ويشمل الأوروبيين واليهود.
المجمع الثاني: وهو الخدم - في نظر المستعمرين - ويشمل شعب الجزائر المسلم.
ولا وجود لمثل هذا النظام في المقاطعات الإفرنسية (بريتانيا ونورماندي وسواهما) إذ أن الدستور الإفرنسي قد نص على مساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. وحتى المادة الثانية من دستور الجزائر الخاص تمنح مثل هذه المساواة. غير أن المادة (٣١) منه تناقضها تماما، حيث تنص صراحة على التميز بين الأوروبيين الاستعماريين - الكولون - وجماهير الشعب المسلمين - أنديجين -. وعلى الرغم من نص المادة الخمسين من (الدستور الجزائري الخاص) القاضي بإزالة نظام الحدود الجنوبية المعروفة (بالتراب العسكري) فإن نظام هذا التراب استمر قائما على الحكم العسكري الفردي - دكتاتوري - للضابط فيه حق فرض الطاعة بالقوة. وذلك طوال الفترة من بداية الاحتلال حتى قيام ثورة التحرير سنة ١٩٥٤.
نصت المادة ٥٣ من (دستور الجزائر الخاص) على أن (المجموعات المحلية هي البلديات والمقاطعات، وبناء عليه فإن البلديات المشتركة قد ألغيت ... وسيتم تطبيق هذا النص على مراحل بموجب قرارات تتخذها الجمعية الجزائرية) ومعروف أنه لا توجد في فرنسا أنظمة عسكرية أو (بلديات مشتركة) (١) فلماذا
стр. 1227
فرضت هذه الأنظمة على الجزائر وحدها إن كانت مساوية للأقاليم الإفرنسية؟ ... ثم كيف تتحقق مثل هذه المساواة بين المستوطنين الأوروبيين (الكولون) (١) وبين أبناء البلاد من مسلمي الجزائر في نظام المجالس والمجموعات الجزائرية، وقد انتقص ممثلي المسلمين إلى الخمسين من مجموع العدد الصحيح لهم، في حين كان عددهم الحقيقي يزيد عشر مرات على عدد اللاجئين الأوروبيين (الكولون).
ولقد أقيمت على الحدود في كل من الجزائر وفرنسا هيئات جمركية، وتولى مصرف جزائري إصدار عملة جزائرية غير متداولة في فرنسا - بالرغم من ارتباطها بالفرنك الإفرنسي - ووضع في الجزائر نظام خاص بالمرتبات والأمن الجماعي يخالف تماما النظام السائد في فرسا. فإذا كانت الجزائر هي بريتانيا والنورماندي فلماذا يتم وضع نظام جمركي خاص بالجزائر، وهل بين بريتانيا وباريس جمارك؟ وهل النقود المتداولة في النورماندي مغايرة للنقود المتداولة في مقاطعة البيرينة؟! وطالما أن الأمر كذلك، فلماذا تصر السياسة الإفرنسية، وهي تمعن في ضلالها وتضليلها، على أن الجزائر فرنسية؟.
لقد وضعت فرنسا نفسها أمام مأزق حقيقي بمزاعمها أن (الجزائر فرنسية) إذ بات أمامها واحد من مخرجين لا ثالث لهما: فإما أن تبقي على نظام الإدارة الاستعمارية الذي استمر قائما حتى
стр. 1228
قيام الثورة التحريرية، وتكون بذلك قد اعترفت ضمنا بوجود وضع مميز وشخصية مستقلة للجزائر. وإما أن تعمل على دمج الجزائر عمليا بفرنسا، فتقتلع النظام الاستعماري من جذوره وتساوي بين فرنسيي (المتروبرل) وبين الجزائريين المسلمين. بحيث يكون القانون المطبق في فرنسا هو ذاته المعمول به في الجزائر، وبهذا أيضا يتقلص ظل الاستعمار عن الجزائر، ويمسك الجزائريون البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة بزمام الحكم في بلادهم.
ولم يكن باستطاعة فرنسا الاستعمارية اللجوء إلى أحد من المخرجين لأنها ستخسر ما اعتبرت أنه من حقها - بحكم التقادم الاستعماري -. هذا بالإضافة إلى أن (فرنسة الجزائر فرنسة حقيقية وعملية) كان لا بد وأن تصطدم برغبات المستوطنين - الكولون - الذين كانوا يستأثرون بملكية الأراضي الخصبة والمغتصبة، والذين كانوا يعملون باستمرار حتى يبقى الجزائريون خدما لديهم وعمالا في مزارعهم، يتقاضون أجورا زهيدة لا تكاد تكفي لتأمين أبسط المتطلبات الحياتية. ويصرون على عدم مساواة الجزائري بالأوروبي حتى لا يطالب بحقه الإنساني المشروع.
وقاوم الأوروبيون المستوطنون في الجزائر - الكولون - دمج الجزائر دمجا عمليا بفرنسا، لأن الجزائريين يشكلون الغالبية العظمى والأكثرية الساحقة في الجزائر، بينما لم يتجاوز عدد الأوروبيين المستوطنين في الجزائر حتى قيام ثورتها في الخمسينات مليون نسمة. فإذا ما طبق قانون المساواة تطبيقا صحيحا يصبح للجزائريين تسعة أعشار الحكم في بلادهم وخمس
стр. 1229
الحكم في فرنسا. وكانت فرنسا تخاف من إطلاق يد الجزائريين في إدارة المصالح والمؤسسات الجزائرية حتى لا يؤدي ذلك إلى ظهور احتمال قيام الجزائريين بحركة مباغتة تعلن فيها انفصالها عن (الوطن الأم) وتستقل بأمورها، مستندة في ذلك إلى كل الحجج القانونية والوطنية والدينية.
وبعد ذلك، ومع افتراض قبول فرنسا مكرهة على هذا الحل، فإن الجزائريين لم يكونوا على استعداد لقبوله. وقد تجمعت كل الشواهد لتؤكد حقيقة واحدة وهي رفض كل حل يؤدي إلى إجراء تبديل في أصالتهم القومية وعقيدتهم الدينية. وهكذا بقي النظام السائد في الجزائر - حتى قيام ثورتها - هو النظام المعروف (بنظام التوسع الاستعماري والامتيازات الاستعمارية). وهو النظام الذي لم يعرف فيه أبناء الجزائر المسلمون إلا السلب لممتلكاتهم والنهب لأموالهم والانتهاك لحرماتهم والنيل من مقدساتهم. وقد وصف النظام الاستعماري في الجزائر، حتى قيام ثورتها،: (بأنه نظام استعماري فوضوي قائم على التمييز العنصري والتفرقة الدينية وقوة القهر التي أغرقت المسلمين في حمامات الدم) كما حدد مفهوم حكم الإفرنسيين للجزائر بالمقولة، التي طرحها الإفرنسيون ذاتهم وتضمنت ما يلي: (نحن الإفرنسيين مقيمون في ديارنا بالجزائر، فقد أصبحنا سادة هذه البلاد بالقوة، لأن الغزو لا يتحقق إلا بالقوة التي تفرض وجود طرفين غالب ومغلوب. وقد أمكن تنظيم البلاد عندما تم قهر المغلوبين. وهذا التنظيم يفرض مرة أخرى فكرة تفوق الغالب على المغلوب، وتفوق الإنسان المتحضر من الإنسان
стр. 1230
المتخلف، فنحن إذن أصحاب البلاد الشرعيين) (١) وطالما أن منطق الحكم هو منطق القوة فقد ظهر بوضوح أنه ليس هناك خيار حتمي غير خيار واحد هو الاحتكام إلى السلاح، وقد بات هذا الخيار ينضح على نار هادئة حتى تفجر في النهاية ليفرق البلاد ومستعمريها في حمامات الدم ومستنقع الوحل. وعند هذه النقطة يمكن العودة إلى تلك النار الهادئة التي ألهبت الحريق، والتي أوقد فتيلها الإفرنسيون ذاتهم من خلال سياسة التنصير.
ومن المعروف، أن في جملة الدوافع الظاهرة التي حدت بفرنسا (ابنة الكنيسة الكاثوليكية المفضلة) إلى احتلال الجزائر، رغبتها الملحة في القضاء على الدين الإسلامي الذي ادخرت له كل حقد دفين منذ هزائمها المنكرة أيام الحروب الصليبية القديمة في المشرق (حملة لويس التاسع - أو القديس لويس على مصر).
وعلى الرغم من أن معاهدة تسليم العاصمة التي أبرمها القائد الإفرنسي - دوبومون - مع (الداي حسين) تقضي بحرية الشريعة الإسلامية واحترامها، وضمان حرية الأهالي وأملاكهم وتجارتهم، إلا أن (دوبومون) نفسه لم يلبث أن نكث العهد بعد مضي شهرين فقط على إبرام الاتفاقية، وإصدر أمرا يوم ٨ أيلول - سبتمبر - ١٨٣٠ يقضي بالاستيلاء على الأوقاف الإسلامية. والاستيلاء على الأوقاف إنما يعني الاستيلاء على الدين، لأن المساجد والشؤون الديية الأخرى وما يترتب لها من خدمات تمول كلها من الأوقاف.
стр. 1231
والحكمة في الأوقاف هي عدم رضوخ الدين لأية سلطة مدنية أو عسكرية، وتعني الأوقاف أيضا استقلالية الدين وحرية عمله بعيدا عن كل نفوذ دنيوي. وقد أحدث صدور هذا الأمر رد فعل عنيف لدى المسلمين، استوعبه قائد الغزو بالقوة وإصدر أمرا ثانيا في ٧ كانون الأول - ديسمبر ١٨٣٠، كفل لنفسه: (حق التصرف في الأملاك الدينية بالتأجير أو الكراء).
وبهذا تم وضع يد الاستعمار الإفرنسي على الدين الإسلامي في الجزائر. وأصبحت فرنسا المسيحية تتصرف على هواها في شؤون مساجد المسلمين وقضائهم وتعليمهم، فلا تعين مفتيا أو إماما أو مؤذنا أو حتى خادما إلا إذا أظهر استعداده للتجسس على إخوانه المسلمين. وإلا إذا كان أطوع من بنان الاستعمار في تلبية مشيئته، حتى ولو ادت هذه المشيئة غلى الكفر بالدين الإسلامي. ولقد وصف مدير إفرنسي لمكتب الشؤون الإسلامية في الجزائر ما فعله الاستعمار الإفرنسي بالدين الإسلامي، فقال: (لقد أذللنا الدين الإسلامي. وبلغ الأمر أن لا يعين إمام أو فقيه إلا إذا شارك في أعمال الجاسوسية الإفرنسية. ثم عليه كي يرتقي في الدرجة أن يثبت قدرا كبيرا من الحماسة والإخلاص للإدارة الإفرنسية).
وعلى الرغم من أن قانون سنة ١٩٠٥ قد نص على (فصل الدين عن الدولة)، وطلب العمل به في الجزائر بموجب مرسوم ٢٧ أيلول - سبتمر - ١٩٠٧، فإن هذا القانون طبق على جميع الأديان، ما عدا الدين الإسلامي الذي ظل (مؤمما) طوال ليل الاستعمار.
стр. 1232
لقد زعموا أنهم بذلك يستطيعون إذلال الإسلام من خلال إذلال المسلمين، وجهلوا بأن الإسلام لا يذل لأنه شريعة الله، وجهلوا أيضا أن إذلالهم للمسلمين هو محنة أو بلاء في عقيدة المسلم لا بد له من تجاوزه، وقد تجاوزه فعلا وانتصر على أعداء الإسلام والمسلمين.
стр. 1233
٥ - الانهيار الكبير
استمرت فرنسا في محاولاتها الرامية إلى (تنصير المغرب العربي - الإسلامي - عامة) والجزائر منه بصورة خاصة. ولم تلبث حين احتلت الصحراء، أن وجهت إليها إرساليات. عديدة من (الآباء البيض) معتقدة أن هذه المناطق ستكون تربة خصبة لبذورهم. وبثت (الإرساليات البشيرية) الأخرى في كل مدينة وقرية.
غير أن هذه الجهود المكثفة اصطدمت بالعوائق المستمرة والعقبات المتتالية. وبرز احتمال فشل كل الجهود المبذولة مما أفزع المسؤولين عن (سياسة التنصير) والداعين لها. فبادرت السلطات الإفرنسية إلى إغلاق ما تبقى من المدارس - المكاتب - الدينية، وألقت بشيوخها في غياهب السجون والمعتقلات بحجة أنهم لا يحملون إجازات - تراخيص - رسمية من الدولة، تتيح لهم حق ممارسة التعليم. وراحت تحشو خطب أئمة المساجد - التابعين لها - بعبارات تنتقص من قيمة الدين الإسلامي وتنفر المسلمين منه
стр. 1234
وأدرك المسلمون في الجزائر خطورة هذه الهجمة، فقاطعوا المساجد - الإفرنسية - التي ارتضى خطباؤها لأنفسهم ذل الخضوع لسلطان القوة. وراح كل فقيه وشيخ يجمع الطلبة في بيته، ويلقنهم مبادىء دينهم. وذعرت السلطة الاستعمارية لهذا الصمود، فراحت تزيد من اضطهادها للفقهاء والعلماء، ومضى هؤلاء لإظهار المزيد من الصمود، وعادت مساجد الأرياف خاصة لممارسة دورها وقد تحولت إلى ملاذ يلجأ إليه العلماء والطلبة المضطهدون، فرارا من قبضة السلطة القوية في المدن.
احتفظت هذه الجوامع بنظامها الذي يشبه إلى حد بعيد أنظمة المدارس الداخلية. فالطالب يتعلم وينام فيها، على نفقة الأبرار الأخيار، أو أهل القرية التي يقع فيها هذا المسجد - الجامع -. أما طلبة المكاتب القرآنية الغرباء، الموجودون في المدن، فإنهم يعتمدون في أمر معيشتهم على الصدقة والاستجداء، بعد أن منعت الإدارة الإفرنسية عنهم موارد الأوقاف، وبعد أن مضت لمحاربتهم بكل الوسائل. ولم يجد الطلبة في اللجوء إلى الاستجداء غضاضة طالما أن هدفهم النبيل، وهو تعلم العلم وتعليمه قد فرض عليهم أقسى أنواع الحرمان. وبات من الأمور العادية أن يطرق أسماع أبناء المدن الجزائرية - عند الظهيرة وفي المساء - صوت يأتيهم من الخارج وهو ينادي، (الموجود لله) فيعرفون أنه صوت الطالب القرآني الذي يعاني الفقر والعوز، ويقاوم البرد والجوع، في سبيل المحافظة على وجوده الإسلامي.
وقد لا يكون بعض أبناء المدن - أو معظمهم في تلك الحقبة،
стр. 1235
أحسن حالا من طالب القرآن، غير أنهم لا يترددون في الإسراع إليه ومشاركته جهده وجهاده. وتجدر الإشارة هنا إلى ما عرف عن الجزائريين عموما من رغبة كبرى في تعلم القرآن وحفظه حفظا غيابيا - عن ظهر قلب - حتى أن نسبة حفظة القرآن في الجزائر ترتفع بين الذكور إلى نسبة ٤٠ بالمائة. ويرجع الفضل في الإبقاء على جذوة الإسلام متقدة في الجزائر بالرغم من كل أساليب القمع والقهر إلى حملة الكتاب والمدافعين عن الإسلام من الفقهاء والعلماء الذين تصدوا بإيمان لا يتزعزع لصراع الاستعمار ومبشريه. فحافظوا بذلك على أصالتهم الإسلامية وحضارتهم العربية ودينهم الحنيف، في وقت حجز فيه الاستعمار جميع المصاحف، وأخلى البلاد والمكاتب منها، وأغلق المدارس والجوامع. وقذف بمبشريه إلى معركة التنصير.
وأسفرت هذه المعركة عن هزيمة الاستعمار ومبشريه ودعاته، وخرج حفاظ كتاب الله وهم أعزة بنصرهم، لقد نصروا الله فنصرهم وصدق الله وعده ونصر جنده. غير أن فشل الاستعمار في تطبيق سياسة التنصير لم يدفعه إلى اليأس، فمضى دهاقنته ومفكروه لاستخدام وسائل تبادلية: فإذا ما فشلت أساليب الهجوم المباشر، فلماذا لا يتم استخدام أساليب الهجوم غير المباشر؟ وإذا لم ينجح دعاة التبشير في إقناع المسلمين بتبديل دينهم، فلا أقل من صرفهم عن إسلامهم، والعمل على تشويه الإسلام ذاته بالخرافات والبدع.
وهكذا جندت فرنسا أجهزتها لبث التعاليم الدينية - المبتكرة - بواسطة أعوان لها ضعاف الأنفس والإيمان من الأئمة ورجال
стр. 1236
الإفتاء والقضاة، وأصحاب الطرق الدينية خاصة ممن استحوذت عليهم شهوة الدنيا، واشترى الاستعمار عقولهم بالمال والألقاب، هادفا من وراء ذلك إلى النيل من سمعة الشريعة الإسلامية، وكان أول عمل قام به الاستعمار هو إرغام القضاة على عقد جلسات المحاكم الإسلامية في الأسواق العامة وعلى رصيف الشارع وفي المقاهي القذرة. وأخذت تختلق الخرافات والأساطير وتنسبها إلى العلماء والأولياء الصالحين. وشجعت على إقامة الولائم العامة وحفلات الزار (الوعادي) الذي أصبحت فيما بعد مراكز خطيرة لنشر دعاية الإستعمار الإلحادية، المتسترة بستار العلمانية - وبلغت إهانة فرنسا للدين الإسلامي حدها حين أنشأت الإدارة الاستعمارية (لجانا استشارية للشعائر الدينية في كل مقاطعة، يرأسها دائما أوروبي، ويكون أحد أعضائها ممثلا للشرطة).
...
وفي إطار الهجوم غير المباثر، تبنت الكنيسة - طوعا أو كرها - أساليب العمل لتشويه الإسلام، يدعمها في ذلك حكم عسكري صارم. ومن القصص الشهيرة في هذا المجال ما تم اكتشافه أثناء الثورة الجزائرية التحريرية - سنة ١٩٥٤ - في بعض المناطق الشرقية، حيث ظهر أن بعض الأضرحة التي يؤمها الشعب ويتبرك بأعتابها لم تكن إلا قبورا لرهبان مسيحيين. ولم يصدق الشعب للوهلة الأولى ما يراه حتى وقت أنظاره على (الصليب في القبر). وبذلك قطع اليقين حبال الشثك (١).
стр. 1237
وفي إطار الهجوم غير المباشر على فضائل المسلمين، اتبعت فرنسا كل الأساليب التي توافرت (في حضارتها) من إشاعة للمحرمات، وتعميم للفواحش، وتشجيع على المنكرات، ويدخل في ذلك تشجيع السرقة والإجرام من أجل قتل الروح المعنوية لدى الشباب المسلم، ونشر الفساد والفوضى في أوساط الجزائريين حتى تضمحل القيم الفاضلة، وينصرفوا عن قضاياهم الأساسية إلى الأمور التافهة المهينة. وكان القضاء الإفرنسي يمارس دوره في دعم هذا الهجوم استنادا إلى قوانين تفرضها مصلحة السياسة الاستعمارية، ولهذا فإنها لم تكن لتمتنع عن إصدار حكم جائر ضد مواطن جزائري يجاهر بأرائه الوطنية، وحكمه بالسجن من خمس سنوات إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، في حين تحكم هذه المحاكم على مجرم قاتل (شريطة أن يكون القاتل والمقتول جزائريين) بالسجن من ستة أشهر إلى خمس سنوات. هذا إذا لم يكن رجال الشرطة قد أطلقوا سراحه قبل تقديمه للمحاكمة حتى يمعن في إرتكاب المزيد من الجرائم. وما يقال في الجرائم والسرقات يقال عن الفجور والرذيلة، وسجل مثل هذه الأعمال حافل يندى له (جبين الحضارة).
...
وبعد، قد يكون من تجاوز الحقيقة القول: (بأن مخططات الاستعمار قد فشلت تماما، وأنها لم تحقق بعضا من أهدافها). فلقد استطاعت هذه المخططات إفساد فئة على الأقل، وجعلت منها أداة في قبضة الاستعمار. كما استطاعت الوصول بفئة ثانية
стр. 1238
إلى مرحلة اليأس القاتل. وقد أبرز شيخ من شيوخ المجاهدين، بعض ملامح المجتمع الجزائري في سنة ١٨٣٠ - وبعد مضي قرن من الزمن على استعمار الجزائر - كما عرض بعض ما وصل إليه حال المجاهدين وقد بذلوا كل ما يستطيعون - وأكثر مما يستطيعون - في مجابهتهم للقهر الاستعماري، حتى انتهى أمرهم إلى اليأس والقنوط. ويقول هذا الشيخ وهو يصف انطباعه عن الجزائر يوم وصلها (سنة ١٩٢٥) (١) ما يلي:
أ - (تلك كانت حياة الجزائر سنة ١٩٢٥: الخير والرزق والكسب والحكم والسلطان للأوروبي مهما كان جنسه، ومهما كان عمله. والبؤس والشقاء والحرمان والمرض والجهل والجوع والمهانة والعدم للجزائري المسلم الذي سلب منه كل شيء، حتى القدر الأدنى من الكرامة - واغتصب منه كل شيء حتى الشبر الأخير من أرضه المنتجة. وحرم من كل شيء، حتى مقعد المدرسة للصبي، ولقمة الخبز للجائع، وزجاجة الدواء للمحتضر. وأكاد أقول: والقبر لمن أنجاه الله بالموت من محن الحياة .. وكنا نجلس - أحيانا - حول مائدة مقهى، ويلتف حولنا جمع من شبان الوسط المترف، أما شرابهم فكان كحول - الأنيزيت - وكانوا يتغالون في كمية ما يشربون من كحول إلى حد الإسراف، يصلون به إلى درجة الإسعاف. ولا حديث لهم إلا عن أنواع السيارات وما ظهر منها، وما فقد صيته وسمعته. فهذا يريد أن يستبدل الستروان بالفورد، وذلك يبيع البيجو ويشتري مكانها
стр. 1239
الفيات، حتى إذا لم تبق في كنانة الحديث أية حثالة من ذكر السيارات لووا العنان إلى حديث الغانيات، هذا يقص نبأ ليلة قضاها مع (هيلينا) وذلك يذكر قطيعته مع (جوليات) الخ ...
ولم يكن رجال هذه الطبقة من المترفين بأسعد حالا من شبابها .. كانوا يجتمعون حلقة كبيرة يتجاوز عددها أحيانا العشرين رجلا في مقهى أوروبي يسمى (الفروبير) يقع بين حديقة السكوار وساحة الحكومة (حديقة بور سعيد وساحة الشهداء اليوم) ثم تنهال عليهم كؤوس الكحول الخالصة من شراب -الأنيزيت - يتلو عامرها ما فرغ منها، بين أحاديث بسيطة سامجة، عن سفرة فلان، ومائدة فلان، وزواج فلان، وخصومة فلان مع فلان، حتى إذا امتلأ الرأس كحولا، وارتخت الأعصاب، وتهاوت الأهداب، قام كل واحد منهم إلى سيارته الفاخرة، يمتطيها ولا يكاد يقوى على تسييرها. وأم بيته، حيث تنتظره السيدة الفاضلة التقية النقية بطعام العشاء. ويا لعظيم الفرق بين سيدات تلك الطبقة ورجالها. أما الرجال والشبان، فكما رأيت، وأكثر مما رأيت، وأما السيدات، ولم يختلطن بمستعمر، ولم يعرفن أجنبيا، ولم يترددن على مدرسة فرنسية، ولم يدخل العبث والرجس بيوتهن، فكن من أطهر وأجل ما يستطيع الإنسان ذكره عن سيدة كاملة، مسلمة عربية تقية طاهرة ورعة. حفظت من جزائر الأجداد دينها وإيمانها وعروبتها وعزتها وشرفها. وورثت عنها ابنتها تلك التقاليد وتلك الأخلاق. أما الرجال والشبان فقد جرفهم التيار الأوروبي الجامح، وتلقوا في المدارس شر ما يتلقاه شاب في مدرسة: لا دين ولا شرف ولا أخلاق ولا وطنية، قشور
стр. 1240
من العلم ضمن منهاج استعماري خبيث: أجدادنا هم الغول - أو الغال - (سكان فرنسا الأقدمون). الرومان هذبونا ومدنونا، أكبر رجالنا نابليون بونابرت، قديسنا القومية جان دارك الخ ... أبمثل هذا الشاب - وحاشا ثلة قليلة منه - هو الذي يرجى منه للجزائر خير؟ أهذا هو الذي يمكن أن يعمل من أجل نفض غبار الموت عن أمته وقومه وينفخ فيهم روح الحياة اليقظة، والاستعداد ليوم عظيم؟
لقد كانت الجزائر في مجموعها ساخطة على فرنسا، ناقمة على أعمالها، ذاكرة فظائعها وآثامها، سواء في ذلك الخاصة المثرية أو الدهماء المملقة، ولا ترضى الجزائر - والله - إلا بأمر واحد هو استقلالها بأمور نفسها وتخلصها من ربقة الاستعمار القتال ... ولكن من هو الذي يتقدم لهذا العمل؟ ومن هو الذي يستطيع في الحالة الحاضرة أن يصرخ هذه الصرخة؟ ومن هو الذي يستحيب لها بعد كل ما حدث؟ ...).
...
ب - أحمد بن عليوة والرحمانية
كانت الطريقة (الرحمانية) على ما هو معروف من أكبر الحركات الدينية في الجزائر، وقد تصدى (الإخوان الرحمانيون) لمقاومة الاستعمار الإفرنسي بضراوة، وقدموا تضحيات جسيمة في الثورات المتتالية والتي كان من أبرزها ثورة سنة ١٨٧١ برئاسة المقراني والشيخ الحداد , غير أن فرنسا استطاعت تدمير هذه الحركة الدينية من الداخل، وصرفها عن أهدافها، وتنصيب من يضطلع بتشويه الدين عن طريق ضعاف النفوس من أمثال (الشيخ
стр. 1241
أحمد بن عليوة) الذي تحدث عنه وعن طريقته الشيخ المجاهد (أحمد توفيق المدني) بما يلي:
قال لي الأخ محمد رضا الأكحل - وكنا في أواخر شهر تموز - يوليو - سنة ١٩٢٥ - : لنا اليوم سهرة حافلة بمقبرة سيدي محمد بن عبد الرحمن، فلنستعد لها مبكرين حتى نكون في الصفوف الأولى. لم أفهم إطلاقا. سيدي محمد مقبرة كبيرة وشهيرة بعاصمة الجزائر تعادل في أهميتها وفي قيمتها وفي علو كعب من دفن بها مقبرة الزلاج التونسية، وهي ذات أقسام ثلاثة: المسجد والضريح، وساحة الضريح الفسيحة، وقبورها مسواة مع الأرض، ثم القسم الخلفي وقبوره عاليه بارزة، فكيف تكون حفلة ساهرة فوق الأجداث؟ قال لي مؤكدا أنها حفلة سنوية يقوم بها رجال الطريقة الرحمانية الذين يأتون في ركب عظيم من مدينة قسنطينة لزيارة شيخهم صاحب الطريقة. تقززت أولا، هذه من أعظم البدع ... ويجب أن أرى ذلك رأي العين ...
وجاء الليل وذهبنا جماعة إلى المقبرة، فإذا بالساحة الفسيحة الموجودة أمام الضريح وقد أصبحت أشبه شيء ببهو فخم لقصر ثري، وقد فرشت أرضها بالبسط الثمينة، والزرابي المبثوثة، والمنابذ الصوفية الفارهة. وجلسنا، واستمر توارد القوم من حي (بلكور) ومن العاصمة وما يحيط بها، حتى لم يبق من مكان تطأه رجل إنسان.
وبعد صلاة العشاء، التأمت حلقة الذكر، وأخذ (الفقراء) يترنمون بأصوات هي إلى البشاعة أقرب منها إلى الرخامة. وطال
стр. 1242
ذلك نحو الساعة. فبعض تلك الأناشيد والأذكار كان مستقيم المعنى صحيح المبنى، فيه الصلاة على النبي ﷺ ، وفيه الموعظة والذكرى، أما بعضها الآخر ففيه إشارات واضحة إلى مذهب (وحدة الوجود) يترنم بها القوم ولا يفهمون لها معنى، وخرجت من هناك آسفا حزينا وأنا أتساءل: كيف تمكن أحمد بن عليوة المستغانمي من إنشاء طريقة صوفية وهو شبه أمّي؟ ...
زارني - أحمد بن عليوة - يوما، - وسألته: ما هي الأسس التي بنيت عليها هذه الطريقة الجديدة؟ قال: سأبعث إليك بكتاب ألفته وطبعته ... وما هي إلا ساعة حتى جاءني أحد (الفقراء) يحمل إلي كتابا، اسمه: (المنح القدوسية في شرح متن ابن عاشر على الطريقة الصوفية). وأخذت في الحين أقرأ الكتاب، ويا لهول ما قرأت: كلام أهوج، وخرافات لا تنطلي حتى على الأبله، وأباطيل وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان. ودعوة سافرة غير حكيمة، لمذهب (وحدة الوجود) المنافي لعقيدتنا الإسلامية القرآنية الطاهرة على خط مستقيم. فاستعذت بالله من رجل اتخذ في ذهني صورة الشيطان في جسم إنسان ... هذا ما جاء به أحمد بن عليوه الذي كان يعمل حزازا بمستغانم قبل أن ينتحل مذهبه (الذي نادى به محيي الدين بن عربي الأندلسي في كتابه - شجرة الكون - وعالجه اليهودي الهولاندي اسبينوزا - وتعرض له عمر بن الفارض) وهو مذهب (وحدة الوجود) الذي اشتهر به أيضا شيخ الصوفية جلال الدين الرومي. والذي يتنافى تماما مع تعاليم الدين الإسلامي، ويصل بصاحبه إلى الكفر والإلحاد.
***
стр. 1243
ج - ضحية من ضحايا الاستعمار (الشيخ عبد الحليم بن سماية) .
ومرة أخرى، قد يكون من الأفضل العودة إلى ما كتبه الشيخ المجاهد أحمد توفيق المدني في مذكراته: (أذكر حادثا وقع لي، عرفني بعالم جليل، ومنه عرفت ما آل إليه حال الذين رفضوا التعامل مع الاستعمار. ولم يركنوا إليه. والذين اختنقت أنفاسهم بما لاقوه من مرارة ظلم وإرهاق ... كنت على موعد معه في مزرعة السيد محمد بن الأكحل، غير بعيد عن بلدة الأربعاء. ودخلت المكان مع صاحب الدعوة. وكان الشيخ يتوسط القاعة، وكأنه بجلاله وهيبته يحتل كامل الغرفة ... كان حقا شيخا جليلا، قام للسلام علي، ولم تتغير ملامحه، ولم تبد على وجهه أدنى بشاشة ... قال لي: مرحبا بك. ثم سكت طويلا، ولا يتحرك، ولا يبدي إشارة - ليشارك في الحديث - حتى كأنه صورة مجسمة من الشمع الملون. قلت للسيد محمد بن الأكحل هامسا: أهذا هو الشيخ عبد الحليم بن سماية، العالم الشهير، الذي طبق صيته آفاق العالم الإسلامي؟ قال لي: نعم. وهذه هي حاله مئنذ أن أصبح ملازما للوحدة والعزلة، وستكون محظوظا إن أنت ظفرت منه بكلمة. قلت: ومنذ متى وهو يلازم هذه الحالة؟ قال لي: منذ بدأت الأحاديث تتردد عن احتفال فرنسا بصفة صاخبة بمرور مائة عام على احتلالها الجزائر.
فهمت. وعلمت أن الرجل البائس يكاد يقتله الهم والحزن، وأن سكوته هذا هو نوع من الفرار من الدنيا. ولكنني اتجهت إليه
стр. 1244
ضحية من ضحايا القهر الاستعماري (الشيخ عبد الحليم بن سماية) وهو يظهر في الصورة أعلاه، وإلى جانبه الإمام الشيخ محمد عبده أثناء زيارته للجزائر سنة ١٩٠٣.
стр. 1245
بكليتي، وأخذت أستفز منه الشعور والإحساس، وأثير في قلبه الآلام والأحزان حتى أسمع حديثه، وأطلع على ما يخفيه في فؤاده الجريح من هم وألم. فقلت له: بالله يا أستاذنا العظيم، وأنت رجل العلم ومربي الجيل، وحامل لواء القرآن. إن قلبي يذوب ويلتهب وأنا أرى حال هذا البلد الذي كان أمينا، فأصبح مهانا ذليلا، حتى أن الخنازير ورعاة الخنازير يريدون الاحتفال باحتلاله. فازداد وجهه احمرارا، وازدادت نظراته حدة، وازدادت ملامح وجهه قسوة، حتى لقد خيل إلي أنه يثور ثورة عنيفة مرعبة. غير أنه سيطر على نفسه، وقال في حدة: (بل قل أنه أصبح مثل المومس الداعرة يتناولها من يشاء من الأشقياء دون أن تنال منهم شيئا. لكن هذا هو قضاء الله. ولا راد لقضائه) ثم هدأت ملامحه. وعاد إلى صمته. فقلت له فورا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فلتغيروا ما بأنفسكم من ذلة واستكانة ورضوخ وتشتت شمل وقلة الناصح، وخوف العالم، وانهيار الإيمان، يغير الله حالكم إلى أحسن حال. فتململ قليلا، وقال في ألم يحز القلب ويهد القوى: (لقد قال الله ذلك لقوم يعقلون، وما نزلت آية من القرآن هي أهدى للأمم وأدل على طريق الحرية والسعادة كهذه الآية، لكن أين من يفهم، وأين من يسمع وأين من يعي؟) قلت: (يا أستاذي العظيم، لقد ربيت في المدرسة الثعالبية جيلا، بل أجيالا من الرجال. بثثت في صدورهم العلم، وألهمتهم الحكمة والصواب، أليس فيهم من يقول اليوم كلمة الحق أو يدعو إلى الخير؟) وأجاب مضعضعا: ليس فيهم...والله رجل رشيد. ما فيهم إلا المخنث والخصي، فهالني أن أسمع من ذلك العلامة العظيم،
стр. 1246
مثل هذه الكلمات السوقية، وظهر علي الإمتعاض والاعتراض، وقلت: يقولون إن الناس على دين ملوكهم والطلبة على دين أساتذتهم و .. فقاطعني قائلا: أما الناس فهنا على دين ملوكهم الملاعين حقا؛ السفه والزيف والفساد والنفاق، والتكالب على الدنيا ونكران الآخرة، أما أن الطلبة على دين أساتذتهم، فلا. لا. لا. وأطال في لفظ (لا) الأخيرة طولا انتهى بنفسه، قلت له: ما حكم الله في ... فقاطعني بحدة قائلا: (هنا لا يوجد حكم الله. هذه دار حرب. سقطت فيها الأحكام الشرعية. وانتهى فيها أمر الإسلام) قلت: يا ويلاه! أنت تقول هذا؟ إن هذا القول هو غاية ما يريده المستعمر كي يتم له ابتلاع الأرض الجزائرية وما فوقها وما تحتها من خيرات. قال: (وهل بقي فيها شيء لم يبتلعه ولم يهضمه؟) قلت: نعم: بقي فيها الإسلام، بقي فيها الإيمان، بقيت فيها الروح التي لا تغلب، بقيت فيها النفوس المتألمة الظمأى، بقي فيها حب الانتقام من الظالمين. إنك تعيش يا استاذي الكبير في معزل عن الشعب، بعيدا عن الطبقات العامة، لا تعرف نفسيتهم ولا تفكيرهم ... إنهم والحمد لله لا يسمعون كلامك، ولا يختلطون بك. ولو أنهم استمعوا إليك أو اختلطوا بك لتقولوا عليك الأقاويل، ولكفروا بك بعد إيمان. فتنهد، ونزلت دمعة من عينيه، وقال: (لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع) ثم عاد إلى صمته وسكوته كأنما هو أبو هول القرن العشرين.
قال لي الأخ محمد بن الأكحل: منذ أمد طويل، لم نر الشيخ تكلم كما تكلم اليوم ... هذا رجل أصابه اليأس في الصميم، واصطلى من الاستعمار الإفرنسي بنار الجحيم. وأصبح يحيا في
стр. 1247
نفسية لا تنتظر معها سلامة: إما موت وإما جنون. وقد كانت الثانية لسوء الحظ، فلم يمض أمد طويل على لقائنا حتى علمت بأن الشيخ عبد الحليم بن سماية قد فقد عقله، وأخذ يهذي ولا يعرف ما يقول.
غير أن الشيخ لم يفقد حتى وهو في حالته الأخيرة، مهابته أو سلامة محاكمته، ومما يحكى عنه في هذه الفترة: أنه دخل مرة حديقة (بور سعيد) وكانت تدعى (السكوار) وهو يمتطي جواده، وأخذ يتجول بين مساربها، وأفواج العامة تسير في ركابه. ففاجأه شرطي الحراسة بقوله: هنا ممنوع ركوب - أو مرور - الخيل، أخرج. فأجابه الشيخ محتدا: أنا لا يمتعني أحد! فأخذه إلى محافظ الشرطة، والعامة تتبعه، وكان المحافظ يعرف عنه الكثير، فقال له: يا سيدي الشيخ، ممنوع منعا باتا مرور الخيل بالمنتزهات العامة، خوفا على الضعفاء والأطفال. فرد عليه الشيخ: عجبا! صبرنا على حصانكم موضوعا بساحتنا العمومية مائة سنة (يقصد بذلك تمثال الدوق دومال - فاتح الجزائر) ولا تصبرون على حصاننا ربع ساعة. قال محافظ الشرطة وقد ترجموا له ذلك: هذا كلام عدو عاقل لا كلام صديق مجنون. وأذن له بالانصراف.
هذه الحادثة، وأمثالها، أكدت أن ما أصاب الشيخ لم يؤثر أبدا على ملكته العلمية، وإنما أثرت على سلوكه ووجوده في المجتمع بين الناس. أو قل بأنها (عقدة الاضطهاد) التي أفقدته القدرة على التكيف مع محيطه، وهي الظاهرة التي تحمل طبيا اسم (المونوماني) والتي لازمته حتى انتقل إلى جوار ربه، مأسوفا عليه
стр. 1248
من الخاصة والعامة. وتلك هي الصفحة الأخيرة في حياة هذا العالم الجليل الذي أعجب به أيما إعجاب الشيخ محمد عبده (المصلح الاجتماعي الذي طالما تألق نجمه في سماء مصر والعالم الإسلامي) وذلك أيام حل بالجزائر سنة ١٩٠٣.
...
د - ضحية أيضا من ضحايا القهر الإستعماري - عمر راسم -.
عمر راسم - ابن المنصور الصنهاجي كما كان يلقب نفسه في مقالاته الجريئة - وهو من رجال الرعيل الأول في الإصلاح والجهاد، وممن نكبوا على يد الاستعمار الإفرنسي نكبة سوداء أثرت على البقية الباقية من حياته، فجعلته يوقع على رسائله بما يلي: (البائس اليائس الثائر على العصر وأهله، عمير راسم).
خلق ليكون فنانا عالميا، وله لوحات رائعة تحاكي الفن الفارسي الأصيل، خلد في لوحاته حياة الجزائر في عصره. وأبدع في محاولاته لإظهار عظمة الإسلام في مقارعة الصليبية (١) واستخدم قلمه بقدر ما استخدم ريشته للدفاع عن قضايا مواطنيه وطرح هموم أمته والتصدي لأعداء دينه، فكانت صحيفته (ذو الفقار) التي صدرت سنة ١٩٠٨ منبرا حرا تعبر عن أصالة صاحب المنبر وما يمثله في شعبه. وكانت له مواقف رائعة، منها موقفه في سنة ١٩١٤ عندما تعرض للمسألة الصهيونية بقوله: (إن اتفاق زعماء
стр. 1249
عميد الصحافة الجزائرية الأستناذ عمر راسم ضحية أخرى من ضحايا القهر الاستعماري. أنصفته الثورة وقدرت له جهوده وتضحياته.
стр. 1250
العرب الفاتحين، وأهل البلاد، مع زعماء اليهود، هو أمر من المحال بلوغه. لأنه اعتراف بزعامة البلاد - في فلسطين - فلا يحق لغير العرب، وهم أبناء إبراهيم الأصفياء الموعودون بتلك البقعة المطهرة أن يمتلكوا تلك الأرض، ولا لغير راية الإسلام أن تخفق عليها، ما دام في عرق العرب دم. وفي أجسام المسلمين روح) (١).
هذه الروح الأصيلة، وهذه الإرادة القوية، لم تلبث أن أصيبت بالضعف واليأس نتيجة المعاناة الطويلة والشاقة مع الاستعمار وأجهزته. وقد وصف (المجاهد أحمد توفيق المدني) في مذكراته عن هذا الإنسان المجاهد ما يستحق التسجيل، ذلك أنه ما من إنسان أقدر من الفنان على تصوير محيطه والظروف التي يعيشها. وقد كان عمر راسم فنانا مبدعا تميزت روحه بالرقة والشفافية وهذا ما يعطي لمقولاته أهميتها البالغة في تصوير حالة الجزائر خلال تلك الفترة بأكثر مما تصور الحالة الشخصية للفنان ذاته.
قال الشيخ المدني في مذكراته: (جاءني - عمر راسم - يحمل شبه ابتسامة وقال لي: أنا مطلع على جهادك، إنما أنا متأسف على شبابك، فلماذا تضيع وقتك سدى؟ وقد فوجئت بذلك الحديث ممن كنت أعتقده قبسا من نار الثورة، وشعلة من نور اليقين. وقلت له: هل أنت الأستاذ عمر راسم صاحب جريدة الجزائر الشهيرة - ذو الفقار - والجزائري الوحيد الذي حوكم بتهمة الاتصال بالعدو، وصدر عليه حكم الأشغال الشاقة. قال حزينا كئيبا: أي نعم أنا
стр. 1251
هو. فماذا انكرت مني؟ قلت: أنكرت منك لهجة لم أكن انتظرها، وحديثا عجبا لم أكن أتوقعه.
واستمر الحديث، وفهمت أن الرجل كان في بادى - أمره مؤمنا عصاميا طموحا، فلما أصابته نائبة السجن، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، ودارت عليه دائرتها بالسوء. وخرج من سجنه غريبا، مبتئسا بالحياة. لا يرى الناس ولا يرى الأشياء، ولا يرى الحوادث، إلا من وراء منظار أسود فاحم اللون. وها هو عمر راسم يصف سبب ما هو فيه: (أنا فقير مدقع، وضيع بين الناس مصاب بسرطان في حنجرتي، أعزب إلى أن أموت، استعمار فرنسا يزداد طغيانا وظلما شنيعا يوما بعد يوم. الدولة العثمانية ماتت وورثها الكافر مصطفى كمال، ولم يأت على المسلمين يوم تفرقت فيه كلمتهم، وتشتت فيه آراؤهم مثل اليوم).
وفي رسالة من عمر راسم إلى صديقه المجاهد أحمد توفيق المدني، جاء ما يلي:
(هذا يا أستاذ، إن ما اقرحتم به على هذا العبد الذي يعيش على هامش الدنيا والحياة، هو غير مقبول ... لأني كما صرحت لكم به مشافهة، لا أريد أن أكون مع الناس أعتقد أنهم أعداء الحق والإنسانية والومطن، ولا أرضى أن أكون في كتاب أو صفحة أو صورة أو مرآة. ولو مع عبد القادر أو المقراني أو غيرهما ... ويا أيها المؤلف النشيط، اسمحوا لي أن أقول لكم إنكم لا تعرفون الجزائر كما عرفتها، وشاهدت ما كان لها من مزايا ورجال، وأقطاب علم ووطنية صادقة وأعمال نبيلة وثقافة نادرة ومدنية رفيعة
стр. 1252
وإسلام نزيه، ومحسنين من دون فائدة. ولكن لما انقرضوا وظهرت شرذمة الفساد ضاع الشرف، وخاب الوطن ولا طمع في المستقبل).
تلك هي سطور قليلة في حياة إنسان، دمره الاستعمار الإفرنسي بوحشيته - الحضارية - وقد أمكن معرفة بعض ملامح مأساته. ولكن كم هي الجرائم، وكم هي المآسي، التي ماتت مع أصحابها ولم يعرف بأمرها أحد.
تلك هي الصورة القاتمة للجزائر المجاهدة بعد مرور قرن من الاستعمار. وبينما كان شعب الجزائر يعيش مع همومه ويأسه وقنوطه، أبت فرنسا إلا أن تمعن في إذلاله، فقررت إقامة احتفالات ومهرجانات بهذه المناسة، ودعت إلى حضورها وفودا من أمم الدنيا كلها. وأنفقت عليها الأموال الطائلة بسخاء - أموال شعب الجزائر - فيما كان هذا الشعب يعيش في شر مسغبة. وقد يكون من المناسب هنا، إكمالا لصورة الموقف، التعرض لبعض ملامح هذه الاحتفالات وفقا لما ذكرها أحد معاصريها (١).
...
هـ - احتفال فرنسا بمرور مائة عام على احتلال الجزائر
جمعت فرنسا لجنة يمكن وصفها بلجنة الأذناب، مهمتها البحث عما تستطيع فرنسا تقديمه (للأهالي) بمناسبة الاحتفال المئوي. فكان أحدهم ينادي بوجوب إعطاء بعض الحقوق
стр. 1253
السياسة. وكان آخر ينادي بوجوب تخصيص ثكنة عسكرية لتكون مستوصفا طبيا للمسلمين. وكان غيرهما ينادي بمطالب تافهة، لا فائدة منها. وما كان ذلك من الحكومة إلا جرعة دواء مهدىء - مسكن - خالتها تخدر الجسم الإسلامي طويلا. فإذا بها تحولت إلى جرعة منشطة بعثت بالجسم بعيدا نحو الآفاق السامية والآمال البعيدة. واكتفت فرنسا ببناء دار بسيطة في (حي القصبة) أسمتها (دار الصناعات الأهلية) ولدت ميتة، ودفنت إلى الأبد مع الأموات.
وعملت فرنسا على إحياء عادة وثنية قديمة، إذ أقامت جدارا فوق كهف طبيعي صغير، بضاحية (سيدي فرج) وعينت له وكيلا من قدماء جنودها، بزعم أن ذلك هو: (ضريح سيدي فرج) وما هو في حقيقة أمره إلا مغارة مهملة أحيت بها وثنية مرت عليها الدهور. أما ضريح سيدي فرج فقد كان أول ما دمره الإفرنسيون، وأزالوا كل أثر له، أثر نزول جحافل غزوهم بالساحل الجزائري.
كما عملت فرسا على ارتكاب حماقة أخرى تزيد في بشاعتها ووقاحتها على ما سبقها، حيث أقامت حفلا دينيا (بالمسجد الأعظم الجزائري) حضره الوالي العام - بورد - وكامل رجال الإدارة الإفرنسية دونما استثناء، وخطب فوق ذلك المنبر الشهير الذي توالت عليه أقدام كبار العلماء منذ القرون العديدة، خطب الشيخ محمود كحول، الموظف بإدارة الجريدة الرسمية في الولاية العامة وإمام المسجد، الذي كان يدعى تجاوزا (المفتي) ليقول: إن المسلمين يوالون فرنسا لا قالبا، بل قلبا وإيمانا. وأنهم
стр. 1254
يطيعونها إطاعة مخلصة. ثم قام رجال الإدارة الإفرنسية بالمسير، ومعهم رجال الدين من أئمة وحزابين ووكلاء القبور وقراء القرآن على الأموات، إلى (مغار سيدي فرج) التي أرادوا أن يدشنوها معبدا يوم ٥ تموز - يوليو - ١٩٣٠ (يوم الاحتلال البغيض) فقرؤوا هنالك ما أمروا بقراءته من كتاب الله. وهيؤوا لهم خرفانا مشوية، أكلوها سحتا، وكأنهم يأكلون لحم أمتهم، ويمتصون دماء شعبهم، وينهشون عظام شهدائهم.
وقال أحد المسلمين، وهو يغادر الحفل: أقسم بالله ثلاثا، إننا كنا نأكل وكأننا نلتهم النار، وكنا نشرب وكأننا نبتلع السم. وكنا نقرأ القرآن ونشعر أننا كنا (نسب الدين).كانت وجوهنا مصفرة، وكانت سحناتنا مكفهرة، وكان شعورنا جميعا دون استثناء، شعور من احتقر احتقارا لم ينل مثله أي شعب من شعوب الأرض.
وكان الوالي، وكان شيخ بلدية الجزائر الاستعماري الصميم، وكان والي الولاية، يتقبلون الوافدين عمدا في مرسى الجزائر العتيق، تحت حنايا دار الاميرالية الجزائرية الأثرية، ويقولون كلهم، العبارة التقليدية الجارحة التي اعتادوا تكرارها في كل المناسبات:
(في هذا المكان، حيث كانت اللصوصية تضرب أطنابها، وحيث كان الظلم والطغيان، وحيث كانت أوروبا تخضع لهول القرصنة وفظاعتها، نستقبلكم أيها السادة، وقد ساد الأمن، وعاد الرخاء، ونشر العدل بساطة، وزالت اللصوصية، وانمحت القرصنة إلى الأبد. تحت لواء فرنسا العظيم المنتصر).
стр. 1255
واحتفلوا بعد ذلك احتفالا صارخا، وأكلوا وشربوا وسكروا وعربدوا واختلط حابلهم بنابلهم. ثم أحيوا ليلهم حتى الصباح وسط أنوار كأنها من قلب القمر. كانت عندهم ليلة. وكانت لدى الجزائريين الذين لم يشارك أحد منهم في الاحتفال ليلة نحس مستمر.
ثم زادوا على كل ذلك، أكثر من ذلك، زادوا عليه إقامة مؤتمر كاثوليكي ديني متعصب، جمعوا له القسس والرهبان من كل مكان، وارتفعت أصوات وأصوات ضد الدين الإسلامي؛ وضد العروبة وضد المدنية الساطعة التي لولاها ما كانوا هم ولا كان أجدادهم الأولون. ضربوا الدين في الصميم. لم يتورعوا عن مس الذات المطهرة المحمدية، ووصفها بالشنيع من الأوصاف. لم يمنعهم خجل أو حياء عن إيذاء شعب كامل في دينه وفي دياره، في ساعة هائلة رهيبة. لم يبق فيها لذلك الشعب من معقل يلتجىء إليه إلا الدين.
стр. 1256
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الفصل الثاني
١ - عبد الحميد بن باديس.
٢ - جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
٣ - مدافع الله ونهاية رحلة العمر.
٤ - إخوان عبد الحميد في الجهاد:
آ - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي.
ب - الشيخ مبارك بن محمد الميلي.
ج - الشيخ أحمد توفيق المدني.
د - الشيخ الطيب العقبي.
هـ - الشيخ التبسي.
٥ - تيار الأصالة الثورية في الجزائر
آ - الشاعر محمد العيد.
ب - أحمد رضا حوحو.
ج - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتجربته التربوية الرائدة في ميزاب.
стр. 1257
١ - عبد الحميد بن باديس
ما أظلمت دنيا المسلمين يوما إلا وارتفع في سمائها نجم يتألق ليهدي التائهين سواء السبيل. وما اشتدت الخطوب في عالم العرب المسلمين يوما إلا وظهر رائد يصدق قومه الهداية، ويسير بهم نحو الدرب القويم. وقد ظهر في الفصل الأول، ما وصلت إليه الجزائر المجاهدة الصابرة في حكم الاستعمار والمستعمرين. حيث بلغ اليأس منتهاه، وحيث بلغ القنوط غايته.
وفي وسط الظلمة الحالكة، ظهر ذلك الإنسان المسلم المؤمن، فأشرقت له دنيا الجزائر، والتفت حوله فئة من المجاهدين الصابرين، كأنهم كانوا على موعد مع قدر أمتهم. وكان عليه، وعليهم، شق الطريق، وسط صعوبات لا نهاية لها. ذلك هو عبد الحميد بن باديس. وقد وصفه أحد أقرب الناس إليه بقوله: (كنا هنالك جمعا صالحا لست أنساه، كانوا نحوا من عشرين رجلا، منهم الشيخ، ومنهم الكهل، ومنهم الشاب. إنما نور الإيمان والعزيمة الراسخة كان قد ارتسم فوق كل محيا،
стр. 1258
كالفجر الصادق ... وإننا لكذلك، فإذا بطلعة مهابة مشرقة أطلت علينا، فقام لها الجميع احتراما وتقديرا. ذلك هو الشيخ المجاهد المقدام - عبد الحميد بن باديس - وقد أخذ نجمه يتألق في سماء الكفاح، وأخذ اسمه يكتسح ميادين النضال، وأخذت بواكير أعماله الإصلاحية تبدد حجب الظلام الحالك ... وكأن عبد الحميد بن باديس، كان الحادي عشر من ذلك الرعيل الأول الذي بعث به عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي، لهذا المغرب العربي، يعلم الناس دينهم ويجدد إيمانهم ويمتن أخلاقهم ويهديهم سبيل الرشاد. وقد لا يستطيع أحد وصف هذا الرجل العملاق ... كان الرجل حذرا، إنه يشفق على مشاريعه العظيمة أن تخفق أو تصاب بنكسة، نتيجة لكلمة عابرة، ينقلها جاسوس، أو لتعبير يساء فهمه ويسوء نقله.
ولكن ها هو الآن - وبعد سنوات من الجهاد - وقد أصبح رجلا مكتملا هادفا، لقد أخذ يشق طريقه قدما نحو غايات بعيدة لم يكن يفصح عنها، إنما كانت تفصح عن نفسها من خلال كلماته. هذا رجل طلق الدنيا الرخيصة، بما فيها من شرور وأثام، وبما تحتويه من مباهج ومغريات، وأقبل على الدنيا الصالحة، دنيا العمل والجهاد، والتضحية والفداء. وبذل النفس في سبيل نفع المجموعة الجزائرية خاصة والأسرة الإسلامية عامة.
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في مدينة القسنطينة - المدينة التي طالما أتعبت قوات الغزو الاستعماري منذ أيام واليها أحمد باي. واحتفظت بكل أصالتها
стр. 1259
لأكثر من سبب، أولها انفتاحها على الأقاليم والأرياف المجاورة لها. وثانيها بعدها عن العاصمة التي بقيت مركز ثقل الوجود الاستعماري. ولهذا فقد وقع على قسنطينة عبء الاحتفاظ بأصالة الجزائر كلها. فلا غرابة أن تكون مهدا لحركات المقاومة، وأن تحتضن كل الحركات الإصلاحية، ثم أن تدفع للثورة ضد الاستعمار بأكبر عدد من رجالها وأبنائها.
وهكذا ففي هذا المحيط الفاضل ولد ابن باديس سنة ١٣٠٥ هـ = ١٨٨٩ م. وبدأ خطواته الأولى في التعلم بمدارسها حتى إذا أكمل تعليمه، تاقت نفسه لانتهال المزيد من العلم. ووجد في والده (محمد المصطفى) خير مشجع للمضي على درب العلم والمعرفة، ولا ريب أن الوالد قد وجد في ابنه من الفضائل ما بعث فيه الأمل (ببعث أمجاد البيت الباديسي الشهير في التاريخ بتأسيس الدولة الحمادية).
فقال له منذ أول عهده بتلقي العلم: (يا عبد الحميد - أنا أكفيك أمر الدنيا، أنفق عيك، وأقوم بكل أمورك، ما طلبت شيئا إلا لبيت طلبك كلمح البصر، فاكفني أمر الآخرة. كن الولد الصالح العالم الذي ألقى به وجه الله).
وترددت دعوة الأب بأصدائها القوية في أعماق نفس عبد الحميد، فمضى في سنة ١٩٠٨ إلى تونس الخضراء - حيث منارة العلم الإسلامي في جامعة الزيتونة - وانصرف ينهل من ينابيع العلم الصافية، حتى إذا ما مضت عليه أربعة أعوام من الجهد المتصل والعناء المستمر، أدرك أنه بلغ المرتبة التي تؤهله للانتقال من
стр. 1260
عالمه النظري إلى العالم العملي، أو من الجمع والتحصيل إلى العطاء والإفاضة، للإفادة مما علم وتعلم، وكان لا بد له قبل هذا التحول من إكمال فرائضه الدينية، فمضى في سنة ١٩١٢ إلى الديار المقدسة في الحجاز، حيث أدى فريضة الحج، وزار خلال رحلته بلاد مصر والشام، ليعود بعدها إلى قاعدته الصلبة في قسنطينة، مستقرا في مسجدها الشهير (الجامع الأخضر). وأخذ في ممارسة عمله - بكل ما في الشباب من إيمان وحماسة وبكل ما في الشيوخ من حكمة وسداد رأي، ولم يلبث طويلا حتى تكشف عن شخصية عملاقة، تفيض علما ونورا يضيئان العقول الضالة والنفوس التائهة.
وأخذت دروسه تجتذب إليها الفدائيين الصالحين، لا من مدينة قسنطينة وحدها، بل من كل جهات المشرق الجزائري، علاوة على أولئك الوافدين إليه من وسط البلاد وغربها. وأصبحت دروسه المختلفة، تجاوز العشر ساعات كل يوم، عامرة بمختلف علوم الدين - من فقه وعبادات ومعاملات - علاوة على ما كان يتخلل تلك الدروس من توجيه وإرشاد يتناسب مع الواقع العملي الذي كانت تعيشه الجزائر الصابرة المجاهدة في تلك الظلمة القاتمة.
وكانت روح الشيخ المؤمنة تفيض بالثقة والأمل، فتجاوبت لها النفوس وأطمأنت إليها القلوب. والشيخ بعد ذلك يتابع دوره باندفاع وحماسة شديدين، لا يتعبه الجهد ولا يناله النصب. ويزيد من حماسته واندفاعه ما كان يلمسه من تجاوب عميق في نقوس تلاميذه وأتباعه. وها هو يعبر عن هذه الحقيقة بقوله:
(إنني أرى حالة البلاد قبل دروس الجامع الأخضر وبعدها:
стр. 1261
كان الجهل سائدا، والبدعة قائمة، والضلال مخيما، فإذا بهذه الثلة الصالحة من الطلبة الذين يرتادون دروسنا، تبث الفضيلة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتبين أمام الناس سبيل الخير والصلاح. والشباب في الجزائر كافة، وخاصة الذي لم تدنسه تعاليم فرنسا، ومباهج مدينتها الفاجرة، لا يزال مادة أولية - خاما - إذا ما نحن تداولناه بالدعوة الإصلاحية السلفية، جعلنا منه دعاة صالحين. يحثون على الخير، ويقضون على الخرافات والأباطيل، ويفتحون أمام الشعب أبواب الحياة السعيدة الحقة، التي توصدها فرنسا بكل ما ملكت من حول وطول).
ويدرك الشيخ عبد الحميد طبيعة المعركة التي يخوضها، وما هي عليه من الشمول والاتساع، مما يتطلب استنفار كل القوى المتوافرة، وزجها جميعها في معركة المصير، ويظهر ذلك في مقولته وهو يوجه حديثه إلى الشيخ أحمد توفيق المدني: (سواء أطال مقامك بالجزائر أو قصر، وسواء إن اهتديت إلى كفاح سياسي أو أخفقت، فهذا واجب عيني قد وضعه القدر فوق عاتقك. فابدأ كفاحك بهذا ريثما ييسر لك أسباب كفاح آخر. وكفاحنا هنا شاق، مرير، متعدد النواحي، مختلف الاتجاه. فأينما ضربت بسهم صائب في أي ميدان، كان نضالك مشرفا، وكان جهادك محمودا) (١).
والشيخ عبد الحميد، يخوض معركته معتمدا على أرضية صلبة
стр. 1262
من الإيمان بالله والثقة بشعبه الجزائري المسلم، وقد أمده ذلك الإيمان وتلك الثقة بالقدرة على مجابهة التحديات مهما عظمت، وهو يقول في ذلك: (سجون واتهامات ونكبات: ثلاث لا تبنى الحياة إلا عليها، ولا تشاد الصروح السامقة للعلم والفضيلة والمدنية الحقة إلا على أسسها. وأمة أخذت تقدم الضحايا في سبيل سعادتها، حقيقة بأن تنال المادة وبأن تهنأ بها ... ومن رام أن يحول بيننا وبين فكرتنا التي نؤمن بها، ويؤمن بها المؤمنون الصادقون، فقد حاول عبثا قلب الحقائق. ونحن لذلك لا نتزحزح عن تلك الفكرة قيد شعرة، مهما طال سيل الكوارث على أمة لها ما للشعب الجزائري من الصفات المرغوب فيها، الكامنة كمون النور في الكهرباء) (١).
غير أن ثقة عبد الحميد بن باديس غير المحدودة بشعبه الجزائري، لا تمنعه من إدراك واقعه المرير، وما آل إليه هذا الشعب من ضعف وتمزق بنتيجة الضربات الاستعمارية الشاملة. وها هو يقول: (برغم ما في الأمة الجزائرية من أصول الحيوية القوية، فقد عركتها البلايا والمحن، حتى استخذت وذلت، وسكنت على الضيم ورئمت للهوان، وبرغم ما بينها من روابط الوحدة المتينة، فقد عملت فيها يد الطرقية المحركة تفريقا وتشتيتا، حتى تركتها أشلاء لا شعور لها ببعضها، ولا نفع، تتخطفها وحوش البشرية من هنا وهناك، بسلطان القوة على الأبدان أو سلطان الدجل على العقول والقلوب.
стр. 1263
ويدرك الشيخ أهمية الكلمة، فيعمل على إصدار (الشهاب). ثم (المنتقد) ويحدد لهما هدفهما (لسان الشباب الناهض بالقطر الجزائري) و (الوطن قبل كل شيء) ويقف بعد ذلك وقفة المتأمل - أو بحسب اللغة العسكرية (إعادة تقويم الموقف) - ليرى حصالة جهده، فيقول: (أعلن - الشهاب - من أول يوم، و- المنتقد - الشهيد قبله، سنة ١٩٢٤ أنه - لسان الشباب الناهض بالقطر الجزائري. ولم يكن يوم ذلك من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده، وقبح له دينه وقومه. وقطع له من كل شيء - إلا منه - أمله. وحقره في نفسه تحقيرا) و (أعلن - الشهاب - من أول يومه، و - المنتقد - الشهيد قبله - أن - الوطن قبل كل شيء - وما كانت هذه اللفظة يومئذ تجري على لسان أحد بمعناها الطبيعي والاجتماعي العام. لجهل أكثر الأمة بمعناها هذا، ولخوف أقلها من التصريح به) (١).
وشعر يهود قسنطينة بخطورة ذلك النور الذي يشع من (الجامع الأخضر) فأخذوا - كعادتهم - في الكيد له، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأبى الله إلا أن يتم نوره - ويشتد بهم الغيظ والحقد، حتى إذا جاء صيف سنة ١٩٣٤، أقدم يهودي على استفزاز المسلمين عندما مر (بالجاح الأخضر) فشتم من به من المسلمين، وتطاول على شخصية الرسول الأعظم ﷺ . وحدث الانفجار الدموي الرهيب بين المسلمين واليهود.
стр. 1264
وظل الصراع أسبوعا كاملا قتل فيه (٢٢) يهوديا. وعجزت السلطة الإفرنسية عن إيقاف - أو احتجاز الحماسة الدينية الملتهبة، والشعور القومي المتفجر، فاضطرت للتوسل إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس والنائب الدكتور بن جلول، من أجل التدخل لتهدئة الموقف المتفجر الذي بات يتهدد الوجود اليهودي كله في القسنطينة.
هنا، لا بد من التوقف قليلا عند ظاهرة ما أطلق عليها اسم (مجزرة قسنطينة) والتي تجاوزات في مضمونها وأصدائها حدود الجزائر لتأخذ أبعادا عالمية. وقد يكون من غير الطبيعي، تفسير ما حدث في قسنطينة على أساس أنه مجرد رد فعل لاستفزاز (يهودي عابر) كما أنه من غير الطبيعي الأخذ بهذا الاستفزاز ذاته على أنه مبادرة فردية (ليهودي حاقد). ولعل هذه الحادثة تبرز أهمية الدور الذي كان يضطلع به (مسجد الجامع الأخضر) وإمامه (الشيخ عبد الحميد بن باديس) في نشر الوعي ضد الأخطار التي تتهدد العالم الإسلامي على أيدي الاستعمار والصهيونية، وأدى ذلك إلى تعاظم نقمة اليهود، فكان استفزاز اليهودي تعبيرا عن هذه النقمة، واختبارا لمعرفة ما وصل إليه التنظيم الإسلامي من القدرة في مدينة قسنطينة، وعندما أدركت السلطات الاستعمارية تعاظم قدرة (عبد الحميد بن باديس) فضلت تجنب مجابهته في ظروف غير مناسبة لها، ولجأت إلى أسلوب (التهدئة) عن طريق عبد الحميد ذاته (١).
стр. 1265
المهم في الأمر، هو أن الشيخ عبد الحميد بن باديس، لم تصرفه قسوة الظروف التي كانت تعيشها الجزائر عن رؤية أبعاد الصراع، وشمولية المعركة، فالحرب ضد المسلمين هي حرب واحدة، سواء كان مسرحها الجزائر، أو كان مسرحها فلسطين، أو ابتعدت حتى أقاصي المشرق الآسيوي. وها هو الشيخ يعود في سنة ١٩٣٨، ليقرع الأجراس محذرا من خطورة (الزواج غير الشرعي بين الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية، فيقول: (تزاوج الاستعمار الانكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة، فأنجبا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى. وقذف بهم على فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة. فأحالوها جحيما لا يطاق، وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحا لا يندمل ... جاء الزوجان المشؤومان الصهيونية والاستعمار الانكليزي، فكانا بلاء على فلسطين ويهودها. فليست الخصومة بين كل عرب فلسطين