة، كما كان النازحون الأندلسيون يستخدمون بكفاءة عالية القسي الحديدية لرمي السهام البعيدة المدى بدقة مثيرة للإعجاب. وتكسرت موجات الهجوم واضطرت للإنسحاب بعد أن تركت فوق أرض المعركة الغارقة بالوحل أعدادا كبيرة من القتلى.
وهكذا وبينما كانت معركة يوم ٢٥ تشرين الأول - أكتوبر -تسفر عن نصر حاسم لمصلحة القوات البرية الجزائرية، كانت العواصف تقوم بدورها لتمزيق الأسطول البحري الإسباني، إذ أدت الأمواج المتلاطمة إلى ضرب قطع الأسطول بعضها ببعض - وخاصة منها سفن النقل الكبيرة - لتعمل على تحطيمها والقذف بها فوق أرض الساحل. وأسفر هذا الموقف عن كارثة حقيقية نزلت بالأسطول الصليبي، عندما تجاوز عدد سفن النقل التي تحطمت على الساحل (١٥٠) سفينة. وكان المجاهدون المسلمون من عرب البلاد الداخلية يغنمون ما فيها ويأسرون رجالها.
أما السفن الحربية التي كانت أمتن صنعا وأحسن قيادة فقد انسحبت من موقع الخطر، مستعملة المجاذيف، واستمرت عمليتها هذه نحو من أربع وعشرين ساعة. غير أن هذه السفن الحربية التي ناورت بمهارة مبتعدة عن مركز الخطر، كانت تحمل في جوفها خطرا أكبر، إذ كان العاملون على مجاذيفها من أسرى المسلمين المستعبدين في معظمهم، وكان هؤلاء يتابعون تطورات المعركة بحذر ويقظة، وتبين لهم أن لحظتهم المناسبة قد أزفت لتحرير أنفسهم من العبودية،
стр. 156
ولتقديم خدماتهم لإخوانهم المجاهدين في سبيل الله في الوقت ذاته. فتركوا المجاذيف، واندفعوا يجرون سلاسلهم وأغلالهم الثقيلة ويبغون النجاة مهما كان الثمن. وأدت هذه العملية إلى ارتطام (١٦) سفينة حرببية بجدران الساحل. ونجح المجاهدون الجزائريون في إنقاذ ألف وأربعمائة بحار منهم، وأنزلرهم الجزائر.
وأراد الإمبراطور (شارلكان) وأركان حربه إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما قذف به الأسطول إلى ساحل البحر من سلاح وعتاد إلى جانب إنقاذ البحارة من القتل أو الأسر أو الغرق بعد أن انقلبت سفنهم وباتوا وهم يئنون تحتها بين الأمواج المتلاطمة. فبعثوا فرقة إنقاذ إلى الساحل، غير أن هذه الفرقة وقفت عاجزة عن القيام بأي عمل. فقد سبقهم المجاهدون واستولوا على كل ما قذف به البحر، أما بقية محتويات السفن فقد أخذت طريقها إلى عمق المياه، بما في ذلك المدفعية والمعدات والذخائر والمواد التموينية. وانتشرت قطع السفن المدمرة فغمرت مياه الساحل على امتداد مائتي كيلو متر، ما بين شرق دالس وغرب شرشال.
وكان (أندريا دوريا) يشرف على العمليات البحرية من فوق ظهر سفينته الضخمة (طومبيراس) ويحاول الدفاع عن رجاله وحماية متاعه وكل ما قذفت به الأمواج على الساحل وذلك بمنع وصول المجاهدين إليه، فكان يتقدم من الساحل وهو يصارع الأمواج، ويتابع رمي قنابله وقذائف مدفعيته، غير أن محاولاته لم تحقق هدفها، بل إنها زادت من حجم الكارثة وتسببت في تدمير سفينة حربية أخرى.
لم يفقد الإمبراطور (شارلكان) رباطة جأشه، وعلى الرغم من
стр. 157
استسلامه لقضاء الله وقدره وترديده باستمرار للعبارة التالية (فلتكن إرادتك يا رب). فقد مضى لإعادة تنظيم القوات، غير أنه كان من المحال عليه معالجة المأزق الصعب الذي وقع فيه، فقد هيمن الرعب والفزع على قواته، وفقد معظم مواده التموينية فبات جيشه مهددا بالجوع، بالإضافة إلى أن قوة الجزائريين كانت تتعاظم باستمرار وهم يتابعون الموقف من وراء الأسوار ويستعدون للانقضاض على قواته من جديد.
وانطلق يستشير هيئة أركان حربه وكبار معاونيه ممن أبقت عليهم المعركة. وكانت الحلول المتاحة أمامه محدودة، فإما الإنسحاب ببقايا قواته وأسطوله وإما إعادة تنظيم ما بقي لديه من القوى والوسائط واختيار بقعة مناسبة للدفاع عنها في انتظار تحسن المناخ ووصول إمدادات جديدة من أوروبا. وانقسمت وجهات نظر القادة في تأييد أحد الحلين الوحيدين.
وكان رأي قائد الأسطول (أندريا دوريا) هو العامل الحاسم في ترجيح أحد الاحتمالين - أو الحلين -. وقد حدد (أندريا) موقفه من الأزمة بوضوح، فأرسل من سفينته فدائيا أسبانيا، حمله رسالته، وقد استطاع هذا الفدائي مصارعة الأمواج والتسلل من بين المجاهدين حتى وصل إلى خيمة الإمبراطور، وأبلغه رسالة قائده التي جاء فيها: (وأما من جهة البحر فإنه من المحال بقاء الأسطول في مركز الخطر داخل الخليج، لأن بقية السفن ستتحطم حتما، إن هو لم يعمل على سحبها فورا إلى جهة (تامانتغوس) المواجهة لمدينة الجزائر على الطرف المقابل من الخليج، وأما من جهة البر، فإنه يرى بأنه من المحال أيضا البقاء أو الانتظار وأنه من الواجب الانسحاب فورا ببقية الرجال،
стр. 158
وركوب سفن الأسطول الباقية للوصول إلى جهة - تامانتغوس). وأيد معظم قادة الجيش وجهة نظر قائد الأسطول، إلا القائد الإسباني (فرناندو كوريتز) الذي كان يرى وجوب البقاء والمقاومة (١) ووقف معه أيضا الكونت (د. الكوديت) حاكم وهران العام. وهكذا رجحت كفة الانسحاب، وبدأت المسيرة الشاقة للابتعاد عن الأسوار، واختراق ضفة البحر، للوصول إلى رأس (تامانتغوس). ونظرا لنفاد المواد التموينية، فقد أمر الإمبراطور بذبح الخيول التي كانت لدى الجيش، وتوزيع لحمها لإطعام الرجال، مبتدئا بذبح تلك الخيول العربية البديعة التي جاء بها لنفسه. وبات الجيش الصليبي في تلك الليلة وراء (وادي خنيس). ثم استأنف الجيش تحركه في اليوم التالي (٢٧ تشرين الأول - أكتوبر) حتى وصل وادي الحراش. ولما كانت مياه الطوفان قد ارتفعت كثيرا فقد بات من المحال متابعة المسير. وتم التوقف أمام الوادي.
وفي صبيحة يوم الجمعة (٢٨ تشرين الأول - أكتوبر) استطاع الجنود صنع جسر من أخشاب السفن عبروا عليه إلى الضفة الأخرى.
وتابعوا تحركهم البطيء حتى وصلوا (وادي الحميض - أو الحمير) فباتوا عنده. واستؤنفت المسيرة يوم السبت (٢٩ - تشرين الأول - أكتوبر) وأمكن الوصول في النهاية إلى رأس (تامانتغوس).
لم تكن مشاق الطريق ووعورته وصعوبة التحرك هي كل ما
стр. 159
تعرض له الجيش الصليبي أثناء تراجعه، وإنما كانت الصعوبة الحقيقية هي في رد الإغارات التي شنها المجاهدون الجزائريون والتي لم تتوقف طوال أيام المسير، في الليل كما في النهار، مما اضطر الإمبراطور (شارلكان) إلى وضع الفرقة الإيطالية في الميمنة، وعلى أبعد مسافة من الضربات المحتملة للجزائريين، في حين أسند حماية المجنبة اليسرى والمؤخرة للفرسان المالطيين والمشاة الإسبانيين. وتولى هو بنفسه قيادة المؤخرة، لرد هجمات المجاهدين، وإنقاذ من يسقط من الرجال. وبذلك لم تصل القوات إلى منطقة أنقاض مدينة (رسغوليا) - المدينة الرومانية القديمة - إلا وقد استنزفت المسيرة بقية ما تمتلكه من القدرة والجهد. وقضت بتلك الأطلال يومي الأحد والإثنين، حيث استعادت بعضا من قوتها، ثم بدأت عملية ركوب البحر يوم الثلاثاء (الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر -) وانتهت عملية الركوب يوم (٣) تشرين الثاني، وكان الإمبراطور هو آخر رجل ركب البحر إلى مدينة بجاية، وفي الطريق ابتلع البحر الهائج بعضا من السفن أيضا، وأصاب بعضها بالعطب، فكانت أعمال الإصلاح والترميم تتم فوق السفن بلا انقطاع وتوقف. وعندما وصلت القوات إلى بجاية. وجدت أن الموقف أسوأ مما كان متوقعا. فقد أحكم المجاهدون العرب الحصار على الحامية، ومنعوا عنها التموين، إلا ما كان يقدمه بعض العملاء بأثمان خيالية وبكميات محدودة. ومضى الإمبراطور إلى المساجد التي تم تحويلها إلى كنائس، يمضي معظم وقته بالصلوات والابتهالات. وأصدر أمره بإبقاء الكنائس مفتوحة في الليل والنهار للعبادة. كما أعلن الصيام تذللا إلى الله وخشوعا. ولم يجد الإمبراطور في بجاية ما يعمله فأصدر أمره بجمع اليهود وقتل بعضهم واسترقاق الآخرين وبيعهم في أسواق أوروبا.
стр. 160
ومكث الإمبراطور أربعة عشر يوما في (بجاية). وغادرها يوم (١٦) تشرين الثاني (نوفمبر) ١٥٤١م بعد أن وعد حاميتها بالدعم السريع والإمداد العاجل، وعندما وصل إلى بلاده، رمى بتاجه إلى الأرض، وأقسم ألا يضعه على رأسه إلا بعد استيلائه على الجزائر.
وحرم نفسه من وضع التاج لأنه لم يتمكن أبدا من تحقيق هدفه. وبقيت الجزائر (المحروسة) منيعة على المعتدين.
فاقت نكبة الجيش الصليبي الذي قاده (شارلكان) كل نكبة تعرضت لها الحملات الصليبية من قبل. إذ بلغت خسارة هذا الجيش (٢٠٠) سفينة من بينها (٣٠) سفينة حربية و (٢٠٠) مدفع و (١٢) ألف مقاتل - بين قتيل وغريق وأسير - بالإضافة إلى كامل عتاد الحملة وتجهيزها وتموينها. وكانت غنائم المسلمين عظيمة وصفها أحد مؤرخيهم بقوله: (وبقيت الجزائر كالعروس تختال في حليها وحللها من رخاء الأسعار، وأمن الأقطار ولم يبق لهم عدو يخافون منه، وشاعت هذه القضية في مشارق الأرض ومغاربها، وبقي رعب المسلمين في أعداء الدين مدة من الزمن بأمن الملك العلام ... وخلف اللعين لأهل الجزائر ما ملأ أيديهم غناء، وكسبت البلاد من ذلك أموالا طائلة، وفرج الله على أوليائه المسلمين) (١).
وفي يوم ٢٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٥٤١ بعث الكونت (الونزو دي قرطبة) تقريرا من وهران إلى والده (الكونت د. الكوديت) حاكم وهران. حيث كان ينوب عنه أثناء غيابه وجاء في التقرير ما يلي:
стр. 161
(وردتني معلومات جديدة وموثوقة من الجزائر تفيد بأن الأتراك أنقذوا خمسا من السفن - الإسبانية - التي سحبت أربع منها سالمة إلى الساحل، أما الخامسة فمصابة بعطب بسيط. كما أخرج - الجزائريون - من الماء ستين مدفعا بين كبير وصغير - منها عشرين مدفعا ضخما. وأرسل حسن آغا مندوبا منض قبله إلى ملك تلمسان (الملك محمد) يسأله الإعانة استعدادا لتلقي صدمة الأرمادا الجديدة. كما أرسل مندوبين عنه إلى (فليز - أوباديس) على الساحل الشمالي المغربي من أجل صناعة سفن وابتياع أشياء تحتاجها مدينة الجزائر. كذلك أرسل - حسن آغا - مندوبين اختارهم من بين الفضلاء، وجهزهم تجهيزا حسنا، إلى (حامد بن سليمان) وهو الآن شيخ محلة ملك تلمسان، يسأله القدوم لنجدته في الوقت الذي يعينه له. فأجابه الشيخ حامد: بأنه سيقدم حالا للنجدة إذا بقي على رأس المحلة. كذلك استصرخ حسان آغا لنجدته القائد المنصور وكبار المرابطين بالمملكة التلمسانية).
تلقى (محمد حسن آغا) والي الجزائر ونائب (خير الدين) لقب (الباشا) مكافأة له على ما قدمه من جهد، وما بذله من تضحية، وما أظهره من كفاءة في إدارته للبلاد وفي إحباطه للهجمة الصليبية التي قادها (شارلكان) والتي كان له فضل لا ينكر في إدارة حربها. ومضى (محمد حسن باشا) إلى حشد الإمكانات والقوى بمجرد الانتهاء من معركته. وعمل على استثمار الظفر فتقدم على رأس جماعة قليلة من الجيش إلى (بسكرة) وغيرها من بلاد (الزيبان) وما يحيط بها حتى تخوم الصحراء، وأسفرت رحلته هذه عن انضمام كل هاتيك الجهات إلى النظام الجديد الذي ثبتت جذوره في العاصمة الجزائرية.
لكن أعداء الداخل لم يتوقفوا عن التآمر مع أعداء قومهم
стр. 162
ودينهم، وكان زعيم عائلة ابن القاضي في (كوكو) وهو (محمد بن محمد) من أبرز المتآمرين. وكان شارلكان في حاجة بعد هزيمته لدعم مثل هؤلاء الخونة. فدعم اتصالاته بهم.
وفي تلمسان، قاد (أبو زيان) شقيق الملك محمد - المرتبط بمعاهدة تحالف مع (شارلكان) حركة تمرد، ودعمه (محمد حسن باشا) بالقوات وأمكن دحر (الملك) وإخراجه من تلمسان. وعندئذ تحرك حاكم وهران (الكونت د. الكوديت) لدعم (الملك محمد). ووقعت معركة بين (الملك محمد والقوات الإسبانية) من جهة وبين (أبو زيان) والقوات الوطنية الجزائرية من جهة أخرى عند (شعبة اللحم) على نحو ستة كيلو مترات إلى الشمال الشرقي من (عين تموشنت). وبعد قتال ضار انتصر المسلمون، وتمكنوا من إبادة القوة الإسبانية في شوال ٩٥٠ - هـ (كانون الثاني - يناير - ١٥٤٣). وعندما علم (شارلكان بالكارثة الجديدة، أرسل جيشا من (١٥) ألف مقاتل إلى حاكم وهران بمهمة الاستيلاء على (تلمسان) وأخضاعها من جديد، واستطاع السلطان محمد حشد مثل هذا العدد. فأمكن له بذلك استعادة سيطرته على تلمسان. غير أن أخاه (أبا زيان) عاد فنظم قواته، ودعمه أهل تلمسان والمسلمون، وأمكن له في (معركة الزيتون) الانتصار على أخيه (الملك محمد) الذي فر إلى بلاد (انكاد) للاستنجاد بقبيلتها القوية. غير أن هذه القبيلة، وقد عرفت خيانته وتعاونه مع أعداء الدين، عملت على قتله هو ومن معه، وانتهت بذلك حياة أخطر أعداء الداخل وعادت تلمسان لتسهم مع الجزائر في بناء المستقبل.
هـ - الصفحة الأخيرة في حياة (خير الدين)
لم يكن (خير الدين) وهو في عاصمة الإمبراطورية
стр. 163
(القسطنطينية) يمارس عمله قائدا أعلى للأسطول الإسلامي العثماني، غافلا أو متغافلا، عما يدبره أعداء المسلمين. وقد تابع المراحل المختلفة التي أعد فيها (شارلكان) حملته. وقد اقترح منذ شهر حزيران (يونيو) ١٥٤١ تجهيز أسطول حربي من مائة سفينة، يتم إرسال خمسين سفينة منها إلى مياه الجزائر لاعتراض الأسطول الإسباني. في حين يتم إرسال خمسين سفينة أخرى لاعتراض هذا الأسطول وهو في عرض البحر - غير أن المسؤولين في الديوان - الوزارة - لم يوافقوا على الاقتراح بحجة أن الجهد الحربي الذي تتطلبه الدولة في صراعها مع الغرب يتطلب المحافظة على الكتلة الرئيسية للقوات البحرية في مياه شرقي المتوسط. غير أنه تقرر إرسال دعم عاجل بمجرد التأكد من تحرك (شارلكان) إلى الجزائر. بحيث يقف الأسطول الإسباني عندها محاصرا بين القوات الجزائرية برا، والأسطول العثماني بحرا. وهكذا فما كادت أخبار الحملة الإسبانية على الجزائر تصل إلى الديوان حتى جهز (خير الدين) أسطرلا قويا، وتولى قيادته بنفسه وهو ييمم شطر مياه الجزائر. غير أن معركة الجزائر لم تستمر أكثر من (١٢) يوما - من الأحد ٢٣ تشرين الأول - أكتوبر - وحتى يوم الخميس ٣ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٥٤١.
وعندما وصل (خير الدين) كانت المعركة قد انتهت بالانتصار الحاسم للقوات الجزائرية. وتوقف (خير الدين) فترة قصيرة، اطلع فيها على تطورات الموقف، وشارك شعب الجزائر فرحة انتصاره. ثم انطلق بأسطوله نحو المياه الأندلسية والمياه الإيطالية، متنقلا ما بين مدنها الساحلية، موجها الإغارات للتوغل داخل الأقاليم حيث كان المجاهدون يندفعون بحماسة فيقتلون ويأسرون ويغنمون، وهم في ذلك كله ينتقمون لما حل بالمسلمين في تونس ووهران وتلمسان.
стр. 164
وبجاية، علاوة على ما نزل بمسلمي الأندلس. وحصل المسلمون عل مغانم ضخمة، هي بعض ما غنمه الإسبانيون من ثروات العالم الجديد (أمريكا الجنوبية).
ولم يكن باستطاعة بقايا الأسطول الإسباني الخروج لاعتراض (خير الدين) بعد خسارته الفادحة في الجزائر، فمارس المسلمون إغاراتهم بحرية مطلقة.
وفي تلك الفترة حدث تحول على الساحة الأوروبية. فقد تدهورت العلاقات من جديد بين ملكي إسبانيا وفرنسا. وكان الإسبانيون قد قتلوا في (لومبارديا) بإيطاليا رسولين فرنسيين، كانا يعبران البلاد الإيطالية المحتلة وهما تحت لواء السلام المنعقد بمدينة (نيس). وكان ألهما يحمل رسالة لدولة البندقية. في حين كان الثاني يحمل رسالة للسلطان (سليمان القانوني) فعادت الحرب بين الدولتين التي سيرتها الأولى. ومد السلطان سليمان يده من جديد إلى (فرانسوا الأول - ملك فرنسا) ضد العدو المشترك (شارلكان) , وتولى (خير الدين) قيادة الأسطول، وجعل من مدينة (مارسيليا) قاعدة لقيادته ومقرا لأسطوله وهناك - في مارسيليا - باع خير الدين ورجال أسطوله الغنائم التي حملوها معهم من إسبانيا، كما باعوا فيها رقيق الإسبان من الرجال والنساء. فتداولتهم أيدي القوم، واشتراهم الإفرنسيون بضاعة رابحة، ثم أخذوا يبيعونهم بأرباح طائلة إلى يهود (ليفورنو) الإيطالية، وكان هؤلاء بدورهم يعيدون بيع الأسرى الأرقاء إلى الإمبراطور (شارلكان) بأرباح خيالية. وانضم الأسطول الفرنسي إلى الأسطول العثماني بأمر من ملك فرنسا. ووضع قائد الأسطول الإفرنسي (الأمير فرانسوا دوبوربون) قواته تحت قيادة (خير
стр. 165
الدين) باعتباره القائد العام للقوات المتحالفة (العثمانية - الإفرنسية). وكان أول عمل قام به (خير الدين) هو قيادة القوات لمهاجمة (نيس) وطرد (حاكمها دوق سافوا) وانتزاعها من الحكم الإسباني وإعادتها لملك فرنسا. ثم استقر خير الدين بأسطوله في مدينة (طولون) وجعلها قاعدة للجيش الإسلامي والأسطول الإسلامي، بعد أن غادرها معظم سكانها بأمر ملك فرنسا، وتركوها في أيدي المسلمين. ثارت ثائرة المسيحية جمعاء ضد هذا التصرف الإفرنسي. وأخذت الدعاية المضادة للمسلمين تجتاح أرجاء أوروبا، يحملها الإسبان وغلاة الصليبية، ويستثمرونها إلى أقصى الحدود. ومن ذلك قولهم: (إن خير الدين قد اقتلع أجراس الكنائس، فلم تعد تسمع في طولون إلا آذان المؤذنين) وبقي خير الدين والجند الإسلامي بمدينة طولون حتى سنة ١٥٤٤م.
وكان (شارلكان) أثناء ذلك قد هاجم شمال شرقي فرنسا، وانهزم تحت جدران (شاتو تييرى) (١) ثم اضطر للذهاب إلى ألمانيا، حيث كانت حركة التمرد البروتستانتي ضد الكاثوليكية بصفة عامة، وضده بصورة خاصة، قد أخذت أبعادا خطيرة. وأرغمه ذلك - بعد أن هوى نجمه وذبل عوده بنتيجة نكبته أمام الجزائر - إلى عقد معاهدة مع ملك فرنسا يوم ١٨ - أيلول (سبتمبر) ١٥٤٤ في مدينة (كريسبي دي فالوا) (٢) - ونتج عن هذه المعاهدة جلاء (خير الدين) وقواته عن
стр. 166
مدينة (طولون) ورجع إلى العاصمة (استانبول). وبما أن الحرب لم تتوقف بين إسبانيا والمسلمين، فقد استمر (خير الدين) في ممارسة الأعمال القتالية أثناء طريق عودته، فتوقف أمام مدينة جنوة، وارتاع مجلس شيوخها، فأرسل له مجموعة من الهدايا الثمينة مقابل عدم التعرض للمدينة بأذى، فتابع (خير الدين) طريقه حتى وصل جزيرة (البا) التي كانت تحت حكم إسبانيا - والتي أصبحت منفى نابليون بونابرت فيما بعد - فاحتلها، وغنم ما بها، كما احتل عددا من المدن الساحلية، من بينها مدينة (ليباري) ورجع إلى العاصمة وسفنه مثقلة بالغنائم فاستقبل كأحسن ما تسقبل به الأم أبناءها البررة.
ولم يعمر خير الدين بعد ذلك طويلا، ومضى إلى جوار ربه، وكان قد سبقه رفيق جهاده - واليه على الجزائر - محمد حسن باشا سنة ١٥٤٤م. فتم تعيين المجاهد (القائد الحاج بكير) لولاية الجزائر بصورة مؤقتة ريثما يتم تعيين وال جديد.
وتوفي (خير الدين) ولم يترك من الولد بعده إلا ابنه حسان وكانت أمه عربية من مدينة الجزائر.
واعترافا بفضل خير الدين، وتلبية لرغبة الجزائرين، أسند السلطان (سليمان القانوني) رتبة (أمير البحر - باي لرباي) إلى ابن خير الدين الوحيد (حسان) الذي ولد بمدينة الجزائر وتربى بين أهلها، وتعلم على أيدي علمائها. وكانت أمه سليلة إحدى بيوتاتها الكبيرة.
وغاب بوفاة (خير الدين) نجم طالما أضاءت له سماء المسلمين في البر والبحر، وانطوت بغيابه صفحة ناصعة من صفحات الجهادفي سبيل الله لتبدأ صفحة جديدة.
стр. 167
غير أن ما تركه للدنيا يبقى خالدا في الدنيا، وما عمله لآخرته يلقاه خالدا مع الخالدين. وأفضل ما أقامه في الدنيا هو تكوينه للدولة الجزائرية التي أخدت على عاتقها واجب (الجهاد في سبيل الله) ضد كل الحملات الصليبية.
و- خير الدين وموقعه في فن الحرب
لم تكن حروب (خير الدين) في البر والبحر إلا نوعا من (حروب الإيمان) التي عرفها العرب المسلمون ونشروها على الدنيا كلها. ولقد أبرزت الملامح العامة لسيرة (خير الدين) وفقا لما سبق عرضها أن هذا القائد العظيم قد جابه في حياته صعوبات لا نهاية لها، بل إن هذه السيرة لم تكن أكثر من سلسلة من العقبات والصعوبات الآخذ بعضها برقاب بعض والتي لم يكن أقلها مجابهة قوات متفوقة على قوته بما لا يمكن قياسه أو مقارنته في موازين القوى التقليدية، ولم يكن أقلها أيضا التعرض لنكسات مريرة وصلت به إلى حد التجرد من كل القوى، إلا قوة الثقة بالنفس والإيمان الذي لا حدود له، والتي لم يكن أقلها كذلك فقد الأعزاء - أخوته في الدم وفي الجهاد في سبيل الله حيث سقط الثلاثة فوق ثرى المغرب العربي الإسلامي -.
والأمر مماثل فيما تلقاه (خير الدين) من الغدر على أيدي أعداء الداخل من الخونة والذين خذلوه المرة بعد المرة، غير أن ذلك لم يضعف من تصميمه، أو ينال من عزيمته. ثم جاءت أخطار البحر والجوع والعطش والحرمان كلها لتحتل مكانتها في جملة ما جابهه (خير الدين) من العقبات والصعوبات.
وقد كان من المحال احتمال ذلك كله - أو حتى بعضه لولا
стр. 168
ضريح البطل خير الدين باشا بحي باشكطاش باستامبول
стр. 169
(الإيمان المطلق) ولولا ما يفرضه هذا الإيمان من فضائل كثيرة: كالوفاء والإخلاص وإنكار الذات والاستعداد الدائم للتضحية والصدق والشجاعة بكل أشكالها.
وكانت حروب (خير الدين) نوعا من (حروب الإيمان) في البر والبحر، وهو ما أكدته سيرة القائد الخالد، وهو ما تبرزه القصة التالية:
(عندما توفي عروج، وأسندت إلى خير الدين القيادة، استدعى رجاله ليتهيأوا للحرب ضد الإسبان الصليبيين، وبينما هو يعمل من أجل إخراج هذه الفكرة من حيز القول إلى حيز العمل، إذ جاءه رسول من ملك إسبانيا (شارلكان) يأمره بالتخل عن الجزائر لأنها كانت تحت تصرف الإسبان، ويستطيع الإسبانيون أن يخرجوها من أيدي العثمانيين وخير ملك إسبانيا (خير الدين) بين أمرين: أولهما أن يسلمها دون قتال، وثانيهما أن يستعد للقتال. وذكر له بأنه يجب ألا ينسى أن الإسبان لم تخذلوا في معركة، وأنهم قتلوا أخويه إلياس وعروج، وإن تمادى فيما هو عليه وركب رأسه فإن عاقبته ستكون كعاقبة أخويه. فأجاب خير الدين: ((سترى غدا، وإن غدا ليس ببعيد، أن جنودك ستتطاير أشلاؤهم، وإن مراكبك ستغرق، وإن قوادك سيرجعون إليك مكللين بعار الهزيمة).
عند ذلك طاش عقل الملك من هذا الجواب الحاسم، وطار لبه، وجهز كل ما عنده من قوة وحضر إلى الجزائر، وخرج له خير الدين ومعه حزم وعزم، وتلا على جميع قواده وجنوده قوله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾. وتقدم للميدان ومعه رجاله، وقال لهم: (إن المسلمين في المشرق والمغرب يدعون لكم بالتوفيق، لأن
стр. 170
انتصاركم انتصار لهم، وإن سحقكم لهؤلاء الجنود الصليبيين سيرفع من شأن المسلمين وشأن الإسلام). فصاحوا كلهم (الله أكبر) وهاجموا الإسبان فأبادوهم عن آخرهم) (١).
إن هذه الصورة لا تختلف أبدا، لا في شكلها ولا في مضمونها عن صور أولئك القادة المجاهدين في سبيل الله، والذين خرجوا من جزيرتهم فحملوا إلى الدنيا رسالة الإسلام. غير أن الموقف العام لم يكن في عهد (خير الدين) مشابها لما كان عليه أيام الفتح، فقد أخذ الضعف طريقه إلى قلوب المسلمين وأنظمتهم، فقد كانوا من قبل تحت قيادة واحدة لا تسمح لأعداء الداخل بالظهور أو بممارسة دورهم في التأثير على التيار العام. في حين أصبح لهؤلاء دورهم في توجيه الأحداث وكان أخطر ما في الأمر أن هؤلاء كانوا يحتلون مراكز قيادية تسمح لهم بممارسة دور خطير ضد مواطنيهم وإخوانهم في الدين.
والواضح أن قضية (أعداء الداخل) هي من أخطر القضايا التي جابهت المسلمين في عصر التحول من الهجوم الشامل إلى الدفاع الشامل، وهي الظاهرة التي سبق لها أن برزت أيام الحروب الصليبية في المشرق، ثم تكرر حدوثها في الأندلس الإسلامية، وجاءت لتبرز من جديد على مسرح أحداث المغرب العربي - الإسلامي، فكانت في طليعة العقبات التي اصطدم بها (خير الدين) والتي أمكن له معالجتها بحزم أحيانا، وباللين والإغراء في أحيان أخرى، وفقا لما كان يتطلبه الموقف.
وقد كان القضاء على أعداء الداخل هو المرحلة الأساسية
стр. 171
لتحقيق الانتصار الخارجي. ومن هنا أيضا، فقد كان للإنتصار الخارجي دوره بإضعاف أعداء الداخل وكشف خياناتهم، الأمر الذي ساعد على تصفيتهم. ولقد بقيت هذه العلاقة الجدلية الثابتة بين القوة الخارجية والقوة الداخلية هي العلاقة الثابتة والمميزة لقوة الأنظمة وقدرتها على البقاء والاستمرار، والأمر صحيح بالنسبة للعلاقة الجدلية المضادة، فالتمزق الداخلي وبروز (أعداء الداخل) ما هو إلا دليل في الواقع على مرحلة احتضار الدول وبرهان على قرب انهيارها. ومن هنا أيضا تظهر أهمية الدور الذي اضطلع به خير الدين في إنقاذ المغرب العربي الإسلامي من المحنة التي كان يجابهها، والتي كان يتعرض لها. فقد أدت الهجمة الصليبية إلى ظهور الطبقة المتسلطة من (أعداء الداخل)، ولم يكن هناك من أمل لتحويل التيار إلا بظهور قوة يمكن لها مجابهة القوى الصليبية، الأمر الذي يفسح المجال للقوى المؤمنة الصادقة لممارسة دورها التاريخي والاضطلاع بمسؤوليتها القومية والدينية، وكانت الجزائر بأرضها وبشعبها منبت تلك القوى التي عملت على تحويل تيار الاستسلام إلى تيار المجابهة.
لقد استطاع (خير الدين) مجابهة الهجمة الصليبية في أشرس مراحلها، مرحلة تصفية الأندلس الإسلامية، واستطاعت (الجزائر المحروسة) مجابهة الهجمة الصليبية وهي في ذروة قوتها وجبروتها. ونشأ عن هذا التلاحم الصادق بين (تيار الأحداث) و (قصة البطل) ظهور الملحمة الخالدة. ملحمة بناء الجزائر قوة لها وللعرب المسلمين فوق كل أرض العرب المسلمين. غير أنه في مرحلة التحول الحاسم، كان من المحال إعادة العجلة إلى الوراء، والعودة بالأندلس إسلامية كما كانت أيام الفتح، فقد أظهرت مسيرة الأحداث - عبر سيرة القائد خير الدين - تلك القوى الهائلة التي تكتلت للعمل ضد المسلمين في مشارق
стр. 172
الأرض ومغاربها وعلى كافة الجبهات في أوروبا كما في أفريقيا الإسلامية، وفي البر كما في البحر. ومن هنا تظهر أهمية الدور الذي اضطلع به (خير الدين) ومن ورائه (الإمبراطورية العثمانية) في إيقاف الهجمة الضارية، والتصدي لها، والعمل على إحباطها. ومن هنا أيضا تظهر كفاءة (خير الدين) السياسية، وتفكيره السليم، عندما ربط جهوده بجهود المسلمين في الجزائر - وفي المغرب العربي - الإسلامي من جهة مع جهود الإمبراطورية العثمانية من جهة أخرى.
ذلك هو موقع (خير الدين) في التاريخ، إنه قائد التحول في مسيره الصراع من مستوى العمليات المحدود إلى المستوى الشامل. ومن المستوى المحلي إلى المستوى الدولي. ولقد مر هذا التحول بمراحل مختلفة، بداية من ممارسة القرصنة (الحرب الدفاعية المحدودة) إلى مستوى العمليات المحدودة لمصلحة (دولة تونس) ومنها إلى مستوى المغرب العربي - الإسلامي، ومن هذا المستوى إلى مستوى العالم الإسلامي عبر ربط الصراع بالإمبراطورية العثمانية. ولقد مر هذا التطور عبر الإدراك التام لطبيعة المرحلة وطبيعة الصراع الذي كانت تخوضه الأمة العربية الإسلامية خاصة والأمم الإسلامية عامة، وهنا نعود إلى بداية القصة.
لقد خرج (عروج) إلى البحر غازيا مجاهدا لمقاومة الظلم الذي يتعرض له المسلمون في الأندلس وفي كل مكان من أوروبا، ووقع في قبضة الأمر، وعانى عبودية القيد، فكان لذلك دوره في تحديد هدفه من الصراع (الجهاد في سبيل الله). وانطلق مع أخوته، ومع فئة من المجاهدين، في هذه الحرب غير المتكافئة، ووظف الأخوة (ذوي اللحى الشقراء) انتصاراتهم لمصلحة (سلطان الحفصين في تونس)
стр. 173
غير أن هؤلاء كانوا دون مستوى المسؤولية خلال تلك المرحلة التاريخية، وجاءت مسيرة الأحداث والتي دفع (الأخوة ذوي اللحى الشقراء) ومعهم الشعب المجاهد في المغرب العربي الإسلامي ثمنها غاليا من دمائهم وكرامتهم. وتأكد خير الدين عبر هذه التجارب الذاتية أنه من المحال مجابهة الهجمة الصليبية الشاملة بحروب محدودة ذات هدف محدود، كغنم سفينة أو الدفاع عن مدينة، أو الإغارة على جزيرة. فكان الدفاع الشامل هو الأسلوب الوحيد لمجابهة الهجوم الصليبي الشامل.
وكان (عروج) وأخوه (أصحاب اللحى الشقراء) قراصنة، بذلك اشتهروا وبذلك عرفوا، غير أنهم لم يكونوا قراصنة في أساليبهم وأهدافهم , لقد خرجوا للجهاد في سبيل الله، فكانوا زاهدين بما يحوزونه من غنائم، وما أرادوا من الغنائم إلا استنزاف قدرة العدو وزيادة قوة المسلمين، بدلالة تقديم ما كانوا يحصلون عليه إلى (والي تونس) وإلى (بيت مال المسلمين) وإلى صندوق الخزانة في الإمبراطورية العثمانية. ء وأفاد الجميع من هذه الغنائم ما عدا (الأخوة أصحاب اللحى الشقراء) غير أن فائدتهم كانت أكبر من كل تقويم عندما أمكن لهم دعم القدرات في الجزائر بعد أن أهدر (ملك تونس) هذا الدعم ووظغه في غير مصلحة الإسلام والمسلمين.
ولم يكن (خير الدين) يبحث عن (مجد شخصي) بدلالة عزوفه عن هذا المجد عندما عرضه عليه (شارلكان) في حين تهاوى (أعداء الداخل) فكان في ذلك سقوطهم، وكان في ذلك المجد الحقيقي والخالد للبطل (خير الدين) الذي ربط جهده وعمله ووجوده بقضية المسلمين , في حين انتهى أولئك الذين عملوا لدنياهم، وسطروا أبشع
стр. 174
صورة (لأعداء الوطن والدين).
يمكن بعد ذلك الانتقال للملامح العامة لأسس (فن الحروب) التي استخدمها (خير الدين) والتي مكنته من تحقيق انتصاراته الخالدة.
لقد كانت تلك الأسس في الواقع، صورة عن أسس (فن الحرب عند العرب المسلمين) بطرائقها التقليدية والثوروية. فقد بدأ (أصحاب اللحى الشقراء) بالبحث عن قاعدة قوية ومأمونة، بدأت (بحلق الوادي) و (جزيرة جربة) وانتهت بقاعدة الجزائر. وقد كان تكوين القاعدة القوية والمأمونة هو أول عامل من عوامل النجاح.
وكانت طرائق القتال - في البر والبحر - نموذجا من الحروب التشتيتية - التي برزت كظاهرة مميزة في الحروب الثوروية الحديثة والتي تعتمد على مرحلتين أساسيتين - مرحلة الاستنزاف ومرحلة الهجوم الشامل.
وفي الواقع فقد كان من المحال مجابهة التفوق للقوى الصليبية بغير هذا الأسلوب الذي أكد فاعليته في حروب الجزائر - الثلاثة وآخرها حملة شارلكان - بقدر ما أكد فاعليته في الحروب البحرية. حيث كانت تقوم مجموعات خفيفة الحركة، بتوجيه ضربات عنيفة ومباغتة ثم الانسحاب قبل أن يستفيق العدو من ذهول الصدمة. وقد أدى تنفيذ هذه العمليات باستمرار إلى استنزاف قدرة العدو المادية والمعنوية قبل مجابهته بهجوم شامل يدمر بقية قدرته على الصمود والمقاومة.
ولقد كان من المحال تحقيق النجاح في مثل هذه العمليات لو لم
стр. 175
تتوافر كفاءة قيادية عالية، تتولى إدارة المعركة في كل مرحلة من مراحلها الصعبة.
وقد توافرت العوامل الثلاثة للنصر: شعب مجاهد في سبيل الله، وتطبيق رائع للعقيدة القتالية الإسلامية وقيادة على درجة عالية من الكفاءة.
بذلك انتصر (شعب الجزائر) وبذلك انتصر (خير الدين) فكتب شعب الجزائر مع خير الدين قصته الرائعة في الجهاد والمجاهدين.
ولم يكن (خير الدين) قادرا على تحقيق ما يريده لولا ما قام به شعب الجزائر المجاهد، وما كان شعب الجزائر ليصل إلى هدفه لولا توافر قيادة حازمة مارس (خير الدين) دوره في تكوينها وصنعها لتصبح على مستوى الأحداث.
لقد مضى خير الدين إلى جوار ربه راضيا مرضيا، وبقي شعب الجزائر يردد على مدى الدهر تلك الأسطورة الخالدة (أسطورة بابا خير الدين) الذي تولى قيادة الجزائر المجاهدة في أصعب ظروف الجهاد. وضمن لها مصادر القوة الذاتية - قوة الإيمان وقيم الجهاد في سبيل الله.
ومضى خير الدين إلى جوار ربه راضيا مرضيا، وبقي المسلمون يرددون الأغنية الحلوة، أغنية القوة والكرامة: لقد نصر الله فنصره الله ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ صدق الله العظيم.
стр. 176
قراءات
١ - تجربة استعمارية (معاهدات إسبانية).
٢ - في أدب الحرب - الشعر في الحض على القتال والجهاد.
٣ - عروج في الخالدين.
٤ - معاهدة ملك تلمسان مع الإمبراطورية الإسبانية.
٥ - رسالة السلطان سليمان القانوني إلى ملك فرنسا.
٦ - شارلكان - وبربروس
.
стр. 177
- ١ -
تجربة استعمارية
(معاهدات إسبانية)
كان رد ملك إسبانيا (فرديناند) على اقتراح قائده (دون بيدرو) هو التالي:
(لتكن المعاهدة مع مولاي عبد الله مبنية على الواقع الحاصل ولتكن ذات مفعول دائم. وبما أن بجاية قد أصبحت ضمن ممتلكاتنا، تنفيذا للقرار الصادر بذلك من الكنيسة الرومانية، فلا يمكن أن يعطى لمولاي عبد الله لقب - ملك بجاية - بل ليكن ملكا على أي مكان يختاره فيها عدا البلاد الساحلية، إذ أن مدينة (بجاية) وملحقاتها ومداخيلها وتولي الأحكام فيها، وكذلك كل البلاد الأخرى والمدن والقرى الموجودة على ساحل البحر، يجب أن تكون لنا وحدنا خالصة بصفة تامة مطلقة، ولا يحق لولاي عبد الله أن يدعي أي حق له عليها، أو أي حكم على سكانها من النصارى أو المسلمين. وبما أن البلاد المذكورة ومدنها وقراها هي من ممتلكاتنا الخاصة، فإننا نعترف لمولاي عبد الله بالملك على بقية البلاد الداخلية من المملكة مع مداخيلها وأحكامها، إنما نحتفظ لأنفسنا بالحق الأعلى في الإشراف على القضاء
стр. 178
الذي هو من حق السيادة. كما يجب أن يلتزم الملك بدفع جزية سنوية تترك له حرية تقديرها. ويسمح لعبد الله ومائة من أعوانه أن يسكنوا مؤقتا ربض بجاية إلى أن يجد عاصمة لملكه، وعلى شريطة أن لا يبني بذلك الربض مسجدا).
أيار (مايو) ١٥١٠.
ونظرا لسحب القائد (بيدرو) من المغرب ومغادرته (بجاية) في ٧ حزيران (يونيو) واستبداله بحاكم جديد (هو دون انطونيو) فقد اضطلع هذا بعقد المعاهدة التي جاء نصها كالتالي:
بين الملك (فرناندو) ملك إسبانيا والصقليتين.
وبين مولاي عبد الرحمن ملك جبال البربر.
وبين مولاي عبد الله حفيده.
انعقدت المعاهدة على القواعد والأسس التالية:
أولا: انعقد بهذه المعاهدة صلح دفاعي هجومي في سبيل مصلحة إسبانيا، وبين الملك عبد الرحمن والملك عبد الله. كما انعقد بينهما معا من جهة، وبين الملك فرديناند من جهة أخرى حلف دائم المفعول.
ثانيا: يستمر مولاي عبد الرحمن ملكا على جبال القبائل.
ثالثا: يعترف عبد الرحمن علنا بامتلاك إسبانيا لمدينة بجاية وصخرة الجزائر وتادلس وكل المراسي التي على البحر وما يتبعها - ولم يأت هنا ذكر مدن الناحية الغربية لأنها داخلة ضمن نطاق التعاقد مع بني زيان في تلمسان.
стр. 179
رابعا: إرجاع كامل الأسرى المسيحين إلى الإسبان دون أدنى مقايضة.
خامسا: العمل على إصلاح كل القلاع والمعاقل الموجودة في المملكة.
سادسا: يبعث الملك عبد الرحمن بولده محمد رهينة عند الإسبان، كما يبعث الملك عبد الله بولده البكر (١) رهينة أيضا. وذلك لضمان تنفيذ المعاهدة.
سابعا: يتعهد العرب بتزويد مدينة بجاية الإسبانية سنويا بالمواد والمقادير الآتية:
٣٦٠٠ فنيق من القمح (٢).
١٠٠ فنيق من الشعير.
٥٠ فنيق من الفول.
١٠٠٠ رأس من الغنم.
٥٠ بقرة.
١٠٠٠ حمل من الحطب.
فأما أحمال الحطب فتسلم مجانا لحامية بجاية. وأا بقية المواد، فإن الموردين يتقاضون ثمنها (٣).
стр. 180
- ٢ -
في أدب الحرب
(الشعر في الحض على القتال والجهاد)
عندما سقطت وهران تحت حكم الصليبيين (الإسبان)، وترك أهلها المسلمون تحت سيطرة (اليهودي ابن اليهودية - أشطورا) انطلق العالم أحمد بن القاضي شيخ (عبد الله بن علي المساوري) و (شيخ العلامة سعيد قدورة الجزائري) بقصيدة يستنهض فيها الهمم ويحض قومه على القتال. ومنها:
فمن مبلغ عني قبائل عامر ... ولا سيما ممن ثوى تحت كافر
وكل كمي من صناديد راشد ... بتيجانهم، مع رأسها عبد قادر
وجيرانهم في الغرب من كل ماجد ... طويل القنا أهل الوفا والمغافر
وطلحة والأحلاف في غرب هبرة ... وشيح سويد بل وكل مفاخر