← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قراءات ١ - تجربة استعمارية (معاهدات إسبانية). ٢ - في أدب الحرب - الشعر في الحض على القتال والجهاد. ٣ - عروج في الخالدين. ٤ - معاهدة ملك تلمسان مع الإمبراطورية الإسبانية. ٥ - رسالة السلطان سليمان القانوني إلى ملك فرنسا. ٦ - شارلكان - وبربروس .

стр. 177

- ١ - تجربة استعمارية (معاهدات إسبانية) كان رد ملك إسبانيا (فرديناند) على اقتراح قائده (دون بيدرو) هو التالي: (لتكن المعاهدة مع مولاي عبد الله مبنية على الواقع الحاصل ولتكن ذات مفعول دائم. وبما أن بجاية قد أصبحت ضمن ممتلكاتنا، تنفيذا للقرار الصادر بذلك من الكنيسة الرومانية، فلا يمكن أن يعطى لمولاي عبد الله لقب - ملك بجاية - بل ليكن ملكا على أي مكان يختاره فيها عدا البلاد الساحلية، إذ أن مدينة (بجاية) وملحقاتها ومداخيلها وتولي الأحكام فيها، وكذلك كل البلاد الأخرى والمدن والقرى الموجودة على ساحل البحر، يجب أن تكون لنا وحدنا خالصة بصفة تامة مطلقة، ولا يحق لولاي عبد الله أن يدعي أي حق له عليها، أو أي حكم على سكانها من النصارى أو المسلمين. وبما أن البلاد المذكورة ومدنها وقراها هي من ممتلكاتنا الخاصة، فإننا نعترف لمولاي عبد الله بالملك على بقية البلاد الداخلية من المملكة مع مداخيلها وأحكامها، إنما نحتفظ لأنفسنا بالحق الأعلى في الإشراف على القضاء

стр. 178

الذي هو من حق السيادة. كما يجب أن يلتزم الملك بدفع جزية سنوية تترك له حرية تقديرها. ويسمح لعبد الله ومائة من أعوانه أن يسكنوا مؤقتا ربض بجاية إلى أن يجد عاصمة لملكه، وعلى شريطة أن لا يبني بذلك الربض مسجدا). أيار (مايو) ١٥١٠. ونظرا لسحب القائد (بيدرو) من المغرب ومغادرته (بجاية) في ٧ حزيران (يونيو) واستبداله بحاكم جديد (هو دون انطونيو) فقد اضطلع هذا بعقد المعاهدة التي جاء نصها كالتالي: بين الملك (فرناندو) ملك إسبانيا والصقليتين. وبين مولاي عبد الرحمن ملك جبال البربر. وبين مولاي عبد الله حفيده. انعقدت المعاهدة على القواعد والأسس التالية: أولا: انعقد بهذه المعاهدة صلح دفاعي هجومي في سبيل مصلحة إسبانيا، وبين الملك عبد الرحمن والملك عبد الله. كما انعقد بينهما معا من جهة، وبين الملك فرديناند من جهة أخرى حلف دائم المفعول. ثانيا: يستمر مولاي عبد الرحمن ملكا على جبال القبائل. ثالثا: يعترف عبد الرحمن علنا بامتلاك إسبانيا لمدينة بجاية وصخرة الجزائر وتادلس وكل المراسي التي على البحر وما يتبعها - ولم يأت هنا ذكر مدن الناحية الغربية لأنها داخلة ضمن نطاق التعاقد مع بني زيان في تلمسان.

стр. 179

رابعا: إرجاع كامل الأسرى المسيحين إلى الإسبان دون أدنى مقايضة. خامسا: العمل على إصلاح كل القلاع والمعاقل الموجودة في المملكة. سادسا: يبعث الملك عبد الرحمن بولده محمد رهينة عند الإسبان، كما يبعث الملك عبد الله بولده البكر (١) رهينة أيضا. وذلك لضمان تنفيذ المعاهدة. سابعا: يتعهد العرب بتزويد مدينة بجاية الإسبانية سنويا بالمواد والمقادير الآتية: ٣٦٠٠ فنيق من القمح (٢). ١٠٠ فنيق من الشعير. ٥٠ فنيق من الفول. ١٠٠٠ رأس من الغنم. ٥٠ بقرة. ١٠٠٠ حمل من الحطب. فأما أحمال الحطب فتسلم مجانا لحامية بجاية. وأا بقية المواد، فإن الموردين يتقاضون ثمنها (٣).

стр. 180

- ٢ - في أدب الحرب (الشعر في الحض على القتال والجهاد) عندما سقطت وهران تحت حكم الصليبيين (الإسبان)، وترك أهلها المسلمون تحت سيطرة (اليهودي ابن اليهودية - أشطورا) انطلق العالم أحمد بن القاضي شيخ (عبد الله بن علي المساوري) و (شيخ العلامة سعيد قدورة الجزائري) بقصيدة يستنهض فيها الهمم ويحض قومه على القتال. ومنها: فمن مبلغ عني قبائل عامر ... ولا سيما ممن ثوى تحت كافر وكل كمي من صناديد راشد ... بتيجانهم، مع رأسها عبد قادر وجيرانهم في الغرب من كل ماجد ... طويل القنا أهل الوفا والمغافر وطلحة والأحلاف في غرب هبرة ... وشيح سويد بل وكل مفاخر

стр. 181

وشيخ بني يعقوب الحامي الحمى ... بكل قبيل مولع بالعساكر ويا معشر الإسلام في كل موطن ... وفي كل ناد سالف ومعاصر ويا معشر الأتراك، يا كل عالم ... وكل ولي حافظ للأوامر ويا سادة العربان من آل هاشم ... وغيرهم بالله ما صبر صابر؟ أناشدكم بالله ما عذر جمعكم ... لدى الله في (وهران) ذات الخنازر أذلكم الجبار! كيف رصيتمو ... بسبي العذارى من بنات الأكابر فصرتم من جور البغات كأنكم ... يهود الجزا، تعطونها بالأصاغر فلا همة تعلو بكم عن دنية ... ولا غيرة تدعوكمو للمآثر ولا ذمة ترعونها في نبيكم ... ولا حرمة تحمونها بالبواتر عليكم لحاف الذل! أين نحولكم ... أما أبصروا في السبي خير الحرائر؟ وتححت اليهودي غادة عربية ... يعاليها الخنزير فوق الهزابر وما منكم إلا خصي أذله ... بميسمه النصراني يا آل عامر

стр. 182

أضيم ملوك، أم تغلب ظالم ... عليكم رماكم في جوار الكوافر حرب الثلاثمائة عام - أحمد توفيق المدني ص١١٧ - ١١٨

стр. 183

البطل العظيم عروج (متحف البحرية العثمانية باستامبول).

стр. 184

- ٣ - عروج في الخالدين ٨٧٣ - ٩٢٤ هـ = ١٤٦٨ - ١٥١٨ م عاش عروج مجاهدا في سبيل الله منذ نعومة أظفاره - في العاشرة من عمره - وحتى يوم استشهاده (ببني سناسن) وعمره لا يتجاوز الخمسين عاما - ويقال أربعة وأربعون -. ولقد أثارت حياته بقدر ما أثار استشهاده نوعا من الإثارة التي لا يمكن وصفها، وحتى اسمه بقي موضع جدل كبير، فلقد أريد - عن جهل أو عن عمد - الإساءة لهذا المجاهد العظيم، وأمكن بالإعتماد على الوثائق إجراء تصحيح اسمه فجاء كالتالي: (١). (الإسم الحقيقي لهذا البطل الإسلامي العظيم، مؤسس دولة الجزائر، إنما هو (عروج - بضم العين وضم الراء) وهي عربية صميمة معناها الإرتفاع والصعود، ودخلت التركية عن طريق ذكرى حادث عظيم في حياة رسول الله محمد صل الله عليه وسلم، هو حادث (الإسراء والمعراج).

стр. 185

ولا ريب في أن البطل قد ولد في ليلة المعراج، فدعاه أيوه (عروج) تيمنا بذلك الحادث العظيم، كما يطلق الأتراك كثيرا على مواليدهم الذين يولدون خلال تلك الأشهر الحرم أسماء (رجب وشعبان ورمضان ومحرم). ومعروف أن الأتراك لا ينطقون حرف العين، بل يقلبونها ألفا يندمج مع ما بعده. فمدينتا (عشاق وعين أوني) مثلا وهما في بلادهم تلفظان حسب نطقهم (أوشك وأين أوني) وكلمة (عروج) ينطقون بها (أوروج). وهذا هو الإسم الذي اشتهر به بطلنا شرقا وغربا. وقبل أن يرجع الجزائريون هذا الإسم إلى أصله العربي، ويعيدون له (عينه) نطقا، كانوا في مستهل الفتح يكتبونه على الطريقة التركية (أوروج) ويدل على ذلك أثران قديمان، لا يزالان موجودين إلى اليوم: أحدهما الرخامة المنقوشة والتي كانت موضوعة على باب حصن شرشال. وثانيهما: الرخامة المنقوشة التي كانت على باب مسجد الشواش بالعاصمة الجزائرية. فرخامة شرشال قد نقش عليها: (بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله - هذا برج شرشال أنشأه القائد محمود بن فارس التركي، في خلافة الأمير القائم بأمر الله، المجاهد في سبيل الله، أوروج بن يعقوب، بإذنه، بتاريخ أربع وعشرين بعد تسعمائة). أما رخامة مسجد الشواش الذي هدمه الإفرنسيون، والذي كان على مقربة من ساحة الشهداء في الجزائر فهي تحمل اسم: أوروج بن أبي يوسف يعقوب التركي ويظهر من ذلك أن والد البطلين المنقذين كان تركيا صميميا،

стр. 186

خلافا لما يدعيه كثير من مؤرخي الإفرنج ويمكن أن يضاف إلى ذلك، لتصحيح هذا النسب وإضفاء نور جديد عليه، هذه الرخامة الموجودة بمتحف مدينة الجزائر، والتي كانت موضوعة فوق باب المسجد الذي أمر ببنائه في الحضرة الجزائرية السلطان خير الدين وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ أمر ببناء هذا المسجد المبارك السلطان المجاهد في سبيل رب العالين مولانا خير الدين بن الأمير الشهير المجاهد أبي يوسف يعقوب التركي. بلغه الله سؤله، وأعانه على جهاد عدو الله ورسوله. بتاريخ أوايل جمادى الأولى من عام ستة وعشرين وتسعمائة) أي نيسان - أبريل - سنة ١٥٢٠م. ولقد سقط (عروج) فوق ثرى الجزائر الطهور، ولم يصدق الأعداء حصولهم على مثل هذا النصر، فما كان من الإسبانيين إلا أن احتزوا رأس (عروج). وساروا به توا نحو وهران، ومن هنالك سير بها إلى إسبانيا، حيث طيف بها على أكبر مدنهم، وذهبوا بها بعد ذلك أوروبا، حيث طيف بها كذلك خلال أغلب المدن الأوروبية التي كانت فرائصها ترتعد من مجرد ذكر اسم (بربروس) أما ثيابه المزركشة التي تركها في تلمسان، فقد أخذت إلى إسبانيا، وطيف بها أيضا أغلب المدن قبل إيداعها في معتكف (سان جيروم) القرطبي. ويذكر أن جثمانه حمل إلى العاصمة (الجزائر حيث دفن بجوار ضريح (سيدي رمضان). وقبره عن يمين الداخل متصلا بجدار المسجد. ومضى الشهيد المجاهد إلى (جنة الخلد) تاركا للدنيا ذكرا

стр. 187

خالدا، قيل فيما ذكر عنه: (كان للشقيقين - عروج وخير الدين - من الإقدام والجرأة، مقدارا يفوق التعارف عند الرجال، وكان لهما من الدهاء السياسي الخارق للعادة، ما يجعل الناس مشدوهين من وجود مثله عند رجلين لم تؤهلهما ثقافتها البدائية ليقوما بهذا الدور العظيم، دور قيادة الشعوب. وهكذا كانت الخاتمة البطولية لهذا القرصان المغامر الذي لا نتمالك أنفسنا عن الإعجاب بإقدامه وبجرأته النادرة، كما نعجب أيما إعجاب بهذه العبقرية التي سادت أعماله في ميدان الحرب، وفي ميدان تنظيم الدولة. كما أننا نستنكر إلى جانب إعجابنا هذا كل الإستنكار، ما كان متصفا به من مصانعة ومن قسوة فظيعة). تلك كانت كلمات المؤرخ بيشو في كتابه - تاريخ شمال أفريقيا - ولكن لا بد من التوقف قليلا عند عبارته الأخيرة التي وصف بها (عروج) بالقسوة الفظيعة، فهل كانت (قسوة الإسبانيين) أقل فظاعة وهم يجتاحون (وهران)؟ أم هل كانت قسوة (شارلكان) في تونس أقل (قسوة ووحشية؟) وهل كان بالمستطاع مجابهة تلك الوحشية - بإنسانية -؟ المهم أن أقنعة الإنسانية هي أقنعة غريبة الألوان، غريبة الأشكال، وفقا للوجوه التي تضعها. والمهم في الأمر متابعة ما قاله المؤرخ - دي قرامون - في كتابه (تاريخ الجزائر تحت حكم الأتراك) حيث ذكر ما يلي: (لا يرى كثير من المؤرخين في - عروج - أكثر من زعيم عصابة - لا غير - وإنني لا أعرف حكما جائرا مخالفا للحقيقة كمثل هذا الحكم. فإن البربروس الأول - عروج - ما كان إلا جنديا من جنود

стр. 188

الإسلام المغاوير، جاهد فوق متن البحار جهادا لا هوادة فيه، ضد أعداء ملكه، وضد أعداء دينه. على أنه كان ملتزما خلال جهاده هذا، بكل القواعد والأسس التي كان العمل جاريا بها خلال تلك الحقبة من التاريخ، فلم يكن أبدا، أكثر قسوة ولا أقل قسوة، من الأعداء الذين كان يمعن في محاربتهم، وعندما سنحت له الفرصة، وأمكنته غزواته من جمع قوة كافية حوله، تمكنه من القيام بجلائل الأعمال، حاول إنشاء إمبراطورية في الشمال الأفريقي، حيث كانت الفوضى ضاربة أطنابها. أما الوسيلة الوحيدة التي كانت تمكنه من إدراك تلك الغاية وتضمن له البقاء والاستمرار، إنما هي إبعاد المسيحيين عن البقاع التي يحتلونها في البلاد. ومن أجل تحقيق هذا الهدف أخذ يحارب المسيحيين قبل كل شيء، في شخص حلفائهم والخاضعين لهم، حتى يقطع عن النصارى كل طريق يتزودون منه، ويضطرهم بذلك إلى الإعتماد خاصة على ما يرد عليهم من إسبانيا. ولقد كانت بداية أمره سعيدة. وكان انتصابه بالجهات الغربية، يسمح له بإلقاء المهاجمين الإسبانيين إلى البحر لولا أنه قتل بسبب خديعة حلفائه. ولقد مات، مأسوفا عليه كل الأسف من قبل جميع الذين انضووا تحت رايته وعملوا تحت لوائه). أما المؤرخ الكبير (شارل أندري جوليان) فيقول في مؤلفه (تاريخ الشمال الأفريقي): (وهكذا انتهت في سن الرابعة والأربعين، هذه الحياة المجيدة في ميدان المغامرة، إنه هو الرجل الذي أنشأ القوة العظيمة لمدينة الجزائر وللبلاد البربرية - إنه بنظرة صادقة لا تخطيء، وهي نظرته المعتادة، قد أدرك مدى ما تستطيع أقلية عاملة تحقيقه في وسط مليء

стр. 189

بالمنافسات بين مختلف الإمارات المغربية، لكي يؤسس على حساب تلك الإمارات، دولة إسلامية قوية، لا تستطيع أن تنالها بسوء هجمات النصارى. وعلى هذه الصفة، تمكن من بسط سلطانه على جهات متيجة (أو متوجة - بضم الميم وفتح التاء والواو والجيم) ووادي شلف وتيطري والظهرة والونشريس ثم تلمسان، ونسف مملكة بني زيان نسفا لم تقم لها من بعده قائمة، إنما كانت مأثرته هذه تتلاشى وتضمحل، لو لم يتلقفها ويحتضنها باليمين، شقيقه خير الدين، الذي سار بها في طريق النجاح والكمال). تلك هي كلمات قليلة لا يمكن لها أبدا أن تفي المجاهد الشهيد بعض حقه، لقد كان من أول مآثره إبراز أهمية الجهاد في البحر. وكان من ثاني مآثره إعداد أخيه (خير الدين) لمتابعة دوره. وكان من ثالث مآثره انصرافه الكلي لإقامة الجزائر وتنظيمها بالتعاون مع شعبها وبإرادته ودعمه وتأييده، وكان في ذلك انتصاره الكبير الذي مهد لهذا الوطن العربي المسلم سبيل بناء المستقبل، وضمن له القدرة لمقاومة الحملات الصليبية طوال خمسمائة عام تقريبا (من الاستعمار الإسباني ثم الإستعمار الإفرنسي). ولقد كان عدد المجاهدين من الأتراك العثمانيين قليلا، وهنا يبرز الدور العظيم الذي اضطلع به الشعب الجزائري العربي المسلم عبر تاريخه الطويل، وما قدمه من تضحيات، وما تحمله من نوائب. وبقي ذكر (عروج) خالدا في طليعة الشهداء الخالدين. ومضت قوافل الشهداء فكانت تضحياتها بحق هي المنارات التي أضاءت لها دنيا الجزائر (المحروسة الخالدة).

стр. 190

- ٤ - معاهدة ملك تلمسان مع الإمبراطورية الإسبانية خاض ملك تلمسان (محمد السابع) حربا ضد أخيه عبد الله الذي كان يدعمه جده لأمه (عبد الرحمن بن رضوان). وكان الإسبان يقفون من وراء الطرفين المتصارعين، فكتب (محمد - تلمسان) رسالة إلى الحاكم الإسباني، عرض فيها إقامة تحالف فيما بينهما. وكان نص الرسالة والمعاهدة المقترحة كالتالي: تلمسان ٥ أيلول - سبتمبر - ١٥٣٥ (تعلمون جلالتكم أنني كاتبتكم مرارا قبل هذا، ألتمس منكم قبولي ضمن حلفائكم وخدامكم، وأنني لم أتلق منكم أي جواب، والله يعلم شدة رغبتي في أن أكون من أصدقاء جلالتكم. وفي هذه الأثناء حاربني بن رضوان، وجاء يهاجمني ومعه جماعة من المسيحين، فكنت مضطرا للدفاع عن نفسي، ولقد كلفني هذا كثيرا، لكن لم أكن استطيع غير ذلك، ولا أعتقد أن جلالتكم تعتب علي إذا أنا دافعت عن مملكتي وعن نفسي. وإني أرسل لجلالتكم معاهدة أمضيتها بنفسي وختمتها بخاتمي وألتمس من جلالتكم المصادقة عليها.

стр. 191

(خلاصة المعاهدة) ١ - أن يعترف بي الإمبراطور صديقا حليفا، ولا ينصر علي عدوا. ٢ - أتعهد بأن أدفع أربعة آلاف (دوبلاس) سنويا، وفي نفس الآجال التي تعهد بها والدي من قبلي، على شريطة أن مداخيل باب تلمسان تكون لي كما كانت لوالدي. ٣ - إذا زادت مداخيل باب تلمسان عن الأربعة آلاف (دوبلاس) فإن الزيادة منها تكون خاصة لي. ٤ - أتعهد مقابل ذلك بأن أرجع للكونت دي الكوديت السبعين أسيرا مسيحيا الذين هم الآن بتلمسان، ويوجد بينهم خمسة أسرى عند عائلات تلمسانية، لها خمسة أسرى بوهران فالرجاء الأمر بالمبادلة. ٥ - لا يقبل في مدينة وهران ابن رضوان ولا حفيده، ولا أحد من رجاله، فإن دخلوا وهران فرجائي إلى جلالتكم أن يبقوا بها أسرى. ٦ - إذا ما فتح جلالة الإمبراطور مدن الجزائر وشرشال وتنس، فله أن يبقي تحت سلطاته المدن المذكورة وغيرها من المراسي التي يود جلالته الاحتفاظ بها، أما داخلية البلاد المذكورة فيجب أن ترجع لي، لأنها كانت من ممتلكات آبائي وأجدادي. ٧ - يكون هذا الصلح لمدة عشرة أعوام. لم يقبل الكونت (دي الكوديت) بهذا النص، فأرسل للملك محمد مشررعا إسبانيا، استثمر فيه فزع الملك محمد ورعبه، وهذه خلاصة المعاهدة الجديدة التي فرضها الإسبان:

стр. 192

١ - أنا محمد ملك تلمسان: أتعهد وألتزم بمحض اختياري، بأن أكون الصديق والحليف والتابع لجلالة الإمبراطور إذا ما رضي أن يشملني بحمايته وألتزم بتنفيذ الشروط الآتية: ٢ - أكون صديقا لمن يصادق جلالته، وعدوا لمن يعاديه، ولا أسمح مطلقا لأعدائه عربا أو مسيحيين باجتياز مملكتي. ٣ - إذا جاء جلالة الإمبراطور بنفسه إلى مملكة تلمسان لمحاربة بقية الملوك في البلاد. فأنا ألتزم السير معه واضعا تحت تصرفه كل القوى التي لدي. ٤ - ومقابل ذلك يتعهد صاحب الجلالة بإعانتي ضد من يحاربني أو يريد بي سوءا وذلك بواسطة الجيوش التي لجلالته بمراكز الحدود. ٥ - وإذا جاء جلالته لمملكة تلمسان بنفسه، أو أرسل جيشا لقتال أعدائه، فأنا أتعهد بأن أمده بالأقوات وحيوانات الجر بأرخص الأثمان. ٦ - أتعهد بأن أعيد لوهران في مدة ثمانية أيام، كل الأسرى المسيحيين الموجودين بتلمسان، وهم على أحسن حال من الصحة والسلامة. ٧ - لا أقبل في بلادي، لا بربروس ولا أي أحد من قراصنة الأتراك، وإذا حل بربروس أو جماعته ببلادي، فأنا أبذل جهدي لأسرهم وتسليمهم لحاكم وهران. ٨ - أمنع العرب وزناته في مملكي من إلحاق أي ضرر بمدينتي وهران والمرسى الكبير أو سكانهما من العرب واليهود وكذلك عرب الجبال - الخاضعين لإسبانيا -. ٩ - أعطي أوامري لكي تمر كل تجارة تلمسان بمدينة وهران دون غيرها من المراسي، إلا إذا سمح الإمبراطور بذلك.

стр. 193

١٠ - يسمح لي جلالة الإمبراطور بأن أضع في وهران عددا من المتصرفين لكي يتولوا قبض المكوس الراجعة لي من هذه التجارة، يستثنى من ذلك ما يرد لتموين مدينة وهران، ما عدا التمور التي هي بضاعة. ١١ - يستطيع العرب واليهود من سكان مدينة تلمسان ومملكتها القدوم إلى وهران وغيرها من ممتلكات جلالة الإمبراطور ويستطيعون سكناها بصفة مسالمة دون أي اعتراض شريطة إحرازهم على إذن بذلك من حاكم وهران. ولكان وهران والمرسى الكبير مثل هذا الحق في سكنى تلمسان ومدن مملكتها، على شرط إحراز الإذن مني. ١٢ - لا يمكن إجبار أحد رعايا مملكتي، عربا أو يهودا، على اعتناق الدين المسيحي، ويسمح لهم بأن يعيشوا أحرارا حسب قوانينهم، وأن تحترم ديارهم وممتلكاتهم، وأن يباشروا أعمالهم التجارية مع كل ممالك ورعايا جلالة الإمبراطور. ١٣ - مدة هذه المعاهدة خمسة أعوام ابتداء من يوم إعلانها. ١٤ - ألتزم بأن أدفع لجلالة الإمبراطور الذي اعترف بتبعيتي له، مقدار أربعة آلاف (دوبلس) كل سنة من الذهب الصافي معيار ١٧ قيراطا وموزونة وزنا دقيقا. ١٥ - يضع الإمبراطور تحت تصرفي، عند الحاجة، وكما فعل مع والدي، خمسمائة رجل لمشاركتي في الدفاع، وأتعهد بأن أدفع مرتباتهم منذ اليوم الذي يغادرون فيه مملكة قشتالة. ١٦ - يحدث كثيرا أن يصل إلى وهران تجار من العرب واليهود من تلمسان لشراء بضاعة، ويعطون بدلها رقاعا تدفع عند رجوعهم إلى وهران. لكنهم لا يعودون ولا يدفعون، فأنا ألتزم بدفع قيمة

стр. 194

تلك الرقاع ويجب إرغام كل عربي أو يهودي من سكان وهران على تسديد دينه لتجار تلمسان. ١٧ - إذا حل ابن رضوان، أو حفيده مولاي عبد الله بوهران، فإن حاكم وهران يبقيهم بها، لا يخرجون منها طوال مدة الصلح. ١٨ - سأعلن عن هذه المعاهدة في كل مملكتي للجميع. ولأعدائي الذين ثاروا ضدي وانضموا إلى أخي مولاي عبد الله وجده ابن رضوان. فمن قبلها وأطاعها فهو مني ويدخل في خدمتي. ومن عصاها وخالفها فهو عدو لا يجب أن يقبل في مدينة وهران. ١٩ - هذه المعاهدة وقعتها بنفسي وختمتها بخاتمي ووضعت عليها طابع الدولة).

стр. 195

- ٥ - رسالة السلطان سليمان القانوني إلى ملك فرنسا كتب ملك فرنسا (فرانسوا الأول) رسالة إلى السلطان سليمان القانوني، يطلب التحالف معه ضد إمبراطور إسبانيا والغرب (شارلكان) وأجاب السلطان سليمان بالرسالة التالية: الله العلي المعطي المعين بعناية حضرة عزة الله جلت قدرته، وعلت كلمته، وبمعجزات سيد زمرة الأنبياء، وقدوة فرقة الأصفياء، محمد المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم الكثيرة البركات. وبمؤازرة قدس أرواح حماية الأربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وجميع أولياء الله. أنا سلطان السلاطين، وبرهان الخواقين، متوج الملوك، ظل الله في الأرضين، سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والأناضول والرميلي وقرمان الروم وولاية ذمي القدرية وديار بكر وكردستان وأذربيجان والعجم والشام وحلب ومصر ومكة والمدينة والقدس

стр. 196

وجميع ديار العرب واليمن وممالك كثيرة أيضا التي فتحها آبائي الكرام وأجدادي العظام بقوتهم القاهرة أنار الله براهينهم، وبلاد أخرى كثيرة افتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر، أنا السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان. إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا. وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم (فرانقيان) النشيط، مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيا، وأعلمتنا أن عدوهم استولى على بلادكم، وأنكم الآن محبوسون، وتستدعون من هذا الجانب مدد العناية بخصوص خلاصكم. وكل ما قلتموه وعرض على أعتاب سرير سدتنا الملكية، وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل فصار معلوما. فلا عجب من حبس الملوك وضيقهم. وكن منشرح الصدر ولا تكن مشغول الخاطر، فإن آبائي الكرام وأجدادي العظام نور الله مراقدهم لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد ورد العدو، ونحن أيضا سالكون على طريقتهم وفي كل وقت نفتح البلاد الصعبة والقلاع الحصينة، وخيولنا ليلا ونهارا مسروجة وسيوفنا مسلولة. فالحق ييسر الخير بإرادته ومشيئته. وأما باقي الأحوال والأخبار، فستفهمونها من تابعكم المذكور فليكن معلومكم هذا. تحريرا في أوائل شهر آخر الربيعين، سنة اثتين وثلاثين وستمائة (١٥٢٥م). بمقام دار السلطنة العلية القسطنطينية المحروسة المحمية

стр. 197

- ٦ - شارلكان - وبربروس كان فشل شارلكان (شارل الخامس) في حملته على الجزائر، ذا أثر عميق لا على الإمبراطورية الإسبانية، وعلى ملكها شارلكان، وإنما على مستوى الأحداث العالمية. وقد حفظ الشعر العربي هذا الحدث الذي قيل فيه: سلوا شرلكان كم رأى من جنودنا ... فليس له إلا هم من زواجر فجهز أسطولا وجيشا عرمرما ... ولكنه قد آب أوبة خاسر ونزلت أنباء الهزيمة نزول الصاعقة على أوروبا، وتطورت الأحداث هنالك بسرعة. فلم يبق حليف للإمبراطور سوى هنري الثالث ملك إنكلترا، وانضم إلى ملك فرنسا الدوق (دي كليف) وملك الدانمارك وملك اسكندينافيا. وكان فرح الإفرسنين يكاد يساوي فرح الجزائريين لأن سقوط الجزائر كان يؤدي لا محالا إلى سقوط فرنسا , وبادر ملكها فرنسوا الأول لإبرام معاهدات مع السلطان العثماني. وكان لهذه الغارة أيضا نتائج معنوية داخل القطر

стр. 198

وخارجه. وفي الجزائر أقيمت الأفراح وتواصلت الاحتفالات بمناسبة هذ النصر المبين الذي كتبه الله للمرة الثالثة في ظرف ثلاثين سنة. وكان يهود العاصمة أكثر الناس اغتباطا وفرحا، لما كانوا يضمرونه من حقد وعداوة للإسبان الذين أذاقوهم كل أنواع العذاب والاضطهاد يوم كانوا بأوروبا. وقد وجد اليهود هنا الأمن والاستقرار والمجال لممارمة نشاطهم مما جعلهم يخافون انتصار الإسبان على الجزائر. وبمجرد انسحاب شارل الخامس اطمأنت قلوبهم وصاروا يصومون اليوم الثالث من شهر ششران، ويحتفلون في الرابع منه - ببورم الأول - (١٠٨) وكانوا ينشدون القصائد من نظم رباني العاصمة (مثل مشيش) و (إبراهيم بن يعقوب تواه) و (إبراهيم بن سليمان صرفتي) وهي قصائد في تمجيد الانتصار الجزائري ومدح بطولة الجزائريين وهزيمتهم للأعداء كلما تجاسروا على غزو العاصمة. وبقي اليهود إلى القرن التاسع عشر يحتفلون كل عام بذكرى (١٠٩) = ١٥٤١م. وفي الخارج (بقي رعب المسلمين في قلوب أهل أوروبا لمدة طويلة). ولم يعد شارل الخامس قادرا على التفكير في حملة أخرى ضد الجزائر. وطغى شبح خير الدين وحسن آغا على العامة والخاصة حتى أصبح الناس إذا رأوا جفنا عن بعد نسبوه إلى خير الدين، فيتصاعد الصراخ ويكثر العويل ويفر السكان من ديارهم ومن حقولهم ومتاجرهم. وإذا حطمت الزوابع مركبا توهم الناس أن خير الدين بربروسة هو الذي أثار البحر وهيجه وأغراه على إغراق سفنهم. وبلغ الخوف من قادة الجزائر أقصى درجة حتى أصبح أهل إسبانيا وإيطاليا إذا ما حدثت جريمة أو سرقه أو وقع فساد أو تخريب أو مرض أو وباء أو قحط قالوا خير الدين وأصحابه هم السبب في ذلك. وكانوا في عويلهم يرددون:

стр. 199

بربروشه بربروشه أنت صاحب كل شر ما كان من ألم أو عمل مؤذ وجهنمي مدمر إلا والسبب فيه هذا القرصان الذي لا نظير له في العالم (١).

стр. 200

مراجع البحث الرئيسية

стр. 201

فهرست الكتاب

стр. 202

_________ أ - من جيجل إلى الجزائر ............................................ ٩٣ ب - الصراع في تلمسان واستشهاد وعروج ............................. ١٠٢ ٢ - خير الدين على طريق الجهاد .................................... ١٠٧ أ - بناء الجزائر والجهاد في البحر .................................... ١١٦ ب - خير الدين أميرا عاما للأسطول العثماني ......................... ١٢٧ ج - أعداء الداخل في غياب (خير الدين) ............................. ١٣٧ د - شارلكان وغزو الجزائر ............................................ ١٤٤ هـ - الصفحة الأخيرة في حياة (خير الدين) ............................ ١٦٣ ر - خير الدين وموقعه في فن الحرب ................................. ١٦٨ قراءات ................................................................ ١٧٧ ١ - تجربة استعمارية (معاهدات إسبانية) .............................. ١٧٩ ٢ - في أدب الحرب - الشعر في الحض على القتال والجهاد .......... ١٨٢ ٣ - عروج في الخالدين ............................................... ١٨٦ ٤ - معاهدة ملك تلمسان مع الإمبراطورية الإسبانية ..................... ١٩٢ ٥ - رسالة السلطان سليمان القانوني إلى ملك فرنسا .................... ١٩٧ ٦ - شارلكان - بربروس .............................................. ١٩٩ مراجع البحث الرئيسية ................................................. ٢٠٣

стр. 203

الجزائر والحملات الصليبية

стр. 204

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 205

الجزائر والحملات الصليبية (١٤٧٥ - ١٧٩١ م) بسام العسلي دار النفائس

стр. 206

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م الطبعة الثالثة: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

стр. 207

الإهداء إلى الجزائر المجاهدة التي عاشت أبدا في قلب العالم العربي الإسلامي والتي عاش العالم العربي الإسلامي في قلبها فكان ذلك الرباط الأبدي الخالد بسام

стр. 208

المقدمة ويبدأ القرن الخامس عشر للهجرة ... ومع بداية هذا القرن تتعاظم فكرة الجهاد الكامنة في العالم العربي- الإسلامي وفي كل أنحاء العالم الاسلامي. وتتعاظم معها الهجمة لسرقة (التقاليد الحربية - الإسلامية) وتحريفها عن أهدافها وإفراغها من مضامينها. ومن هنا تظهر الحاجة للتمسك بأصالة الحروب الإسلامية والعودة إلى ينابيعها المتفجرة ومواردها الأساسية التي لم يذبلها التقادم ولم يضعفها الصراع الدائم، فما يكاد لهيبه يخبو ظاهريا حتى يعود متمردا على كل أساليب الحرب الشاملة وطرائقها المتباينة. ويبدأ القرن الخامس عشر للهجرة ... وقد يكون ذلك مثيرا اقتران هذا الموعد الزمني بمضي ربع قرن على ثورة الجزائر الخالدة (يوبيلها الفضي) والتي حملت في أعماقها كل الأصالة الثوروية. وهي الأصالة التي تضرب جذورها في أعماق التاريخ. ويؤكد ذلك الحاجة لاستعادة ملامح الصراع في الحقب الزمنية المتقادمة. لقد كانت الحروب الإسلامية بمجموعها شكلا

стр. 209

متقدما من مزج (طرائق الحرب الثوروية وطرائق الحرب النظامية). غير أن التحولات التي رافقت الحروب الصليبية في المشرق العربي-الإسلامي، وفي المغرب العربي الإسلامي قد فرضت تطورا حملت الجزائر المجاهدة راية (ريادته) وصدقت في هذا الدور الريادي، فشكلت بذلك ثروة ضخمة من التجارب القتالية التي لا بد من معرفتها لفهم (الأصالة الثوروية) في العالم الإسلامي بصورة عامة، وفي الغرب العربي - الإسلامي منه بصورة خاصة. لقد جابهت (الجزائر) ومعها أقطار العالم العربي-الإسلامي، تحديات صخمة، وتعرضت لأعمال عدوانية كثيرة، لم يكن أقلها إخراج المسلمين من الأندلس، ولم يكن أقلها احتلال المدن الساحلية للمغرب العربي الإسلامي، وهنا ظهر (الأخوان ذوي اللحى الشقراء) فكان في ظهورهم بداية قيادة التحول الحاسم. وحملت الجزائر أعباء رقع راية الجهاد في سبيل الله، فكان التحول التاريخي من الدفاع الإقليمي إلى الهجوم الإستراتيجي، وتعاظم تيار الجهد والجهاد، فجرف معه المتخاذلين، ولم تمضي فترة طويلة حتى أصبحت الجزائر المجاهدة قوة ضخمة فرضت سيادتها على (غرب البحر الأبيض المتوسط) وأحبطت كل أعمال العدوان ومحاولات المعتدين. وكان الفضل في ذلك للقدرة الذاتية التي عرف المسلمون فيها قوتهم وقدرتهم، وأمكن بهذه القدرة تحرير المغرب العربي-الإسلامي وتطهير ترابه. لقد خاضت الجزائر المجاهدة حروب تحت (راية الجهاد في سبيل الله) وانطلق تيار الجهاد من (المسجد-الجامع) ومن (الزاوية) حيث طلبة العلم وشيوخ التعليم، وكان هذا التيار من القوة، ومن الشدة ما حمل الحكام على ركوب أمواجه، وتنظيم مساراته، وتوجيه

стр. 210

فعالياته فكان اللقاء الخالد بين الحكام والمحكومين على صعيد الجهاد في سبيل الله، وكان في ذلك نصر الإسلام والمسلمين. وحملت الخلافة العثمانية أعباء الجهاد في سبيل الله على جبهة أوروبا وفي شرق البحر الأبيض المتوسط، وحملت الجزائر راية الجهاد في البر والبحر في الغرب (غرب البحر الأبيض المتوسط). وعلى صعيد الجهاد التقت الجزائر بالخلافة العثمانية، فكان في ذلك عز المسلمين وقوة الإسلام في المشرق والمغرب. وكانت قوة الجزائر قوة للخلافة العثمانية، وكانت قوة هذه قوة للجزائر، ويصبح من المتوقع أن تبقى هذه العلاقة الجدلية ثابتة، فعندما استنزفت الحروب المستمرة قدرة الخلافة العثمانية وأصيبت بالضعف، انعكس ذلك على صفحة الجرائر التي استنزفت الحروب قدرتها بمثل ما استنزفت قدرة حليفتها. غير أن حصالة هذه (الحروب الطويلة الأمد) أكدت مجموعة من الحقائق أبرزها عمق (تيار الجهاد وقوته) فلا غرابة بعد ذلك أن تتعرض قاعدة هذا التيار للهجوم المستمر بأشكال مختلفة وطرائق متباينة. غير أن (التجربة التاريخية) كافية للتأكيد على فشل الهجمات كلها. وهذا هو أبرز درس يمكن استخلاصه. ويبدأ القرن الخامس عشر للهجرة ... ومع بدايته تبرز مجموعة من الظواهر المذهلة، أهمها التمرد (على روح العصر- المودة أو الزي) في تيار المسلمين المجاهدين، وتجديد مفهوم الجهاد في سبيل الله ورفع رايته والعودة إلى الالتزام بالعقيدة الدينية الإسلامية التي أفرزت (العقيدة القتالية الإسلامية) بكل فضائلها. ولقد فسرت هذه الظواهر تفسيرات مختلفة، وبذلت ولا تزال تبذل جهود علمية مكثفة للهجوم على القلعة (من الداخل).

стр. 211

غير أن التجربة التاريخية تعود لتؤكد (قوة الأصالة الإسلامية) وقدرتها على تجاوز كل التحديات. وفي الواقع، عملت الجزائر المجاهدة على حفظ (التجربة التاريخية) والتدقيق فيها، وأقبل كتاب المغرب العربي الإسلامي ومؤلفوه، وكتاب الجزائر منهم بصورة خاصة على إعداد ثروة ضخمة من الكتب والمنشورات الدورية والبيانات والإحصاءات، والهدف من ذلك الإبقاء على جذوة الجهاد المتقدة، وحماية (الأصالة الثوروية) من الضياع. غير أن الجهد المبذول يفتقر إلى التعميم من جهة، ويفتقر إلى سهولة المأخذ من جهة ثانية. ومن هنا ظهرت الرغبة في التعريف (بالحروب الثوروية الإسلامية) من خلال كتيبات تسهم في تعريف أبناء المشرق العربي الإسلامي بتراث المجاهدين الخالدين في المغرب العربي الإسلامي. وتساعد في الوقت ذاته أبناء المغرب العربي- الإسلامي على تطوير المعرفة العربية (ضمن إطار حرب التعريب) التي تقودها الجزائر ومعها أقطار المغرب العربي الإسلامي. وبعد، فقد يكون من المحال الإحاطة بكل جوانب التجربة التاريخية لجهاد الجزائر خاصة والمغرب العربي- الإسلامي عامة، وإن هي إلا محاولة في جملة محاولات (المحافظة على أصالة التجربة العربية الإسلامية، والإفادة من خيراتها الرائعة. والله أسأل التوفيق بسام العسلي

стр. 212

أبرز الأحداث على المسرح الإسلامي

стр. 213

السنة ... الهجرية ... السنة الميلادية ... وجيز الأحداث

стр. 214

السنة الهجرية ... السنة الميلادية ... وجيز الأحداث

стр. 215

أبرز الأحداث على المسرح العالمي
следующие страницы →