← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

حداثتي وسط هذه الفئة من الناس المتواضعين الصلبين الكرماء، وإذ نشأت في ناحية (دوار) تابع لمجمع مختلط (كومون ميكست) بعيد عن المدينة، غير موروث، وكان من المحال علي أن أنفصل عن أولئك الفلاحين ولم يكن تضامني مع الفلاحين هو تضامن محبة وتعاطف، بل هو تضامن في العيش والحياة إلى حد ما، فقد نشأت بينهم وأصبحت شابا وأنا معهم، لذلك صرت أعرف آلامهم وأدرك مصدر شقائهم وبؤسهم مما كان يثير حزني. إنني لست ابن مهاجر، مثل بعض رفاقي في المدرسة، إذ أن أسرتي لم تأت من مالطا أو فرنسا أو غيرهما إلى الجزائر بحثا عن الثروة. إن الأجيال لا حساب لها بالنسبة لذوي، لأنهم ملك الأرض الجزائرية. فالجزائر لهم كما أنهم ملك لها، هم متعلقون بأرضها سواء كانوا فقراء أم أثرياء، وهم في أيامنا هذه، عندما يهاجرون هربا من الجوع، يعودون حتما إليها ليموتوا فيها. إن عملية احتلال الجزائر هي قضية معروفة - لكنني سأسرد هنا بإيجاز كيف جرت الأمور بالنسبة لأفراد قبيلتي. لقد قام العقيد - الكولونيل سان أرنو - عام ١٨٥١ في زحفه من قسنطينة إلى (جيجل) بإحراق محاصيلهم وقراهم. وقطع أشجارهم المثمرة، ونهب مواشيهم، فقضى على كل مقاومة عندهم. ثم عادوا فاستأنفوا حمل السلاح عام ١٨٧١ تلبية لنداء مقراني والحداد، فغلبوا على أمرهم من جديد، وهجروا من أراضيهم، وطردوا إلى أرض صخرية بين نجود التل العليا عند أطراف مديرية (فج مزالا). وقد أنشىء في مناطقهم خمسة مراكز للتوطين هي جيجل ودوكسين واستراسبورغ وطاهر وشفقا. وبعد

стр. 1472

ذلك بسنوات عادوا يعملون كعمال في أراضي الساحل تلك التي كانت في السابق أراضيهم، أما المجدودون منهم، فقد تمكنوا من شراء قطعة صغيرة أقاموا فيها مساكن لهم. وكان والدي من بين هؤلاء، أما الباقون فقد مضوا يتنقلون من قرية إلى قرية، حسب إرادة أرباب العمل. أما المدارس فلم يكن يوجد منها شيء لديهم، كانوا يعيشون على هامش مراكز الاستيطان الإفرنسي حيث كانوا يستخدمونهم لأنهم يتكلمون لغتهم، ولكن ما أن يصبح الأمر متعلقا بعمل إداري (عند القاضي أو المدير أو حارس المياه والغابات والجابي إلخ ...) يصبح الترجمان ضروريا. وهكذا أصبحوا غرباء في وطنهم بالذات، كما بقيت القوانين الإفرنسية غير مفهومة لديهم، وانتهى الأمر أخيرا بأن جردوا من القليل الذي أبقاه لهم النظام الاستعماري. وقد سبق أن رأينا أن هذا الشقاء كان من نصيب شعب بأكمله، كما أن بؤسه الفظيع كانت نتيجة صدام بين الشرق والغرب، شرق مغلوب مسلوب ومجبر على الصمت، وغرب طامع عنيف متوحش. ومن طبيعتي أنني أكره العنف، وأكره أكثر منه الظلم، الناجم عن شراهة الفئات المتخمة. وتزداد بشاعة الظلم في الجزائر بقدر زيادة عمق جذوره. ومن العبث إلقاء تبعات هذا الظلم على الإفرنسي الشرير، ونبرىء منه الإفرنسي الطيب. فالمسؤولية هنا جماعية مشتركة، وهي نتيجة نظام، وثمرة مفاهيم خاطئة. ويقال أن الإنسان هو الذي يضع النظم، ويصح أيضا أن نقول بأن النظم تضع الإنسان، إن فرنسيي الجزائر لم يكونوا

стр. 1473

جميعهم في البدء أشرارا، ولكنه النظام الاستعماري الذي تطبقه البورجوازية الإفرنسية هو الذي جعلهم على ما هم عليه الآن. وليس من استعمار في العالم يعادل في ظلمه الاستعمار الإفرنسي في الجزائر. إذ لم يخطر في بال أي نظام استعماري أن يفني الشعب المغلوب بمثل الصفاقة والوحشية التي جرى عليها الاستعمار الإفرنسي، ولما لم يتمكن من تحقيق هذا الهدف، رأى أنه من المهارة وضع الشعب الجزائري في السجن بواسطة صيغ قانونية كاذبة خادعة - وعلى سبيل المثال - فعندما يعلن الجزائري أنه عربي، يجيبه المشرعون الإفرنسيون (كلا إنك إفرنسي) وعندما يطالب بحقوق الإفرنسيين يجيبه المشرعون أنفسهم: (كلا إنك عربي). لذلك كان على الجزائريين استنكار مثل هذا النظام، وكان عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ليعلنوا موقفهم، وهم في الواقع لم ينقطعوا أبدا عن الاحتجاج والدفاع، وكان ذلك في الدرجة الأولى أمام الديموقراطيين الإفرنسيين أنفسهم. وهذا هو السبب الذي من أجله أصر جيلنا والأجيال التي سبقته على اللجوء إلى فرنسا الجمهورية والحرة ضد فرنسا الاستعمارية الطاغية. وكانت هذه الأجيال تعتقد بأنه يكفي أن توضح لفرنسا الأولى التناقضات التي كانت سببا في شقاء الشعب الجزائري حتى تضع حدا لها. وإذا كان جيلنا قد رفض مبدأ (العنصر المتفوق) و (العنصر المتدني) على أنه مبدأ خاطىء ومشين. فقد تبنى مع ذلك مبدأ العنصر الأستاذ والعنصر التلميذ، إذا اعتقد بتقدم القوانين وتطورها. وبأن الجزائر الجديدة ستولد عن طريق المدرسة والخبرة الفنية الحديثة. وبأن

стр. 1474

نظام العقل والذكاء هو مدخل الحرية. وبأن تحالفا يقوم بين الشبيبة الجزائرية والأحرار الإفرنسيين يمكنه أن يؤدي تدريجيا إلى تحقيق الديموقراطية الحقيقية. جاءت مسيرة الأحداث لتؤكد لنا أن الأمور ليست على مثل هذه الدرجة من البساطة، فالرأسمالية والاستعمار مرتبطان برباط واحد لا يمكن فصله - أو حله. كانت الرأسمالية تعمل في باريس، وكان الاستعمار يعمل في الجزائر. ولم يكن بالمستطاع التعرض بالهجوم على أحدهما دون مهاجمة الآخر. على عكس ما تصورت بادىء ذي بدء. فإن وجود (بروليتاريا) ثورية واحدة، ووجود أحرار في فرنسا لم يكن ليغير شيئا في المعطيات الرئيسية للمشكلة الاستعمارية. إذ بقيت هذه المشكلة بالرغم من كل الدعايات، مشروعا عنصريا للسيطرة والاستغلال. عندما ولدت كان تجريد الجزائريين من ممتلكاتهم قد تحول إلى حقيقة واقعة. وكان النظام الاستعماري مهيمنا على الجزائر. وكان الجزائريون يعيشون في فقر يصعب وصفه. وهم يجاولون تضميد جراحهم والإفلات من قبضة الفناء المادي والانحلال المعنوي، وكان الفلاحون يتشبثون بالأرض بشكل يائس، ويئنون تحت عبء البؤس والاضطهاد، ويشاهدون وهم عاجزون، عالما بأكمله، يتألم ويموت، وهذا العالم هو عالمهم. وقد خلف السلم دون عدل، ألما كبيرا، لوجود دون سعادة. وحيال عدم الثقة بالغد، كان الأبناء يخلفون الآباء بنسبة عالية من الولادات والوفيات، كان الشقاء يقرع الأبواب غالبا، وكان الفلاح

стр. 1475

الجزائري يستقبل هذا الشقاء، من أي جهة جاءه، بذات الدعاء: لنصبر، فهذا كله من عند الله. فلنصبر!! ولم يكن ذلك الصبر يعني الاستسلام الأبله، وإني في موقف يسمح لي بأن أعرف ذلك حق المعرفة، لقد كان هذا الصبر حيال ذلك الشقاء المقابل الوحيد الذي وجده الفلاح ضد اليأس. لقد كان هذا الفلاح يأمل دائما باستعادة حقله، يتملكه في ذلك حبه للأرض وحماسته لها. وكان يكافح الاستعمار بوسائله الخاصة، دونما سند ولا دعم ولا تدريب، وإذا كان يمزج كفاحه أحيانا ببعض العنف، فذلك لأن استخدام وسيلة العنف باتت عادة مستحكمة من عادات الاستعمار. ولم يكن هذا الفلاح، روتينيا جامدا، ذلك أنه بمجرد أن يتوفر له الحظ بالحصول على ملكية متوسطة، كان همه الأول أن يتكيف مع متطلبات الحضارة الفنية التي لم يكن باستطاعته أن ينكر قيمتها، فكان على غرار المستوطن الذي أصبح جاره يدخل في استثماره الزراعي الأساليب الحديثة (*).

стр. 1476

ولكن الجزائريين، على النطاق الاجتماعي والأخلاقي، وسواء أكانوا أغنياء أو فقراء، كانوا متشبثين بتصميم وعناد بحضارتهم المتوارثة عن الأجداد، وبلغتهم القومية، وتقاليدهم الأصيلة، وسواء تخرجوا من المدارس الإفرنسية أو المدارس العربية، أو في أقاصي النواحي - الدوارات - كانوا جميعا يشعرون بالحاجة إلى احترام، إرث الأجداد والمحافظة عليه. لقد حافظوا وهم بمواجهة مجتمع أوروبي معتد، حافظوا على العزة والقوة اللتين يوحي بهما إليهم انتسابهم إلى الشعب المضطهد، الشعب العربي الجزائري. وكانوا يواجهون إزدراء الأوروبيين لهم بإزدراء مماثل، وباحتقار من هم واثقون من حقهم الصريح. لقد رفضوا بقوة وصلابة خرافة التفوق العنصري التي أراد النظام الاستعماري أن يفرضها عليهم. كانوا يعلمون أن المستوطن، سواء كان إفرنسيا أو إيطاليا أو إسبانيا، لم يكن متفوقا عليهم، كانوا ينحنون بالتأكيد تحت ثقل الضغط والقوة، ولكنهم كانوا يرفضون أن يتراموا كالكلاب. أما الإمبريالية الاستعمارية، فقد كانوا على ثقة من زوالها يوما ما بوسيلة أو بأخرى. فالبيت الذي لا أساس له، سينهار عاجلا أم آجلا. أما مؤقتا، فإن الظلم مهما كان الرداء الذي يرتديه، فيبقى ظلما، ومهما ثقل هذا الظلم عليهم، فإنه سيبقى معه شعلة الثورة، وأمل تحرر أكيد). تلك هي الصورة العامة لإنسان الجزائر كما رسمتها ريشة

стр. 1477

(فرحات عباس) في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين. ففي هذا العقد، كان (مصالي الحاج) قد أخذ في فرض وجوده على المسرح السياسي للجزائر، وكانت طلباته ومقترحاته تعتبر (متطرفة) و (غير واقعية) من وجهة نظر الاستعمار الإفرنسي. ومقابل ذلك فإن الإصلاحات التي بدأب رابطة (علماء المسلمين الجزائريين) بقيادة عبد الحميد بن باديس لم تكن قد أخذت أبعادها للتأثير على التيار العام، وبصورة خاصة على هذه الفئة من (المستغربين) أو (المتفرنسين) وهي الفئة التي وجدت في صيدلي (سطيف) الشاب فرحات عباس - ممثلا لها وناطقا باسمها. وعلى هذا لم يكن من الغريب أن يندفع (فرحات عباس) بكل ما في الشباب من اندفاع وحماسة، ليكتب في كتابه (الجزائر الفتاة) والذي نشره سنة ١٩٣١ ما يلي: (... إن الجزائر أرض إفرنسية، ونحن إفرنسيون، لنا قانوننا الشخصي الإسلامي). وقد أعربت نظريته عن التطور من (مستعمرة إلى مقاطعة) أصدق التعبير عن الرغبات الاندماجية عند فريق المستغربين. وللوصول إلى هذا الهدف، كان لابد من انتهاء عهد الاستعمار والاستيطان، فكتب عباس فرحات يقول: (ليس هناك في الفرآن الكريم ما يمنع الجزائري المسلم من أن يكون إفرنسي الجنسية، قوي السلاح، حاضر الجنان، داعيا للتضامن الوطني. ولا شيء يمنع ذلك إلا الاستعمار). ألف الفريق الذي كان يمثل الجزائريين في الهيئات والمجالس المحلية المنتخبة في عام (١٩٣٠) اتحادا للمنتخبين

стр. 1478

المسلمين بزعامة الدكتور (ابن جلول) الذي كان يرأس جماعة قسنطينة. وكان الهدف الأساسي لهذا الاتحاد المختلف الأشكال والصور، الدمج التدريجي للنخبة المتعلمة من الجزائريين في الحياة الإفرنسية، وتحسين أحوال جميع الجزائريين (*). وفي عام ١٩٣٥، ألقى (فرحات عباس) خطابا باسم الاتحاد، بحضور وزير الداخلية الإفرنسي - رينيه - الذي كان يزور الجزائر آنذاك فقال: (لم يبق هناك في هذه البلاد شيء إلا الاتفاق على سياسة الإدماج، وذوبان العنصر المحلي في المجتمع الإفرنسي) وأوضح عباس موقفه بصورة أكثر جلاء في العام التالي، عندما أصدر بيانا قال فيه: (نحن الأصدقاء السياسيين للدكتور بن جلول، سنصبح من القوميين. وهذا الاتهام ليس بالأمر الجديد. فقد تحدثت إلى شخصيات متعددة حول هذا الموضوع. أما رأيي فمعروف تماما. فالإحساس القومي هو ذلك الشعور الذي يدفع بشعب ما إلى العيش داخل حدوده الإقليمية، بل هو الشعور الذي خلق هذا العدد من الأمم. ولو كنت قد اكتشفت الأمة الجزائرية، لغدوت إنسانا قوميا. ولن أخجل آنذاك من هذه الجريمة. فالرجال الذين

стр. 1479

يموتون دفاعا عن فكرة وطنية، يجلون ويحترمون أبلغ الاحترام. وليست حياتي بأغلى أو أثمن من حياتهم ... إنه ليس بوسع إنسان أن يقيم بناء على الرمال. وقد بددنا مرة وإلى الأبد، جميع الضباب والخيالات، لنربط إلى الأبد بين مستقبلنا ومستقبل ما تحققه فرنسا في هذه البلاد، ولا أرى إنسانا يؤمن إيمانا جديا بقوميتنا. أما ما نريد أن نحارب من أجله فهو تحررنا السياسي والاقتصادي ... فبدون هذا التحرر للمواطن الجزائري، لن يكون هناك جزائر إفرنسية تستطيع البقاء إلى الأبد ...). حصل (اتحاد المنتخبين المسلمين) هذا على دعم كل الشخصيات المشتركة في الاتحاد والتي تعمل على (الدمج) كما لقيت هذه الجماعة دعما من (الجبهة الشعبية الإفرنسية) التي انتصرت في الانتخابات الإفرنسية سنة ١٩٣٦، واستحوذت على الحكم فيها. غير أن اتحاد المنتخبين المسلمين فشل في الحصول على تأييد لاقتراحاته الإصلاحية. وكانت ردود فعل الدكتور بن جلول وجماعته عنيفة في مجابهة هذا الفشل، فقام (بن جلول) في الهجوم على الإدارة الإفرنسية هجوما عنيفا في سنة ١٩٣٧، ودعا جميع المنتخبين الجزائريين إلى الاستقالة إذا لم تستجب الإدارة الإفرنسية لهذه الإصلاحات (التي عرفت باسم اقتراح بلوم - فيوليت سبقت الإشارة إليها). ولبى نحوا من ثلاثة آلاف جزائري في منطقة قسنطينة النداء, فغادروا مكاتبهم، لكن الاستجابة كانت ضعيفة في المناطق الأخرى. وعاد المنتخبون الجزائريون إلى مراكزهم في كانون الثاني (يناير) عام ١٩٣٨. بعد أن تلقوا تأكيدات بأن اقتراحات (بلوم - فيوليت) ستبحث في

стр. 1480

البرلمان الإفرنسي. ولا ريب في أن فشل هذا البرلمان في إقرار المشروع، كان نقطة تحول في تفكير الكثيرين من الجزائريين المعتدلين. وأدرك فرحات عباس أن الجزائريين أضعف من أن يقاوموا الاستعماريين في كل من باريس والجزائر في وقت واحد. وكان قد اعتمد على تأييد فرنسا نفسها في مطالبه للمساواة في المعاملة. ولكن أمله خاب الآن حتى في أكثر الإفرنسيين تقدما وحرية فكر. ووصف فرحات عباس، الصراع في هذه الفترة بما يلي: (عندما جرت المعركة الانتخاية لتجديد المجالس البلدية لعام ١٩٣٥. رافقتها اشباكات في قسنطينة وبجاية وسطيف. فقامت الشرطة بإطلاق النار على الجماهير في بسكرة خصوصا حيث كانت الشرطة تحت أمرة عمدة فاشي يدير أحد المصارف. وعملت الإدارة الإفرنسية التي كانت خاضعة خضوعا تاما لسلطة الإقطاعيين من المستوطنين، على حماية المجرمين، وأطلقت أيديهم في أعمال القمع والاعتقال، وتم إغلاق المقاهي، وتقديم أساتذة اللغة العربية للمحاكمة. وتسريح الموظفين ممن كانوا يتعاطفون مع الحركة، وعملت الإدارة الإفرنسية على تدمير التجار والمزارعين عن طريق الغرامات المالية الباهظة التي فرضت عليهم، كما ألغت القروض الزراعية للفلاحين. الخ ... ثم طالب اتحاد العمد الفاشيين بأن يرسل إلى الجزائر فصائل القناصة، وأن تسحب منها سرايا الرماة الجزائريين لاستبدالها بقوات زنجية. كما طالب هذا الاتحاد بتوقيف

стр. 1481

المحرضين، وتكوين الحرس السيار أما المحرضون فلم يكونوا سوى المنتخبين العرب الذين كانوا يطالبون بالمساواة في الحقوق في جمهورية كانت تعلن عن نفسها: (بأنها تشكل مع الجزائر وحدة لا تتجزأ)، وعلى أثر ذلك، توجه المنتخبون المسلمون بنداءاتهم إلى الأحرار الإفرنسيين، وإلى رئيس الجمهورية ووزير الداخلية، كما وجه (موريس فيوليت) الذي كان عضوا في مجلس الشيوخ، استجوابا إلى الحكومة، وألقى بيانا رائعا عن الموقف في الجزائر. ولكن النصر كان إلى جانب الحزب الاستعماري - كما هي العادة - ولمواجهة المناقشة في هذا الموضوع، زار الجزائر وزير الداخلية الإفرنسي - مارسيل رينيه - وتأثر كثيرا لبؤس الشعب الجزائري، وعدالة مطالبه، غير أن هذا التأثر لم يمتعه من إصدار القرار الذي حمل اسمه - قرار رينيه - والذي دعم فيه سلطة أجهزة القمع ضد الشعب الجزائري. أما الإصلاحات، فلم تكن موضع بحث الوزير الهمام. لم تنجح وسائل القمع في إيقاف نشاط (اتحاد المنتخبين المسلمين). الذي دعا في سنة ١٩٣٦ إلى إقامة تجمع في كل أنحاء الجزائر أطلق عليه اسم (المؤتمر الإسلامي) وضم المنتخبين والعلماء والاشتراكيين والشيوعيين والمحاربين القدماء والفلاحين. وتم وضع ميثاقا يتضمن المطالب الأساسية (*). وجاءت لجنة

стр. 1482

تحقيق برلمانية إلى الجزائر - في آذار (مارس) ١٩٣٧ بهدف دراسة وضع الوطنيين الجزائريين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وأيدت اللجنة عدالة المطالب الجزائرية. غير أن الاستعماريين كانوا يطرحون القضية على صعيد آخر، فكانوا يعترضون على المطالب الجزائرية بقولهم: (إن الجزائريين المسلمين هم جميعا قوميون وأعداء، فإذا منحتهم فرنسا المساواة في الحقوق، فستطرد من الجزائر، لذلك يجب أن تبقى سيادة الأوروبي وأفضليته قاعدة ثابتة). وهكذا انطلقت حملة عنيفة في الصحف ضد مسلمي الجزائر - في باريس والجزائر معا - وكان يغذي هذه الحملة ويمولها ويوجهها آل مورينو، وديرو، وبروجو، وسيكار - وفشل مشروع الإصلاح، وتراجعت حكومة الجبهة الشعبية اليسارية، كما تراجعت من قبلها الحكومات اليمينية. لقد قابلت في العام ١٩٣٧ - ولا زال الحديث للزعيم فرحات عباس - الرئيس (ألبير سارو) الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب وزير الداخلية، وبينت له عدالة مطالبنا. وإذ ذاك اعترف الوزير المذكور - متأثرا بحججي، بأنه عاجز أمام خصومه الاستعماريين - وقال لي: (لقد استقبلت هنا النواب الجزائريين - نواب المستوطنين

стр. 1483

- وبحثت معهم مشروع الإصلاح - مشروع فيوليت - والذي عرضته علي الآن، وناقشتهم لأكثر من ساعة، وحاولت إقناعهم واستثارة وطنيتهم وحكمتهم ومشاعرهم. وإني مضطر لأن أسلم بأن هؤلاء السادة، لا يحملون في أشخاصهم سوى أنبوب الهضم). جرت الأحداث بعد ذلك متسارعة، وقام مجلس الشيوخ الإفرنسي بإسقاط حكومة الاشتراكي (ليون بلوم) لتخلفها حكومة (دالادييه) التي استقبل رئيسها وفدا جزائريا يضم ابن باديس وفرحات عباس: وقال (دالادييه) للوفد: (إن البرلمان يعارض مشروع فيوليت، ويبدو أن الجنسية الإفرنسية لا تتلاءم مع الحقوق الشخصية الإسلامية. ولا أستطيع أن أقول شيئا ضمن هذه الظروف، بل أسألكم مساعدتي في حفظ النظام. ولا تحرجوني كي أستخدم القوة المتوفرة لدى فرنسا، لأن فرنسا قوية). ورد عليه فرحات عباس: (إن احترام حقوق الإنسان هي أفضل سلاح) أما ابن باديس الذي كان متألقا، شامخا، ففد اكتفى بأن قال للرئيس دالادييه: (القوة والعزة لله وحده. إن قضيتنا عادلة وسنستمر في الدفاع عنها حيال وضد الجميع). وتسارعت الأحداث على ساحة الجزائر بمثل ما كانت تسير متسارعة في فرنسا. فقد انفرط عقد (اتحاد المنتخبين الجزائريين) ووقف العلماء والشيوعيون ضد المصاليين.

стр. 1484

ووقع خلاف بين فرحات عباس والدكتور بن جلول، إذ خاف فرحات من سياسة بن جلول المغرقة في التساهل مع الإفرنسيين. وبقي فرحات أقرب من خصمه إلى الفلاحين الجزائريين، بينما كان بن جلول أقرب إلى الطبقة الأرستقراطية. وقام بن جلول بتأليف (التجمع الجزائري - الإفرنسي الإسلامي). ومقابل ذلك، قام فرحات عباس بتكوين (اتحاد الشعب الجزائري) بهدف (توحيد جماهير المسلمين الجزائريين مع ممثليهم المنتخبين، لكسب المعركة، والقيام بعمل جماهيري إذا اقتضى الأمر). ثم كانت الحرب العالمية الثانية، ولما تمض أكثر من أشهر قليلة على هذه الأحداث. واجتاحت القوات الألمانية فرنسا - التي ظهر أنها لم تكن قوية إلا ضد الشعوب المستضعفة - وتبع ذلك اعتقال الرئيس (دالادييه) واضطهاد الديموقراطيين الإفرنسيين. أما في الجزائر، فقد أظهر الحاكم العام (لوبو) بادرة ذات مغزى في تموز (يوليو) ١٩٤٠، حيث منع مقالا في صحيفة (صوت المستوطن) لأن هذا المقال تضمن العبارة التالية: (لقد ارتكبت فرنسا أخطاء، وعليها أن تدفع الثمن وحدها، إذ لسنا ملزمين بتحمل نتائج هذه الأخطاء). وراح أسياد (الجزائر الإفرنسية) يستقبلون بزجاجات الشمبانيا ضباط رجال لجان الهدنة الألمان، في الفنادق، وفي فيلاتهم الفخمة، وممتلكاتهم، وأخذ أكثرهم نفوذا يتعامل مع حكومة فيشي. كما

стр. 1485

استمرت أعمالهم في الازدهار. كانت الأمور عندهم على خير ما يرام - وسط الهزيمة - ما دام المستوطن لا يزال سيد الجزائر (*). ... انهارت هيبة فرسا، نتيجة الهزيمة التي نزلت بها في سنة ١٩٤٠. وأدى تعاون الكثيرين من المستوطنين مع نظام فيشي الموالي للنازيين في فرنسا إلى قيام أعمال العنف ضد مسلمي الجزائر بصورة خاصة، وضد اليهود أيضا. وأدى ذهاب الجزائريين إلى الحرب للدفاع عن فرنسا إلى تدمير الإنتاج. وزاد من الصعوبات الاقتصادية التي عاشتها الجزائر في سنوات الحرب ما حدث من انحباس الأمطار في بعض السنوات، ووقوع سيول وفيضانات في سنوات أخرى. وخلال ذلك كانت الدعاية النازية، والخلافات بين سياسة فرنسا وقادتها العسكريين، إلى انهيار ما بقي من هيبة لفرنسا في أنظار الجزائريين. ثم جاء ميثاق حلف الأطلسي، وتعاظم قوة الحلفاء ليشكل حافزا جديدا في دفع الجزائريين لتفكير بمسقبلهم على أسس جديدة. وتحولت السجون والمعتقلات التي أقامها النازيون وأنصارهم من الفيشيين في الجزائر إلى مدارس سياسية، تبلورت فيها النويات الأولى للتنظيمات السرية. وأدى إقبال حكومة فيشي على اتباع أسلوب (تمجيد عظمة فرنسا المسيحية) إلى دفع المعتدلين الجزائريين وفي طليعتهم - عباس فرحات - إلى الوقوف صراحة في صفوف

стр. 1486

(الجبهة الإسلامية). وأدت النداءات التي كان يوجهها الجنرال ديغول من لندن، طالبا مقاومة حكومة فيشي، إلى استجابة الكثيرين من الجزائريين للمقاومة. نزلت القوات الأنكلو - أمريكية على أرض الجزائر يوم ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٤٢، فيما كانت إذاعات لندن وموسكو وواشنطن تكثر نداءاتها لصالح حرية الإنسان، والمساواة بين الشعوب، فكانت بذلك تساهم مساهمة كبرى في إيقاظ وعي الشعوب سياسيا - لا سيما شعوب أفريقيا وآسيا الخاضعة للاستعمار. فقد أخذت الشعوب المستعمرة تدرك حقوقها، وتشعر بقوة شخصيتها، وترفع رأسها متطلعة نحو مستقبلها. ويفسر ذلك - جزئيا - حماسة أبناء الجزائر الكبرى لنزول قوات الحلفاء على أراضيهم. وكانت فرنسا الحرة - بقيادة ديغول - تحتاج لدعم كل قدرة بشرية ممكنه للإسهام بالمجهود الحربي، مما ساعد الجزائريين على بذل محاولة لطرح الشروط التي كانوا يعتبرونها مناسبة كضمان مقابل جهودهم وتضحياتهم. وقدم (فرحات عباس) مع عدد من كبار الممثلين الجزائريين المنتخبين، في كانون الثاني (يناير) ١٩٤٢ سلسلة من المطالب إلى (السلطات المسؤولة). وقد رفضت هذه السلطات فورا - الرسالة الأولى - التي وجهها ممثلو الجزائر، لأن الإفرنسيين رأوا أنها وجهت إلى السلطات الأميركية وغيرها، ولأنها جعلت اشتراك

стр. 1487

الجزائريين في المجهود الحربي رهنا بعقد مؤتمر جزائري عام (*). وبعد يومين قدمت صيغة أخرى معدلة بعض التعديل إلى (السلطات الإفرنسية). بعد أن حذفت منها كل إشارة تفيد بأنها إنذار نهائي. وذكرت: (أن الجزائريين بإسهامهم في المجهود الحربي، سيضمنون تحررهم السياسي ضمن إطار فرنسي). وتم في النهاية (إعلان بيان الشعب الجزائري) (**). لقد كان إعلان بيان الشعب الجزائري، خطوة رئيسية في

стр. 1488

تطور الحركة الوطنية الجزائرية، فقد ذكر البيان أنه يمثل وجهات نظر ثمانية ملايين ونصف المليون من الجزائريين. ثم مضى البيان يسرد في العبارات التي استخدمها فرحات عباس (قائمة حساب صادقة وموضوعية عما تم في القرن الماضي) ويتلو (استنكارا واضحا ومقصودا لسياسة الدمج عن طريق التمثيل) ثم طلب للجزائر (حياة قومية ديموقراطية صادقة وموثوقة). وعلى الرغم من عدم تنكر بيان - فرحات عباس - للثقافة الإفرنسية والغربية، إلا أنه رفض (العبودية) الناجمة عن النظام الاستعماري. وتعرض البيان للانحطاط الاقتصادي والاجتماعي في ظل الاحتلال الإفرنسي والذي بلغ حدا وصل بالجزائريين إلى الذل المهين والفقر المدقع حتى صاروا يشعرون أنهم أجانب في بلادهم، وغرباء وهم فوق أرضهم. وخصص البيان اهتماما خاصا إلى الدور الذي يمارسه المستوطنون في الحيلولة دون وصول أكثر الجزائريين المستغربين تطرفا، إلى درجة المساواة معهم. وانتهى إلى القول: بأن الأوروبيين والجزائريين ظلوا منفصلين، لا تجمعهم رابطة روحية واحدة. وأشار البيان إلى سياسة الدمج من خلال التمثيل فقال: (تبدو هذه السياسة اليوم في نظر الجميع، واقعا لا يمكن التعبير عنه، وأداة خطرة في خدمة الاستعمار). ثم أكد أخيرا: (بأن الوقت قد فات على أن يقبل الجزائري بأن يكون شيئا آخر، غير أن يكون جزائريا. بقي أهم ما في البيان هو أن الموقعين عليه كانوا من الموصوفين - من قبل الإفرنسيين - (بذوي الأفكار المحافظة) أو

стр. 1489

(المعتدلين). وكان البيان في حد ذاته يمثل أشد استنكار للحكم الإفرنسي في الجزائر وأخطره، مما أصدره حتى ذلك التاريخ (المعتدلون) و (المستغربون) الذين كانوا يأملون في الماضي الإسهام إسهاما كاملا في الحياة الثقافية الإفرنسية. وقد تم بعد ذلك تجاوز الصيغة العمومية للبيان بصدور (ملحق للبيان) تم فيه إيضاح ما يجب اتخاذه فورا من إجراءات. وما يجب تأجيله منها حتى نهاية الحرب. وكان (ملحق البيان) تعبيرا عن طموح الجزائر لاستعادة السيادة الجزائرية. مع إعطاء فرنسا دورا يشبه دور (الوصاية). لم تمض فترة طويلة على إرسال (ملحق البيان) إلى السلطات الإفرنسية، حتى تسلم (الجنرال ديغول) السلطة في الجزائر، واختار الجنرال (كاترو) حاكما عاما لها. وقد رفض هذا فورا وبصراحة مطالب المعتدلين. وأكد أن فرنسا لن توافق أبدا على استقلال الجزائر. وقد أدى رفض فرنسا - للمرة الثانية - قبول البيان كأساس للمحادثات الإصلاحية إلى رد فعل عنيف لدى الجزائريين. ورفض المندوبون الجزائريون في شهر أيلول (سبتمبر) ١٩٤٣. الاشتراك في دورة طارئة للجان المالية. معربين برفضهم هذا عن تمسكهم بالبيان والتزامهم به. وكان رد (كاترو) على ذلك فرض الإقامة الجبرية على (عباس فرحات) وغيره من زعماء الجزائر. ولم يعدل (كاترو) عن قرار الحل إلا بعد أن ذهب إليه وفد من الممثلين اعتذر عن الأحداث الجارية، وأعلن عن رغبته في تطور الجزائر ضمن نطاق المؤسسات الإفرنسية. ومع ذلك، فقد ألقى (الجنرال ديغول) في كانون

стр. 1490

الأول (ديسمبر) خطابا في قسنطينة، عملا بمشورة تلقاها بضرورة الرد بصورة إيجابية وبناءة على مطالب الجزائريين. فوعد بالإصلاحات التي صدرت فيما بعد (في قانون شهر آذار (مارس) لعام ١٩٤٤). ولكن هذه الإجراءات التي كان في وسعها أن ترضي المعتدلين في عام ١٩٣٦، لم ترضهم الآن، فرفضوها، واشترك معهم في رفضها جماعة العلماء (برئاسة الشيح الإبراهيمي). كما رفضها (مصالي الحاج). ولم يحظ القانون إلا بتأييد فئة قليلة من (المعتدلين جدا) في اللجان المالية، والذين كانوا قد تخلوا عن تأييدهم للبيان تحت ضغط الإفرنسيين. ... استطاع المنتخبون المؤيدون للبيان الجزائري، تحرير المعتقلين والمحكومين السياسيين في آذار ونيسان (مارس وأبريل) ١٩٤٣. وخرج (مصالي الحاج) من سجن لامبيز، وقضى يوم حريته الأول وليلته الأولى في منزله في (سطيف). وبعد إقامة قصيرة في مدينة الجزائر، وضع تحت المراقبة، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية في (بخارى) ثم في شلاله. أما (فرحات عباس) فقد مضى لإعادة تنظيم الجماهير وتعبئتها وأدت جهوده إلى مقاطعة انتخابات اللجان المالية، فقام (كاترو) باعتقاله مع (الرئيس صياح) وعدد من جماعة أنصار البيان، واجتاحت التظاهرات مدن الجزائر وسطيف وقسنطينة مما أرغم (كاترو) على إلغاء أوامره بفرض الإقامة الإجبارية على (صياح) في بني عباس، وعلى (فرحات عباس) في طبلبالا - جنوب وهران. وانصرف (عباس فرحات) على الفور لإجراء اتصالات مكثفة مع

стр. 1491

زعماء البلاد، طوال الأشهر الثلاثة الأولى من العام (١٩٤٤) وقد وصف جهده خلال هذه المرحلة بما يلي: (... كان على إعادة الاتصال مع مختلف المنظمات، فانضم العلماء برئاسة الشيخ الإبراهيمي فورا إلى الحركة وأيدوني. وكذلك كانت مباحثاني مع (مصالي الحاج) مستمرة، أما الشيوعيون، فقد رفضوا، ووجهوا إلي اللوم: بأنني أسير بسرعة زائدة. وأعلنوا أنهم يفضلون الدعوة إلى تجمع آخر تحت اسم - أصدقاء الديموقراطية والحرية - يؤيد سياسة الوحدة والدمج مع فرنسا. وقد أيد مصالي جهدي مع إبدائه بعض التحفظات. لقد منحني ثقته دون أن يلتزم بمسؤولية. كان يدرك أنه يجب أن نضع شيئا ما. وقد أسر لي بقوله: (ومع ذلك، فإذا كنت أمنحك ثقتي لتحقيق جمهورية جزائرية مشتركة مع فرنسا. فإنني مقابل ذلك، لا أثق بفرنسا أبدا. إن فرنسا لن تعطيك شيئا، وهي لن ترضخ إلا للقوة، ولن تعطي إلا ما نستطيع انتزاعه منها). وعلى كل حال فقد انتهت هذه الجهود إلى تأسيس (حركة أصدقاء البيان والحرية). في ١٤ آذار (مارس) ١٩٤٤. وقام (عباس فرحات) بإيداع نظام هذه الحركة في محافظة قسنطينة. وقد حدد أهداف حركته بما يلي: (إن مهمة التجمع المباشرة والفورية هي الدفاع عن البيان، الذي هو تعبير عن فكر حر مستقيم، ونشر الأفكار الجديدة، والاستنكار النهائي للاضطهاد الذي يقوم به النظام الاستعماري، ولعقيدته العنصرية واستبداله (المادة الثالثة). أما أسلوب عملنا فقد حددناه على الوجه التالي: (إغاثة جميع ضحايا القوانين الاستثنائية. والاضطهاد

стр. 1492

الاستعماري، وخلق تيار رأي عام يؤيد البيان. وجعل فكرة الأمة فكرة منتشرة في الجزائر أمة ترغب في دستور يحقق جمهورية مستقلة اتحادية بدلا من جمهورية إفرنسية، وخلق مبدأ التضامن الجزائري، بين جميع سكان الجزائر سواء أكانوا يهودا أو مستوطنين أو عربا مسلمين. وخلق الشعور بالمساواة والرغبة في الحياة المشتركة. هذه الرغبة التي هي - العنصر المنشىء للأمة - (المادة ٤). (*). أقام فرحات عباس مقر (حركة أصدقاء البيان والحرية) في (٦ - ساحة الكاردينال لافيجري - ساحة الشهداء حاليا) في مدينة الجزائر. ولم تمض فترة طويلة حتى وصل إلى مقر الحركة أكثر من نصف مليون طلب انتساب. وأصدر (فرحات عباس) صحيفة ناطقة باسم الحركة حملت اسم (المساواة). وعلى صعيد السلطة، وبنتيجة ضغط المستوطنين، تم إبدال الجنرال (كاترو) في نهاية شهر أيلول (سبتمبر) ١٩٤٤. وحل محله في منصب الحاكم العام للجزائر السيد (ايفيز شاتينيو) وهو دبلوماسي محترف يعرف مشكلات الإسلام والعالم العربي معرفة واسعة، وكان من الأحرار المتبصرين بالأمور. غير أن المستوطنين لم يعجبهم أيضا تعيين هذا الحاكم العام الجديد. فأظهروا له العداء، كما أظهروا خصومتهم لقرارات ٧ - آذار - مارس - ١٩٤٤ (التي كان قد أعلنها

стр. 1493

ديغول على أنها قرارات إصلاحية ورفضها الجزائريون). وكانوا إلى ذلك أعداء طبيعيين لحركة (أصدقاء البيان والحرية). ولم يكونوا يكتمون تصميمهم على إحباط هذه الاتجاهات بالجملة. وأثناء ذلك، كانت الحركة تمضي في سبيلها بنجاح، وكانت مجلة (المساواة) الأسبوعية التي انتظم صدورها منذ أيلول - سبتمبر - ١٩٤٤، تحقق نجاحا كبيرا في نشر أفكار الحركة. غير أن وحدة الجماعة التي ضمت للمرة الثانية، المثقفين والعمال والعلماء والمعتدلين، لم تعمر طويلا. ففي المؤتمر العام الأول الذي عقدته في آذار - مارس - ١٩٤٥، وقع خلاف بين مؤيدي كل من مصالي الحاج وفرحات عباس. فقد رغب أعضاء (حزب الشعب) الذين انضموا مؤخرا إلى الحركة في أن يحيوا الزعيم (مصالي) على أنه (الزعيم الأوحد للشعب الجزائري) وأيدوا فكرة إنشاء برلمان وحكومة جزائرية. أما فرحات عباس وغيره من المعتدلين، فقد أيدوا بقوة فكرة (قيام جمهورية جزائرية - مستقلة ذاتيا ومتحدة فيديراليا مع فرنسا) وهي الفكرة الأساسية التي قامت عليها الجماعة. ولكن جماعة حزب الشعب انتصروا في هذه المعركة العقائدية بأغلبية كبيرة، ففرضوا تعبيرهم على المحتوى الأكثر تطرفا في برنامج الجماعة. ورافق هذا التحول تصعيد في التوتر، بدأ مع بداية عام ١٩٤٥. وفي تلك الفترة، عقد الممثلون العرب مؤتمرهم في مصر الجديدة - القاهرة -لبحث تأسيس الجامعة العربية، في آذار - مارس - ١٩٤٥ وانعكس ذلك على صفحة الجزائر، فقد أثار هذا الحدث حماسة المجاهدين من جهة، كما حفز الإدارة الإفرنسية الاستعمارية

стр. 1494

لزيادة ضغوطها لقمع الظواهر التحررية. وتصفيتها مرة واحدة وإلى الأبد - على حد زعمها - وكان الانفجار الكبير، المعروف باسم (مذبحة ٨ - أيار - مايو - ١٩٤٥ (والتي سيتم التعرض لها فيما بعد - في هذا الكتاب)) ورافق هذه المذبحة أعمال قمع رهيبة، وتم اعتقال عباس فرحات ومصالي الحاج وعدد كبير من الزعماء والمجاهدين والمناضلين، وألقي بهم في السجون والمعتقلات. عندما كانت الجزائر المجاهدة تضمد جراحها النازفة، قامت فرنسا بإجراء أول انتخابات في أعقاب الحرب العالمية الثانية - وذلك في تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٤٥ لتكون هذه الانتخابات - على حد زعم فرنسا - حلقة الاتصال الأولى بين فرنسا والجزائر. وقد طبقت إصلاحات عام ١٩٤٤ (إصلاحات ديغول) لأول مرة في هذه الانتخابات التي جرت للجمعية التأسيسية، لوضع الدستور الإفرنسي. وأدت النداءات التي وجهها الوطنيون إلى الامتناع عن الاقتراع في دوائر انتخابات الدرجتين، بنسبة خمسين في المائة في مقاطعتي الجزائر وقسنطينة، وخمسة وثلاثين في المائة في وهران. وأحرز اتحاد المنتخبين المسلمين الذي يتزعمه الدكتور (ابن جلول) سبعة مقاعد من مجموع ثلاثة عشر مقعدا مخصصة لدوائر انتخاب الدرجتين ورفضت الجمعية التأسيسية الاقتراحات الاندماجية التي قدمها (بن جلول). وتركزت دراسها لموضوع الجزائر، في قضية العفو العام عن جميع أولئك الذين اشتركوا - أو بالأحرى اتهموا

стр. 1495

بالاشتراك - في ثورة ١٩٤٥. واقترعت على هذا العفو، وأطلق سراح معظم المعتقلين. قام فرحات عباس، بعد إطلاق سراحه بتأسيس (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري) في مدينة سطيف. ولم تكن المنظمة الجديدة، بخلاف جماعة أصدقاء البيان والحرية، تعتمد على قاعدة جماهيرية واسعة النطاق، ولكنها كانت تستهدف حمل لواء البرنامج الأصلي الذي تبناه البيان. وقد وجه (عباس فرحات) نداءه المشهور (إلى الشبيبة الجزائرية الإسلامية والإفرنسية) في اليوم الأول من أيار - مايو - ١٩٤٦. ولم يكن هذا النداء مجرد تعبير عن وجهات نظر - عباس فرحات - المعتدلة فحسب، بل كان تعبيرا عن الأثر العميق الذي تركته مذبحة ١٩٤٥ في نفسه وتفكيره. وقد بدأ - فرحات - بعرض حياته الطويلة في التعاون مع فرنسا، حتى يصل إلى القول: (وإذا قدر لفكرة واحدة، أكثر من غيرها أن تسيطر على حياتي العامة، فهي فكرة العمل والتبشير بتحقيق التعاون الإفرنسي -الجزائري، وتأييد الثقافة والتقنية الحديثة التي تشكل عنصر القوة التي لا مناص منها فيه ... وبقي الاتحاد في الديموقراطية، والأخوة في العدالة، هما عقيدتي السياسة، وسيظلان كذلك دائما وأبدا). ومضى إلى إنتقاد الإدارة الإفرنسية لمواقفها الرجمعية ضد كل محاولات الجزائريين لتحقيق هذا التعاون المنشود. وأدانها بجريمة التحريض على أحداث سنة ١٩٤٥، واستفزازاتها، وتنظيمها للمتطوعين وارتكاب الفظاشع والمذابح وأعمال البطش والإرهاب ضد المسلمين الجزائريين، حتى وصل إلى القول: (لا

стр. 1496

نريد اندماجا، ولا نريد سيدا جديدا، ولا انفصالا. وإنما نريد شعبا فتيا يتولى تثقيف نفسه اجتماعيا وديموقراطيا، محققا لها التطور الصناعي والعلمي، وحاملا رسالة بعثها فكريا وخلقيا، مرتبطا بشعب عظيم متحرر الفكر. نريد ديموقراطية فية في نشأتها، توجهها الديموقراطية الإفرنسية العظيمة. هذه هي الصورة بل التعبير الواضح لحركتنا الرامية لبعث الجزائر). ووصل إلى النقطة الدقيقة والحساسة من ندائه فقال: (وإذا لم تتمكن الشبيبة الجزائرية من التغلب على الفروق العنصرية القائمة بينها، فإنها ستنتهي إلى انتحار أخلاقي بصورة حتمية، مثقلة بالنتائج ... وإذا لم يتخلص الأوروبيون في الجزائر من مركبات الاستعمارية والاسعلاء التي تلازم الفاتح المحتل، فلن يكون بالمستطاع إقامة أي مجتمع جزائري). قرر حزب (الاتحاد الديمرقراطي لأنصار البيان الجزائري) الاشتراك في انتخابات الجمعية التأسيسية الإفرسية الثانية. وكان نجاح حملته الانتخاية رائعا حيث حصل على أحد عشر مقعدا من مجموع ثلاثة عشر مقعدا - لدوائر انتخابات الدرجتين - مع واحد وسبعين بالمائة من مجموع الأصوات. وقد مثلت هذه الانتخابات قمة قوة الحزب في الجزائر. بينما ظهر بوضوح أن الجماعات المطالبة بالاندماج، قد فقدت التأييد الذي كان لها في وسط جماهير الناخبين. وسرعان ما أوضح فرحات عباس موقفه بعد الانتخابات من المستقبل الفوري للجزائر. فقد واصل حملته على الدمج، وأكد وضوح الشخصية الجزائرية وأصالتها. ولم يؤيد قيام دولة إسلامية في الجزائر. وإنما أيد قيام دولة جزائرية

стр. 1497

يكون فيها الجزائريون والأوروبيون متساوين في الحقوق. وتقوم على أساس اقتراع عام على درجة واحدة للجميع. وقدم فرحات في شهر آب - أغسطس - عام ١٩٤٦، مشروع دستور للجزائر، إلى الجمعية التأسيسية لكن الجمعية رفضت البحث فيه. جرت انتخابات المجالس البلدية في الجزائر مع بداية سنة ١٩٤٨. وعملت الإدارة الإفرنسية على تزوير هذه الانتخابات بشكل استفزازي ومثير، وكان رد فعل المسلمين الجزائريين عنيفا، وعندما عقدت الجلسة الافتتاحية (للجمعية الجزائرية) في نيسان - أبريل - ١٩٤٨. وقف (عباس فرحات) ليرفع احتجاجه ضد إجراءات الاقتراع، وصضد اعتقال عدد من المرشحين - من بينهم عدد من مرشحي حركة انتصار الحريات الديموقراطية - كتلة مصالي الحاج -. لكن الأغلبية التي تمثل. المستوطنين الإفرنسيين تصدت لمجابهته ولم تسمح له بمتابعة احتجاجه، فما كان من (عباس فرحات) إلا أن انسحب من الجلسة، وانسحب معه ممثلو (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري). واتخذت (الجمعية الجزائرية) على أثر ذلك قرارا بطرد (عباس فرحات) وأخوانه من عضوية الجمعية. وهكذا عادت خيبة الأمل من جديد لتحبط تفاؤل الكثيرين من مثقفي الاتحاد الديموقراطي. وكتب السيد (أحمد بومنجل) وهو من زعماء الاتحاد الديموقراطي - (ومن الذين أصبحوا بعدئذ من زعماء الثورة البارزين) - كتب ما يلي: لقد خدعتنا الجمهورية الإفرنسية، واستغفلتنا، وسيستفيق

стр. 1498

الإنسان ذات يوم، ليجد أن الجزائر قد انتقلت إلى صف الكتلة الشرقية، وسينتهز البعض آنذاك الفرصة للحديث عن التنكر للجميل، والبكاء على الآمال الضائعة، دون أن يكلف نفسه عناء التفكير في الأسباب والعوامل التي أدت إلى مثل هذا السلوك. وقد يحاولون آنذاك إيجاد الأعذار لتخفيف الذنوب والندامة، ولكن بعد فوات الأوان. ولا ريب في أن الخيار الذي يمليه اليأس، لا يمكن إلا أن يكون خيارا ضد فرنسا). وأدى عجز الاتحاد الديمرقراطي لأنصار البيان الجزائري عن الإسهام في حياة الجزائر السياسية، عن طريق تمثيله في الجمعية الجزائرية، وعجزه عن إرضاء مطالب أعضائه العادلة، إلى خلق أزمة خطيرة وحادة في صفوف الحزب. ولما كان هؤلاء يؤيدون الثورة عن طريق التطور، فلم يكن من السهل عليهم أن يبحثوا عن سبل أخرى غير المنظمات البرلمانية التي وقفوا أنفسهم عليها. انضم الاتحاد الديموقراطي في عام ١٩٥١، إلى أحزاب المعارضة الأخرى في محاولة للحصول على القوة عن طريق الاتحاد. واشترك الاتحاد مع حركة انتصار الحريات الديموقراطية - مصالي الحاج - وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين - الشيخ الإبراهيمي - والحزب الشيوعي الجزائري. وشكل الجميع (الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها). وحددت هذه الجبهة أهدافها بالتالي: ( ١ - إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران - يونيو - ١٩٥١.

стр. 1499

٢ - احترام حرية الاقتراع في انتخابات الدرجتين. ٣ - احترام الحريات الأساسية للعقيدة والفكر والصحافة والاجتماع. ٤ - مقاومة الاضطهاد بكل أشكاله وصوره. ٥ - إطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء السياسيين. ٦ - الفصل بين العقيدة الإسلامية والدولة). ولم يقدر للجبهة أن تعمر طويلا، شأنها في ذلك شأن جميع الجهود التي بذلت بعد الحرب لتحقيق الوحدة بين الوطنيين الجزائريين، كما أن (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري) لم يتمكن من كسب القوة التي أمل فيها أن يضمن إجراء انتخابات أكثر نزاهة. وعلى الرغم من اتحاد هذه الأحزاب في معارضتها للاستعمار، فقد كانت لها وجهات نظر متباينة في البرنامج الإيجابي للجزائر. وعندما سئل الاتحاد الديموقراطي في العام ١٩٤٩ عن موقفه من الحزب الشيوعي الجزائري قال: (إنه رغم علاقته الوثقى بالحزب الشيوعي الإفرنسي، فهو الحزب الوحيد الذي حاول على الصعيد الفكري والصعيدين السياسي والاجتماعي، أن يفهم وأن يفسر إرادة الشعب الجزائري في التحرر. وهو، على هذا الأساس، يعتبر في هذه البلاد من المدافعين عن الحريات التي لم تسمح السلطات الاستعمارية حتى الآن بوجودها، ومع ذلك فقد لاحظ الاتحاد الديموقراطي، وجود خلاف في الرأي على السياسة الخارجية، إذ بينما يتبع الحزب الشيوعي السياسات الشيوعية، فإن الاتحاد الديموقراطي يتبنى سياسة الحياد بين الكتلتين. ويختلف الاتحاد عن الشيوعيين أيضا في طريقة التشكيل الحزبي، وفي المسألة العقائدية المتعلقة بالصراع الطبقي. وأشار الاتحاد أيضا إلى أن

стр. 1500

الحزب الشيوعي لم يفلح في إقناع أعضائه الأوروبيين بأن الجزائريين في حاجة إلى تحرر وطني. ومع ذلك فقد وجد الاتحاد الديموقراطي أن التعاون مع الشيوعيين على الصعيد البرلماني - أمر معقول للغاية). وشعر الاتحاد بالنسبة إلى (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) باشتراك وثيق معها في المصالح، للدفاع الدائم عن الدين الإسلامي والدفاع عن اللغة العربية. واتفق الاتحاد الديموقراطي مع حركة انتصار الحريات الديموقراطية في ضرورة قيام اتحاد مع أقطار المغرب العربي الإسلامي - شمال أفريقيا -. ولكنه اختلف معها في أفضل الوسائل لتحقيق الاستقلال. فقد بقي فرحات عباس مؤمنا بالتطور. بينما بقي (مصالي الحاج في أعماقه إنسانا ثوريا. أخذت قوة الاتحاد الديموقراطي وحماسه للعمل يضعفان في بداية الحقبة المبتدئة بعام ١٩٥٠. وفي المؤتمر الذي عقده منفذو الحزب في مدينة الجزائر في نيسان - أبريل - عام ١٩٥٤، أشار فرحات عباس إلى النضال العملي الذي تقوم به تونس والمغرب ضد فرنسا، بينما تبدو الجزائر هادئة تماما ومضى إلى القول: (وفي الحقيقة فإن النقمة الشعبية عميقة الجذور، ولا ريب في أن الأيام المقبلة مشحونة بالنذر القاتمة ... ولقد أصبح القانون الأساسي لعام ١٩٤٧ وثيقة ميتة، وهناك شبه إجماع بين الممثلين الجزائريين، في جميع المجالس المنتخبة، بأن سلطات الإدارة الإفرنسية في الجزائر تتصرف وفق أهوائها. وإذا استمرت باريس في رفضها القيام بدور الحكم، وإذا استمرت في دعمها لأعمال خرق القانون. أفلا يكون من حق الجزائريين

стр. 1501

المشروع، أن يلجؤوا إلى آخر سبيل مشروع، وهو القوة؟) وتحدث عن دور الاتحاد الديموقراطي فقال: (يجب أن نقسم بأن سياسة التعمية الهائلة، والتدليس الشرير، التي غدت الجزائر ضحية لها منذ إعلان الإصلاحات، قد جعلتنا نختفي تقريبا. ولا ريب في أن من الواضح أن حزبا تقدميا أقام أعماله على أساس احترام الشرعية، ويخاصم الآخرين ويخالفهم تأييدا لفكرته - بالثورة عن طريق القانون - لا يستطيع أن يحرز أي تقدم، عندما تجعل السلطات العامة من مؤسسة الدولة مظهرا استبداديا. هذه هي مأساة حزبنا كلها). ومع ذلك فقد مضى عباس فرحات إلى القول: (إن مفهومنا للجزائر هو أن ترتفع إلى مرتبة الجمهورية التي تعمل على أن تكون نقطة التقاء بين الاسلام والمسيحية، مع ما ينطوي عليه هذا المفهوم من عزيمة مشتركة صادقة على العيش معا، والتعايش، كأساس ممكن تحقيقه ولا مناص منه). وخطط عباس فرحات لحزبه مهامه المستمرة في أن تكون إرضاء المطالب الفورية والدفاع عن المصالح الحيوية للطبقات العاملة، والاتصال بجماهير المسلمين وجموع الفلاحين ممن يصعب الوصول إليهم والاتصال بهم. وإقناع الأوروبيين ولا سيما الفقراء من المستوطنين بأنهم أيضا من ضحايا الإقطاعيين الأثرياء. وجه , (فرحات عباس) وحزبه، في الأشهر القليلة التي سبقت الثورة، عدة نداءات إلى فرنسا لأنها، حكمها الاستبدادي في الجزائر، وإقامة تعاون أخوي، والدعوة إلى مؤتمر في باريس، يمكن للمصالح المتضاربة في الجزائر أن تلتقي فيه. وأن تواجه

стр. 1502

بعضها بعضا في جو سلمي. ولكن - جميع هذه الجهود ذهبت أدراج الرياح. وفي تشرين الأول - أكتوبر - أشار عباس فرحات إلى أنه قد يمضي وقت طويل قبل أن تظهر إلى الوجود الجمهورية الجزائرية. وأنه يتحتم على (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري،، في غضون ذلك أن يعيد تنظيم جهازه. وأظهرت مالية الحزب عجزا كبيرا. وعلى الرغم من جميع هذه النذر والإشارات، فقد بوغت الاتحاد الديموقراطي بنشوب الثورة عندما أعلنت فعلا. يظهر العرض السابق أن السبب الأساسي لأزمة (معتدلي الاتحاد الديموقراطي) يعود إلى سياسة فرنسا الاستعمارية. فإن عناد فرنسا وإهمالها أدى إلى استقطاب الرأي العام الجزائري في اتجاه واحد هو اتجاه الثورة. ولم يعد هناك مجال للوطنية المعتدلة للبقاء بين جماعة (الأمعات) من مؤيدي فرنسا، وكان حتما لهذه الوطنية أن ترفد الثورة بقوتها، وبما توافر لها من عناصر مثقفة، كان لها دورها الكبير في توسيع القاعدة الاجتماعية للثورة. ... هنا، ومع انفجار الثورة، تجدر الإشارة إلى موقفي زعيمي التكتلين الرئيسين - موقف مصالي الحاج - زعيم حزب الشعب الجزائري (ثم حركة انتصار الحرية والديمرقراطية) وموقف عباس فرحات، زعيم حركة (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري). وفقا لما تتضمنه مقولتين فقط - في

стр. 1503

جملة مقولاتهما التي ظهرت في أعقاب انفجار ثورة الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤. ... وصل فرحات عباس إلى القاهرة، وعقد مؤتمرا صحافيا يوم ٢٥/ ٤/ ١٩٥٦. أعلن فيه انضمام (حزب البيان) إلى (جبهة التحرير الوطني) وتضمن بيان فرحات عباس ما يلي: (إن النظام الاستعماري هو عدونا الأساسي، والحرب لم تكن ضرورة طبيعية وحتمية، وإنما هي حرب فرضت علينا فرضا، ولهذا فنحن نتوجه بأنظارنا إلى الضمير الحر العالمي، وإلى الضمير الحر الإفرنسي بصورة خاصة. إن المفاوضة والتفاهم ليسا ممكنين بين الشعبين الجزائري والإفرنسي، بل هما مما يتمناه كل الأحرار في العالم. على أن هذا لا يمكن أن يكون محلا للخداع والتضليل بعد الآن. إن المفاوضات مع فرنسا لا يمكن أن تتم إلا مع ممثلي - جبهة التحرير الوطني - أي مع المجاهدين الذين يخوضون معاركهم الآن في سبيل حرية الشعب. إن من الضروري إعادة السلام إلى الجزائر، لأن حياة وطني جزائري واحد، وحياة شاب فرنسي مقاتل، لهما أثمن وأشرف من جميع امتيازات المستعمرين. إن كيان الجزائر مرتبط كل الارتباط بكيان تونس والمغرب - مراكش - ومن المعروف أن الغزو الإفرنسي للجزائر واحتلالها هو الذي استتبع الغزو الإفرنسي لتونس والمغرب. فكيف يتصور بعد هذا تحرر الجارتين تحررا حقيقيا مع بقاء الاستعمار الإفرنسي في الجزائر؟. فإما أن يتم تحرر الجزائر،

стр. 1504

وإما أن يكون استقلال تونس والمغرب مجرد سراب خادع. لقد توحدت الآن جميع القوى الوطنية المجاهدة ضد الاستعمار في سائر بلاد المغرب العربي - الإسلامي - تحت قيادة موحدة. ولن تكون هناك بعد اليوم خلافات حزبية أو سياسية في الجزائر. لقد صهرت بوتقة الجهاد الجميع ضد العدو المشترك. إنني أعلن هنا، وعلى رؤوس الأشهاد، بأنه لن يكون بعد اليوم سلام أو هدنة أو هوادة، بل شدة متزايدة في الكفاح الذي فرضه الاستعمار علينا فرضا، إلى أن يتم القضاء على جميع المستعمرين الإفرنسيين، والمرتزقة العاملة في خدمتهم، وتتحرر الجزائر تحررا تاما). ووجه الزعيم (فرحات عباس) حديثه إلى الأقلية الأوروبية، فكان فيما قاله: (إذا انسحبت الجيوش الاستعمارية وأذنابها من الوطن الجزائري على الفور، وإذا لم تقم فرنسا بأي أعمال انتقامية ووحشية ضد المواطنين الجزائريين الأبرياء، فإن جيش التحرير الوطني سيضمن لكم الحرية والأمن والمساواة. أما إذا أصرت الجيوش الإفرنسية على متابعة أعمالها الوحشية الفظيعة التي ترتكبها الآن، فإن فرنسا وحدها ستكون مسؤولة عن رد الفعل العنيف، وعن نتائجه الخطيرة، بل إن الوطنيين من أبناء المغرب سينقلون الحرب إلى أراضي فرنسا ذاتها). ثم حمل الزعيم (فرحات عباس) اعلى مجموع الدول الاستعمارية التي تدعم الاستعمار الإفرنسي بالمال والسلاح قائلا: (لقد لاحظت الشعوب العربية في شمال أفريقيا، بأن هذه الدول الاستعمارية التي تنادي بالانتصار للحريات الفردية، وحقوق الإنسان هي ذاتها التي تساعد الاستعمار الإفرنسي للقضاء على هذه

стр. 1505

الحريات. تلك المبادى، التي تجاهد الشعوب العربية الآن لبلوغها. ومن المؤكد أن - هذه الحرب القذرة، كانت قد انتهت، لو لم تبادر منظمة (حلف شمال الأطلسي) إلى إنقاذ الاستعمار الإفرنسي من موته المحتوم. إننا نطلب باسم العدالة الإلهية إلى جميع أحرار العالم أن يمتحنوا ضمائرهم في هذه اللحظات الرهيبة. إنا نعلم أننا لسنا وحيدين في هذه المعركة الضارية. إن لنا أصدقاءنا وأنصارنا في كل الشعوب الأخرى. ونحن نتقدم بهذه المناسبة بأجزل الشكر وأعظم الامتنان للشعوب العربية والآسيوية التي أيدتنا بكل قواها. ولسائر الشعوب الأخرى التي أبدت عطفها على قضيتنا الكبرى. وأن الشعب الجزائري لن ينسى هؤلاء الأصدقاء أبدا). وختم الزعيم فرحات عباس تصريحه بقوله: (نحن مستعدون للتفاوض مع فرنسا بإسم جبهة التحرير الوطني، ولكننا نضع لذلك شرطا واحدا: إعتراف فرنسا بكيان الشعب الجزائري وقوميته) (*). ... وكان زعيم الحركة الوطنية الجزائرية (مصالي الحاج) قد صرح قبل ذلك بفترة قصيرة - بما يلي: (... لن تنتهي الحرب الاستعمارية في الجزائر، حتى لو جندت فرنسا لها نصف مليون جندي. وإذا لم يحصل الشعب الجزائري على استقلاله، فإن تأزم الوضع سيهدد السلام العالمي كله. لقد أصبحت مشكلة

стр. 1506

الجزائر ذات أهمية خاصة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي. وربما وقف العالم كله ضد الحلف المذكور بسبب السياسة الإفرنسية. لقد اندلعت الثورة الجزائرية من داخل الجزائر، وبفضل حيوية الشعب الجزائري ذاته، ولكنها تستطيع بدهيا الاعتماد على ما تتلقاه من دعم الشعب المصري وشعوب المغرب خاصة. ولكن، حتى لو استطاع الإفرنسيون إغلاق جميع الحدود الجزائرية، وهذا أمر من المحال تحقيقه، فإن الثورة الجزائرية لن تتوقف وستستمر. كما أن فكرة إدخال الجزائر في (كومنولث إفرنسي) على غرار النظام البريطاني - هي فكرة قد تجاوزها الزمن، ولن تعود عجلة الزمن إلى الوراء. إن شمال أفريقيا هو داخل النطاق الاستراتيجي لمنظمة حلف شمال الأطلسي - شئنا ذلك أم أبينا - ولا يمكن أن نتعاون مع فرنسا ودول الغرب إلا بقدر مساعدتها لنا من أجل الوصول إلى الاستقلال (؟) وأن انتصار الحرية في أفريقيا الشمالية سوف يضع حدا لكل الخلافات القائمة بين فرنسا والعالم العربي. ويجب أن لا تنسوا إمكانية تحويل أفريقيا الشمالية إلى ساحة إنشاء وبناء للعالم الغربي. لأنها سوق هائلة تضم أكثر من ثلاثين مليون عربي) (*). ... ومقارنة مضمون التصريحين - أو البيانين - تغني عن كل تعليق

стр. 1507

٥ - الحزب الشيوعي تأسس الحزب الشيوعي في الجزائر سنة ١٩٢٤، وظل خمسة عشر عاما، فرعا من الحزب الشيوعي الإفرنسي. وحصلت المجموعة الجزائرية في مؤتمر (فيليربان) الذي عقد في فرنسا سنة ١٩٣٥ على الحق في إنشاء حزب مستقل، وإن ظل هذا الحزب يتلقى تعليماته من موسكو عن طريق فرنسا. ومر الحزب الشيوعي في الجزائر منذ العام ١٩٣٥ بسلسلة من التقلبات والتناقضات. ففي العام ١٩٣٦، أيد الحزب المطالب التي تضمنها الميثاق الذي وضعه (المؤتمر الإسلامي) في الوقت الذي كان يؤيد فيه مقترحات (بلوم - فيوليت). وأعلن (موريس توريز) الزعيم الشيوعي الإفرنسي في المؤتمر السابع للحزب الإفرنسي في سنة ١٩٣٨: (أنه لن تكون هناك سلامة لشعوب المستعمرات خارج نطاق الاتحاد الذي لا مناص منه مع الديموقراطية الإفرنسية). وبالطبع كان هذا الموقف انعكاسا لاشتراك الحزب في حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا - والتي ضمت كل الأحزاب اليسارية - وانتقل الحزب الشيوعي الجزائري من موقعه المناوىء للنازية في عام ١٩٣٨، مع غيره من الأحزاب الشيوعية في العالم، إلى موقف المناوىء للاستعمار

стр. 1508

بعد توقيع المعاهدة (الميثاق النازي - السوفيتي) في عام ١٩٣٩. وصدر قرار في العام نفسه باعتبار الحزب غير مشروع، في نفس الوقت الذي صدر الأمر بحل (حزب الشعب الجزائري)، الذي يتزعمه (مصالي الحاج) وشرع يعمل سرا. عندما انتهت الحرب، وأطلق سراح الشيوعيين المسجونين أو الموجودين في معسكرات الاعتقال في الجزائر (في العام ١٩٤٤). واستأنفوا حياتهم السياسية من جديد. احتل الشيوعيون في فرنسا مكانتهم في ذروة القوة التي وصلوا إليها بعد الحرب بفضل الدور الذي مارسوه في حركة المقاومة السرية ضد الاحتلال النازي. وكان الحزب الشيوعي الإفرنسي لا يزال مركزا جهده الأساسي ضد النازية. وفي حزيران - يونيو - عام ١٩٤٤. كتب (أتيين فاجون) العضو الأوروبي في المكتب السياسي للحزب الجزائري في مجلة (الحرية) لسان حال الحزب، ما يلي: (يحاول هتلر، رغبة منه في إضعاف العون الذي يبذل للشعب الإفرنسي في هذه الدقيقة الحرجة، تقوية حملته الإذاعية العربية، داعيا الجزائريين، وأهل شمال أفريقيا إلى الانفصال عن فرنسا. ويقوم عملاء العدو هنا بالدعوة إلى الانفصالية في نفس الوقت الذي يثيرون فيه الأحقاد بين الأوربيين والجزائريين - وليست جماهير الشعب هي التي تنادي الآن بالاستقلال الذاتي بل جماعات الإقطاعيين وكبار أصحاب الملايين ورجال الاحتكارات) (*).

стр. 1509

الأمر الواضح هو أن الحزب الشيوعي قد انساق لتيار الانتهازية السياسية، مما جعل مواقفه العملية مناقضة لمنطلقاته النظرية (الماركسية - اللينينية). ولتغطية هذا التناقض، تبنت الشيوعية الإفرنسية النظرية الاستعمارية ذاتها. فقالت بأن (الهدف النهائي للحزب الشيوعي هو تصفية الاستعمار) غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب قبل كل شيء الارتفاع بمستوى الشعوب حتى تصبح قادرة على حكم نفسها (نظرية الانتداب والوصاية) وحتى تصل إلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي الذي يضمن لها الاستقلال الحقيقي. وهذا ما عبرت عنه المقولة التالية: (إذا كان من حق الشعوب الانفصال عن فرنسا، فإن انفصال الشعوب الخاضعة للاستعمار في اللحظة الراهة سيكون ضد مصلحة هذه الشعوب ذاتها. ويرغب الشيوعيون الإفرنسيون بصدق وإخلاص التعبير عن وجهة نظرهم الواقعية وهي أن شعوب أفريقيا الشمالية، لم تندمج بالأمة الإفرنسية على النحو الذي حددناه وأردناه، غير أن من مصلحة هذه الشعوب ربط مصيرها بمصير فرنسا الجديدة) (*). ومن هذا المنطلق ذاته - منطلق الانتهازية السياسية - وقف الاشتراكيون والشيوعيون لدعم مركزية الاتحاد الإفرنسي مع دول ما كانوا يطلقون عليها اسم (دول ما وراء البحار) وعارضوا بقوة انفصال

стр. 1510

الشعوب. واشترطوا لمثل هذا الانفصال، وفقا لما تضمنه دستور ١٩٤٦، حدوث تفاهم واتفاق بين الحكومة الإفرنسية، في المستقبل، وبين الزعماء المؤهلين في البلاد الخاضعة للاستعمار. وهو ما نصت عليه الفقرة التالية: (لا يمكن للروابط التي تربط بين فرنسا من جهة وبين كل بلد من بلدان ما وراء البحار من جهة ثانية، إلا أن تكون نتيجة اتفاق تعاقدي ومفاوضات بين الحكومة الإفرنسية وبين ممثل هذه البلاد المؤهلين. ويجب أن يكون هذه الاتفاق الذي نعنيه، اتفاقا شاملا لكل الروابط السياسية منها والاقتصادية والثقافية الخ ... وستجد شعوب ما وراء البحار نفسها مرغمة منذ تحررها على مجابهة المشكلات الكثيرة وأبرزها المشكلات الثقافية والاقتصادية مما يدفعها إلى التفاهم مع فرنسا لتسوية هذه الأمور وتبادل المساعدات ضمن أفضل الشروط؟) (*). دبرت فرنسا بعد ذلك مذبحة (٨ أيار - مايو - ١٩٤٥) في قسنطينة وقالما وسطيف، وكان وزير الطيران الشيوعي هو الذي أصدر أوامره لقصف المدن الجزائرية وتدميرها وإبادة العرب المسلمين فيها. وبينما كان الشعب الجزائري يعاني أقسى ظروف المحنة المأساة، وجهت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإفرنسي، نداء في يوم ١٢ - أيار - مايو (أي بعد أربعة أيام فقط من المذبحة) إلى شمال أفريقيا اتهمت فيه زعماء الجزائر (مصالي الحاج زعيم حزب الشعب - وسواه من الزعماء
следующие страницы →