← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

خلالها الأصوات الأبدية، هاتفة باسم الحق، مؤيدة كلمة الفضيلة، ناطقة بقداسة الشرف واحترام العدالة والإنصاف، ولا تكاد هذه الأنوار تبدو، حتى تغشى عيون الآثمين، ويخطف سنا برقها أبصار المجرمين، ولا توشك تلك الأصوات أن تهتف حتى ترتجف منها قلوب الظالمين. وترتعد لها فرائص المنافقين. ويحس أولئك وهؤلاء في أفئدتهم بالرهبة من السماء، تهددهم وتنذرهم بالويل والثبور، وعندئذ يحنقون على أهل هذه التعاليم القوية الكاشفة عن تضليلهم، والفاضحة لتغريرهم، ويودون أن يمزقوهم شذر مذر ليزول سلطانهم، ويتزلزل كيانهم، وعندئذ لا يجدون أمامهم أنجع من وسائل الدس والتفريق، ولا أنجح من بث الشقاق والتمزيق. ولا أحد من سيف الإغراء والإغواء، وتملك المطامع، والتزلق إلى الأهواء. وإنشاب أظافر الاستعمار في بلادهم، والهيمنة على مواقفهم، والتسلط على مواردها ومصادرها حتى يستذلوا فيخفتون بهذا الاستذلال ذلك الصوت الذي يروعهم نهارا ويقض مضاجعهم ليلا. ولكن لو أن المسلمين أخلصوا لدينهم، واتبعوا تعاليم كتابهم، وتخلقوا بأخلاق نبيهم، لسخروا من كل إغراء، ونظروا إلى المثل الأعلى المرسوم في قرآنهم. وتطلعوا إلى السمو المتمثل في كل آية. وأيقنوا أن هذا الكتاب، شأنه أن يقودهم إلى الحرية والسعادة. بل إلى الرفعة والسيادة. ذلك بأنه إذا انتصرت في قلوب المؤمنين روح الخير التي تمثل الألوهية على الأرض، تعهدت هذه الروح العلائق بين الإنسان وربه بالتقوية والإنماء.

стр. 1157

ومتى تفرقت تلك العلائق، جعلت النفس المؤمنة تتلقى أوامر السماء بهيئة نقية صافية، ثم تمليها أولا على حياتها العملية الخاصة، حتى يطبق العلم على العمل، فتحقق الحكمة: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. فإذا تم للمؤمن ذلك أفاض تلك الأوامر الإلهية على بيئته ومجتمعه، وقد تتسع هذه الدعوة حتى تعم الإنسانية جمعاء، وإذ ذاك تصلح حال الدنيا ويسودها السلام وتشملها العدالة. ويحل الرضاء محل النزاع، وتحل المحبة محل البغض والحفيظة، ومن آيات ذلك أن الأوامر الإلهية كانت مند غابر العصور ولا تزال وستظل، تقود بني الإنسان إلى الفلاح والكمال إذا وضعوها موضع الاحترام والعناية والتطبيق، ولكنها تشهد دمارهم وفناءهم إذا هم سحبوا عليها ذيول الإهمال والنسيان. فالقرآن إذا هو روح الإسلام الذي أشع ولا يزال يشع في الوجود، وهو قلبه الذي ينبض بالحياة، وعقله الذي به يفكر ويتأمل، والذي ضمن له ذلك الامتياز على جميع ما عرفته البشرية من أديان، والذي أفاض تلك المبادىء السامية الخالدة. ويشتمل القرآن على كل خير الإنسانية وعوامل رقيها وتقدمها، محتويا على جميع عناصر الصلاحية لكل الأزمنة، والأمكنة والبيئات والمجتمعات على اختلاف نزعتها، وتباين مشاربها، مما حقق لنبيه أن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين. وجعل رسالته غاية الغايات ونهاية النهايات، وأسند إليها الكلمة الفاصلة، والقول الحاسم في جميع التشريعات الفردية والعلائق الأسرية والقوانين

стр. 1158

المدنية والأنظمة الدولية، والمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسلمية والحربية والمعاهدات السياسية. وبالإجمال كل ما يحتاج إليه الفرد أو الأمة، في الحياة الخاصة أو العامة. إن القرآن هو نظام عالمي واقعي موحى، فهو ينظم تطبيق كل حادثة من أحداث الوجود وشرحها وتقديرها. إنه بالنسبة إلى جميع المؤمنين بمثابة ذاكرة قد أعدت أتم الإعداد. أو مذكرة إحصائية للمفردات اللغوية أو قاموس من القواميس له. وهو بالنسبة إلى كثيرين أيضا كتاب للتعريفات المضمونة والقابلة للتطبيق دائما. إنه مجموعة من اللغات للأفعال العملية وللتأملات الباطنية التي تركز الانتباه في البراهين على المجد الإلهي وقوة الله. والقرآن هو الذي يقوم بدور تبسيط مشكلة منهج الحياة أمام المؤمنين. لأن هذه المجموعة من القوانين الموحاة هي التي تغذي الذاكرة، وتحل عقال العمل دون أن يكون لدى الفكر حاجة للتردد. ويكفينا اعترافات بعض النصارى الذين درسوا الإسلام. يقول مستشرق: (حسب هذا الكتاب جلالا ومجدا أن الأربعة عشر قرنا التي مرت عليه، لم تستطع أن تخفف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضا كأن عهده بالوجود أمس). ويقول مستشرق آخر: (ولقد أتى محمد بكتاب تحدى به البشر جميعا أن يأتوا بسورة من مثله، فعاقهم العجز وشملتهم الخيبة وبهتوا أمام ذلك الإحراج القوي الذي أغلق في وجوههم كل باب).

стр. 1159

ويقول مستشرق ثالث: (لقد تحدى محمد الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وهذا هو برهان رسالته بالمعنى الكامل. ولم يكن الأمر في القرآن يتعلق بقيمة أدبية استثنائية، فإن محمدا كان يحتقر الشعراء. ودفع عن نفسه أن يكون واحدا منهم). هذا هو مجمل آراء فريق من العلماء الذين يبتغون من بحوثهم مرضاة العلم في ذاته، ويقصدون وجه الحقيقة حيث كانت فلا يخرجون عنها. غير أن هناك فريقا آخر من الباحثين الغربيين يخضعون في بحوثهم لأهواء شخصية أو مطامع فردية أو أهداف سياسية أو تعصبات دينية تعميهم عن الحق وتضلهم عن الصراط السوي، فهم حين يدرسرن القرآن دراسة عميقة ويتأملون في مبادئه الأساسية وعناصره الأولية تأملات دقيقة، يتبينون ميزاته التي لا نظير لها في أي كتاب سماوي آخر، نراهم بدلا من الإشادة بهذه الحقائق الناصعة، يسارعون فينظرون إلى بني جلدتهم بأن القرآن كتاب خطير، لأنه اشتمل على مبادىء يمكن أن تقيم الدنيا وتقعدها، وذلك إثر اليقظات الإسلامية التي أصبحت تطل من الشرق والغرب. ولقد خاف هؤلاء أن تكون هذه اليقظات الإسلامية، والحركات الاستقلالية هي أشعة من تباشير الصباح لمستقبل العالم الإسلامي الباسم، وحملة شعلة المعرفة والنور وتطبيق شريعة الله. ذلك هو مشعل النور الذي استمر الأمير عبد القادر في حمله وهو في غياهب سجنه (في سارية امبواز بفرنسا - حيث أقام أربعة سنوات ١٨٤٧ - ١٨٥١) ثم تناقل الأبناء والأحفاد في رفع هذا

стр. 1160

المشعل حتى جاء الأمير خالد، فقام بأداء دوره مدافعا عن الإسلام والمسلمين، حتى مضى للقاء ربه راضيا مرضيا. غير أن جهده بقي حديث الأجيال. وجاء من بعده سلف تابعوا رفع مشعل النور. ولعل أصدق ما يطبق على وصف حال الأمير خالد، قوله تعالى لرسوله الكريم الذي هو أسوة حسنة للناس أجمعين، وإماما هاديا للمسلمين، ونموذجا لما كان - ويكون عليه - الرسل والصديقون والمجاهدون في سبيل الله، وفي سبيل رسالته الخالدة أبدا على الدنيا - مادام في الدنيا صوت للمسلمين، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾ (١).

стр. 1161

قراءات ١ - رسالة الأمير خالد إلى المؤتمر العربي الأول. ٢ - في رثاء الأمير خالد.

стр. 1162

(١) الأمير خالد والمؤتمر العربي الأول انعقد المؤتمر العربي الأول في القاعة الكبرى للجمعية الجغرافية - بشارع سان جرمان - في باريس وذلك في الفترة ١٨ - ٢٣ حزيران - يونيو - ١٩١٣، بهدف مقاضاة الدولة الثانية في حقوق العرب - في ظل الخلافة الثانية -. ولم تكن الجزائر المجاهدة غائبة عنه، إذ كان من المتوقع أن يحضره الأمير خالد، حيث وجهت إليه الدعوة للمشاركة فيه، غير أن الأمير خالد كان في هذه الفترة مشغولا بالاستعداد للسفر إلى دمشق، ولم يترك الفرصة تفوت دون أن يسجل موقف الجزائر في المؤتمر، فبعث بالرسالة التالية التي تليت في الجلسة الختامية: الجزائر - ٢٥ جمادى الأولى سنة ١٣٣١. إلى السادة الأفاضل العظام أعضاء المؤتمر العربي اتصلت بدعوتكم لأبناء الأمة العربية بكل فرح وسرور. وأدعو الله من صميم الفؤاد أن يثبث سعيكم، ,وإني واحد منكم قلبا وقالبا -. وما دامت الأفكار شريفة، والمقاصد عفيفة فلا شك من النجاح. وأخبركم بأن دعوتكم كان لها صوت رنان، وقد انتشرت في جميع الآفاق. وأتتنا الجرائد الشرقية والغربية بما يسر الخاطر، ويبعث على الأمل بنجاح هذه النهضة العامة، ولا شك في أن

стр. 1163

الدولة العثمانية توافق على طلبنا بتحسين الإدارة الداخلية، حتى تترقى سوريا في أوج المعالي. وبترقيتها تكون نتيجة حسنة للدولة العلية. هذا مع أن المراد عدم الخروج من تحت سلطتها فالمولى يوفق الجميع لما فيه صلاح الوطن والأمة. وكنت أود أن أحضر بنفسي في مؤتمركم العظيم، ولكنني مشتغل بالسفر إلى زهرة سوريا، منشئي ووطني دمشق. وهنالك أقف حسب طاقتي بما هو واجب على كل وطني غيور. والسلام. (١) خالد ابن الأمير الهاشمي الحسني حفيد الأمير عبد القادر

стр. 1164

(٢) في رثاء الأمير خالد الجزائر المجاهدة ترتدي السواد حدادا على الأمير خالد، ويقيم شعب الجزائر المجاهد احتفالا تأبينيا، يقف فيه الشاعر الجزائري المجاهد - محمد العيد - ليلقي قصيدة في رثاء أخيه المجاهد (الخالد) بما قدمه لشعبه (تحت عنوان يا بلادا) (١). يا بلادا، يخزى الكرام عليها ... ويعز الأسافل الأوغاد يا بلادا، يطوى الجميل وينسى ... العهد فيها، ويخلف الميعاد يا بلادا، لا يثبت الرأي في شيء ... عليها، ولا يدوم الوداد يا بلادا، يلقى النبوغ بها الشؤم ... ويسعى في قتله الحساد يا بلادا، ما للزعامة فيها ... قوة، أو لزاعميها اتحاد لا تسومي آسادك الغلب ضيما ... فمن الضيم تأنف الآساد

стр. 1165

إكتفي في البرور مني يا أرض ... بشعر به يجيش الفؤاد ذي معان، أبيها مستجيب ... وقواف، عصيها منقاد كل جهدي عليك قول مقفى ... كل مالي يراعة ومداد إنا مهما بكاك مني (امرؤ ... القيس) وحيا حماك مني (زياد) لست أجدي عليك. يا أرض ... ما يجدي عليك النجار والحداد غير حي على البسيطة شعب ... ليس فيه صناعة واقتصاد

стр. 1166

مراجع البحث الرئيسية

стр. 1167

_________ (CHARLES - ROBERT AGRON) PRESSE UNIVERSITAIRES DE FRANCE ١٩٧٢. ٨ - HISTOIRE DE L'ALGERIE CONTEMPORAINE (CHARLES - ROBERT AGRON) QUE SAIS - JE. NO ٤٠٠. PRESSE UNIVERSITAIRES DE FRANCE- ١٩٦٩.

стр. 1168

محتويات الكتاب

стр. 1169

_________ الفصل الثالث: ........................................... ١٦٩ ١ - الأمير خالد في موقعه التاريخي ...................... ١٧١ ٢ - من الجد عبد القادر إلى الحفيد خالد .................. ١٨٥ قراءات: .................................................. ١٩٩ ١ - رسالة الأمير خالد إلى المؤتمر العربي الأول .......... ٢٠١ ٢ - الشاعر محمد العيد - يرثي الأمير خالد .............. ٢٠٣ مراجع البحث الرئيسية .................................... ٢٠٥

стр. 1170

عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية

стр. 1171

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1172

عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية بسام العسلي دار النفائس

стр. 1173

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م دار النفائس

стр. 1174

مقدمة الكتاب يشكل الصراع المسلح أحد وجهي السياسة الاستراتيجية، في حين يشكل الصراع السلمي وجهها الآخر، وتتشابك في حالتي الصراع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الخ ... وقد باتت هذه الحقيقة من المسلمات وذلك منذ أن أطلق (كلاوزفيتز مقولته الشهيرة: (بأن الحرب ليست إلا استمرارا للسياسة، ولكن بوسائل أخرى - هي وسائل العنف والإكراه). ولقد بات من المعروف - عبر التجربة التاريخية الطويلة - أن الصراع السياسي هو الأساس في كل صراع، وهو الذي يسبق الصراع المسلح ويرافقه ويستمر بعده. ولقد استطاعت فرنسا، بتفوقها العسكري، تدمير مراكز القوى العسكرية، وإزالة قواعدها. واستيقظ شعب الجزائر ليجد نفسه وقد بات محروما من كل قدراته، ومجردا من كل أسلحته، ولم تكن فجيعته بفقد أسلحته المادية أكثر خطرا عليه من التدمير المستمر لقواعده المعنوية.

стр. 1175

عند هذه النقطة، تظهر صعوبة الموقف الذي تعرضت له الجزائر المجاهدة، غداة الحرب العالمية الأولى - وهي تتحسس ما حولها لشق طريقها نحو المستقبل، في وسط (ليل الاستعمار) المدلهم الظلام. وعند هذه النقطة أيضا، تبرز فضيلة الرواد التاريخيين الذين استطاعوا مجابهة كل الصعوبات وتحدي كل العقبات، وهم يبنون قاعدة الثورة حجرا بعد حجر، حتى أصبح البناء شامخا، وفي شموخه القدرة الجبارة لمجابهة كل الأعاصير. لقد عرف أولئك الرواد التاريخيون، أنه من المحال عليهم وهم يبنون قاعدة الثورة، إقامة هذه القاعدة فوق أرض رملية رخوة. ولم يكن من الصعب عليهم الاستناد إلى الأرضية الصلبة التي بقيت على الرغم من تطاول عهد التخريب فيها، وعلى الرغم من كل جهود المخربين، قادرة على احتضان قاعدة الثورة وحمايتها. وظهر لأولئك الرواد التاريخيين أن الأصالة الذاتية هي الأرضية الوحيدة التي يمكن اعتمادها لبناء قاعدة الثورة. وبدأت عملية تطوير الربط التاريخي بين ماضي الأمة وحاضرها وبناء مستقبلها. وهنا ظهرت قوة الإسلام العظيم الذي ما اعتنقه المسلمون يوما إلا وكان النصر حليفهم، وما ابتعدوا عنه يوما إلا وكان نصيبهم الفشل والخذلان. ولم تكن الجزائر المجاهدة مفتقرة للرجال، وهي أرض البطولات والأمجاد منذ أن عرفت الإسلام، ممن يستطيعون حمل الرسالة وأداء الأمانة. وفي البحث السابق (الأمير خالد الهاشمي

стр. 1176

الجزائري) بزر بوضوح شكل الصراع المتوقع وطرائقه وما كان عليه حال الجزائر. عند هذه المرحلة، ينتصب جيل من العمالقة الرجال، العمالقة لا في حجمهم وإنما في شدة إيمانهم بحتمية انتصار قضيتهم، قضية الإسلام والمسلمين فوق أرض الجزائر المجاهدة، وفي كل دنيا العرب المسلمين. وبين جيل أولئك العمالقة من الرجال ينتصب الشيخ المجاهد عبد الحميد بن باديس وإلى جواره حشد من عظماء الرجال المؤمنين؛ فيهم الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ مبارك بن محمد الميلي والشيخ أحمد توفيق المدني والشيخ محمد العيد آل خليفة. والعربي التبسي وإبراهيم أبو اليقظان والأمين العمودي ويحيى عمودي ومحمد خير الدين والطيب العقبي والسيد الزاهري ومحمد علي دامرجي والشيخ عبد الرحمن الجيلالي. وعمر راسم (الملقب بابن المنصور الصنهاجي) وأبو اليقظان (رائد الصحافة الوطنية الجزائرية) وسواهم كثير يصعب حصرهم، وليس الهدف هو عرض جيل أولئك الرواد، وإنما الهدف هو إبراز ما توافر للجزائر من رجال عمل معظمهم تحت راية الإسلام وفي نطاق جهد (رابطة العلماء). لقد ترك هؤلاء، وإخوانهم، على صفحة الجزائر المجاهدة أخاديد عميقة، ورفعوا في سمائها منارات مضيئة، فبات من الصعب (الإمساك بكل النجوم) أو الإحاطة بما في القبة الزرقاء من (شهب وكواكب ونجوم) غير أن اعتراف هؤلاء جميعا بما كان

стр. 1177

لرائدهم ومفجر طاقاتهم - الشيخ عبد الحميد ابن باديس - من الفضل في الريادة والجهد، هو أمر كاف للتركيز على جهده بهدف الوصول إلى أرضية الثورة. وإذا كان للثورة الإفرنسية كتابها وأدباؤها وفنانوها الذين رسموا الطريق - طريق الثورة - أمام أجيال الثورة. وإذا كان للثورة الروسية كتابها ومنظروها وباحثوها الذين حددوا معالم الطريق أمام أجيال الثورة. فإن للثورة الجزائرية من كل ذلك نصيب لا ينافسه منافس، ولا يطاله مطاول ولا ينكره إلا مكابر. ولهؤلاء الرواد جميعا فضل على كل مفكري الثورات وواصفي نظرياتها ومفجري طاقاتها، فقد عمل جميع أولئك في ظروف أقل ما يقال فيها أنها كانت متفتحة على آمال النجاح، مبتعدة إلى حد كبير عن ظروف القهر المرعب والضغط الوحشي. أما هؤلاء: علماء ثورة الجزائر، وكتابها وفنانوها وأدباؤها وشعراؤها ورجال صحافتها، فقد عملوا وسط ظروف يصعب وصفها، ووسط مناخ من اليأس القاتل. غير إن القلوب التي يعمرها الإيمان بالله الواحد القهار. والنفوس التي يضيئها نور الإسلام الخالد، استلهمت من إيمانها وإسلامها كل الثقة بالنجاح وكل الأمل في المستقبل. لقد عمل عبد الحميد بن باديس وجيل الرواد، بإيمان لا تزعزعه الجبال بحتمية انتصار الإسلام والمسلمين، ونصروا الله، لصدق الله وعده وأيدهم بنصره، وأمكن لهم بذلك (بناء قاعدة الثورة) بسام العسلي

стр. 1178

سيد المجاهدين وإمام المصلحين العلامة المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

стр. 1179

من أقوال عبد الحميد بن باديس لمن أعيش؟ أعيش للإسلام والجزائر! قد يقول قائل: إن هذا ضيق في النظر، وتعصب للنفس وقصور في العمل، وتقصير في النفع، فليس الإسلام وحده دينا للبشرية. ولا الجزائر وحدها وطن الإنسان. ولأوطان الإنسانية كلها حق على كل واحد من أبناء الإنسانية. ولكل دين من أديانها حقه من الاحترام. فأقول: نعم، إن خدمة الإنسانية في جميع شعوبها، والحدب عليها في جميع أوطانها، واحترامها في جميع مظاهر تفكيرها ونزعاتها هو ما نقصده ونرمي إليه ونعمل على تربية نفوس الناشئة عليه. ولكن هذه الدائرة الواسعة ليس من السهل التوصل إلى خدمتها مباشرة، ونفعها دون واسطة. فوجب التفكير في الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذه الخدمة وإيصال هذا النفع. إذا قلنا العرب، فإنا نعني الأمة الممتدة من المحيط الهندي شرقا إلى المحيط الأطلنطيقي غربا، والتي فاقت سبعين مليونا عدا، تنطق بالعربية وتفكر بها وتتغذى من تاريخها، وتحمل

стр. 1180

مقدارا عظيما من دمها، وقد صهرتها القرون في بوتقة التاريخ حتى أصبحت أمة واحدة. إن الاتحاد الإسلامي والوحدة العربية، بالمعنى الروحي والمعنى الأدبي والمعنى الأخوي، هما موجودان، تزول الجبال ولا يزولان، بل هما في ازدياد دائم، بقدر ما يشاهد الناس من عمل في الغرب ضد العروبة والإسلام ... أما نحن - ونحن أعرف بأنفسنا - فإننا نتيقن أن هذه الأمم الإسلامية العربية استيقظت من سباتها، وهبت للنهوض من كبوتها، وشعرت بكرامتها، وأخذت تذكر ماضيها، أيام حريتها واستقلالها وهو غير بعيد، فانتبهت تعمل لفك قيودها ونيل حريتها (١). الإسلام هو دين الله، ويجب أن يكون أيضا دين الإنسانية، لما فيه من سمو. فهو دين يكبر العقل ويمجده، ويدعو إلى تطبيق جميع أعمال الحياة على أحكام المنطق. والإسلام يستنكر استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، كما يستنكر الطغيان في جميع مظاهره وأشكاله .. والإسلام دين ديموقراطي في كل شيء، فهو لا يقبل بالاستبداد مطلقا، وهو دين إحقاق الحق لكل إنسان عادل ومنصف. إن الشعب الجزائري ليس فرنسيا، ولا يريد أن يكون فرنسيا، وحتى لو أراد، فلا يستطيع أن يكون فرنسيا لأنه بعيد كل البعد عن

стр. 1181

فرنسا، بلغته وعاداته وأصوله وديانته. وإن التجنيس - الذي هو في الحقيقة اختيار جنسية غير إسلامية للمسلمين، ينطوي على التنكر للشرائع المقدسة التي تنظم شؤون حياة المسلمين، وتضع لهم قوانين دنيوية وبشرية (١).

стр. 1182

ومما قاله عبد الحميد بن باديس (شعرا) شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب من قال: حاد عن أصله ... أو قال مات، فقد كذب أو رام إدماجا له ... رام المحال من الطلب يا نشء أنت رجاؤنا ... وبك الصباح قد اقترب خذ للحياة سلاحها ... وخض الخطوب ولا تهب وارفع منار العدل والـ ... إحسان واصدم من غصب يا قوم هذا نشوءكم ... وإلى المعالي قد وثب كونوا له يكن لكم ... وإلى الأمام ابنا وأب وأمزج نفوس الظالمين ... السم يمزج بالرهب وأقلع جذور الخائنين ... فمنهم كل العطب واهزز نفوس الجامدين ... فربما حيي الخشب نحن الألى عرف الزمان ... قديمنا الجسم الحسب ومعين ذاك المجد ... في نسل العروبة ما نضب من كان يبغي وذنا ... فعلى الكرامة والرحب

стр. 1183

أو كان يبغي ذلنا ... فله المهانة والحرب هذا نظام حياتنا ... بالنور خط وباللهب حتى يعود لشعبنا ... من مجده ما قد ذهب هذا لكم عهدي به ... حتى أوسد في الترب فإذا هلكت فصيحتي ... تحيي الجزائر والعرب (١) أعشب الجزائر روحي الفدا ... لما فيك من عزة عربية بنيت على الدين أركانها ... فكانت سلاما على البشرية (٢)

стр. 1184

الوجيز في حياة (ابن باديس)

стр. 1185

تحية وإهداء هذا (ابن باديس) يحمي الحق متئدا ... كذاك يتئد الشمل الأماثيل (عبد الحميد) رعاك الله من بطل ... ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل عليك مني وإن قصرت في كلمي ... تحية ملؤها بشر وتهليل (١)

стр. 1186

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. الفصل الأول ١ - نظرية الاستعمار الإفرنسي وتطبيقاتها في الجزائر. ٢ - حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام. ٣ - الأهداف التربوية للتعليم الاستعماري. ٤ - الفرنسة، والتنصير، نتائجهما. ٥ - الانهيار الكبير أ - الجزائر سنة ١٩٢٥. ب - أحمد بن عليوة - والرحمانية. ج - الشيخ عبد الحليم بن سماية. د - عمر راسم. هـ - احتفال فرنسا بمرور مائة عام على احتلال الجزائر.

стр. 1187

١ - نظرية الاستعمار الإفرنسي (وتطبيقاتها في الجزائر) هل يحتاج أبناء الشعب العربي خاصة والأمة الإسلامية عامة للتعرف على الاستعمار من خلال النظرية؟ وهل أصبحت فترة (ليل الاستعمار) بعيدة العهد، متقادمة البعد، حتى لم يبق منها إلا ذكريات باهتة، وأثار جراح مندملة؟ كلا، ليس الأمر كذلك، فلا زالت جراح الاستعمار تدمي الروح والجسد، ولا زال حضوره يؤنس الأمة العربية - الإسلامية. وهل الاستعمار الاستيطاني في فلسطين الشام، إلا امتدادا لفضائل الاستعمار الغربي في بلادنا؟ وهل الممارسات الصهيونية وأعمال القمع الوحشية، والاستفزازات اليومية، غير تجسيد عملي لما رسمه الوجود الاستعماري على الصفحة الجغرافية لعالم العرب المسلمين؟ وهل المعاناة التي يعيشها الشعب العربي من عقابيل ذلك إلا واحدة من فضائل الاستعمار؟. ثم هل توقفت الهجمة الاستعمارية الصليبية حتى يمكن استحضار الشواهد والنظريات من أجل ربط الأحداث التاريخية وإبرازها؟ وهل ...

стр. 1188

الأسئلة كثيرة ولا نهاية لها. ويعرفها إنسان العالم العربي الإسلامي بقدر ما يعرف إجاباتها. غير أنه بالرغم من ذلك كله. فلا بد، التزاما بمبادىء البحث العلمي وأساليبه، من العودة إلى النظرية للانطلاق منها إلى عالم التطبيق العملي، مما يبرز بوضوح أكبر أهمية الجهد الكبير لدحض النظرية ذاتها وإسقاط تطبيقاتها. وتبرز هنا (التجربة التاريخية لشعب الجزائر المجاهد، بمثابة أبرز نموذج وأوضح مثال للصراع بشأن تطبيق النظرية الاستعمارية الإفرنسية من جهة، ومحاولات مقاوماتها وإسقاطها من جهة ثانية، على أيدي مجاهدي شعب الجزائر، ورواده التاريخيين. الأمر الثابت تاريخيا أن الاستعمار الغربي بانطلاقته المذهلة طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر - خاصة - لم يعتمد على نظرية واضحه المعالم، محددة الأبعاد، وإنما انطلق من خلال - فرض منطق القوة الوحشي، والاستجابة لمتطلبات النهب الاستعماري - (تلبية لاحتياجات الثورة الصناعية). ولعله كان من الأفضل للعالمين، عالم الاستعمار، والعالم الخاضع للاستعمار، البقاء دون نظرية استعمارية، إذن لكان من المحتمل جدا أن يصل الطرفان المتصارعان إلى صيغة تسمح بتبادل المنافع - على نحو ما يتم بذله من جهود في الوقت الراهن، ومع اقتراب القرن العشرين من نهايته، للوصول إلى مثل هذه الصبغة، ولو أن رواسب النهب الاستعماري لا زالت تعترض سبيل مثل هذه التسوية السلمية العادلة والتي يمكن لها ضمان حد مناسب من مصالح كل الأطراف.

стр. 1189

والنظرية الاستعمارية، بعد ذلك، ليست نظرية واحدة ولا موحدة، فهناك نظريات كثيرة مما أبدعته عقول دهاقنة الاستعماريين من مفكرين ومنظرين وباحثين، في كل مركز من مراكز القوى الاستعمارية والمراكز المضادة لها، وفيما بينها أيضا، كمثل ذلك التناقض - أو بالأحرى التباين- بين النظرية الاستعمارية البريطانية أو الإفرنسية أو البرتغالية أو الإسبانية أو حتى الإيطالية والهولاندية. وهناك تباين أيضا في أسلوب تطبيق النظرية حتى بالنسبة للدولة الاستعمارية الواحدة، فتطبيقات الاستعمار الإفرنسي للمغرب العربي - الإسلامي لم تكن واحدة في أقطار المغرب الإسلامي (تونس والجزائر والمغرب) وكذلك بين هذه الأقطار، وبقية البلاد والأمصار التي أخضعتها فرنسا لنظريتها الاستعمارية. ولكن، وعلى الرغم من كل تباين واختلاف، فإن أكثر النظريات رواجا وشمولا لتطبيقات النظرية الاستعمارية هي التالية: (الاستعمار، هو إقامة علاقات مع بلاد جديدة لاستثمار كافة موارد هذه البلاد بكل أنواعها، ووضعها في خدمة الوطن -الاستعماري -. والعمل في الوقت ذاته لنقل فضائل التفوق العلمي والاجتماعي والفكري والأخلاقي والفني والأدبي والتجاري والصناعي الذي تنفرد به العروق المتفوقة للشعوب البدائية التي يتم إخضاعها للاستعمار. وهكذا فإن الاستعمار هو مؤسسة قائمة في البلاد الجديدة الخاضعة للاستعمار، والتي

стр. 1190

يقيمها عرق متفوق لتحقيق الهدف المزدوج الذي أشرنا إليه) (١). قد لا تكون هناك حاجة لدحض مثل هذه المقولة، التي تدحض ذاتها بذاتها، على ضوء التجربة التاربخية. فالتفوق العرقي - المزعوم - لم يكن في يوم من الأيام مرتبطا بالتفوق الحضاري. كما أن أسس هذا التفوق الحضاري تختلف من عصر إلى عصر ومن قارة إلى قارة. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن تعميم معطيات الحضارة الغربية باعتبارها عاملا متمما - أو واجهة تجميلية - لعملية الاستعمار الاقتصادي، إنما تعني القضاء على أسس حضارات أكثر تفوقا من الحضارة الغربية ذاتها وأكثر أصالة منها: (مثل الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية). المهم في الأمر، هو أن النظرية الاستعمارية (قد انتحلت الحق الذي تكمن شرعيته في أهداف الاستعمار ذاتها) ومن خلال إنتحال هذا الحق، عملت الدول الاستعمارية على تأميم الشعوب الخاضعة للاستعمار ومواردها وجعلها حقا لما أطلق عليه الاستعماريون وصفا تجميليا هو: (الكنز أو الثروة المشتركة للإنسانية) وبكلمة أكثر وضوحا: حرمان الشعوب التي يتم إخضاعها للاستعمار من حق التصرف بثرواتها ومواردها بما يتوافق مع مصالحها ومع وجودها ذاته، بعد أن أصبح حق الوجود ذاته مرتبطا بمصلحة القوى الاستعمارية. لقد عملت مراكز القوى الاستعمارية على فرض نظريتها الاستعمارية، دوليا، من خلال إعطائها الطابع الشرعي في

стр. 1191

(معاهدة فرساي) و (مبادىء عصبة الأمم) التي انبعثت عنها، وتضمنت فيما تضمنه: (ليست الإمبريالية إلا الشكل الخارجي - وغير الشرعي في استطالاته المتطرفة - لفكرة ولحاجة لهما أساسهما الشرعي المطلق .... لقد عملت الطبيعة على إجراء توزيع غير عادل، وغير متساو، لقدراتها البشرية ولمخزونها من المواد الأولية في الكرة الأرضية كلها، فبينما توضعت في النهاية القصوى للقارة الغربية - التي هي أوروبا - العبقرية المبدعة للعروق البيضاء، ووفرت لها علم استخدام هذه الموارد الطبيعية، تركت أضخم احتياطيات لهذه الموارد في إفريقيا وآسيا الاستوائية والمحيطات الاستوائية، والتي تتجه إليها المتطلبات الحياتية حيث تندفع لاستثمارها البلدان المتحضرة ... فهل يجب أن تترك تلك المساحات الشاسعة جرداء مقفرة؟ ... وهل يجب أن تهجر للأشواك تلك المناطق غير المزروعة والتي يمكن أن تنبع فيها الحياة والغذاء؟ ... إنه من الواجب على الإنسانية كلها أن تفيد من هذه الثروة الموزعة على الكرة الأرضية كلها، إفادةكاملة. إن هذا الغنى هو الثروة المشتركة للإنسانية. وما من سلطة، أو قوة، حتى لو مضى على وجودها ألف سنة، تستطيع التصدي للحق العالمي في استخدام الموارد التي تقدمها الطبيعة في كل مكان من أجل تلبية الاحتياجات الشرعية للإنسانية؟ ... ليست القضية هنا قصية رثاء للإنسانية التي ارتكبت باسمها أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية، ولكن الظاهرة المثيرة هي

стр. 1192

انتحال الأقوياء- الاستعماريين- لأنفسهم حق تصحيح الأوضاع التي كونتها الطبيعة. وبكلمة أخرى، محاولة تصحيح أخطاء الطبيعية- إن كانت الطبيعة التي يؤمنون بها معرضة للخطأ - استجابة للنوازع الاستعمارية. وإعطاء هذه النوازع ما أطلقوا عليه اسم (الحق الشرعي - لعمل غير شرعي). وإلباس ذلك كله الرداء (الإنساني). وحرمان الشعوب التي تم إخضاعها للاستعمار من حق ارتداء هذا الثوب الإنساني؟. المهم في الأمر، هو أن الدول الاستعمارية تبنت النظرية السابقة، وتخلت عن مبدأ الاستثمار البسيط الذي اعتنقته في البدايات الأولى لظهور الاستعمار، وسارت عليه ردحا طويلا من الزمن. وأصبح لهذا الاستعمار أجهزته المتكاملة التي تمارس عملها تحت مظلة غطاء شرعي. غير أن هذه الشرعية في التغطية جاءت من طرف أوروبا الاستعمارية وحدها، التي اعتبرت أن قدرتها تسمح لها بفرض حضارتها حتى لو كانت الشعوب الإسلامية الخاضعة لها ذات حضارات تفوق حضاراتها أو تتعادل معها خلال فترة بداية الاستعمار. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن فرض هذه الحضارة بالقوة من جهة والاستمرار في إضعاف المسلمين الخاضعين للاستعمار من جهة ثانية قد أخل بالمبدأ الذي زعم الاستعمار الإفرنسي- خاصة- أنه قادر على إقامته، وهو تحقيق التوازن في العلاقات المتبادلة، وأدت الممارسات الاستعمارية إلى زيادة الهوة بين الاستعمار الإفرنسي والدول الخاضعة له، وظهر بوضوح أنه من المحال ردم الهوة الآخذة بالتباعد في العمق والاتساع. وإذ ذاك بات المخرج الوحيد هو في

стр. 1193

فصم الروابط بين الدول الاستعمارية والدول الخاضعة لها (لا سيما وقد ظهر أن هذا الاستعمار يحمل في جوفه بذور مصرعه) غير أن الرجال الذين عايشوا، فترة ما بين الحربين العالميتين، لم يكونوا يتوقعون حدوث مثل هذه القطيعة بين ليلة وضحاها. وكان الكثيرون ينظرون إلى هذه القطيعة على أنها (أمل بعيد المنال). هذا على الرغم من أن الظروف الاقتصادية الناجمة عن النهب الاستعماري قد زادت من بؤس مواطني البلاد المستعمرة. وتفاقمت خطورة الوضع باقتناع الدول الاستعمارية- والمقصود هنا فرنسا بصورة خاصة - عن تقديم أية مساعدة للمواطنين المسلمين في الجزائر - الأنديجين -. إلى جانب الاستمرار في تطبيق المادة (١٣) من القانون المالي لسنة (١٩٠٠) والتي تنص على ما يلي: (يجب على البلاد الخاضعة للاستعمار أن تتحمل أعباءها المالية عن طريق الضرائب والغنائم) وعلى هذا، لم تكن الموازنة الإفرنسية تضم في بنودها إلا ما يخص الدفاع، وتغطية قسم من نفقات الأجهزة الإدارية. باعتبار أن هذه الأجهزة مخصصة للموظفين الإفرنسيين ولا يجوز استخدام الموظفين المسلمين فيها نظرا لتخلفهم الثقافي- على حد زعم المستعمرين- وتجدر الإشارة إلى أن ما حققته هذه الأجهزة الإدارية من نجاح في تحقيق المخططات الاستعمارية، قد أدى إلى خلق مناخ من اليأس في قلوب معظم سكان البلاد الخاضعة للإستعمار. وقد برزت هذه الظاهرة بوضوح في المعرض الاستعماري الذي أقيم في سنة ١٩٣١، والذي عرضت فيه، عينات من مواطني البلاد الخاضعة للإستعمار بألبستهم الوطنية التقليدية. وهم المواطنون الذين

стр. 1194

كانوا يتباينون بعروقهم - ألوان بشرتهم - ويختلفون في أنماط حياتهم وعاداتهم، غير أنهم يتساوون- على ما كانت تزعمه فرنسا الاستعمارية - بفخرهم إنهم يخدمون جميعا تحت راية - العلم الإفرنسي - الذي يخفق فوقهم جميعا. ***

стр. 1195

٢ - حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام كان في مدينة الجزائر وحدها يوم وطئتها أقدام الغزاة الصليبيين- الإفرنسيين - سنة ١٨٣٠ مائة وستة مساجد، وعندما حرر المسلمون الجزائريون بلادهم سنة ١٩٦١ لم يكن في عاصمة الجزائر أكثر من ثمانية مساجد فقط. وهكذا اختفى ٩٨ مسجدا كانت من أعظم منارات الدنيا. وكانت الأوقاف الإسلامية في جزائر المسلمين تبلغ نحو (٦٦) في المائة من مجموع الأملاك العقارية والزراعية. ويعود السبب في ذلك إلى شغف الجزائريين بحبس أموالهم على المساجد وأضرحة الأولياء وأندية العلم عامة والحرمين الشريفين خاصة. وكان الجزائريون يديرون هذه الأموال بمهارة وكفاءة، بواسطة إدارة أهلية، ولم يكن أحد يشكو يومئذ فقرا لأن جميع الفقراء كانوا يأخذون حصتهم ونصيبهم من خيراتها. وهكذا استمرت الجزائر في بحبوحة من العيش أيام عزها ومجدها، حتى غزتها جحافل الصليبيين الإفرنسيين. وعندئذ تطلعت فرنسا إلى تلك الخيرات فحاولت انتزاعها من أيدي أصحابها، ولكنها وجدت
следующие страницы →