_________
١٣٥٤ .......... ١٩٣٦ .......... عودة مصالي الحاج إلى الجزائر بعد إطلاق سراحه.
١٣٥٥ .......... ١٩٣٧ .......... (مصالي الحاج) ينظم (حزب الشعب الجزائري) والإدارة الإفرنسية تقوم باعتقاله وتحكمه بالسجن لمدة سنتين.
١٣٥٧ .......... ١٩٣٩ .......... إطلاق سراح (مصالي) وعودته إلى الجزائر.
١٣٥٩ .......... ١٩٤١ .......... حكومة فيشي تعتقل (مصالي) وتصدر حكمها عليه بالسجن لمدة (١٦) عاما، والنفي بعدها لدة (٢٠) عاما مع غرامة فادحة.
١٣٦٥ .......... ١٩٤٦ .......... إطلاق سراح (مصالي) وتنظيمه لحركة (انتصار الحريات الديموقراطية).
١٣٧١ .......... ١٩٥٢ .......... اعتقال مصالي الحاج، ونقله إلى فرنسا نهائيا، للإقامة في (نيورت).
١٣٧٤ .......... ١٩٥٤ .......... إنقسام الحركة وتمزقها، ثم قيام الثورة.
بقاء مصالي الحاج في فرنسا.
стр. 1402
«والله الذي لا إله غيره: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة يدخلها».
حديث شريف - رواه البخاري ومسلم.
الفصل الأول
العمل السياسي
١ - لعبة الأحزاب و (الديموقراطية).
٢ - حزب (نجم شمال افريقيا).
٣ - حزب الشعب الجزائري.
والحركة من أجل (انتصار الحرية والديمقراطية).
٤ - عباس فرحات (والاتحاد الديمقراطي لأعضاء البيان الجزائري).
٥ - الحزب الشيوعي.
стр. 1403
١ - لعبة الأحزاب و (الديمقراطية)
لعبة (الهدم والبناء) من اللعب الإنسانية الباقية ما بقي الإنسان على وجه الأرض، يمارسها الأطفال صغارا (للعبث والتسلية). ويمارسها الكبار رجالا (للتطوير نحو الأفضل والأمثل) وتمارسها الهيئات في المجتمع، بعضها ضد بعض (في الغابة الكبيرة) حيث يفرض الأقوى - وليس الأصلح دائما - وجوده على الأضعف حتى يسخره لتحقيق أهدافه - التي قد لا تكون أهدافا فاصلة باستمرار وقد أتقن الإنسان هذه اللعبة - لعبة الهدم والبناء - وعمل على تطويرها دائما (فكانت لعب الميكانو الحديثة للأطفال نموذجا لها). كما عمل أيضا على تطبيقها في الحياة العملية، سواء ضمن المجتمع الواحد، أو فيما بين المجتمعات المتناحرة أحيانا، والمتعايشة في أحيان أخرى، والتي تستمر في كل الحالات بممارسة لعبة الهدم والبناء، بعضها ضد البعض الآخر. كل ذلك والحياة الإنسانية ماضية في مسيرتها الجبارة متجاوزة هؤلاء القائمين بالهدم وأولئك من ضحايا عملية الهدم لتقرر في النهاية مصير (لعبة القدر).
اكتسبت (لعبة الهدم والبناء) في (ليل الاستعمار) أبعادا
стр. 1404
جديدة، إذ باتت هذه اللعبة أشد تعقيدا وتركيبا، وذلك بسبب ما تتطلبه عملية النهب الاستعماري من تركيبات معقدة ومتناقضة في كثير من الأحيان. وقد جند الاستعمار لعملية (الهدم والبناء. كل ما هو في ترسانته من الوسائل المادية والمعنوية، فكانت القوة الوحشية ركنا من أركانها المادية وكانت الصليبية أساسا من أسسها المعنوية، وكان الهدف الثابت هو تغيير بنية وتكوين المجتمعات التي تم إخضاعها بالقوة والقهر، من أجل بناء المجتمع الجديد الذي يمكن له التكيف مع ظروف الاستعمار.
هكذا بدأت فرنسا عندما دفعت جحافل الغزو لاجتياح الجزائر، فقد عملت على تدمير القيادات القبلية والزعامات الدينية والرئاسات المحلية، وخلقت حالة من الفراغ، قامت بعدها بتكوين قيادات عملية وزعامات وهمية تعمل تحت إشراف الاستعماريين وتنفذ مخططاتهم. واستمرت بعد ذلك في عملية التدمير، فحاولت القضاء على الأصالة الذاتية لشعب الجزائر وذلك بفصله عن جذوره التاريخية من جهة، وبالقضاء على قواعد صموده من جهة أخرى فكانت الحرب الصليبية للقضاء على الإسلام، ولما كانت هناك صعوبة كبرى في هدم بناء تكامل عبر مئات السنين، فقد كانت الوسيلة المرحلية هي الاكتفاء بصرف المسلمين عن دينهم وحرمانهم من الاتصال بعروبتهم، مما يؤدي بالتالي إلى إضعاف الإسلام والعروبة تدريجيا حتى تموت وحدها، نتيجة حرمانها من موارد غذائها الأساسية (المسجد والمدرسة).
стр. 1405
هنا برزت قوة (الأصالة الذاتية) في أفق التحدي المصيري، وانطلقت حفنة من المفكرين العلماء، وخاضت الصراع بإيمان لا يتزعزع، وثقة بالله لا تضعف. وبدأت بعملية البناء المضاد، فأقامت المساجد، وأنشأت المدارس (فارتفع عددها بين ١٩٤٣ و١٩٥٤ من بضع عشرات إلى مئة وخمسين مدرسة. تعلم اللغة العربية وتدرس القرآن الكريم).
في ذلك يكتب الكاتب الجزائري (عمار أوزيغان) (*) فيقول: (كان الخطر المميت بالنسبة للاستعمار يكمن على وجه الدقة في هذا الاتحاد الغريب بين مفاهيم الإسلام المتعارضة - كالروحية والمادية - (والتي لم يتمكن الاستعماريون الصليبيون من فهمها). لقد كان الدين الإسلامي وثاقا يمتن اتحاد مختلف العناصر في القوة الشعبية التي تزخر بها بلادنا. غير أن العدو الاستعماري الذي كان يقيم في (الفيو - باليه) كان أكثر ذكاء حين كان يهدم الجوامع ويحولها إلى ثكنات أو اصطبلات! كانت هذه معابد تهدم ويتم الخلاص منها. إلا أن الجامع كان أيضا الجامعة، كما هي الزيتونة في تونس، والقرويين في (فاس) وكما هو الأزهر في القاهرة. فهدم جامع كان يعني هدم مدرسة ومكتبة وقاعة محاضرات وبيت للشعب وجمعية استشارة - أو دار للشورى - ومتحف موسقي يدرس فيه تجويد القرآن وهو فن يتطلب معرفة مسبقة بمقامات الموسيقى الكلاسيكية أو الشعبية - الأندلسية أو الشرقية ... إننا لن نشدد الكلام على الروح
стр. 1406
الصليبية التي تجلت في تحويل الجامع إلى كنيسة، وإقامة الأنصاب التذكارية يعلق عليها الصليب الحديدي فوق العبارة اللاتينية: .. (سننتصر بهذه الإشارة) (*). ولن نشدد على شعارات المدينة: مثل شعار مدينة الجزائر، الذي عمم في العالم كله بواسطة الطابع البريدي الذي رسم عليه صليب ضخم في السماء، منتصرا على هلال صغير منكس فوق البحر).
وكان العدو الاستعماري ذكيا جدا في اختياره - موظفي الجوامع - من بين العسكريين المتقاعدين المرشحين لأن يصبحوا نواطير، وسواس خيل، وعمال بلدية وكهرباء ... وإذا برهن طالب الوظيفة على إخلاصه للنظام الاستعماري، وحفظ عن ظهر قلب - الستين فصلا - اعتبر مستوفيا للشروط المطلوبة ليمنح إجازته - كشيخ للإسلام - موقعة بإمضاء الحاكم العام. ولم يكن على المفتي الأكبر أكثر من أن يختار المحفوظات المناسبة، وانتقاء النص الصالح ليكون خطبة الجمعة، مع حرصه أن يخضع (كلمات الله) إلى الرقابة المهنية المجدفة عليه، التي يمارسها (الإله الآخر) - معبوده - وهو المفوض السامي. وإذ يصغي إلى المذياع وهو ينقل الصدى المحرك الآتي من عبارات (الله أكبر) يتصور هو، كاهن السلطان الناري، أن جمهور المصلين الذين يسجدون، فيلمس جبينهم السجادة التي تغطي الأرض، يشبهون حشدا من العبيد الراكعين الذين يقدمون خضوعهم وأرواحهم قرابين!
стр. 1407
وكان العدو الاستعماري بارع الذكاء في محاربته المستمرة المميتة للغة العربية (اللغة الأجنبية) حين كان يغلق كل مدرسة عربية موجودة بعد ثلاث كيلومترات من أية مدرسة إفرنسية، غايتها تعليم بعض المفردات الكافية لإدارة العمال الزراعيين، كما تعلم البغال بضع كلمات تجعل قيادتها أقل إزعاجا ... وكان العدو الاستعماري يدرك مدى الخطورة في ازدهار اللغة العربية الصحيحة ... فأن يتعلم الصغار الجزائريون لغتهم الأم، يعني تخلصهم من عار أنهم (أطفال الساحة العامة) أيتام ولقطاء ومشردون، يعني إيقاط وعيهم بجدارتهم وكرامتهم، يعني تجنيبهم خطر المراهقة التي لا جذور لها والتي تتدهور في هاوية الكحول ونرفانا الكيف والكوكائين والفجور، يعني أن تعاد للشاب العزب روحه الواثقة القوية الصافية، ليدرك منشأ الفعل الانعكاسي الاستعماري: مثلا عار الأوروبية العرقية، العاهرة، الكريهة، التي ترفض أن تراقص عربيا حتى لو كان ساحر كأدونيس - عربي فينيقيا الذي عشقته فينوس. إن تعلم اللغة العربية من جديد هو إحياء التربية الطبيعية والعقلية والتاريخية التي تتيح أن نكتشف السبب في أن جبل جرجره - الجبل الحديدي - الروماني الذي لم تصله المسيحية، قد سمى أعلى قمم الأطلس في منطقة التل باسم , (لا لا خديجة) الزوجة الأولى للنبي العربي وأم المؤمنين - تلك صورة من صورة الهدم والبناء.
أما الصورة المقابلة، فتتلخص باستخدام الأساليب المضادة للاستعمار، لهدم ما يحاول أن يبنيه على أنقاض أصالة الجزائر
стр. 1408
وعروبتها وإسلامها. وقد كان الاستعمار هنا ذكيا أيضا فقد استخدم في بنائه بعض الحجارة التي أمكن له إعادة نحتها وتكييفها حتى تنسجم مع شكل البنيان الجديد. وهذا ما عبرت عنه المقولات التالية:
(كان يجب القتال ضد جهاز الاستعمار السياسي والإداري والإقتصادي. كان يجب القتال ضد إيديولوجيته الاستعبادية التي تمثلها البورجوازية الاستعمارية وأسياد المزارع، وملوك المناجم والبنوك والنقل البحري الخ ... وضد أيديولوجيا أنصاره غير المباشرين، الأرستوقراطية العمالية الأوروبية، وإقطاعية الأغوات والباشوات من موظفين وأسياد ورجال دين منحرفين وملاكين كبار ... لم يكن العدو المستعمر مجرد قوة مادية راسخة ظاهريا، كجبل يصمد للقنبلة الذرية. كانت تدعم قوته المادية قوته المعنوية، وقدرته على الاستهواء التي كان الماريشال ليوتي يعبر عنها بقانون إيمان المسؤولين عن الشؤون الإسلامية: (إظهار القوة كي لا يلجأ إلى استعمالها). وإذن، فقد كانت قوة العدو المستعمر الحقيقية، إنما تكمن واقعيا في عقدة العجز عند ضحاياه. وهكذا فإن للأفعى نظرة ساحرة تقدر أن تشل من بعيد العصفور، التي ينسى أن يطير عن غصنه، ويستسلم للسقوط، جامدا، تحت الشجرة، قرب الأفعى ... وكان لا بد من إقناع العصفور بأن فيه قوة تستطيع التغلب على الأفعى. وبأن هذا لا يكلفه إلا أن يؤمن بقوته الخاصة، وأن يقهر خوفه، وألا ينسى وجود أجنحته.
ومن أجل ذلك، كان لا بد من الاعتماد على مساعدة
стр. 1409
الشعب الجزائري لشل القواعد السياسية والأيديولوجية التي تعيق انطلاقته، وكان في جملة هذه القواعد:
١ - الأيديولوجيا الثورية المضللة، والتي كان الثوريون فيها أشبه (بديوك الليل) التي تبشر بالصباح قبل الأوان، والليل ما يزال أسود كثيفا، لم يفوزوا بعد، ولم يكن بإمكانهم أن يفوزوا، بمواجهة جماهير المسلمين لاستخدام العنف في الكفاح من أجل الحرية، وكان كل شيء مركزا - عندهم - حول المساواة في الحقوق مع الأوروبيين. مع ما يرافق ذلك من تجشم المشقات مع الخصم - أعني أوروبيي الجزائر - للحصول على مدارس ومحاريث وطرق ومستشفيات، واختيار طريق (الانعتاق بالتطور) وهذه كانت الخطة السياسية ... للمنتخبين - غير الإداريين - الذين يسمع صوتهم أكثر من غيرهم والأكثر شعبية (الأعيان)، و (الطلاب)، الذين تثقفوا بالثقافة الإفرنسية.
وكانت رسائل العمل هي الشكاوى التي كان يرفعها (إلى الإفرنسيين الطيبين في فرنسا)، (وفد) يرسل إلى باريس حيث كان ... (منخبونا) يجدون رجالا ديموقراطيين لكي (يصغوا) إليهم، ويشاركوهم غضبهم، ووزراء يسمح لهم تهذيبهم (باستقبالهم) وتقوية أوهامهم ... المتعلقة (بفعالية) العمل الذي تقوم به بعض الشخصيات - حتى العالية - لرفع العبء الاستعماري دون استخدام العتلة الشعبية. لهذا، لم يكن المنتخبون - الأتباع منهم والمستقلون - يسلمون بهذا التناقض: أنهم بطالون (مخمورون بحشيشة الكيف).
٢ - محاربة أدعياء الكفاح ضد الاستعمار، مع تصريح
стр. 1410
المدعي منهم بأنه أقرب إلى فلاح ثري ملحد أو أوروبي، منه إلى العامل الزراعي المؤمن الجزائري: يعني أنه يرسم حدا خاطئا على الصعيد السياسي - وأنه يثير جدلا بيزنطيا بتجاهله للعدو الرئيسي الذي هو (النظام الاستعماري، مصدر الجهل والظلامة). وتصريح هذا المدعي، بأنه مفكر (حر) دون أن يكافح في سبيل فصل الكنيسة عن الدولة فصلا حقيقيا، ونسيانه حتى مساعدة المسلمين لنيل الحرية الدينية , وبشكل أخص وقوفه ضد التدخل الإفرنسي لاختيار رجال الإمامة والإفتاء الذين يعينهم حاكم مسيحي أو يهودي أو ملحد - دون إله - وهذا كله يعني رفض الدفاع عن أكثر الحقوق بداهة: حرية الضمير. يعني رفض الدفاع عن (الديموقراطية)، والامتناع عمليا عن المساس بمؤسسات الظلم الاستعماري، والمشاركة في ترسيخ الركود الاقتصادي والاجتماعي وازدياد التخلف الإيديولوجي.
٣ - محاربة الإيديولوجية الاستسلامية (أمام صعوبات الثورة المسلحة) وهي الأيديولوجيا التي كانت تشل الثوريين - ذوي الأغراض - سواء في الحزب الشيوعي الجزائري، أو في الحركة الوطنية الجزائرية (والتي كانت تمثلها قيادة الحاج مصالي). وكان هؤلاء الإيديولوجيون يجدون لهم غطاء في مقولات ذات ظواهر براقة - لامعة - تزوغ لها الأبصار الضعيفة - ومنها على سبيل المثال: (إذا كان (الاستراتيجيون) غير موجودين إلا في الحزب الشيوعي الجزائري والحركة الوطنية الجزائرية، فإن ذلك يعني بأن كل عمل مستقل عنها محكوم عليه بالفشل مسبقا ... فالثورة فن لا يعرفه غير الأعضاء
стр. 1411
المريدين وحدهم ... والاقتراب من الثورة بغير إذنهم ممنوع ... وذلك حتى لا تكون الثورة مجرد مغامرة دامية لا مستقبل لها، وحتى لا تكون (عملية انتحار) تقوم بها حفنة من المغامرين الذين تلقحوا بالجرثومة الفوضوية الكامنة في الأقلية الفعالة) ... وهدفهم الهنائي هو عدم قيام الثورة التي ستشكل خطرا حقيقيا على مخططاتهم، وتتشكل عنها نتائج اجتماعية تغاير أهدافهم.
٤ - محاربة الإيديولوجية الوطنية - الإصلاحية - وهي تتميز بإرادة الوصول إلى الاستقلال بسير متبصر، بالسياسة اللاعنفية - وكان يمثلها عباس فرحات قبل الثورة - كأنه يتم الاستقلال بالتعلم أو بالتجارة أو بالصناعة أو امسترداد الأرض، أو بالحياة العصرية - الغربية - أو بتعليم المرأة للتخلص من الحجاب أو بالعمل البرلماني أو النقاي، أو بالأناشيد الوطنية الحماسية ... وكأنه كان على الجزائر أن تنتظر الحليف الذي سيأتي من الخارج والذي سيقضي على الاستعمار بأسلحة من أنواع أسلحته. وهكذا كانت هذه الإيديولوجيا الإصلاحية تبشر بالصبر حتى يأتي المحرر الذي سيلبس في آن واحد قناع سيدنا سلطان اسطنبول والحاج غليوم الثاني والغازي أتاتورك وجوزيف ستالين والفوهرر هتلر وروزفلت ...
٥ - التصدي للإيديولوجية الوطنية الرجعية التي كان يمثلها شيوخ الطرق ممن وظفهم الاستعمار لخدمة أغراضه، وتنفيذ أهدافه، وكان لهذه الإيديولوجية المفسدة أساليبها الهادفة إلى خلق البدع وإلصاقها بالإسلام. وكان لهذه الأيديولوجية
стр. 1412
الرجعية أيضا قاعدتها الاقتصادية القائمة على الملكية العقارية الواسعة، والتي كانت تستغل المزارعين الذين لا أرض لهم، أو الفلاحين المعوزين. ولقد خلق الاستعمار طبقة من كبار الملاكين، وشجعها بواسطة منح يجريها على الموظفين من إداريين ورجال دين. أو بواسطة اختلاسات كانت تجري عنوة. وكان غرض المستعمر هو أن يرتبط بفئة ثابتة على الصعيد الاقتصادي والسياسي. وأن يستخدم تأثيرها الإداري أو الديني، للسيطرة على الفلاحين الفقراء، أو المتوسطي الحال. ويراقب غالبية الشعب الجزائري. وكانت الرجعية الدينية تحرص أيضا على بقاء الهوة القائمة بين الريف والمدينة، وذلك نظرا لما كانت تتمتع به المدينة من سبق في التطور سواء في مجال الوعي الديني أو الوعي السياسي، أو في الوعي الطبقي والعاطفة القومية (١).
وليس من الغريب بعد ذلك أن تنحدر حركة مثل حركة (المرابطين) إلى مجرد حلقات للدراويش أو الحواة، أو صانعي التمائم والتعاويذ التي تبعد (العين الشريرة) والفقر والمرض والضعف والعقم ... بعد أن كانت لعهود طويلة حركة (رائعة للجهاد) تألقت في سماء المسلمين عندما قام رجالها بالدفاع عن .... (أندلس المسلمين) وعندما تصدوا لهجمات الغزاة الصليبيين الإسبانيين طوال ثلاثة قرون (في أعقاب سقوط دولة المسلمين في الأندلس) ثم في مجابهة الحملات الأولى للغزو الإفرنسي. وليس من الغريب بالمقابل، بل أنه أمر متوقع جدا،
стр. 1413
أن تتصدى الحركة الإصلاحية الإسلامية التي قادها الشيخ عبد الحميد بن باديس ومعه شيوخ رابطة العلماء لهذه الانحرافات، ويعلمون على هدم ما حاول الإفرنسيون بناءه على أنقاض التنظيمات الإسلامية الأصيلة، التي انحدرت إلى هوة سحيقة تحت ضربات الاستعمار المادية والمعنوية (١).
هنا يبرز سؤال: وهل كانت كل الحركات السياسية والدينية التي عرفتها الجزائر في ليل الاستعمار - حركات عملية أو مشبوهة؟.
يقينا لا! لقد عرف عالم الدول التي خضعت للاستعمار، كما عرفت الجزائر، حركات مخلصة وعرفت زعماء مخلصين، غير أن تلك الحركات وأولئك الزعماء قد بقيت، وبقوا، في حالة من القصور عن إدراك الأهداف البعيدة لأمتهم، وأنعزلوا، في كثير من الأحيان عن تيار التفاعلات العميقة في ضمائر أفراد الشعب. وأسهم التدمير المستمر لمعاول الاستعمار (المادية والمعنوية) في استنزاف قدراتهم أحيانا، وفي حرفهم في أحيان أخرى، وفي تدميرهم تدميرا تاما في معظم الأحيان.
من هنا تظهر ضرورة التعرض لتلك المرحلة التي سبقت اندلاع الثورة التحريرية الكبرى (١٩٥٤). والتي يمكن اعتبارها
стр. 1414
(مرحلة المخاض العسير لولادة الحدث العظيم) وهي المرحلة التي بدأت بواكيرها بالأمير خالد وبحركة (جمعية العلماء) على نحو ما سبق عرضه في العددين الساقين من هذه المجموعة
***
стр. 1415
٢ - حزب نجم شمال أفريقيا (*)
كان حزب (الجزائر الفتاة) والذي أسسه الأمير خالد الهاشمي الجزائري. وهو أول تنظيم حزبي عرفته الجزائر غداة الحرب العالمية الأولى. وكانت (جمعية العلماء الجزائريين المسلمين) هي أبرز تنظيم اجتماعي - ديني - سياسي، ولو أنه لم يرفع الهوية السياسية. وفي تلك الفترة ذاتها ظهر - في باريس - تنظيم جديد ارتبط بالطبقة العاملة لأبناء المغرب العربي الإسلامي عرف باسم (حزب نجم شمال أفريقيا) وارتبط ارتباطا وثيقا باسم (مصالي الحاج) على الرغم من أن أول رئيس لهذا الحزب - أو الجمعية - كان (سي محمد جيفال) وهو تاجر جزائري مستقيم وشجاع من المنطقة الثامنة عشرة، وكان من أعضاء مكتب الجمعية (عبد القادر بن الحاج علي وعلي الحمامي، ومصالي الحاج).
كان ذلك في العام ١٩٢٤، فخلال مؤتمر نظمه الأمير خالد الهاشمي في باريس، تفرق المهاجرون من شمال أفريقيا
стр. 1416
الذين كانوا يحضرون الاجتماع، وهم يهتفون (عاشت أفريقيا المستقلة) وفي السنة نفسها - في منتصف شهر أيلول - سبتمبر - تأسست (جمعية نجم شمال أفريقيا) في باريس وكانت أهدافها الاجتماعية الدفاع عن مصالح عرب شمال أفريقيا المادية والمعنوية والاجتماعية. وكان يختفي وراء واجهتها تلك المطالب السياسية الخاصة باستغلال بلدان أفريقيا الثلاثة. وخلال تلك الفترة، كان الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي يقود حربه الضارية ضد الاستعمار الإسباني في الريف، ويحقق إنتصاره الرائع في معركة - أفوال - الشهيرة - فكان أول نشاط تمارسه الجمعية هو إرسال برقية إلى الأمير الخطابي - بمناسبة انتصاره، جاء فيها:
(عمال المغرب العربي الذين يعملون في الناحية الباريسية، والذين يجمعون في هذا اليوم التاريخي - السابع من كانون الأول - ديسمبر - ١٩٢٤ مؤتمرهم الأول، يبعثون لإخوانهم رجال المغرب الأقصى وإلى زعيمهم البطل عبد الكريم بالتهاني الصادقة من أجل انتصارهم على الاستعمار الإسباني. ويعلنون تضامنهم معهم في كل مسعى يقومون به من أجل تحرير البلاد، ويشاركونهم المناداة باستقلال الشعوب المظلومة، وبسقوط الاستعمار العالمي والاستعمار الإفرنسي).
ترددت أصداء هذه الصيحة قوية مجلجلة في كل أنحاء المغرب العربي - الإسلامي، إذ كيف يرتفع صوت ينادي بالاستقلال الوطني من قلب عاصمة الاستعمار - باريس - في
стр. 1417
لوقت الذي لا يكاد فيه صوت يرتفع في كل أنحاء المغرب العربي الإسلامي ليطالب بما هو أقل من ذلك بكثير - الدمج - بدون أن يلقي أذنا صاغية؟ لقد حدث ذلك في وقت خيل لكثير من أبناء المغرب العربي الإسلامي أن أقدام الاستعمار قد باتت ثابتة وقوية فوق أرض الوطن، وأفاق كثير من الناس ليدركوا أن بناء الاستعمار إنما هو بناء فوق الرمال. وكان من نتيجة ذلك أن انضم عدد كبير من رجال المغرب العربي - الإسلامي إلى الجمعية - وخاصة من العمال الجزاريين - وشعرت (الجمعية) بأن ساعدها يشتد، فأصدرت صحيفة ناطقة باسمها (حملت اسم جريدة - الأمة).
في سنة ١٩٢٧، تولى (مصالي الحاج) رئاسة جمعية , (نجم شمال أفريقيا)؛ فأعطاها قوة دفع جديدة بما عرف عنه من قدرة تنظيمية كبيرة، وحماسة شديدة للعمل. وهنا قد يكون من المناسب التوقف قليلا عند شخصية (مصالي الحاج،) الذي أصبح في فترة من الفترات (أبو الوطن الجزائري). أو (والد الحركة الوطنية الجزائرية).
ولد مصالي الحاج في العام ١٨٩٨ في مدينة تلمسان. عن والد فقير كان صانعا للأحذية، فلم تتح له الفرصة إلا للتعلم بصورة محدودة، وفي سنة ١٩١١، أيقظه حدث كبير ترك أثرا عميقا في حياته، فقد شاهد في هذه السنة أهل مدينته (تلمسان) وهم يهاجرون هجرة شبه جماعية، تاركين مدينتهم فرارا من جور الاستعمار، ميممين وجوههم شطر المشرق العربي -
стр. 1418
الإسلامي، حيث استقر بعضهم في تونس، وتابع أكثرهم هجرته إلى بلاد الشام. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، قاتل (مصالي الحاج). في صفوف الجيش الإفرنسي، حتى إذا ما انتهت الحرب وعاد إلى الجزائر، لم يجد فيها غير البؤس والفقر والاضطهاد، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من المقاتلين الجزائريين في الجيش الإفرنسي، وأدت البطالة التي انتشرت في الجزائر اعتبارا من سنة ١٩٢٠، وحاجة فرنسا إلى القيام بالأعمال العمرانية، إلى هجرة كثير من الشبان الجزائريين إلى فرنسا بحثا عن العمل. وكان بين هؤلاء المهاجرين (الشاب مصالي الحاج) حيث عمل في عدد من مصانع باريس كما عمل بائعا متجولا في الشوارع. وواظب على تلقي الدروس في معهد الدراسات الشرقية. كما حضر محاضرات عدة في جامعة بوردو. وعاش كغيره من العمال الجزائريين حياة الكفاف وفي أوضاع شاقة، واتصل بالطبقات العاملة الإفرنسية، وسرعان ما انضم إلى الحزب الشيوعي، ثم تزوج من شيوعية بارزة. وقد أفاد من خدمته في الخلايا الشيوعية الباريسية، إذ أكسبته مرانا وتجربة تنظيميين استثمرها بشكل جيد عندما شرع في تنظيم الحركة الوطنية الجزائرية.
حاول (مصالي الحاج) نقل مركز ثقل حركته إلى الجزائر، وتطوير الحركة في فرنسا ذاتها. غير أن نطاق الجمعية (جمعية نجم شمال أفريقيا) وصحيفتها (الأمة) لم يتجاوز حتى سنة ١٩٢٩ حدود النطاق الضيق للعمال المهاجرين والمقيمين في باريس وضواحيها. أما في الجزائر فقد بقيت الجمعية وصحيفتها
стр. 1419
مجهولتين من الجمهور وخاصة الفلاحين منهم. ويعود السبب في ذلك إلى رفض الجزائريين المسلمين للفكر الشيوعي، وهو الأمر الذي تعبر عنه المقولة التالية:
(جاء عبد القادر بن الحاج إلى الجزائر ومعه مصالي الحاج للاجتماع بزعماء الحركات الوطنية، وعقد هؤلاء اجتماعا جرى فيه حوار بشأن الالتقاء بمصالي الحاج ورفيقه، وفي هذا الاجتماع قال أحد الحضور - الطيب الجميل -: إننا نحاول إخراج الشرعية من الباب فإذا بها تطل علينا من الشباك! لقد بات من المعروف أن حركة (نجم شمال أفريقيا هي حركة شيوعية). وأن الرجلين كانا من رجال الحزب الشيوعي المعدودين، ولا يزالان يعملان سرا بوحيه وبالاتفاق معه. وأن هذه الحركة المذهبية المشبوهة، إنما هي من أجل تغلغل الشيوعية في كل الأوساط الإسلامية التي بقيت مغلقة في وجه دعاية الكومينترن. فالعامل مع هذين الرجلين إنما هو العامل من أجل الكريملين، ولفائدة مبدأ رفضه المسلمون قاطبة. ويعتقد الشيوعيون أنه يجب التخلص من الاستعمار أولا بواسطة حركة دينية قومية، ثم هم يتخلصون سريعا من هذه الحركة لفائدة الشيوعية). وتقرر بعد جدال عدم الاجتماع بزعيمي جمعية (نجم شمال أفريقيا).
وهكذا فقد اقتصر نشاط الحزب بصورة رئيسية على فرنسا، وأقام له اتصالات مع تونس والمغرب - مراكش - وغيرهما من الجماعات الإسلامية والهيئات العربية. وشهد
стр. 1420
(مصالي الحاج) مؤتمر مناهضة الاستعمار الذي عقد في بلجيكا سنة ١٩٢٧، والذي ترك أثرا عميقا في عقول الكثير من الوطنيين في آسيا وأفريقيا.
أصدرت الحكومة الإفرنسية قرارا في سنة ١٩٢٩ بحل (حزب نجم شمال أفريقيا) لمطالبته بالاستقلال فانتقل عدد كبير من مناضليه إلى الحركة السرية، ودعموا بذلك (كوادر - أجهزة) الجهاز التنظيمي الشيوعي الذي كانوا قد انضووا تحت لوائه في البداية. وفي العام ذاته، تأسس حزب (النجم الثاقب) الذي تبنى مطالب أقل عنفا وبرنامجا أكثر اعتدالا، يستهدف رفض (رسالة فرنسا التمدينية) في الجزائر. واستمر الحزب في إصدار صحيفته (الأمة) في أوقات غير منتظمة، وكانت كالمشرفين عليها عرضة دائمة لإجراءات العنف الإفرنسية. وفي سنة ١٩٣٠ بعث الحزب بمذكرة إلى عصبة الأمم يناشدها الدعم لتحقيق مطالب حزب (النجم الثاقب). وظهر خلال ذلك أن قرار حل (حزب نجم شمال أفريقيا) إنما جاء بسبب الضغط الذي مارسه (عمد الجزائر) و (النواب المنتخبون) من المستوطنين على الحكومة الإفرنسية. وعلى كل حال، فقد عاد حزب (نجم شمال أفريقيا) للظهور مجددا في سنة ١٩٣٣، وعقد مؤتمرا عاما وهاما في فرنسا. وقد تمكن (مصالي الحاج) وأنصاره من حمل المؤتمر على استصدار قرار مطول يتضمن الإجراءات التي يجب اتخاذها قبل الاستقلال وبعده (*). وعلى أثر ذلك قامت الحكومة الإفرنسية
стр. 1421
باعتقاله والحكم عليه بالسجن لمدة سنتين وذلك بالتهمة التي كثيرا ما استخدمت ضده وضد غيره من الوطنيين وهي (تأليف منظمة غير مشروعة). وعندما أطلق سراح (مصالي الحاج) سنة ١٩٣٥ عاد على الفور لاسئناف نشاطه، وظهر حزب (نجم شمال أفريقيا) تحت اسم جديد هو (الاتحاد الوطني لمسلمي شمال أفريقيا). واشترك (مصالي الحاج) بصورة بارزة في الحملة العالمية التي شنت ضد غزو الإيطاليين للحبشة (أثيوبيا). ولم تمض بضعة أشهر على إطلاق سراحه حتى كان مصالي ثانية عرضة للاعتقاد بموجب مرسرم (رينيه) القاسي، وسافر إلى سويسرا حيث قضى ستة أشهر في حالة نفي اختياري، تجنبا للسجن من جديد. وقد اتسعت آفاقه في سويسرا من جراء حضوره (المؤتمر الإسلامي في جنيف) واتصاله بالأمير (شكيب أرسلان). وأدى هذا الاتصال إلى تحويل (مصالي الحاج) من صورته الشيوعية الإفرنسية إلى مظهره الإسلامي العربي. وأثر الأمير شكيب على مصالي فحمله على معارضة اقتراحات (بلوم - فيوليت) التمثيلية. وعلى زيادة الاتصال بالحركة الإصلاحية في الجزائر ذاتها. وقام الأمير شكيب ذاته بكتابة مجموعة من الرسائل إلى زعماء المغرب العربي - الإسلامي، أشاد فيها (بالزعيم مصالي الحاج) وامتدح صدق وطنيته وإقدامه وحماسه، وأنه (لو كان للإسلام مثله في مختلف الأوطان لتغير الحال غير الحال) وكان ممن تلقى رسائل الأمير شكيب - بهذا الشأن - محيي الدين القليبي - بتونس - وأحمد توفيق المدني - بالجزائر - وعبد الحميد بن باديس - بقسنطينة - والطيب العقبي - ببسكره - ومبارك
стр. 1422
الميلى - بالأغواط - وعلال الفاسي - بفاس - ومحمد بن أحمد داوود - بتطوان - وساعدت هذه الرسائل (مصالي الحاج) على تطوير نشاطه في أنحاء المغرب العربي الإسلامي.
أدى تحالف قوى اليسار في فرنسا (الاشتراكيين والشيوعيين) إلى انتصارهم في انتخابات سنة ١٩٣٦ وتشكلت, حكومة (ليون بلوم). وقام محامو الدفاع عن (مصالي الحاج) برفع قضيته إلى رئيس الوزراء الإفرنسي، وصدر قرار بعودته إلى فرنسا. فاستأنف (مصالي) نشاطه التنظيمي والدعائي بمجرد وصوله إلى باريس، بعزيمة أكثر وتصميم أكبر. واستعرض نحوا من أربعين ألف عامل من عمال المغرب العربي الإسلامي في باريس، وذلك في صباح يوم الباستيل من سنة ١٩٣٦، وكانت مسيرة العمال ترفع شعار , (تحرر الوطن العربي). ودخل مصالي وحزبه (نجم شمال أفريقيا) إلى الجزائر نفسها، للمرة الأولى، في الثاني من شهر آب - أغسطس - ١٩٣٦ حيث عقد اجتماعا عاما في الملعب البلدي في الجزائر، بحضور نحو من عشرة آلاف جزائري. وقام (مصالي الحاج)؛ بعد ذلك بجولة في أنحاء البلاد، حيث ألقى عددا من الخطب، نالت نجاحا بارزا في مسقط رأسه (في مقاطعة تلمسان). وذكر حزب (نجم شمال أفريقيا) في هذه الآونة، أن عضويته تضم أحد عشر ألف شخص نظموا في سبعة فروع في فرنسا، وفي نحو من ثلاثين فرعا أخرى أثناء الجولة التي قام بها مصالي في أنحاء البلاد. علاوة على ثلاثين فرعا كانت قد تأسست في الجزائر من قبل. ولقيت حملة مصالي
стр. 1423
ضد اقتراحات (بلوم - فيوليت) (*) ومطالبته بالاستقلال، معارضة قوية من قبل (أنصار الدمج) ومن قبل الحزب الشيوعي - بوصفه أحد الأحزاب الحاكمة في فرنسا الآن - والذي بات يؤيد استمرار السيادة الإفرنسية على الجزائر. وأدى هذا الصراع إلى نتيجتين مهمتين: أولاهما تخلي الكثير من الجزائريين عن ارتباطاتهم الشيوعية، تأييدا لموقف حزب (نجم شمال أفريقيا) القومي. وثانيتهما حل حكومة الجبهة الشعبية لحزب (نجم شمال أفريقيا) في كانون الثاني - يناير - ١٩٣٧.
...
قرر زعماء (حزب نجم شمال أفريقيا) بعد حل حزبهم، تأسيس حزب جديد. واجتمع مصالي الحاج وعماش عمار، وراجف بلقاسم وموسوي رباح ونحال محمد الرزق، وأعلنوا يوم ١١ - آذار - مارس - ١٩٣٧ تأسيس (حزب الشعب الجزائري) ودعمهم أعضاء شعبة الجزائر لحزب (نجم شمال أفريقيا).
стр. 1424
٣ - حزب الشعب الجزائري
والحركة من أجل انتصار الحرية والديمقراطية
تكون حزب الشعب تكوينا يغاير ما كان عليه تشكيل حزب (نجم شمال أفريقيا). إذ اعتمد حزب الشعب بالدرجة الأولى على الجزائريين، وكان برنامجه مركزا على تأليف حكومة جزائرية شعبية وبرلمان (مجلس نيابي) واحترام حقوق الأمة الجزائرية وبعث اللغة العربية والاعتماد على الدين الإسلامي، فكان من بعض الوجوه مشابها لحزب الدستور الجديد (في تونس) و (فريق العمل المغربي) إذ لم يكن قد قام في المغرب حتى هذا التاريخ حزب سياسي. ولم يكن ذلك تحللا نهائيا من الارتباط بالحركات السياسية الأخرى في المغرب العربي الإسلامي، أو تقصيرا عن تبادل الدعم ضد فرنسا من أجل الاستقلال. فكان القرار بتأليف حزب الشعب على أسس جزائرية صرفة، عملا تكتيكيا، فرضته الظروف السياسية والقانونية التي جعلت من تونس والمغرب محميتين فرنسيتين ومن الجزائر قطرا فرنسيا.
استقبلت أوساط العمال الجزائريين العاملين في فرنسا تكوين (حزب الشعب) بحماسة، وأعلنت عن تأييدها له. وعاد (مصالي الحاج) إلى الجزائر في حزيران - يونيو -
стр. 1425
١٩٣٧. ورشح الحزب لأول مرة مرشحيه للانتخابات البلدية في الجزائر - العاصمة - وبالرغم من بيان الحزب والوسائل الشرعية التي استخدمها في الانتخابات - فقد جرى اعتقال (مصالي الحاج) وأعضاء اللجنة الإدارية للحزب يوم ٢٧ آب أغسطس - ١٩٣٧. وأسندت إلى (مصالي الحاج) تهمة (التحريض على أعمال العنف ضد سيادة الدولة) و (إعادة تنظيم هيئة محلولة). وقد تم هذا التوقيف في ذات اليوم الذي صدر فيه العدد الأول من جريدة الحزب الرسمية (الشهاب) وهي صحيفة أسبوعية باللغة العربية، كان مديرها ورئيس تحريرها (مفدي زكريا) وهو مجاهد شاب من (ميزاب). ولم يكن ذلك إلا بداية لأعمال القمع ضد الحزب ومجاهديه. ففي الوقت الذي كان يصدر فيه العدد الثاني من جريدة (الشهاب) تم اعتقال رئيس تحرير الجريدة الجديد (غينانيش محمد) من تلمسان. كما اعتقل عدد آخر من أعضاء الحزب - مات أحدهم وهو (كحال محمد) خلال التعذيب الذي أعقب - اعتقاله.
وصدر الحكم على (مصالي الحاج) بالسجن لمدة عامين وتجريده من كافة حقوقه المدنية والسياسية. وصدرت أحكام مماثلة على بقية المعتقلين من أفراد (حزب الشعب) وقادته.
ووضعتهم الإدارة الإفرنسية في سجن (بربروس) حيث عوملوا كمجرمين عاديين، ولكنهم أعلنوا الإضراب عن الطعام مرتين، فحصلوا على اعتبارهم كسجناء سياسيين، وأرسلوا إلى معتقل الحراش (ميزون كاريه) وسمح لهم بتلقي الصحف والطعام والزيارات الرسمية كل أسبوع.
стр. 1426
بقي حزب الشعب، حتى تلك الفترة، حزبا شرعيا، ولم تكن مكافحة إلا لتزيده نموا ونشاطا، ذلك إن القمع الإرهابي الذي مارسته الإدارة الإفرنسية ضد مجاهديه، قد دعمت من وجوده، وأكسبته تعاطف الجماهير معه، وبدأ أعضاؤه في التكاثر في كل أقاليم الجزائر وفي العاصمة الجزائر وضاحيتها بصورة خاصة، وفي بليدة وتلمسان ووهران وقسنطينة وعين بيضاء بعد أن كانوا يقتصرون على العمال المهاجرين في فرنسا.
أجريت انتخابات تكميلية لمجلس بلدية الجزائر، وفازت قائمة (أحمد بومنجل) التي كان يساندها حزب الشعب بأكثرية ساحقة وذلك للمرة الأولى. وفشلت للمرة الأولى أيضا، وأزيحت من المسرح السياسي الأسر البورجوازية التي كانت تتطاحن منذ سنوات فيما بينها في معركة لا معنى لها، ومن هذه الأسر (آل شقيقن) و (بودريا) و (حافظ) و (تمزالي) و (طيار) و (بنتامي) و (بن سماية) و (ولد عيسى) و (بن سيام) إلخ ... فقد أدار أهالي (حي القصبة) في العاصمة الجزائر ظهورهم لسياسة الأسر الكبيرة، لينضم نهائيا إلى صف الأحزاب ذات الاتجاهات السياسية العقائدية. وتدعم هذا التطور في شهر نيسان - أبريل - من سنة ١٩٣٩، في انتخاب مجلس مدينة الجزائر العام، فبالرغم من الضغط الذي تعرض له الناخبون من قبل المحافظة والحكومة، فاز مرشح حزب الشعب الجزائري (دوار محمد) الذي اعتقل بعد ذلك ومات في السجن.
أصدر (حزب الشعب) في تلك الفترة صحيفة أسبوعية باللغة الإفرنسية حملت اسم (البرلمان الجزائري). وكانت هذه
стр. 1427
الصحيفة تحرر وتدار من سجن الحراش (ميزون كاريه) وبقيت قوة الحزب قائمة في فرنسا - سنة ١٩٤٠ - وتمكن من اقتناء آلة طباعة، وأصبحت لمجاهديه خبرة طويلة في شؤون النشاط السياسي والدعائي. غير أن حياة صحيفة (البرلمان الجزائري) لم تستمر طويلا. فقد نشبت الحرب العالمية الثانية، وفي ٢٩ أيلول - سبتمبر - ١٩٣٩، أصدرت الإدارة الإفرنسية قرارها بحل (حزب الشعب الجزائري). ثم أخلي سبيل أعضاء هيئته الإدارية السابقة، وفي يوم ٤ تشرين الأول - أكتوبر - أعيد اعتقال بعض هؤلاء الأعضاء بدون أي سبب مباشر. وشملت تلك الاعتقالات: مصالي الحاج ومعروف بومدين وبوحريدة عمار وخليفة بن عمار، ومفدي زكريا ومكي وفليطة أحمد وقدور تركي وابن العقبي ومحمد خيضر ومحمد ممشاوي وبو معزة علاوي. ولكن الأحداث أخذت تتعاقب مسرعة. فوقعت فرنسا الهدنة وغيرت نظامها وسياستها الخارجية. وقام في لندن الجنرال ديغول يوجه نداءه للشعب الإفرنسي وشعوب المستعمرات يدعوها فيه إلى المقاومة والقتال ضد الاحتلال الألماني. فأدرك الشعب الجزائري أن العالم سيشهد تغييرات ضخمة، وأن هذه الأحداث ستشمل الجزائر. ومع ذلك، انعقدت محكمة عسكرية في مدينة الجزائر. وأصدرت حكمها على (مصالي الحاج) يوم ٢٨ آذار - مارس - سنة ١٩٤١ بالأشغال الشاقة لمدة ١٦ سنة، وبالإبعاد عن الأرض الإفرنسية والمحمية لمدة عشرين سنة بعد ذلك، وبغرامة مالية قدرها ثلاثين مليونا من الفرنكات. ومنذ ذلك الوقت ضاع (حزب الشعب) في متاهات عديدة بين العمل
стр. 1428
العلني والعمل السري. فقد كانت ظروف الحرب، ونشاط أجهزة الأمن الإفرنسية، قادرة على إحكام قبضتها على البلاد. وكانت سلطات (فيشي) تكثر من الاعتقالات ومعسكرات التجمع والإقامة الإجبارية.
كان من آثار هذا النطام الذي استمر حتى نزول القوات الأنكلو - أمريكية في الجزائر يوم ٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٤٢، أنه نشط الرأي العام الجزائري، ففي معسكر القوميين والشيوعيين والعلماء والأشراف والنقابات العمالية والتقدميين والتجار واليهود أخذ اللقاء ينتظم وانتشر تبادل الآراء بين الجميع. وكانت أنباء الخارج موضوع تعليقات يومية، وأصبحت السجون هي المدارس الحقيقية للمجاهدين، فيها يعقدون ندواتهم ويلقون محاضراتهم ويبحثون مستقبل بلادهم. فمن روزفك إلى ستالين، ومن تشرشل إلى ديغول، ومن شرعة الأطلسي إلى استقلال الشعوب المستعمرة، وكانت النظريات تتصارع وتسري بين مجموع المعتقلين. وكان هناك من الرجال من زج بهم في السجون لجرائم عادية، وفيهم تجار لا تربطهم بالسياسة أيه روابط، سجنوا لأنهم تجار حرب ساروا على درب الكسب غير المشروع. هؤلاء وأمثالهم تخرجوا من السجون وهم يحملون حماسة المجاهدين المتمرسين. وعندما كانت الإدارة الإفرنسية تضع أحد القوميين في إقامة إجبارية، كان هم هذا الأخير ينصرف بالدرجة الأولى إلى تنظيم خلية، حيث لم يكن يوجد شيء من ذلك القبيل، وإلى نشر مبادىء الحزب في صفوف الفلاحين. وبذلك، كانت عمليات القمع تنشر خميرة
стр. 1429
الاستقلال الوطني من منطقة إلى أخرى - دون قصد منها -وفي الجامعات والمدارس انخرطت الشبيبة بأكثريتها الساحقة في الحركة القومية، وتغيرت الأخلاق بتغير الزمن، حتى إنه كثيرا ما أخذت تظهر خلافات سياسية بين الأب وابنه. وكانت الأجيال الجديدة تتغنى بتيارات العصر المحرقة، وتتجه إلى المساهمة في الحرب الفكرية - العقائدية - التي أخذت تجتاح العالم وتعمل على تقسيمه وتمزيقه. وقد خرج معهد (بليدة) عددا كبيرا من القوميين النشيطين من بينهم (سعد دحلب) و (محمد يزيد) و (بن يوسف بن خدة) وبعدهم (رمضان عبان). كما خرج غيره من المعاهد العربية الإسلامية شبانا آخرين، مثل الصديق وآية أحمد وبن بيلا وشنتوف ومصطفاي وسواهم ممن انضموا إلى صفوف الدعوة السياسية الجديدة فقويت بهم وازدادوا قوة بها. وغدت (لحزب الشعب الجزائري)، إدارة جديدة تقود مصيره بصورة سرية، وكانت هذه الإدارة على اتصال بمحكومي آذار - مارس - ١٩٤١ (مصالي الحاج وزمرة قيادته). وكان من أبرز عناصر الإدارة الجديدة: الدكتور الأمين دباغين وأحمد مزغنة ومكري حسين، وحسين أصلح.
...
انتهت الحرب العالمية الثانية، وعاد (مصالي الحاج) وأنصاره إلى خوض المعترك السياسي. واشتركوا في أول انتخابات جرت في عهد الجمهورية الرابعة. فبعد أن أطلق سراحه عند انتهاء الحرب بصورة رسمية، منع من دخول المدن الكبرى في الجزائر، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية - تحت
стр. 1430
المراقبة في قرية (بوزريعة) القريبة من مدينة الجزائر، وذلك في تشرين الأول - أكتوبر - من عام ١٩٤٦. وقام مصالي في هذه الآونة، يحيط به أنصاره من أمثال الدكتور الأمين دباغين وحسين الأحول وأحمد مزغنة ومحمد خيضر بتأسيس (حركة انتصار الحريات الديموقراطية).
كانت (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) التي حلت محل (حزب الشعب الجزائري) - الذي كان لا يزال منحلا. تؤيد إنشاء جمعية تأسيسية جزائرية، ذات سيادة منتخبة على أساس الاقتراع العام، دون تمييز من أي نوع، وجلاء الجيوش الإفرنسية عن الجزائر، وإعادة الأراضي التي انتزعت، وتعريب التعليم الثانوي، وعودة المساجد إلى الأشراف الديني البحت. وقرر مصالي أن يشترك في انتخابات شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ليضع هذا البرنامج أمام الشعب الجزائري، وليختبر فكرة استقلال الجزائر عن طريق صناديق الانتخاب. ولذلك رفض محاولات الحزب الشيوعي الجزائري، الذي كان واقعا تحت تأثير ضغط شديد من الطائفة الانتخابية الأولى، للاشتراك في (جبهة متحدة) تشمل الشيوعيين، وحركة انتصار الحريات الديموقراطية، والاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري وجماعة العلماء. وأسف فرحات عباس (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان) لموقف مصالي، ولكنهم قرروا عدم الاشتراك في الانتخابات تحاشيا لوقوع الانقسام في صفوف القوميين وتهيئة فرصة لمصالي كان قد فشل فيها. وجاءت نتائج الانتخابات في الطائفة الثانية مخيبة لأمل (حركة انتصار الحريات الديمقراطية - مصالي الحاج) إذ حصلت على خمسة مقاعد،
стр. 1431
تتضمن انتخاب (مزغنة) و (خيضر) عن مدينة الجزائر، و (الأمين) عن قسنطينة. وذلك من المجموع الكلي وهو خمسة عشر مقعدا. ولكنها حصلت على - ١٥٣،١٥٣ - صوتا فقط من مجموع المقترعين وهو ٤٦٤،٣١٩ - من مجموع من لهم حق الانتخاب وهو - ١،٢٤٥،١٠٨ - وكانت ثمانية مقاعد في (الطائفة الثانية) من نصيب المستقلين الذين تؤيدهم الإدارة الإفرنسية، والذين يؤيدون التعاون بين الإفرنسيين والمسلمين، وحصل الشيوعيون على مقعدين. وفي انتخابات مجلس الجمهورية الإفرنسي، كانت النتيجة مختلفة نوعا ما. فعلى الرغم من جهود الإدارة لإبعاد حزب (الاتحاد الديمقراطي) عن الانتخابات غير المباشرة، حصل الحزب في النهاية على أربعة مقاعد من سبعة، بينما كانت ثلاثة مقاعد من نصيب المستقلين الذين يؤيدون التعاون بين الإفرنسيين والمسلمين، وأظهر هذا النجاح أن (الاتحاد الديموقراطي) احتفظ بالشعبية التي سبق له أن كسبها من قبل، وذلك على الرغم من أنه لم يشترك في الانتخابات (للجمعية الوطنية).
...
كان أمام (الجمعية الوطنية الإفرنسية) أربعة مشاريع لقانون الجزائر، قدمتها الحكومة الإفرنسية والحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي وحزب (الاتحاد الديموقراطي) منضما إلى (جماعة المستقلين المسلمين للدفاع عن اتحاد الجزائر) - وهو الاسم الذي اختاره أولئك المسلمون الذين يؤيدون التعاون بين الإفرنسيين. والمسلمين - وقام أعضاء (حركة انتصار الحريات الديموقراطية - مصالي) بعرض وجهات نظر القوميين الجزائريين أمام الجمعية
стр. 1432
الوطنية الإفرنسية. وفي يوم ٢٠ آب - أغسطس - وهو يوم يصفه الحزب بأنه تاريخي، جادل أربعة أعضاء من حزب (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) في أن (الجزائر ليست إفرنسية) وأنها لا تعترف بموقف الأمر الواقع الذي أوجده الغزو الإفرنسي للجزائر في سنة ١٨٣٠. وأن الجزائر (لن تعترف بأي قانون إلا إذا تضمن إعادة السيادة للشعب) وكانوا يطالبون بإقامة جمعية تأسيسية جزائرية تنتخب بالاقتراع العام دون تمييز من أي نوع. وهو الاقتراح الذي تكرر كثيرا من حزب (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) في سنوات ما بعد الحرب. وتعرض النائب (أحمد مزغنة) في نقاشه لمجمل المظالم الاقتصادية التي عانت منها الجزائر وشعبها خلال حكم الاستعمار الإفرنسي للبلاد، فذكر ما يلي: (... يكفي أن تسير في شارع لير في المساء، حيث ينام مئات من السابلة على الأرض، أو أن تفحص مجموعات الرجال والنساء والأطفال والشيوخ العرايا تقريبا التي دفعها البؤس والخوف من الموت نحو المدن، والذين يبحثون في كل صباح، ويزاحمون الكلاب والقطط على بقايا الطعام، لتأخذ فكرة عن المأساة الإنسانية التي لا تصدق، والتي تجري في الجزائر) (*).
قام ممثلو حزب (الاتحاد الديموقراطي) بطرح وجهات النظر الجزائرية أمام مجلس الجمهورية على شكل قانون مقترح. وقال أحد هؤلاء الممثلين: (بأن الأوروبيين في الجزائر هم الذين
стр. 1433
فرضوا على فرنسا سياستها على المسلمين طوال خمس وسبعين عاما. وظهرت تغييرات كثيرة في السياسة: التعاون، الدمج، الارتباط، الحكم الذاتي، عودة الاتصال، غير أن أحدا من هذه السياسات لم ينفذ. وبقيت السياسة الوحيدة التي تمارس في الواقع - في الجزائر - هي سياسة التفوق الإفرنسي). وكان القانون المقترح يدعو إلى إقامة الحكم الذاتي الكامل للجزائر، والاعتراف بالجمهورية الجزائرية وببرلمانها - مجلس نوابها - الخاص، وحكومتها الخاصة، في علاقة اتحادية بفرنسا. ونصت مواد أخرى على مواطنة مزدوجة للإفرنسيين والجزائريين في كل من فرنسا والجزائر، ولغتين رسميتين، وتعليم إلزامي باللغتين الإفرنسية والعربية. وإصلاح زراعي. وتستطيع الجمهورية الجزائرية تكوين اتحاد مع دول المغرب العربي - الإسلامي (تونس والمغرب) داخل الاتحاد الإفرنسي. ولم تبحث الحكومة الإفرنسية اقتراح حزب (الاتحاد الديموقراطي، في المجلس، ولا اقتراح حزب (حركة انتصار الحريات الديموقراطية - حزب فرحات عباس) في الجمعية بحثا جديا. ولذلك لم تكن تجربة الحزبين في أول برلمان منتخب أكثر فائدة من تجربة ممثلي الجزائر في الجمعية التأسيسية الأولى والثانية.
قبلت لجنة الجمعية الوطنية الإفرنسية التي تبحث القانون الأساسي للجزائر، الحل الوسط الذي عرضته الحكومة وذلك يوم ٢١ - آب - أغسطس - ١٩٤٧. وغادر أعضاء حركة (انتصار الحريات الديموقراطية) القاعة؛ ورفضوا الاشتراك في أية مناقشة بعد ذلك. وفي السابع والعشرين من الشهر ذاته، أقرت
стр. 1434
الجمعية القانون بمجموعه. وفي مجلس الجمهورية، ترك مندوبو (الاتحاد الديموقراطي) مقاعدهم بعد أن عبروا عن خيبة أملهم. وأعلن زعيم الاتحاد - مصالي الحاج - أن الحزب لا يستطيع قبول القانون الذي تبنته الجمعية، وذلك لأن هذا القانون كما قال: (ليس قانونا إدماجيا في حين أنه يسعى لأن يكون كذلك، وهو ليس اتحاديا بالقدر المرغوب. وليس فيه شيء ديموقراطي، برغم أنه ولد في أسى التحرر العظيم وجراحه. وهو ليس تقدميا حيث أنه يأخذ بيد ما يعطيه بالأخرى. وهو قانون بلا شخصية وبلا أصالة، ميت لا تدب فيه الحياة، وأصالته الوحيدة - إذا كانت له أصالة - أنه استبقى - تحت شكل جديد - الامتيازات القديمة لكبار ملاك الأرض. إنه فقط استبدل سلسلة ذهبية بالسلسلة الحديدية التي تقيدنا فعلا).
...
تضمن دستور ١٩٤٧، سابق الذكر، بعض الفقرات أو المواد التي تصلح لتكون أرضية مناسبة لتطورات لاحقة تسير بالجزائر نحو الإصلاح السلمي، ومنها على سبيل المثال:
مادة ١٠٧: تؤلف الجمهورية الإفرنسية مع شعوب ما وراء البحار اتحادا يسمى الاتحاد الفرنسي، يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز جنس أو دين.
مادة ١٠٨: الاتحاد الإفرنسي هو اتحاد أمم وشعوب، تقبل عن رضى بأن تنسق، أو أن تضع في نطاق
стр. 1435
مشترك مواردها وجهودها لتنمية حضارتها ورفاهيتها وتحسين نظمها الديمقراطية وضمان أمنها وسلامها. ويضم الاتحاد عند تشكله، الجمهورية الإفرنسية واحدة لا تتجزأ والدول المتحدة وبلدان ما وراء البحار، ومنها الجزائر كدولة اتحادية.
مادة ١٠٩: يجب أن يؤدي التقدم الذي تحققه شعوب الاتحاد إلى أن تقرر مصيرها بحرية ويمكن بالتالي لكل شعب أن ينسحب من الاتحاد في نهاية مهلة لا تتجاوز العشرين عاما، فإما أن يصبح مجرد دولة اتحادية، أو جزءا من الأمة الإفرنسية.
مادة ١١٠: يؤدي تشكل الاتحاد الإفرنسي إلى إقامة دستور في كل بلد تضعه جمعية محلية تنتخب بالاقتراع العام.
وكان باستطاعة فرنسا الإفادة من هذا القانون - الدستور - لتجاوز أحداث سنة ١٩٤٥ المخيفة، وما تركته من جراحات عميقة في النفوس (مذابح سطيف وقالمة في ٨ أيار - مايو - ١٩٤٥) وكذلك إصلاح ما أفسدته التصرفات الهوجاء في سنتي ١٩٤٦ و ١٩٤٧، عن طريق إعداد شكل مرن للتطور السياسي في الجزائر، لو لم تتسم الأعوام التي انقضت بين سنة ١٩٤٧ و١٩٥٤ بسمة الازدياد في قوة المستوطنين، وهجمتهم المسعورة ضد مسلمي الجزائر. وكانت فرنسا مشغولة - أو متشاغلة -
стр. 1436
عن المغرب العربي - الإسلامي، بحربها الطويلة والفاشلة في الهند الصينية، وصراعاتها السياسية الداخلية، ومتاعبها الاقتصادية، وبأحداث الحرب الباردة على المسرح العالمي، ثم جاءت أحداث تونس والمغرب (مراكش) لتصرف أنظارها عما كانت تتمخض عنه الجزائر، وذلك بدلا من أن تفتح هذه الأحداث أبصارها على ما يمكن أن يحدث في الجزائر. وهكذا كانت فرنسا تسير مغمضة العينين إلى حيث يقودها المستوطنون في الجزائر ذاتها - وهم رمز غلاة الاستعماريين الذين تحجرت عقولهم وجمدت عند إحداث الفتح أو الغزو القديم للجزائر -. وانصرف هؤلاء المستوطنون إلى وضع الألغام تحت عجلات الدستور الجديد وقد عزوا الانتصار الكامل الذي حققته (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) في الانتخابات البلدية التي جرت في تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٤٧ إلى شعار الحركة (الحقيبة أو الكفن) - وهو المصير الذي كان يلوح به المتطرفون - بحسب وصف المستوطنين لهم - وذلك في صراع هؤلاء المتطرفين الجزائريين في صراعهم ضد المستوطنين. وأرغم المستنوطنون الحاكم العام المتحرر الفكر (الليبرالي) شاتينيو على الاستقالة، ليحل محله الحاكم العام الاشتراكي الجديد (مارسيل أدمون نيغلين) الذي برهن كأحد خلفائه (روبير لاكوست) بأنه يساري في فرنسا، ويميني استعماري متطرف في الجزائر.
وقد قام (نيغلين) على الفور بإجراءات صارمة لتحديد نشاط الوطنيين الجزائريين، ومنعهم من التعبير عنه في الجمعيات المنتخبة. وأقدم على إجراء عمليات تزوير واسعة لتزييف
стр. 1437
الانتخابات في أول جمعية وطنية جزائرية (برلمان) في العام ١٩٤٨، وذلك بهدف التأكيد على وجود (التفوق الإفرنسي في الجزائر). وفعل مثل ذلك في انتخابات الجمعية الثانية سنة ١٩٥١، علاوة على تزييف الانتخابات الثانوية المحلية. ففي انتخابات نيسان - أبريل - سنة ١٩٤٨، فاز مرشحو (حركة انتصار الحريات الديموقراطية - جماعة مصالي الحاج) بتسعة مقاعد فقط من مجموع ستين مقعدا في دوائر (انتخاب الدرجتين) كما فاز مرشحو (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري - جماعة فرحات عباس) بثمانية مقاعد. أما المقاعد الثلاثة والأربعون الباقية فقد أعطيت للمرشحين من أنصار (التعاون الإفرنسي - الجزائري). وفي الانتخابات الفرعية التي جرت في العام ١٩٥١، لتجديد بعض المقاعد، خسرت حركة انتصار الحريات الديموقراطية أربعة مقاعد من مقاعدها التسعة، كما خسر الاتحاد الديموقراطي مقعدا واحدا من مقاعده الثمانية.
أدى الخلاف الذي نشب بين الحكومة الإفرنسية من جهة، وبين الحاكم العام (نيغلين) من جهة ثانية، في موضوع سوء تصرف هذا الأخير في الانتخابات، إلى استقالته في العام ١٩٥١. وقد خلفه (المسيو ليونارد) وهو مدير عام سابق للشرطة. فحافظ هذا على سياسة (تكييف الانتخابات) - وهي لفظة متطورة للتزييف والتزوير - وأثمرت جهوده بتحقيق أكثر مما كان متوقعا في نتائج الانتخابات التي أجراها في حزيران - يونيو - ١٩٥١ (للجمعية الوطنية الإفرنسية). فقد خسرت حركة انتصار الحريات الديموقراطية جميع المقاعد الخمسة التي
стр. 1438
كانت لها في الجمعية الأولى. كما خسر الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري جميع مقاعده في مجلس الجمهورية. وكان بين الذين أسقطوا في الانتخابات (فرحات عباس) الذي رشح نفسه في مدينة (سطيف) حيث سبق له أن أنشأ جماعة أصدقاء البيان والحرية، والاتحاد الديموتراطي لأنصار البيان الجزائري. ولم تؤد هذه الانتصارات التي حققها المستوطنون في تخريب مفعول القانون الأساسي لعام ١٩٤٧، إلى زيادة التفاهم بين المستوطنين والجزائريين. ولكن المخاوف التي كانت موجودة عندهم في العام ١٩٤٧ (من موجة التطرف الجزائري - الإسلامي) قد زالت الآن، وزال معها ما كانوا يشعرون به من الحاجة للتفاهم مع الوطنيين الجزائريين. وقد كتب مؤرخ فرنسي بارز عن النتائج البعيدة المدى لهذه الفترة فقال:
(... وهكذا انهار شيئا فشيئا العمل التحرري الذي قام به الحاكم العام - الليبرالي شاتينيو -: فقد جمدت المراكز البلدية، وغيرت قطاعات الإصلاح الريفي ... وهجرت الاقتراحات لإقامة مجمعات ريفية - كومونات -. واعتبر أن إعادة إسكان الفلاحين قد تحققت، وأفاد من مشاريع الإسكان أولئك الذين يملكون رأسمال معين وواردات كافية، ولم تنتفع منه جماهير الشعب التي لا مأوى لها. وظلت المحاكم المختلطة قائمة، ولم يتحقق الفصل بين العقيدة الإسلامية والدولة، وأعيد تنظيم المقاطعات الجنوبية ضمن مخطط جبان، وأخذت مشاريع التصنيع التي بدأت بداية طيبة في العام ١٩٤٧ - ١٩٤٨ تواجه
стр. 1439
الآن المتاعب. وحتى مشاريع فتح المدارس التي بدأ تنفيذها بنجاح، أخذت تعاني من ضآلة الأموال المتوافرة لها، والتي كانت قد خصصت لها، وأصبح عدد الطلاب في سن الدراسة أكبر بكثير مما يمكن للمدارس الموجودة أن تستوعبه).
كان بين التأثيرات التعيسة على عقلية المستوطنين، ما كانت تلقاه حزازاتهم ضد الجزائريين من تعزيز عام مستمر. وأدى تزييف الانتخابات إلى المجيء إلى الجمعية الوطنية الجزائرية (بأُمّعّات) لا يخرجون على إرادة الإدارة الإفرنسية، وهم من الأفراد (معدومي القيمة) وأكثرهم من الأميين الذين أسهمت استكانتهم وخضوعهم الذليل في حجب الرغبات المتعاظمة التي كانت تجيش بها صدور المسلمين والقوميين من أبناء الطبقة المتوسطة. وأمام هذا الموقف، أخذ بعض متحرري الفكر من المجموعة الأوروبية في إظهار قلقهم المتزايد من اتساع الفجوة، وعمق الهوة، التي باتت تفصل بين المستوطنين والجزائريين، وقد مثل (جاك شوفالييه) رئيس بلدية الجزائر تلك المجموعة القليلة في العدد، والكثيرة في كفايتها وإدراكها، والقوية في التعبير عن نفسها، حيث قال: (علينا أن نفكر اليوم، بأنه من الأفضل للإنسان أن يجد حوله أنصاف ثائرين لا أتباعا وخدما) وقد ألف شيفالييه وعدد من أعضاء الجمعية الجزائرية الذين يشاطرونه الرأي كتلة داخلية من الليبيراليين (لتوثيق أواصر التعاون الإفرنسي الجزائري، ولحماية حريات معينة). ولكن نشاط هذه الكتلة لم يترك أي أثر على الصفحة السياسية للجزائر. كما لم تنجح المحاولات التي قامت بها لردم الهوة بين
стр. 1440
الفريقين. ولم تؤد التحقيقات التي قام بها عدد من النواب في فرنسا ذاتها إلى تبديل الإجراءات التي تقوم بها السلطات في الحملات الانتخابية.
...
كان رد الفعل على إحباط قانون ١٩٤٧، وعلى تزوير الانتخابات، قويا وعنيفا في وسط كل الأحزاب السياسية الجزائرية، وبصورة خاصة في وسط (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) حيث توافرت لهذه الحركة مجموعة من الشباب المتقد حماسة للعمل السري. وظهر بوضوح أن هذه الحركة باتت خاضعة لسيطرة عدد من مراكز القوى، التي ساعد على تشكيلها غياب القيادة الأساسية (قيادة مصالي الحاج) التي كانت ضحية للاضطهاد المستمر والملاحقة العنيفة، والاغتيالات المتتالية لكبار العاملين فيها. ويضاف إلى ذلك، الوضع الخاص، للزعيم مصالي الحاج الذي بات شيخا منهكا، استنزف النضال قدرته، واستهلكت السجون حيوية شبابه، فأفقدته المرونة المطلوبة للقيادة. وزاد الأمر سوءا شعوره الخاص (بأن له الحق في اتخاذ القرار الأول والأخير) في كل ما يتعلق بالأمور العامة للجزائر، وهو أمر بات يتناقض جذريا مع تطلعات القيادات التبادلية التي باتت تمارس دورها بفاعلية في وسط الحزب، وعلى مستوى السياسة العامة للبلاد. وهو الموقف الذي وصفه الزعيم (فرحات عباس) بقوله:
(... من عام ١٩٢٥ حتى عام ١٩٥٤ - منذ (نجم شمال أفريقيا حتى - اللجنة الثورية من أجل الوحدة والعمل)