← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فريق من الطلبة يقطعون بفؤوسهم خشبة النخلة بعد إسقاطها. فريق من طلبة البعثة ينقون التمر قبل شحنه في الخابية.

стр. 1367

كل تلميذ درسه وحده، فيعمل عقله كل الأعمال ويحاول فهمه بنفسه، فيتعب في ذلك، ثم يجلس إلى جماعته في مطالعة الدرس، وهم من طبقته، وعلى مستواه في الذكاء، فيناقشون الدرس الجديد المقبل، ويحاولون فهمه بأنفسهم، وقد يتعبون في ذلك أشد التعب، ولكن عقولهم تتطور، وفهمهم يقوى على مر الأيام. وتتكامل ثقتهم بأنفسهم فتدفعهم إلى العمل، وتبعثهم على الطموح. ويراجع طلبة المعهد قبل مطالعة الدرس المقبل، الدرس الماضي، فيستعينون بالقديم على فهم الجديد. ويربطون الجديد بالقديم فيرسخ. وتتم المناقشة في مطالعة الدروس بالعربية الفصحى. فيدربون عقولهم على الفهم، وألسنتهم على الفصاحة. وقد تعلم كثير من التلاميذ فصاحة اللسان في المناظرة التي كانت تحتدم في مطالعة الدروس الجديدة. ومن لا يطالع درسه من الطلبة قبل تقريره، توقع عليه العقوبة بأن يوبخه الأستاذ، ويجلسه وراء حلقة الدرس. وهذا عقاب يشق على التلاميذ أكثر من العصا. وقد يطرد من الدرس فلا يحضره، وتلك عقوبة أشد وقعا وأكثر إيلاما. خامسا: تنوع الأنشطة (النشاط) مثل: إنشاء الفرق التمثيلية، وتحرير المجلات الأدبية والعلمية وتنظيم الرحلات الكشفية (جمعية كشافة الجنوب). وإقامة المخيمات، وإحياء حفلات السمر. ففي مجال التمثيل، تختار الجمعية الروايات التاريخية والاجتماعية، ذات الصلة الوثيقة بالمجتمع الجزائري فتبين أمراضه وعلاجها والدواء الشافي لها. مثل رواية (بلال بن رباح) للشيخ محمد العيد و (شبح القصر) له أيضا. ورواية (الشيخ

стр. 1368

الحاج عمر بن يحيى) التي ألفها محمد علي دبوز في زعيم النهضة، فبين أدواره وأنواع جهاده، وحال النهضة في أيامه. والجماهير في (وادي ميزاب) مغرمة بالتمثيل، سيما الروايات الاجتماعية والتاريخية المعنية. ويتخلل الاحتفال - الذي يبدأ بتلاوة القرآن الكريم وبه يختتم - أناشيد مطربة حلوة، معظمها من إنشاء طلبة المعهد، يختارون لها ألحانا موافقة من أغاني المطربين الكبار، وقد يضعون هم الألحان الجميلة القوية. فيضعون عليها أناشيد إسلامية وطنية بالعربية الفصحى، فتعرض على لجنة خاصة في المعهد، فإذا ارتضتها وارتضت ألحانها قدمتها للمنشدين الذين يرصعونها بأناشيدهم المطربة التي يسحر بها الجمهور. وفي مجال الكتابة والتحرير، أصدر المعهد منذ سنة ١٣٥٨ هـ = ١٩٣٩ م مجلة أطلق عليها اسم (مجلة الشباب). فكانت هذه المجلة من أكبر الأسباب في تقدم المعهد وتطوره، ومن أقوى الوسائل التربوية التي تكونت فيه، رقت عقول الطلبة بالمقالات والقصائد والقصص الذي يكتبونها. وأذكت فيهم حب الأدب، وخلقت في نفوسهم حب الجمال، وبعثهم حب الفصاحة والبلاغة على القراءة الكثيرة والمفيدة، فاكتسبوا عادة الفصاحة والبلاغة، فنبغ في المعهد جماعة من الكتاب والشعراء، فخرجوا من نطاق مجلة الشباب الضيق إلى رحاب الصحافة الجزائرية الواسع وغيره. ومن هؤلاء: الشيخ عدون بن بالحاج والمرحوم الأديب حمو بن عمر لقمان، وعلي امعمر، وأحمد بن عمر، والأخضر السائحي الكبير - وإبراهيم بن يحيى الحاج أيوب، وحمو بن عمر

стр. 1369

فخار، وصالح الخرفي وسواهم كثير (١). وفي مجال العمل الكشفي، عملت الجمعية الرياضية على تنظيم الحركة الكشفية في سنة ١٣٦٥ هـ = ١٩٤٦ م. وكان مركزها (القرارة) وكانت هذه الحركة، تعنى قبل كل شيء بالتربية الدينية: (إن الدين هو الأساس القوي الراسخ للشخصية القوية في كل نواحيها، الناجحة في كل أمورها. فهي تراقب ملوك أعضائها مراقبة دقيقة ليكون كما يأمر الدين، وتحيط أعضاءها في مخيماتهم بجو ديني قوي. فالصلوات الخمس يؤديها الأعضاء في أوقاتها، بالطهارة الكاملة، والوضوء، والأذان، وفي الجماعة. إذا نصبوا مخيمهم فأول مكان يختارونه ويحتفلون به هو المصلى. فيمهدونه ويعدونه أحسن إعداد. وينتخبون من بينهم

стр. 1370

مؤذنا وإماما. فيؤذن المؤذن في الأوقات. فيسارع كل الأعضاء إلى ارتداء ثياب الصلاة البيضاء السابقة، وصعدون لها بالوضوء الكامل والخشوع الواجب. وبين العشاءين، يجلس الأعضاء كلهم حلقة واسعة فيقرءون جميعا في ترتيل خاشع قوي ما تيسر من القرآن الكريم وكذلك بعد صلاة الصبح). وتعلم الكشافة لأفرادها: تسلق النخيل، والسباحة في الأحواض، والسباحة في الأبار، وأعمال الفلاحة الصعبة. ويخرج الكشافة في كل ربيع إلى - إلى صحراء - سيما في القرارة - فينصبون خيامهم فيها لمدة أسبوعين. ويدرسون الناحية التي يخيمون فيها، ويضعون لها الخرائط، ويكتبون عنها المقالات. ويتصلون بالأعراب في خيامهم، فيدرسون أحوالهم. ولما جاء الاستقلال، وتوحدت الجمعيات الكشفية في الجزائر، دخلت كشافة الجنوب في (الكشافة الإسلامية الجزائرية). فصارت فرعا منها، وانقسمت إلى أفواج: فوج الحياة (في القرارة) وفوج الإصلاح (في غرداية) وفوج النهضة (في العطف) وفوج الفتح (في بريان) وتقيم هذه الأفواج مخيما عاما في كل سنة في عطلة الصيف، وتتم إقامة هذا المخيم في الشمال، لأن طقسه في الصيف أنسب، ومعرفة الشمال والتعرف إلى أهله، مما يجب على كل مثقف في الجنوب معرفته. ويدوم هذا المخيم شهرا، يدرس المشتركون فيه الناحية جغرافيا وتاريخا واقتصاديا. ويرسمون ما يروق لهم من المناظر الطبيعية أو الآثار التاريخية. ويكتبون عنها المقالات المفيدة. ويتصلون بسكانها، ويقيمون لهم الحفلات فيسمعون أناشيدهم، ويعرضون رواياتهم (مثل رواية صلاح الدين الأيوبي) ويخرج

стр. 1371

الأهالي من حفلاتهم، وفي نفوسهم أثر عميق مما يلقيه الكشافة في أحاديثهم ورواياتهم التي يدعون فيها الجماهير إلى التمسك بالدين وحب اللغة العربية. كان لكشافة الجنوب قبل الاستقلال علمها الخاص وشعارها، ولما انضمت إلى الكشافة الإسلامية، صار شعارها وعلمها هو شعار وعلم الكشافة الإسلامية الجزائرية: هلال تتوسطه زهرة ياسمين بيضاء، فيها خمس بتيلات إشارة إلى الأركان الخمسة للإسلام الذي يجب على كل كشاف جزائري أن يتمسك به. أما بياض الياسين فرمز لبياض القلوب ونقاء السيرة مما يجب أن تتصف به الكشافة الإسلامية. وأريج الياسمين هو رمز السمعة العطرة التي يجب أن يتركها الكشاف المسلم الجزائري في كل مكان يحل فيه. ... وبعد، فقد يكون من الصعب الإلمام بكل أبعاد هذه التجربة التربوية الرائدة، غير أن اللمحات السابقة كافية لإبراز أهميتها في إطار (صراع النظريات التربوية الحديثة). وقد يكون من المثير بعد ذلك، استقراء مناهج هذا المعهد التي تعتمد على (الأصالة الذاتية). وهنا تبرز أول فضيلة من فضائل هذا المعهد التربوي، ألا وهي التطور المستمر في برامج التدريب، وذلك بدون أن يتخلى المعهد عن برامجه ومناهجه الأساسية. يعتبر معهد الحياة: (أن القرآن هو أساس العلوم جميعها، سيما

стр. 1372

جماعة من الطلاب يغسلون ثيابهم في حوض تصب فيه قناة من عين القرارة في الفوساعة. فريق آخر يحمل على الدواب قطع الخشب المجزأة. فريق من الطلبة يقطعون بفؤوسهم خشبة النخلة بعد إسقاطها.

стр. 1373

العلوم العربية والشريعة، وهو أساس التربية كلها، وآثاره لمن تدبره في خلقه وعقله ولسانه وجسمه لعظيم، لذلك اشترط معهد الحياة حفظه واستظهاره وعدم نسيانه. وحفظ القرآن الكريم هو أحسن ما يهيىء نفس التلميذ وعقله ولسانه للتعليم الثانوي والعالي، إنه يقوي الإرادة في التلميذ، ويكسبه فصاحة اللسان، ويزوده بثروة كبيرة من العربية الفصحى) ومن أجل ذلك: (أنشىء في المعهد قسم خاص لحفظ القرآن يتولاه معلم خاص) (ولا زال حفظ القرآن واستظهاره شرطا للدخول في معهد الحياة إلى اليوم. وقد أحسن المعهد بالتمسك - يهذا الشرط، لا سيما في هذا الزمان الفاجر الملحد الذي نحن فيه) (ولقد حفظ كثير من المسيحيين القرآن الذي يكفرون برسالته، لآثاره في الخلق، وجدواه العظيمة على عقل المرء ولسانه. أما هذا الزمان الفاسد اللئيم، وأغلب البلاد العربية اليوم، تعزف عن القرآن، وتنفر من حفظه، لذلك تشيع فسولة الأخلاق، وفسولة العقول، وفسولة اللسان في معاهدها. وأصبحنا لا نرى منها إلا غثاثة النفس. وأجيالا هزيلة تورث للأمة هزالها! ليتها تعرف الفوائد التربوية العظيمة للقرآن، فتجعل حفظ القرآن كله أو جزءا منه شرطا للدخول في معاهدها) (١). أما عن نظام (معهد الحياة) فالتلميذ يقضي معظم نهاره، وجزءا كبيرا من ليله في معهده. وهو كالمعاهد الداخلية التي لا يفارقها التلميذ. ويتكفل المعهد بأكل التلميذ ونومه. وتبدأ أعمال الطالب الدراسية من السحر - قبل الفجر - حيث ينهض الطالب ويذهب إلى

стр. 1374

(دار التلاميذ التابعة للمسجد في ميزاب) فيلتقي هناك بالتلاميذ القدامى الكبار عاكفين على دراستهم، يقرءون الكتب، أو يكررون محفوظاتهم في المتون، أو يتلون القرآن في المسجد. وبعد صلاة الصبح مع الجماعة، يقع درس الوعظ العمومي، أو يقع درس أو درسان في دار التلاميذ في اللغة العربية والشريعة. وتستمر الدروس إلى السابعة، حيث ينصرف التلاميذ لتناول فطورهم. ثم تستأنف الدروس من الثامنة حتى الثانية عشرة. وفي الشتاء ينصرف التلاميذ بعدها للعمل في الحقول والبساتين وتناول طعام الغداء. أما في الصيف فيمضي التلاميذ فترة الصباح بكاملها في الحقول والبساتين. وفي الحالين، يجب على طالب المعهد أن يصلي العصر في المسجد مع الجماعة، فيفتح المعهد أبوابه بعدها، وينصرف الطلبة إلى دروسهم حتى المغرب، حيث يعود الطلبة بعد الصلاة إلى قسم القرآن في المعهد لحفظ القرآن وتدارسه. وتبدأ المطالعة الإجماعية بعد صلاة العشاء لإعداد دروس اليوم التالي. (ومعهد الحياة، مثله مثل كل المعاهد في ميزاب، يفتح الأستاذ دروسه بالدعاء إلى الله والتضرع إليه أن يفتح عليه وعلى تلاميذه كنوز حكمته، وأبواب علمه، ويفيض عليهم رحمته. ويعيذهم من الشيطان ووساوسه التي تشغل البال ويغيم بها العقل، وينيلهم رضاه الذي يستلزم كل الخيرات والبركات، ويختم الدروس بدعاء الأستاذ أن يبارك الله فيما تعلموه، ويتطول عليهم بالمزيد ويحمد الله على ما أنعم به من نور العلم ونعمة المعرفة ... إن الملحدين أبناء بطونهم يرون هذا الدعاء جمودا وقشورا،

стр. 1375

والتربية الدينية كلها رجعية وانحطاطا. فيحتقرونها ويحتقرون من يلتزمها، لأنهم لا يؤمتون بالله، ورؤوسهم فارغة من العلم الصحيح. كل ما فيهم إنما هي البطون المنتفخة التي أورثها لهم أساتذتهم الملحدون وعصرهم الفاجر. فصاروا كالمرأة الوحمة تكره الأطعمة اللذيذة المفيدة، وتغرم بالتهام الطين). (لقد حفظ الله نهضة الجزائر الحديثة، وحفظ معهد الحياة في الأعاصير التي تشتمل عليه من كل ناحية لتطفئه، وتقضي على النهضة، فلم تزده إلا ازدهارا لأنه شديد الصلة بالله، وحمايته، فحفظه من كل مكروه، وبارك له فصار أحسن معهد في التربية والتعليم). وكان (معهد الحياة) - ولا زال - يولي اهتماما أساسيا بالتربية الدينية، وغرس الدين الإسلامي العظيم في نفس التلميذ بكل الوسائل، وبناء العقيدة الدينية وترسيخها بكل الوسائل العلمية والتربوية. فتراه يعتني بالتوحيد فيجعله أول ما يحفظ الصغار مع السور الأولى من القرآن الكريم، وهم في الحداثة دون البلوغ، ثم تكون أول ما يدرسون إذا كانوا في المراهقة قبل البلوغ، ثم يدرسون العقيدة في كتب الفقه الكبرى بنحو فلسفي، ويدرسونها في كتب علم الكلام إذا كانوا في الطبقات العليا. كل ذلك لتركيزها في نفوسهم، وتعميق أسسها، حتى لا يستطيع الجهل والاستعمار والملحدون فيها شيئا، هذه الكوارث التي تتسلط على الدين الإسلامي لتهدمه في النفوس، وعلى العقيدة الإسلامية لتفسدها في القلوب، وهي أساس الدين والخلق) (١).

стр. 1376

ويشمل التعليم الإعدادي والثانوي مواد المنطق والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع واللغة الإفرنسية - التي خصص لها في المرحلة الثانوية ٤ حصص أسبوعيا. بالإضافة إلى تاريخ الأدب والتاريخ الطبيعي والتربية المدنية، وتوسع في التاريخ فزاد تاريخ أوروبا وتاريخ الدولة العثمانية وتاربخ الأندلس، وتاريخ الجزائر قبل كل شيء. ما في الجغرافيا، فيدرس التلميذ جغرافية العالم السياسية والطبيعية باختصار، ويتوسع في جغرافية المغرب والأقطار الإسلامية. أما مدة الدراسة فهي ٣ سنوات للإعدادي وثلاث سنوات للثانوي (بكالوريا). ويعمل المعهد على إيفاد المتفوقين من طلابه إلى الجامعات الإسلامية (في تونس والقاهرة خاصة) كما يسقبل الطلاب من كل أنحاء الجزائر، ومن الأقطار العربية - الإسلامية المجاورة. لقد تعززت مكانة المعهد بفضل ما أظهره طلابه من التفوق في كل مجال اقتحموه من مجالات الحياة العملية، واعتمادهم على أرضيتهم الدينية الصلبة. ولقد عرف عن الرجال الذين دفعهم (معهد الحياة) إلى الحياة العامة، بإخلاصهم لدينهم ووطنهم، وكفاءتهم، وصلاحهم، وجهادهم المخلص وعملهم ابتغاء مرضاة الله وحده. واشتهر عنهم في (حرب التحرير - الثورة الجزائرية) شجاعتهم وتضحيتهم (لقد نزلوا إلى الميدان العملي، بحماسة كبيرة، وحب للعمل شديد، إنها الرغبة في الجهاد في سبيل الله! فسدوا أهم الثغور في الأمة، فكان منهم العزابة المثقفون الأكفاء والمدرسون المخلصون الناجحون، والتجار الأمناء، والفلاحون الناشطون، ومنهم رؤساء العشائر الذين

стр. 1377

وعدة كبرى للوطن، ومنهم رؤساء البلديات الذين كانوا سورا منيعا للدين والوطن. يردون عنه كيد الاستعمار، ويحمونه من شر الجامدين وفساد المفسدين. ومن تلاميذ المعهد، من لم ينل من العلم شيئا كثيرا لضعف مواهبه. ولكنه نال قسطه من التربية كاملا. فكان رجلا صنديدا في مجتمعه). خلاصة القول، لقد شكل (معهد الحياة) تجربة تربوية رائدة لا في الجزائر وحدها وإنما في الوطن العربي الإسلامي. وهي تجربة تستحق كل اهتمام وبحث وتطوير، وإذا كان الاتحاد السوفييتي يفخر برائد تربيته (ماكارنكو). وإذا كان الأمريكيون يباهون برواد تربيتهم من أمثال (جون ديوي)، فإن للجزائر - وللعالم العربي - الإسلامي أن يفاخر بهذه التجربة التربوية التي يعود الفضل الأساسي فيها للشيخ (إبراهيم بن عمر بيوض). ولد إبراهيم بن عمر بيوض سنة ١٨٩٩ م، في القرار، إحدى قرى ميزاب، وتعلم فيها، وفي المعهد الذي كان يديره والده والشيخ عمر بن الحاج مسعود. وفي سنة ١٩٢١ توفي الحاج عمر. فما كان من ابنه الشيخ إبراهيم - ولما يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره - إلا أن جمع تلاميذ المدرسة، وأعلن لهم أن الدراسة ستستمر تحت إدارة الشيخ عمر بن الحاج مسعود، وأنه سيقوم مع بعض إخوانه في مساعدة الشيخ على إدارة المعهد وتطويره - للنهوض بميزاب كلها. تلك كانت البداية، وانصرف الشيخ إبراهيم بن عمر للعمل بكل طاقة الشباب وإيمانهم، يلقي الدروس، ويطور المعهد، ويرسل البعثات، ويرعى الخريجين،

стр. 1378

ويوسع مجالات العمل، ويبني المسجد المتمم للمعهد. ويضع برامج التدريس، ويسهر على رعاية شؤون طلابه، ويوجههم للبحث والدراسة وهو يكرر على مسامعهم باستمرار: (إن غرضي من هذه الدروس أن أنشىء عقولا تفهم بلاغة القرآن، ونفوسا دارعة بعدة الفصاحة والبلاغة. إن جهادنا يستلزم هذه العدة، وهذا لا يكون إلا بعملكم أنتم! ألا فاعملوا، طالعوا دروسكم مرارا قبل الدرس، وراجعوها مرارا بعده واعتمدوا على أنفسكم). إستمر الشيخ إبراهيم في عمله المنتج والمبدع حتى بداية الحرب العالمية الثانية، وإذ ذاك تضاعفت أهوال الاستعمار، وأطلقت أيدي الحكام العسكريين الإفرنسيين في الجنوب فعزموا على خنق النهضة، والقضاء على معاهدها ورجالها. فشمروا لتهديم والانتقام، وشمر أنصار النهضة للدفاع والبناء. وكانت معارك طاحنة استمرت زمانا طويلا، كان الله فيها مع حزبه وأوليائه. فلم تعصف تلك الأهوال بمعهد الحياة، بل زادت في نشاطه ورسوخه. فسارت أشواطا واسعة في أيام الحرب. لقد حلف الحاكمان العسكريان الطاغيان في (غرداية) وحلف أذنابهما الأيمان المغلظة على القضاء على نهضة ميزاب ورجالها، وأن يشنقوا زعيمها الشيخ بيوض أو يسجنوه أو ينفوه. فاستخدم الاستعمار أذنابه في الجنوب لكتابة التقارير السوداء ضد النهضة وزعيمها الشيخ بيوض. فطالبوا بنفيه أو سجنه، وبإبطال المدارس العربية، وكل ظواهر النهضة. فاستند الحكام العسكريون إلى هذه التقارير، فحكموا على النهضة بأنها حرب ضد الدولة، وعلى

стр. 1379

زعيمها الشيخ بيوض بأنه عدو فرنسا اللدود. وأن له يدا مع الألمان. فعزموا على القبض عليه. ولكن الله سخر للنهضة حماة مخلصين دهاة من أبنائها، فدافعوا عن النهضة وزعيمها، وفضحوا الحكام العسكريين وتواطؤهم مع أذنابهم أعداء النهضة الأقدمين. وخافت الولاية العامة عاقبة المساس بالنهضة وزعمائها. إن نهضة ميزاب هي جزء من نهضة الجزائر، والشيخ بيوض أحد زعمائها. سيثور أولئك الزعماء عليها، ويثور ميزاب والجزائر. وهي ضعيفة قد احتل الألمان ديارها وأخذ بخناقها فتبصرت الولاية العامة، فكفكفت من شرور الحكام العسكرين في ميزاب، وأمرتهم بالحكمة في حربهم، فلم يستطع الحكام العسكريون اعتقال الشيخ بيوض. فأكدوا ما سبق أن فرضوه عليه في سنة ١٩٣٨ م. من الإقامة الجبرية في بلد القرارة. وحرمت زيارته على مدن ميزاب، وشددت عليه الرقابة. فاستقر الشيخ بيوض، وانقطعت عنه الأشغال الخارجية التي كانت تزاحم عمله في المعهد، أو تقطعه عنه. فصار وقته كله للمعهد. ووجد الطلبة من وقته وجهوده كل ما يريدون، ونشطت الدراسة في المعهد، حتى إذا ما انتهت الحرب سنة ١٩٤٤، وضعت فرنسا - ديغول - سياسة جديدة للجزائر تعتمد على قليل من اللين وكثير من الخبث والدهاء والمكر. وهذه السياسة شر من الغلظة والاستبداد والجبروت. واستغل زعماء النهضة وعلماؤها هذا المناخ، فانطلق الشيخ البشير الإبراهيمي - رئيس رابطة العلماء بعد وفاة ابن باديس - وهو

стр. 1380

يقود نشاط جمعية العلماء في قوة وإخلاص ومهارة. وكان يجوب البلاد ويهزها بخطبه ودروسه ومقالاته في البصائر. وفعل ذلك رجال جمعية العلماء كلهم (وخاصة الطيب العقبي وأحمد توفيق المدني). وكذلك فعل الشيخ بيوض، الذي انطلق من عقال الإقامة الجبرية، فجاب أنحاء الشمال والجنوب، يهزهما بخطبه ودروسه، ويضع الخطط المحكمة مع رجال النهضة للجهاد المقبل. كثرت أعمال الشيخ بيوض الاجتماعية، وتعددت ميادين جهاده، فهذه وفود من رجال النهضة من مدن ميزاب تترى عليه للتفاوض في الجهاد الذي يقومون به. وهذه أعباء جمعية الحياة التي يرأسها، وذلك مجلس العزابة الذي هو رئيسه. إن أغلب مشاكل المدينة ترفع إليه. وهذه أسفاره للدعاية ولمصالح النهضة الأخرى. وهذا حزب المعارضين وقد تكتلت صفوفه، واشتدت معارضته، وانضم إليهم أذناب الاستعمار من (القواد والباشآغاوات) وغيرهم. واتحدوا جميعا مع المستعمرين العسكريين في محاربة النهضة. فنازلهم حزب الإصلاح جميعا بقيادة الشيخ بيوض، فوقعت أعنف المعارك الاجتماعية والسياسية معهم في هذه العهود. لقد كثرت فروض الشيخ فلم يبق للمعهد من وقته إلا القليل. وجاءت ضرورة أخرى تهرب منها كل التهرب، فأرغمه الواجب على الخضوع لها. وهو دخوله في المجلس الجزائري نائبا عن وادي ميزاب، فانقطع عن التعليم في المعهد، وحل أبناؤه النبغاء محله. صدر الدستور الجزائري الذي قضى بإنشاء المجلس

стр. 1381

الجزائري في ٢٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٤٧. وكان المستعمرون قد أحسوا بكنوز الصحراء الجزائرية، فعزموا على التمسك بالصحراء، وقطعها عن الشمال. وكانوا يوقنون بثورة الشمال عليهم. إن مقدماتها ودخانها قد شاهدوه في حوادث سطيف في ٨ أيار - مايو - سنة ١٩٤٥. وفي عيون كل الجزائريين التي تشتعل فيها النيران. وقالوا: (إن الصحراء لا جبال فيها تصلح للثورة، فهي المكان الآمن لهم في الجزائر، وكنوزها هي الأثداء الغزيرة التي ترويهم. لقد شبعوا من خيرات الشمال فيجب أن يتخموا من كنوز الجنوب أيضا. إن استقرارهم في الصحراء يجعلهم يقطعون عن الدولة الجزائرية التي ستنشأ في الشمال غذاءها من الصحراء فتموت هزالا. أو تظل ضعيفة تخضع لهم وتسير في ركابهم. على أن استقرارهم في الصحراء، وإنشاء دولة إفرنسية فيها يمكن من القضاء على ما يمكن أن يناله الشمال من استقلاله بثورته. سيحيكون له الدسائس ويخلقون له المشاكل، ويحفرون له الهوى التي يقع فيها. إن الصحراء هي اللقمة السائغة، وهي الدار الآمنة لهم في المغرب، فيجب التمسك بها، ويجب التمهيد لذلك بالقضاء على كل نهضة فيها. وكانت نهضة وادي ميزاب التي دخلت شبابها تقض مضاجعهم، ويرون فيها حتوفهم فعزموا على القضاء عليها). وعين الاستعمار للمجلس الجزائري أذنابه، وجعل للصحراء فيه نوابا من الضعفاء أو من الأذناب وعزم أن يجعل نائب ميزاب في المجلس أحد أذنابه الكبار الذين ينصرون أهواءه فيطالبون بفصل الصحراء عن الشمال، وبالقضاء على النهضة ورجالها فيجد

стр. 1382

الاستعمار مستنده وحجته، فيبلغ كل أغراضه. ورأى رجال النهضة في ميزاب هذا الخطر الذي تستهدف له الجزائر، والنهضة التي هي روح الجزائر ورأس مالها الكبير، فهبوا جميعا لدرئه، وإفساد خطة المستعمرين. فكان الله معهم، فاستمالوا بعض رجال الحكم في فرنسا وفي الجزائر بالوسائل المغرية، والأساليب السياسية البارعة، وأروهم عاقبة إرغام الميزابيين على نائب لا يرتضونه. فأخذوا وعدا من الولاية العامة أن يكون الانتخاب حرا في ميزاب، فتمسك رجال النهضة بهذا الوعد، وأفادوا منه كل الإفادة، واستقدموا غداة يوم الانتجاب ٤ نيسان - إبريل - ١٩٤٨ مراقبين شرعيين يراقبون الانتخابات في ميزاب، وبعض الصحفيين الإفرنسيين. وبذلوا في ذلك المال الكثير. ونظموا صفوفهم، وخاضوا معركة الانتخاب للمجلس الجزائري في نشاط ويقظة ودهاء واتحاد ففازوا بما أرادوا. رأى رجال النهضة وحزب الإصلاح أن المعارك بينهم وبين الاستعمار في المستقبل ستكون معارك ديبلوماسية خطيرة! إنها مسألة فصل الصحراء عن الشمال، وما يجب أن يفعلوه لتظل الصحراء جزءا من الشمال، فلا بد من نائب لهم في المجلس الجزائري، تتوافر له الكفاءة والقدرة من أجل إحباط المخططات الاستعمارية. ووقع اختيار الجميع على الشيخ بيوض. غير أن الشيخ رفض العرض، وأظهر تمسكه بميدان العلم الذي خلق له، وذاق حلاوة النجاح فيه. غير أن أهل ميزاب ورجال نهضتها ما زالوا به حتى أقنعوه بقبول المنصب، حتى لا تترك ثغرة ينفذ منها الاستعمار وأذنابه. ونزل الشيخ إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد

стр. 1383

معارك كبرى ضد فصل الصحراء عن الشمال استمرت ست عشرة سنة كاملة (من سنة ١٩٤٧ إلى سنة ١٩٦٢) وكان رجال النهضة في ميزاب كلهم جنده وأنصاره في معاركه السياسية الكبرى. فالتفوا حوله، ورفعوا صوتهم معه ينادون بإباء الصحراء وهم يستنكرون فصل الصحراء عن الوطن الجزائري - وبقي الشيخ بيوض على اتصال وثيق (بمعهد الحياة) لم تصرفه عن الاهتمام به متاعبه السياسية. وكان الجميع يشعرون بوجوده دائما بينهم، رغم ابتعاده بجسده عنهم. وكان لهذه الرابطة القوية دورها في دعم (معهد الحياة) واضطلاع أفراده وتلاميذه القدامى بواجباتهم الدينية والوطنية في كل أنحاء الجزائر. لقد انبث مئات من خريجي (معهد الحياة) في بلاد الشمال بالجزائر، ففي كل المدن الكبرى بالشمال، وفي كثير من القرى، تجد تلاميذ معهد الحياة، وأثرهم في الشمال كأثرهم في الجنوب. كانوا دعاة تملؤهم الحماسة للعمل من أجل الدين الإسلامي ونشر اللغة العربية، وكانوا نماذج تحتذى في الأقوال والأعمال. وقد جاهدوا باستمرار لدعم كل الحركات الوطنية في الشمال، فوقفوا مع (جمعية العلماء) بكل ما أوتوا من قوة. ودعموا حزب الشعب وجماعة البيان. ولما اندلعت الثورة، كانوا في الشمال والجنوب جندها المخلص وأنصارها الثابتين. وكانت دكاكينهم التجارية ومساكنهم في مدن الشمال، معاقل للثورة، ومستودعا لأسرارها وأموالها، وملتقى لضباطها وملاجىء لثوارها. وكانوا يعملون على دعم الثورة وتنفيذ مخططاتها بكفاءة عالية وإيمان صلب، ويعتبرون جهادهم في الثورة هو جهاد في سبيل

стр. 1384

الله، يقومون به لوجه الله، وواجبا وطنيا يرضي ضميرهم الحر وحبهم للوطن وإخلاصهم لدين الله. وكانوا لثقافتهم، ودهائهم الموروث، قادرين على خداع المستعمرين وإخفاء حقيقتهم الثورية، وكان من المحال قيام الثورة في العاصمة لولا ما قاموا به من جهد، وما قدموه من تضحيات مستفيدين في ذلك من منازلهم ودكاكينهم المنتشرة حتى في وسط الأحياء الأوروبية. حتى إذا ما انتهت الثورة بالنصر، انصرفوا إلى متابعة أعمالهم، والإسهام في بناء المجتمع الجديد بالقدر الذي تطلبه الثورة منهم. ... تلك هي صفحة رائعة من صفحات الجزائر المجاهدة. صفحة رسم الشيخ عبد الحميد بن باديس، بعض ملامحها بريشته، وترك بعضها لريشة إخوانه وتلاميذه، وبعضها رسمت بريشة إخوان له كان عملهم مستمدا من عمله ورافدا له. وبفضل هذا التكامل تشكل التيار الجارف الذي أرسى القاعدة الثابتة والأرضية الصلبة لانطلاقة الثورة. غير أن هناك تيارا آخر كان له دوره في مجموعة التفاعلات التي أدت إلى انفجار الثورة. وهذا التيار هو (تيار التكتلات الحزبية) وهو يتطلب بحثا مستقلا. غير أنه من المناسب هنا الإشارة إلى أن التياران لم يكونا متناقضين أو متضادين تماما. لقد كان لكل تيار مساره الخاص، وكانت هناك قنوات تصل بين كل التيارات على امتداد مسارها، ومن هنا يظهر التأثير المتبادل بين هذه التيارات. وهذا ما يؤكد بطريقة غير مباشرة الدور الكبير الذي اضطلع به

стр. 1385

(الشيخ عبد الحميد بن باديس) وإخوانه في تمهيد الطريق أمام الثورة. وتبقى تجربة (الشيخ عبد الحميد بن باديس) و (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) و (معهد الحياة) من التجارب التاريخية الخالدة الرائدة، لا باعتبارها تجارب قد مضت وانصرمت، وإنما باعتبارها تجارب ترسل ظلالها إلى أفق المستقبل، وباعتبارها أيضا من التجارب التي تحتفظ بكل فائدتها وأهميتها لا في الحدود الزمنية أو في حدود الإطار الجغرافي للجزائر. إنها تجارب حية، تمتلكها الأمة الإسلامية والعالم العلربي وهي جديرة بالدراسة والتعلم (وقل رب زدني علما).

стр. 1386

(محتوى الكتاب)

стр. 1387

_________ د - عمر راسم .............................................................. ٨٢ هـ - احتفال فرنسا بمرور مائة عام على حتلال الجزائر ...................... ٨٦ الفصل الثاني ............................................................... ٩١ ١ - عبد الحميد بن باديس .................................................. ٩١ ٢ - جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ...................................... ١٠٩ ٣ - مدافع الله ونهاية رحلة العمر ............................................ ١٢١ ٤ - إخوان (عبد الحميد) في الجهاد .......................................... ١٤٤ أ - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ........................................... ١٤٦ ب - الشيخ مبارك بن محمد الميلي ........................................... ١٥٩ ج - الشيخ أحمد توفيق المدني ............................................... ١٦٧ د - الشيخ الطيب العقبي ..................................................... ١٨٣ هـ - والشيخ التبسي .......................................................... ١٨٧ ٥ - تيار الأصالة الثورية في الجزائر ......................................... ١٩١ أ - الشاعر محمد العيد ....................................................... ١٩٣ ب - أحمد رضا حوحو ....................................................... ١٩٦ ج - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتجربته التربوية الرائدة في ميزاب .......... ١٩٨

стр. 1388

نهج الثورة الجزائرية (الصراع السياسي)

стр. 1389

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1390

نهج الثورة الجزائرية (الصراع السياسي) بسام العسلي دار النفائس

стр. 1391

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م دار النفائس

стр. 1392

المقدمة تبقى (التجربة التاريخية) هي رائد الباحث والقارىء، كلاهما يجد فيها الفائدة والمتعة، ولقد عرفت الجزائر المجاهدة تجربة تاريخية فريدة تجسدت فيها كل سوءات الاستعمار الاستيطاني، وبرزت فيها كل أشكال النهب الاستعماري، واستخدمت فيها كل أنواع القهر الاستعماري ووسائله. ولقد كانت تجربة مريرة وقاسية، لا تشابهها أية تجربة من بين كل التجارب التي عاشتها الشعوب المقهورة في ليل الاستعمار. ويعود السبب في ذلك، وبالدرجة الأولى، إلى ما توافر للجزائر من الأصالة الثورية، إلى جانب ما انفرد به الاستعمار الفرنسي من الوحشية واللاإنسانية. لقد رفضت الجزائر المجاهدة أبدا الخضوع لإرادة جلاديها ومغتصبيها وممتهنى كبرياءها، فكانت في حالة ثورية دائمة، لا تكاد نار لهيبها تخمد في منطقة حتى تتفجر في منطقة أخرى. ولا تكاد فترة تمر على إخماد الثورة حتى يعود اللهب وهو أشد احتداما، وأكثر ضراما. ومقابل هذا التمرد، كانت فرنسا الاستعمار تطور دائما أساليب قمعها الوحشية، فإذا كانت فظائع (بوجو) و (كلوزويل) قد مثلت عصر الوحشية في منتصف القرن

стр. 1393

التاسع عشر، فقد جاءت مذابح ٨ أيار - مايو - ١٩٤٥ لتعيد للذاكرة تلك الأعمال التي لا يمحوها التقادم، ولا يزيلها النسيان. لقد بقيت الجزائر المجاهدة في حالة ثورة دائمه، وكانت فترات الهدوء التي عاشتها هي مرحلة الاستعداد لاستئناف حمل السلاح والاحتكام إليه. وعبر هذ االصراع الذي لم يتوقف، تطورت أساليب الصراع السياسي في خط مواز لتطور أساليب الصراع المسلح، فكانت (لعبة الأحزاب) و (لعبة الديموقراطية) وحملت هذه الأحزاب باستمرار أهدافا متشابهة في أشكالها ومضامينها، وقد كانت هذه الأهداف مرنة حتى تتكيف مع الظروف المرحلية للصراع، سواء كانت هذه الظروف دولية أو محلية. ولا غرابة بعد ذلك أن تكون الأهداف التي طرحها الأمير خالد الهاشمي في العشرينيات متشابهة مع تلك التي حددها عبد الحميد بن باديس وجعية العلماء المسلمين الجزائريين في الثلاثينيات، وهي ذاتها تقريبا التي تبناها حزب الشعب الجزائري في الأربعينيات ثم رفعها (أصدقاء البيان والحرية) في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولا غرابة أيضا، في أن يدرك قادة الجزائر ومفكروها وحماتها أن الصراع السياسي ليس أكثر من وسيلة مرحلية لا يمكن لها أن تحقق تطلعات الشعب الجزائري وأهدافه في عملية بناء المستقبل. ولكن ومع هذا الإيمان بحتمية الاحتكام

стр. 1394

إلى السلاح، كان لابد من خوض الصراع السياسي حتى منتهاه وغايته، ذلك لأن الحوار عبر هذا الصراع هو الوسيلة الأمثل لإيقاظ وعي الشعب الجزائري، والإبقاء على جذوة الجهاد المتقدة. ومن هنا تظهر أهمية العودة إلى استقراء ملامح الفترة الصعبة من الصراع السياسي والتي سبقت اندلاع الثورة الجزائرية العظمى في سنة ١٩٥٤. والمثير في الأمر هو ملاحظة ذلك الاقتران في تطوير وسيلتي الصراع في وقت واحد. وسيلة الصراع السياسي العلنية، ووسيلة الصراع المسلح السرية. ولقد ساعد هذا الاقتران في تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد. لقد ساعد قبل كل شيء على تأمين الغطاء الشرعي، للعمل غير الشرعي - بحسب قوانين الاستعمار وأنظمته. وأسهم في ربط الصراع السياسي بالصراع المسلح. ومهد لتكوين جيل قادة المستقبل من خلال مدرسة الصراع ذاتها. فلا غرابة بعد ذلك أن يكون معظم قادة الثورة هم من خريجي تلك المدارس الحزبية التي سبقت اندلاع الثورة , لقد كانت تلك المدارس خاضعة لمجموعة من المؤثرات والعوامل. لم يكن أقلها الضغط الرهيب للإدارة الاستعمارية في الجزائر، ولم يكن أقلها ذلك التلاحم العضوي بين أجهزة الاستعمار الاستيطاني في الجزائر والحكم الإفرنسي في فرنسا ذاتها، ولم يكن أقلها أيضا تلاحم كل القوى الاستعمارية - يمينها ويسارها، رجعيها وتقدميها - في جبهة واحدة ضد الجزائر

стр. 1395

وشعبها. وقد كان من الصعب الوصول إلى هذه القناعة التي باتت أساس عمل الثورة، لولا التجربة التاريخية للصراع السياسي الذي قادته الأحزاب. وكان من الصعب، إن لم يكن من المحال، تجنب الوقوع في الخطأ، فقد كان حوار الإرادات قاسيا ومريرا استنفر فيه كل طرف من الأطراف المتصارعة كل موارد المعرفة والذكاء. وبات من المتوقع ظهور الأخطاء. وإقرارا بالحقيقة التاريخية: كانت أخطاء قيادات الأحزاب أقل بكثير مما يمكن توقعه في مثل الظروف التي عاشتها تلك الأحزاب، وأقل بكثير أيضا مما كانت عليه أخطاء الأجهزة الاستعمارية التي كانت تزعم تفوقها في كل مجال من مجالات الصراع. لقد سقطت عبر هذا الصراع المرير كثير من القيم والمبادىء، وظهرت مكانها قيم أخرى ومبادىء مغايرة. ورافق ذلك سقوط مريع لبعض المجاهدين وارتفاع رائع في تألق مجاهدين آخرين. وعبر هذا السقوط والارتفاع، وعبر تجربة الخطأ والصواب، تمرست القيادات الشابة بالجهاد، واكتسبت ما يلزمها من التسلح المادي والمعنوي. فكان أن برزت إلى الوجود تلك القيادة التاريخية التي أخدت على عاتقها السير بالجزائر نحو أفق المستقبل. ومن هنا تبرز الأهمية الكبرى لهذه التجربة التاريخية.

стр. 1396

لقد كانت تجربة مريرة وقاسية، غير أنها كانت ذات فائدة يصعب تقويمها. ولعل من أبرز فوائدها احتفاظها بقيمتها القديمة المتجددة. وهذا ما يجعلها ثمينة للبحث والدراسة والتأمل. (وقل رب زدني علما). بسام العسلي

стр. 1397

أول رئيس لجمهورية الجزائر الثائرة، والذي كان له شرف إعلان قيام (الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية)

стр. 1398

الوجيز في حياة (عباس فرحات)

стр. 1399

_________ ١٣٧٠ .......... ١٩٥١ .......... تشكيل تحالف الأحزاب الجزائرية والحركات الدينية (جمعية العلماء) برئاسة فرحات عباس. ١٣٧٥ .......... ١٩٥٦ .......... إلتحاق فرحات عباس بالقاهرة، وإعلان انضمامه وحزبه لجبهة التحرير الوطني. ١٣٧٧ .......... ١٩٥٨ .......... تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة فرحات عباس (يوم ١٩ - أيلول - سبتمبر). ١٣٨١ .......... ١٩٦٢ .......... انتخاب (فرحات عباس) رئيسا للجمعية الوطنية. ١٣٨٢ .......... ١٩٦٣ .......... استقالة (فرحات عباس) لخلافه مع (بن بيلا) واعتزاله الحياة السياسية.

стр. 1400

الوجيز في حياة (مصالي الحاج)

стр. 1401

_________ ١٣٥٤ .......... ١٩٣٦ .......... عودة مصالي الحاج إلى الجزائر بعد إطلاق سراحه. ١٣٥٥ .......... ١٩٣٧ .......... (مصالي الحاج) ينظم (حزب الشعب الجزائري) والإدارة الإفرنسية تقوم باعتقاله وتحكمه بالسجن لمدة سنتين. ١٣٥٧ .......... ١٩٣٩ .......... إطلاق سراح (مصالي) وعودته إلى الجزائر. ١٣٥٩ .......... ١٩٤١ .......... حكومة فيشي تعتقل (مصالي) وتصدر حكمها عليه بالسجن لمدة (١٦) عاما، والنفي بعدها لدة (٢٠) عاما مع غرامة فادحة. ١٣٦٥ .......... ١٩٤٦ .......... إطلاق سراح (مصالي) وتنظيمه لحركة (انتصار الحريات الديموقراطية). ١٣٧١ .......... ١٩٥٢ .......... اعتقال مصالي الحاج، ونقله إلى فرنسا نهائيا، للإقامة في (نيورت). ١٣٧٤ .......... ١٩٥٤ .......... إنقسام الحركة وتمزقها، ثم قيام الثورة. بقاء مصالي الحاج في فرنسا.

стр. 1402

«والله الذي لا إله غيره: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة يدخلها». حديث شريف - رواه البخاري ومسلم. الفصل الأول العمل السياسي ١ - لعبة الأحزاب و (الديموقراطية). ٢ - حزب (نجم شمال افريقيا). ٣ - حزب الشعب الجزائري. والحركة من أجل (انتصار الحرية والديمقراطية). ٤ - عباس فرحات (والاتحاد الديمقراطي لأعضاء البيان الجزائري). ٥ - الحزب الشيوعي.

стр. 1403

١ - لعبة الأحزاب و (الديمقراطية) لعبة (الهدم والبناء) من اللعب الإنسانية الباقية ما بقي الإنسان على وجه الأرض، يمارسها الأطفال صغارا (للعبث والتسلية). ويمارسها الكبار رجالا (للتطوير نحو الأفضل والأمثل) وتمارسها الهيئات في المجتمع، بعضها ضد بعض (في الغابة الكبيرة) حيث يفرض الأقوى - وليس الأصلح دائما - وجوده على الأضعف حتى يسخره لتحقيق أهدافه - التي قد لا تكون أهدافا فاصلة باستمرار وقد أتقن الإنسان هذه اللعبة - لعبة الهدم والبناء - وعمل على تطويرها دائما (فكانت لعب الميكانو الحديثة للأطفال نموذجا لها). كما عمل أيضا على تطبيقها في الحياة العملية، سواء ضمن المجتمع الواحد، أو فيما بين المجتمعات المتناحرة أحيانا، والمتعايشة في أحيان أخرى، والتي تستمر في كل الحالات بممارسة لعبة الهدم والبناء، بعضها ضد البعض الآخر. كل ذلك والحياة الإنسانية ماضية في مسيرتها الجبارة متجاوزة هؤلاء القائمين بالهدم وأولئك من ضحايا عملية الهدم لتقرر في النهاية مصير (لعبة القدر). اكتسبت (لعبة الهدم والبناء) في (ليل الاستعمار) أبعادا

стр. 1404

جديدة، إذ باتت هذه اللعبة أشد تعقيدا وتركيبا، وذلك بسبب ما تتطلبه عملية النهب الاستعماري من تركيبات معقدة ومتناقضة في كثير من الأحيان. وقد جند الاستعمار لعملية (الهدم والبناء. كل ما هو في ترسانته من الوسائل المادية والمعنوية، فكانت القوة الوحشية ركنا من أركانها المادية وكانت الصليبية أساسا من أسسها المعنوية، وكان الهدف الثابت هو تغيير بنية وتكوين المجتمعات التي تم إخضاعها بالقوة والقهر، من أجل بناء المجتمع الجديد الذي يمكن له التكيف مع ظروف الاستعمار. هكذا بدأت فرنسا عندما دفعت جحافل الغزو لاجتياح الجزائر، فقد عملت على تدمير القيادات القبلية والزعامات الدينية والرئاسات المحلية، وخلقت حالة من الفراغ، قامت بعدها بتكوين قيادات عملية وزعامات وهمية تعمل تحت إشراف الاستعماريين وتنفذ مخططاتهم. واستمرت بعد ذلك في عملية التدمير، فحاولت القضاء على الأصالة الذاتية لشعب الجزائر وذلك بفصله عن جذوره التاريخية من جهة، وبالقضاء على قواعد صموده من جهة أخرى فكانت الحرب الصليبية للقضاء على الإسلام، ولما كانت هناك صعوبة كبرى في هدم بناء تكامل عبر مئات السنين، فقد كانت الوسيلة المرحلية هي الاكتفاء بصرف المسلمين عن دينهم وحرمانهم من الاتصال بعروبتهم، مما يؤدي بالتالي إلى إضعاف الإسلام والعروبة تدريجيا حتى تموت وحدها، نتيجة حرمانها من موارد غذائها الأساسية (المسجد والمدرسة).

стр. 1405

هنا برزت قوة (الأصالة الذاتية) في أفق التحدي المصيري، وانطلقت حفنة من المفكرين العلماء، وخاضت الصراع بإيمان لا يتزعزع، وثقة بالله لا تضعف. وبدأت بعملية البناء المضاد، فأقامت المساجد، وأنشأت المدارس (فارتفع عددها بين ١٩٤٣ و١٩٥٤ من بضع عشرات إلى مئة وخمسين مدرسة. تعلم اللغة العربية وتدرس القرآن الكريم). في ذلك يكتب الكاتب الجزائري (عمار أوزيغان) (*) فيقول: (كان الخطر المميت بالنسبة للاستعمار يكمن على وجه الدقة في هذا الاتحاد الغريب بين مفاهيم الإسلام المتعارضة - كالروحية والمادية - (والتي لم يتمكن الاستعماريون الصليبيون من فهمها). لقد كان الدين الإسلامي وثاقا يمتن اتحاد مختلف العناصر في القوة الشعبية التي تزخر بها بلادنا. غير أن العدو الاستعماري الذي كان يقيم في (الفيو - باليه) كان أكثر ذكاء حين كان يهدم الجوامع ويحولها إلى ثكنات أو اصطبلات! كانت هذه معابد تهدم ويتم الخلاص منها. إلا أن الجامع كان أيضا الجامعة، كما هي الزيتونة في تونس، والقرويين في (فاس) وكما هو الأزهر في القاهرة. فهدم جامع كان يعني هدم مدرسة ومكتبة وقاعة محاضرات وبيت للشعب وجمعية استشارة - أو دار للشورى - ومتحف موسقي يدرس فيه تجويد القرآن وهو فن يتطلب معرفة مسبقة بمقامات الموسيقى الكلاسيكية أو الشعبية - الأندلسية أو الشرقية ... إننا لن نشدد الكلام على الروح
следующие страницы →