← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

سائر الممالك العربية في المشرق، بل فوق بعضها - سنة ١٩٣٨). كان من عادة - ابن باديس - التي عرفت عنه، أنه يحتفظ بالكلمة الفاصلة لليوم الحاسم، ويخفي سرها في صدره، ويطيل الصمت. فإذا نطق، قطعت جهينة قول كل خطيب. يقف من الأحداث موقف المتتبع الصامت، حتى إذا بلغت ذروة التعقيد والتشابك، وأصبح الموقف موقف مصير، صدع بقولة الحق التي تسمو فوق كل الاعتبارات. وقد ظهر منه هذا الموقف سنة ١٩٣٨، عندما احتدم صدام فكري قومي بين الأمير شكيب أرسلان وسليمان باشا الباروني في قضية (الوحدة العربية). فتدخل - ابن باديس - وأسفر مرة أخرى عن وجه عربي صميم، فقال القول الفصل في القضية، وتجرأ به في دنيا التضليل والتهريج، وعالم من الجبن والاستكانة. هكذا كان شأنه في القضية المصيرية. وأضافها للتاريخ وقفة بطولية، أبان فيها رأي الخبير بواقع العالم العربي. وأفصح عن القول الجريء: (إن دولا لا تسوس نفسها بنفسها، ولا تشق طريقها على ضوء مصلحتها، لا يمكن تصور وحدة عربية بينها. إن الوحدة السياسية لا تكون إلا بين شعوب تسوس نفسها. فتضع خطة واحدة تسير عليها في علاقاتها مع غيرها من الأمم: وتتعاقد على تنفيذها، وتكون كلها في تنفيذها والدفاع عنها يدا واحدة، فهي مقتدرة على الدفاع عنها، كما كانت حرة في وضعها. وأما الأمم المغلوبة على أمرها. فهي لا تستطيع أن تضع أمرا لنفسها، فكيف تستطيع أن تضعه لغيرها؟ ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها، فكيف تستطيع أن تدافع عما تقرره

стр. 1297

مع غيرها؟ وإذا لم تستطع أن تعتمد على نفسها في داخليتها فكيف يعتمد عليها في خارجيتها. فالوحدة السياسية بين هذه الأمم، أمر غير ممكن، ولا معقول، ولا مقبول). وابن باديس مؤمن (بالرابطة القومية) الخالدة قدر إيمانه باستحالة تحقيق (الوحدة السياسية) بين شعوب لا تملك أمر نفسها، وهو إذ يقف هذا الموقف المزدوج، إنما يبصر الشعب العربي بواقعه السياسي المؤلم الذي يقف حجر عثرة في سبيل إعطاء الوحدة الأصيلة مظهرا سياسيا، وفي إنكار - ابن باديس - لهذا الواقع، دعوة صارخة للثورة عليه، والملاقاة على صعيد الروابط العربية الثابتة والدائمة: (هذه الأمة العربية، تربط بينها - زيادة على رابطة اللغة - رابطة الجنس، ورابطة التاريخ، ورابطة الألم، ورابطة الأمل، فالوحدة القومية الأدبية متحققة بينها ولا محالة). ويقف عبد الحميد بن باديس في سنة ١٩٣٨ وقفة القائد العسكري الذي خاض معركته وانتهى منها، وأخذ في إعادة استخلاص الدروس المستفادة من الصراع السابق، استعدادا للجولة التالية. وينتهي - ابن باديس - من إعادة تقويم الموقف ليقول (... ما اليوم - سنة ١٩٣٨ - فقد تأسست في الوطن كله جمعيات ومدارس ونواد باسم الشباب والشبيبة والشبان، ولا تجد شابا - إلا نادرا - إلا وهو منخرط في مؤسسة من تلك المؤسسات، وشعار الجميع الإسلام، العروبة، الجزائر ... لقد نفضت الأمة عن رأسها اليوم غبار الذل. وأخذت تنازل وتناضل وتدافع

стр. 1298

وتعارض، وشعرت بوحدتها، فأخذت تطرح تلك الفوارق الباطلة وتتحلى بحلل الأخوة الحقة، وتنضوي أفواجا أفواجا تحت راية الإسلام والعروبة والجزائر. لقد شعرت الأمة بذاتيتها اليوم، وعرفت هذه القطعة من الأرض التي خلقها الله منها، ومنحها لها، وأنها هي ربتها، وصاحبة الحق الشرعي والطبيعي فيها، سواء اعترف لها به من اعترف، أم جحده من جحد. وأصبحت كلمة الوطن، إذا رنت في الآذان، حركت أوتار القلوب، وهزت النفوس هزا). وعرف الشيخ عبد الحميد خطورة المخطط الاستعماري، لعزل أقطار الوطن العربي - الإسلامي بعضها عن بعض، وإشغال كل قطر بهمومه ومتاعبه عن هموم إخوانه المسلمين ومتاعبهم في الأقطار الأخرى. وعلى الرغم من أن هموم الجزائر المجاهدة - في تلك الحقبة التاريخية بالذات - قد تجاوزت في حجمها وأبعادها كل ما كان يعانيه كل قطر عربي - إسلامي، إلا أن عبد الحميد يتجاوز هذا الواقع في تطلعاته نحو المستقبل ويكتب كلمة عتاب قد تجرح برقتها وعمقها بأكثر مما تفعله السيوف، وكان في عتابه: (مضت حقبة من الدهر كاد فيها الشرق العربي أن ينسى هذا المغرب العربي). وإلى عهد قريب كانت صحافة الشرق - غالبا - لا تذكره إلا كما تذكر قطعة من أواسط أفريقيا. في هذه الأيام يغمط حقه، ويتجاهل وجوده في كتب لها قيمتها، مثل كتاب (ضحى الإسلام) وغيره. ولكن هذا المغرب العربي، رغم التجاهل والتناسي من إخوانه المشارقة، كان يبعث من أبنائه من رجال السيف والقلم من يذكرون به ويشيدون باسمه،

стр. 1299

ويلفتون نظر إخوانه المشارقة إلى ما فيه من معادن للعلم والفضيلة ومنابت للعز والرجولة. ومعاقل للعروبة والإسلام) (١). ... كل ذلك (وجمعية العلماء المسلمين) ماضية قدما إلى الأمام بفضل توجيه رئيسها الشيخ - ابن باديس - وذلك لتنفيذ أهدافها الواضحة، وأبرزها: أولا: تطهير الدين الإسلامي مما ألحق به الاستعمار من خرافات وبدع، وإيقاد شعلته الوضاءة التي بذل الاستعمار لإخمادها كل جهد مستطاع. ولم يتورع عن اقتراف أفظع الجرائم لإطفاء هذا النور الإلهي - ويأبى الله إلا أن يتم نوره -. ثانيا: بعث اللغة العربية وإحياؤها بعد أن جد الاستعمار لوأدها ودفن حضارتها. ثالثا: العمل بصورة سرية - حتى لا تتعرض الجمعية للملاحقات البوليسية التي تشل نشاطها - وذلك من أجل خلق تيار تحرري، والوقوف جنبا إلى جنب مع الأحزاب الوطنية المنادية بالاستقلال والسيادة. ويبرز هذا الهدف في مقولة ابن باديس: (إن الدولة الجزائرية لم تزل حية طالما أنها محافظة على دينها ولغتها) (٢). نشأ بنتيجة ذلك صراع عنيف بين جمعية العلماء من جهة،

стр. 1300

والاستعمار الإفرنسي ومبشريه وبعض الزوايا والطرقيين من جهة أخرى - كما سبقت الإشارة إليه -. وتطور هذا الصراع بعدئذ، ولجأت الإدارة الإفرنسية إلى استخدام كل ما تختزنه من أسلحة الدس والغدر. فأخذت في تحريض الطرقيين وأصحاب الزوايا (كالعلويين والشاذليين والقادريين) على جمعية العلماء وأتباعها، مخوفة إياهم من السير في ركابها، لأن مبادءهم ستطيح حتما بمراكزهم الدينية القائمة على التزييف والباطل، وستقطع عنهم الزيارات التي تتوقف عليها رفاهيتهم، وصورت لشيوخ هذه الطرق والزوايا كيف أن موارد عيشهم، ومصادر رفاهيتهم ستزول إذا انتصرت مبادىء جمعية العلماء الإصلاحية. وزينت لهؤلاء الشيوخ فضائل مقاومتهم لهذه الجمعية الناشئة، واصفة علماءها وأتباعها بالكفر - الزندقة - لأنهم لا يقيمون الولائم العامة - أوكار الدعاية الاستعمارية المسماة بالوعادي - ولأنهم لا يزورون الأولياء. وهذا وتر حساس أجاد الاستعمار في بادىء الأمر الضرب عليه لأن الجزائريين لهم تعلق كبير بالأولياء، حتى إنهم أصبحوا يقيمون على قبر كل رجل صالح قبة، ويولمون على روحه الولائم السنوية. ويقصده الزوار من كل مكان ملتمسين بواسطته الخير والبركة. وأخذ الاستعمار - داخل نطاق سياسته التضليلية - بالإساءة إلى سمعة الأولياء الصالحين. فراح يختلق الأكاذيب والبدع. مدعيا أن (الولي فلان) يحيي الموتى، ودخل من يشاء إلى الجنة. وأن (وليا آخر) يختص بشفاء المرضى ... وهكذا دواليك .. وكان هدف الدوائر الاستعمارية من ذلك (تأليه أصحاب

стр. 1301

القبب). وتضليل المسلمين الجزائريين عن جوهر دينهم حتى يسهل تنصيرهم بعد أن يصور لهم أن الإسلام عبارة عن (دين خرافي). وأسرعت جمعية العلماء لمعالجة الموقف قبل فوات الأوان. فراح علماؤهم يخطبون في الناس هادينهم سواء السبيل، موضحين لهم مبادىء الجمعية التي ما أنشئت إلا للمحافظة على الدين القويم، وحمايته من البدع والأساطير التي ألحقها به المستعمرون الإفرنسيون لأغراض خبيثة في نفوسهم. واشتد الصراع حين شعر أفراد من الشعب بفداحة الخطر الداهم على دينهم، إذا لم يأخذوا بيد العلماء الأحرار، ويعملوا على دعمهم. وعرفت الإدارة الاستعمارية أن شوكة العلماء وجمعيتهم تتزايد قوة يوما بعد يوم، وأن مواعظهم تجد آذانا صاغية لدى جماهير الشعب. فأصدر سكرتير الأمن العام في الجزائر - ميشيل - تعليماته المشددة (لمراقبة جمعية العلماء مراقبة دقيقة) و (حرم في هذه التعليمات على غير الإمام أو المفتي المعين من الإدارة الخطبة في الجامع) وحتى يشرف بنفسه على تنفيذ هذه الأوامر، عين نفسه (رئيسا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية). وبدأ أفراد الشعب يصحون من سباتهم العميق وينضوون تحت لواء جمعية العلماء الآخذ في اكتساح البلاد. ازداد عويل الاستعمار. وكثرت ضغائنه وأحقاده، ولم يحجم عن تدبير مؤامرة لاغتيال رئيس الجمعية - الشيخ عبد الحميد بن باديس -. وتعهد بتنفيذ هذه المؤامرة أتباع العلويين إلا أن هذه المؤامرة باءت بالفشل. وقبض أنصار بن باديس على المجرم، وكادوا يفتكون به لولا أن ردد الشيخ عبد الحميد قول النبي

стр. 1302

الأعظم صل الله عليه وسلم: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). واستمرت جمعية العلماء في جهادها، وهي تصل الليل بالنهار، حتى تبعد خطر الإلحاد عن الشعب. وأبت جمعية العلماء أن ينحصر عملها في قاعدتها (جامع سيدي الأخضر بقسنطينة) فأوقدت البعثات العلمية إلى المدن والأرياف، داعية المواطنين إلى اقتفاء سيرة السلف الصالح منبهة القوم إلى مغبة ما يحل بهم، إذا هم ساعدوا الاستعمار الإفرنسي بطريقة غير مباشرة على نشر سياسته الإلحادية. وقد صادفت هذه البعثات في طريقها عقبات ومشقات، وتحملت عذابا وإهانات كالها عليها البوليس الإفرنسي وأنصاره. إلا أنها خاضت جميع هذه المخاطر بإيمان قوي وعزيمة صلبة. يمكن هنا وفي مجال التعرض لأساليب الإدارة الإفرنسية في محاربة جمعية العلماء، ذكر حادثة مقتل (الشيخ ابن دالي عمر -الملقب بـ: كحول) والذي كان الإفرنسيون قد نصبوه إماما للمسجد الأكبر بالعاصمة - الجزائر -. فعلى أثر عودة ابن باديس ووفده من باريس، دفعت فرنسا بهذا الشيخ لإرسال برقية إلى الحكومة الإفرنسية (تتضمن عبارات قاسية ضد الوفد، والمؤتمر الذي عقده العلماء، ويتبرأ منهم، ويؤكد إخلاص المسلمين لفرنسا وموالاتهم لها). وأعقب ذلك تعاظم النقمة ضد هذا الذي انتحل لقب (مفتي الجزائر). فبات رجل الشارع الجزائرى يوجه أبشع الإهانات وأقذعها لهذا الخائن. وزاد الموقف توترا بسبب

стр. 1303

إقدام الشيخ الطيب العقبي على قيادة الحملة ضد (كحول). وأرادت الإدارة الإفرنسية ضرب عصفورين بحجر واحد، فأعدت قاتلا محترفا وجهته لقتل الشيخ كحول، واتهمت في الوقت ذاته جمعية العلماء بتدبير جريمة القتل. وتم اعتقال (الطيب العقبي) وألقي به في السجن. وأشاعت الإدارة الإفرنسية في الوقت ذاته إشاعات مضادة لجمعية العلماء (التي تنظم جرائم القتل والتصفيات الجسدية للتخلص من خصومها - على ما زعمته الإدارة الإفرنسية). وكان لهذه الدعاية دورها في تساقط ضعاف النفوس. وفي مقدمتهم نائب قسنطينة الدكتور ابن جلول الذي أظهر تخاذله أمام قوة الهجمة فنكص على عقبيه وتنكر لأصحابه وشيعته. وقال: (إنه لا يشترك في حركة تعمد إلى القتل وإغماد الخناجر في قلوب المعارضين). وأدركت جمعية العلماء، وأعضاء نادي الترفي خطورة الموقف، فتم عقد اجتماع تقرر فيه الإعلان عما يلي: أولا: إن العقبي ذهب ضحية غدر إداري ومؤامرة استعمارية دنيئة. ثانيا: إن الادارة الاستعمارية لا تقصد بعملها هذا النيل من الشيخ العقبي، وإنما تريد تمزيق جمعية العلماء. ثالثا: إذا نجحت الإدارة الاستعمارية في الوصول إلى هدفها، فإنها ستدمر الحركة الإسلامية من خلال إضعاف (جمعية العلماء).

стр. 1304

رابعا: على الجمعية دعم الشيخ العقبي بكل قوة والدفاع عنه بكل ما يتوافر للجمعية من قدرات مادية ومعنوية، لإظهار براءته. وإلصاق التهمة بمرتكبها الأصلي (الإدارة الإفرنسية). خامسا: القيام بحملة توجيهية لدحض مقولات (دعاة الهزيمة) و (دعاة السوء) وإحباط مخططات الأعداء الظاهرين والمستترين الذين يحاولون طعن جمعية العلماء ونادي الترقي من الخلف ومن الأمام. والمحافظة على جمعية العلماء، ومتابعة عملها بانتظام. وتم تعيين محام للدفاع عن العقبي. ومضت أشهر قليلة على الصراع ظهرت بعدها الحقائق واضحة، واعترف القاتل - عكاشة - بفعلته، وأطلق صراح العقبي. غير أن الإدارة الإفرنسية نجحت في إسقاط الشيخ العقبي بشباكها، وأخذت في استخدامه لتنفيذ مخططاتها داخل جمعية العلماء. وظهر ذلك في أكثر من مناسبة. كانت الأولى عندما عقدت الجمعية اجتماعا لها لتوحيد الجهد مع الزعماء السياسيين، فوقف العقبي ليقول: أنتم رجال الله. أنتم رجال الدين. فما لكم وللسياسة؟ وهؤلاء الزعماء الانتفاعيون، لا تعرفونهم ولا يعرفونكم. هل رأيتموهم في المسجد يصلون معكم؟ هل رأيتموهم في النادي يستمعون معكم إلى الإرشاد الإسلامي؟ كلا، لستم منهم وليسوا منكم؟ ...) (١). وكانت المناسبة الثانية، عندما لاحت نذر الحرب العالمية الثانية في الأفق، وتعاظمت تهديدات ألمانيا النازية لفرنسا. وفي

стр. 1305

اجتماع للعلماء في تلك الفترة، وقف الشيخ العقبي ليبادر إخوانه العلماء بقوله: (أرى أنه يجب علينا إرسال برقية إلى رئيس حكومة فرنسا، نظهر له فيها صدق عواطف الشعب الجزائري، ووقوفه مع فرنسا ضد كل عدوان) وتصدى له كل رجال الجمعية، وخاصة ابن باديس العظيم، الذي قال له: (كيف نكون مع فرنسا وهي التي لم تقم لنا وزنا، ولم تعترف لنا بحق، وأمعنت في إهانتنا واحتقارنا. فكيف تجدنا ساعة الخطر أعوانا وأنصارا؟ يجب علينا أن نسكت عنها إطلاقا ولا نقول لها كلمة). ... هنا لا بد من مقارنة موقف الشيخ العقبي بموقف الشيخ التبسي. فعندما اندلعت نار الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩، طلبت الولاية العامة بالجزائر إلى مختلف الهيئات والشخصيات الجزائرية أن يعلنوا للناس في الداخل والخارج عن ولائهم لحكومة فرنسا وإخلاصهم لها. وعلى هذا الأساس جاء ضابط كبير في الجيش الإفرنسي إلى الشيخ العربي التبسي - بتبسة - يسأله أن يدلي بتصريح يذاع بالإذاعة - الراديو - وينشر في الصحف. يؤكد فيه تأييده لفرنسا في حربها ضد الألمان. ولكن الشيخ العربي، أرفع وأجل من أن يمكن الاستعماريين من تحقيق هذه البغية الآثمة الدنيئة. فقفل الضابط الإفرنسي خائبا يجر أذيال الفشل. إذ أفسد الشيخ العربي على الاستعماريين خطتهم الرامية إلى إخضاع الشيخ عبد الحميد بن باديس كرئيس لجمعية العلماء بواسطة أحد إخوانه. وإثر هذا الحادث، جاء الشيخ العربي إلى قسنطينة،

стр. 1306

فقص على الشيخ ابن باديس القصة. وأعقبها سائلا مداعبا: (لو جاءوك يا شيخ، فماذا كنت تجيبهم يا ترى؟). فاندفع الشيخ عبد الحميد في ثورة مباغتة فقال: (أما أنا فوالله لو قال الاستعماريون قل: لا إله إلا الله محمدا رسول الله - ما قلتها) (١): (إني لن أمضي برقية - بتأييد فرنسا - ولو قطعوا رأسي، وماذا تستطيع فرنسا أن تعمله؟ إن لي حياتين، حياة مادية، وحياة أدبية روحية. فتستطيع القضاء على حياتنا المادية بقتلنا ونفينا وسمجننا وتشريدنا. ولن تستطيع القضاء على عقيدتنا وسمعتنا وشرفنا، فتحشرنا في زمرة المتملقين) (٢). ... وتضيق الصفحات عن احتواء مآثر الشيخ عبد الحميد بن باديس. وهوى السراج الوهاج الذي أشرق نوره على الجزائر، فتغلغل في كل أرجائها. مات الرجل عملاقا يوم ١٦ شباط - فبراير - ١٩٤٠ وقد بات ملء السمع والبصر والفؤاد. وماتت بموته مجلته (الشهاب). وخرجت الجزائر المجاهدة تنعي في يوم واحد فقيديها الغاليين الإمام ابن باديس ومجلته. قيل إنه مات (بسل العظام) وقيل إنه مات (مسموما). وتعددت الأسباب والموت واحد. غير أن هناك حقيقة بقيت ثابتة وخالدة، لقد مات الوجود المادي لابن باديس غير أنه بقي حيا بحضوره

стр. 1307

المعنوي - الروحي - ولقد قيلت كلمات كثيرة في رثائه، لعل أصدقها كلمة أخيه في الله وأخيه في الجهاد وخلفه في رئاسة جمعية العلماء الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي كتب ما يلي: (... أعتقد أن الراحل، أخي العزيز، لم يكن لأحد دون أحد، بل كان كالشمس لجميع الناس. وأعتقد أن فقده لن يحزن قريبا دون بعيد. وإن أوفر الناس حظا من الأسى لهذا الخطب، هم أعرف الناس بقيمة الفقيد، وبقيمة الخسارة بفقده للعلم والإسلام، لا للجزائر وحدها. فلهذا بعثت أعزيكم على فقد ذلك البحر الذي غاض بعد أن أفاض ... وإن كانت التعازي تعاليل لا تطفي الغليل. ولكنها على كل حال تحمل بعض الروح من كبد تتلظى شجنا، إلى كبد تتنزى حزنا. وظني في أخي أنه لو كان يعرف عنواني لكان أول معز لأول معزى) (١). (واحسرتاه - رحم الله الراحل العزيز، جزاء ما بث من علم وزرع من خير وثقف من نفوس. ولله ذلك اللسان الجريء، وذلك الجنان المشع، وذلك الرأي الملهم. وإنا لفقدك يا عبد الحميد لمحزونون).

стр. 1308

٤ - إخوان عبد الحميد في الجهاد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس، كبيرا بنفسه، عملاقا بإخوانه، فقد التفت حوله مجموعة من كبار العلماء كلهم ذوو فضل وسعة في العلم، وكلهم يحمل في أعماقه إيمانا راسخا وإسلاما صادقا وحماسة لا حدود لها لخدمة أهداف جمعية العلماء (الإسلام والعروبة والجزائر). لقد بات من المسلم به أن شخصية الشيخ (عبد الحميد بن باديس) قد هيمنت على الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لجزائر المسلمين في عقد الثلاثينات (١٩٣٠ - ١٩٤٠). وبات من المسلم به أيضا أن ظلال الجهود التي بذلت في هذه الفترة، قد أرسلت استطالاتها نحو أفق المستقبل، بفضل الشيخ عبد الحميد بن باديس وإخوانه المجاهدين في جمعية العلماء. وإذا كانت الظروف الدولية قد جاءت لتعيق تفاعلات الأحداث - لا على الصفحة الجغرافية للجزائر وحدها - وإنما على الصفحة الجغرافية للعالم، بسبب الحرب العالمية الثانية، فإن تفاعلات هذه

стр. 1309

الأحداث قد انطلقت بكل أصالتها، وبكل قوتها مع انتهاء الحرب العالمية الثانية مما يؤكد الدور الحاسم الذي مارسه الشيخ عبد الحميد وإخوانه المجاهدون في بناء القاعدة الصلبة للثورة. وليس الهدف على كل حال، إجراء حصر لتلك المجموعة المؤمنة المجاهدة، إذ أنها تتجاوز حدود الحصر والإحاطة، ولكن المهم التوقف قليلا عند أبرز الجهود المبذولة لإجراء ذلك التحول الحاسم في حياة الجزائر المجاهدة، والانتقال بها من مواقع الدفاع السلبي إلى مواقع الهجوم الإجابي - إذا صح التعبير وجاز -. لم يكن من المتوقع - في كل الأحوال - أن تخمد جذوة اللهبة الثائرة التي أطلقها الشيخ عبد الحميد بن باديس من معاقلها، أو أن تموت بموته. وذلك لمجموعة من الأسباب: أولها: أن ظهور عبد الحميد قد جاء تتويجا لتفاعلات بطيئة ومستمرة عبرت عن أصالة الجزائر الثورية. وكانت هذه التفاعلات أوسع من حدود الجزائر. فقد حمل المجاهدون الجزائريون معهم، وبداية من الهجرة الأولى التي ارتحل فيها الأمير عبد القادر وإخوانه إلى بلاد الشام، حمل هؤلاء معهم رايات الجهاد في سبيل الله، وأناروا بضيائها عالم العرب المسلمين في المشرق - عبر الصحافة والكتب والتعليم - وانعكست هذه الأضواء على صفحة الجزائر المجاهدة. وثانيها: أن الجزائر المجاهدة لم تعدم أبدا وجود القيادات التي تصدت للحملة الصليبية الإفرنسية، وكان جهد هذه القيادات وتضحياتها المستمرة، هي مشاعل النور على طريق الجهاد. ولئن

стр. 1310

قصرت هذه القيادات عن الارتفاع حتى مستوى الشيخ ابن باديس إلا أنها بجهودها وتضحياتها، مهدت السبيل لظهور جيل (العلماء العمالقة). وثالثها: أن ظهور عبد الحميد قد توافق مع وجود علماء كبار - جيل العلماء العمالقة - ومعذرة عن هذا التعبير - كانوا كلهم على مستوى الأحداث، حتى لو سقط بعضهم على الدرب ولم يكمل الطريق على نحو ما يحدث دائما في كل حركة ثوروية أصيلة. ورابعها: أن الشعب الجزائري الذي هزته الأحداث بقوة وعنف فأيقظته من غفوته، بات مؤهلا لاختيار طريقه، وأصبح من العسير إعادته إلى (قمقمه المغلق). وانتصب الشعب الجزائري عملاقا قويا، وانتصبت أمامه قيادة عربية - إسلامية -. والتقى عاملان أساسيان من عوامل تفجير الأحداث، ولم يبق إلا ظهور العامل الثالث، وهو (توقيت انفجار الحدث). وجاءت بعد ذلك مسيرة الأحداث لتحدد هذا التوقيت. وهذا ما يبرز بدوره أهمية (إخوان عبد الحميد) وما قاموا به من دور في صنع الأحداث. أ - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي لم يكن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مجهولا يوم بدأ حياة الجهاد فوق أرض الجزائر، لقد كان ماضيه الحافل بجلائل الأعمال يتقدم عليه ويسبقه، لقد عرفته عواصم العالم العربي - الإسلامي من قبل، في تونس ومصر وبلاد الشام، مجاهدا بالكلمة الصادقة والعلم الصحيح والإيمان العميق قبل كل شيء. ففي سنة

стр. 1311

١٩٠٨، كان طلاب العلم في دمشق، ينهلون من علمه الغزير في (مكتب عنبر) و (المدرسة السلطانية).وكان (متكب عنبر) في تلك الفترة، موئل العلم ومنهل المعرفة ومنارة الهدى لكل الشباب الذين ينتظرهم مستقبل البلاد. وكان أساتذة هذا المعهد خيار من عرفهم العالم العربي الإسلامي، منهم الشيخ عبد القادر المبارك، ومنهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي قال عنه أحد تلاميذه: (أعجبنا في الشيخ سعة علمه، وقوة ذاكرته، واستقامة منهجه، حتى ولد في نفوسنا حب اللغة العربية وآدابها). ومن دمشق، ينتقل الشيخ الإبراهيمي إلى الحجاز، حتى إذا ما انتهت الحرب العالمية الأولى، عاد إلى موطنه الأصلي - الجزائر - ليتابع فيها جهده المخلص، وجهاده الصادق، مواكبا في مسيرته وعلى خط مواز جهد - ابن باديس - وجهاده. حتى إذا ما أقبلت سنة ١٩٣١، كان لقاء الخطوط المتوازية في (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين). وكان الشيخ الإبراهيمي باستمرار الصخرة الصلدة في مجابهة المخططات الاستعمارية الإفرنسية الرامية (لتدمير إسلام الجزائر وعروبتها) وحرمانها من أصالتها الذاتية. وعرضه هذا الأمر لإزعاجات السلطات الإفرنسية واضطهادها له، والتي لم يكن أقلها الاعتقال والسجن. توفي ابن باديس. وكانت جمعية العلماء قد أصبحت تحت أحكام الحرب القاسية هامدة. وقد قررت التزام الصمت التام تجاه أحداث هذه الحرب، واستمر رجالها في ممارسة واجباتهم والاضطلاع بمسؤولياتهم في المدارس والمساجد.

стр. 1312

وكان (الإبراهيمي العظيم) قد أخذته السلطة الإفرنسية عند بداية الحرب من تلمسان، وألقت به منفيا طريدا في (أفلو) الصحراوية النائية، ليذوق فيها العذاب الأليم. واجتمع العلماء بقسنطينة بعد أن غاب عنهم رائدهم ابن باديس واتفق الجميع على أن يكون نائب الرئيس البشير الإبراهيمي - رئيسا للجمعية. وأن يباشر عمله بمجرد إطلاق سراحه، ويكون له مركز الرئاسة على الفور. ولم تمض فترة طويلة حتى تم الإفراج عن الشيخ الإبراهيمي، فباشر عمله في رئاسة العلماء: فكان الرئيس، وكان المعلم، وكان الصحفي، وكان الكاتب، وكان الخطيب، وكان بإيجاز العقل المدبر والذراع المنفذ حتى قال عنه أحد علماء الجمعية (ما رأت جمعية من الجمعيات رئيسا كالبشير الإبراهيمي). عندما تولى (الشيخ الإبراهيمي) رئاسة الجمعية، كانت الأسس قد ترسخت، والمبادىء قد ثبتت، فوجه الشيخ الإبراهيمي جهد الجمعية نحو التعليم العربي الحر، واندفع بجرأة غريبة وسط حماسة شعبية رائعة لتأسيس مدارس البنين والبنات، والحكومة مشدوهة لا تدري ماذا تفعل: أتقاوم المدارس مقاومة عامة وتوصد أبوابها، وعندئذ تجد نفسها لا محالة أمام ثورة عامة في ظروف غير مناسبة لها نتيجة ظروف الحرب ذاتها؟ أم تتساهل في أمر هذه المدارس مع إدراكها لخطورة هذا العمل وتأثيره العميق على مخططاتها الاستعمارية؟ وكان أن اتبعت سياسة مزيجة بين اللين والشدة، فكانت تتساهل في بعض الجهات، لتضطهد المدرسين ورجال التعليم في جهات أخرى. كل ذلك، ومركب التعليم

стр. 1313

يمضي قدما تدفعه ريح شعبية قوية. واستطاعت الجمعية بفضل دعم المسلمين الجزائريين لها من تأسيس (١٧٠) مدرسة عربية حرة تعلم الدين الصحيح والتاريخ الإسلامي والعلوم العصرية. وبلغ عدد تلاميذها كل سنة، ما يزيد على الخمسين ألفا بين ذكور وإناث، وكونت الجمعية لهم طبقة صالحة من المدرسين، أغلبهم من خريجي (جامعة الزيتونة) بتونس، وجاوز عددهم في مرحلة ما قبل الثورة (٩٠٠) معلم. ويتقاضون جميعا، نفس المرتبات من الهيئات المحلية للمدارس. وأنشأت (جمعية العلماء) لجنة للتعليم، تحت إدارة نخبة من أفضل العلماء، أمثال المرحوم الحفناوي هالي ومحمد الصالح رمضان (واضع قصائد الشباب الهادفة والتي أصبحت فيما بعد أناشيد الثورة الجزائرية). فأوجدت هذه اللجنة البرامج التعليمية، ووضعت البرامج التربوية، وأخضعت كل مدارسها لمنهاج واحد. وفي العام ١٩٤٧، دشنت جمعية العلماء أول معهد للتعليم الثانوي في مدينة (قسنطينة)،أطلقت عليه اسم فقيد الجزائر (الشيخ عبد الحميد بن باديس). وشرع هذا المعهد، بفضل دعم الشعب له، بتطوير عمله حتى بلغ عدد طلابه سنة ١٩٠٣ ألفا وخمسمائة طالب من جميع أنحاء الجزائر. وأخذت جمعية العلماء في هذه السنة بإيقاد البعثات من خريجي المعهد إلى المشرق العربي - الإسلامي لإتمام الدراسة في المعاهد العليا. وخاصة في جامعة الزيتونة بتونس. كما ارتفع أثناء ذلك عدد المدارس الابتدائية حتى وصل إلى أكثر من

стр. 1314

(٣٠٠) مدرسة في سنة ١٩٥٣، وارتفع بذلك عدد الطلاب السنوي إلى أكثر من (٧٠) ألف تلميذ. وكانت الجمعية قد أجرت في أواخر السنة الدراسية لسنة ١٩٥٢ أول امتحان لنيل الشهادة الابتدائية العربية (باسم الشعب الجزائري) وبدون موافقة الإدارة الإفرنسية الاستعمارية. وإلى جانب ذلك كله، كانت الجمعية تنشر كل أسبوع مجلتها الكبرى (البصائر) التي كانت منبرا رفيعا للفكر الإسلامي. ومنهلا للعلم الغزير والأدب الهادف. وكانت تعمل أيضا على إماطة اللثام عن تحولات السياسة الدولية، فتسهم في نشر الوعي السياسي، وبلغ عدد ما يطبع منها أسبوعيا (٣٠) ألف مجلة، وقد استمرت في الصدور حتى أغلقتها الإدارة الاستعمارية الإفرنسية سنة ١٩٥٦. كانت مجلة (عيون البصائر) هي مرآة الجزائر المجاهدة طوال الفترة ما بين الحرب العالمية الثانية، وانفجار ثورة التحرير (١٩٥٤). وكانت (عيون البصائر) أيضا منبر رئيس جمعية العلماء (الشيخ الإبراهيمي) الذي أضاف إلى أعبائه في سنة ١٩٤٨، أعباء جديدة هي رئاسته (للجنة إعانة فلسطين). ففي هذه السنة أقيم الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين العربية - الإسلامية. واهتز العالم العربي - الإسلامي لهذا الحدث الأليم. وكان تجاوب الجزائر أكبر من الكلمات، وأعظم من كل وصف. وقد يكون من المناسب استقراء بعض نشاطات (لجنة إعانة فلسطين) من خلال بعض برقياتها. أرسلت (اللجنة) برقية إلى الأمين العام للجامعة العربية (عزام باشا) جاء فيها:

стр. 1315

(يسعدنا إعلامكم أنه قد تألفت بالجزائر لجنة لإعانة فلسطين، مؤلفة من كل الهيئات والشخصيات التي تمثل الاتجاه الإسلامي الجزائري. إننا بلسان هذه اللجنة نؤكد لسعادتكم تضامن الشعب المسلم الجزائري مع كل الدول العربية المكافحة ضد الإمبريالية الصهيونية، ونأمل انتصار القضية العربية العادلة). الشيخ البشير الإبراهيمي، فرحات عباس الشيخ بيوض، الشيخ العقبي. ووجهت (اللجنة) برقية إلى الحكومة الإفرنسية جاء فيها: (إن لجنة إعانة فلسطين، التي تمثل كل التشكيلات الدينية والسياسية بالجزائر، وتشمل الشخصيات الممثلة للاتجاهات الجزائرية، قد تأثرت بصفة مؤلمة من القرار الذي اتخذه المجلس الوطني الإفرنسي في إرسال التحية المخلصة لدولة إسرائيل المزعومة. إن هذا القرار يعتبر عملا عدائيا ضد العالم الإسلامي. واللجنة تحتج بشدة على هذه الحرية التي تتمنع بها وسائل الدعاية الصهيونية ومنظماتها. وجميعها يعمل لفائدة الإمبريالية وضد الديموقراطية. واللجنة تلفت نظر حكومتكم لما في اعترافها بدولة إسرائيل المزعومة من جرح لعواطف خمسة وعشرين مليونا من المسلمين، سكان المغرب العربي المتضامنين تضامنا فعالا مع إخوانهم أهل فلسطين، ومن إساءة عميقة للعلاقات بين فرنسا والإسلام). عباس فرحات، الشيخ بشير الإبراهيمي، الشيخ الطيب العقبي، الشيخ إبراهيم بيوض.

стр. 1316

ووجهت اللجنة برقية إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة (تريفف لي) جاء فيها: ا (إن لجنة إعانة فلسطين التي تشمل كل المنظمات والشخصيات الممثلة للشعب المسلم الجزائري تحتج على ما مس العالم الإسلامي من عدوان صريح قامت به الصهيونية، وهي تحاول إقامة دولة يهودية فوق أرض فلسطين. وتعتقد اللجنة أن هذه المحاولة تناقض ميثاق هيئة الأمم المتحدة. وتمثل تهديدا صريحا للسلام العالمي. وتؤكد اللجنة تضامن المسلمين الجزائريين مع الشعب الفلسطيني في حربه مع الصهيونية الإمبرالية الاستعمارية - احتراماتنا). فرحات عباس، الشيخ الإبراهيمي، الطيب العقبي، الشيخ إبراهيم بيوض. ولم تكتف اللجة بهذه التظاهرة الإعلامية، التي أكدت بروز الشخصية الجزائرية الإسلامية. فعملت على إرسال مجموعة من المجاهدين إلى فلسطين، كما جمعت أموالا طائلة بالنسبة لما كانت عليه حال الجزائريين المسلمين في تلك الفترة. فقد أرسلت مبلغ أربعة ملايين فرنك في البداية (للجهاد الفلسطيني). ثم أرسلت مبلغ ثلاثة ملايين فرنك، قام الشيخ أحمد توفيق المدني بتسليمها للسيد أحمد ثروت سفير مصر بباريس، وتم ذلك بحضور إسماعيل صبري باشا، خال الملك فاروق (١).

стр. 1317

غير أن (الشيخ البشير الإبراهيمي) يتجاوز في نشاطاته دوره الرسمي، فينطلق من خلال (عيون البصائر) مستنفرا الهمم، محذرا من الخطر، ملهبا للحماسة، فيكتب في ذروة المأساة - سنة ١٩٤٨ - ما يلي: (يا ضيعة الآداب الإسلامية بينكم. إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وقد لدغتم من الجحر الإنكليزي مرات، فلم تتعظوا ولم تتبصروا. خدع خلفكم، كما خدع سلفكم، واستهوى أمراءكم وكبراءكم ودعاكم إلى موائده فلبيتم، وما رأى منكم في كل الحالات إلا المجاملة، واستمرار المعاملة، وما آنس منكم إلا التهافت على أعتابه، والتعلق بأسبابه. فيا ويحكم! أكل ذلك لأن الإنكليز أغنياء وأنتم فقراء، أو لأنهم أقواء وأنتم ضعفاء؟ كلا. إنهم أغنياء بكم، وبأمثالكم من الأمم المستخذية، وليسوا أغنياء عنكم. وأنتم الأقوياء بما يستمدونه من أرضكم وجيوبكم. فاقطعوا عنهم المددين يضووا ويهزلوا، واخذلوهم في مواطن الرأي والبأس ينخذلوا، وعمروا جزيرتكم تخرب جزيرتهم. إن لبدة الأسد هي بعض أسبابه إلى زرع الهيبة في القلوب. ولكن لبدة الأسد البريطاني لبدة مستعارة. فلو أن أمة استرجعت شعراتها من تلك اللبدة التي تكمن وراءها الرهبة، لأمسى الأسد هرا، مجرود العنق، معروق الصدر، بادي الهزال والسلال. إن الغنى عمل وتدبير، فلو عملتم لكنتم أغنياء. وإن بدء الغنى من غنى النفس بالتعفف عن الكماليات، وفطمها عن الشهوات، وإن القوة مشيئة لا جبر فيها. فلو شئتم أن تكونوا أقوياء لكنتم.

стр. 1318

وإن بدء القوة من قوة الأخلاق، وقوة الاتحاد ... ان العروبة لفي حاجة إلى ذلك الطراز العالي من بطولة العرب. وإن الإسلام لفي حاجة إلى ذلك النوع السامي من الموت في سبيل الحق ليحيا الحق .. أيها العرب ... أيها المسلمون ... إن فلسطين وديعة محمد عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا - ونحن عصبة - إنا إذا لخاسرون) (١). ويعود الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لمعالجة القضية الفلسطينية في أزمتها - سنة ١٩٤٨ أيضا، فيقول: (أيظن الظانون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة، تنسى فلسطين أو تضعها في غير منزلتها التي وضعها الإسلام من نفسها؟ لا والله، ويأبى لها ذلك شرف الإسلام ومجد العروبة ووشائج القربى). (ولكن الاستعمار الذي عقد العقدة لمصلحته، وأبى حلها لمصلحته، وقايض بفلسطين لمصلحته هو الذي يباعد بين أجزاء الإسلام لئلا تلتئم، ويقطع أوصال العروبة كيلا تلتحم. وهيهات لما يروم). ويعود ليخاطب العرب فيقول:

стр. 1319

المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء.

стр. 1320

(أيها العرب! قسمت فلسطين، فقامت قيامتكم، هدرت شقاشق الخطباء. وسالت أقلام الكتاب، وأرسلها الشعراء صيحات مثيرة، تحرك رواكد النفوس. وانعقدت المؤتمرات. وأقيمت المظاهرات. علم الصهيونيون أن الوعد لا يعدو كونه وعدا. وأن نصه الطري اللين ... أن انجلترا تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين، فأعدوا لتحقيقه المال، وأعدوا الرجال، واتخذوا من الوقت سلاحا، فلم يضيعوا منه دقيقة، واستعانوا بنا علينا، فاكتسبوا من ضعفنا قوة، ومن جهلنا قوة، ومن تخاذلنا قوة، ومن أقوالنا الجوفاء قوة، وأصبحت هذه القوات كلها ظهيرا لهم علينا). ويقبل عيد الأضحى، أول عيد بعد إقامة الكيان الصهيوني، فينفث الشيخ الإبراهيمي زفرة لاهبة، فيقول: (النفوس حزينة، واليوم يوم الزينة، فماذا نصنع؟ إخواننا مشردون، فهل نحن من العطف والرحمة مجردون؟ تتقاصانا العادة أن نفرح في العيد وأن نبتهح، وأن نتبادل التهاني، وأن نطرح الهموم، وأن نتهادى البشائر. وتتقاضانا فلسطين أن نحزن لمحنتها، ونغتم، ونعنى بقضيتها ونهتم، ويتقاضانا إخواننا المشردون في الفيافي، أبدانهم للسوافي، وأشلاؤهم للعوافي، أن لا ننعم حتى ينعموا، ولا نطعم حتى يطعموا ... ليت شعري، هل أتى عباد الفلس والطين، ما حل ببني أبيهم في فلسطين). (أيها العرب! لا عيد حتى تنفذوا في صهيون الوعيد، وتنجزوا لفلسطين المواعيد. ولا نحر حتى تقذفوا بصهيون في البحر. ولا

стр. 1321

أضحى حتى يظمأ صهيون في أرض فلسطين ويضحى). (أيها العرب! حرام أن تنعموا وإخوانكم بؤساء. وحرام أن تطعموا وإخوانكم جياع. وحرام أن تطمئن بكم المضاجع وإخوانكم يفترشون الغبراء). ... تلك نمانج من مقولات كثيرة تخاطب العقل قدر استثارتها للعاطفة. ولعل أبرز ما يميز مواقف الشيخ الإبراهيمي في هذا المضمار: ١ - تحليله العميق للموقف الاستعماري، وهو قد سبق (ماوتسي تونغ) في تحليل ضعف الهيكل الاستعماري بأكثر من ربع قرن. وبينما يشبه (ماو) الاستعمار (بعملاق له قدمان من صلصال)؛ يعود الشيخ الإبراهيمي ليشبه (أسد الاستعمار البريطاني بهر، لم يكسب فروته المرعبة إلا من النهب الاستعماري). ٢ - وفي مقولة (الشيخ الإبراهيمي) تركيز مستمر على الأصالة الذاتية (القوة في نفوسنا والضعف في نفوسنا). والمثير في الأمر أن الثورة الجزائرية قد انطلقت من هذه الأصالة ذاتها. وكان اعتمادها دائما على القدرة الذاتية لشعب الجزائر المجاهد. ٣ - ويدعو الشيخ الإبراهيمي لمقاطعة الاستعمار وحرمانه من موارد النهب، حفاظا على قدرة العرب المسلمين في أوطانهم. وهي الدعوة التي لا زالت تتردد قوية إلى ما بعد نداء الشيخ الإبراهيمي بثلاث عقود، دون أن تجد لها أذانا صاغية.

стр. 1322

٤ - والشيخ الإبراهيمي، ينطلق بصيحته من منبره، بقلب الإنسان المسلم، وإرادة الرجل المؤمن (حرام أن تنعموا وإخوانكم بؤساء) فالمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إذا أصاب عضوا منه المرض تداعت بقية الأعضاء للسهر والحمى. ... وتمضي السنوات متثاقلة لترهق كاهل الشيخ، وتنفجر ثورة الجزائر. ويعتقل الإفرنسيون أحمد طالب الإبراهيمي، في حين يكون الشيخ مريضا على فراشه، بمستشفى كراتشي. فيكتب الإبن أحمد طالب الإبراهيمي إلى أخيه: (لم يكاتبني والدي هذه الأيام الأخيرة. ومن المحتمل أن يتلقى نبأ إيقافي برصانته المعهودة). وبعد أربعة أعوام من السجن يعود أحمد طالب الإبراهيمي ليكتب إلى أخيه: (كاتبت اليوم والدنا أيضا، آه لو تعلم كم أبتهل إلى الله كي يعيش حتى يوم الاستقلال! فإذا ما كتبت له أن يشهد الجزائر وقد حررت أرضها، عندئذ يسوغ لي أن ألقي عليه مقطع (لورانزا تشيو) في مسرحيته الشهيرة: (تعال يا والدي النبيل! تعال وانظر إلى أحلام عمرك تتهادى ضاحية، لقد أينعت الحرية ... هيا وانظر نبتك المحبب ينبثق من الثرى). يومئذ أقول له ما قال شوقي لسعد زغلول: لينم أبو الأشبال ملء جفونه ... ليس الشبول على العرين بنوم (١)

стр. 1323

ب - الشيخ مبارك بن محمد الميلي: كتب عنه صديق له: (إنه الرجل المثالي، الحر الأبي، الذي وضع حياته كلها منذ رجع من الزيتونة عالما جليلا في خدمة دينه وشعبه، مدرسا ومحاضرا ومفكرا عميقا ومرشدا نصوحا. كان نحلة منتجة، لا تراها إلا ساعيه وراء رحيق زهرة، أو واضعة مع جماعتها عسلا شهيا).ذلك هو مبارك بن محمد الميلي - الذي ولد في قرية (الميليه) وليس في مدينة (ميلة) التي حل فيها بعد ذلك وجعلها ميدان جهاده. وكانت ولادته سنة ١٣١٦ هـ (١٨٩٨ م). وأتم دراسته الابتدائية على يد شيخه ومربيه العالم الشيخ محمد الميلي. ثم انتقل إلى قسنطينة حيث تتلمذ على يد الشيخ ابن باديس الذي أنس في تلميذه الذكاء والفضيلة، فوجهه في السنة ذاتها (١٣٣٨ هـ = ١٩١٩م) للدراسة في جامعة الزيتونة. حيث أمضى في تونس أربع سنوات ليعود في سنة ١٣٤١ هـ = ١٩٢٢ م إلى قسنطينة وقد توافر له قدر كبير من العلم والمعرفة. واستعان به شيخه عبد الحميد بن باديس للتدريس في معهده شهورا. ولما رأى طموحه ونبوغه وعلمه، أيقن أنه لا يليق معينا له، بل يكون قاعدة للإصلاح والنهضة، وسدادا لثغر مهم في ناحية مهمة في الجزائر. ولما طلبه الأغواطيون، حثه الشيخ عبد الحميد على الذهاب إليهم وقيادة نهضتهم الناشئة، وإصلاح النفوس في الأغواط المتعطشة للنور. وزار الشيخ مبارك الأغواط، فأعجب بها وبأهلها، فانتقل إليها في أواخر سنة ١٣٤٢ هـ - ١٩٢٣ م.

стр. 1324

مضى الشيخ مبارك يضرب في كل ميدان من ميادين الجهاد، يمضي معظم وقته (عشر ساعات يوميا) في تدريس تلاميذه الذين زاد عددهم على سبعين تلميذا - فيهم ست فتيالت - لينصرف بعد ذلك إلى (الجامع العتيق) في الأغواط للالتقاء - بعد صلاة العشاء - بالشبيبة والرجال الراغبين في تلقي الإسلام من مورده الصافي ومصدره العذب. وليتردد بعد ذلك مرة في الشهر على الأقل لزيارة (مدينة بوسعاده) وإلقاء محاضراته التوجيهية الهادفة فيها. ولينتقل أيضا إلى (مدينة الجلفة) مرة في الشهر للهدف ذاته. ولينتقي من بين تلاميذه من يتوسم فيهم الخير والفضيلة فيوجههم إلى (قسنطينة) و (جامعة الزيتونة بتونس) فشكل بذلك جهازا للاضطلاع بنهضة الأغواط - الضاربة في عمق الصحراء - وليعمل أثناء ذلك كله على الاختلاط بجماهير الشعب، يوجههم نحو الدين القويم، ويفضح أساليب الاستعمار ووسائله المضادة للعرب المسلمين، وليحارب الطرقية وبدعها وانحرافاتها، مقتديا بذلك سيرة أستاذه ابن باديس. وهاله أمر ما كانت تطرحه الدوائر الاستعمارية من أن (أهل البلاد ينتمون إلى الشعوب الغربية في أصولها ويلتقون بعد ذلك مع الإفرنسيين والرومان بأكثر من التقائهم مع العرب المسلمين). فمضى ليدحض هذه المقولة وأمثالها، وأفاد من كل فرصة تتاح له لوضع كتابه (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) محددا هدفه من ذلك بقوله: (إني شديد الشعور بالمسؤولية، ولكنني شديد العراقيل كثيرها، شديد الحاجة إلى المعين، عديمه. ففي التحرير، أجد عراقيل قلة المواد وبعد أسلوبها عن نظامي واختلاط مواضيعها بالنظر إلى أسلوبي،

стр. 1325

وأعلم كثرة الكتب الإفرنسية وحسن نظامها، ولا أجد من يعرب لي منها. وحاجتي إلى كتب الإفرنسية من حيث المادة والنظام، ومن حيث الاطلاع على مقاصدهم نحونا للتعريض بردهم في كتابتنا). ويكتب إلى صديق له: (أكاتبك اليوم فيما يهم عملنا، ولكنني أقتصر الآن على التنبيه لكتاب حماد أو ابن حماد، لتعريب فصول من كتاب - كاريت - تحت يدي ترجمة فهرست كتاب كاريت - وقد أعدت النظر فيها، فظهر لي إني أحتاج اليوم من أبوابها (الباب الرابع من الكتاب الأول. والأبواب السادس والسابع والتاسع من الكتاب الثالث). وقد التزمت في هذا الجزء وضع باب لبيان قبائل بني هلال وغيرهم من العرب، في أنسابهم ومراكزهم وحياتهم وعلاقتهم بالبربر. ووضع باب آخر لتفصيل قبائل البربر بعد هجوم الهلاليين. فما تجده في كتاب - كاريت - يعين على هذا فترجمه لي). ولم يعدم الشيخ مبارك على كل حال من يقدم له العون لإنجاز مشروعه العظيم، سواء من أبناء الأغواط الذين كان عدد كبير منهم قد تعلم الإفرنسية وأتقنها، أو من خارج الأغواط - وبصورة خاصة الشيخ أحمد توفيق المدني - الذي قدم للشيخ مبارك كل جهد مستطاع، حتى تم إخراج هذا المشروع للنور. ... وكان الشيخ مبارك يشرح في دروسه، أمراض المجتمع، فيبين آفاتها وويلاتها على أصحابها. ويهاجم الإلحاد الذي تبثه

стр. 1326

المدارس الاستعمارية والأحزاب السياسية المنحرفة، ويهاجم البدع التي ألصقت بالدين فقتلت المسلمين، ويهاجم ضلالات الطرقيين الضالين، مثل (زردات القبور) (١) وحفلات مواليد المشايخ الطرقيين، واعتقاد العامة في الشيخ وطريقته بما ينافي الدين، وغير ذلك من المفاسد الخلقية. وكانت لدروس الشيخ مبارك نتائجها العظيمة. فشاعت الثقافة، وانتشرت اللغة العربية وآدابها بين الأغواطيين. وأقبلوا على الدين - وكان أكثر الأغواطيين من قبل مرتبطين بالطرائق الصوفية المتنافرة والمتناحرة، فتطهرت عن طريق الشيخ مبارك عقائدهم. وتفتحت عيونهم على الحق والهدى. وعرفوا دين الله الحق فتمسكوا به، وطرحوا عنهم رداء الطرقية وانحرافها، وتنكروا لمنكراتها. وانضم معظم شباب الأغواط لحركة الإصلاح التي يستجيب لها العقل وتتفجر لها العاطفة. وكان الشيخ مبارك ينظم زيارات كبار العلماء الجزائريين للأغواط. من أجل إلقاء المحاضرات. فزار الشيخ عبد الحميد ابن باديس الأغواط، وحضر درس الشيخ مبارك في (الجامع العتيق) ثم تلاه بدرس بليغ هز نفوس الأغواطيين وترك فيهم أعمق الأثر. وكذلك فعل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشيخ بيوض إبراهيم. وسارت الأغواط بذلك في ركب الإصلاح. وصارت من أنصار اللغة العربية وقاعدة صلبة من قواعد الدين (مما أهلها

стр. 1327

العلامة المصلح والمؤرخ العظيم الشيخ الأستاذ مبارك الميلي

стр. 1328

بالتالي لتكون قاعدة من قواعد الثورة عندما انفجرت هذه الثورة). أحب الشيخ مبارك الأغواط وأهلها الذين بادلوه حبا بحب وإخلاصا بإخلاص، بعد أن سلخ بينهم أحلى سنوات العمر في عمل دؤوب وجهد مستمر. لقد جاءها وعمره ثلاثون عاما، وكانت أيامه بها حلوة هانئة، فتزوج فيها من ابنة شيخه (محمد الميلي - جاء بها من ميلة). وولد له في الأغواط ابنه البكر محمد. وظن أن الحياة ستسير به في يسر متنقلا من نجاح إلى نجاح أكبر، ومن نصر إلى نصر أعظم في حياة العمل والإنتاج. ولم يشعر باقتراب السحب المزمجرة من أفق حياته. عرف الشيخ مبارك خطورة التعليم الإفرنسي على حياة الناشئة، فخصص لهؤلاء الناشئة أيام عطلهم وبعض الوقت في كل يوم، خارج أوقات دوامهم في المدارس الإفرنسية وذلك لتعليمهم أصول دينهم، وليحسن توجيههم، ويزيل من عقولهم ونفوسهم ما تدسه برامج التعليم الإفرنسية من توجيهات سيئة. وكانت السلطة الاستعمارية في الأغواط تعتقد أن مدرسة الأغواط، مثلها كمثل الكتاتيب التعليمية العقيمة، فلم تقم لها وزنا في بداية الأمر. غير أنها استفاقت فجأة لتعرف بأن الشيخ مبارك قد دمر لها كل جهودها، وأحبط لها كل خططها، فأخذت في الكيد له والتحريض ضده. غير أن هذه الوسيلة المكشوفة والرخيصة لم تحقق هدفها، فما كان من الإدارة الإفرنسية إلا أن لجأت إلى ذات السلاح الذي استخدمته - في وقت واحد - ضد الشيخ ابن باديس، فدفعت من يعمل على اغتياله من قبل الطرقيين وذلك في سنة ١٩٢٦.

стр. 1329

غير أن تلاميذ الشيخ وأنصاره من الأغواطيين تصدوا للمجرم، وانتزعوا منه مسدسه، وكادوا يفتكون به. وعيل صبر السلطة الاستعماري في الأغواط فطلبت إلى مشايخ الطرق إرسال عرائض تطلب طرد الشيخ مبارك من الأغواط وإغلاق مدرسته. ومارست في الوقت ذاته ضغطا على موظفيها وأعوانها من الأغواطيين لمضايقة الشيخ وإزعاجه. وشعر الشيخ مبارك بالدائرة تضيق من حوله، والأنصار يبتعدون خائفين عنه. وعرف أنه بات من المحال عليه الاستمرار في أداء دوره والاضطلاع بواجبه، فحزم حقائبه، ورحل في سنة ١٣٥٠ هـ = ١٩٣١ م، عائدا إلى بلده (الميليه). بعد أن قضى ثمانية أعوام من عمره في الأغواط (١). كان الشيخ مبارك قد أرسل إلى الزيتونة بتونس مجموعة من أنجب طلابه سنة ١٣٤٧ هـ = ١٩٢٧ م ضمت: أحمد بن التهامي شطة، وأبو بكر بن بلقاسم، وأحمد بن بوزيد قصيبة، ومحمد الطيب الحفصي، ومحمد بن أدهينة بن الحاج عيسى، وعمر بن الساسي؛ وكلف أدهينة بن الحاج عيسى بمرافقتهم إلى تونس

стр. 1330

وتنظيم أمورهم، ومتابعة دراستهم والاهتمام بهم - كلما توافرت فرصة من أدهينة لزيارة تونس في أموره التجارية - وقد اضطلع هذا بواجبه على أكمل وجه، فلم يشعر الطلاب بأية معاناة أثناء تعلمهم. وبعد أن أكملوا دراستهم عادوا إلى الجزائر لمتابعة الجهد الذي بدأه شيخهم مبارك. فتكونت بذلك القاعدة الإسلامية الصلبة في الأغواط. حيث عمل الشيخ أحمد بن التهامي شطة والشيخ أبو بكر ابن بلقاسم الحاج عيسى ومعهما رجال الإصلاح على إنشاء مدرسة الشبيبة في سنة ١٩٤٥، وتم الانتهاء من إقامة هذه المدرسة وبنائها في سنة ١٣٦٦ و (١٩٤٧ م).وحضر حفل تدشينها الشيخ الإبراهيمي والشيخ إبراهيم بن عمر بيوض. وكانت إقامة هذه المدرسة تتويجا للجهود التي بذلها الشيخ مبارك في الأغواط. تابع الشيخ مبارك جهاده في كل الميادين التي اقتحمتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، غير أنه لم تتح له فرصة اقتطاف ثمار جهده، أو رؤية آثار عمله - شأنه في ذلك شأن أستاذه وشيخه عبد الحميد بن باديس، فمضى للقاء ربه يوم الجمعة ١٣٦٤ هـ = ٩ شباط (فبراير) ١٩٤٥، عن عمر يناهز (٤٨) عاما. تاركا وراءه لدنيا الجزائر أثرا لا يمحى (هو تاريخ الجزائر الحديث) ومخلفا من بعده أجيالا تسير على نهجه وتكمل أداء (الرسالة الخالدة) رسالة الإسلام والعروبة والجزائر.

стр. 1331

ج - الشيخ أحمد توفيق المدني ما من كتاب صدر عن الجزائر، أو تعرض للجزائر، خلال الفترة الممتدة من سنة ١٩٢٥ - ١٩٨٠ إلا وكان للشيخ أحمد توفيق المدني ذكره مقترنا بأفضل ما يطمح إليه الإنسان من الذكر الحسن والإشادة بأجمل الفضائل. وإذا دل ذلك على شيء فإنما يدل على الأثر العميق الذي تركه في حياة الجزائر الدينية والاجتماعية والسياسية خلال مراحل الجهاد الأفضل والصراع الأمثل. وقف الشيخ أحمد توفيق المدني، وإلى جانبه القائد فرحات عباس، في نيسان - إبريل - ١٩٥٦ ليعلن من القاهرة، تأييد جمعية العلماء للثورة، وانضمام مجاهديهم إليها وكان ذلك تحولا حاسما في حياة الثورة. لكن قصة الشيخ المدني لم تبدأ في هذه المرحلة، إن قصته مع الثورة قصة طويلة تعود إلى نعومة أظفاره، وأيامه الأولى مع الحياة، لقد خلق ليكون ثائرا. ويتحدث الشيخ أحمد توفيق المدني عن حياته، فيقول: (في إحدى الديار العربية التي يرجع عهد بنائها إلى العصر الحفصي الأخير بتونس، ولدت يوم ١ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٩٩ - الموافق ٢٤ جمادى الثانية سنة ١٣١٧ هجرية. سليل عائلتين من كرام المهاجرين المجاهدين الجزائريين. أما الأب فهو محمد بن أحمد بن محمد المدني مولدا، القبي الغرناطي، من السادة الأشراف. ولد بالحضرة الجزائرية، وتلقى علومه العربية بالجامع الكبير، وكانت به بقية من كبار علماء الجزائر. أما جده فقد كان أمين

стр. 1332

الأمناء، أي شيخ بلدية العاصمة الجزائرية. ثم اعتزم الهجرة مع والده إلى تونس عندما اشتد الاضطهاد الإفرنسي بمدينة الجزائر. واستقر حينا ببلاد الجرجرة الأبية. وكان ذلك سنة ١٨٧٠. ووقعت الثورة الكبرى التي تولى كبرها المجاهدان المقراني وابن الحداد، فشاركا فيها إلى أن انهارت. وتعارفا يومئذ مع جدي للأم - الصالح الشيخ عمر بويراز، الذي كان بدوره قاصدا مدينة تونس، مهاجرا مع أخيه عبد الرحمن، واشترك هو وأخوه في أعمال الثورة، ثم انتقل الجميع بعد ذلك إلى تونس في قافلة واحدة). ويتحدث الشيخ المدني عن طفولته: (هل كنت حقا صبيا؟ إنني لفي شك من ذلك مريب؟ لقد كانت الحياة في منزل فخم، جمع الأب والأم والابن، حياة ناعمة سعيدة، لا يؤرقني فيها إلا ما كنت أصغي إليه من حديث الأب والجد والخال عندما يزوروننا، ليتبادلوا أحاديث السمر، وليجتروا ذكر فظائع الاحتلال الإفرنسي، وذكر استحواذ الإفرنسيين على سلطة ونفوذ في البلاد التونسية - اعتبارا من سنة ١٨٨١ - ... وكنا قبل العشاء نحيط بجدي - عمر بويراز - ونتحلق حوله رجالا ونساء وصبيانا، فيلقى علينا كل ليل درسا في الدين والأخلاق، وسيرة النبي ﷺ ، ثم يعرج - كل يوم - على ذكر الاحتلال الإفرنسي بالجزائر ومآسيه وفظائعه ومذابحه وقذارته، إلى أن يستقر شعورنا، وإلى أن تسيل دموعنا، ويقول لنا كلمة لم نكن نفهمها يومئذ وفهمناها فيما بعد: (إن هذه الدموع هي خميرة المستقبل). ثم نصلي العشاء جماعة، وهو يؤمنا. ونتركه بعد ذلك لتهجده وأذكاره. ونسير جمعا إلى غرفة خالي - محمد بويراز. فيأخذ في الحديث الثائر المهيج

стр. 1333

الهادف، ويحتد في حديثه وهو يتعرض لحالة الإسلام والمسلمين. وعن اعتداء أعداء الإسلام على بلاد الإسلام، وأن ما سيأتي به المستقبل هو أدهى وأمر، نظرا لفراغ البلاد الإسلامية من الدعاة المرشدين. واشتغال كل مسلم بما يعنيه خاصة). بدأت حياة أحمد توفيق المدني بكتاب من كتاتيب العاصمة تونس، ولم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره. لينتقل في سنة ١٩٠٩ إلى المدرسة الأهلية القرآنية، ومنها إلى الجامع الأعظم (جامع الزيتونة) في سنة ١٩١٣. (والمدرسة الخلدونية - التي تعد تكميلية للدراسة الزيتونية). وأظهر خلال ذلك قدرة خطابية مثيرة، وكفاءة عالية في الكتابة دفعته إلى تحرير عدد من المقالات الوطنية والاجتماعية والسياسية، نشرها في صحيفة (الفاروق) التونسية - التي كانت تصدر أسبوعيا. (وكان ذلك في سنة ١٩١٤). وعندما انفجرت الحرب العالمية الأولى، كون خلية من رفاقه للتحريض على الثورة ضد فرنسا. فكان أن اعتقلته السلطات الإفرنسية في تونس يوم ١٤ شباط - فبراير - ١٩١٥ وألقت به في السجن حتى شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩١٨.وقد أفاد من فترة السجن لمتابعة تعليمه الديني ودراسة اللغة الإفرنسية حتى أتقنها. وعندما خرج من سجنه، كان إنسانا جديدا قد صلب عوده، وتكونت شخصيته، واتسع أفقه، رغم حداثة سنه. أدى هذا النضج المبكر، بالمجاهد الشاب أحمد توفيق المدني، إلى الالتقاء مع جيل رواد الجهاد، حيث تم له التعارف في تونس مع الشيخين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير

стр. 1334

أحمد توفيق المدني، في افتتاح معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة ١٩٤٧، وإلى جانبه الشيخ خير الدين.

стр. 1335

الإبراهيمي واللذين سيكون لهما أثر كبير في حياته. كما ساعده ذلك على التحرك السياسي مع الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي - مؤسس حزب الدستور التونسي - وذلك في سنة ١٩١٩. وفي ٢٩ أيار - مايو عقد الحزب مؤتمرا له - في منزل الشيخ حمودة المنستيري بالمرسى، وبرئاسة الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وتقرر انتخاب أحمد الصافي أمينا عاما للحزب وأحمد توفيق المدنى - أمينا عاما مساعدا للقلم العربي. وأعيد تنظيم الحزب، فكان أعضاء اللجنة التنفيذية يضمون ٢٧ رجلا. غير أن حزب الدستور لم يلبث أن انهار تحت ضربات الاستعمار الإفرنسي ومؤامراته. وتم إبعاد (أحمد توفيق المدني) إلى الجزائر يوم ٥ حزيران - يونيو - ١٩٢٥. حيث انفتحت له آفاق جديدة للجهد والجهاد. كان أول لقاء له مع شعب الجزائر في حفل الشبيبة الإسلامية بالجزائر في ليلة ٢٧ رمضان من سنة ١٩٢٥. ووصف هذه الليلة بأنها (من أسعد ومن أغرب ومن أثرى ليالي حياته) اندفع فيها بحماسته المعهودة وهو يلقي خطابه على حضور زاد عددهم على (٥٠٠) جزائري. وختم خطابه بقوله: (ليكن شعاركم في حياتكم أيها الأحرار الأبرار: الإسلام ديننا، العروبة لغتنا، الجزائر وطننا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وقد أشعره تجاوب الجمهور معه بضرورة العمل بحماسة أكبر. عمل بعد ذلك على تأسيس (نادي الترقي) ليكون قاعدة للعمل الديني والسياسي والاجتماعي وذلك في سنة ١٩٢٧. وفي هذا النادي ذاته تشكلت (جمعية العلماء المسلمين الجزائرين) سنة
следующие страницы →