← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ج - الشيخ أحمد توفيق المدني ما من كتاب صدر عن الجزائر، أو تعرض للجزائر، خلال الفترة الممتدة من سنة ١٩٢٥ - ١٩٨٠ إلا وكان للشيخ أحمد توفيق المدني ذكره مقترنا بأفضل ما يطمح إليه الإنسان من الذكر الحسن والإشادة بأجمل الفضائل. وإذا دل ذلك على شيء فإنما يدل على الأثر العميق الذي تركه في حياة الجزائر الدينية والاجتماعية والسياسية خلال مراحل الجهاد الأفضل والصراع الأمثل. وقف الشيخ أحمد توفيق المدني، وإلى جانبه القائد فرحات عباس، في نيسان - إبريل - ١٩٥٦ ليعلن من القاهرة، تأييد جمعية العلماء للثورة، وانضمام مجاهديهم إليها وكان ذلك تحولا حاسما في حياة الثورة. لكن قصة الشيخ المدني لم تبدأ في هذه المرحلة، إن قصته مع الثورة قصة طويلة تعود إلى نعومة أظفاره، وأيامه الأولى مع الحياة، لقد خلق ليكون ثائرا. ويتحدث الشيخ أحمد توفيق المدني عن حياته، فيقول: (في إحدى الديار العربية التي يرجع عهد بنائها إلى العصر الحفصي الأخير بتونس، ولدت يوم ١ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٩٩ - الموافق ٢٤ جمادى الثانية سنة ١٣١٧ هجرية. سليل عائلتين من كرام المهاجرين المجاهدين الجزائريين. أما الأب فهو محمد بن أحمد بن محمد المدني مولدا، القبي الغرناطي، من السادة الأشراف. ولد بالحضرة الجزائرية، وتلقى علومه العربية بالجامع الكبير، وكانت به بقية من كبار علماء الجزائر. أما جده فقد كان أمين

стр. 1332

الأمناء، أي شيخ بلدية العاصمة الجزائرية. ثم اعتزم الهجرة مع والده إلى تونس عندما اشتد الاضطهاد الإفرنسي بمدينة الجزائر. واستقر حينا ببلاد الجرجرة الأبية. وكان ذلك سنة ١٨٧٠. ووقعت الثورة الكبرى التي تولى كبرها المجاهدان المقراني وابن الحداد، فشاركا فيها إلى أن انهارت. وتعارفا يومئذ مع جدي للأم - الصالح الشيخ عمر بويراز، الذي كان بدوره قاصدا مدينة تونس، مهاجرا مع أخيه عبد الرحمن، واشترك هو وأخوه في أعمال الثورة، ثم انتقل الجميع بعد ذلك إلى تونس في قافلة واحدة). ويتحدث الشيخ المدني عن طفولته: (هل كنت حقا صبيا؟ إنني لفي شك من ذلك مريب؟ لقد كانت الحياة في منزل فخم، جمع الأب والأم والابن، حياة ناعمة سعيدة، لا يؤرقني فيها إلا ما كنت أصغي إليه من حديث الأب والجد والخال عندما يزوروننا، ليتبادلوا أحاديث السمر، وليجتروا ذكر فظائع الاحتلال الإفرنسي، وذكر استحواذ الإفرنسيين على سلطة ونفوذ في البلاد التونسية - اعتبارا من سنة ١٨٨١ - ... وكنا قبل العشاء نحيط بجدي - عمر بويراز - ونتحلق حوله رجالا ونساء وصبيانا، فيلقى علينا كل ليل درسا في الدين والأخلاق، وسيرة النبي ﷺ ، ثم يعرج - كل يوم - على ذكر الاحتلال الإفرنسي بالجزائر ومآسيه وفظائعه ومذابحه وقذارته، إلى أن يستقر شعورنا، وإلى أن تسيل دموعنا، ويقول لنا كلمة لم نكن نفهمها يومئذ وفهمناها فيما بعد: (إن هذه الدموع هي خميرة المستقبل). ثم نصلي العشاء جماعة، وهو يؤمنا. ونتركه بعد ذلك لتهجده وأذكاره. ونسير جمعا إلى غرفة خالي - محمد بويراز. فيأخذ في الحديث الثائر المهيج

стр. 1333

الهادف، ويحتد في حديثه وهو يتعرض لحالة الإسلام والمسلمين. وعن اعتداء أعداء الإسلام على بلاد الإسلام، وأن ما سيأتي به المستقبل هو أدهى وأمر، نظرا لفراغ البلاد الإسلامية من الدعاة المرشدين. واشتغال كل مسلم بما يعنيه خاصة). بدأت حياة أحمد توفيق المدني بكتاب من كتاتيب العاصمة تونس، ولم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره. لينتقل في سنة ١٩٠٩ إلى المدرسة الأهلية القرآنية، ومنها إلى الجامع الأعظم (جامع الزيتونة) في سنة ١٩١٣. (والمدرسة الخلدونية - التي تعد تكميلية للدراسة الزيتونية). وأظهر خلال ذلك قدرة خطابية مثيرة، وكفاءة عالية في الكتابة دفعته إلى تحرير عدد من المقالات الوطنية والاجتماعية والسياسية، نشرها في صحيفة (الفاروق) التونسية - التي كانت تصدر أسبوعيا. (وكان ذلك في سنة ١٩١٤). وعندما انفجرت الحرب العالمية الأولى، كون خلية من رفاقه للتحريض على الثورة ضد فرنسا. فكان أن اعتقلته السلطات الإفرنسية في تونس يوم ١٤ شباط - فبراير - ١٩١٥ وألقت به في السجن حتى شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩١٨.وقد أفاد من فترة السجن لمتابعة تعليمه الديني ودراسة اللغة الإفرنسية حتى أتقنها. وعندما خرج من سجنه، كان إنسانا جديدا قد صلب عوده، وتكونت شخصيته، واتسع أفقه، رغم حداثة سنه. أدى هذا النضج المبكر، بالمجاهد الشاب أحمد توفيق المدني، إلى الالتقاء مع جيل رواد الجهاد، حيث تم له التعارف في تونس مع الشيخين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير

стр. 1334

أحمد توفيق المدني، في افتتاح معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة ١٩٤٧، وإلى جانبه الشيخ خير الدين.

стр. 1335

الإبراهيمي واللذين سيكون لهما أثر كبير في حياته. كما ساعده ذلك على التحرك السياسي مع الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي - مؤسس حزب الدستور التونسي - وذلك في سنة ١٩١٩. وفي ٢٩ أيار - مايو عقد الحزب مؤتمرا له - في منزل الشيخ حمودة المنستيري بالمرسى، وبرئاسة الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وتقرر انتخاب أحمد الصافي أمينا عاما للحزب وأحمد توفيق المدنى - أمينا عاما مساعدا للقلم العربي. وأعيد تنظيم الحزب، فكان أعضاء اللجنة التنفيذية يضمون ٢٧ رجلا. غير أن حزب الدستور لم يلبث أن انهار تحت ضربات الاستعمار الإفرنسي ومؤامراته. وتم إبعاد (أحمد توفيق المدني) إلى الجزائر يوم ٥ حزيران - يونيو - ١٩٢٥. حيث انفتحت له آفاق جديدة للجهد والجهاد. كان أول لقاء له مع شعب الجزائر في حفل الشبيبة الإسلامية بالجزائر في ليلة ٢٧ رمضان من سنة ١٩٢٥. ووصف هذه الليلة بأنها (من أسعد ومن أغرب ومن أثرى ليالي حياته) اندفع فيها بحماسته المعهودة وهو يلقي خطابه على حضور زاد عددهم على (٥٠٠) جزائري. وختم خطابه بقوله: (ليكن شعاركم في حياتكم أيها الأحرار الأبرار: الإسلام ديننا، العروبة لغتنا، الجزائر وطننا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وقد أشعره تجاوب الجمهور معه بضرورة العمل بحماسة أكبر. عمل بعد ذلك على تأسيس (نادي الترقي) ليكون قاعدة للعمل الديني والسياسي والاجتماعي وذلك في سنة ١٩٢٧. وفي هذا النادي ذاته تشكلت (جمعية العلماء المسلمين الجزائرين) سنة

стр. 1336

١٩٣١. وكان لأحمد توفيق المدني دور هام في تشكيل هذه الجمعية وتنظيمها. كما كان في جملة نشاط نادي الترقي: ١ - تأسيس جمعية الفلاح. ٢ - جمع شمل وحدة النواب الجزائريين المسلمين. ٣ - تنظيم اجتماع مؤتمر طلاب شمال أفريقيا. ٤ - تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية الكبرى. ٥ - مقاومة سياسة التجنس والاندماج. ٦ - مساعدة الكفاح الفلسطيني. ٧ - محاولة تكوين البنك الإسلامي الجزائري. ٨ - مقاومة التبشير المسيحي. ٩ - تكوين جمعية الزكاة. وقد تعثرت هذه المشاريع في حين حقق بعضها نجاحا رائعا في تحقيق بعض أهدافها؛ غير أن مجرد استعراض (نوعية هذه المشاريع) هو أمر كاف لإبراز فضائل القدرة المحركة الكامنة وراءها. عرف عن الشيخ أحمد توفيق المدني أنه منظم رائع أكثر منه خطيبا في المحافل، وأنه خطيب مفوه أكثر منه شاعرا، وأنه شاعر أكثر منه كاتبا صحفيا، وكاتب صحفي أكثر منه باحثا ومؤلفا. وقد كانت هذه المواهب أو الكفاءات المتنوعة التي تحقق التكامل أكثر مما تسبب التنافر، هي أفضل سلاح للشيخ المدني في جهده الصادق وجهاده الميمون. فمضى يحارب على كل الجبهات، ويخوض الصراع في كل الميادين. وكانت الصحافة هي مجاله الأول وميدانه الأفضل نظرا لمعرفته بما كان للكلمة من أثر بالغ في استثارة الجماهير. وها هو نموذج عن مقالة له تحت عنوان (بين الموت والحياة)، وموقعة بلقبه (المنصور) (١)؛ جاء فيها هجوم حاد

стр. 1337

على سياسة الدمج و (التفرنس) وتضمنت ما يلي: (طريقان قد فتحا اليوم في وجه - الجزائر الفتاة - وعلى رأس كل من الفريقين جماعة ترغب الناس سلوك ذلك الطريق وتعدهم الوعود، وتمد لهم في الأماني. أما الطريق الأول: فهو طريق التجنس والتنازل عن القومية واللغة، ونبذ التاريخ والتقاليد، والدخول في جنسية جديدة هي جنسية العنصر الغالب، والاندماج فيها. وقبول ما يتبع ذلك التجنس والاندماج من أخلاق جديدة، ولغة جديدة وعقلية جديدة. ودعاة هذا الطريق يبثون دعوتهم بجد ونشاط، يكتبون ويخطبون ويحادثون وينشرون الصحف والمجلات باللغة الإفرنسية طبعا، ويريدون أن يؤثروا على الطبقات المتعلمة في المدارس الإفرنسية والمتشبعة بالأفكار الإفرنسية. وأما الطريق الثاني: فهو طريق المحافظة على الذاتية الجزائرية، أي المحافظة على دين البلاد وعلى لغتها، وعلى تقاليدها، وعلى مدنيتها الخاصة، وعلى توثيق الرابطة بين حاضرها وبين تاريخها المجيد. والأخذ من ثمرات المدنية الغربية بكل نافع مفيد، لا يمس العقيدة الدينية والوطنية، ولا يعتدي على كرامة البلاد، ولهذا الطريق أنصاره ودعاته حتى من بين طبقة الشبيبة المتعلمة في المدارس الإفرنسية، فأي الطريقين يجب أن تسلك الجزائر، وهي في فجر نهضتها الحديثة؟ ... لقد أخفقت سياسة التجنس والاندماج تماما، وأفلست كل الإفلاس. وهكذا يخيب ويفلس كل أمر مخالف لسنن الطبيعة وقوانين الاجتماع. فلم يتجنس المتجنس إذا، ويقدم على التضحية بدينه وقوميته؟ اللهم إلا إذا كان يرى دينه منحطا فيريد أن

стр. 1338

يتبرأ منه، ويرى لغته ساقطة فيريد أن يستبدل بها غيرها، ويرى أن أمته سافلة فيريد أن يعتز بأمة أخرى، ويرى تاريخه بشعا فيريد أن يقطع الصلة بينه وبينه. فهو يصبغ نفسه صباغا خشنا، ويحشر نفسه في زمرة قوم ليس منهم وليسوا منه. ويغدوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ومثل هذا الرجل قليل في الجزائر والحمد لله. المسألة الموضوعة أمامنا الآن، هي مسألة المحافظة على الإسلام وعلى العربية. وهذه المحافظة هي البرنامج الوحيد الذي يجب أن يكون برنامج الجزائر بأسرها في حاضرها ومستقبلها. وكأن الجزائر اليوم غير شاعرة بتلك الحقيقة الرهيبة القاسية التي نراها رأي العين أمامنا. كأنها ليست شاعرة بأن الإسلام في الجزائر سائر في طريق الموت. وكأنها ليست شاعرة بأن العربية في الجزائر سائرة نحو الاضمحلال. وكأنها ليست شاعرة بأنها إذا فقدت إسلامها وعروبتها فقدت كل شيء ولم تنل شيئا. وكيف نريد أن يحيا الإسلام وأن تحيا العروبة في الجزائر. إذا كان الشعب الجزائري لا يعمل العمل الجدي الصالح في سبيل تلك الحياة؟. تظنون أن الإسلام يستطيع أن يعيش إسلاما تقليديا على مر الدهور كما هو الآن عائش في أوساطنا؟ وإذا كنا لا ندرسه ولا نبث دروسه في كل الأوساط وفي مختلف الجهات، فماذا يبقى لنا منه بعد جيل آخر؟ والعربية، كيف تستطيع أن تعيش وأن تقاوم في سبيل الحياة، إذا نحن أهملنا دراستها إهمالا، ونبذنا أمرها ظهريا؟ وعلى من تريدون أن تعتمدوا لحفظ دينكم ولغتكم؟ أتعتمدون على الحكومة؟ ... إن كانت الأمة تريد لنفسها الحياة في ذاتيتها، فليس عليها إلا أن تقوم وحدها بكل الجهود، وتنتشل بأيديها

стр. 1339

أبناءها من هذه الحالة البائسة، وهذا هو وحده واجب الأمة اليوم. وهذا هو موقفها بين (الموت والحياة) .... فيا شعب الجزائر: عربيتك ودينك في حالة تلاش واضمحلال، وناشئتك في جهل وإهمال. وإن مستقبلك كأمة إسلامية هو بين يديك. فإن شئت عملا صالحا فهذا أوان العمل الصالح. ولا يكون العمل منتجا مثمرا إلا إذا كان رائده التضحية والاتحاد، ونبذ كل شقاق وخلاف، وعدم النظر إلا للواجب المفروض ... لسنا الآن في وقت يسمح لنا أن نتشاجر فيه وأن نختلف، بل نحن في وقت يوجب علينا أن نوحد الجهود. وأن نكون صفا واحدا يعمل بعزيمة لا تلين في سبيل الله والأمة والوطن). ويقرن (المدني) القول بالعمل، وهو ما تبرزه الحادثة الطريفة التي يعرضها - المدني ذاته - بقوله: (كنا في قاعدة - نادي الترقي - وعلينا كآبة وفي نفوسنا هم - بسبب الاستعدادت الإفرنسية للاحتفال بمناسبة مرور مائة سنة على احتلالها للجزائر - وإذا بالسيد محمد بلحاج مدير المدرسة الثعالبية الكبرى وأحد كبار الملحدين والمتفرنسين، يخبرنا بأنه قد ولد للسيد (ساطور) زعيم المتجنسين ولد بالأمس، فأطلق عليه اسم (كريستيان) أي (المسيحي) ونظر إلي نظرة شماتة، لأنه علم أن الأمر يؤلمني ويمعن في تعذيبي. قلت للناس من حولي؛ انظروا: هذه هي نتيجة التجنس بالجنسية الإفرنسية! وشاء ربك أنني رزقت بولد في نفس الليلة، هو مولودي الأول، فأطلقت عليه إسم (إسلام).

стр. 1340

وذهبت من الغد إلى النادي. واجتمع الناس، وكان بلحاج حاضرا، فوقفت وقلت: يا جماعة! بالأمس ولد لزعيم المتجنسين ولد دعاه (كريستيان) واليوم أبشركم بأنني رزقت ليلا بولد دعوته (إسلام). ففي هذين الاسمين منهاج سياستين: سياسة التجنيس تجعل أولادكم (كريستان) وسياسة الإسلام والعروبة والوطنية تجعل أولادكم (إسلام) فاختاروا، وأنتم الآن على بينة من الأمر. وصفق القوم طويلا. أما محمد بلحاج فقد اصفر لونه، وتلعثم لسانه، وقال بعد لأي: لقد جنيت على ولدك جناية لن يغتفرها لك إذ أطلقت عليه هذا الاسم. ونظرنا إليه جميعا نظرة احتقار وازدراء. وأقسم بالله إنني لم أعد منذ ذلك اليوم أسمع في النادي كلمة تجنس، ولا تجنيس. ماتت الفكرة إلى الأبد. ولم نر وجه محمد بلحاج بعدها إطلاقا) (١). ويمضي الشيخ مدني على درب الجهاد، بالكلمة والعمل، مركزا جهده باستمرار على قضية (الأصالة الذاتية للجزائر) وهي الأصالة المرتبطة أبدا بالإسلام والعروبة. ويحدث في سنة ١٩٣٤ أن دفعت الإدارة الإفرنسية بعض أذنابها للتقدم بطلبات أبرزها: (١ - إلغاء مساجد المسلمين. ٢ - إغلاق المدارس التي تعنى بتعليم القرآن الكريم. ٣ - تقييد حرية الصحافة في الجزائر، وتثور الجزائر من أقصاها إلى أقصاها. وينتصب الشيخ المدني عملاقا وهو يمتدح أصالة شعبه ويهاجم بعنف وجرأة الاستعمار وأذنابه. فيقول:

стр. 1341

(احتقروها واستصغروها، وتهاونوا بأمرها، وغرهم منها طول السكوت وطول الاستسلام، وخالوها ميتة فاستنسروا، وحسبوها جثة هامدة فتنمروا. وراموا الإجهاز على ما بقي فيها من بقية الحياة، بحسب ظنونهم، فتآمروا وقرروا ما قرروا، والله من ورائهم محيط. تحدوها امتهانا وصغارا، فإذا بها ترفع ذلك التحدي بأنفة وكبرياء. وقرروا فيما بينهم موتها، فإذا هي تقرر على رؤوس الملأ حياتها الخالدة. كذبت أمانيهم، وسفهت أحلامهم، وأرتهم رأي العين كيف تكون الأمم الناهضة وكيف تكون الشعوب المستيقظة، وكيف تتقدم في ميدان العمل السلمي المشروع أمة تتوثب للسعادة فأرادوا لها الشقاء، وتتطلع للحرية فصاغوا لها قيود الاستعباد. وتريد أن تتقدم مع المتقدمين، فأرادوا لها التقهقر مع الغابرين). وكم كانت أمة الجزائر الحية الحساسة بديعة في مظاهرها القوية الناطقة. وكم كانت جليلة رائعة. يوم نطقت فيها مئات آلاف من الألسنة والقلوب. في تلمسان، وفي قسنطينة، وفي بونه، وفي جيجل؛ وفي بسكره؛ وفي قالمة، وفي سوق أهراس، وفي عشرات من المدن والقرى، فكان نطقها رهيبا، وكان صوتها مدويا مسموعا، وكانت كلماتها الصادرة عن يقين وإيمان تسمع حتى الصم، وتنفذ حتى إلى القلوب الغلف التي هي كالحجارة أو أشد قسوة. كانت موجة الاستياء عظيمة لم تر البلاد مثلها فيما سلف. وبلغت القلوب الحناجر لما لحق بها من ألم وكمد. وكاد اليأس يستولي على الأنفس فيقودها حيث يقود اليأس

стр. 1342

عادة الأنفس المستاءة. لولا حكمة أصلية كبحت جماح النفس وألزمتها السكينة والهدوء ... وبلهجة ساخرة، مريرة، يقول الشيخ المدني: تمخضت أمة الجزائر مائة وأربعة من الأعوام فولدت ... حسن الدواجي قاضي تلمسان، وابن عبد الله نائبها المالي، وابن علي الشريف نائب مالي بلاد القبائل، وغرسي نائب مالي مليانة، وسي جلول خليفة الأرباع. وهم أبطال هذا العصر ومعجزة هذا المصر، أتوا بما لم يأت به الأوائل ولا الأواخر، واقترحوا على الإدارة الإفرنسية من المقترحات ما به تزول الكروب، وتنجلي الخطوب، وتنتهي الأزمة وينقذ الفلاح، وينتهي خطر المرابين، ويتعلم التسعة والسبعون بالمائة من أبناء الأمة الأميين، ويتبدل شقاء الجزائر سعادة، وفقرها غنى ومسرة، وروعها أمنا واطمئنانا، اقترحوا - ويا للعار والشنار - هذه المقترحات التي سولت لهم أنفسهم اقتراحها: أولا: تأييد غلق مساجد المسلمين التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، في وجه علماء المسلمين غير الرسميين، الذين يريدون أن يقوموا بما أوجبه عليهم ربهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والإرشاد. لم يكتف هؤلاء السادة بقرار عامل عمالة (ولاية) الجزائر، فهم يريدون تأييد ذلك القرار بقانون رسمي. ثانيا: القضاء النهائي على البقية التي سلمت إلى هذه الساعة من التعطيل، من المدارس القرآنية الحرة التي تلقن أبناء المسلمين كلام الله وآيات الذكر الحكيم، حيث لا يوجد ذلك في

стр. 1343

مدرسة أخرى. بدعوى أن تلك المدارس لا تخضع لقواعد الصحة، ولا تخضع للحكومة. وما كنا نعلم قبل هذا الاكتشاف الخطير أن في الجزائر مدارس لا تخضع للحكومة ولا لقوانينها. ثالثا: تقييد حرية الصحافة بالجزائر، لا الصحف العربية التي لا توجد في الدنيا بأسرها صحافة أضيق منها حرية، ضرورة أن يكون للوالي العام حق إغلاقها متى شاء، وكما أراد، بواسطة قرار يصدره بصقته نائبا عن وزير الداخلية - بل الصحف الإسلامية التي تصدر باللسان الإفرنسي والتي يديرها رجال يحملون الجنسية الإفرنسية. تلك الصحف التي تخضع للقانون العام، قانون الصحافة الشهير، الذي نسمع به نحن مجرد السماع فقط، قانون ١٨٨٢، تلك الصحافة، هي التي يريدون أن يقيدوها ويكمموها، حتى لا يبقى للمسلم الجزائري صوت يسمع وكلمة تقال. بدعوى أن هذه الصحف تعمل ضد نفوذ فرنسا بالبلاد. وهل نفوذ فرنسا بهذه البلاد مزعزع إلى الدرجة التي تخافون معها أن تقضي عليه الصحافة التي ليست هي بشيوعية ولا بثورية، إنما قصاراها أنها تقول كلمة حق. ... وتتعاظم قوة المقاومة في المغرب العربي - الإسلامي الخاضع لحكم فرنسا. وتفشل كل الوسائل القمعية والأساليب القهرية في إعادة العملاق الجزائري إلى قمقمه. وتشعر فرنسا بقوة الضرام الكامن خلف الرماد، وتتزايد مخاوفها مع اقتراب نذر الحرب العالمية الثانية. ويكتب الشيخ المدني في تشرين الأول - أكتوبر -

стр. 1344

١٩٣٧. ما يلي: (نعم! في الشمال الأفريقي هيجان، وفي الشمال الأفريقي اضطراب، وفي الشمال الأفريقي حركة تذمر واحتجاج عنيفة وبعيدة الغور. ولسنا نحن الذين ننكر ذلك أو نحاول التخفيف من حدته في نظر الحكومة. إنما نحن نسأل حكومة فرنسا وحكومة الجزائر، ونسأل كل عاقل مدرك في هذه الدنيا: هل يمكن أن يركن إلى جانب التهيج، وأن يستاء وينزعج، وأن يصل إلى درجة اليأس، شعب قانع بما لديه من سعادة، راتع في بحبوحة العيش الهنيء متمتع بإدارة حازمة تضع دواءها على موضع دائه ساعة أن يحس بوجوده، وحكومة عطوفة تسهر على صالحه، وتجيب في التو والحين رغباته، وتغدق عليه من ضروب الخير والنعم أصنافا وألوانا، وتمكنه من وسائل العلم النافع والعمل الصالح؟). ويعود الشيخ المدني في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٣٧، لمعالجة (مشكلة الجزائر) فيقول: (إن العصر عصر قوة لا عصر حق. فما دمنا نقدم الحق وندافع عنه بصفته حقا لا يعتمد إلا على النظريات والأقوال، فسوف لا نلاقي في نضالنا إلا الخيبة والفشل. علينا أن نكون أنفسنا تكوينا جديدا قويا. تكون قوتنا فيه مادية فعالة، قوة كفاح سلمي مشروع يعتمد على المال الوفير والرجال الأقوياء المتعاضدين. عندئذ، وعندئذ فقط، إن تكلمنا استمع الناس لمطالبنا، وإن اتجهنا نحو الحكومة عاملتنا كما تعامل الأقوياء، لا كما تعاملنا اليوم). لم يكن الشيخ المدني محصورا في دفاعه عن المسلمين

стр. 1345

بالحدود الجغرافية للجزائر المجاهدة، شأنه في ذلك شأن كل الشيوح في رابطة العلماء الجزائريين، وشأن معظم الذين تصدوا لقيادة الصراع ضد الاستعمار الإفرنسي. لقد أدرك الجميع أن معركة الجزائر هي جزء من الحملة الصليبية الشاملة ضد العالم الإسلامي - العربي - وعلى هذا لم يكن من الغريب أن يتصدى الشيخ المدني لمعالجة قضايا العالم الإسلامي، وأن ينقلها إلى صفحة الجزائر، بمثل ما ينقل صراع الجزائر إلى أفق العالم الإسلامي. وفي حديثه عن فلسطين، في تموز - يوليو - ١٩٣٧ جاء ما يلي: (كان آخر اختراع أنتجته المخيلة الاستعمارية الانكليزية هو تجزئة فلسطين إلى ثلاثة أقسام: قسم شرقي جبلي يقع ضمه إلى مملكة شرقي الأردن التي يتولى أمرها الأمير عبد الله، وقسم غربي يشمل سواحل فلسطين الشمالية وأخصب بلادها ويكون دولة يهودية مستقلة تمام الاستقلال لها حكومتها وإدارتها ودستورها. وأخيرا قسم ثالث يشتمل بيت المقدس ومراحل حيفا، ويبقى تحت الانتداب الإنكليزي بدعوى حماية الأرض المقدسة ومجرى نفط الموصل. ففلسطين التي اقتعطت أول مرة من بلاد الشام، ثم نكبت بالاستعمار الصهيوني، يريدون أن ينكبوها أخيرا بتقسيم جديد يمزق أوصالها، ويجعل فيها لليهود دولة رسمية ذات استقلال تام. ثم تبقى المدينة المقدمة تحت نير الوصاية إلى أن يقع تمهيدها للصهيونية فتزدردها. وقد أجمعت كلمة العرب في فلسطين على رفض هذا المشروع الخاسر، وأجمعت كلمة العرب في العالم أجمع على تأييد هذا الرفض الأبي لأنه لا يوجد من يجري في عروقه دم العروبة الحار، ويرض ى

стр. 1346

مثل هذه المذلة والمهانة - ويخلص إلى القول - إن قدر الله وضاعت فلسطين، فإنها والله لن تذهب ضحية الصهيونيين، بل هي تذهب ضحية المسلمين الجامدين، وضحسة سلوك المسلمين المتغافلين. فيا عامة المسلمين ويا خاصتهم، ويا ملوكهم وأمراءهم وقادتهم، هذه فلسطين الشهيدة ضائعة متلاشية فماذا أنتم فاعلون؟،. ... ويمضي الشيخ المدني في ممارسة دوره، ملتزما بما حدده لنفسه من منهج في الحياة - حرا خلقت وحرا أعيش وحرا أموت. ومن موقع الحرية هذا ينطلق للتبشير بثورة التحرير (١٩٥٤)؛ حتى إذا ما تفجرت، انطلق وإخوانه لدعمها بصورة سرية، حتى إذا ما اعتقل الشيخ التبسي في سنة ١٩٥٦ وضاقت آفاق العمل السياسي، انتقل برفقة عباس فرحات إلى القاهرة لمتابعة الصراع السياسي. وتنتصر الثورة، وتعود الجزائر لتحتضن أبناءها الذين ما عرفوا في يوم من الأيام إلا الحب لها والعمل في سبيلها. وينتقل الشيخ المدني من مجال العمل السياسي إلى مجال البنء. وتبقى الكلمة رائدة. فينطلق إلى عالم التأليف. وتصدر له مجموعة من الكتب (عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع) أهمها (حياة كفاح) في جزئين. والمأمول أن توافق الحكومة الجزائرية في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد - الرجل الثائر - على الإفراج عن الجزء الثالث من هذه المذكرات (١). هذا بالإضافة إلى ما سبق له نشره،

стр. 1347

بداية من تقويم المنصور ورواية وحرب الثلاثمائة سنة بين إسبانيا والجزائر وتاريخ الجزائر وإسهامه بتاريخ الجزائر الحديث (الذي وضعه الشيخ مبارك بن محمد الميلي). واليوم، وقد بلغ الشيخ المدني الثمانين من العمر - لا زال يتدفق نشاطا وحيوية وهو يدير (المركز الوطني للدراسات التاريخية - الجزائر) ولا زال يسهم بالبحوث الغزيرة في (مجلة التاريخ) الصادرة عن المركز الوطني للدراسات التاريخية، والتي يرأس تحريرها أيضا. ويضيق المجال عن ذكر ما قدمه هذا الشيخ المجاهد بحق لأمته الإسلامية وشعبه العربي ووطنه الجزائري: إنه سيف من سيوف الإسلام والعروبة والجزائر. د - الشيخ الطيب العقبي: إنه من مواليد الفترة الأخيرة من القرن الماضي - التاسع عشر - أمضى في (المدينة المنورة) المرحلة الأولى من شبابه - قبل الحرب العالمية الأولى، وعاصر الثورة العربية في سنة ١٩١٦، واتهم بالمساهمة فيها من قبل الأتراك، فنفي إلى تركيا، ثم رجع إلى (مكة المكرمة) ليدير جريدة (القبلة) و (المطبعة الأميرية) في حكم الحسين بن علي شريف مكة. ولم يلبث طويلا، حتى عاد إلى وطنه الجزائر، التي استقبلته، داعيا مصلحا وشاعرا وكاتبا

стр. 1348

وخطيبا. ولم يلبث أن أسس جريدة (الإصلاح) في بسكرة سنة ١٩٢٦، فكانت إحدى الصحف التي رفعت راية الريادة في إيقاظ النهضة الفكرية الإصلاحية، والتي قال عنها (الشيخ بشير الإبراهيمي) ما يلي: (ثم أسست جريدة (الإصلاح) ببسكرة، فكان اسمها أخف وقعا، وإن كانت مقالاتها أسد مرمى، وأشد لذعا. وأسماء الجرائد كأسماء الأناسي، يظن الناس أنها وليدة الاختيار المقتضب، والشعور الطافر، وغلطوا. إنما هي وليدة شعور متمكن، وتأثر نفساني عميق، تزجيه مؤثرات قارة). وعندما التقى العلماء في (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) سنة ١٩٣١، كان الطيب العقبي أحد مؤسسيها الرئيسيين، ومن أبرز أقطابها العاملين. ويتحدث عنه الشيخ المدني بقوله: وكانت فصاحته تخلب الألباب، ذو صوت جهوري يؤثر على الجماهير. كما كانت لسيرته الفاضلة وسلوكه الديني النقي دورهما في التأثير على الجماهير تأثيرا عظيما ... كان العقبي عظيما، مدهشا، يخلب الألباب بسحر لسانه وبديع بيانه. فالتفت العامة حوله التفافا رائعا وساندته مساندة قوية). وعندما توجه الوفد الوطني الجزائري إلى باريس سنة ١٩٣٦ برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس. كان (الشيخ العقبي) في جملة أعضاء الوفد. ويصف ابن باديس موقفا من مواقف العقبي في هذه الرحلة، فيقول: (فلما ترنحت السفينة على الأمواج، وهب النسيم العليل، هب العقبي الشاعر من رقدته، وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره، ويطربنا بنغمته الحجازية مرة، والنجدية أخرى، ويرتجل البيتين والثلاثة والأربعة في المناسبات، وهاج بالرجل شوقه إلى الحجاز،

стр. 1349

فلو ملك قيادة الباخرة، لما سار بها إلا إلى جدة دون تعريج على أي مرسى، وإن رجلا يحمل هذا الشوق كله إلى الحجاز، ثم يكبته، ويصبر على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها، لرجل ضحى في سبيل الجزائر تضحية أي تضحية). لقد عايش الشيخ العقبي حركة الإصلاح الديني التي انطلقت من الجزيرة العربية (الحركة الوهابية) ويظهر أنه تأثر بها إلى حد كبير. وعندما وصل الجزائر صدمته بدعة الطرقية وانحرافاتها، فانطلق في الهجوم عليها بعنف وقوة، مستخدما موهبته الشعرية (١)

стр. 1350

وبلاغته النثرية لفضح الطرق ومشايخها، ولإسقاط الهالة الدينية التي كانوا يتسترون بها. استمر الشيخ العقبي، عنيفا في هجومه، مقذعا في نقده، مما أثار شيوخ الطرق ضده. وكانت جمعية العلماء قد تبنت خطا معتدلا يرمي إلى جمع الشمل وإجراء الإصلاح من الداخل - بالحجة والإقناع واكتساب الوقت (وإقناع رجال الطرق بوجوب تطوير زواياهم حتى تصبح معاهد علم ونور وهداية - على نحو ما كان عليه أمرها عند ظهورها). وأدى تطرف العقبي في هجومه إلى أن انفكت العصبة، وانحلت الرابطة الأولى. وانسحب المرابطون من نادي الترقي ومن جمعية العلماء. ثم إن الشيخ العقبي ازدادت صلابته، حتى اصطدم برجال جمعية العلماء - مثل السيد عمر إسماعيل والعاصمي - واشتعلت نار حرب مؤلمة بين الجانبين. إلى أن جاء الاجتماع الثاني للعلماء فانسحب الطرقيون من الجمعية، ثم أسسوا جماعة (علماء السنة). وقعت بعد ذلك حادثة (مقتل مكحول) والتي سبقت الإشارة إليها (نهاية فقرة ٣ - مدافع الله) وخرج العقبي من السجن، وهو غير العقبي الذي دخله. فأخذ في الإيضاح للإدارة الإفرنسية حتى إذا ما انفجرت الثورة التحريرية الكبرى (سنة ١٩٥٤). وقف منها موقف المشكك بقدرتها على النجاح. وأصيب في أواخر أيامه بأمراض الشيخوخة، وتوفي سنة ١٩٥٦.

стр. 1351

هـ - الشيخ التبسي: هو العربي بن قاسم التبسي، من كبار علماء الإصلاح بالجزائر، عاش حياته مجاهدا (بتبسة) وقد سبقت الإشارة إلى بعض مواقفه في عرض سيرة (ابن باديس). وبقي في كل مواقفه ملتزما بمواقف (جمعية العلماء). مؤيدا لها، منفذا لمنهجها، وكان له فضل كبير في إيقاظ الوعي الإسلامي الصحيح. وقد يكون من المناسب اختصار كل صفحات جهاده المشابهة لكل صفحات إخوانه من أجل الوقوف على الصفحة الأخيرة منها: (في مساء يوم الخميس ٤ رمضان ١٣٧٦ هـ الموافق ٤ نيسان - أبريل - ١٩٥٧، وعند الساعة ١١ ليلا. اقتحم جماعة من الجند الإفرنسي التابعين لفرق المظلات، المتحكمين اليوم في الجزائر، سكنى فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ العربي بن قاسم التبسي، الرئيس الثاني لجمعية العلماء، والمباشر لتسيير شؤونها، وأكبر الشخصيات الدينية، بعد أن حطموا بعض نوافذ الأقسام المدرسية الموجودة تحت شقته (بحي بلكور) طريق التوت، وذلك شأنهم في اقتحام ديار المسلمين. لا يأتونها غالبا من أبوابها، وإنما من السطوح أو النوافذ، لتتم - حسب زعمهم - المفاجأة، أو ليشتد الإرهاب والنكال. ثم طرقوا باب الشقة، ففتحت لهم، وكانوا يرتدون اللباس الرسمي للجيش الإفرنسي، ومسلحين بأسلحتهم التي يحاربون بها الشعب، الجزائري والمدنيين المسلمين. وقد وجدوا فضيلة الشيخ في فراش المرض الملازم له. وقد اشتد عليه منذ أوائل شهر آذار - مارس - ١٩٥٧. وأخذت نوباته تتوالى عليه

стр. 1352

عنيفة عدة مرات في الأسبوع. فلم يرعوا حرمته الدينية، ولا سنه المتقدمة، ولا مرضه الشديد، وانتزعوها من فراش المرض بكل وحشية وفظاعة. ثم أخذوا في التفتيش الدقيق للسكنى والملفات والكتب والرسائل، بعد أن حجزوا عائلته، وفصلوه عن أبنائه وبناته. وانهالوا بالضرب على أكبرهم لما حاول مساعدة والده المريض، ثم أخرجوه حاسر الرأس، حافي القدمين غير متدثر بشيء من لباسه المفضل، وأرغموه على ارتداء سروال ولده - البنطال الإفرنجي - ومعطفه، وكلاهما لا يصلح لباسا له لصغره. وكان من المحقق لدى العائلة أنهم ذهبوا به للتحقيق معه، وإنما عومل هاته المعاملة لأنهم لم يشاؤوا أن يميزوه بشيء عن أفراد شعبه، زيادة في النكال والاستفزاز، وكان هذا شأنهم منذ التحصيل على التعويضات الخاصة في آذار - مارس - ١٩٥٦. وخصوصا منذ أن (حجزت) الجزائر إلى قائدي فرق المظلات (ماسو - و - بجارد). ولكن المفاجأة كانت عندما سئل عنه، من الغد والأيام التالية، في الإدارات الحكومية المدنية والعسكرية والشرطة والعدلية، فتبرأت كل إدارة من وجوده عندها أو من مسؤوليتها عن اعتقاله أو من العلم بمكانه. حتى وصل الأمر إلى الإدارة العليا بمقر الوزير المقيم والوالي العام، فتظاهرت بإنكار العلم، واستنكار (الفعل) ووعدت بالبحث. وقد بقيت المسألة كذلك إلى أن أرسل مراسل جريدة (لوموند) الباريسية بالجزائر، بخبر صغير، نشر في زاوية مهملة، يعلن فيه أن رجال المظلات، قد اعتقلوا الشيخ العربي التبسي، وهو عضو هام في جمعية العلماء، وأنه تحت أيديهم لأجل التحقيق والاستجواب. وكان

стр. 1353

ذلك بعد يومين من الاعتقال. وإذا بمؤسسة الصحافة الإفرنسية، وهي هيئة رسمية - تبادر بإذاعة بلاغ على العالم تزعم فيه أن الشيخ العربي التبسي قد اختطف من قبل مجهولين. ويظهر من هذا البلاغ المضلل - أنها محاولة لتبرئة فرنسا من القضية. وجمعية العلماء، تذيع على العالم أجمع أن الإدارة الإفرنسية، المدنية والعسكرية، مسؤولة مسؤولية كاملة في قضية فضيلة الشيخ العربي، وتخشى أن تكون قد اغتالته يد العدوان أو مات تحت التعذيب، ولم يمكنها أن تدعي أنه حاول الفرار، أو افتكاك السلاح من يد الجنود فقتل. كما لم يكن بمقدورها أن تدعي أنه انتحر، وهو مقيد اليدين والرجلين، بعد افتضاحها في قضية الشهداء: ابن مهيدي وبو منجل والعمران، فاخترعت هذه الدعوى لتبرر تنصلها من المسؤولية وعدوان أعوانها. وتلاحظ الجمعية أن فضيلة الشيخ العربي، كان في الزمن الأخير قبلة أنظارهم، ومحط آمالهم، لعلهم يجدون منه لينا أو تفهما يشجعهم على اتخاذه المفاوض الصالح للفت من عضد الثورة، وتشتيت شمل الشعب. فما وجدوا فيه إلا الصلابة والحزم والتضامن الكامل مع شعبه المجاهد وجيش التحرير المحارب وجبهة التحرير المناضلة. لقد زعم بعض المسؤولين، أن الشيخ ربما اختطف من قبل رجال الإرهاب المضاد ثم زعموا في بلاغ أنه اختطف من طرف مجهولين. ثم بدأت بعض التعليقات الصحافية تزعم أن الذين اختطفوه هم الإرهابيون (وهي الصفة التي كانت تطلقها الإدارة

стр. 1354

الاستعمارية على رجال جيش التحرير الوطني الجزائري). وإن جمعية العلماء تكذب كل تضليل في الموضوع، وتعلن للرأي العام الإفرنسي، وللرأي العام العالمي، أن الإدارة الإفرنسية المدنية والعسكرية هي التي اعتقلته، وأن رجالها الرسميين هم الذين أخذوه، وأنها تتحمل مسؤوليتها كاملة والأمة الجزائرية، تهيب بكل ضمير حي في العالم، وبكل الهيئات الدولية والمنظمات الإنسانية والمذاهب الدينية، أن يتدخلوا في الموضوع، وأن يسألوا الحكومة الإفرنسية، ويجبروها على فتح تحقيق محايد، لكشف النقاب عن هذه القضية) (١). وتلك كانت الصفحة الأخيرة في حياة الشيخ العربي بن قاسم التبسي.

стр. 1355

٥ - تيار الأصالة الثورية في الجزائر يظهر العرض السابق أن الجزائر عاشت حياة الثورة الكامنة أحيانا والثورة الدموية في أحيان أخرى منذ أن وطئت أقدام الغزاة الاستعماريين ثرى الجزائر الطهور. غير أن قوة القمع الوحشية وأساليب الحرب الصليبية (الحضارية) تمكنت من إسقاط عدد كبير من المواطنين الجزائريين في شباكها - ولو أن هذا العدد الكبير بقي بالنسبة لعدد مسلمي الجزائر قليلا ومحدودا - وقد استطاعت الإدارة الاستعمارية الإفادة من هذه المجموعة الساقطة من المجتمع الجزائري - في تكوين تيار لا هو فرنسي ولا هو إسلامي، وظيفته خدمة المخططات الاستعمارية الصليبية في الجزائر، دون التمتع بأي امتيازات. وكان لا بد من خلق تيار مضاد، وهنا ظهر دور (رابطة علماء المسلمين الجزائريين. في تنظيم هذا التيار الذي كان موجودا دونما ريب، غير أن هذه الرابطة استطاعت توحيد الجهد في تيار واحد، وفي ذلك ظهرت كفاءة القائد العظيم ابن باديس. وقد وصف الزعيم الجزائري - عباس فرحات - هذا التيار بقوله:

стр. 1356

(وكان الجزائريون المتخرجون من جامعة الزيتونة في تونس، والأزهر في القاهرة، يجعلون من نهضة الإسلام والقومية العربية الشروط الأولى للنهضة الجزائرية. وكان أنصارهم من جماهير الفلاحين يشكلون عددا ضخما. فقد كان الشعب الجزائري الذي أرهقه حكم بولسي، واستثمار عنصري، ينطوي على نفسه، ويتمسك بقوة بعقيدته الدينية وانتمائه القومي) (١). وكان لا بد لهذا التيار من أن يضم إليه بالضرورة كل أولئك الذين يلتقون معه فكريا وعقائديا، ممن يمثلون الطليعة الفكرية، سواء كان هؤلاء من رجال الصحافة أو من الشعراء أو من الأدباء. وكان لا بد لهذا التيار أيضا من أن يؤثر بقوته على كل التيارات الفرعية التي تمارس عملها بعيدا عن التنظيم، إذا صح التعبير، ويمثل الفئة الأولى الشاعر الجزائري الثائر - محمد العيد - والأستاذ أحمد رضا حوحو، في حين يمثل الفئة الثانية الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض - قائد النهضة الإسلامية في ميزاب، ومعه الصحافي (أبو اليقظان). هذه النماذج - وأمثالها مما يصعب حصره - هي التي عبرت عن تيار الأصالة الثورية، وإذا كان هذا التيار قد استطاع إبراز هذه النماذج ورفعها، فإنه كان ولا ريب تيارا عنيفا، قويا، جبارا، ضم جيوشا من الجنود المجهولين الذين مارسوا دورهم بتجرد وإنكار للذات لا يعرفه إلا أولئك المتصوفة. وشتان بين الصوفية السلبية الهروبية، وبين هذه الصوفية المخلصة الإيجابية. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن هذا التيار هو نسيج متصل، شأنه في ذلك

стр. 1357

شأن كل تيار تاريخي، يتفاعل في الأعماق ليرسل بظواهره كلما كانت هناك ضرورة للظهور. ولقد اقترن هذا التيار - عبر مسيرته الشاقة - بمجموعة من الروافد الفرعية والتي كانت بدورها أيضا من ظواهر الثورة العميقة والجانحة للتعبير عن وجود الجزائر الفتاة وما يتوافر لها من الحيوية، مثل (جمعيات الكشافة الجزائرية المسلمة) و (اتحاد الطلبة الجزائريين المسلمين) و (اتحاد الكتاب الجزائريين) وأخيرا (اتحاد العمال الجزائريين المسلمين) الذي انشق عن الحزب الشيوعي الإفرنسي في ظروف حرب التحرير. عند هذه النقطة تظهر أهمية الدور الرائد للشيخ عبد الحميد بن باديس ومدرسته الإسلامية التي مهدت السبيل بتضحياتها وجهودها أمام طريق الثورة، وفجرت الطاقات الكامنة في أعماق المجتمع الجزائري المسلم. أ - الشاعر محمد العيد قدمه المرحوم البشير الإبراهيمي، سنة ١٩٣٨ إلى حضور الاحتفال بختم - ابن باديس ﵀ لتفسير القرآن الكريم بالكلمة التالية: (ومن يعرف محمد العيد، ويعرف إيمانه وتقواه وتدينه وتخلقه بالفضائل الإسلامية، يعرف أن روح الصدق المتفشية في شعره، إنما هي من آثار صدق الإيمان، وصحة التخلق. ويعلم أن من هذه الناحية بدع في الشعراء). وكان الشيخ الإبراهيمي قد ذكر قبل ذلك في سنة ١٩٣٧ ما يلي: (إذا كان في النهضة الأدبية العلمية بالجزائر نواحي نقص فمنها أن يبقى شعر

стр. 1358

محمد العيد غير مجموع ولا مطبوع) (١). أما محمد العيد، فقد قال - في سنة ١٩٦٥ - معبرا عن أمنياته: (لي أمنيتان في هذه الدنيا، ومرحبا بعدهما بغفوة القبر. أن أحج إلى بيت الله الحرام. وأرى ديواني مطبوعا بين أيدي القراء). وفيه كتب الأمير شكيب أرسلان - من جنيف سنة ١٩٣٧ ما يلي: (كلما قرأت شعرا لمحمد العيد الجزائري، تأخذني هزة طرب، تملك علي جميع مشاعري وأقول: إن كان في هذا العصر شاعر يصح أن يمثل البهاء زهيرا في سلاسة نظمه، وخفة روحه، ورقة شعوره، وجودة سبكه، واستحكام قوافيه، التي يعرفها القارىء قبل أن يصل إليها، وأن التكلف لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه - يكون محمد العيد، الذي أقرأ له القصيدة المرتين والثلاث ولا أمل. وتمضي الأيام وعذوبتها في فمي. كان يظن أن القطر الجزائري تأخر من إخوته سائر الأقطار العربية في ميدان الأدب، ولا سيما في الشعر، ولعله الآن سيعوض الفرق، بل يسبق غيره بمحمد العيد). ذلك هو تعريف وجيز بالشاعر المجاهد الذي عانى من الحياة قسوتها وشظف عيشها، وعمل مدرسا في معهد (ابن باديس)

стр. 1359

وهدفه تنشئة جيل مؤمن صلب - كما قال هو ذاته عندما أنحى عليه أصدقاؤه وإخوانه باللائمة لاختياره لهذا العمل الشاق، عمل التدريس (١) ومضى يضرب في الحياة مستنفرا الهمم، مثيرا للمشاعر، مؤيدا للإصلاح الذي قاده ابن باديس واضطلعت به جمعية العلماء. مغتنما كل مناسبة للإشادة بالمسؤولين عن هذه الحركة المباركة. وهو الإنسان الجزائري المسلم، الذي سحقته قبضة الاستعمار بكل وحشيتها، لا يتناسى آلام قومه أو يتجاهلها، فينطق شعرا مثيرا يعرض فيه بأولئك المتخمين الذين أنستهم الدنيا مشاركة الفقراء في بؤسهم وشقائهم، وهو لا يفتأ في الإفادة من كل مناسبة للتعريض بالاستعمار الإفرنسي سبب كل البلاء وأس كل الشقاء الذي عاشه الشعب الجزائري المسلم على امتداد ليل الاستعمار. وهو على الرغم من الظلام الدامس الذي ميز ذلك الليل، وعلى الرغم أيضا من الظروف الصعبة التي عاشها، لم ينقطع أبدا عن فتح نافذة الأمل أمام شعبه، مبشرا أبدا بحتمية الثورة وحتمية انتصار الجزائر المجاهدة وشعبها البطل. وكان مصدر تفاؤله هو إيمانه العميق بأصالة أمته التي عبرت عنها (جمعية العلماء الجزائريين المسلمين) التي اتخذت شعارها (الإسلام - العروبة - الجزائر).

стр. 1360

ب - أحمد رضا حوحو (على أثر إعدام المفوض الاستعماري (سانمار سيللي) في قسنطينة من قبل مجاهدي المقاومة السرية يوم ٢٩ آذار - مارس - ١٩٥٦ قامت القوات الإفرنسية بحملة إرهابية عنيفة، اعتقلت خلالها وجهاء مدينة قسنطينة، ومن بينهم الأديب (أحمد رضا حوحو). وقد سيق هؤلاء الوجهاء إلى سجن (الكدية) ولكن المدير المسؤول عن السجن رفض استقبالهم بحجة أنه لا يوجد متسع لأي شخص في السجن. فقادهم الجنود إلى (الحزوب) على بعد ستة عشر كيلومترا من مدينة قسنطينة، وفي الطريق أطلق الحرس عليهم النار من الخلف، وصرعوهم) (١) تلك بإيجاز الخاتمة المأساة لمجاهد طالما عرفه رواد معهد ابن باديس وطلبته، وأنسوا فيه خلقه القويم، وجرأته في مقارعة الاستعمار. ولد أحمد رضا حوحو ببلدة (سيدي عقبة) إحدى ضواحي مدينة (بسكرة) الجميلة بواديها الذي يخترقها حاملا فوق كل ضفة من ضفافه غابات النخيل الخضراء المتناسقة. ثم انتقل إلى مدينة (سكيكدة) على الساحل الجزائري ليواصل تعلمه الثانوي، ومنها ارتحل إلى المدينة المنورة سنة ١٩٣٧، ليعود بعدها إلى قاعدته في معهد (ابن باديس) وليعمل كاتبا عاما للمعهد في الفترة التي كانت تمارس فيها الإدارة الإفرنسية كل وسائل الضغط والطغيان

стр. 1361

لإعاقة هذا المعهد عن ممارسة دوره. غير أن أحمد رضا حوحو، صمد للضغوط واستمر في أداء دوره، مسخرا أفضل صفتين عرف بهما: (الصمود والعمل المتواصل). اختار (أحمد رضا حوحو) الكلمة سلاحا له، وكانت القصة القصيرة هي مجال هذه الكلمة، فأخرجت له مطبعة التليلي بتونس في أول سنة ١٩٤٧ قصته (غادة أم القرى) ثم ظهر له (مع حمار الحكيم) وقبل وفاته بأشهر فقط، صدرت له مجموعة قصص قصيرة في كتاب البعث، عدد شهر كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٥. ومجموعة قصص حوحو هي (نماذج بشرية) قدم لها بقوله: , (لو لم تكن هذه الطباع متباينة بعض التباين، تتمتع بشيء من الحرية لخلا المجتمع من هذه النماذج النادرة الطريفة، ولما وجدنا هذه الضحية من ضحايا المجتمع تكسر قيود بيئتها، وتتخذ من الوطنية دينا يهديها سواء السبيل. ولما تعرفنا على هذا الفقيه الطاعن في السن الذي يتخذ من شرع الله حانوتا لبيع الجرائم. ولما كانت هذه النماذج البشرية التي نقدمها للقراء). كان (أحمد رضا حوحو) يختار أبطال قصصه من واقع مجتمعه، فيجيد تصويرهم بخيال الشاعر وريشة الفنان ليسقط القناع عن الرذائل، وليعمل على إبراز الفضائل، وهدفه الثابت هر تنقية المجتمع الإسلامي العربي من شوائبه، وتطهيره من انحرافاته، حتى لا تكون هناك ثغرة يتسلل منها أعداء الدين والوطن.

стр. 1362

ج - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتجربته التربوية الرائدة في ميزاب تبقى هناك تجربة تربوية رائدة عرفتها الجزائر المجاهدة فيما حمل اسم (معهد الشباب) الذي أسس سنة ١٣٣٣ هـ = ١٩١٤ والذي تحول سنة ١٣٧٥ هـ = ١٩٥٤ م إلى ما أصبح يعرف باسم (معهد الحياة) نسبة إلى جمعية الحياة الخيرية التي تقوم به. وكانت (القرارة) الواقعة في شرق (ميزاب) بجنوب الجزائر هي مسرح هذه التجربة التربوية التي ارتبطت بحق باسم الشيخ المصلح (إبراهيم بن عمر بيوض). وتكمن أهمية التجربة التربوية الرائدة (لمعهد الحياة) بمجموعة النقاط التالية: أولا: ربط المدرسة التعليمية بالحياة ربطا وثيقا: (تبتدىء الدراسة في المعهد، في الثامنة صباحا وتنتهي في الثانية عشرة زوالا، فينصرف الطلبة إلى دورهم، ومعظمهم يذهبون بعد الغداء إلى بساتينهم وحقولهم للعمل فيها نحو ساعتين في كل يوم. وهذا العمل هو أحسن رياضة للجسم يعول عليها المعهد في ما يجب عليه في التربية الجسمية، إنه يحث التلاميذ على النشاط والعمل في البستان خارج أوقات المعهد. أما في الصيف، فإن دروس الوعظ العمومي، ودروس دار التلاميذ، تتم في فترة بين العصرين، حيث يذهب الطلبة والتلاميذ إلى بساتينهم وحقولهم في الصباح - بعد صلاة الفجر - فيقضون فيها ساعات عديدة، إلى السابعة فيرجعون. وفي البستان، يقوم الطلبة بأعمال تربي خلقهم وعقولهم وأجسامهم، فيتسلقون النخل الطويل للتأبير أو الفرق

стр. 1363

وتنضيد العراجين، أو للصرم، ويحرثون الأرض بالفؤوس الكبيرة، وينزحون الماء من الآبار العميقة، ويقومون بكل الأعمال الفلاحية الصعبة، فينهمر العرق من التلاميذ، وذلك العرق هو الذي يغسلهم من الفسولة، ويبعد عنهم الرخاوة والأمراض، ويورثهم أخلاقا عظيمة لا تكون إلا بالعمل في البساتين والحقول! إنه أحسن في التربية من لعب الكرة وغيرها من كل الألعاب التي يأتيها المترفون الفارغون. إن ذهاب الطلبة إلى العمل في البساتين والحقول، من وحي المعهد وتوجيهه، ومن أمر الوالدين وحثهم، لينشأ ابنهم على حب العمل، وعلى النشاط والحزم والشجاعة، وعلى القوة في جسمه، وعلى الفراهة والنضارة في كل نواحيه) (١). ثانيا: تنمية الفضائل، من خلال الالتزام بشعار المعهد الذي وضعه له الشيخ بيوض (الخلق قبل العلم، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد). وكذلك: (إن الغاية التي يجب أن يجعلها المتعلم نصب عينيه هي: طلب رضى الله ، وشرف العلم نفسه، وتثقيف العقل، وتربية النفس تربية صحية، وإعدادها لتحمل عبء الإصلاح الديني والوطني). (إن الأنانية هي أم كل الشرور، إنها سبب الحسد والعصبية، والعداوة الشديدة بين الأمم والأفراد، وكل الويلات التي تفتك بالمسلمين. لذلك يحاربها المعهد بكل وسائله، وتحاربها الهيئة التدريسية بكل طاقاتها وتطهر النفوس منها، وتملؤها بحب

стр. 1364

التضحية والغيرة على المصلحة العامة، وبكل الأخلاق الاجتماعية الأخرى: كحسن العشرة والأمانة والسخاء وغيرها. ويتم الاعتماد في ذلك على شيئين: البيئة والأساليب التربوية العملية التي تغرس في التلميذ الفضائل الاجتماعية. إن البيئة في (ميزاب) و (القراره) و (المعهد) كلها تغرس فيه التضحية والاهتمام بالمصلحة العامة. إن وادي ميزاب هو وطن (العمل لله) فمرافقه العامة كالمدارس والمساجد والنوادي ودور العشائر وغيرها، كلها من بناء المحسنين الذين يبتغون رضوان الله وحسن ثوابه، وهم الذين يقدمون كل ما يحتاجه دار المعهد الكبير من أثاث كأسرة النوم وأدوات الطبخ وغيرها. إن جدران المعهد تنطق بهذه الحقيقة، وتأمر بهذه الصفة وتغرس في التلميذ هذه المنقبة العظمى. إن التلميذ يرى العمل لله في أغلب الأشياء التي تكتنفه في دار المعهد. ويرى التضحية والعمل لله في مدير المعهد وأساتذته، إنهم كلهم يعملون لله، وإذا أخذوا شيئا زهيدا من الجمعية، فإنه لا يعد أجرة، إن هو إلا كالجائزة التي تعطى رمزا للتلميذ. إن ما يمسكهم في ثغورهم إنما هو خلق التضحيه والعمل لله، والشعور بالواجب. فلولا هذه الفضائل ما ثبتوا يوما واحدا في ثغورهم. ومع البيئة التي تعتمد عليها البعثة في التربية الاجتماعية تمرين الطالب على خدمة الجماعة، وتعويده القيام بشؤون غيره. وذلك بتكليفه ببا يستطيع القيام به من شؤون المعهد. فيكون له عملا مستمرا يلزمه القيام به). ثالثا: تحمل المسؤولية - الإدارة الذاتية: يجتمع مدير المعهد

стр. 1365

مع كبار الطلبة البارزين في مطلع كل عام دراسي فينظرون في قانون المعهد، فيزيدون فيه أو ينقصون، إنهم يحسنونه دائما، ويراعون فيه حاجات الطلاب وأحوالهم، ثم يوزعون الأعمال. وهذه الأعمال إما فردية أو جماعية. فيعينون للجماعية من يليق لها، وللفردية من يستطيع القيام بها. ويكتبون كل ذلك على لوحة - يعلقونها في الدار. فتسارع كل جماعة إلى عملها، ويبادر كل فرد إلى واجبه. فيقومون بها في جد ورغبة وإتقان، وهم يهزجون بأناشيدهم الدينية - الشجية والمثيرة للحماسة وحب العمل-. إنهم يخدمون إخوانهم الذين يحسون أنهم أقرب إلى نفوسهم من إخوتهم - الأشقاء. ويردون لزملائهم بعض اليد، إنهم كلهم يعملون. والأعمال في المعهد كثيرة، ومن الصعب حصرها، ومنها أعمال تتصل بالطبخ، وأخرى بنظافة الدار، وأعمال أدبية ومادية تتصل بالتلاميذ، ومنها: تقوية الضعفاء بدروس خاصة في الدار، ورئاسة الجمعيات وهي للخطابة والكتابة وإدارة خزائن الكتب العامة في الدار وتنظيم إعارة الكتب للتلاميذ واستردادها. وحث الطلبة على القراءة المفيدة. وتعليم الصلاة للمراهقين ومراقبتهم ليصلوا بالطهارة والوضوء، ويتقنوا صلاتهم ويؤدوها في المسجد مع الجماعة. رابعا: إعداد الطلاب للاعتماد على أنفسهم في العلم والتعلم. حيث يعمل (معهد الحياة) على غرس الاعتماد على النفس في التحصيل لدى التلميذ، ودفعه إلى تنمية مواهبه العقلية. ومن أجل ذلك: (يعمل التلاميذ على مطالعة دروسهم وإعدادها قبل تقريرها. وتتم هذه المطالعة بصورة فردية وجماعية، حيث يطالع

стр. 1366

فريق من الطلبة يقطعون بفؤوسهم خشبة النخلة بعد إسقاطها. فريق من طلبة البعثة ينقون التمر قبل شحنه في الخابية.

стр. 1367

كل تلميذ درسه وحده، فيعمل عقله كل الأعمال ويحاول فهمه بنفسه، فيتعب في ذلك، ثم يجلس إلى جماعته في مطالعة الدرس، وهم من طبقته، وعلى مستواه في الذكاء، فيناقشون الدرس الجديد المقبل، ويحاولون فهمه بأنفسهم، وقد يتعبون في ذلك أشد التعب، ولكن عقولهم تتطور، وفهمهم يقوى على مر الأيام. وتتكامل ثقتهم بأنفسهم فتدفعهم إلى العمل، وتبعثهم على الطموح. ويراجع طلبة المعهد قبل مطالعة الدرس المقبل، الدرس الماضي، فيستعينون بالقديم على فهم الجديد. ويربطون الجديد بالقديم فيرسخ. وتتم المناقشة في مطالعة الدروس بالعربية الفصحى. فيدربون عقولهم على الفهم، وألسنتهم على الفصاحة. وقد تعلم كثير من التلاميذ فصاحة اللسان في المناظرة التي كانت تحتدم في مطالعة الدروس الجديدة. ومن لا يطالع درسه من الطلبة قبل تقريره، توقع عليه العقوبة بأن يوبخه الأستاذ، ويجلسه وراء حلقة الدرس. وهذا عقاب يشق على التلاميذ أكثر من العصا. وقد يطرد من الدرس فلا يحضره، وتلك عقوبة أشد وقعا وأكثر إيلاما. خامسا: تنوع الأنشطة (النشاط) مثل: إنشاء الفرق التمثيلية، وتحرير المجلات الأدبية والعلمية وتنظيم الرحلات الكشفية (جمعية كشافة الجنوب). وإقامة المخيمات، وإحياء حفلات السمر. ففي مجال التمثيل، تختار الجمعية الروايات التاريخية والاجتماعية، ذات الصلة الوثيقة بالمجتمع الجزائري فتبين أمراضه وعلاجها والدواء الشافي لها. مثل رواية (بلال بن رباح) للشيخ محمد العيد و (شبح القصر) له أيضا. ورواية (الشيخ

стр. 1368

الحاج عمر بن يحيى) التي ألفها محمد علي دبوز في زعيم النهضة، فبين أدواره وأنواع جهاده، وحال النهضة في أيامه. والجماهير في (وادي ميزاب) مغرمة بالتمثيل، سيما الروايات الاجتماعية والتاريخية المعنية. ويتخلل الاحتفال - الذي يبدأ بتلاوة القرآن الكريم وبه يختتم - أناشيد مطربة حلوة، معظمها من إنشاء طلبة المعهد، يختارون لها ألحانا موافقة من أغاني المطربين الكبار، وقد يضعون هم الألحان الجميلة القوية. فيضعون عليها أناشيد إسلامية وطنية بالعربية الفصحى، فتعرض على لجنة خاصة في المعهد، فإذا ارتضتها وارتضت ألحانها قدمتها للمنشدين الذين يرصعونها بأناشيدهم المطربة التي يسحر بها الجمهور. وفي مجال الكتابة والتحرير، أصدر المعهد منذ سنة ١٣٥٨ هـ = ١٩٣٩ م مجلة أطلق عليها اسم (مجلة الشباب). فكانت هذه المجلة من أكبر الأسباب في تقدم المعهد وتطوره، ومن أقوى الوسائل التربوية التي تكونت فيه، رقت عقول الطلبة بالمقالات والقصائد والقصص الذي يكتبونها. وأذكت فيهم حب الأدب، وخلقت في نفوسهم حب الجمال، وبعثهم حب الفصاحة والبلاغة على القراءة الكثيرة والمفيدة، فاكتسبوا عادة الفصاحة والبلاغة، فنبغ في المعهد جماعة من الكتاب والشعراء، فخرجوا من نطاق مجلة الشباب الضيق إلى رحاب الصحافة الجزائرية الواسع وغيره. ومن هؤلاء: الشيخ عدون بن بالحاج والمرحوم الأديب حمو بن عمر لقمان، وعلي امعمر، وأحمد بن عمر، والأخضر السائحي الكبير - وإبراهيم بن يحيى الحاج أيوب، وحمو بن عمر

стр. 1369

فخار، وصالح الخرفي وسواهم كثير (١). وفي مجال العمل الكشفي، عملت الجمعية الرياضية على تنظيم الحركة الكشفية في سنة ١٣٦٥ هـ = ١٩٤٦ م. وكان مركزها (القرارة) وكانت هذه الحركة، تعنى قبل كل شيء بالتربية الدينية: (إن الدين هو الأساس القوي الراسخ للشخصية القوية في كل نواحيها، الناجحة في كل أمورها. فهي تراقب ملوك أعضائها مراقبة دقيقة ليكون كما يأمر الدين، وتحيط أعضاءها في مخيماتهم بجو ديني قوي. فالصلوات الخمس يؤديها الأعضاء في أوقاتها، بالطهارة الكاملة، والوضوء، والأذان، وفي الجماعة. إذا نصبوا مخيمهم فأول مكان يختارونه ويحتفلون به هو المصلى. فيمهدونه ويعدونه أحسن إعداد. وينتخبون من بينهم

стр. 1370

مؤذنا وإماما. فيؤذن المؤذن في الأوقات. فيسارع كل الأعضاء إلى ارتداء ثياب الصلاة البيضاء السابقة، وصعدون لها بالوضوء الكامل والخشوع الواجب. وبين العشاءين، يجلس الأعضاء كلهم حلقة واسعة فيقرءون جميعا في ترتيل خاشع قوي ما تيسر من القرآن الكريم وكذلك بعد صلاة الصبح). وتعلم الكشافة لأفرادها: تسلق النخيل، والسباحة في الأحواض، والسباحة في الأبار، وأعمال الفلاحة الصعبة. ويخرج الكشافة في كل ربيع إلى - إلى صحراء - سيما في القرارة - فينصبون خيامهم فيها لمدة أسبوعين. ويدرسون الناحية التي يخيمون فيها، ويضعون لها الخرائط، ويكتبون عنها المقالات. ويتصلون بالأعراب في خيامهم، فيدرسون أحوالهم. ولما جاء الاستقلال، وتوحدت الجمعيات الكشفية في الجزائر، دخلت كشافة الجنوب في (الكشافة الإسلامية الجزائرية). فصارت فرعا منها، وانقسمت إلى أفواج: فوج الحياة (في القرارة) وفوج الإصلاح (في غرداية) وفوج النهضة (في العطف) وفوج الفتح (في بريان) وتقيم هذه الأفواج مخيما عاما في كل سنة في عطلة الصيف، وتتم إقامة هذا المخيم في الشمال، لأن طقسه في الصيف أنسب، ومعرفة الشمال والتعرف إلى أهله، مما يجب على كل مثقف في الجنوب معرفته. ويدوم هذا المخيم شهرا، يدرس المشتركون فيه الناحية جغرافيا وتاريخا واقتصاديا. ويرسمون ما يروق لهم من المناظر الطبيعية أو الآثار التاريخية. ويكتبون عنها المقالات المفيدة. ويتصلون بسكانها، ويقيمون لهم الحفلات فيسمعون أناشيدهم، ويعرضون رواياتهم (مثل رواية صلاح الدين الأيوبي) ويخرج
следующие страницы →