← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

كان الجهل سائدا، والبدعة قائمة، والضلال مخيما، فإذا بهذه الثلة الصالحة من الطلبة الذين يرتادون دروسنا، تبث الفضيلة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتبين أمام الناس سبيل الخير والصلاح. والشباب في الجزائر كافة، وخاصة الذي لم تدنسه تعاليم فرنسا، ومباهج مدينتها الفاجرة، لا يزال مادة أولية - خاما - إذا ما نحن تداولناه بالدعوة الإصلاحية السلفية، جعلنا منه دعاة صالحين. يحثون على الخير، ويقضون على الخرافات والأباطيل، ويفتحون أمام الشعب أبواب الحياة السعيدة الحقة، التي توصدها فرنسا بكل ما ملكت من حول وطول). ويدرك الشيخ عبد الحميد طبيعة المعركة التي يخوضها، وما هي عليه من الشمول والاتساع، مما يتطلب استنفار كل القوى المتوافرة، وزجها جميعها في معركة المصير، ويظهر ذلك في مقولته وهو يوجه حديثه إلى الشيخ أحمد توفيق المدني: (سواء أطال مقامك بالجزائر أو قصر، وسواء إن اهتديت إلى كفاح سياسي أو أخفقت، فهذا واجب عيني قد وضعه القدر فوق عاتقك. فابدأ كفاحك بهذا ريثما ييسر لك أسباب كفاح آخر. وكفاحنا هنا شاق، مرير، متعدد النواحي، مختلف الاتجاه. فأينما ضربت بسهم صائب في أي ميدان، كان نضالك مشرفا، وكان جهادك محمودا) (١). والشيخ عبد الحميد، يخوض معركته معتمدا على أرضية صلبة

стр. 1262

من الإيمان بالله والثقة بشعبه الجزائري المسلم، وقد أمده ذلك الإيمان وتلك الثقة بالقدرة على مجابهة التحديات مهما عظمت، وهو يقول في ذلك: (سجون واتهامات ونكبات: ثلاث لا تبنى الحياة إلا عليها، ولا تشاد الصروح السامقة للعلم والفضيلة والمدنية الحقة إلا على أسسها. وأمة أخذت تقدم الضحايا في سبيل سعادتها، حقيقة بأن تنال المادة وبأن تهنأ بها ... ومن رام أن يحول بيننا وبين فكرتنا التي نؤمن بها، ويؤمن بها المؤمنون الصادقون، فقد حاول عبثا قلب الحقائق. ونحن لذلك لا نتزحزح عن تلك الفكرة قيد شعرة، مهما طال سيل الكوارث على أمة لها ما للشعب الجزائري من الصفات المرغوب فيها، الكامنة كمون النور في الكهرباء) (١). غير أن ثقة عبد الحميد بن باديس غير المحدودة بشعبه الجزائري، لا تمنعه من إدراك واقعه المرير، وما آل إليه هذا الشعب من ضعف وتمزق بنتيجة الضربات الاستعمارية الشاملة. وها هو يقول: (برغم ما في الأمة الجزائرية من أصول الحيوية القوية، فقد عركتها البلايا والمحن، حتى استخذت وذلت، وسكنت على الضيم ورئمت للهوان، وبرغم ما بينها من روابط الوحدة المتينة، فقد عملت فيها يد الطرقية المحركة تفريقا وتشتيتا، حتى تركتها أشلاء لا شعور لها ببعضها، ولا نفع، تتخطفها وحوش البشرية من هنا وهناك، بسلطان القوة على الأبدان أو سلطان الدجل على العقول والقلوب.

стр. 1263

ويدرك الشيخ أهمية الكلمة، فيعمل على إصدار (الشهاب). ثم (المنتقد) ويحدد لهما هدفهما (لسان الشباب الناهض بالقطر الجزائري) و (الوطن قبل كل شيء) ويقف بعد ذلك وقفة المتأمل - أو بحسب اللغة العسكرية (إعادة تقويم الموقف) - ليرى حصالة جهده، فيقول: (أعلن - الشهاب - من أول يوم، و- المنتقد - الشهيد قبله، سنة ١٩٢٤ أنه - لسان الشباب الناهض بالقطر الجزائري. ولم يكن يوم ذلك من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده، وقبح له دينه وقومه. وقطع له من كل شيء - إلا منه - أمله. وحقره في نفسه تحقيرا) و (أعلن - الشهاب - من أول يومه، و - المنتقد - الشهيد قبله - أن - الوطن قبل كل شيء - وما كانت هذه اللفظة يومئذ تجري على لسان أحد بمعناها الطبيعي والاجتماعي العام. لجهل أكثر الأمة بمعناها هذا، ولخوف أقلها من التصريح به) (١). وشعر يهود قسنطينة بخطورة ذلك النور الذي يشع من (الجامع الأخضر) فأخذوا - كعادتهم - في الكيد له، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأبى الله إلا أن يتم نوره - ويشتد بهم الغيظ والحقد، حتى إذا جاء صيف سنة ١٩٣٤، أقدم يهودي على استفزاز المسلمين عندما مر (بالجاح الأخضر) فشتم من به من المسلمين، وتطاول على شخصية الرسول الأعظم ﷺ . وحدث الانفجار الدموي الرهيب بين المسلمين واليهود.

стр. 1264

وظل الصراع أسبوعا كاملا قتل فيه (٢٢) يهوديا. وعجزت السلطة الإفرنسية عن إيقاف - أو احتجاز الحماسة الدينية الملتهبة، والشعور القومي المتفجر، فاضطرت للتوسل إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس والنائب الدكتور بن جلول، من أجل التدخل لتهدئة الموقف المتفجر الذي بات يتهدد الوجود اليهودي كله في القسنطينة. هنا، لا بد من التوقف قليلا عند ظاهرة ما أطلق عليها اسم (مجزرة قسنطينة) والتي تجاوزات في مضمونها وأصدائها حدود الجزائر لتأخذ أبعادا عالمية. وقد يكون من غير الطبيعي، تفسير ما حدث في قسنطينة على أساس أنه مجرد رد فعل لاستفزاز (يهودي عابر) كما أنه من غير الطبيعي الأخذ بهذا الاستفزاز ذاته على أنه مبادرة فردية (ليهودي حاقد). ولعل هذه الحادثة تبرز أهمية الدور الذي كان يضطلع به (مسجد الجامع الأخضر) وإمامه (الشيخ عبد الحميد بن باديس) في نشر الوعي ضد الأخطار التي تتهدد العالم الإسلامي على أيدي الاستعمار والصهيونية، وأدى ذلك إلى تعاظم نقمة اليهود، فكان استفزاز اليهودي تعبيرا عن هذه النقمة، واختبارا لمعرفة ما وصل إليه التنظيم الإسلامي من القدرة في مدينة قسنطينة، وعندما أدركت السلطات الاستعمارية تعاظم قدرة (عبد الحميد بن باديس) فضلت تجنب مجابهته في ظروف غير مناسبة لها، ولجأت إلى أسلوب (التهدئة) عن طريق عبد الحميد ذاته (١).

стр. 1265

المهم في الأمر، هو أن الشيخ عبد الحميد بن باديس، لم تصرفه قسوة الظروف التي كانت تعيشها الجزائر عن رؤية أبعاد الصراع، وشمولية المعركة، فالحرب ضد المسلمين هي حرب واحدة، سواء كان مسرحها الجزائر، أو كان مسرحها فلسطين، أو ابتعدت حتى أقاصي المشرق الآسيوي. وها هو الشيخ يعود في سنة ١٩٣٨، ليقرع الأجراس محذرا من خطورة (الزواج غير الشرعي بين الاستعمار البريطاني والصهيونية العالمية، فيقول: (تزاوج الاستعمار الانكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة، فأنجبا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى. وقذف بهم على فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة. فأحالوها جحيما لا يطاق، وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحا لا يندمل ... جاء الزوجان المشؤومان الصهيونية والاستعمار الانكليزي، فكانا بلاء على فلسطين ويهودها. فليست الخصومة بين كل عرب فلسطين

стр. 1266

ويهودها، ولكن الخصومة بين الصهيونية والاستعمار الانكليزي من جهة، والإسلام والعرب من جهة، والضحية فلسطين، والشهداء حماة القدس الشريف، والميدان رحاب المسجد الأقصى، وكل مسلم مسؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يجري هناك، من أرواح تزهق، وصغار تيتم، ونساء ترمل، وأموال تهلك، وديار تخرب، وحرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة أو المدينة. إن لم يعمل لرفع الظلم الفظيع بما استطاع). ومن المنطلق ذاته، منطلق الدفاع عن الإسلام ضد كل من ينال منه أو يتعرض له، وقف الشيخ عبد الحيمد بن باديس ضد المستوطن الإفرنسي في الجزائر (المعمر آشيل) الذي هاجم الإسلام، متبعا في ذلك خطوات المستشرق الإفرنسي (هانوتو) (١) فجابه بذلك (الإمام محمد عبده) ونشأت عن ذلك مقارنة ممتعة تعرض لها الكاتب الجزائري (الدكتور صالح خرفي) (٢) بما يلي: (كانت خطة الهجوم على الإسلام مبيتة مدروسة، متألبة ضد مبادئه التي تقض مضاجع الطامعين، وإن كانت خطة الدفاع بالعكس من ذلك، تبدو مدروسة، منسقة الأسلوب، ولكنها في

стр. 1267

الواقع دفاع تمليه عواطف كل مسلم، أنى شرق أو غرب، ويفرضها العدو المشترك. فهانوتو - فرنسي ومسؤول. وآشيل معمر فرنسي عاش في الجزائر. وقد عاش الاثنان في فترتين زمنيتين مخلفين من هذا القرن. وفرنسا في الفترتين كانت تتطلع بجناحيها إلى كل من آسيا وأفريقيا، ولا تخطو خطوة فيهما إلا وجدت الإسلام يقف لها بالمرصاد. فانكب أصحاب الفكر في عاصمة النور - باريس - على دراسة الأساليب التي يزيحون بها الإسلام عن طريق أطماعهم. أو على الأقل يضمنون تحييده - مسالمته - في زحفهم إلى معاقله. فتولدت فكرة التهجم على الإسلام واستنقاصه، والنيل من تعاليمه، ومن النفوس التي تتسلح به، في وجه الامبراطورية الإفرنسية الزاحفة. فكانت الفكرة تنبعث من باريس لتمتد إلى المستعمرات الإسلامية في القارتين، ترود خطى الأفاقين الزاحفين، وتمهد الطريق بطلائع تبشيرية تحارب في الجبهتين: جبهة تركيز المسيحية، وجبهة تقويض الإسلام، وعلام الذهاب بعيدا، (فهانوتو) نفسه يقرر بأنه ودولته أصبحا مع الإسلام وجها لوجه، ويجب التفكير في أن تكون هذه المواجهة في صالح الاستعمار الإفرنسي على حساب الإسلام، وتطرفت النزعة الاستعمارية من جراء الإسلام المتربص لها في يقظة. ومن العجيب أن ينتشر هذا الجنون في وسط (النخبة الإفرنسية المثقفة) فيدعو البعض منها إلى نبش قبر الرسول ﷺ في مكة، ونقل جثمانه إلى متحف اللوفر في باريس.

стр. 1268

وتباينت آراء المستشرقين المتعصبين ضد الإسلام، سلبا وإيجابا، لينا وشدة، واختلفت في معاملته كوسيلة، وإن كانت غاية الجميع واحدة، فالمهم: إما أن يستسلم هذا الإسلام للحضارة الأوروبية، ويخلي الميدان لإشعاعها، وإما أن يوطن أكنافه قنطرة من الوثنية الأفريقية إلى المسيحية حتى قال أحد مؤرخي الكنيسة الإفرنسية: (إن الإسلام قنطرة للأمم الأفريقية، ينتقلون بها من ضفة الوثنية إلى ضفة المسيحية، فليس الواجب والحالة هذه قاصرا على معاملة الإسلام بالتساهل، بل لا بد من رعايته وتعضيده بأن نسعى في توسيع نطاقه، وترتيب الأرزاق على المساجد والمدارس، وجعله رائدا لمدنية فرنسا، وآلة نستعين به في فتح البلاد). وتعبر المقولة السابقة عن (سياسة الهجوم غير المباشر) ضد الإسلام والمسلمين وذلك عن طريق استخدامه مرحليا لخدمة الأهداف الاستعمارية - الصليبية. ولكن (هانوتو) ومن بعده (آشيل) اختارا أسلوب الهجوم المباشر، وتسلحا بالعداء الصريح، وتصديا في مواجهة سافرة لحرب المسلمين. وإذا كان (هانوتو) قد اغتر ببصيص من الاستشراق ظنه الإشعاع الكافي الذي ينفذ به إلى أسرار الإسلام وغاياته البعيدة، يبعثرها يمنة ويسرة، في عشوائية أبعد ما تكون عن بصيرة العلم الراسخ. فإن (آشيل) قد اغتر بدوره أيضا بتلك المعرفة السطحية التي اكتسبها من خلال احتكاكه القليل بالمسلمين، ومن خلال بصره الأعشى إلى عقيدتهم

стр. 1269

الإسلامية في الجزائر، فاعتقد في نفسه الخبرة الواسعة المخولة للتهجم عليه. وتلك وصمة الاستشراق ولا تزال، يزن المستشرق ثقافته في العربية، بميزان لغته الأصلية فتتجلى له القطرة بحرا ويزكو المأخوذ رغم ضآلته، وتبرر الوسيلة المفضوحة غايات وأطماعا استعمارية دنيئة، وينتج عن ذلك غرور بالنفس يقود إلى المنعرجات الملتوية. وإذا كان (هانوتو) و (آشيل) يحملان من الحماسة للحضارة الأوروبية الصليبية ما دفعهما للنيل من الإسلام في عقر داره، وفي مستعمرات دخلوها ظلما وعدوانا، فإن أبناء الإسلام لن يكونوا أقل منهم حماسة واستماتة في سبيل عقيدة كانت - وستبقى أبدا - الحصن الحصين لهم ضد كل تهجم دخيل. لذلك، لم يعدم (هانوتو) من يجابهه بنفس الصراحة التي هاجم بها، فكان له -الإمام محمد عبده - بالمرصاد، وكال له الصاع صاعين، في بحر ليلة واحدة كتب فيها رده. ولم يعدم (آشيل) من يرد كيده في نحره، فكان له - عبد الحميد بن باديس -. وبين الردين - رغم الفترة الزمنية الفاصلة بينهما - تجاوب أصيل، فهما ينزعان إلى نبع واحد هو الإسلام، نزوع التهجم إلى حمأة إستعمارية واحدة، ويمثلان حركة إصلاحية متكاملة، إحداهما صدى للأخرى - صدى عفوي كما سبقت الإشارة إليه - تعززها لحمة توجيهية تصلها بواسطة الكتاب أو المجلة أو الزيارة الخاطفة، توزن بما تحمل من أسرار، لا بما يتسع لها الوقت من الدقائق المعدودة، كتلك الزيارة التي قام بها الإمام محمد عبده للجزائر في سنة ١٩٠٣.

стр. 1270

غير أن الأمر الواضح - وفي هذا الموقف بالذات - أن ابن باديس كان إلى الجرأة أقرب وهو ينازل خصمه. هذا بالرغم من الحرية الفكرية التي توافرت للإمام محمد عبده، وحرم منها ابن باديس. فقد واجه الأخير (آشيل) بوجه سافر، ونشر مقالاته بإمضائه الشخصي الصريح، واضعا نفسه أمام المسؤولية مباشرة، غير متخذ من اسم (جمعية العلماء) جنة تحميه، ولا من مجلة (الشهاب) درعا يتستر وراءه. ولم يلجأ إلى انتحال أسماء مستعارة؛ في حين نشر الإمام محمد عبده مقالاته ضد (هانوتو) بإمضاء (إمام من أئمة الإسلام) ولم يأذن لصاحب جريدة (المؤيد) التي نشرت له بالتصريح باسمه. وهكذا بالنسبة لكل مقالات محمد عبده في الرد على (هانوتو) التي جمعت في كتاب على حدة ستة ١٩٠٠ ونسبت إلى (عظيم من عظماء الإسلام وإمام من أئمته) وهذا ما أشار رجال الفكر في مصر. (فقد جزم أكثر أهل العلم والأدب في مصر، أن كاتب المقالات هو الإمام محمد عبده وذكروا له ذلك في مجلس خاص، وتوقعوا أن يتهلل وجهه، ولكنه فاجأهم بقوله ممتعضا: أنه لا يسوءه ويحزنه شيء كما يسوءه هذا القول، المتضمن لمنتهى ذم قومه وأهل بلده، بالجهل والعجز عن مثل هذا الرد الذي يجب أن يضطلع به أكثر أهل التعليم. ثم قال: ومن المصاب على المرء أن لا يستطيع الاستخفاء في هذا البلد الكبير، إذا ما أراد أن يظهر رأيه وأفكاره دون شخصه، إذا رأى مصلحة في ذلك). وكانت المصلحة من وجهة نظر الإمام - على ما يظهر هي الإبقاء على حركته الاصلاحية بعيدة عن سطوة القصر، وجبروت الحكم

стр. 1271

العثماني، الذي لم يغفله بدوره، فتعرض له بنفد جارح في معرض رده على (هانوتو). أما ابن باديس، فقد عاش التجربة في الجزائر، بأقسى مما عاشها محمد عبده في مصر. فقد نازل ابن باديس عدوا مجاورا له، وملاحقا منه، يملك من السطوة والسلطة والتأييد الرسمي ما يستطيع أن يمد به يد الإساءة إليه. فلم يستنكف الشيخ عن الصراحة السافرة. ولا تقاعس عن المجابهة المباشرة. بينما كانت يد (هانوتو) في باريس تقصر عن أن تمتد إلى الشيخ محمد عبده في مصر بسوء، ولو عن طريق غير مباشر، طريق الخديوي أو المعتمد البريطاني. ... برزت بعد ذلك ظاهرة أكثر إثارة في الموضوع، فقد أقبل الشاعر أحمد شوقي على دعم الإمام محمد عبده وامتداح رده على (هانوتو). غير أن شوقي فعل كما فعل الشيخ محمد عبده، فلم يصدر قصيدته في مدح إجراء محمد عبده باسمه - وبصورة صريحة، وصدرت بعد ذلك في ديوان (الشوقيات المجهولة). وبالإضافة إلى ذلك، فقد تميزت قصيدة أحمد شوقي هذه ببرودة العاطفة، وضعف الروح الشاعرية التي اشتهر بها أمير الشعراء. وقد يكون السبب في ذلك - والذي دفعه إلى التنكر في نشر القصيدة باسمه - هو معاناته من الصراع بين الرغبة في إرضاء القصر الذي كان ينظر إلى الإمام محمد عبده بكثير من الحذر، وبين الشعور بالواجب لإنصاف الإمام والدفاع عنه ودعمه.

стр. 1272

وعلى النقيض من ذلك فقد وقف شاعر الجزائر محمد العيد، خلف الشيخ عبد الحميد بن باديس، واشترك معه في الهجوم على آشيل بقصيدة مميزة بصدق العاطفة والإحساس النابض بالحياة. ولعل مجرد قراءة أولية للقصيدتين (١) كافية لتقويم موقف الرجلين من الحدث الواحد. هنا لا بد من القول: بأن طبيعة المعركة التي خاضتها الجزائر قد أكسبتها من القسوة ما انعكس على موقف بن باديس ومحمد العيد، لقد كانت معركة حياة أو موت؛ معركة حاضر ومستقبل، عاشتها الجزائر المجاهدة بكل آلامها ونوائبها ومعاناتها، فكان الموقف الرائع لابن باديس والشاعر محمد العيد.

стр. 1273

٢ - جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومضت الأيام والشهور والسنين، بعضها آخذ برقاب بعض، والشيخ عبد الحميد بن باديس يخوض معركة المصير على كافة الجبهات، وفي كل الميادين، من صراع ضد السلطات الاستعمارية وأعوانها إلى صراع ضد الانحرافات المذهبية، ومن معركة للرد على أعداء الدين في الخارج إلى معركة أخرى ضد ظواهر الضعف والتمزق في المجتمع الجزائري المسلم، كل ذلك والحرب مستمرة على أشدها بين الطرقية التي انتقلت من مواقع الهجوم إلى مواقع الدفاع في محاولة للدفاع عن وجودها ومصالحها، غير مدركة في الحقيقة أين تكمن مصلحتها الحقيقية بعد أن أفسدها الاستعمار. وكان هذا التحول برهانا أكيدا على انتصار حركة الإصلاح الإسلامي التي كان يقودها بعزم رائع وإرادة صلبة، وايمان عميق وحجة دامغة وعلم غزير، الشيخ المجاهد عبد الحميد بن باديس، ومن وقف إلى جانبه في ساعة العسرة من المؤمنين الصادقين أمثال: العالم الجليل مبارك الميلي والشيخ الطيب العقبي والشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ العربي التبسي

стр. 1274

والشيخ أحمد توفيق المدني وسواهم. وكانت هذه الحركة تدعو في مجموعها إلى أفكار المصلح الإسلامي الأكبر، شيخ الإسلام (ابن تيمية). واتخذت (مجلة الشهاب) شعارا لها قول الإمام مالك بن أنس ﵁: (لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها). اكتسبت الحركة الإصلاحية الإسلامية قدرتها وقوتها من خلال الصراع المستمر، ومن خلال تجاوزها للتحديات المتتالية، وعبر تحركها اليقظ والحذر على طريق التقدم والتطور. وهكذا فما أن مضت فترة عشرين سنة تقريبا حتى أصبحت جذور الحركة عميقة، وأصبح لها قاعدتها الصلبة وبات بالمستطاع الانتقال من التحرك الفردي إلى التحرك الجماعي المتكامل، ومن العمل السري - إذا صح التعبير - إلى العمل العلني، ومن الجهد غير المنظم إلى الجهد المنظم. وكان من نتيجة ذلك أن تداعى المخلصون المؤمنون لتدارس الموقف، فتقرر توجيه دعوة للعلماء من أجل الاجتماع في نادي (الترقي) لتحقيق هدف محدد وواضح تضمنته بطاقة الدعوة وفيها: (جمع العلماء من كل الطوائف ومن كل المذاهب الموجودة بالجزائر حتى تمثل وحدة وطنية صميمة. ومعالجة ما تجابهه البلاد من تصادم بين الفكرتين الأساسيتين وهما: الإصلاح والطرقية. فكما أن رجال الإصلاح الإسلامي يكونون ولا ريب في طليعة هؤلاء العلماء، إلا أنه يجب أن يكون ضمن العلماء أيضا رجال من الطرقية. فداخل هذه البوتقة الصالحة يجب أن ينصهر الجميع، ويخرج منها الشعب الجزائري الأصيل، شابا، صالحا، عملاقا ... إن الواجب يقضي بإقامة

стр. 1275

من أعضاء المجلس الأول لجمعية العلماء المسلمين الجزارين الشيوخ: ١ - عبد الحميد بن باديس ٢ - محمد البشير الإبراهيمي ٣ - مبارك الميلي ٤ - العربي التبسي ٥ - إبراهيم أبو اليقظان ٦ - الأمين العمودي ٧ - يحيى حمودي ٨ - محمد خير الدين ٩ - الطيب العقبي ١٠ - السعيد الزاهري.

стр. 1276

جمعية للعلماء المسلمين الجزائرين واجبها معالجة حالة المجتمع الإسلامي المهلهل في الجزائر، والذي لا تقوم قائمة البلاد إلا بإصلاحه على أسس مطهرة، مع احترام كل المذاهب وصيانة كل المبادىء التي تعارض الإسلام). لقيت الدعوة استجابة قوية وعميقة من قبل العلماء وجماهير المسلمين على السواء، كان ذلك في منتصف عام ١٩٣١، (وكانت أيام حياة جديدة، مشرقة، باسمة، تنتظر حادثا هو أسعد حوادث الجزائر وأكثرها نورا وإشراقا وسط الأعاصير والأهوال. وكان الأمر الرائع حقا هو أنه لم يدخل أي واحد من العلماء أو المدعوين أي اعتبار لرد فعل الحكومة. لقد تجاهلت فرنسا الجزائريين لمدة مائة عام - ولم تتذكرهم إلا بالسوء - فماذا لو تجاهلوها بدورهم، ولتفعل بعد ذلك ما تشاء) (١). اتخذ العلماء المجاهدون كافة الترتيبات لنجاح انطلاقة الجمعية في مراحلها الأولى: (فالطريق وعرة المسالك مزلقة، فإذا ما أصاب المشروع عطب في الطريق، تكون الأمة تد أصيبت بنكسة شديدة، ربما فقدت معها أملها) وعلى هذا الأساس وجهت الدعوة إلى (١٢٠) عالما من علماء الجزائر الذين اشتهروا باستقامتهم وإخلاصهم لعقيدتهم، ونقاء سيرتهم. ووافق (١٠٩) منهم على المشروع. وحدد موعد الاجتماع، ومكانه (نادي الترقي)؛ وانصرف ابن باديس والإبراهيمي والميلي والمدني لإعداد قائمة أعضاء المجلس الإداري.

стр. 1277

وعندما عرضت رئاسة المجلس على الشيخ ابن باديس، امتنع عن قبولها لأسباب خاصة. منها وجود والده وإخوته كموظفين في الإدارة الإفرنسية - غير أن إلحاح العلماء وإصرارهم على مبايعته حمله على قبول هذه الرئاسة. وجاء يوم الاجتماع، وكان يوم عيد لم تشهد الجزائر قبله عيدا لها منذ قرن من الزمن. كانت الأرواح طاهرة، والنفوس مطمئنة مؤمنة، والقلوب مفعمة بحب الخير والإصلاح. وكان الجو جو ثورة عارمة: تقوم اليوم على الإصلاح، وتقوم غدا لا محالة على السلاح. (ووقف - عبد الحميد بن باديس - عظيما، هائلا، شامخا كالطود الأشم، وقد هيمن بشخصيته الفذة وبساطته المثالية وتواضعه الجم، على ذلك الاجتماع، وقد أعجب به خصمه كما أعجب به أصحابه ومريدوه. وما هي إلا جولة من الأحاديث البسيطة والخطب الهادفة والمركزة، حتى جاء دور انتخاب الهيئة الإدارية التي صادق عليها كبار العلماء. ففازت بإجماع الحاضرين. وتمت المصادقة على القانون الأساسي بإجماع مماثل. وأصح ابن باديس رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين). هكذا نشأت (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين). ولم تعرف الحكومة الإفرنسية كيف تجابه هذا الموقف الجديد، واكتفت في البداية بالإشارة إلى الحدث؛ فكتب (جون وكشان) في مجلة (فرنتيار) الباريسية يقول تعليقا على جمعية العلماء ومساعيها، بعد أن تكلم عن شخصيات ابن باديس والعقبي والإبراهيمي، ما يلي: (إن هؤلاء الثلاثة قد تعلموا بالشرق، فابن

стр. 1278

باديس بتونس، والعقبي بالقاهرة ومكة، والإبراهيمي بتونس ودشق، وتشبعوا جميعا بفلسفة الوحدة الإسلامية فكانوا من أقطابها. إنما علينا أن نضيف إليهم الشيخ أحمد توفيق المدني - أحد قدماء الزعماء الدستوريين المليين والذي هو على علاقة متينة جدا مع الأمير الشهير شكيب أرسلان زعيم جماعة السوريين والفلسطينيين، وعدو فرنسا الألد). وكتب (شارل روبيرا) (١): (تأسست جمعية للعلماء المصلحين منذ سنة ١٩٣١، وضمت ثلاثة عشر عالما، من بينهم مبارك الميلي وتوفيق المدني، وهما أول من ألف في التاريخ الوطني الجزائري باللغة العربية. وهكذا ولدت الملية الجزائرية. فكتاب التاريخ الوطني الذي ألفه الشيخ المدني، وهو كتاب (الجزائر - ١٩٣١ -) الذي طبع على نفقة الأمة الجزائرية. كان كتابا يحمل على غلافه شعار جمعية العلماء، الإسلام ديننا، الجزائر وطننا، العربية لغتنا. وخلقت في الجزائر كلمات تحمل معاني جديدة في اللغة العربية، مثل كلمة وطن وكلمة الشعب وكلمة الأمة الجزائرية. وهذه الملية الجزائرية الجديدة مثلها كمثل كل الحركات الملية في بلاد الشرق الأدنى، متصلة اتصالا وثيقا بالحركة العربية الإسلامية التي انطلقت من مؤتمر القدس الأول الذي عقد سنة ١٩٣١). لم تقف الإدارة الإفرنسية في الجزائر مكتوفة اليدين أمام هذا

стр. 1279

التحول، فأخذت - على عادتها - في الدس لجمعية العلماء المسلمين والكيد لها. وجاءتها فرصة مؤاتية عندما تصدى الشيخ الطيب العقبي - في درس من دروسه الأسبوعية - للهجوم على الطرق والطرقيين. وكان القاسمي والشيخ بن عليوه وهما من كبار مشايخ الطرق حاضرين، فانسحبا. وانفصل شيوخ الطرق عن الجمعية وأخذوا في العمل لتأليف جمعية (علماء السنة). واغتنمت الإدارة الاستعمارية تلك الفرصة، فعملت على مساعدة الجماعة على تنظيم جمعيتهم، وأعانتهم بواسطة رجالها على بث دعاياتهم، وما فتئت الحرب القلمية أن أعلنت شديدة قاسية بين الطرفين. تمثل جماعة العلماء فيها جريدة (المرصاد) التي كان يحررها محمد عبابسة. وتمثل جماعة المرابطين ورجال الطرق جريدتهم المعروفة (البلاغ الجزائري). وارتاحت الإدارة الإفرنسية إلى أنها تمكنت بهذه الوسيلة من خلق انشقاق خطير سيأتي على جمعية العلماء. غير أن الطبقة الواعية في (جماعة العلماء) تمكنت من (رأب الصدع) وإيقاف المهاترات و (الحرب الكلامية) ومضت على طريق العمل والبناء. جاء تأسيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) ليضع حدا فاصلا وحاسما بين ماضي الجزائر، وهي تحت النير الاستعماري، وبين حاضرها الذي أشرق زاهيا في ميدان النهضة الإسلامية -العربية. ولقد كان ذلك الحاضر الجديد هو الأساس الراسخ المتين الذي بني عليه المستقبل، مستقبل الجزائر تحت راية الحرية والاستقلال، وبسيل من دماء المجاهدين الأبرار وقوافل الشهداء الأخيار.

стр. 1280

كان تأسيس جمعية العلماء حدثا تاريخيا لأنه عمل على تنظيم تيار جارب أمكن له تغيير أوضاع الجزائر دينيا وعلميا وأخلاقيا واجتماعيا. وكانت تبث في كل وسط وفي كل مكان، روح الإيمان الخالص والوطنية الحقة وأخلاق الفضيلة والرجولة الكاملة. فتبعث في نفس المسلم الجزائري كل ما حفل به الإسلام من فضائل معنوية تدفع إلى العزة بالله والقوة بالاعتصام بدينه الحق. وانتهت، بتأثير جمعية العلماء، كل نظريات الاستعمار بشأن التجنس ونبذ الدين وأحكامه مقابل الحصول على حقوق وهمية. وانقاد النواب السياسيون - طوعا أو كرها - إلى ما أصبح يطلق عليه شعار (الحصول على الحقوق الإفرنسية، دون التنازل عن الحالة الشخصية الإسلامية). وتحول هؤلاء النواب السياسيون، فبعد أن كانوا حتى الأمس من دعاة التجنس بالجنسية الإفرنسية - التفرنس - باتوا اليوم وهم يرفعون مطالبهم الفردية والجماعية باستقلال الدين الإسلامي عن الحكومة. وبإدخال اللغة العربية بصفة إلزامية - إجبارية - ضمن المناهج الدراسية. وتعاظم الوعي الديني في أوساط الجماهير. وأحبطت أساليب الطرقية وبدعها وأساطيرها. واتجه التيار الإسلامي نحو فهم الدين فهما حقيقيا بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وظهرت في الجزائر من جديد الأخوة الحقيقية التي تربط المسلم بأخيه المسلم. وتوثقت عرى أخوة الإصلاح الإسلامي الذي شاركت فيه كل العناصر، واعتنقته كل الطبقات في كل الحواضر والبوادي. ***

стр. 1281

جانب من قاعة النادي أثناء اجتماع العلماء المسلمين في الجلسة الأولى: ١ - مبارك الميلي ٢ - عبد القادر بن زيان ٣ - العربي التبسي ٤ - الأمين العمودي ٥ - عبد الحميد بن باديس ٦ - الطيب العقبي ٧ - محمد سعيد آيت جر ٨ - محمد خير الدين ٩ - السعيد الزاهري ١٠ - يحيى حمودي ١١ - عبد اللطيف سلطاني ١٢ - الجيلالي الفارسي

стр. 1282

بات من المحال فصل الدين عن السياسة. فالمطالب السياسية تعبير عن تطلعات الجماهير. والجماهير تعتمد في قاعدتها على العقيدة الإسلامية وعلى العروبة، والسلطة الإفرنسية تلقي بكل ثقلها لمحاربة الإسلام والعروبة. وكان لا بد في النهاية من حدوث الصدام الذي تم التعبير عنه باسقالة (٩٥٠) نائبا جزائريا مسلما بصورة إجماعية من كل المجالس البلدية والمالية والنيابية التي يشغلونها، ووقف الاستعماريون الإفرنسيون لمواجهة التيار وشعارهم: (إن كل ما يناله المسلم الجزائري ينتقص من حقنا. فالجزائري محكوم. وعليه أن يطيع النظام). وعلى أثر ذلك، جاء وزير الداخلية الإفرنسي - رينيه - لزيارة الجزائر (١). وضرب المستوطنون والإدارة الإفرنسية نطاقا حوله، فلم يسمحوا له الاتصال بممثلي الجزائر، وأوهموه أن الجزائر تسير على طريق الثورة. فطرح مقولته: (الأمن قبل كل شيء). وعاد إلى فرنسا بعد أن أصدر قانونا زاجرا يستطيع أن يلهب جلد كل مجاهد جزائري، مهما كان لونه، بسوط من حديد. وأخذت وطأة الإرهاب تتزايد ثقلا وشدة، وأخذ العنف يزداد غلوا كلما أمعن المسلمون في الشكاية. وجاءت سنة ١٩٣٦، ونجح في الانتخابات الإفرنسية تكتل الشمال الذي ضم الراديكاليين والشيوعيين والاشتراكيين. وتشكلت (حكومة الجبهة الشعبية) برئاسة (ليون بلوم). قابل المسلمون ذلك بحركة شعبية واسعة، وعقدوا مجموعة من

стр. 1283

اللقاءات والاجتماعات انتهت باتخاذ قرار لعقد مؤتمر عام لأول مرة في تاريخ الجزائر، يضم النواب كافة والشيوعيين ومناضليهم والمسلمين ومجاهديهم وجماعة من العلماء باسمهم الخاص، لا بصفتهم أعضاء بجمعية العلماء. وتبنى النواب أمام هذا الإجماع الرابع مطالب (جمعية العلماء). واجتمع المؤتمر يوم ٧ حزيران - يونيو - ١٩٣٦. وتقرر بالإجماع إسناد الرئاسة للشيخ - عبد الحميد ابن باديس - احتماء بمركزه الديني وقيمته العلمية وسمعته العالمية. ثم طرحت المشاريع، واتفق الجميع على أن تكون المطاب كالتالي: ١ - إلغاء كل القوانين والقرارات الاستثنائية بالجزائر. ٢ - إلغاء الولاية العامة للجزائر، وأن تكون الجزائر تابعة لفرنسا مباشرة. ٣ - أن تكون الهيئة الانتخابية بالجزائر واحدة، يشترك فيها المسلمون والأوروبيون، (وبذلك تكون النسبة الكبرى للمسلمين وفقا لعددهم). ٤ - أن يكون للمسلمين الجزائريين نوابهم الذين يمثلونهم بالبرلمان الإفرنسي - بباريس. ٥ - أن يكون الجزائريون فرنسيين بصفة تامة، مع بقائهم متمتعين بالحقوق الشخصية الإسلامية. ٦ - الإستقلال التام للدين الإسلامي، كاستقلال الأديان الأخرى، والإنفاق عليه من أموال الأوقاف المسترجعة التي

стр. 1284

اغتصبتها فرنسا منذ أوائل عهد الاحتلال. ٧ - اعتبار اللغة العربية لغة دراسة بالمدارس الجزائرية. كما تقرر إرسال وفد كبير لباريس. يتدارس مع حكومتها هذه المطالب، وفي الوفد رجال الشعب من علماء ونواب ومفكرين، برئاسة عبد الحميد بن باديس. ***

стр. 1285

٣ - مدافع الله ونهاية رحلة العمر سافر الوفد الوطني الجزائري برئاسة عبد الحميد بن باديس إلى فرنسا، ليطلب من حكومة (دلادييه) تنفيذ مرسوم ٢٧ أيلول - سبتمبر - ١٩٠٧، القاضي بفصل الدين عن الدولة، بالإضافة إلى بقية المطالب التي سبق عرضها. وجرت مناقشات في هذا الصدد أظهر فيها الشيخ عبد الحميد تمسكه بما تم الاتفاق عليه من مطالب - تمثل الحد الأدنى لتطلعات الجزائريين المسلمين. وعندئذ حاول (دلاديه) إرهاب الشيخ عبد الحميد، فقال له: (لدى فرنسا مدافع طويلة) فرد عليه الشيخ عبد الحميد: (يوجد لدينا مدافع أطول). وعندما تساءل (دلادييه) عن نوع المدافع ااتي يملكها الجزائريون، أجابه ابن باديس بكل حزم ورباطة جأش: (إنها مدافع الله). وبعد ذلك، تدخل (ليون بلوم) فاقترح مقابل مطالب المسلمين المرفوضة، توسيع دائرة الناخبين الجزائريين ضمن الهيئة الانتخابية الإفرنسية بالجزائر، وذلك بإدخال (٢١) ألفا من النخبة

стр. 1286

ضمن الإفرنسيين الذين كان عددهم (٢٠٢,٧٥٠) ناخبا. لكن النواب الإفرنسيين احتجوا وأعلنوا أنهم يستقيلون جميعا إذا ما تم هذا الإجراء. وتبعهم عمداء المدن (محافظوها) فأعلنوا مثل ذلك. وتمخض جبل الحكومة الإفرنسية عن ولادة فأر هزيل: رفع عدد نواب المسلمين بمجلس النيابات المالية من ٢١ نائبا مسلما، إلى ٢٤ نائبا مسلما مقابل (٤٨) نائبا فرنسيا. وقال (مسيو سارو) وزير الداخلية الإفرنسي، تعليقا على تهديد المستعمرين: (أشهد أنه ليس لهؤلاء السادة لا وطنية ولا ضمير ولا فكر). عاد الوفد الجزائري إلى الجزائر وهو يحمل خيبة أمل مريرة، وأنشد عبد الحميد قصيدته الرائعة: شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب ومضى الشيخ عبد الحميد في توجيه قادة الجزائر وشبابها نحو المخرج الحقيقي: (لا تتغير السياسة الاستعمارية بالجزائر، عن طريق وفود تذهب إلى فرنسا، ولا بلجان تبعثها الحكومة العليا - حكومة باريس - إلى الجزائر. ذلك أن حكومة الجزائر الاستعمارية أقوى من حكومة فرنسا ذاتها هنا ... فلا تغيير لوضع تريد بقاءه في الجزائر. فالوفود إذن لا تستطيع أن تغير شيئا، ولكن الشعب الجزائري هو الذي يستطيع أن يغير كل شيء، ومتى نفض الشعب عن نفسه غبار الجهل والغفلة، وأدرك وجوب تسيير شؤونه بنفسه، وأخذ يضع كل شيء موضعه، لم يجد أين يضع الاستعمار إلا حيث توضع الأطمار البالية).

стр. 1287

واستمر عبد الحميد في نفخ رماد الحرية، مرددا مقولته المعبرة عن استيائه من أن يرى الاستعماريين وهم يحتفلون كل عام بعيد حريتهم (عيد الثورة الإفرنسية ١٤ تموز - يوليو ١٧٨٩) لا في فرنسا وحدها، وإنما في كل وطن تستعمره فرنسا. في حين كان وطنه ومواطنوه محرومين من هذه الحرية، فكانت مقولته الرائعة: (أيتها الحرية المحبوبة! يا من تحتفل بأعيادك الأمم، وتنصب لتمجيدك التماثيل، ويتشادق بأمجادك الخطباء، ويتغنى بمحاسنك الشعراء، ويتفنن في مجاليك الكتاب، ويتهالك من أجلك الأبطال، وتسفك في سبيلك الدماء، وتدك لسراحك القلاع والمعاقل، ولكن أين أنت في هذا الوجود؟ كم من أمم تحتفل بعيدك وقد وضعت نير العبودية على أمم وأمم ... وكم من قوم نصبوا لك التماثيل في الأرض وقد هدموك في القلوب والعقول والنفوس، فأين أنت أيتها الحرية المحبوبة في هذا الورى؟ أنت أنت الحقيقة الخفية، خفاء حقيقة الكهرباء. أنت أنت الروح السارية في عالم الأحياء. ولئن خفيت بذاتك، فقد تجليت على منصة الطبيعة في بسائط الأرض وأجزاء السماء. فأبصرتك عيون اكتحلت بأثمد الحقيقة. واقتبست منك عقول صقلت بالعرفان. واحتضنتك صدور أنيرت بالإيمان، وتذوقتك نفوس ما عبدت إلا الله، وخدمك قوم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين .. آه .. آه .. أيتها الحرية المحبوبة. واشوقاه إليك، بل واشوقي إليهم - حملة الحرية - المحيا محياهم، والممات مماتهم، أنقذ الله بهم بلادك وأحيا عبادك. إننا أعداء أعداء الحرية، وأحباب أحبابها، سواء كانوا من أهل البرانيط، أو من

стр. 1288

ـ[كانوا من أهل البرانيط، أو من]ـ أهل البرانيس) (١). إنها دعوة إلى الثورة، ونداء إلى حمل السلاح والاحتكام إليه. غير أن الدعوة مفتوحة، والنداء مؤجل. فلا زالت أرضية الثورة غضة، ولا زالت ظروفها الدولية والمحلية غير مؤاتية. وإذن فليستمر العمل لإنضاج الثورة على نار هادئة. وهذه النار الهادئة هي تطوير الفكر الثوري بالعلم والمعرفة، حتى لا تضيع التضحيات سدى، وحتى لا تسيل الدماء هدرا. وعلى هذا يمضي ابن باديس، محددا للمفاهيم الصحيحة، مقوما للأفكار الخاطئة، مهاجما للآراء المستوردة أو المدسوسة والتي يمكن لها تشويه البناء الثوري. ويتحدث ابن باديس عن (العروبة) فيلمس فيها المقومات التي تهبها الخلود، مهما تلبدت الظروف السياسية من حولها، واختلف العرق بالمنضوين تحت لوائها. العروبة جوهر خالد، قابل للانبعاث، باعث للأمل. العروبة حقيقة تطفو فوق الملابسات المضللة أو تزييف المستعمر. العروبة نهاية المطاف، مهما طال الشوط، وغاية الغايات مهما تصارعت الوسائل. إن الظروف العصيبة التي عاشتها الجزائر، فكادت تطمس فيها معالم الإسلام والعروبة، لم تزد المصلح الكبير - وهو يعيشها - إلا تعلقا بالمرامي البعيدة التي تعامى عنها الدخيل. وإيمانا بالغد العربي الأكبر الذي كفر به المستعمر، وكاد يكفر به المواطن.

стр. 1289

(العرقية) التي يذكيها المستعمر في كل شبر عربي ليمزق بها العروبة والإسلام. (الطائفية) التي يغذيها ليغذي بصراعها وجوده وتسلطه، هي ذاتها التي ينطلق منها - ابن باديس - حجة على المستعمر وفلسفته، ومنها ذاتها يصبغ العروبة بصبغتها الأصيلة التي تتنزه عن العرقية وتتعالى على الطائفية - وها هو يقول: (تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد. فليس الذي يكون الأمة، ويربط أجزاءها، ويوحد شعورها، ويوجهها إلى غايتها، هو هبوطها من سلالة واحدة. وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد. ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان. وشاهدت ما بينهما من اختلاف نظر، وتباعد تفكير، ثم وضعت شاميا وجزائريا - مثلا - ينطبقان باللسان العربي، ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم - قالها سنة ١٩٣٦). ولا يذهب - ابن باديس - بعيدا في التماس الحجة وإثبات الدليل، فراقع المستعمر حجة عليه: (وإذا نظرت إلى كثير من الأمم الأوروبية اليوم، وفي مقدمتها فرنسا، فإنك تجدها خليطا من دماء كثيرة، ولم يمنعها ذلك من أن تكون أمة واحدة لاتحادها فيما تتكون به الأمم - سنة ١٩٣٨). والمصلح العربي الجزائري، يستمد تأييده للعروبة من منابعها الأصيلة، ويستلهم فيها رسولها محمد ﷺ ، ويلتزم بذلك في الحديث النبوي

стр. 1290

الذي ربط العروبة بالدين واللغة: (أيها الناس، الرب واحد، والأب واحد، والدين واحد، وليست العروبة بأحدكم من أب ولا أم، ولكنها اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي). وما كانت هذه الصرخة التي انبرى لها رسول الله، مغضبا يجر رداءه، ونادى لها (الصلاة جامعة) إلا ردا حاسما على التطرف العرقي في (قيس بن مطاطيه) الذي أراد حرمان سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي من شرف العروبة - فيضيف - ابن باديس - قوله: (كون رسول الإنسانية، ورجل القومية العربية أمته هذا التكوين المحكم العظيم، ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل. فلم يكونها لتستولي على الأمم، ولكن لتنقذهم من سلطة المستولين على مقدرات العباد باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها، ولكن لتنهض بهم من دركات الجهل والذل والفساد إلى درجات العز والصلاح والكرامة. وبالجملة لم يكونهم لأنفسهم بل للبشرية جمعاء). ويعود ابن باديس، فيطلق لسانه بالدعاء الصاعد من أعماق نفسه، مبتهلا الله في أن يحييه لخدمة العروبة، وأن يميته في خدمتها، مقتفيا بذلك سنة رسول الله ﷺ ، فيقول: (هذا هو رسول الإنسانية، ورجل القومية العربية، الذي نهتدي بهديه، ونخدم القومية العربية خدمته، ونوجهها توجيهه، ونحيا لها ونموت عليها، وإن جهل الجاهلون وخدع المخدوعون واضطرب المضطربون - سنة ١٩٣٦).

стр. 1291

ركز الاستعمار الإفرنسي هجومه على اللغة العربية لضرب المسلمين بعضهم ببعض، وعزل الذين يتحدثون اللغة البربرية - المازيغية - واتخاذهم بطانة له وأعوانا لتنفيذ سياسته - وقد سبق عرض هذه السياسة بشيء من الإسهاب -. وتصدى - ابن باديس - لهذه الحملة الفاسدة المفسدة، ودأب عمره، يصل الليل بالنهار لبعث الجزائر العربية المسلمة. وقد دخل الميدان الإصلاحي والإسلام ضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، والعروبة لا يكاد يرتفع لها صوت في ديار الجزائر. فرابط في واجهته (بالجامع الأخضر) مرابطة الجندي المجهول. وآمن بالأبعاد التي عشيت عنها فلاسفة الاستعمار، حتى أعاد شعبه إلى سواء السبيل، وأنقذه في الوقت المناسب، مما كان يراد له من تشتت وفناء، وقال في ذلك: (لو جئنا - شعبنا - بعد عشرين سنة لما أدركنا فيه قابلية للعلاج. ولكن الله أراد خيرا بهذا الشعب، بعث فيه من آمن بنشوره، بعد إيمان الكثير بموته). لقد كان - ابن باديس - على موعد مع قدره، وكان قدره هو قدر شعبه، فمضى بجولته من الصفر، بل من الصفر المركب. فلم يكن هناك كفر، ولكن إسلام مشوه. لم يكن هناك جهل فحسب، بل ثقافة دخيلة مسمومة. لم يكن هناك شعب ألقى حبله على غاربه. ولكن، كان هناك الشباب الجاهل فقط، الشباب المشوه الثقافة واللسان، المفصول عن تاريخه وحضارته، والمتصل - بانقطاع تاريخي - مع الرومان والغول أجداد الإفرنسيين. مما كان يروجه دهاقنة الاستعمار ومبشروه. فوقف ابن باديس يؤكد أصالة الجزائر في عروبتها، وأصالة العروبة في

стр. 1292

جزائر المسلمين، وأطلق مقولته: (لقد تعربت الأمة الجزائرية تعربا طبيعيا، اختياريا، صادقا، فهي في تعربها نظيرة إسماعيل جد العرب الحجازيين. فقد كان من العرب لما شب في مهدهم ونطق بلسانهم، وتزوج منهم، وليس تكون الأمة بمتوقف على اتحاد دمها. ولكنه متوقف على اتحاد قلوبها وأرواحها وعقولها، اتحادا يظهر في وحدة اللسان وآدابه واشتراك الآلام والآمال) سنة ١٩٣٨. تلك هي الأرض الصلدة التي نهض لها - ابن باديس - يبذر فيها بذور الخصوبة والنماء، وذلك هو المسلك الوعر الذي شق فيه طريقه، وتلك هي نقطة الانطلاق لنهضة، ابتدأت بذرة في أرض موات، فغدت أصلها ثابت وفرعها في السماء. ابتدأت حبوة علمية في (جامع سيدي قموش) وانتهت احتفالا شعبيا بختم تفسير القرآن الكريم في (كلية الشعب) بقسنطينة. وابن باديس، متمسك في مسيرته الشاقة بثلاث دوائر متداخلة متشابكة لا تعرف الانفصام ولا التجزئة، ولا تكتمل الصورة إلا بها جميعا، ودون طغيان من إحدى هذه الدوائر على الدوائر الأخرى، أو توسع بعضها على حساب البعض الآخر، وهذه الدوائر هي: الجزائر والعروبة والغسلام (أو بترتيب معاكس سيان في ذلك طالما أنه ضمن تحقيق التوازن فيها). فهو إذ يقيم نهضته، يقيمها بمقدار ما أعطى لهذه الدوائر الثلاث من تلاحم ثابت ودائم. و (عروبة الجزائر) عند باعث نهضتها، ليست عروبة خطابة أو تهريج، أو حماسة جوفاء، إنه وهو يذكيها بأنفاسه الملتهبة، ويرويها من عرقه المتصبب

стр. 1293

ويرعاها العشرات من السنين، يعطيها من الدراسة النظرية حقها، ويستمد لها من التاريخ العميق أصالتها. ويواجه أعداءها المتنكرين أو الناكرين لها، مواجهة الحجة بالحجة، ويقف من عروبة الجزائر موقفه من العروبة عامة. لا ينكر ما أثبته التاريخ من - أصل مازيغي - لسكان الجزائر القدماء. لأن العروبة الإسلامية فوق السلالات: (ما من نكير أن الأمة الجزائرية كانت مازيغية من قديم عهدها، وأن أمة من الأمم التي اتصلت بها، ما استطاعت أن تقلبها عن كيانها، ولا أن تخرج بها عن مازيغيتها أو تدمجها في عنصرها وفي عصر ظهورها، بل كانت هي التي تبتلع الفاتحين فينقلبون إليها، ويصبحون كسائر أبنائها ... فلما جاء العرب وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية لا لبسط السيادة، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلام، وتعلموا لغة الإسلام العربية، طائعين، فوجدوا أبواب التقدم في الحياة كلها مفتحة في وجوههم، فامتزجوا بالمصاهرة. وثافنوهم في العلم، وشاطروهم سياسة الملك وقيادة الجيوش. وقاسموهم كل مرافق الحياة، فأقام الجميع صرح الحضارة الإسلامية، يعربون عنها، وينشرون لواءها بلغة واحدة هي: لغة القرآن. فاتحدوا في العقيدة والنحلة، كما اتحدوا في الأدب واللغة. فأصبحوا شعبا عربيا واحدا، متحدا غاية الاتحاد، وممتزجا غاية الامتزاج، وأي افتراق يبقى بعد أن اتحد الفؤاد، واتحد اللسان: لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده ... فلم تبق إلا صورة اللحم والدم

стр. 1294

واليوم، فإن اللغة العربية والآداب العربية هي لسان الأمة الجزائرية كلها، لا يجهلها إلا عدد قليل من المنقطعين في بعض رؤوس الجبال. ولا تستعمل اللغة المازيغية إلا في بعض النواحي القليلة استعمالا شفاهيا محليا. ثم اللغة العربية هناك لغة الكتابة والخطابة والتعليم والتخاطب العام. ولو رأيت (الجامع الأخضر) في قسنطينة، لرأيت أبناء الجزائر من جميع جهاتها، وفيهم من يتقنون المازيغية، يتزاحمون على مناهل العربية العذبة، ويتسابقون إلى الفوز في ميادين بيانها الفسيحة، ويتعاونون على بناء صرحها، ورفع منارها، ويستعذبون في سبيل المحافظة على تراثهم منها كل مر. ويستسهلون في سبيل تبليغه لغيرهم كل صعب. لو رأيت هذا لعرفت كيف كانت هذه الأمة الجزائرية أمة عربية واحدة، فحكمت بالجهل المطبق، أو الكيد المحقق على كل من يقول فيها غير ذلك). ويستمد - ابن باديس - الحجة التي تبكت المستعمر، من واقع المستعمر ذاته، ليدحض دعوى البربرية التي تحدوه، ويشنع عليه احتجاجه بحالة في الجزائر، وتغافله عن مثيلة لها في فرنسا. فيفضح فيه التزييف المتعامي، والمغالطة المضللة: (تشكل فرنسا أمة واحدة ... وعلى الرغم من ذلك، فإنك تجد في قرى من دواخل فرنسا وأعالي جبالها، من لا يحسن اللغة الإفرنسية، ولم يمنع ذلك القليل - نظرا للأكثرية - من أن تكون فرنسا أمة واحدة. وهذه الحقيقة الموجودة في فرنسا، يتعامى الغلاة المستعمرون

стр. 1295

عنها هنا في الجزائر. ويحاولون، بوجود اللغة المازيغية في بعض الجهات وجودا محليا، وجهل عدد قليل جدا بالعربية في رؤوس بعض الجبال، أن يشككوا في الوحدة العربية للأمة الجزائرية، التي كونتها القرون وشيدتها الأجيال - سنة ١٩٣٨). ولم يتجن - ابن باديس - بقوله هذا على الواقع الجزائري، بل نقله نقلا أمينا صادقا، فلم تفرض اللغة العربية على الناطقين بالمازيغية. ولكنها نبعت من قلوبهم، وفجرها الإسلام، فلا بدعة أن يقف الفتى الزواوي - با عزيز بن عمر - ليقول عن العروبة: (وإننا لنشعر من قبل ومن بعد، بدم العروبة يجري في عروقنا، وهو صاف لم يمازجه كدر وإن اختلف المظهر. ونسمع صوتها الحنون يرن في آذاننا. فنفتح له الطريق إلى قلوبنا وأعماقنا. فالعربية حية فينا. ونحن أحياء فيها ما دامت السموات والأرض). إن (عروبة الجزائر عروبة تاريخ وحضارة، لها أيامها المجيدة، ودولها العريقة، ولن يقوم أمر الوطن الجزائري اإلا بها، و - ابن باديس - حين يذكر هذا التاريخ، إنما يحدو شعبه إلى مستقبل أفضل يستمد عراقته وأصالته من التاريخ العربي لهذا الوطن: (لبس أبناء الجزائر العروبة، وامتزجت بأرواحهم، وتغلغلت في قلوبهم، وأشرقت شمس معارفها في آفاق أفكارهم، وجرت ينابيع بيانها على أسلات ألسنتهم، فأصبحوا ومنهم فيها علماء وخطباء وشعراء، ولهم منها جنود وقواد وأمراء. وحسبك من كثرتهم القائد الفاتح والخطيب المصقع - طارق بن زياد - ثم ما قامت مملكة من أبناء الوطن إلا وهي عربية في كل شيء. مثل

стр. 1296

سائر الممالك العربية في المشرق، بل فوق بعضها - سنة ١٩٣٨). كان من عادة - ابن باديس - التي عرفت عنه، أنه يحتفظ بالكلمة الفاصلة لليوم الحاسم، ويخفي سرها في صدره، ويطيل الصمت. فإذا نطق، قطعت جهينة قول كل خطيب. يقف من الأحداث موقف المتتبع الصامت، حتى إذا بلغت ذروة التعقيد والتشابك، وأصبح الموقف موقف مصير، صدع بقولة الحق التي تسمو فوق كل الاعتبارات. وقد ظهر منه هذا الموقف سنة ١٩٣٨، عندما احتدم صدام فكري قومي بين الأمير شكيب أرسلان وسليمان باشا الباروني في قضية (الوحدة العربية). فتدخل - ابن باديس - وأسفر مرة أخرى عن وجه عربي صميم، فقال القول الفصل في القضية، وتجرأ به في دنيا التضليل والتهريج، وعالم من الجبن والاستكانة. هكذا كان شأنه في القضية المصيرية. وأضافها للتاريخ وقفة بطولية، أبان فيها رأي الخبير بواقع العالم العربي. وأفصح عن القول الجريء: (إن دولا لا تسوس نفسها بنفسها، ولا تشق طريقها على ضوء مصلحتها، لا يمكن تصور وحدة عربية بينها. إن الوحدة السياسية لا تكون إلا بين شعوب تسوس نفسها. فتضع خطة واحدة تسير عليها في علاقاتها مع غيرها من الأمم: وتتعاقد على تنفيذها، وتكون كلها في تنفيذها والدفاع عنها يدا واحدة، فهي مقتدرة على الدفاع عنها، كما كانت حرة في وضعها. وأما الأمم المغلوبة على أمرها. فهي لا تستطيع أن تضع أمرا لنفسها، فكيف تستطيع أن تضعه لغيرها؟ ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها، فكيف تستطيع أن تدافع عما تقرره

стр. 1297

مع غيرها؟ وإذا لم تستطع أن تعتمد على نفسها في داخليتها فكيف يعتمد عليها في خارجيتها. فالوحدة السياسية بين هذه الأمم، أمر غير ممكن، ولا معقول، ولا مقبول). وابن باديس مؤمن (بالرابطة القومية) الخالدة قدر إيمانه باستحالة تحقيق (الوحدة السياسية) بين شعوب لا تملك أمر نفسها، وهو إذ يقف هذا الموقف المزدوج، إنما يبصر الشعب العربي بواقعه السياسي المؤلم الذي يقف حجر عثرة في سبيل إعطاء الوحدة الأصيلة مظهرا سياسيا، وفي إنكار - ابن باديس - لهذا الواقع، دعوة صارخة للثورة عليه، والملاقاة على صعيد الروابط العربية الثابتة والدائمة: (هذه الأمة العربية، تربط بينها - زيادة على رابطة اللغة - رابطة الجنس، ورابطة التاريخ، ورابطة الألم، ورابطة الأمل، فالوحدة القومية الأدبية متحققة بينها ولا محالة). ويقف عبد الحميد بن باديس في سنة ١٩٣٨ وقفة القائد العسكري الذي خاض معركته وانتهى منها، وأخذ في إعادة استخلاص الدروس المستفادة من الصراع السابق، استعدادا للجولة التالية. وينتهي - ابن باديس - من إعادة تقويم الموقف ليقول (... ما اليوم - سنة ١٩٣٨ - فقد تأسست في الوطن كله جمعيات ومدارس ونواد باسم الشباب والشبيبة والشبان، ولا تجد شابا - إلا نادرا - إلا وهو منخرط في مؤسسة من تلك المؤسسات، وشعار الجميع الإسلام، العروبة، الجزائر ... لقد نفضت الأمة عن رأسها اليوم غبار الذل. وأخذت تنازل وتناضل وتدافع

стр. 1298

وتعارض، وشعرت بوحدتها، فأخذت تطرح تلك الفوارق الباطلة وتتحلى بحلل الأخوة الحقة، وتنضوي أفواجا أفواجا تحت راية الإسلام والعروبة والجزائر. لقد شعرت الأمة بذاتيتها اليوم، وعرفت هذه القطعة من الأرض التي خلقها الله منها، ومنحها لها، وأنها هي ربتها، وصاحبة الحق الشرعي والطبيعي فيها، سواء اعترف لها به من اعترف، أم جحده من جحد. وأصبحت كلمة الوطن، إذا رنت في الآذان، حركت أوتار القلوب، وهزت النفوس هزا). وعرف الشيخ عبد الحميد خطورة المخطط الاستعماري، لعزل أقطار الوطن العربي - الإسلامي بعضها عن بعض، وإشغال كل قطر بهمومه ومتاعبه عن هموم إخوانه المسلمين ومتاعبهم في الأقطار الأخرى. وعلى الرغم من أن هموم الجزائر المجاهدة - في تلك الحقبة التاريخية بالذات - قد تجاوزت في حجمها وأبعادها كل ما كان يعانيه كل قطر عربي - إسلامي، إلا أن عبد الحميد يتجاوز هذا الواقع في تطلعاته نحو المستقبل ويكتب كلمة عتاب قد تجرح برقتها وعمقها بأكثر مما تفعله السيوف، وكان في عتابه: (مضت حقبة من الدهر كاد فيها الشرق العربي أن ينسى هذا المغرب العربي). وإلى عهد قريب كانت صحافة الشرق - غالبا - لا تذكره إلا كما تذكر قطعة من أواسط أفريقيا. في هذه الأيام يغمط حقه، ويتجاهل وجوده في كتب لها قيمتها، مثل كتاب (ضحى الإسلام) وغيره. ولكن هذا المغرب العربي، رغم التجاهل والتناسي من إخوانه المشارقة، كان يبعث من أبنائه من رجال السيف والقلم من يذكرون به ويشيدون باسمه،

стр. 1299

ويلفتون نظر إخوانه المشارقة إلى ما فيه من معادن للعلم والفضيلة ومنابت للعز والرجولة. ومعاقل للعروبة والإسلام) (١). ... كل ذلك (وجمعية العلماء المسلمين) ماضية قدما إلى الأمام بفضل توجيه رئيسها الشيخ - ابن باديس - وذلك لتنفيذ أهدافها الواضحة، وأبرزها: أولا: تطهير الدين الإسلامي مما ألحق به الاستعمار من خرافات وبدع، وإيقاد شعلته الوضاءة التي بذل الاستعمار لإخمادها كل جهد مستطاع. ولم يتورع عن اقتراف أفظع الجرائم لإطفاء هذا النور الإلهي - ويأبى الله إلا أن يتم نوره -. ثانيا: بعث اللغة العربية وإحياؤها بعد أن جد الاستعمار لوأدها ودفن حضارتها. ثالثا: العمل بصورة سرية - حتى لا تتعرض الجمعية للملاحقات البوليسية التي تشل نشاطها - وذلك من أجل خلق تيار تحرري، والوقوف جنبا إلى جنب مع الأحزاب الوطنية المنادية بالاستقلال والسيادة. ويبرز هذا الهدف في مقولة ابن باديس: (إن الدولة الجزائرية لم تزل حية طالما أنها محافظة على دينها ولغتها) (٢). نشأ بنتيجة ذلك صراع عنيف بين جمعية العلماء من جهة،

стр. 1300

والاستعمار الإفرنسي ومبشريه وبعض الزوايا والطرقيين من جهة أخرى - كما سبقت الإشارة إليه -. وتطور هذا الصراع بعدئذ، ولجأت الإدارة الإفرنسية إلى استخدام كل ما تختزنه من أسلحة الدس والغدر. فأخذت في تحريض الطرقيين وأصحاب الزوايا (كالعلويين والشاذليين والقادريين) على جمعية العلماء وأتباعها، مخوفة إياهم من السير في ركابها، لأن مبادءهم ستطيح حتما بمراكزهم الدينية القائمة على التزييف والباطل، وستقطع عنهم الزيارات التي تتوقف عليها رفاهيتهم، وصورت لشيوخ هذه الطرق والزوايا كيف أن موارد عيشهم، ومصادر رفاهيتهم ستزول إذا انتصرت مبادىء جمعية العلماء الإصلاحية. وزينت لهؤلاء الشيوخ فضائل مقاومتهم لهذه الجمعية الناشئة، واصفة علماءها وأتباعها بالكفر - الزندقة - لأنهم لا يقيمون الولائم العامة - أوكار الدعاية الاستعمارية المسماة بالوعادي - ولأنهم لا يزورون الأولياء. وهذا وتر حساس أجاد الاستعمار في بادىء الأمر الضرب عليه لأن الجزائريين لهم تعلق كبير بالأولياء، حتى إنهم أصبحوا يقيمون على قبر كل رجل صالح قبة، ويولمون على روحه الولائم السنوية. ويقصده الزوار من كل مكان ملتمسين بواسطته الخير والبركة. وأخذ الاستعمار - داخل نطاق سياسته التضليلية - بالإساءة إلى سمعة الأولياء الصالحين. فراح يختلق الأكاذيب والبدع. مدعيا أن (الولي فلان) يحيي الموتى، ودخل من يشاء إلى الجنة. وأن (وليا آخر) يختص بشفاء المرضى ... وهكذا دواليك .. وكان هدف الدوائر الاستعمارية من ذلك (تأليه أصحاب
следующие страницы →