(معاهدة فرساي) و (مبادىء عصبة الأمم) التي انبعثت عنها، وتضمنت فيما تضمنه:
(ليست الإمبريالية إلا الشكل الخارجي - وغير الشرعي في استطالاته المتطرفة - لفكرة ولحاجة لهما أساسهما الشرعي المطلق .... لقد عملت الطبيعة على إجراء توزيع غير عادل، وغير متساو، لقدراتها البشرية ولمخزونها من المواد الأولية في الكرة الأرضية كلها، فبينما توضعت في النهاية القصوى للقارة الغربية - التي هي أوروبا - العبقرية المبدعة للعروق البيضاء، ووفرت لها علم استخدام هذه الموارد الطبيعية، تركت أضخم احتياطيات لهذه الموارد في إفريقيا وآسيا الاستوائية والمحيطات الاستوائية، والتي تتجه إليها المتطلبات الحياتية حيث تندفع لاستثمارها البلدان المتحضرة ... فهل يجب أن تترك تلك المساحات الشاسعة جرداء مقفرة؟ ... وهل يجب أن تهجر للأشواك تلك المناطق غير المزروعة والتي يمكن أن تنبع فيها الحياة والغذاء؟ ... إنه من الواجب على الإنسانية كلها أن تفيد من هذه الثروة الموزعة على الكرة الأرضية كلها، إفادةكاملة. إن هذا الغنى هو الثروة المشتركة للإنسانية. وما من سلطة، أو قوة، حتى لو مضى على وجودها ألف سنة، تستطيع التصدي للحق العالمي في استخدام الموارد التي تقدمها الطبيعة في كل مكان من أجل تلبية الاحتياجات الشرعية للإنسانية؟ ...
ليست القضية هنا قصية رثاء للإنسانية التي ارتكبت باسمها أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية، ولكن الظاهرة المثيرة هي
стр. 1192
انتحال الأقوياء- الاستعماريين- لأنفسهم حق تصحيح الأوضاع التي كونتها الطبيعة. وبكلمة أخرى، محاولة تصحيح أخطاء الطبيعية- إن كانت الطبيعة التي يؤمنون بها معرضة للخطأ - استجابة للنوازع الاستعمارية. وإعطاء هذه النوازع ما أطلقوا عليه اسم (الحق الشرعي - لعمل غير شرعي). وإلباس ذلك كله الرداء (الإنساني). وحرمان الشعوب التي تم إخضاعها للاستعمار من حق ارتداء هذا الثوب الإنساني؟.
المهم في الأمر، هو أن الدول الاستعمارية تبنت النظرية السابقة، وتخلت عن مبدأ الاستثمار البسيط الذي اعتنقته في البدايات الأولى لظهور الاستعمار، وسارت عليه ردحا طويلا من الزمن. وأصبح لهذا الاستعمار أجهزته المتكاملة التي تمارس عملها تحت مظلة غطاء شرعي. غير أن هذه الشرعية في التغطية جاءت من طرف أوروبا الاستعمارية وحدها، التي اعتبرت أن قدرتها تسمح لها بفرض حضارتها حتى لو كانت الشعوب الإسلامية الخاضعة لها ذات حضارات تفوق حضاراتها أو تتعادل معها خلال فترة بداية الاستعمار. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن فرض هذه الحضارة بالقوة من جهة والاستمرار في إضعاف المسلمين الخاضعين للاستعمار من جهة ثانية قد أخل بالمبدأ الذي زعم الاستعمار الإفرنسي- خاصة- أنه قادر على إقامته، وهو تحقيق التوازن في العلاقات المتبادلة، وأدت الممارسات الاستعمارية إلى زيادة الهوة بين الاستعمار الإفرنسي والدول الخاضعة له، وظهر بوضوح أنه من المحال ردم الهوة الآخذة بالتباعد في العمق والاتساع. وإذ ذاك بات المخرج الوحيد هو في
стр. 1193
فصم الروابط بين الدول الاستعمارية والدول الخاضعة لها (لا سيما وقد ظهر أن هذا الاستعمار يحمل في جوفه بذور مصرعه) غير أن الرجال الذين عايشوا، فترة ما بين الحربين العالميتين، لم يكونوا يتوقعون حدوث مثل هذه القطيعة بين ليلة وضحاها. وكان الكثيرون ينظرون إلى هذه القطيعة على أنها (أمل بعيد المنال). هذا على الرغم من أن الظروف الاقتصادية الناجمة عن النهب الاستعماري قد زادت من بؤس مواطني البلاد المستعمرة. وتفاقمت خطورة الوضع باقتناع الدول الاستعمارية- والمقصود هنا فرنسا بصورة خاصة - عن تقديم أية مساعدة للمواطنين المسلمين في الجزائر - الأنديجين -. إلى جانب الاستمرار في تطبيق المادة (١٣) من القانون المالي لسنة (١٩٠٠) والتي تنص على ما يلي:
(يجب على البلاد الخاضعة للاستعمار أن تتحمل أعباءها المالية عن طريق الضرائب والغنائم) وعلى هذا، لم تكن الموازنة الإفرنسية تضم في بنودها إلا ما يخص الدفاع، وتغطية قسم من نفقات الأجهزة الإدارية. باعتبار أن هذه الأجهزة مخصصة للموظفين الإفرنسيين ولا يجوز استخدام الموظفين المسلمين فيها نظرا لتخلفهم الثقافي- على حد زعم المستعمرين- وتجدر الإشارة إلى أن ما حققته هذه الأجهزة الإدارية من نجاح في تحقيق المخططات الاستعمارية، قد أدى إلى خلق مناخ من اليأس في قلوب معظم سكان البلاد الخاضعة للإستعمار. وقد برزت هذه الظاهرة بوضوح في المعرض الاستعماري الذي أقيم في سنة ١٩٣١، والذي عرضت فيه، عينات من مواطني البلاد الخاضعة للإستعمار بألبستهم الوطنية التقليدية. وهم المواطنون الذين
стр. 1194
كانوا يتباينون بعروقهم - ألوان بشرتهم - ويختلفون في أنماط حياتهم وعاداتهم، غير أنهم يتساوون- على ما كانت تزعمه فرنسا الاستعمارية - بفخرهم إنهم يخدمون جميعا تحت راية - العلم الإفرنسي - الذي يخفق فوقهم جميعا.
***
стр. 1195
٢ - حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام
كان في مدينة الجزائر وحدها يوم وطئتها أقدام الغزاة الصليبيين- الإفرنسيين - سنة ١٨٣٠ مائة وستة مساجد، وعندما حرر المسلمون الجزائريون بلادهم سنة ١٩٦١ لم يكن في عاصمة الجزائر أكثر من ثمانية مساجد فقط. وهكذا اختفى ٩٨ مسجدا كانت من أعظم منارات الدنيا.
وكانت الأوقاف الإسلامية في جزائر المسلمين تبلغ نحو (٦٦) في المائة من مجموع الأملاك العقارية والزراعية. ويعود السبب في ذلك إلى شغف الجزائريين بحبس أموالهم على المساجد وأضرحة الأولياء وأندية العلم عامة والحرمين الشريفين خاصة. وكان الجزائريون يديرون هذه الأموال بمهارة وكفاءة، بواسطة إدارة أهلية، ولم يكن أحد يشكو يومئذ فقرا لأن جميع الفقراء كانوا يأخذون حصتهم ونصيبهم من خيراتها. وهكذا استمرت الجزائر في بحبوحة من العيش أيام عزها ومجدها، حتى غزتها جحافل الصليبيين الإفرنسيين. وعندئذ تطلعت فرنسا إلى تلك الخيرات فحاولت انتزاعها من أيدي أصحابها، ولكنها وجدت
стр. 1196
شروط الواقفين حائلة بين الإفرنسيين وبين ما يطمعون. فخلقوا مشكلة التدخل في أمورها بحجة التنظيم والإصلاح.
واشتهر القضاء الإسلامي، عبر التاريخ، بنزاهته وإستقلاليته، ووجد الاستعمار الإفرنسي في هذا القضاء عاملا قويا في المحافظة على شخصية الجزائر الإسلامية والإبقاء على أصالتها، فراح يخطط لفرض هيمنته على هذا القضاء، فأصدر قرارا يوم ١٠ نيسان - أبريل - ١٨٣٤ ينص على (استئناف الأحكام التي يصدرها القاضي المسلم أمام مجلس الاستئناف) وفي هذا ما يخالف الشريعة الإسلامية، إذ أنه ليس لحكم الله استئناف أو تمييز، أو مماطلة وتسويف. وزاد الأمر خطورة بإسناد حق الاستئناف إلى قضاة الاستئناف من النصارى أو اليهود. وزاد في العدوان الإفرنسي الأثيم - أيضا - إرغام القضاة المسلمين على إصدار أحكامهم (باسم الملك الإفرنسي - إبان حكم الملكية، وباسم الإمبراطور - في أيام نابليون الثالث، وباسم الدولة الإفرنسية - في عهد بيتان). وأضيفت إلى ذلك مجموعة من الصعوبات والعراقيل، جعلت اختصاص القضاة المسلمين بعد سنة ١٨٤١ محصورا في دائرة ضيقة النطاق لا تتجاوز الدعاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية والإرث. وكانوا قبلا ينظرون في الدعاوى الجنائية والمدنية والتجارية وقضايا العروض والعقارات. ولم يتوقف نشاط الاستعمار الإفرنسي المعادي للقضاء الإسلامي عند حد تضييق الخناق عليه والحد من صلاحياته، بل تجاوزها إلى لأعمال حذف المحاكم الإسلامية وإبطالها. ففي ٢٨ آب - أغسطس - سنة ١٨٧٤، صدر أمر بحذف المحاكم الإسلامية
стр. 1197
(بمنطقة القبائل) وإبدالها بجماعات أهلية أطلق عليها اسم (الجامعات القضائية). وخصصت صلاحياتها بالحكم حسب العرف والعادات الأهلية لا الدين.
فكيف تم هذا التحول؟ للإجابة على ذلك، قد يكون من الأفضل التوقف عند بعض المقولات التي طرحت في إطار الحرب الصليبية- الحضارية - ضد المسلمين.
لقد بدءت عملية احتلال المساجد، مع البدايات الأولى لغزو الجزائر، ففي سنة ١٨٣٢، صرح (روفيغو) (١): (بأنه يلزمني أجمل مسجد في المدينة لنجعل منه معبد إله المسيحيين) وخاطب رجاله قائلا: (عجلوا بذلك، فجامع كتشاوه - كيجاوه - هو أجمل مسجد في المدينة خاصة وأنه يتاخم القصر، ويقع وسط الدوائر الحكومية والحي الأوروبي (٢) وتملك الجزائريون الفزع،
وتساءلوا جميعا: إلى بيوت الله توصل المستعمرون الفجرة؟ وهرع المسلمون إلى المسجد يحمونه بقلوبهم. ودخل أربعة آلاف منهم رحاب المسجد، وأقفلوا الباب عليهم، وقد عقدوا
стр. 1198
النية على الاستثهاد معه. وفي يوم ١٨ كانون الأول - ديسمبر -١٨٣٢، حضرت قوات من المدفعية والمشاة الإفرنسيين، وأحاطوا بالمسجد. واقتربت فرقة من حاملي الفؤوس، وأخذت تكسر الباب الموصد، وبينما كان صياح الأهالي واستغاثاتهم تعلو عنان السماء، كانت القوات الإفرنسية تقتحم رحاب المسجد وتنطلق بوحشية وهي تطعن الأهالي بحد الحراب والسيوف. وقتل المسلمون عن آخرهم وطلي الجامع بدمائهم. وقام القساوسة يتلون أناشيد الغفران على أشلائهم الممزقة. وتم تحويل المسجد إلى كنيسة عرفت باسم (كنيسة سان فيليب).
واستمرت بعد ذلك عملية هدم المساجد، وتحويلها إلى كنائس للنصارى وبيع لليهود وثكنات للجيش والشرطة وأصطبلات للخيل والدواب. وتعرضت المدن الجزائرية الأخرى لما تعرضت له العاصمة (الجزائر) حيث ذكر أحد رؤساء الأديرة والنائب العام لمطران الجزائر، فقال ما يلي: (إن الحاكم الإفرنسي - فالي - هو رجل عميق الإيمان، صاحب ذمة وضمير، يحكم الجزائر كالملك المنفرد بحكمه. هذا هو الرجل الصالح للمستعمرة. فهو يبغي تثبيت دعائم الدين، وفرض احترامه في كل مكان. ويريد أيضا مضاعفة الصلبان والمعابد في الجزائر. كما أن صاحب السيادة بإمكانه تنفيذ إرادته مع أي رجل كان. وقد اختار أجمل مسجد في قسنطينة ليجعل منه أجمل كنيسة في المستعمرة. وهو مسجد صالح باي).
لم تكن عملية التدمير البربرية لأماكن المسلمين المقدسة إلا
стр. 1199
واحدة في جملة وسائل التدمير المادي والمعنوي للقدرة الإسلامية، وكانت الوسائل الأكثر خطورة هي: ١ - أعمال الإبادة الوحشية للمسلمين. ٢ - نشر الأمراض والأوبئة وإهمال الشؤون الصحية. ٣ - إفساح المجال بعد ذلك للارساليات التبشيرية حتى تكمل عملها فيما أطلق عليه سياسة التنصير. ٤ - توجيه التعليم بما يتوافق مع الأهداف الاستعمارية.
وقد تنضب الأقلام وتضيق الصحف عن جمع الشواهد الثابتة والبراهين الواضحة عما بذلته السلطات الاستعمارية الإفرنسية وهي تمضي لتنفيذ المخطط المتكامل الذي عرضت أبرز نقاطه السابقة، لإبادة الشعب الجزائري المسلم وتصفية وجوده المادي والمعنوي. ولقد رافقت عملية الغزو البربري للجزائر، واستمرت معه، فظائع رهيبة، وأعمال إبادة إجماعية لم يعرف لها مثيل، ومن شواهدها الشهيرة والمتناقلة، قيام جند الغزو بقتل الشيوخ والأطفال والنساء، ثم تقطع آذان النسوة وأيديهن لنهب الأقراط والعقود (حتى كانت الأقراط المعلقة في آذان الجزائريات، تشحن بالبراميل، وتكدس أكواما في سوق باب عزون في العاصمة لبيعها بالمزاد). وهكذا كانت تباع حلي الحرائر الطاهرات من النساء المسلمات وهي تقطر من دمائهن البريئة. واستثارت هذه الوحشية بعض الإفرنسيين فمضوا في وصفها: (لقد قلت أن الاستعمار هو عملية اغتصاب. ولكن هذا أيضا لا يكفي، يجب أن أقول عملية اغتصاب هائلة. عملية إبادة شعب بأسره) وقال كاتب فرنسي: (دعونا من الخداع والمواربة، فما نفع تمويه الحقيقة. إن الاستعمار لم يكن في البدء حركة حضارية وإرادة حضارية. كان
стр. 1200
حركة قوة نفعية، إنها مرحلة صراع من أجل الحياة، صراع التزاحم الحيوي الكبير الذي انتقل من الأفراد إلى الجماعات، ومن الجماعات إلى الأمم. وراح ينشر ألويته فوق العالم الفسيح ... إن من يقول حضارة، إنما يعني منفعة الغير - ورغبة كريمة في مساعدة هذا الغير. في حين أن الاستعمار في أساسه، ليس سوى عملية منفعة شخصية - أنانية - يفرضها القوي على الضعيف).
ويعرف السفاح الاستعماري (بيجو) الاستعمار بقوله:
إن الاستعمار هو الفتح البربري الكبير، وهو أشبه شيء بمرور قوافل الرحالة الذين يهجمون على بلد ما، فيقتلون ويذبحون وينهبون كل شيء) (١) وسار المارشال (سانت آرنو) على نهج .. (بيجو) فكتب في وصف إحدى عمليات الإبادة ما يلي: (إن بلاد بني مناصر رائعة حقا. وهي إحدى المناطق الغنية التي شاهدتها في أفريقيا ... فالقرى والمساكن متقاربة جدا ... لقد أحرقنا ودمرنا كل شيء ... إنها الحرب، وكم من نساء وأولاد لاجئين إلى ثلوج الأطلس، قضوا نحبهم من البرد والبؤس) وفي (رسائل جندي) كتب - مونتانياك - يصف ما فعله بأحد الجزائريين: (قطعت رأسه، وقبضته اليسرى، وقدمت إلى المعسكر شاكا رأسه على حربة، معلقا يده على قضيب بندقية. ثم أرسلناهما إلى الجنرال - باراقاي ديلليار - الذي كان في المعسكر القريب منا. وكم كان الجنرال شديد السرور والفرح). أما كريستيان، صاحب كتاب (أفريقيا الإفرنسية) فإنه بعد أن يصف كيفية إقدام القوات الإفرنسية
стр. 1201
بقيادة الجنرال (روفيغو) على ذبح جميع أفراد قبيلة (الوفية) وهم نيام (يوم ٦ نيسان - أبريل - سنة ٩٣٢ ١) يقول: (وهكذا أبيد من كان حيا دون تفريق بين الشاب والشيخ والذكر والأنثى)، ويقول (بن) واصفا إحدى المجازر: (لقد كانت المذبحة رهيبة، فالمساكن وخيام الأجانب منتصبة في الميادين والشوارع والساحات، مغطاة بالجثث، وتبين بعد الاستيلاء على القرية بأن عدد الضحايا بلغ ٢٣٠٠ قتيل بين امرأة وطفل، أما الجرحى فكان عددهم معدوما ... وقام الجنود باكتساح البيوت ونهبها وإحراقها وإحراق الأشجار ...
وفي اليوم التالي، نزلت الحملة إلى (البليدة) وأحرقت كل شيء في طريقها، وهدمت هذه القرية الجميلة ... وكان خط النيران المشتعلة في الجبل هو المرشد إلى طريق سير الحملة) ويكتب الكولونيل (دومونتانياك) إلى (الجنرال لامورسيار) (طلبت مني في مقطع من رسالتك أن أخبرك عن مصير النساء اللواتي نسبيهن، إننا نحتفظ ببعضهن كرهائن، وبعضهن نستبدلهن بالجياد، ثم نبيع الباقيات بالمزاد العلني باعتبارهن حيوانات لنقل الأحمال ... ولكي أطرد الأفكار السوداء التي تمتلكني بعض الأحيان، أقوم بقطع رؤوس ... لا ليس رؤوس نبات (الأرضي شوكي) بل رؤوس رجال حقيقيين) ولا بد لهؤلاء المساكين الذين يصبحون بدون مأوى، حفاة، عراة، أن يلجؤوا إلى الكهوف التي هي آخر ملجأ طبيعي للإنسان، تقيه الحر والقر، وتحميه من غوائل الليل ووحوش القفار).
وفي هذه الكهوف، حدثت أشنع أعمال الإبادة، ضد قبيلة
стр. 1202
(أولاد رباح) التي جاءها إنذار من الكولونيل (باليسي) (يوم ١١ حزيران - يونيو - عام ١٨٤٥) يأمرها فيه بالإسلام خلال عشر ساعات. ولما كان الاستسلام يعني مد الرقبة للجزائر فقد اشترطت القبيلة لخروجها انسحاب القوات الإفرنسية. وبدون إنذار آخر، أوقد (باليسي) النار أمام الكهوف، وسلط الدخان على المحتمين فيها طوال الليل حتى قضوا خنقا. وهذا وصف مريع للعملية - وقد اقتطف من كتاب (رسائل جندي) مؤلفه - مونتانياك: (أية ريشة تستطيع رسم هذا المنظر، عند منتصف الليل، وتحت ضوء القمر، لقد انشغل قسم من القوات الإفرنسية في تحضير نار جهنمية ... إننا نسمع الأنات المتقطعة المنبعثة من الرجال والنساء والأطفال والحيوان. وطقطقة الصخور المحترقة وهي تتساقط. وطلقات الأسلحة المستمرة ... لقد حدث في هذا اليوم أعنف صراع بين الإنسان والحيوان، فعند الصباح، وبينما كنا نخلي مداخل الكهوف، فوجئنا بأفظع مشهد يقع عليه النظر. لقد وجدنا في داخل الكهوف جثث الثيران والأغنام والحمير المندفعة بغريزتها الطبيعية إلى استنشاق الهواء الطلق الذي حرمت منه في الداخل، وقد تكتلت بين هذه الحيوانات، وتحتها جثث الرجال والنساء والأطفال. ورأيت رجلا ميتا جاثيا على ركبتيه، يمينه تمسك بقرن ثور، بينما كانت بالقرب منه امرأة وعلى ذراعيها طفلها ... من السهل التعرف على هذا المنظر، فالرجل قد اختنق مع المرأة والطفل والثور، في الوقت الذي كان يحمي فيه عائلته الصغيرة من ثورة هذا الحيوان ... لقد كانت الكهوف واسعة، حتى إننا أحصينا فيها سبعمائة وستين جثة؛ ولم ينجح في الخروج
стр. 1203
منهم سوى ستين ما لبث أن فقد أربعون منهم الحياة. ونقل رجال الإسعاف عشرة في حالة صحية خطيرة أما العشرة الباقون، فقد أطلقنا سراحهم ليعودوا إلى قبائلهم يبكون أطلالا وخرابا).
لم تقف جهود فرنسا - الحضارية - عند حدود أعمال الإبادة المباشرة للجزائريين المسلمين، وإنما تجاوزتها إلى أعمال الإبادة غير المباشرة وفي طليعتها إهمال الناحية الصحية، ونقل الأمراض والأوبئة الحضارية إلى الجزائر - ومنها أمراض السل والسرطان والأمراض التناسلية. ومعروف أن الجزائر - وأفريقيا كلها عامة - لم تكن تعرف قبيل الاحتلال الاستعماري شيئا عن مثل هذه الأوبئة، ولم يأت بهذه الأمراض الفتاكة غير جنود الحملة الإفرنسية المكونين من السجناء واللقطاء والمرتزقة. وهكذا فقد رافقت الحملة الاستعمارية، حملة أخرى من الأوبئة المخيفة التي صدرها المجتمع الإفرنسي القذر. وجدير بالذكر التنويه إلى ما كتبه (البروفسور ليفي فالنسي) في هذا المجال. وفيه ما يلي: (تضم الجزائر بسكانها التسعة ملايين نسبة من المسلولين تعادل ما تضمه فرنسا التي يبلغ عدد سكانها أربعين مليونا. وبالرغم من كل ذلك لم تتخذ سلطات الاستعمار الاحتياطات الوقائية اللازمة، مثل بناء المستشفيات الصحية، وزيادة أعداد الأطباء الذين هم بمعدل ٤ - ٨ أطباء لكل مائة ألف نسمة، فلا عجب إذن بعد كل هذا أن نرى نسبة وفيات الأطفال بين العرب تبلغ خمسين بالمائة) كان ذلك في نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ عدد الأطباء الموجودين في الجزائر (١٨٥١) طبيبا. وهذا يعنى توافر طبيب واحد لكل (٥٤٠٠) نسمة - نظريا - أما من الناحية العلمية، فكان
стр. 1204
معظم هؤلاء في العواصم الكبرى والمراكز الصحية الإفرنسية، وواجبهم الأول هو خدمة الإفرنسيين. وقد يكون ذلك وحده كافيا لإبراز اهتمام السلطات الاستعمارية بالعرب المسلمين، وما نتج عن هذا الاهتمام من إسهام في أعمال الإبادة غير المباشرة للعرب المسلمين في الجزائر.
لم تقف فرنسا عند هذا الحد، فأضافت إلى سجلها الحضاري جريمة دينية وإنسانية ما عرفها التاريخ، عبرت فيها عن حقدها الدفين ضد الإسلام وتعصبها الأعمى والأحمق للمسيحية. وتمثلت هذه الجريمة بالمجاعة الكبرى التي اجتاحت الجزائر سنة ١٨٦٧ والتي ذهب ضحيتها حوالي نصف مليون نسمة.
لقد كانت فرنسا وراء المجاعة، لأن التاريخ لم يذكر أبدا حدوث مجاعات من هذا النوع في البلاد، فالجزائر غنية بمواردها الغذائية، وكانت تجارتها مزدهرة قبل الاحتلال الإفرنسي للبلاد، ولكن الحروب التخريبية التي شنتها فرنسا على الحرث والنسل لتحطيم المقاومة الشعبية، كانت العامل الوحيد الذي أدى إلى المجاعة الرهيبة. فالسنوات التي سبقت عام ١٨٦٧ كانت سني حرب طاحنة، لم يعرف تاريخ البشرية إلا نادرا بمثل وحشيتها وبمثل ما رافقها من فظائع وآثام.
ولم تجد فرنسا سبيلا للتغلب على الشعب إلا بحرمانه من وسائل الحياة - الغذاء والماء -. ولذا تم تطبيق مخطط إجرامي لإحراق الغابات والمزارع والحقول والبساتين وتخريب القرى والمدن، وردم العيون والآبار. وكان من نتيجة ذلك ظهور مجاعة
стр. 1205
سنة ١٨٦٧ التي انتظرتها فرنسا بفارغ الصبر، لتشرع في تنفيذ مهمتها الثانية المتعلقة يتنصير المسلمين. وصهرهم في البوتقة المسيحية. واغتنمت فرنسا هذه المجاعة فجلبت إلى الجزائر أكبر عدد ممكن من (الآباء البيض) و (الإرساليات التبشرية) الأخرى. وزودتهم بالأطعمة المختلفة، وحثتهم على استدعاء الأهالي الجياع لزيارة الكنائس، بعد إغرائهم يوجود ما يبتغون. ولم تكن بغية الأهالي آنذاك سوى لقمة العيش. ويقف الجزائريون على أبوابا الكنائس والمعابد المليئة بأشهى الطعام، ضمر الخصور، غور العيون. يتلهفون إلى لقمة العيش، فلا يجدونها إلا بشروط. ولم تكن هذه الشروط سوى الخروج على الدين الإسلامي
والدخول في المسيحية، وبهذا فقط يتمكنون من مضغ لقمة الحياة، وإلا فالموت لهم بالمرصاد.
وذات يوم، وقف أحد الجزائريين الجياع أمام باب إحدى (الإرساليات التبشرية) في عمالة (وهران). وطلب إعطاءه لقمة عيش تحفظ له ما بقي من حياة. وكان الرجل في حالة تفير الرثاء في أقسى القلوب المتحجرة، بسبب ما وضح من أمره من الضعف
والهزال. واستقبله (المبشر المحترم) ورحب به، وأدخله المعبد. وأخذ يعرض على بعد منه أنواع الطعام الشهية، واصفا لذائذها
وفوائدها. ولم يتمكن الرجل من إيقاف لعابه السائل، فهم بمد هيكل يده ليحظى بشيء من الطعام. ولكن المبشر حال دونه ودون مبتغاه، وقال له بصراحة: (لن يأكل هذا الطعام الشهي إلا من دخل الدين المسيحي). وانتابت الرجل رجفة، ولم يلبث أن أدار ظهره للطعام المشروط، وأخذ يسحب رجليه الضعيفتين
стр. 1206
سحبا. حتى إذا ما ابتعد عن باب الكنيسة خر على الأرض فاقدا الحياة. ومضى أبناء وهران، الذين عاشوا المجاعة، يتناقلون هذه الحادثة فيما يتناقلون. ويسجلونها برهانا - في جملة البراهين - على ما اتسم به (هؤلاء المبشرون) من قسوة القلب، والبعد عن كل القيم الحضارية والمفاهيم الإنسانية.
وقد توافرت شواهد كثيرة أجمعت كلها على أن المبشرين الذين سبقوا الحملة الاستعمارية، ورافقوها، مثلوا أشنع تمثيل عقلية الاستعمار البغيضة، والقائمة على التقتيل الجماعي ونشر الرعب وتعميم الفوضى في المغرب الإسلامي عامة وفي جزائر المسلمين خاصة. وإلا لما تركوا هذا الرجل - وأمثاله الكثيرون - يموتون جوعا أمام عيونهم، بلا ذنب اقترفوه إلا لأنهم قالوا: ربنا الله، وما رضوا عن دينهم بديلا، بينما كان بوسع هؤلاء المبشرين المحترمين تلافي جرائمهم الدنيئة، والتستر على أعمالهم القذرة. ولكنهم يدركون بأن مثل هذا الرجل، سيجعل من أطفاله أيتاما لا معيل لهم. وبعد ذلك يسهل عليهم إلتقاطهم وزجهم في (دور الأيتام) التبشيرية حيث ينشؤون نشأة مسيحية محضة. وأشهر هذه الدور (دار بن عكنون وبوزريعة) في مدينة الجزائر، ودار بطيوه بالقرب من مدينة (أرزيو). ومثل هؤلاء الأينام الذين قضى آباؤهم جوعا، وهم الذين جاء بهم الجنرال بيجو إلى الأب (بريمو) وسلمه إياهم قائلا: (حاول يا أبت أن تجعلهم مسيحيين، وإذا فعلت، فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار).
لقد عبر بيجو في جملته هذه تعبيرا صريحا عن نوايا حكومته في
стр. 1207
القضاء على الدين الإسلامي. وسانده في تعبيره كاتبه الخاص حين قال: (إن أيام الإسلام الأخيرة قد حانت، ولن يكون في الجزائر كلها بعد عشرين عاما من إله يعبد غير المسيح ... وإذا ما ارتبنا في أن هذه الأرض ستبقى لفرنسا، فمن الجلي - على الأقل - أن الإسلام قد فقدها ... إن العرب لن يكونوا لفرنسا إلا حينما يصبحون مسيحيين).
أصبحت العلاقة الجدلية القائمة بين الاستعمار وبين التبشير الكنسي، من العلاقات المسلم بها تاريخيا، والمعترف بها دوليا. ولم تعد بحاجة لدليل أو برهان. وقصة احتكاك المغرب العربي - الإسلامي بالصليبية العمياء - وهي نقيض المسيحية السمحاء - لم تبدأ باحتلال الجزائر، ولكنها أعرق في القدم. فالاحتلال نتيجة من نتائجها. وما كان التبشير إلا مقدمة صادقة للإستعمار. ورائدا وفيا لطلائع الزحف التوسعي. ولولا تسلل المبشرين إلى أفريقيا، ونفاذ هواجسهم إلى أدغالها، وتسرب تعاليمهم إلى حنايا سكانها، لما رسخ للإستعمار قدم في هذه القارة. وكانت هذه الإرساليات أمينة لرسالتها المزدوجة، التي تسربها حسوا في ارتقاء ... فقد لا تكفي الإرسالية بتمهيد الأرض لأقدام الغزاة، وإحضاع الرقاب لسيوفهم، بل ربما عاد القسيس من جولته إلى باريس. وفي طيات أثوابه خريطة يسهل بها مؤامرة الغزو. وها هو الأب (شارل دوفوكو) إمام أئمة الكاثوليكية، وأحد رحالة الصحراء، رحل إلى المغرب الأقصى، ورجع منه بوثائق وبخريطة قيل عنها: (أنه لولا خريطة الأب فوكو ووثائقه عن المغرب التي قدمها للحكومة الإفرنسية، لكان احتلال فرنسا للمغرب من الصعوبة بمكان).
стр. 1208
وكان على فرنسا أن تعترف له بالجميل، اعترافها بقوادها الفاتحين، فأقامت له تمثالا في حديقة - ليوتي - بالدار البيضاء -أزيح عنه الستار سنة ١٩٢٢. وكانت الوثنية والبربرية في أفريقيا نقطة الضعف التي ركز التبشير هجومه عليها، والكوة التي نفذ منها إلى القارة.
وكان المبشرون يتطلعون باستمرار في نهم مسعور إلى استغلال الوثنية وتسخير البربرية لخدمة الاستعمار. وهو ما أبرزه بحث ظهر في مجلة - المغرب الكاثوليكي - بعنوان (روح الإنجيل غذاء لروح البربر). جاء فيه: (إن البرابرة قريبون من الإنجيل، وأساطير الإنجيل التي تفيض بحياة الرجل، تصف حياة شبيهة بحياتهم. وأمثال الإنجيل تشبه كثيرا من أمثالهم. وإن حياتنا الخلقية الإفرنسية قد كيفتها وصبغتها المسيحية، فلم لا يكون الإنجيل إذا مركز الاتصال الذي تلتقي به الروح البربرية والروح الإفرنسية اللتان تنشد إحداهما الأخرى). ولم يكن العرب في أفريقيا في مأمن من هذا النهم المسعور، بل هم آخر المطاف للجولة المبيتة، والهدف البعيد لها. ولم يكن الإسلام في معزل عن هذه المساومات الرخيصة. بل كان الغنيمة التي يتحلب لها ريق الصليبية البغيضة، وإنما اتخذت البربرية ذريعة للوصول إلى الإسلام المستعصي. وركز الهجوم على البربرية لاستدراج العرب والتمكن من تلابيبهم، وهو الأمر الذي أكده (الأب فوكو) الذي اشتهرت عنه مقولته التالية: (إن أبناء البرابرة هم فتيان جنس لطيف، وهم مستعدون لقبول الروح اللاتينية التي انتموا إليها في العصور الحالية. إن البرابرة ليسوا متعصبين ولا جاحدين، وإن
стр. 1209
دخولهم في المسيحية هو الذي يعيد العرب ويدخلهم إليها كارهين) (١) والأمر الواضح هو أن الصليبيين قد جنحوا إلى كوة الوثنية، حين استعصى عليهم الولوج من باب الإسلام. فاستنجدوا بالعصبية المفرقة حين أعياهم الدين الموحد. الدين الذي وقف بالبربر والعرب على صعيد واحد في وجه الاحتلال، هو الذي دفعهم إلى نبش الماضي، والالتفات إلى لاتينية البرابرة حتى يجدوا ما يفتتون به أوصال الحاضر ويمزقونه.
إنها الصليبية تعيد نفسها، ومجاف للحقيقة وللواقع التاريخي من يزعم أن التبشير في الجزائر كان في خدمة المسيحية، ولو كان القائل مبشرا مسيحيا. لأن أقوال سلفه تغلق في وجهه باب مثل هذا الزعم. فقد كان غزو الجزائر منذ بدايته غزوا صليبيا أعلن عن أهدافه بوضوح تام، فأعاد إلى الأذهان ملاحم الحروب الصليبية في المشرق وأيامها في أندلس المسلمين.
والكنيسة هي التي باركت الغزو الصليبي في المشرق واحتضنته، والقسيس هو الذي كان يغمس السيف في الماء المقدس، ويقلده عنق الفارس، ويشيعه بالدعوات وهو في طريقه إلى بلاد الشام. أما بالنسبة لاحتلال الجزائر، فإن الكنيسة لم تقتنع بالدعوات الضارعة، بل سارت في ركاب الاحتلال، وتلاحمت معه جسما وروحا. وأذعنت في طواعية للوحشية البربرية التي جاء
стр. 1210
بها الغزاة المستعمرون، الذين لم يشبع حقدهم بدخول البلاد، فمضوا إلى إشباعه بقلب أوضاع هذه البلاد رأسا على عقب، وهذا ما يفسر تركيز هجومهم على الإسلام ومقدساته. لا غرابة في ذلك، فالمعروف من القوانين الدينية للفروسية الغربية التي زحفت إلى المشرق في الحروب الصليبية القديمة هذه القوانين:
أولا: أن تصدق كل تعاليم الكنيسة وتمتثل لأوامرها، فإن فعلت ذلك، ولو أدى بك إلى الاستشهاد دخلت الجنة.
ثانيا: أن تحمي الكنيسة، وتبذل كل ما تستطيع من مال ونفس ونفيس في سبيل نصرتها ودعمها.
ثالثا: أن تشن على الكافرين (أي المسلمين) حربا لا هوادة فيها.
ومن هذا البند الثالث، نشطت الوحشية الصليبية، وانطلقت من عقالها لتقتل وتحرق وتدمر وتبيد، في حرب لا هوادة فيها، وبقلب لا يعرف الرحمة، وكأن المسيحية لن تقوم لها قائمة إلا على أنقاضى الإسلام، وبني الإسلام. ولا تستطيع الكنيسة تبرئة ساحتها من فظائع الاحتلال والتي سهر على تنفيذها سفاحون عسكريون، لأنهم زحفوا في حمى الكنيسة، ووسموا صدورهم بالصليب، فالهدف واحد عند الطرفين الديني والعسكري، الهدف إبادة الإسلام في هذه الربوع. وكان رجال الكنيسة هم الدماغ المفكر والمخطط، وكان رجال العسكر، هم الذراع المنفذ والمدمر. ولقد سبق عرض بعض الشواهد التي تؤكد هذه الحقيقة، وهذه طائفة أخرى منها:
стр. 1211
قال الكردينال - لافيجوري -: (علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه، وعلينا أن نعنى على الأقل بالأطفال، لتنشئتهم على مبادى غير التي نشأ عليها أجدادهم، فإن واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل أو طردهم إلى أقاصي الصحراء بعيدين عن العالم المتحضر) واستجابة لهذه التوصية وأمثالها يصدر أحد القادة الإفرنسيين - مونتانياك - تعليماته إلى مرؤوسيه: (لا يمكن تصور الرعب الذي يستولي على العرب حين يرون قطع رأس بيد مسيحية، فإني أدركت ذلك منذ زمن بعيد، وأقسم بأنه لا يفلت أحد من أظافري حتى يناله من قطع رأسه ما ينال. وقد أنذرت بنفسي جميع الجنود الذين أتشرف بقيادتهم، أنهم لو أتوا بعربي
وهو على قيد الحياة، فسأنهال عليهم ضربا بعرض نصل سيفي. وأما قطع الرؤوس، فيجب أن يتم على مرأى ومسمع جميع الناس ... هكذا تكون معاملة العرب: قتل جميع الذكور الذين تجاوزوا الخامسة عشر من أعمارهم، وسبي جميع النساء، وخطف جميع الأطفال. وشحن الجميع في السفن، ثم إقصاؤهم إلى (جزر مركيز) أو إلى الثلث الخالي من الأرض. وخلاصة القول: يجب إبادة كل من لا يتمرغ تحت أرجلنا كالكلاب).
ويعود القائد الإفرنسي (سانت آرنو) ليؤكد مجددا ما تميزت به مواقفه البطولية التي تتوافق مع ما سبق ذكره: (لا تسأل عن أشجار الزيتون الباسقة التي ستكون فريسة وحشيتي، واليوم، في برنامجي إحراق جميع ضيع قبيلة بني سالم وابن القاسم وقاسي وقراهم. لقد أحرقت أكثر من عشر قرى كانت كلها بهجة وغنى. وهو القائل: تركت ورائي حريقا حافلا تندلع لظاه فيما يقرب من
стр. 1212
مائتي قرية أصبحت طعمة للهب والحريق، لقد لعبت يد الدمار بالبساتين. بقدر ما لعبت يد المناشير بأشجار الزيتون). ولقد دافع (سانت آرنو) هذا عن فعلته الهمجية بقوله: (على الرغم مما يقوله أصحاب البر والإحسان، فإني أعتقد بأن الغاية تبرر الوسيلة، فالجيش الذي تكون مهمته إبادة شعب، لا يكترث بقوانين الحرب، فما الحريق إلا حريق، لا يضرم الإنسان النار، ويطلب منه أن تكون بردا أو سلاما، وما طبيعة النار إلا الإحراق والتدمير، وكان بالمستطاع موافقة هذا المجرم على حججه الذرائعية لو وقعت جرائمه في ظروف الاقتتال. غير أن جريمة سد الكهف لخنق ١٥٠٠ إنسان بين شيخ وامرأة وطفل - وأمثالها هي من الجرائم التي تعجز الذرائع عن تغطية بشاعتها. وهنا تعود الصليبية - وليست المسيحية - لتحمل مسؤوليتها الكاملة. لقد كان باستطاعة الكنيسة على الأقل الإعلان عن استنكارها لما يتم ارتكابه من جرائم لا إنسانية، وأن تعتصم بجدران الكنائس وهي توجه دعوات المغفرة لمن خرجوا على تعليمات السيد المسيح وتنكروا لها - وقد كان مثل هذا الموقف هو أضعف الإيمان -.
стр. 1213
٣ - الأهداف التربوية للتعليم الاستعماري
(ليس الهدف من فتح المدارس الإفرنسية - في شمال أفريقيا هو أن تكون عقولا مثل عقل (فولتير) أو (مونتسكيو) أو (جان جاك روسو). إن الهدف - ببساطة - هو أن نبدل لغة بلغة، ودينا بدين، وعادات بعادات). وقد تكون هذه الجملة التي أعلنها أحد القسس - المبشرين - بصراحة كافية لتحديد مبادىء أهداف التربية الاستعماري وأسس التعليم في ظل الاستعمار. ويكمل الكاردينال - لافيجري - هدف التعليم بمقولته الشهيرة: (علينا أن نجعل من الأرض الجزائرية مهدا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور مدنية منبع وحيها الإنجيل .. تلك هي رسالتنا الإلهية). وليس المجال هنا مجال مناقشة (الكاردينال المحترم) بصحة هذه الرسالة التي زعم أنها إلهية، إذ أن قراءة الإنجيل تنفي كل احتمال لوجوب التنصير بالقوة وعن طريق الإبادة، لا سيما عند استخدام هذه القوة ضد قوم يدينون بالله، ولديهم كتاب أنزل من لدن عزيز رحيم، كما أنزل على الذين من قبلهم. غير أن الاستعمار لم يجد خيرا من الدين حجابا يستر خلفه أعماله الإجرامية. تلك الأعمال التي لا
стр. 1214
تترك مجالا للشك في براءة الدين المسيحي والأديان الأخرى من الاستعمار البغيض.
لقد سبقت الإشارة إلى ما كانت تتمتع به الجزائر، وبقية أقطار العالم الإسلامي في المغرب، من ارتفاع رائع في المستوى التعليمي - الثقافي، قبل أن تمتد إليها يد الاستعمار الآثمة التي أخمدت نور هذه الثقافة، وعملت على نشر الجهل والأمية في الجزائر حتى تتسلل إلى أغراضها العدوانية. ومع أن الاستعمار الإفرنسي هو الذي جلب الجهل والفاقه إلى الجزائر فقد ادعى مناقضا لأعماله، بأنه جاء رسول حضارة ومدنية. ووصف الجزائريين المتمدنين بأنهم شعب (همجي جاهل). وقد يكون من الأفضل هنا الإشارة إلى ما أثاره أحد أعضاء مجلس الشيوخ - أوجين كومب - حين أثار مجلس الشيوخ بقوله: مما لا شك فيه هو أن التعليم في الجزائر كان قبل الاحتلال الإفرنسي - سنة ١٨٣٠ - أكثر انتشارا وأحسن حالا مما وصل إليه الآن - بعد قرن وربع من الاستعمار - الأمر الذي لم يكن يرضي السلطات الإفرنسية في الجزائر. فقد كان هناك أكثر من ألفي مدرسة للتعليم الابتدائي والثانوي والعالي، وكان يتولى التدريس فيها نخبة من الأساتذة الأكفاء. كما أن الطلاب كانوا من الشباب الناهض المتعطش إلى العلم، هذا فضلا عن مئات المساجد التي كانت تعنى بتلقين اللغة العربية لطالبيها (١).
لم يشأ الاستعمار الإفرنسي. سيرا مع خطته لتدمير العروبة
стр. 1215
في الجزائر، أن يترك اللغة العربية حرة طليقة تؤدي واجبها الديني، وتبلغ حضارتها الإنسانية. فشن عليها حربا وحشية، بهدف إعاقة انتشارها وازدهارها. وراح يغلق المدارس العربية بالقوة، بدون أي سبب، ويعتقل أساتذتها وشيوخها، وذنبهم الوحيد أنهم يعلمون اللغة العربية، وفي هذا قال أحد الإفرنسيين - بولار: (لقد أحدث وجود الإفرنسيين اضطرابا بالغا يين هؤلاء المفكرين الأدباء. واضطر معظم العلماء والفقهاء إلى ترك وظائفهم التي كانوا يشغلونها. كما تشتت شمل التلاميذ الذين اضطروا إلى السعي وراء العلم في السر بعد أن كانوا يتلقونه علانية وفي حرية تامة).
ولقد زاد في تمكين فرنسا من اضطهادها للغة العربية، سيطرتها المطلقة على عقارات الدولة الجزائرية والأوقاف الإسلامية. وهذا ما حدا بفرنسا إلى تعيين أناس من أعوانها للإشراف على قضايا التعليم في المساجد والمدارس. ووضعت لهم خطة تهدف إلى إهمال اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وقد كتب - بولار - بهذا الصدد: (أسندت إدارة التصرف في المساجد والمكاتب إلى أفراد بارعين في الكيد والدس. استخدموا القسط الأوفر من الأموال في مصلحتهم الشخصية. ومن هنا أهملت أغلبية المدارس وتركت وشأنها). ويعلق الضابط الاستعماري - رين - على أسلوب فرنسا تجاه التعليم في الجزائر، فيقول: (كان للغزو الإفرنسي أثر سيء إذ بسط يده على عقارات الدولة، دون أن يخصص ولو محلا واحدا للتعليم).
أدرك الاستعمار الإفرنسي أن انتشار اللغة العربية يشكل خطرا
стр. 1216
على الوجود الإفرنسي في الجزائر الإسلامية، ويقضي على مخططاته الهادفة إلى (فرنسة الجزائريين) والقضاء على أصالتهم. ولذا عملت على محاربة اللغة العربية بشتى الوسائل ومختلف الأساليب للحد من تعلمها وانتشارها. وكان في جملة إجراءاتها إصدار القانون المعروف (بقانون ٢٤ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٠٤) والذي ينص على: (عدم السماح لأي معلم مسلم أن يتولى إدارة مكتب لتعليم اللغة العربية بدون رخصة يمنحه إياها عامل الولاية. العمالة - أو قائد الفيلق العسكري. ويعد فتح مكتب بدون رخصة اعتداء على حدود القوانين الخاصة بالأهالي - المسلمين -).
وضعت السلطات الإفرنسية في الجزائر - بعد ذلك - العراقل أمام منح (رخصة التعليم) فكان على المعلم - الشيخ - التعرض لمواقف صعبة والرضوخ لشروط مهينة، يلتزم بتنفيذها نصا وروحا في مدرسته، حتى يحصل على (رخصة التعليم القانونية) وكانت تلك الشروط تنص على ما يلي:
١ - إقتصار التعليم على تحفيظ القرآن لا أكثر.
٢ - عدم التعرض بأي وجه كان إلى تفسير الآيات القرآنية، وخاصة تلك التي تحض على الجهاد في سبيل الله، وتدعو إلى محاربة الظلم والاستبداد.
٣ - استبعاد تدريس تاريخ الجزائر، وتاريخ العرب المسلمين، وجغرافية الجزائر والبلاد العربية.
стр. 1217
٤ - استبعاد الأدب العربي، بجميع علومه، والامتناع عن تعليم المواد العلمية والرياضية.
وفرضت السلطات الإفرنسية على حامل (رخصة التعليم القانونية) أن يبث روح السخط والاشمئزاز بين الناشئة من الثقافة العربية والإسلامية، وأن يخلص للسلطة الاستعمارية، وأن يتبع تعليماتها وينفذ توجيهاتها المتعلقة بالثقافة العربية، وإلا تعرض لما جاء في القانون ذاته: (يجوز لنفس السلطة أن تسحب رخصة التعليم لأجل معين، أو نهائيا من المعلمين الذين يرتكبون أي عمل من شأنه أن يمس بحسن السلوك أو الأخلاق. كما يجوز لها أن تأمر بإغلاق أبواب هذه المكاتب بصورة تأديبية). وهكذا اعتبرت السلطة الإفرنسية أن كل عمل خارج عن شروطها المذلة مسا بحسن السلوك والأخلاق، يستوجب سحب رخصة التعليم أو حتى إغلاق أبواب المكاتب - بصورة تأديبية -. ويستطرد القانون قائلا: (وأخيرا فإنه لا يجوز لمكاتب التعليم العربية أن تفتح أبوابها للأولاد الذين هم في سن التعليم أثناء ساعات التعليم في المكتب الإفرنسي. وذلك في القرى التي تبعد ثلاثة كيلومترات عن المدرسة الإفرنسية). وإذن، فقد عرف الاستعمار الإفرنسي بأن تعليم القرآن الكريم في مكاتب الشيوخ، ينافس الثقافة الإفرنسية المفروضة فضمن قانونه - الفقرة الأخيرة - في محاولة للحد من نشاط التعليم في المسجد والمكتب وحتى يرغم التلاميذ على التوجه إلى مدارسه التي أظهر الأولاد وأهاليهم عزوفا عن تعليمها الإفرنسي وقد رأوا فيه خطرا يهدد دينهم ويضر بأصالتهم.
خطت فرنسا بعد ذلك خطوة أكثر خطورة، وقد اعتقدت أن
стр. 1218
الأمور باتت ملك يمينها، فأصدر وزير الداخية - شوتان - قرارا رسميا في ٨ آذار - مارس - ١٩٣٨، يمنع تعلم اللغة العربية في الجزائر، وجاء في هذا القرار: (أن اللغة العربية تعتبر لغة أجنبية).
لقد كان صدور هذا القانون أمرا شديد الغرابة، فهو يعبر بوضوح عن أهداف فرنسا الاستعمارية ضد العرب المسلمين، وصحيح أن هذا الأمر لم يعد مجهولا أو بحاجة للبرهان والتأكيد، غير أن الأمر الغريب هو اعتبار اللغة العربية أجنبية في الجزائر، مع أن سكان هذه البلاد البالغ تعدادهم في تلك الفترة زهاء عشرة ملايين - على أقل تقدير - كلهم من العرب، ولغتهم الوحيدة هي اللغة العربية. ولعل فرنسا كانت تعتقد بأن قرار المنع هذا سيحد من نشاط الهيئات الدينية والتنظيمات الإسلامية، غير أن رد الفعل المباشر كان أقوى من قرار المنع، فما كاد يصدر القرار حتى هبت الأحزاب والهيئات الوطنية والتنظيمات الدينية مطالبة بإلغائه. وتوالت الاحتجاجات الشعبية على الحكومة الإفرنسية من داخل البلاد وخارجها. وظلت فرنسا مصرة على تنفيذ قرار المنع، حتى إذا ما اندلعت نار الحرب العالمية الثانية، اضطرت فرنسا مرغمة إلى مسايرة الشعب الجزائري - ريثما تنتهي الحرب - وتساهلت بعض الشيء في هذا القرار. وعندما وضعت الحرب أوزارها، استأنفت فرنسا وصل ما انقطع من سياستها، فأصدرت في ٢٢ تموز - يوليو - ١٩٤٥، قرارا: (يفرض على معلمي المكاتب العربية معرفة اللغة الإفرنسية).
من المعروف أن معظم معلمي المدارس الإسلامية هم من
стр. 1219
خريجي جامع الزيتونة في تونس وجامعة القيروان في فاس، بالإضافة إلى من يتخرجون من الأزهر، وهذه الجامعات لا تدرس لغة غير لغة القرآن العربية. والأمر الواضح هو أن فرنسا قد أرادت من قرارها هذا إقامة عائق جديد أمام علماء المسلمين وشيوخهم للحد من نشاطاتهم التعليمية. وتجدر الإشارة أيضا، إلى أن عدد ما أنشأته السلطات الإفرنسية من نوع المدارس التي تعلم العربية والإفرنسية (١) لم يتجاوز الثلاثة مدارس في الجزائر وتلمسان وقسنطينة، وأن طلبة هذه المدارس يخضعون لشروط استعمارية قاسية، ولا يكادون يكفون لسد حاجة السلك القضائي والترجمة. وعلى الرغم من ذلك، فقد اعتبرت السلطات الاستعمارية في الجزائر، بأن اللغة الإفرنسية هي اللغة الرسمية في البلاد. وأخذت في فرضها بالقوة على الشعب الجزائري الذي رأى فيها لغة الظلم والقهر والاضطهاد، ولسان الجور والطغيان. وعلى كل حال، فإن الاستعمار الإفرنسي الذي حاول فرض لغته، لم يكن راغبا من وراء ذلك إلى تعليم الشعب الجزائري، ورفع مستواه الثقافي. بل كان هدفه الوحيد هو صهر الجزائريين في البوتقة الإفرنسية، وتبديل أحوالهم الشخصية.
وهذا ما ظهر واضحا في المقولة التي طرحها المسؤول عن التعلم في الجزائر منذ سنة ١٩٠٨ حين قال: (ليس من الكرم والجود في شيء أن ترغب الجامعة في نشر العلم في القبائل - بل دعونا نقولها كلمة صريحة ونطلقها داوية: إن ذلك في صالح فرنسا
стр. 1220
وحدها، وهو ما نضعه دائما نصب أعيننا، وقد أضفى على تعليمنا طابعا خاصا، كما ساعد مدرسينا على اتباع طرقهم ووسائلهم الخاصة. كما أضفى في الوقت نفسه على برامجنا طابعها الراهن. وإنه لمن الأهمية بمكان أن نبث في أذهان الأهالي فكرة رفيعة ونقية عن وطننا، وذلك بتلقين تلاميذنا دروسا عن عظمة فرنسا، وجيشها وثروتها تتناسب وأعمارهم كما تتفق ودرجة ثقافتهم). ويستطرد الكاتب قائلا: (إن المدرسة الألهية في شكلها الراهن، وبعملها المزدوج، ليست أداة تجديد فحسب، بل هي على وجه الخصوص أداة سلطة وسلطان .. وسيلة نفوذ وسطوة، وستخلق من رعايانا عضوا مفيدا جدا، وساعدا مخلصا لفرنسا) وكان هذا المسؤول - المسيو برنار - يرد بذلك على المنادين بسياسة التجهيل في الجزائر القائين بهذا الرأي: (لما كان تعليم الوطنيين يؤدي بالجزائر إلى خطر محقق سواء من الناحية الاقتصادية، أم من ناحية التعمير الإفرنسي، فإن الرغبة تميل إلى إلغاء التعليم الإبتداني).
وهكذا انقسم المستعمرون إلى قسمين: قسم يرغب في عدم تثقيف الجزائريين حتى لا ينافسوهم في الوظائف والأعمال الحرة، وحتى يظل الأوروبيون هم المسيطرون سيطرة تامة على مرافق البلاد الحيوية. ومن هؤلاء - بيير مورلان - الذي قال في الأطروحة التي حصل بها على درجة الدكتوراه ما يلي: (يجب ألا ننظر إلى المواطن الجزائري وكأنه ذو عقل شبيه بعقلنا، وإذا فكرنا في أن التعليم يستطيع أن يغيره تغييرا كاملا، فإننا نخالف بذلك بل نتجاهل قانون التطور الثابت).
стр. 1221
ولعل (بيير مورلان) وأمثاله ممن يحملون مثل هذا الرأي، من دهاقنة الاستعمار ومفكريه هم جميعا من الذين يتعارضون مع (قانون التطور الثابت، على الرغم من الشهادات العلمية التي منحت لهم لتغطية فقرهم العقلي. ذلك بدلالة أن هذه التغطية لم تتمكن من إخفاء حرمانهم من العاطفة الإنسانية والفكر المتحرر. ولذا قد يكون من الصعب اعتبار أي استعماري (وكأنه ذو عقل شبيه بعقل الإنسان الجزائري المسلم).
أما القسم الثاني فإنه لا يرى مانعا من تعليم الجزائريين، شريطة ألا يكون هذا التعليم خاضعا لنظام خاص يؤدي في النهاية إلى تغيير الأحوال الشخصية. غير أن السلطات الإفرنسية طبقت الحلول المناسبة التي تضمن عدم تشجيع التعليم بين الجزائريين تشجيعا كاملا. بينما تمسكت بأهداف القسم الثاني وعملت على ضوئه. وأصبحت الثقافة الإفرنسية نتيجة لسياسة الحكومة تكاد تكون معدومة بين الأهالي الجزائريين، في حين أنها تزداد ازدهارا وانتشارا بين الأوروبيين المستوطنين. ومن المعروف أن هنالك مليونين من الأولاد في سن الدراسة قد أوصدت في وجوههم أبواب العلم والمعرفة وشردتهم فرنسا في الشوارع. ولم يتجاوز عدد الطلاب الذين ضمتهم المدارس - في الفترة التي سبقت قيام الثورة سنة ١٩٥٤ - مائتي ألف تلميذ فقط. وقد يكون ذلك وحده كافيا للتأكيد على نجاح فرنسا في تحقيق أهداف (تربيتها الحضارية).
стр. 1222
٤ - الفرنسة والتنصير ونتائجهما
ما إن أحكمت فرنسا قبضتها على الجزائر، وفرضت وجودها الاستعماري بالحديد والنار، حشتى أخذت في دعم هذا الوجود -بحسب ظنها - عن طريق تطبيق مجموعة من الأنظمة والقوانين لفرنسة الجزائر وتنصير سكانها، وكانت المقولة التي تعبر عن هذا التفكير السقيم هي: (أن جبال الأطلس هي جبال الألب، وأن (نهر الشلق) (١) هو نهر السين. وأن الصحراء هي المروج، وأن اللغة العربية هي الإفرنسية، وأن الغسلام هو المسيحية، وأفريقيا هي أوروبا).
من المعروف أن بريطانيا قد استعمرت بلادا عديدة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية والهند، كما عملت إسبانيا على استعمار دول أمريكا اللاتينية - أمريكا الجنوبية - وعلى الرغم من الروابط الروحية واللغوية وروابط الدم التي كانت تربط بريطانيا
стр. 1223
وأمريكا بعراها الوثيقة، فإن بريطانيا لم تزعم أبدا بأن الولايات المتحدة هي بريطانيا، كما لم تزعم اسبانيا بأن الأرجنتين أو المكسيك أو الشيلي هي أقطار إسبانية. غير أن الحماقة الإفرنسية صورت لرجال إدارتها ودهاقنة ساستها بأن احتلالها للجزائر، وما أعدته من مخططات في حملتها الصليبية ضد الإسلام والمسلمين، سيتيح لها فرصة إزالة الوجود العربي - الإسلامي من جزائر المسلمين وضمها إلى (الوطن الأم) فرنسا. وهكذا أصدرت منذ ٢٢ تموز - يوليو - سنة ١٨٣٤، أمرا بتحويل الجزائر من أرض محتلة إلى (ملكية فرنسية) ناقضة بذلك كل القوانين والأعراف الدولية، ومتجاهلة لكل الحقائق التاريخية، ومتنكرة لكل حقوق الأفراد والجماعات.
مضت فرنسا قدما في تنفيذ سياستها، فأصدرت مرسوما في ٤ آذار - مارس - ١٨٤٨ يقضي بتشكيل (مجلس الأعيان) (١) باعتبار أن (الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا).
وبعد ذلك وفي سنة ١٨٧٠، أعلنت فرنسا بأن الجزائر تتألف من ثلاث مقاطعات إفرنسية. (ولايات أو عمالات قسنطينة والجزائر ووهران) واتبعت ذلك غداة الحرب العالمية الثانية بإصدار أمر في ٧ آذار - مارس - ١٩٤٤، يعلن: (أن المسلمين الجزائريين أصبحوا فرنسيين. وأعلن قانون ٧ أيار - مايو - ١٩٤٦ أيضا: (بأن جميع الجزائريين هم مواطنون فرنسيون).
стр. 1224
وعندما وضع الدستور الإفرنسي في ٢٧ تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٤٦، أعلن: (أن الجمعية الوطنية لها وحدها حق إصدار القوانين، ولا يمكن لها منح هذا الحق لغيرها ... وأن النظام التشريعي لمقاطعات ما وراء البحار - هو ذاته نظام الوطن الإفرنسي، إلا ما استثناه القانون، وفي ٢٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٤٧ صدر قانون باسم (النظام الأساسي للجزائر) وهو بمثابة دستور خاص بها يحتوي على ستين مادة، وقد جاء في أهم مواد اللائحة الأولى:
أولا: تتكون الجزائر من مجموعة من المقاطعات لها ذاتيتها المدنية وذاتيتها المالية ونظامها الخاص المنصوص عليها في مواد هذا القانون.
ثانيا: تكفل القوانين المساواة التامة بين جميع المواطنين الإفرنسيين في المقاطعات الجزائرية الثلاثة، دون تمييز في الأصل والجنس واللغة والدين.
خامسا: يمثل الحاكم العام حكومة الجمهورية الإفرنسية في الجزائر.
سادسا: يتم إنشاء مجلس جزائري يخول إدارة المصالح الجزائرية بالاتفاق مع الحاكم العام، وقد حددت صلاحيات هذا المجلس، ببحث النظام التشريعي والاقتصادي في الجزائر وتنظيم أعمال الإدارة.
إن إصدار هذا المرسوم هو في حد ذاته برهان حاسم على
стр. 1225
التناقض القائم بين مقولة (الجزائر الإفرنسية - نظريا) و (الجزائر المستقلة - إداريا وماليا واقتصاديا من الناحية العملية). ويدحض بما لا يدع مجالا للشك ما كانت تطرحه فرنسا طوال قرن وربع القرن، من أن (الجزائر جزء مكمل لفرنسا ومتمم لها). ويعود سبب هذا التناقض الفاضح لعاملين أساسيين أولهما: رفض مسلمي الجزائر رفضا قاطعا لكل سياسة تدمجهم بفرنسا وتقضي على شخصيتهم الأصيلة. وثانيهما: رفض المستوطنين - الكولون - لكل سياسة تساوي بينهم وبين مسلمي الجزائر في الحقوق والواجبات.
لقد زعمت فرنسا بأن الجزائر هي مقاطعة، مثلها كمثل مقاطعتي (بريتانيا) و (نورماندي) بالنسبة لفرنسا، غير أن الواقع يدحض مثل هذا الزعم. فبريتانيا ونورماندي وسواهما من المقاطعات الإفرنسية تحكم وتدار بموجب دستور فرنسا وقوانينها.
في حين وضع للجزائر دستورها الخاص بها، والذي ينص على إدارة الحكم في الجزائر من قبل (حاكم عام) و (جمعية جزائرية). في حين يوجد على رأس كل مقاطعة فرنسية (محافظا) - بريفيه - ويعود هذا المحافظ في شؤونه إلى وزارة الداخلية الإفرنسية، أما الحكام في ولايات الجزائر الثلاثة (العمالات) فإنهم يعودون في شؤونهم إلى الحاكم العام، الذي يتبع بدوره لوزارة الداخلية الإفرنسية - قسم الشؤون الخارجية -. وينص الدستور الجزائري الخاص على إيجاد مجمعين انتخابيين في الجزائر:
المجمع الأول: وهو المفضل والحاكم بأمره في الجزائر
стр. 1226
ويشمل الأوروبيين واليهود.
المجمع الثاني: وهو الخدم - في نظر المستعمرين - ويشمل شعب الجزائر المسلم.
ولا وجود لمثل هذا النظام في المقاطعات الإفرنسية (بريتانيا ونورماندي وسواهما) إذ أن الدستور الإفرنسي قد نص على مساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. وحتى المادة الثانية من دستور الجزائر الخاص تمنح مثل هذه المساواة. غير أن المادة (٣١) منه تناقضها تماما، حيث تنص صراحة على التميز بين الأوروبيين الاستعماريين - الكولون - وجماهير الشعب المسلمين - أنديجين -. وعلى الرغم من نص المادة الخمسين من (الدستور الجزائري الخاص) القاضي بإزالة نظام الحدود الجنوبية المعروفة (بالتراب العسكري) فإن نظام هذا التراب استمر قائما على الحكم العسكري الفردي - دكتاتوري - للضابط فيه حق فرض الطاعة بالقوة. وذلك طوال الفترة من بداية الاحتلال حتى قيام ثورة التحرير سنة ١٩٥٤.
نصت المادة ٥٣ من (دستور الجزائر الخاص) على أن (المجموعات المحلية هي البلديات والمقاطعات، وبناء عليه فإن البلديات المشتركة قد ألغيت ... وسيتم تطبيق هذا النص على مراحل بموجب قرارات تتخذها الجمعية الجزائرية) ومعروف أنه لا توجد في فرنسا أنظمة عسكرية أو (بلديات مشتركة) (١) فلماذا
стр. 1227
فرضت هذه الأنظمة على الجزائر وحدها إن كانت مساوية للأقاليم الإفرنسية؟ ... ثم كيف تتحقق مثل هذه المساواة بين المستوطنين الأوروبيين (الكولون) (١) وبين أبناء البلاد من مسلمي الجزائر في نظام المجالس والمجموعات الجزائرية، وقد انتقص ممثلي المسلمين إلى الخمسين من مجموع العدد الصحيح لهم، في حين كان عددهم الحقيقي يزيد عشر مرات على عدد اللاجئين الأوروبيين (الكولون).
ولقد أقيمت على الحدود في كل من الجزائر وفرنسا هيئات جمركية، وتولى مصرف جزائري إصدار عملة جزائرية غير متداولة في فرنسا - بالرغم من ارتباطها بالفرنك الإفرنسي - ووضع في الجزائر نظام خاص بالمرتبات والأمن الجماعي يخالف تماما النظام السائد في فرسا. فإذا كانت الجزائر هي بريتانيا والنورماندي فلماذا يتم وضع نظام جمركي خاص بالجزائر، وهل بين بريتانيا وباريس جمارك؟ وهل النقود المتداولة في النورماندي مغايرة للنقود المتداولة في مقاطعة البيرينة؟! وطالما أن الأمر كذلك، فلماذا تصر السياسة الإفرنسية، وهي تمعن في ضلالها وتضليلها، على أن الجزائر فرنسية؟.
لقد وضعت فرنسا نفسها أمام مأزق حقيقي بمزاعمها أن (الجزائر فرنسية) إذ بات أمامها واحد من مخرجين لا ثالث لهما: فإما أن تبقي على نظام الإدارة الاستعمارية الذي استمر قائما حتى
стр. 1228
قيام الثورة التحريرية، وتكون بذلك قد اعترفت ضمنا بوجود وضع مميز وشخصية مستقلة للجزائر. وإما أن تعمل على دمج الجزائر عمليا بفرنسا، فتقتلع النظام الاستعماري من جذوره وتساوي بين فرنسيي (المتروبرل) وبين الجزائريين المسلمين. بحيث يكون القانون المطبق في فرنسا هو ذاته المعمول به في الجزائر، وبهذا أيضا يتقلص ظل الاستعمار عن الجزائر، ويمسك الجزائريون البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة بزمام الحكم في بلادهم.
ولم يكن باستطاعة فرنسا الاستعمارية اللجوء إلى أحد من المخرجين لأنها ستخسر ما اعتبرت أنه من حقها - بحكم التقادم الاستعماري -. هذا بالإضافة إلى أن (فرنسة الجزائر فرنسة حقيقية وعملية) كان لا بد وأن تصطدم برغبات المستوطنين - الكولون - الذين كانوا يستأثرون بملكية الأراضي الخصبة والمغتصبة، والذين كانوا يعملون باستمرار حتى يبقى الجزائريون خدما لديهم وعمالا في مزارعهم، يتقاضون أجورا زهيدة لا تكاد تكفي لتأمين أبسط المتطلبات الحياتية. ويصرون على عدم مساواة الجزائري بالأوروبي حتى لا يطالب بحقه الإنساني المشروع.
وقاوم الأوروبيون المستوطنون في الجزائر - الكولون - دمج الجزائر دمجا عمليا بفرنسا، لأن الجزائريين يشكلون الغالبية العظمى والأكثرية الساحقة في الجزائر، بينما لم يتجاوز عدد الأوروبيين المستوطنين في الجزائر حتى قيام ثورتها في الخمسينات مليون نسمة. فإذا ما طبق قانون المساواة تطبيقا صحيحا يصبح للجزائريين تسعة أعشار الحكم في بلادهم وخمس
стр. 1229
الحكم في فرنسا. وكانت فرنسا تخاف من إطلاق يد الجزائريين في إدارة المصالح والمؤسسات الجزائرية حتى لا يؤدي ذلك إلى ظهور احتمال قيام الجزائريين بحركة مباغتة تعلن فيها انفصالها عن (الوطن الأم) وتستقل بأمورها، مستندة في ذلك إلى كل الحجج القانونية والوطنية والدينية.
وبعد ذلك، ومع افتراض قبول فرنسا مكرهة على هذا الحل، فإن الجزائريين لم يكونوا على استعداد لقبوله. وقد تجمعت كل الشواهد لتؤكد حقيقة واحدة وهي رفض كل حل يؤدي إلى إجراء تبديل في أصالتهم القومية وعقيدتهم الدينية. وهكذا بقي النظام السائد في الجزائر - حتى قيام ثورتها - هو النظام المعروف (بنظام التوسع الاستعماري والامتيازات الاستعمارية). وهو النظام الذي لم يعرف فيه أبناء الجزائر المسلمون إلا السلب لممتلكاتهم والنهب لأموالهم والانتهاك لحرماتهم والنيل من مقدساتهم. وقد وصف النظام الاستعماري في الجزائر، حتى قيام ثورتها،: (بأنه نظام استعماري فوضوي قائم على التمييز العنصري والتفرقة الدينية وقوة القهر التي أغرقت المسلمين في حمامات الدم) كما حدد مفهوم حكم الإفرنسيين للجزائر بالمقولة، التي طرحها الإفرنسيون ذاتهم وتضمنت ما يلي: (نحن الإفرنسيين مقيمون في ديارنا بالجزائر، فقد أصبحنا سادة هذه البلاد بالقوة، لأن الغزو لا يتحقق إلا بالقوة التي تفرض وجود طرفين غالب ومغلوب. وقد أمكن تنظيم البلاد عندما تم قهر المغلوبين. وهذا التنظيم يفرض مرة أخرى فكرة تفوق الغالب على المغلوب، وتفوق الإنسان المتحضر من الإنسان
стр. 1230
المتخلف، فنحن إذن أصحاب البلاد الشرعيين) (١) وطالما أن منطق الحكم هو منطق القوة فقد ظهر بوضوح أنه ليس هناك خيار حتمي غير خيار واحد هو الاحتكام إلى السلاح، وقد بات هذا الخيار ينضح على نار هادئة حتى تفجر في النهاية ليفرق البلاد ومستعمريها في حمامات الدم ومستنقع الوحل. وعند هذه النقطة يمكن العودة إلى تلك النار الهادئة التي ألهبت الحريق، والتي أوقد فتيلها الإفرنسيون ذاتهم من خلال سياسة التنصير.
ومن المعروف، أن في جملة الدوافع الظاهرة التي حدت بفرنسا (ابنة الكنيسة الكاثوليكية المفضلة) إلى احتلال الجزائر، رغبتها الملحة في القضاء على الدين الإسلامي الذي ادخرت له كل حقد دفين منذ هزائمها المنكرة أيام الحروب الصليبية القديمة في المشرق (حملة لويس التاسع - أو القديس لويس على مصر).
وعلى الرغم من أن معاهدة تسليم العاصمة التي أبرمها القائد الإفرنسي - دوبومون - مع (الداي حسين) تقضي بحرية الشريعة الإسلامية واحترامها، وضمان حرية الأهالي وأملاكهم وتجارتهم، إلا أن (دوبومون) نفسه لم يلبث أن نكث العهد بعد مضي شهرين فقط على إبرام الاتفاقية، وإصدر أمرا يوم ٨ أيلول - سبتمبر - ١٨٣٠ يقضي بالاستيلاء على الأوقاف الإسلامية. والاستيلاء على الأوقاف إنما يعني الاستيلاء على الدين، لأن المساجد والشؤون الديية الأخرى وما يترتب لها من خدمات تمول كلها من الأوقاف.