عن المغرب العربي - الإسلامي، بحربها الطويلة والفاشلة في الهند الصينية، وصراعاتها السياسية الداخلية، ومتاعبها الاقتصادية، وبأحداث الحرب الباردة على المسرح العالمي، ثم جاءت أحداث تونس والمغرب (مراكش) لتصرف أنظارها عما كانت تتمخض عنه الجزائر، وذلك بدلا من أن تفتح هذه الأحداث أبصارها على ما يمكن أن يحدث في الجزائر. وهكذا كانت فرنسا تسير مغمضة العينين إلى حيث يقودها المستوطنون في الجزائر ذاتها - وهم رمز غلاة الاستعماريين الذين تحجرت عقولهم وجمدت عند إحداث الفتح أو الغزو القديم للجزائر -. وانصرف هؤلاء المستوطنون إلى وضع الألغام تحت عجلات الدستور الجديد وقد عزوا الانتصار الكامل الذي حققته (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) في الانتخابات البلدية التي جرت في تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٤٧ إلى شعار الحركة (الحقيبة أو الكفن) - وهو المصير الذي كان يلوح به المتطرفون - بحسب وصف المستوطنين لهم - وذلك في صراع هؤلاء المتطرفين الجزائريين في صراعهم ضد المستوطنين. وأرغم المستنوطنون الحاكم العام المتحرر الفكر (الليبرالي) شاتينيو على الاستقالة، ليحل محله الحاكم العام الاشتراكي الجديد (مارسيل أدمون نيغلين) الذي برهن كأحد خلفائه (روبير لاكوست) بأنه يساري في فرنسا، ويميني استعماري متطرف في الجزائر.
وقد قام (نيغلين) على الفور بإجراءات صارمة لتحديد نشاط الوطنيين الجزائريين، ومنعهم من التعبير عنه في الجمعيات المنتخبة. وأقدم على إجراء عمليات تزوير واسعة لتزييف
стр. 1437
الانتخابات في أول جمعية وطنية جزائرية (برلمان) في العام ١٩٤٨، وذلك بهدف التأكيد على وجود (التفوق الإفرنسي في الجزائر). وفعل مثل ذلك في انتخابات الجمعية الثانية سنة ١٩٥١، علاوة على تزييف الانتخابات الثانوية المحلية. ففي انتخابات نيسان - أبريل - سنة ١٩٤٨، فاز مرشحو (حركة انتصار الحريات الديموقراطية - جماعة مصالي الحاج) بتسعة مقاعد فقط من مجموع ستين مقعدا في دوائر (انتخاب الدرجتين) كما فاز مرشحو (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري - جماعة فرحات عباس) بثمانية مقاعد. أما المقاعد الثلاثة والأربعون الباقية فقد أعطيت للمرشحين من أنصار (التعاون الإفرنسي - الجزائري). وفي الانتخابات الفرعية التي جرت في العام ١٩٥١، لتجديد بعض المقاعد، خسرت حركة انتصار الحريات الديموقراطية أربعة مقاعد من مقاعدها التسعة، كما خسر الاتحاد الديموقراطي مقعدا واحدا من مقاعده الثمانية.
أدى الخلاف الذي نشب بين الحكومة الإفرنسية من جهة، وبين الحاكم العام (نيغلين) من جهة ثانية، في موضوع سوء تصرف هذا الأخير في الانتخابات، إلى استقالته في العام ١٩٥١. وقد خلفه (المسيو ليونارد) وهو مدير عام سابق للشرطة. فحافظ هذا على سياسة (تكييف الانتخابات) - وهي لفظة متطورة للتزييف والتزوير - وأثمرت جهوده بتحقيق أكثر مما كان متوقعا في نتائج الانتخابات التي أجراها في حزيران - يونيو - ١٩٥١ (للجمعية الوطنية الإفرنسية). فقد خسرت حركة انتصار الحريات الديموقراطية جميع المقاعد الخمسة التي
стр. 1438
كانت لها في الجمعية الأولى. كما خسر الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري جميع مقاعده في مجلس الجمهورية. وكان بين الذين أسقطوا في الانتخابات (فرحات عباس) الذي رشح نفسه في مدينة (سطيف) حيث سبق له أن أنشأ جماعة أصدقاء البيان والحرية، والاتحاد الديموتراطي لأنصار البيان الجزائري. ولم تؤد هذه الانتصارات التي حققها المستوطنون في تخريب مفعول القانون الأساسي لعام ١٩٤٧، إلى زيادة التفاهم بين المستوطنين والجزائريين. ولكن المخاوف التي كانت موجودة عندهم في العام ١٩٤٧ (من موجة التطرف الجزائري - الإسلامي) قد زالت الآن، وزال معها ما كانوا يشعرون به من الحاجة للتفاهم مع الوطنيين الجزائريين. وقد كتب مؤرخ فرنسي بارز عن النتائج البعيدة المدى لهذه الفترة فقال:
(... وهكذا انهار شيئا فشيئا العمل التحرري الذي قام به الحاكم العام - الليبرالي شاتينيو -: فقد جمدت المراكز البلدية، وغيرت قطاعات الإصلاح الريفي ... وهجرت الاقتراحات لإقامة مجمعات ريفية - كومونات -. واعتبر أن إعادة إسكان الفلاحين قد تحققت، وأفاد من مشاريع الإسكان أولئك الذين يملكون رأسمال معين وواردات كافية، ولم تنتفع منه جماهير الشعب التي لا مأوى لها. وظلت المحاكم المختلطة قائمة، ولم يتحقق الفصل بين العقيدة الإسلامية والدولة، وأعيد تنظيم المقاطعات الجنوبية ضمن مخطط جبان، وأخذت مشاريع التصنيع التي بدأت بداية طيبة في العام ١٩٤٧ - ١٩٤٨ تواجه
стр. 1439
الآن المتاعب. وحتى مشاريع فتح المدارس التي بدأ تنفيذها بنجاح، أخذت تعاني من ضآلة الأموال المتوافرة لها، والتي كانت قد خصصت لها، وأصبح عدد الطلاب في سن الدراسة أكبر بكثير مما يمكن للمدارس الموجودة أن تستوعبه).
كان بين التأثيرات التعيسة على عقلية المستوطنين، ما كانت تلقاه حزازاتهم ضد الجزائريين من تعزيز عام مستمر. وأدى تزييف الانتخابات إلى المجيء إلى الجمعية الوطنية الجزائرية (بأُمّعّات) لا يخرجون على إرادة الإدارة الإفرنسية، وهم من الأفراد (معدومي القيمة) وأكثرهم من الأميين الذين أسهمت استكانتهم وخضوعهم الذليل في حجب الرغبات المتعاظمة التي كانت تجيش بها صدور المسلمين والقوميين من أبناء الطبقة المتوسطة. وأمام هذا الموقف، أخذ بعض متحرري الفكر من المجموعة الأوروبية في إظهار قلقهم المتزايد من اتساع الفجوة، وعمق الهوة، التي باتت تفصل بين المستوطنين والجزائريين، وقد مثل (جاك شوفالييه) رئيس بلدية الجزائر تلك المجموعة القليلة في العدد، والكثيرة في كفايتها وإدراكها، والقوية في التعبير عن نفسها، حيث قال: (علينا أن نفكر اليوم، بأنه من الأفضل للإنسان أن يجد حوله أنصاف ثائرين لا أتباعا وخدما) وقد ألف شيفالييه وعدد من أعضاء الجمعية الجزائرية الذين يشاطرونه الرأي كتلة داخلية من الليبيراليين (لتوثيق أواصر التعاون الإفرنسي الجزائري، ولحماية حريات معينة). ولكن نشاط هذه الكتلة لم يترك أي أثر على الصفحة السياسية للجزائر. كما لم تنجح المحاولات التي قامت بها لردم الهوة بين
стр. 1440
الفريقين. ولم تؤد التحقيقات التي قام بها عدد من النواب في فرنسا ذاتها إلى تبديل الإجراءات التي تقوم بها السلطات في الحملات الانتخابية.
...
كان رد الفعل على إحباط قانون ١٩٤٧، وعلى تزوير الانتخابات، قويا وعنيفا في وسط كل الأحزاب السياسية الجزائرية، وبصورة خاصة في وسط (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) حيث توافرت لهذه الحركة مجموعة من الشباب المتقد حماسة للعمل السري. وظهر بوضوح أن هذه الحركة باتت خاضعة لسيطرة عدد من مراكز القوى، التي ساعد على تشكيلها غياب القيادة الأساسية (قيادة مصالي الحاج) التي كانت ضحية للاضطهاد المستمر والملاحقة العنيفة، والاغتيالات المتتالية لكبار العاملين فيها. ويضاف إلى ذلك، الوضع الخاص، للزعيم مصالي الحاج الذي بات شيخا منهكا، استنزف النضال قدرته، واستهلكت السجون حيوية شبابه، فأفقدته المرونة المطلوبة للقيادة. وزاد الأمر سوءا شعوره الخاص (بأن له الحق في اتخاذ القرار الأول والأخير) في كل ما يتعلق بالأمور العامة للجزائر، وهو أمر بات يتناقض جذريا مع تطلعات القيادات التبادلية التي باتت تمارس دورها بفاعلية في وسط الحزب، وعلى مستوى السياسة العامة للبلاد. وهو الموقف الذي وصفه الزعيم (فرحات عباس) بقوله:
(... من عام ١٩٢٥ حتى عام ١٩٥٤ - منذ (نجم شمال أفريقيا حتى - اللجنة الثورية من أجل الوحدة والعمل)
стр. 1441
تتابع رجال كثر ينتمون إلى الاتجاه القومي. فليس من الضروري أن يكون المرء مفسرا ملهما حتى يدرك أن المشكلات لم تعد مطروحة عام ١٩٥٣ على النحو الذي كانت مطروحة فيه بعد الحرب العالمية الأولى، كما لم تعد هي نفسها طرق تفسيرها وحلها. وكان النزاع الذي أدى إلى نشوء (اللجنة الثورية من أجل الوحدة والعمل) بشكل خاص، هو تعبير عن الافتراق بين الروتين والتجديد، بين قومية كلامية كانت تحاول أن تبقى في مرحلة البيانات وبين قومية نشيطة تتلظى للعمل. ويجب أن نضيف إلى هذا الازدواج مساوىء - عبادة الفرد - فقد شرب (حزب الشعب الجزائري) وبعده (الحركة من أجل انتصار الحرية والديموقراطية) الشبان العاملين عبادة (مصالي الحاج) خلال عشرات السنين، وذلك من أجل إيجاد رمز للحركة، فكان يسمى (أبا الشعب) ولم يكن هناك أحد في الحزب يجرؤ على مخالفة (المعلم). ولم يعرف (مصالي الحاج) وهو من أصل متواضع مثلنا جميعا أن يوقف هذا (التأليه) فأخذ من مكمنه، وأخذ يعتقد بمعصوميته. ولما تجاوزته الأحداث والمشكلات، حاول أن يداوي عدم كفاءته الثورية بطلاء خارجي يعود إلى التهريج أكثر مما يعود إلى النضال الفعلي الصحيح. وعندما حاول أعوان غير مأخوذين بالسحر الظاهري أن يقوموا بردود فعل مناسبة وصحيحة كان الأوان قد فات، فاصطدموا بحاجز صلب. وكان المرض عميقا لدرجة أصبح من الضرورة معها انتظار انفجار الحزب حتى يصبح بالإمكان القيام بعمل ثوري حقيقي. ومهما يكن من أمر، فقد كانت فرنسا الاستعمارية،
стр. 1442
وجزائر المستوطنين الغلاة، تصفقان لهذا النزاع بين الأشقاء. ولم يكن يخطر في بالهما أن الأزمة ستعجل سير التاريخ، وذلك أن هذا النزاع هو الذي أدى إلى قيام (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) فقد جلب معه دواءه الذي ظهر في زمن وجيز أنه قوي بقدر ما هو منقذ) (*).
وعلى كل حال، قررت الحكومة الإفرنسية في سنة ١٩٥٢ نقل (مصالي الحاج) نهائيا من الجزائر ووضعه تحت الإقامة الإجبارية في (نيورت) بفرنسا، غير أن هذا الإجراء لم يؤثر على نشاط الحركة التي تمكنت من عقد مؤتمرها الثاني - المؤتمر العام - في نيسان (أبريل) ١٩٥٣. وكان هذا المؤتمر هو الأول بعد المؤتمر التأسيسي الذي عقد في العام ١٩٤٧. وأظهرت المناقشات التي جرت في المؤتمر وجود خلافات عميقة في صفوف الحزب، حول الشؤون المتعلقة بتنظيم الحركة وعقيدتها، بالإضافة إلى بروز الصراع الشخصي. وقد أعلن (أحمد مزغنة) في خطاب الافتتاح، الذي رحب فيه بالأعضاء، أن الحركة تنتقل الآن من مرحلة الإثارة إلى مرحلة التنظيم والتعليم الحزبي، ثم دعا الحزب إلى حشد (قوى جديدة) في الداخل، وإلى مضاعفة جهوده، في الخارج. وأكد (مصالي الحاج) في الرسالة التي بعث بها إلى المؤتمر، بصورة خاصة، على الوضع الدولي، فكتب يقول: (أن الاستعمار الإفرنسي وهو يحتضر الآن على فراش الموت، قد تلقى دعما جديدا من الولايات
стр. 1443
المتحدة. وأن بوسع الاتحاد السوفييتي أن يعقد الآن، كما عقد في الماضي، صفقات مضرة بالشعوب المستعمرة، ولذا فإن من واجب حركة انتصار الحريات الديموتراطية أن تعتمد على نفسها، ثم مضى إلى القول: إن أمامنا مهام كثيرة لا مناص منها للمضي في نضالنا، ومن هذه المهام أن نكون حزبا قويا يسوده النظام. وأن نثقف الشعب الجزائري حتى يتمكن من ممارسة دوره في مختلف الظروف، وأن نبرهن على حقيقة وجود حزبنا في الداخل وفي الخارج. وأن نستلفت اهتمام الرأي العام العالمي بروحنا النضالية التي تبدو كل يوم وأن نخطط سياسة خارجية مقررة وثابتة. وأن نعرف كيف نحسن استغلال جميع الأوراق الرابحة في أيدينا في الداخل والخارج. وأن نملك منظمة طيبة وصحافة صالحة وممثلين أكفاء في البلاد الأجنبية. وأن نخلق انسجاما بين هذه المظاهر المختلفة من نشاطنا. وتوجيه هذا النشاط يتطلب سعة في الأفق، وحسنا في الاختيار والتوجيه، وسعة في الأفق والخيال، وروح الابتكار والحافز التي هي من الصفات التي لا غنى عنها لزعمائنا) (*).
قدمت اللجنة المركزية تقريرها العام إلى المؤتمر، محللة فيه عيوب الحزب وآماله. وكان المؤتمر السابق قد توصل إلى ثلاثة قرارات مهمة، وهي:
١ - اشتراك حركة انتصار الحريات الديموقراطية في الانتخابات.
٢ - النضال ضد الاستعمار بكل الصور والأشكال.
٣ - السعي لتحقيق وحدة الشعب
стр. 1444
الجزائري. وأجبر مرشحو الحركة، الإدارة الإفرنسية، من الناحية الإيجابية، على استحدام القوة لإسقاطهم في الانتخابات، واتسعت عضوية الحزب في الجزائر. وخلقت الظروف المناسبة لتحقيق وحدة جميع الوطنيين في البلاد. أما من الناحية السلبية، فقد كلفت الحملات الانتخابية الحزب ثمنا باهظا في الغرامات والاعتقالات، وكانت هناك حالات من الافقار للانضباط الحربي بين بعض الممثلين. وقد أسهمت جهود القمع الاستعمارية على اتساع الحزب وزيادة نشاطه وتثقيف مناضليه، وتكوين تنظيم الملاك الحزبي - السري -.
قسمت اللجنة المركزية نشاطها في ست سنوات إلى ثلاث فترات، فترة الهجوم التي تشمل عامي (١٩٤٧ و١٩٤٨) وهي الفترة التي قدم فيها الحزب برنامجه لإنشاء جمعية تأسيسية ذات سيادة. وفترة الدفاع من آذار (مارس) ١٩٤٨ إلى كانون الثاني (يناير) عام ١٩٥٠ وفترة النقاهة من عام ١٩٥٠ إلى عام ١٩٥٣. وقد مر الحزب في الفترة الدفاعية بأزمتين عنيفتين استطاع اجتيازهما بنجاح وهما:
١ - أزمة البربر.
٢ - قضية الأمين دباغين.
وقد أطلقت اللجنة المركزية على حركة البربر، اسم: (الانحراف الطائفي ذي الطبيعة العنصرية والشيوعية) وحذرت من أن تظل هذه المشكلة (ورقة رابحة في يد الاستعمار طالما أنها قائمة وموجودة) وتختفي وراء هذا التعبير الماركسي مشكلة أكثر عمقا وأهمية، وهي مشكلة التباين العرقي بين العرب والبربر في الجزائر والتي خلقها الاستعمار الإفرنسي
стр. 1445
وحاول استثمارها إلى أبعد الحدود وبأقذر الوسائل (وتقدر نسبة البربر في تونس بالنسبة للعرب واحد بالمائة، وترتفع هذه النسبة في الجزائر إلى تسعة وعشرين بالمائة لتبلغ في المغرب خمسة وأربعين في المائة). وكانت التفرقة بين العرب والبربر الذين وحدهم الإسلام هي إحدى سياسات الاستعمار الإفرنسي الأساسية (فرق تسد). ويحتشد معظم البربر في الجزائر في منطقة القبائل، وهي من أكثر مناطق البلاد اكتظاظا بالسكان، ومن أرفعها في المستوى الثقافي، بسبب انتشار التعليم الإسلامي في الجوامع، ومن أوسعها في هجرة أبنائها إلى الأجزاء الأخرى من الجزائر، وإلى أوروبا. ولم يكن من الغريب تبعا لذلك، أن يمارس الشبان القبليون البارزون، دورا كبيرا في النشاط الديني والقومي في الجزائر دون أن يستبعدوا عن هذا النشاط زعماء المناطق الأخرى. ولهذا فإن ما يسمى (بأزمة البربر) لم تكن في الحقيقة إلا مغالطة في الوصف والتسمية، إذ أنه كان في جوهره صراعا في الآراء بين المثقفين الشبان الممتلئين حماسة وحيوية، والذين كان بعضهم بمحض الصدفة من القبليين، وبين الزعماء الكبار - التقليديين - في الحزب، والذين كان بعضهم بمحض الصدفة أيضا من العرب. وتتعرض جميع الأحزاب لمثل هذه (الصراعات بين الأجيال). ولم تكن حركة انتصار الحريات الديموقراطية لتشذ عن هذه القاعدة الخالدة. أما قضية (الأمين دباغين) فقد كانت إشارة مبكرة لصعوبة قدر لها أن تربك أوضاع الحزب بصورة حادة في السنوات التالية. فقد وقع خلاف شخصي بين (مصالي الحاج) وبين (الدكتور الأمين
стр. 1446
دباغين) الشاب اللامع الذي أصبح فيما بعد وزيرا للخارجية في حكومة الثورة، وأدى هذا الخلاف إلى فصل الدكتور الأمين من الحزب وإلى انسحابه من الحياة السياسية. فقد كان الحزب على صعيد السياسة الخارجية، يقف في هذه الفترة، بصورة رسمية موقف المناوأة لحلف الأطلسي. وكانت الحكومة الإفرنسية قد أدخلت الجزائر في هذا الحلف في العام ١٩٤٩.
نظم الحزب صفوفه في فترة النقاهة تنظيما أفضل، ووسع آفاق عمله ونشاطه، على الرغم من إبعاد زعيمه (مصالي الحاج). وعندما تحدثت اللجنة المركزية للحزب عن الوحدة بين الجزائريين الوطنيين، قالت في عبارة حسنة السبك والصياغة: (أنها اتخذت شكلا لا يستجيب مع المطامح الشعبية). وبالاختصار، فإن الشيوعيين من الأوروبيين، أو أنصاف الأوروبيين، والمعتدلين من (الاتحاد الديمرقراطي لأنصار البيان الجزائري) و (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) كانوا أصعب مراسا من أن تستطيع (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) التأثير عليهم للدخول في ائتلاف واحد.
مضت اللجنة المركزية بعد ذلك في عملية (النقد الذاتي) فتساءلت وهي تبحث عن محتوى أكثر دقة لأهدافها في الاستقلال، فقالت في تقريرها: (هل نعتزم حقا خلق جزائر حرة بالنسبة إلى شخص واحد بصورة خاصة، أو إلى أقلية حاكمة؟ جزائر تتحرر اسميا وتكون في الحقيقة وسيلة يعزى إليها الفضل في رفع شخص أو أقلية من الناس إلى منصة
стр. 1447
الحكم ... هذا هو هدفنا. أننا نريد أن نخلق دولة للشعب وعن طريق الشعب، يكون فيها الجزائريون دون تميز من ناحية العنصر أو الدين أحرارا متساوين. إننا نعني قيام دولة ديموتراطية ... ولذا فإن مبدأنا الأول هو الديموقراطية).
هذا نوع من الاعتراصات التي قدمتها اللجنة المركزية على الاتجاه إلى زيارة سلطة (مصالي الحاج) وميله إلى أخذ زمام السلطة الشخصية بيديه. وقد رفضت اللجنة المركزية نظام الملكية، على أنه نظام عتيق بال، واختارت الجمهورية كمبدأ ثان لها. أما بالنسبة إلى المبدأ الثالث، فقد اقترحت الرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية (*). واختارت اللجنة أخيرا الحرية الدينية مبدأ لها انسجاما مع التقاليد الإسلامية. وتحدثت اللجنة المركزية بعد ذلك عن قضية القصور العقائدي فأعادت دراسة مفهومها عن الوطنية. وأكدت وجوب ابتعادها عن الغلو والتعصب (الشوفينية). وأن تكون دفاعية، ومتحررة، وديموقراطية، وغير
стр. 1448
شيوعية، وغير مادية. وحددت اللجنة مركز (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) الثوري، على الصعيد السياسي، بين الشيوعيين الثوريين نظريا بالنسبة للأهداف والوسائل، والمختلفين عن الحركة عقائديا، وبين الإصلاحيين من أتباع (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان) و (جماعة العلماء). وأكدت اللجنة أن الثوري الحقيقي لا يمكن أن يوجد دون اتصال ثابت بالواقعية، وقالت:
(... وعلى الثوري والحالة هذه، أن يهبط من برج نظرياته العاجي إلى جذور الحياة الواقعية، ليستخلص منها نتائجه، ويتحقق عن طريقها من مبادئه في العمل). وعلى الحركة، رغبة منها في التطور الكامل أن: (تحسن التفكير على صعيد قومي). بينما كانت في مرحلتها الدعائية تقصر تفكيرها على الصعيد الحزبي.
وتحدثت اللجنة المركزية عن عيوب خططها الاستراتيجية، فأشارت إلى وجوب تقسيم النضال إلى عدد من المراحل، مع إيجاد عدد من الأهداف المرحلية التي يجب الوصول إليها على التوالي. ولاحظت اللجنة المركزية في ميدان واحد أن الحزب لم يوجه رسائل إلى الأقلية الأوروبية، وأنه عندما كان يوجه هذه الرسائل، فإنه كان يكتفي فيها ببعث الطمأنينة في نفوس الأوروبيين من أن الحركة لا تريد أن تقطع رؤوس الإفرنسيين، أو تقذف بهم إلى البحر (الكفن أو الحقيبة) واقترحت اللجنة أن تقوم الحركة ببذل جهد أكبر لإيضاح وجهة نظرها في أن
стр. 1449
من حق الإفرنسيين أن يعيشوا في الجزائر، وأنهم سيعتبرون من الجزائريين، يتمتعون بنفس الحقوق، وتفرض عليهم نفس الواجبات. وأكدت وجوب قيام الحزب باطلاع الأقلية على ما يعانيه الشعب الجزائري من اضطهاد وظلم.
وتحدثت اللجنة المركزية أخيرا عن العيوب الأسلوبية (التكتيكية) فذكرت أن الحزب، كان في بعض الأحيان شديد التصلب في موضوع التحالف مع الجماعات الأخرى، وكان في أحيان أخرى شديد المرونة. وأيدت اللجنة وجوب استمرار التحالف مع جميع الأحزاب الراغبة في مقاومة الاستعمار، سواء أكانت هذه الأحزاب تشترك مع الحركة، أو لا تشترك معها في آرائها وأساليبها. وأكدت اللجنة وجوب وضع سياسة انتخابية للحزب، تقوم على العناية بانتقاء المرشحين، وإعداد البرامج السياسية المفصلة، والدعاية التي تتفق مع تطلعات جميع الطبقات الاجتماعية. وقد امتلأ هذا الجزء من التقرير بصورة خاصة بالإشارات إلى معارضة اللجنة المركزية لسياسة (مصالي الحاج). ولا ريب في أن الإشارة إلى حاجة الثائر للهبوط من برجه العاجي، إنما هي موجهة إلى رئيس الحزب (المبجل العظيم). كما أن التلميحات بأن بعض النواحي العقائدية والدعائية كانت تفتقر إلى الدهاء. وقد تكون موجهة أيضاء إلى الزعيم الأقل ثقافة من أعوانه. وقد عزا إليه أعوانه الشبان والمتحمسون والمنسقو التفكير، أنه كان دائم التفكير على الصعيد الحزبي، وأنه أفنى حياته في تعبئة الجماهير واستثارتها، وأغرق في تركيز جهوده، على المعارك السياسية الكلامية.
стр. 1450
وحللت اللجنة المركرية في فصل ثالث، آمال الجزائر في المساعدة الدولية، فرأت للشمال الأفريقي دورا استراتيجيا بارزا بين الكتلتين العالميتين المتصارعتين، وفي الصراع بين الدول الاستعمارية، وبين القارتين الآسيوية والأفريقية المناهضتين للاستعمار. وأضافت اللجنة أن فرنسا - المتصلبة - في موقفها تجاه مطامع مستعمراتها، ستجد نفسها في صراع متزايد مع الولايات المتحدة التي تجد نفسها (مقيدة بالحركة الوطنية في شمال أفريقيا، وفي دول الكتلة الآسيوية - العربية، فتعمل في اتجاه يتفق مع أهداف المغرب) ويجب أن تظل سياسة الحركة قائمة على أساس (الحياد اليقظ) سارية المفعول بالنسبة إلى المستقبل أيضا. وتحدثت اللجنة عن الارتباط بين العوامل الداخلية والخارجية، فأشارت إلى التأييد المهم الذي لقيته القضيتان التونسية والمغربية - المراكشية - من الدول - العربية - الآسيوي في نقلهما إلى الميدان الدولي، وأكدت الضرورة الحيوية للعمل الداخلي والمساعدة الخارجية بالنسبة لجهاد الجزائر. وبدت الحركات الوطنية الثلاث في الشمال الأفريقي، في نضالها المنفرد والمستقل. غير منسقة أو منسجمة، ولكن اللجنة لا ترى من (الحكمة) أن يأمل الإنسان في وحدة الشمال الأفريقي في المستقبل القريب. وبدا موقف اللجنة من بحث السياسة الخارجية منسجما بصورة عامة مع حيادية (مصا لي الحاج) وذريعة - إلى حد ما - لتغطية تقصير الحركة عن تأييد التونسيين والمغاربة - المراكشيين - بصورة أكثر فاعلية وحيوية. ويمكن القول بصورة عامة أن اللجنة المركزية، وضعت الجزائر ضمن محتوى عالمي،
стр. 1451
وأظهرت اهتماما أكبر بالشؤون الخارجية من الاهتمام الذي أظهره زعماء (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان). وقد يكون من المناسب هنا التوتف قليلا عند وجهات نظر اللجنة المركزية، تجاه كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بالنظر إلى أهميتها المقبلة في سياسة (جبهة التحرير الوطني الجزائرية) نتيجة انضمام عدد كبير من أعضاء (اللجنة المركزية) إليها. فقد ذكرت اللجنة عن السياسة السوفياتية ما يلي:
(... من المهم أن نلاحظ أن التأثير الشيوعي، على الرغم من تبنيه للقضايا الوطنية في آسيا، وانتقاله منها إلى مرحلة الصراع الطبقي، يتوقف جملة في آسيا على حدود الدول الإسلامية. وتتخذ السياسة السوفياتية موقف المؤيد بصورة عامة لجميع حركات التحرر في البلاد الخاضعة للاستعمار، ومثل هذا الموقف الذي لا يتطلب أي مجهود خاص، هو موقف أسلوبي - تكتيكي - مجرد، يتخذ بهدف إضعاف الدول الغربية. وتستهدف هذه السياسة حقيقة إقامة الفرصة لتقوية الأحزاب الشيوعية المحلية. وهذا الأسلوب (التكتيك) الذي نجح في الهند الصينية والملايو وربما الهند، لم ينجح في البلاد الإسلامية المماثلة، ولا سيما في أندونيسيا وإيران).
ورأت اللجنة أن سياسة الولايات المتحدة تنطوي على نفس التوسعية السياسية والعقائدية الموجردة في السياسة السوفياتية. وكانت وسائل العمل الأولى التي اختارتها الولايات المتحدة، إعادة بناء أوروبا اقتصاديا عن طريق مشروع مارشال، ثم مشروع النقطة الرابعة، وهي وسائل ضعيفة لم تفلح في
стр. 1452
مواجهة النفوذ الشيوعي. وعادت أمريكا فآثرت الوسائل العسكرية على الاقتصادية. وهكذا فرضت على حلفائها سياسة إعادة التسلح، وبنت مساعداتها على أساس فرض سياستها الخاصة على حلفائها. وبالاختصار فإن الكتلة الغربية، تمثل عددا من التناقضات. وتحدثت اللجنة المركزية عن أساليب الكتلتين فقالت: (تمسك الكتلة السوفياتية في ميدان الحرب الباردة بزمام المبادأة دائما. وبهذا تمكن الشيوعيون الإفادة من نظام حكمهم الفرد - مركزية القيادة - لتنظيم أجهزتهم الدعائية، والاعتماد على القوة الحقيقية، واستثمار ضعف الحكومات الغربية، للتأكيد على تفوقهم في لعبة الحرب الباردة).
وكانت خلاصة تقرير اللجنة المركزية، تعالج قضية الحزب نفسه: فقد كان الحزب حزبا جماهيريا لا حزبا عقائديا - فكريا - (كالاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان) مثلا. ولقد انتهى التقرير إلى القول: (وبالنسبة إلى حزب جماهيري، فإن الميول الفردية والأعمال التي تخالف الانضباط الحزبي، ووحدة الحزب، لا يمكن التسامح فيها مطلقا. فالنضالية متوجبة على جميع العناصر التي يتألف منها الحزب الجماهيري. ويتصور الحزب الجماهيري مختلف وسائل العمل، وهو يضفي أهمية رئيسية على قاعدة نشاطه، وهي التنظيم الحزبي).
وأقر المؤتمر العام (لحركة انتصار الحريات الديموقراطية) قرارا ينطوي على الاستجابة التفصيلية للتقرير العام الذي قدمته اللجنة المركزية. كما وجه رسائل، أولاها إلى الشعب الجزائري عن الوحدة، وثانيتها إلى المعتقلين السياسيين؛ وثالثها إلى
стр. 1453
(مصالي الحاج) عن تعلق الحزب المطلق بالمثل التي يمثلها؛ ورابعتها إلى الشعب في القطرين: التونسي والمغربي - المراكشي - داعيا فيها إلى دعم أواصر وحدة المغرب؛ وخامستها إلى الجامعة العربية لشكرها على مساعداتها لقضية الشمال الأفريقي؛ وسادسها إلى مجموعة الدول العربية - الآسيوية داعيا إياها (لممارسة دور قيادي في مستقبل العالم).
نشرت صحيفة (الجزائر الحرة) في كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٣ - وهي الناطقة باسم الحركة، نداء دعت فيه إلى عقد مؤتمر وطني جزائري. وقد وقع النداء كل من حسين الأحول، وابن يوسف بن خدة، وعبد الرحمن كيوان بالنيابة عن اللجنة المركزية. وطلب النداء من الفلاحين الجزائريين والعمال والتجار والنساء والشبان والطلاب والمثقفين أن يتحدوا وأن يشتركوا في مؤتمر يمثل جميع الأحزاب السياسية والمنظمات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، والأفراد المستقلين من الديموقراطيين وغيرهم. وذكر النداء: أن المثل الأعلى القومي، سيكون شرعة المؤتمر ودستوره وكتب (عبد الرحمن كيوان) في شهر شباط - فبراير - ١٩٥٤ - مقالا افتتاحيا قال فيه:
(إن الشعب الجزائري قد أعلن تأييده لفكرة المؤثمر، وأوضح أن الحركة تدعو إلى مقاطعة انتخابات الجمعية الجزائرية، لأن الأوضاع السياسية لم تكن مشجعة لعقد المؤتمر في ذلك التاريخ. وأبلغ (حسين الأحول) الشيوعيين في وقت متأخر من
стр. 1454
ذلك الشهر، أن الحركة ترحب برغبتهم في الاشتراك بالمؤتمر. ولكنها تعتقد أن من الواجب إيضاح الفكرة بصورة أكثر جلاء للجماهير قبل أن يعقد المؤتمر. وأشار إلى أن الجبهة الفاشلة التي تم تأليفها في العام ١٩٥١، كانت اتفاقا بين الأحزاب أكثر منها اتفاقا بين الجماهير. وقد اشترك (الشيخ الإراهيمي) في النداء الذي وجه داعيا إلى الاتحاد.
وكتب (حسين الأحول) في شهر آذار - مارس - ١٩٥٤، مقالا افتتاحيا في (الجزائر الحرة) استعرض فيها دروس السنوات السبع عشرة الماضية من النضال. وأكد أن المؤتمر الثاني للحركة في العام ١٩٥٣ قد أقر مبدأ (القيادة الجماعية). و (إذعان الأقلية لقرارات الأغلبية). وأضاف: إن القيادة الجماعية تقلل من إمكان وقوع الأخطاء، لأنها (تعبر عن الروح الأساسية لحزبنا وهي في الوقت نفسه الروح الديموقراطية والثورية الصحيحة). أما إذعان الأقلية لقرارات الأكثرية: (فتعبير عن القانون الأعظم للتنظيم العقائدي والواقعي، وهو تنظيم يخلق العروة الوثقى والقوة، ويتيح للعمل المنظم المجال الكافي زمانا ومكانا). لكن أية دراسة دقيقة لقرار العام ١٩٥٣ لا تكشف حقا عن أية إشارة واضحة ومحددة لمبدأ (القيادة الجماعية). ولكن (الأحول) الذي قدر له أن يضع اسمه بعد فترة قصيرة على رأس جماعة من الحزب، كان يشير هنا إلى النقطة الرئيسية في الخلاف المتزايد بين اللجنة المركزية و (مصالي الحاج). فإذا كان من المحتوم أن ينطلق الانضباط الحزبي على كل إنسان، وإذا كان هذا الانضباط يعني قبول الأقلية لقرارات الأكثرية، فإنه يصبح من المحتوم
стр. 1455
على (مصالي الحاج) نفسه أن يوافق على القرارات التي تتخذها اللجنة المركزية، حتى ولو كان هذا يختلف معها بصورة شخصية.
وكتب (عبد الرحمن كيوان) في أواخر شهر آذار - مارس - ١٩٥٤ يقول: (إن المؤتمر المقترح سيحترم استقلال الأحزاب التي ستشترك فيه) وبعد أن افترض أن الاقتراح قد جوبه بعدد من الاعتراضات الحزبية، اعترف بأنه من المحال تأليف حزب واحد في الجزائر، بسبب الوجود الاستعماري من جهة، وبسبب الضغط العقائدي من الناحية الثانية. ولكن المؤتمر الذي يعني (الاتحاد لا الوحدة) يمكن أن يتحقق فورا. ومن الممكن أن يتطور المؤتمر إلى حزب، على غرار (حزب المؤتمر الهندي). وكتب (بن خده) في وقت لاحق من الشهر ذاته، وفي الصحيفة نفسها يقول: (إن فكرة المؤتمر تزداد شعبية يوما بعد يوم). ويظهر أن هذا المقال، كان آخر إشارة إلى موضوع المؤتمر. وقد يكون ذلك مؤشرا إلى التاريخ الذي وقع فيه الخلاف الحقيقي بين اللجنة المركزية وزعيم الحزب (مصالي الحاج).
صدرت صحيفة (الجزائر الحرة) يوم ١٦ أيار - مايو - ١٩٥٤، وهي تحمل تحيتها في الذكرى السادسة والخمسين لميلاد (مصالي الحاج) وكان في كلمة التحية ما يلي: (إن كفاح مصالي الحاج، وكفاح الحركة الوطنية لتحرير الجزائر، اسمان لمسمى واحد). وبعد أن عرض المقال حياة زعيم الحركة انتهى إلى القول: (وسواء أكان مصالي في (نيورت) في فرنسا أو في الجزائر؛ فإنه سيظل رمز نضالنا،
стр. 1456
والمشعل المضيء لكفاحنا من أجل الحرية) وعقدت في الأسابيع التالية عدة اجتماعات للحركة، كما أقيمت مظاهرات ضخمة في الجزائر وفرنسا. ولم يبرز في هذه الاجتماعات إلا اثنان من أعضاء اللجنة المركزية وهما (أحمد مزغنة) و (مولاي مرباح).
أعلنت صحيفة الحزب (الجزائر الحرة) في منتصف شهر آب - أغسطس - وتحت عناوين بارزة، أن الحركة قد عقدت مؤتمرا طارئا في منتصف شهر تموز - يويو - ١٩٥٤ (من ١٣ - ١٥ تموز) في مدينة (هورنو) في بلجيكا، وذلك لمعالجة ما تعرض له الحزب من أزمة داخلية مخيفة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، أثرت أبلغ الأثر على أعمال الحزب ونشاطه. وأضاف الإعلان أن المؤتمر اتخذ قرارا إجماعيا باستنكار أعمال بعض أعضاء اللجنة المركزية لاخرافهم سياسيا وارتكابهم أخطاء خطيرة. فبالإضافة إلى تذبذب اللجنة المركزية وترددها داخليا، ارتكبت أخطاء على الصعيدين الأفريقي الشمالي والدولي، إذ لم تتمكن من تحقيق التضامن مع تونس والمغرب - مراكش - وظلت قضية الجزائر مهملة على الصعيد الدولي. وقررت الحركة في مؤتمرها هذا تأكيد عزمها على اتباع سياسة (فعالة ومنشطة ومتزنة) تؤدي إلى الرفع من شأن الحزب وتقوية مركزه. وأكد المؤتمر ثقته المطلقة (بمصالي الحاج) وقدرته على تذليل الصعاب أمام الحزب، واختاره بالإجماع رئيسا مدى الحياة. وبعد بضعة أسابيع من المحاولات الفاشلة للتفاهم، كما يبدو، قررت الحركة حل اللجنة المركزية. وأعلن (مصالي الحاج) من (نيورت) فصل (ابن يوسف بن خده) وحسين الأحول وعبد الرحمن كيوان وابن باديس
стр. 1457
وفروض ويزيد ولوانشي وبوده: (لانحرافهم وعدم إطاعتهم وسوء استعمالهم لأموال الحزب ورفضهم إعادة ممتلكاته). وبعد أيام، ذكرت صحيفة (الجزائر الحرة) أنه لم يكن هناك تصدع في الحزب، وإنما كانت هناك اتجاهات مؤسفة تم تصحيحها الآن. وعادت الصحيفة إلى توجيه اهتمامها إلى أعمال العنف الإفرنسية في الجزائر.
...
أمام هذ االموقف عقدت جماعة (اللجنة المركزية) وأنصارها، مؤتمرا استثنائيا في الجزائر (من ١٣ إلى ١٦ آب - أغسطس - ١٩٥٤). وتقرر في هذا المؤتمر رفض اتهامات (مصالي الحاج) الموجهة إليهم بالانحراف. وأكد سياسة المؤتمر العام سنة ١٩٥٣، وجرد مصالي الحاج ذاته وأحمد مزغنة ومولاي مرباح من جميع مهامهم الحزبية. وأعلن بطلان المؤتمر الفرعي - الذي سبق عقده في بلجيكا - وشرحت (اللجنة المركزية) في العدد الأول من الصحيفة التي أصدرتها وهي (الشعب الجزائري) لتكون الناطقة باسمها - (وهو العدد الذي ظهر بين أيلول - سبتمبر - وتشرين الأول - أكتوبر - ١٩٥٤) وجهة نظرها في حقيقة الأزمة التي تعرضت لها الحركة. وأعلنت أن الصراع كان قد بدء منذ أيلول - ستمبر - ١٩٥٣، عندما طلب (مصالي الحاج) من اللجة المركزية الجديدة صلاحيات مطلقة. واعترفت اللجة المركزية أنها أبعدت (أحمد مزغنة) و (مولاي مرباح) وهما المقربان جدا من مصالي الحاج، عن القيادة، ولم تكن قد شرعت بعد في تنفيذ المهام التي عهد إليها
стр. 1458
بها المؤتمر الثاني. وطلبت من مصالي أن يعيد النظر في الموضوع، وبعثت إليه بوفد للتشاور معه في (نيورت) فمنيت مهمة الوفد بالفشل. وعاد (مصالي الحاج) في كانون الثاني - يناير - ١٩٥٤، فكرر طلباته أن السيطرة الشخصية لا تتفق مع مبادىء الحزب الثوري من جهة، كما أن الوضع لا يسمح بإعطاء جميع السلطات إلى رجل واحد، من جهة ثانية.
وعلى هذا تقدمت اللجنة المركزية باقتراح لعقد مؤتمر عام لتقرير هذه القضية. ورفض (مصالي الحاج) الاستماع إلى الوفد الثاني الذي ذهب إلى (نيورت) لبحث هذا الاقتراح. واتهمت (اللجنة المركزية) بعد ذلك (مصالي الحاج) بتهمة التواطؤ مع (مزغنة) للقيام بتحريض عمال الحزب على لجنتهم المركزية عن طريق تأليف ما أسموه (بلجنة السلامة العامة). وبعض الإجراءات الأخرى. واستجابت (اللجنة المركزية) في شهر آذار - مارس - (ولم تكن قد استعدت بعد لمواجهة انشقاق علني مع مصالي) إلى بعض مطالبه، ومنحته بعض السلطات التي طلبها.
وهنا شرع مصالي ومزغنة ومولاي مرباح في استئصال المعارضة لهم داخل الحزب عن طريق (إجراءات قهرية). وفي إعداد العدة لمؤتمر يضمن فيه أنصار مصالي لأنفسهم سلفا السيطرة عليه. ورفضت اللجنة المركزية حضور مؤتمر (هورنر) ببلجيكا. وعقدت بعد ذلك مؤتمرها في الجزائر.
ونظرت (اللجنة المركزية) بصراحة إلى الطبيعة الحقيقية لخلافها مع مصالي، وأكدت أن ما أسماه مصالي (بالإصلاحية) من جانبهم لم يكن في الحقيقة إلا (الواقعية الثورية) التي تمخ
ض
стр. 1459
عنها مؤتمر عام ١٩٥٣. ثم مضت (اللجنة المركزية) إلى القول: (لقد أراد مصالي أن يقاوم بالكلام العنيف وحده، وبالإثارة بقصد الإثارة، وبالتعصب والمغامرة، سياسة توطيد دعائم الحزب، وتوسيع قواته العاملة، وبناء القواعد التي لا مناص منها لتحقيق النجاح، ولترسيع نضالنا وتضخيمه، وكذلك أعمالنا التنظيمية، وإعدادنا الجدي. ومحاولاتنا إيجاد وحدة صحيحة لجميع القوى الشعبية العاملة).
وكان الصراع في الحقيقة (ناجما عن عوامل القيادة والأساليب). فمصالي يريد فرض سلطته الشخصية بينما أيدت (اللجنة المركزية) فكرة القيادة الجماعية وديموقراطية الحزب. وكان مصالي يعارض في العمل النظري الذي يستهدف إقامة عقيدة واضحة المعالم، ثابتة على أسس أكثر علمية، وتقبلا عقليا (لأنه كان يخشى أن يؤدي هذا التنظيم إلى الحد من صلاحياته). ومضت اللجنة فأعلنت أنها تؤمن (بأن النضال يجب أن يكون في سبيل مجد البلاد، لا في سبيل مجد رجل فرد) ولاحظت اللجنة بمرارة، أنه في الوقت الذي يأوي فيه مصالي الحاج إلى (برجه العالي) فإن مناضل الحزب يضحون بأنفسهم في سبيل بناء الحزب بتعبهم وجهدهم، ثم قالت:
(ومن الجوهري، أن يعلم جميع المناضلين والشعب هذه الحقائق. وأنه بات لزاما وضع حد لادعاء مصالي الغريب؛ بأنه يعتبر نفسه وحده، ندا بل ومتفوقا على الحزب كله، وعلى الشعب الجزائري كافة. ومن الواجب أن نضع حدا أيضا لفكرة استحالة الاستغناء عن إنسان فرد. ولم يشترك المنضلون في
стр. 1460
الحزب لأن مصالي رئيسه؛ بل لأنه، أي الحزب، يمثل الحركة الوطنية الجزائرية الثورية).
كانت هذه الوطنية التي أيدتها (اللجنة المركزية) الآن، مغفضلة إياها على (مغامرة مصالي) لا تقوم على أساس عنصري أو ديني، بل على أساس: (إرادة الكفاح لتحقيق حرية الشعب الجزائري سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا) واتجه جناح اللجنة المركزية بعد هذا الانشقاق من جديد إلى زيادة الجهد في موضوع الوحدة، وعقد المؤتمر الوطني الجزائري. فقد شعر أعضاؤه بأن هذه الوحدة ضرورية لتأمين نضال فعال ضد فرنسا.
...
لم يكن الانشفاق الذي وقع من (اللجنة المركزية) لحركة أنصار الحرية والديموقراطية، وبين زعيمها (مصالي الحاج) ناجما فقط عن الخلاف الشخصي واقتراع الأغلبية، وبين الحزب والمؤتمر الوطني الجزائري، وبين السياسات والدعاية من ناحية والعمل في جميع الميادين من الناحية الأخرى. وإنما كان أيضا (صراعا بين الأجيال) ونتيجة للانفصال الواقعي بين مصالي والحركة، وهو انفصال أدى دائما إلى أن يكون عائقا في طريق نمو الحزب المضطرب واستمراره. فمصالي، زعيم الحزب ومؤسسه، يسير الآن في طريق الشيخوخة. وقد شب وشاب في عهد كانت فيه الخطب المثيرة والمظاهرات الجماهيرية، وتقديم المطالب المسرحية، هي كل ما يمكن عمله وتحقيقه عن طريق حركة
стр. 1461
وطنية ناشئة، تناهض سياسة استعمارية لدولة قوية كفرنسا. أما العناصر الفتية في (اللجنة المركزية) للحزب، فقد تأثرت بحياة العمل السري، والاختفاء، التي عاشتها، وبهزيمة فرنسا في عام ١٩٤٠. وبالحركات النضالية الناجحة في عدد من البلاد في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي حققت الاستقلال في مواجهة قوات متفرقة. لكن هذا الانشقاق في حركة أنصار الحريات الديمريراطية قد جزأ الحركة الوطنية الجزائرية وأبعد احتمال قيام معارضة موحدة وعملية ضد فرنسا. وعندما اندلع لهيب الثورة في الجزائر، ليلة الواحد والثلاثين من تشرين الأول - أكتربر - عام ١٩٥٤، لم يكن (مصالي الحاج) - وهو (والد الوطنية الجزائرية) على علم بها. وهكذا تخطته الأحداث لأول مرة في حياته.
...
أصبحت المصالية (نسبة إلى مصالي الحاج) رمزا للانتهازية السياسية، فقد أقام الرجل بعد ذلك في فرنسا، وحاولت فرنسا - لاكوست وديغول من بعده - اللعب بورقته، على أنه نموذج للاعتدال السياسي. وكان وهو في منزله (في نيورت) تحت الحماية الإفرنسية، مستعدا لممارسة مثل هذا الدور، غير أن الجزائر الثائرة، وقد أهرقت سيولا من الدماء، ودفعت من أرواح أبنائها آلاف الشهداء، هذه الجزائر لم تعد مستعدة لقبول (المساومات) أو (أنصاف الحلول) فمضت في طريق الثورة لبناء مجتمع الجزائر الحرة، المالكة لمقدراتها، والسيدة لنفسها وبنفسها. ومضى (مصالي الحاج) إلى زوايا النسيان.
стр. 1462
لكن ذلك لا يغير من الحقيقة الساطعة شيئا: لقد أمضى مصالي الحاج شبابه وشيبه في مقارعة الاستعمار الإفرنسي، بين السجون والمعتقلات والتشرد. وقاد الصراع المرير في أقسى الظروف. ورفع صوت الجزائر، يوم لم يكن بها من يجرأ على رفع هذا الصوت - إلا قلة حفظهم الله للجزائر وحفظ الجزائر بهم من أمثال عبد الحميد بن باديس وإخوانه في الجهاد. وليس هناك من يذكر أبدا أن (مصالي الحاج) هو أول من أطلق (الجزائر الحرة) وأول من بشر بالاستقلال والانفصال عن فرنسا - ولو بصورة قانونية دستورية وفي إطار التحالف مع فرنسا -. ويبقى لمصالي الحاج فضل في تنظيمه (لحزب الشعب الجزائري) الذي انبثق عنه تنظيم (حركة انتصار الحرية والديموقراطية) والتي كانت بدورها مهدا لنشوء التنظيم السري. الذي لم يلبث أن تطور إلى (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) لتنتهي بعد ذلك إلى (جبهة التحرير الوطني الجزائري). و (جيش التحرير الوطني الجزائري) وهما التنظيمان السياسي والعسكري اللذان قامت عليهما الثورة، ووقع على عاتقهما بناء الجزائر الحديثة.
стр. 1463
٤ - عباس فرحات
والاتحاد الديمقراطي لأنصار البيان الجزائري
كانت الحركة الثانية التي تركت بصماتها القوية على الأحداث السياسية للجزائر، خلال فترة ما قبل الثورة (١٩٥٤) هي حركة (الاتحاد الديمقراطي لأنصار البيان الجزائري) وهي الحركة التي ترتبط بدورها ارتباطا وثيقا باسم (فرحات عباس) الذي ولد في (طاهر) القريبة من قسنطينة - سنة (١٨٩٩م). وهي المدينة التي اشتهرت بجهادها ضد الإفرنسيين منذ أيام (الحاج أحمد باي قسنطينة) وقاعدة (عبد الحميد بن باديس) وأخوانه من مجاهدي علماء المسلمين. وإذا كان نصيب (مصالي الحاج) من التعليم ضئيلا، فقد استطاع (عباس فرحات) نيل نصيبه من التعليم الثانوي والجامعي، وأصبح يحمل (إجازة الصيدلة). وكان خلال دراسته مبرزا في نشاطاته الاجتماعية، مما جعله (رئيسا لاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين. كما كان من أنصار الأمير خالد الهاشمي - حفيد الأمير عبد القادر - وزعيم حركة (الجزائر الفتاة). وقد أثر تعليمه في المعاهد الإفرنسية - بصياغة أفكاره - فكان منساقا للبحث عن صيغة توفيقية تسمح بالاندماج مع فرنسا مع الاحتفاظ بالهوية الإسلامية وهي المقولات التي وجدت لها سوقا رائجة في الثلاثينات من هذا القرن على ساحة
стр. 1464
الجزائر والتي وجدت لها تعبيرا في مقال كتبه (فرحات عباس) وجاء فيه: (... إنني لست مستعدا للموت في سبيل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن لا وجود له، إنني لم أكتشفه، ولقد سألت عنه التاريخ، سألت عنه الأحياء والأموات. وزرت المقابر من أجل اكتشافه، فلم أجد من كلمني عنه إطلاقا. إننا لا يجب أن نبني فوق الرمال. وإنني قد أبعدت بصفة باتة ونهائية كل خيال، لكي نربط المصير بصفة مطلقة مع الوجود الإفرنسي بهذه البلاد. إلخ ...) (*).
وكما تزوج (مصالي الحاج) من شيوعية إفرنسية، فقد تزوج (فرحات عباس) من إفرنسية ولكن غير شيوعية. وكما كان (للأمير شكيب أرسلان) تأثيره على (مصالي الحاج) لإيقاظه على أصالته الإسلامية العربية، فقد كان هنا لرابطة العلماء (عبد الحميد بن باديس - وأحمد توفيق المدني) دور أساسي في تحويل تفكير فرحات عباس وانتزاعه من بؤرة تفكيره الإفرنسي وثقافته الإفرنسية لإيقاظه على حقيقته كجزائري مسلم عربي.
ويصف أحمد توفيق المدني - مقابلته الأولى، لفرحات عباس، وهو لا يزال في بداية طريق العمل السياسي، فقال: (ذهبت لمقابلة - فرحات عباس - كان لا يزال في مقبل العمر، طويل القامة، أسمر اللون، يضع على رأسه غطاء من نوع - الكولباك - الروسي الأسود الرفيع، وقد جلس جلسة المعتز بنفسه، المعتمد على قوته، الشاعر بمسؤوليته. وبعد تحية بسيطة،
стр. 1465
جلست إليه، فبادرني قائلا، بلسان فرنسي فصيح، ولم يكن يتكلم العربية إطلاقا: أنا مسرور جدا بالتحدث إلى رجل مؤمن مقتنع، قاوم الاستعمار بشدة وصلابة. فتغلب عليه الاستعمار، وأخرجه من البلاد (*). قلت: وأنا سعيد بالتعرف على هذا الشاب النابه الذي أمعن في فضح الاستعمار، وبين آلام الشعب، وأفصح عن ظلامته: إننا تتبعنا ونحن بتونس مقالات (كمال بن سراج) وعلمنا أنك أنت كاتبها. وأبانت لنا الطريق عما خفي عنا من أساليب الاستعمار وظلمه وجبروته. والآن، ونحن هنا، يمكن أن نربط بين طرفي الحبل وأن نوحد الجهود من أجل تحطيم هذا العدوان الاستعماري البشع، ولكي نضع أسس الدولة الجديدة الحرة بالشمال الأفريقي. وقال - عباس فرحات - أما أنتم بتونس فلكم الحق في تكوين الحركة الملية، وفي محاولة إقامة الدولة المستقلة على أنقاض نظام الحماية الذي أصبح نظاما استعماريا كامل الأركان. أما نحن في الأرض الجزائرية، فوضعيتنا تختلف. إن فرنسا ملكت البلاد بقوة السلاح وقتل المدافعين الأحرار، وتشريد بقايا الشعب شذر مذر. فتفكير الطبقة المتنورة بالجزائر هو غير تفكير الطبقة المتنورة التونسية. نحن هنا لا نستطيع إطلاقا محاربة فرنسا، إلا بواسطة قوانينها، وداخل إطاراتها، فكفاحنا وقد ابتدأ ولن ينتهي قريبا، يرتكز على دعامتين أساسيتين: الأولى: فضح
стр. 1466
الاستعمار أبشع فضيحة، وبيان أساليبه واستهتاره بالقيم الإنسانية، وإبلاغ الرأي العام العالمي والإفرنسي ما يقاسيه هذا الشعب المسكين من آلام لم يتحملها شعب قبله ونرجو أن لا يتحملها شعب بعده. والثانية: إرغام فرنسا، بالحجة والبرهان على تطبيق قوانينها التي تقول بأن الجزائر قطعة من فرنسا، وأن الجزائري فرنسي قانونا، وذلك يوجب إلغاء كل القوانين الاستثنائية الخاصة بالأهالي، ويجب إعطاءنا كل حقوق المواطنة الإفرنسية. وبذلك نصبح سعداء مثل بقية المواطنين الإفرنسيين، لا حيف ولا ظلم ولا إرهاق، ونشارك على بساط التساوي في كل المجالس البلدية والعمالية والمالية، ومجلس الأمة لباريس.
وأجابه (أحمد توفيق المدني) بقوله: أنا معك في المرحلة الأولى من غير احتراز. أما في المرحلة الثانية، فلا أكتمك أنني على عكس نظريتك. أنا أتصور الجزائر حرة مستقلة، دولة إسلامية عربية على غرار ما قاله مصطفى كامل عن مصر: أحرار في بلادنا، كرماء لضيوفنا، مرتبطة إرتباطا عضويا مع تونس والمغرب الأقصى. وثيقة الصلة ببقية البلاد العربية.
وقال (عباس فرحات) عندها: أقول لك بصراحة مع احترام رأيك، أنني رجل واقعي لا أسير مع الخيال، ولا أتتبع الطرق المسدودة ولست مؤمنا إطلاقا بوجود شعب جزائري تواق للحرية والاستقلال، وليست لنا أمجاد تاريخية تفادينا من وراء الدهور، أو تربط بين حاضرنا وماضينا.
стр. 1467
ورد عليه المدني - في شبه حدة: إنك تعلمت في فرنسا، أو في مدارسها بالجزائر، ولم تقرأ إلا كتبها المدلسة، ولم تطلع إلا على آدابها السخيفة الإباحية، ولم تختلط إلا برجالها الذين احتلوا أرضك، وامتهنوا أهلك، واستعبدوا شعبك. الجزائر أمة قائمة الذات، لها تاريخها الحافل، ورجالها الأبطال البواسل، وقد عطرت الدنيا بذكر جهادها المجيد، من أيام يوغورطا وماسينا إلى عبد القادر والمقراني. وإنك إن ناديت بالإفرنسية والتفرنس والذوبان في بوتقة الغالب، وهو أمر من المحال تحقيقه، فإنك لن تسير طويلا، وستجد نفسك ومن التف حولك من شبان هذه الحركة وحيدين، تعملون لغير غاية وتسيرون إلى غير هدف. إن هذا الشعب الجزائري لا يريد إلا السير على طريق الشرف والبطولة، التي توصله إلى مركز القوة والاستقلال بالحكم. وإنني أرى إنه ربما اتبعك اليوم، ما دمت تصرخ بآماله، وتفرج كربته بكشف ظالميه. أما متى تجاوزت ذلك، وسرت قدما في طريق الاندماج والذوبان، انفض من حولك، وتركك مع قلة قليلة من أمثالك.
وافترق الرجلان - على غير رضى - غير أن المعركة لم تتوقف، فقد أوعز الشيخ بن باديس إلى أحمد توفيق المدني بكتابة رد على مقولة (التفرنس). (والاندماج) نشرها في (الشهاب) على مسؤوليته - حتى حسب البعض إنها من كتابة - ابن باديس ﵀، وكانت المقولة تحت عنوان (كلمة صريحة) وجاء فيها: (.. إننا نعيش حقا في وسط سادت فيه الفوضى من جميع جهاته، فمن فوضى في الدين إلى فوضى في الأخلاق إلى فوضى
стр. 1468
في الاقتصاد. وزادتنا الأيام على كل ذلك فوضى جديدة ربما كانت أخطر الفوضات، وأشدها تأثيرا على حياة الأمة، ألا وهي فوضى التكلم باسم الأمة. فما من متكلم اليوم، وفي أي مناسبة من المناسبات، إلا ورفع عقيرته مدعيا بأنه يمثل الأمة الإسلامية قاطبة في هذه البلاد. وأن الكلمات التي يقولها من عند نفسه إنما هي كلمة الأمة الحق، وقولها الفصل. ولو إنهم اقتصدوا في القول، ولم يلجوا باب الغلو والإسراف وقالوا إننا نتكلم باسم الفريق الذي انتخبنا أو باسم الهيئة التي ننتمي إليها، أو باسم الجماعة التي نحن منها، أو باسم الذين شاركوننا في الرأي والتفكير، لكان قولهم أصوب، ورأيهم أصلح، وكلامهم أقرب إلى نفوس السامعين من رجال الحكومة ومن رجال الشعب.
إننا نتكلم اليوم حول هذا الوضوع إثر ما رأيناه من الحملة التي أجمعت الأمة على مجابهتها، في إثر اجتماع اللجنة الوزارية الإسلامية بباريس.
لقد قال البعض من النواب المحليين، ومن الأعيان، ومن كبار الموظفين بهذه البلاد: إن الأمة الإسلامية الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتة، لا وطن لها إلا الوطن الإفرنسي، ولا غاية لها إلا الاندماج الفعلي التام في فرنسا، ولا أمل لها في تحقيق هذه الرغبة، إلا بأن تمد فرنسا يدها بكل سرعة، فتلغي جميع ما يحول دون تحقيق هذا الاندماج التام. بل لقد قال أحد النواب النابهين، أنه فتش عن القومية الجزائرية في
стр. 1469
بطون التاريخ فلم يعش على خبر. وأخيرا! أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا به يصيح: فرنسا هي أنا! حقا إن كل شيء يرتقي في هذا العالم ويتطور، حتى التصوف. فبالأمس، كان يقول أحد كبار المتصوفين الجزائريين - وهو الشيخ أحمد بن عليوه المستغانمي
(وهو صوفي منحرف):
فتشت عليك يا الله ... وجدت روحي أنا الله
واليوم يقول المتصوف في السياسة:
فتشت عليك يا فرنسا ... وجدت روحي أنا فرنسا
فمن الذي يستطيع بعد اليوم أن ينكر قدرة الجزائري العصري على التطور والاختراع؟ إن هؤلاء المتكلمين باسم (المسلمين الجزائريين) والذين يصورون الرأي العام الإسلامي الجزائري بهذه الصورة، إنما هم مخطؤون، يصورون الأمور بغير صورتها، ويوشكون أن يوجدوا حفيرا عميقا بين الحقيقة، وبين الذي يجب أن يعرفها. فهم في واد، والأمة في واد ...
لا يا سادتي! نحن نتكلم باسم قسم عظيم من الأمة، بل ندعي أننا نتكلم باسم أغلبية الأمة. ونقول لكم، ولكل من يريد أن يسمعنا، ولكل من يجب عليه أن يسمعنا، إن أراد أن يعرف الحقائق، ولا يختفي وراء آكام الخيال: نقول لكم إنكم من هذه الناحية لا تمثلوننا، ولا تتكلمون باسمنا، ولا تعبرون عن شعورنا وإحساسنا. إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ،
стр. 1470
وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة موجودة، كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا. ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية. ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن ومن قبيح، شأن كل أمة في الدنيا. ثم إن هذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا. ولا تريد أن تصير فرنسا. ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وفي أخلاقها وفي دينها.
لا تريد أن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحاية المعروفة).
كان ذلك عاملا أساسيا وحاسما في تحول (عباس فرحات) وإزالة الغشاوة التي أسدلتها على أبصاره نشأته في المدارس الإفرنسية، ومعايشته للوسط الإفرنسي. أما العاملان الأساسيان الآخران فهما: التصاقه ببيئته الجزائرية الأصلية (بيئة الفلاحين) في (شرق الجزائر) وأخطاء، أو جرائم، السياسات الإفرنسية ذاتها. وهو الأمر الذي أوضحه فرحات عباس ذاته بقوله (*):
(إنني أنتسب بالفعل إلى فئة الفلاحين، ولم يكن إلا من قبيل المصادفة تولي والدي وأشقائي الوظائف العامة، لقد نشأت في وسط الفلاحين، أولئك الفلاحين الجبليين الذين لم ينل البؤس من شجاعتهم وأنفتهم وكبريائهم. لقد قضيت سني
стр. 1471
حداثتي وسط هذه الفئة من الناس المتواضعين الصلبين الكرماء، وإذ نشأت في ناحية (دوار) تابع لمجمع مختلط (كومون ميكست) بعيد عن المدينة، غير موروث، وكان من المحال علي أن أنفصل عن أولئك الفلاحين ولم يكن تضامني مع الفلاحين هو تضامن محبة وتعاطف، بل هو تضامن في العيش والحياة إلى حد ما، فقد نشأت بينهم وأصبحت شابا وأنا معهم، لذلك صرت أعرف آلامهم وأدرك مصدر شقائهم وبؤسهم مما كان يثير حزني. إنني لست ابن مهاجر، مثل بعض رفاقي في المدرسة، إذ أن أسرتي لم تأت من مالطا أو فرنسا أو غيرهما إلى الجزائر بحثا عن الثروة. إن الأجيال لا حساب لها بالنسبة لذوي، لأنهم ملك الأرض الجزائرية. فالجزائر لهم كما أنهم ملك لها، هم متعلقون بأرضها سواء كانوا فقراء أم أثرياء، وهم في أيامنا هذه، عندما يهاجرون هربا من الجوع، يعودون حتما إليها ليموتوا فيها.
إن عملية احتلال الجزائر هي قضية معروفة - لكنني سأسرد هنا بإيجاز كيف جرت الأمور بالنسبة لأفراد قبيلتي. لقد قام العقيد - الكولونيل سان أرنو - عام ١٨٥١ في زحفه من قسنطينة إلى (جيجل) بإحراق محاصيلهم وقراهم. وقطع أشجارهم المثمرة، ونهب مواشيهم، فقضى على كل مقاومة عندهم. ثم عادوا فاستأنفوا حمل السلاح عام ١٨٧١ تلبية لنداء مقراني والحداد، فغلبوا على أمرهم من جديد، وهجروا من أراضيهم، وطردوا إلى أرض صخرية بين نجود التل العليا عند أطراف مديرية (فج مزالا). وقد أنشىء في مناطقهم خمسة مراكز للتوطين هي جيجل ودوكسين واستراسبورغ وطاهر وشفقا. وبعد
стр. 1472
ذلك بسنوات عادوا يعملون كعمال في أراضي الساحل تلك التي كانت في السابق أراضيهم، أما المجدودون منهم، فقد تمكنوا من شراء قطعة صغيرة أقاموا فيها مساكن لهم. وكان والدي من بين هؤلاء، أما الباقون فقد مضوا يتنقلون من قرية إلى قرية، حسب إرادة أرباب العمل.
أما المدارس فلم يكن يوجد منها شيء لديهم، كانوا يعيشون على هامش مراكز الاستيطان الإفرنسي حيث كانوا يستخدمونهم لأنهم يتكلمون لغتهم، ولكن ما أن يصبح الأمر متعلقا بعمل إداري (عند القاضي أو المدير أو حارس المياه والغابات والجابي إلخ ...) يصبح الترجمان ضروريا. وهكذا أصبحوا غرباء في وطنهم بالذات، كما بقيت القوانين الإفرنسية غير مفهومة لديهم، وانتهى الأمر أخيرا بأن جردوا من القليل الذي أبقاه لهم النظام الاستعماري. وقد سبق أن رأينا أن هذا الشقاء كان من نصيب شعب بأكمله، كما أن بؤسه الفظيع كانت نتيجة صدام بين الشرق والغرب، شرق مغلوب مسلوب ومجبر على الصمت، وغرب طامع عنيف متوحش. ومن طبيعتي أنني أكره العنف، وأكره أكثر منه الظلم، الناجم عن شراهة الفئات المتخمة. وتزداد بشاعة الظلم في الجزائر بقدر زيادة عمق جذوره. ومن العبث إلقاء تبعات هذا الظلم على الإفرنسي الشرير، ونبرىء منه الإفرنسي الطيب. فالمسؤولية هنا جماعية مشتركة، وهي نتيجة نظام، وثمرة مفاهيم خاطئة. ويقال أن الإنسان هو الذي يضع النظم، ويصح أيضا أن نقول بأن النظم تضع الإنسان، إن فرنسيي الجزائر لم يكونوا
стр. 1473
جميعهم في البدء أشرارا، ولكنه النظام الاستعماري الذي تطبقه البورجوازية الإفرنسية هو الذي جعلهم على ما هم عليه الآن. وليس من استعمار في العالم يعادل في ظلمه الاستعمار الإفرنسي في الجزائر. إذ لم يخطر في بال أي نظام استعماري أن يفني الشعب المغلوب بمثل الصفاقة والوحشية التي جرى عليها الاستعمار الإفرنسي، ولما لم يتمكن من تحقيق هذا الهدف، رأى أنه من المهارة وضع الشعب الجزائري في السجن بواسطة صيغ قانونية كاذبة خادعة - وعلى سبيل المثال - فعندما يعلن الجزائري أنه عربي، يجيبه المشرعون الإفرنسيون (كلا إنك إفرنسي) وعندما يطالب بحقوق الإفرنسيين يجيبه المشرعون أنفسهم: (كلا إنك عربي). لذلك كان على الجزائريين استنكار مثل هذا النظام، وكان عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ليعلنوا موقفهم، وهم في الواقع لم ينقطعوا أبدا عن الاحتجاج والدفاع، وكان ذلك في الدرجة الأولى أمام الديموقراطيين الإفرنسيين أنفسهم. وهذا هو السبب الذي من أجله أصر جيلنا والأجيال التي سبقته على اللجوء إلى فرنسا الجمهورية والحرة ضد فرنسا الاستعمارية الطاغية. وكانت هذه الأجيال تعتقد بأنه يكفي أن توضح لفرنسا الأولى التناقضات التي كانت سببا في شقاء الشعب الجزائري حتى تضع حدا لها. وإذا كان جيلنا قد رفض مبدأ (العنصر المتفوق) و (العنصر المتدني) على أنه مبدأ خاطىء ومشين. فقد تبنى مع ذلك مبدأ العنصر الأستاذ والعنصر التلميذ، إذا اعتقد بتقدم القوانين وتطورها. وبأن الجزائر الجديدة ستولد عن طريق المدرسة والخبرة الفنية الحديثة. وبأن
стр. 1474
نظام العقل والذكاء هو مدخل الحرية. وبأن تحالفا يقوم بين الشبيبة الجزائرية والأحرار الإفرنسيين يمكنه أن يؤدي تدريجيا إلى تحقيق الديموقراطية الحقيقية.
جاءت مسيرة الأحداث لتؤكد لنا أن الأمور ليست على مثل هذه الدرجة من البساطة، فالرأسمالية والاستعمار مرتبطان برباط واحد لا يمكن فصله - أو حله. كانت الرأسمالية تعمل في باريس، وكان الاستعمار يعمل في الجزائر. ولم يكن بالمستطاع التعرض بالهجوم على أحدهما دون مهاجمة الآخر. على عكس ما تصورت بادىء ذي بدء. فإن وجود (بروليتاريا) ثورية واحدة، ووجود أحرار في فرنسا لم يكن ليغير شيئا في المعطيات الرئيسية للمشكلة الاستعمارية. إذ بقيت هذه المشكلة بالرغم من كل الدعايات، مشروعا عنصريا للسيطرة والاستغلال.
عندما ولدت كان تجريد الجزائريين من ممتلكاتهم قد تحول إلى حقيقة واقعة. وكان النظام الاستعماري مهيمنا على الجزائر. وكان الجزائريون يعيشون في فقر يصعب وصفه. وهم يجاولون تضميد جراحهم والإفلات من قبضة الفناء المادي والانحلال المعنوي، وكان الفلاحون يتشبثون بالأرض بشكل يائس، ويئنون تحت عبء البؤس والاضطهاد، ويشاهدون وهم عاجزون، عالما بأكمله، يتألم ويموت، وهذا العالم هو عالمهم. وقد خلف السلم دون عدل، ألما كبيرا، لوجود دون سعادة. وحيال عدم الثقة بالغد، كان الأبناء يخلفون الآباء بنسبة عالية من الولادات والوفيات، كان الشقاء يقرع الأبواب غالبا، وكان الفلاح
стр. 1475
الجزائري يستقبل هذا الشقاء، من أي جهة جاءه، بذات الدعاء: لنصبر، فهذا كله من عند الله. فلنصبر!! ولم يكن ذلك الصبر يعني الاستسلام الأبله، وإني في موقف يسمح لي بأن أعرف ذلك حق المعرفة، لقد كان هذا الصبر حيال ذلك الشقاء المقابل الوحيد الذي وجده الفلاح ضد اليأس. لقد كان هذا الفلاح يأمل دائما باستعادة حقله، يتملكه في ذلك حبه للأرض وحماسته لها. وكان يكافح الاستعمار بوسائله الخاصة، دونما سند ولا دعم ولا تدريب، وإذا كان يمزج كفاحه أحيانا ببعض العنف، فذلك لأن استخدام وسيلة العنف باتت عادة مستحكمة من عادات الاستعمار. ولم يكن هذا الفلاح، روتينيا جامدا، ذلك أنه بمجرد أن يتوفر له الحظ بالحصول على ملكية متوسطة، كان همه الأول أن يتكيف مع متطلبات الحضارة الفنية التي لم يكن باستطاعته أن ينكر قيمتها، فكان على غرار المستوطن الذي أصبح جاره يدخل في استثماره الزراعي الأساليب الحديثة (*).