الجزائر ذات أهمية خاصة بالنسبة لحلف شمال الأطلسي. وربما وقف العالم كله ضد الحلف المذكور بسبب السياسة الإفرنسية. لقد اندلعت الثورة الجزائرية من داخل الجزائر، وبفضل حيوية الشعب الجزائري ذاته، ولكنها تستطيع بدهيا الاعتماد على ما تتلقاه من دعم الشعب المصري وشعوب المغرب خاصة. ولكن، حتى لو استطاع الإفرنسيون إغلاق جميع الحدود الجزائرية، وهذا أمر من المحال تحقيقه، فإن الثورة الجزائرية لن تتوقف وستستمر. كما أن فكرة إدخال الجزائر في (كومنولث إفرنسي) على غرار النظام البريطاني - هي فكرة قد تجاوزها الزمن، ولن تعود عجلة الزمن إلى الوراء. إن شمال أفريقيا هو داخل النطاق الاستراتيجي لمنظمة حلف شمال الأطلسي - شئنا ذلك أم أبينا - ولا يمكن أن نتعاون مع فرنسا ودول الغرب إلا بقدر مساعدتها لنا من أجل الوصول إلى الاستقلال (؟) وأن انتصار الحرية في أفريقيا الشمالية سوف يضع حدا لكل الخلافات القائمة بين فرنسا والعالم العربي. ويجب أن لا تنسوا إمكانية تحويل أفريقيا الشمالية إلى ساحة إنشاء وبناء للعالم الغربي. لأنها سوق هائلة تضم أكثر من ثلاثين مليون عربي) (*).
...
ومقارنة مضمون التصريحين - أو البيانين - تغني عن كل تعليق
стр. 1507
٥ - الحزب الشيوعي
تأسس الحزب الشيوعي في الجزائر سنة ١٩٢٤، وظل خمسة عشر عاما، فرعا من الحزب الشيوعي الإفرنسي. وحصلت المجموعة الجزائرية في مؤتمر (فيليربان) الذي عقد في فرنسا سنة ١٩٣٥ على الحق في إنشاء حزب مستقل، وإن ظل هذا الحزب يتلقى تعليماته من موسكو عن طريق فرنسا. ومر الحزب الشيوعي في الجزائر منذ العام ١٩٣٥ بسلسلة من التقلبات والتناقضات. ففي العام ١٩٣٦، أيد الحزب المطالب التي تضمنها الميثاق الذي وضعه (المؤتمر الإسلامي) في الوقت الذي كان يؤيد فيه مقترحات (بلوم - فيوليت). وأعلن (موريس توريز) الزعيم الشيوعي الإفرنسي في المؤتمر السابع للحزب الإفرنسي في سنة ١٩٣٨: (أنه لن تكون هناك سلامة لشعوب المستعمرات خارج نطاق الاتحاد الذي لا مناص منه مع الديموقراطية الإفرنسية). وبالطبع كان هذا الموقف انعكاسا لاشتراك الحزب في حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا - والتي ضمت كل الأحزاب اليسارية - وانتقل الحزب الشيوعي الجزائري من موقعه المناوىء للنازية في عام ١٩٣٨، مع غيره من الأحزاب الشيوعية في العالم، إلى موقف المناوىء للاستعمار
стр. 1508
بعد توقيع المعاهدة (الميثاق النازي - السوفيتي) في عام ١٩٣٩. وصدر قرار في العام نفسه باعتبار الحزب غير مشروع، في نفس الوقت الذي صدر الأمر بحل (حزب الشعب الجزائري)، الذي يتزعمه (مصالي الحاج) وشرع يعمل سرا.
عندما انتهت الحرب، وأطلق سراح الشيوعيين المسجونين أو الموجودين في معسكرات الاعتقال في الجزائر (في العام ١٩٤٤). واستأنفوا حياتهم السياسية من جديد. احتل الشيوعيون في فرنسا مكانتهم في ذروة القوة التي وصلوا إليها بعد الحرب بفضل الدور الذي مارسوه في حركة المقاومة السرية ضد الاحتلال النازي. وكان الحزب الشيوعي الإفرنسي لا يزال مركزا جهده الأساسي ضد النازية. وفي حزيران - يونيو - عام ١٩٤٤. كتب (أتيين فاجون) العضو الأوروبي في المكتب السياسي للحزب الجزائري في مجلة (الحرية) لسان حال الحزب، ما يلي: (يحاول هتلر، رغبة منه في إضعاف العون الذي يبذل للشعب الإفرنسي في هذه الدقيقة الحرجة، تقوية حملته الإذاعية العربية، داعيا الجزائريين، وأهل شمال أفريقيا إلى الانفصال عن فرنسا. ويقوم عملاء العدو هنا بالدعوة إلى الانفصالية في نفس الوقت الذي يثيرون فيه الأحقاد بين الأوربيين والجزائريين - وليست جماهير الشعب هي التي تنادي الآن بالاستقلال الذاتي بل جماعات الإقطاعيين وكبار أصحاب الملايين ورجال الاحتكارات) (*).
стр. 1509
الأمر الواضح هو أن الحزب الشيوعي قد انساق لتيار الانتهازية السياسية، مما جعل مواقفه العملية مناقضة لمنطلقاته النظرية (الماركسية - اللينينية). ولتغطية هذا التناقض، تبنت الشيوعية الإفرنسية النظرية الاستعمارية ذاتها. فقالت بأن (الهدف النهائي للحزب الشيوعي هو تصفية الاستعمار) غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب قبل كل شيء الارتفاع بمستوى الشعوب حتى تصبح قادرة على حكم نفسها (نظرية الانتداب والوصاية) وحتى تصل إلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي الذي يضمن لها الاستقلال الحقيقي. وهذا ما عبرت عنه المقولة التالية:
(إذا كان من حق الشعوب الانفصال عن فرنسا، فإن انفصال الشعوب الخاضعة للاستعمار في اللحظة الراهة سيكون ضد مصلحة هذه الشعوب ذاتها. ويرغب الشيوعيون الإفرنسيون بصدق وإخلاص التعبير عن وجهة نظرهم الواقعية وهي أن شعوب أفريقيا الشمالية، لم تندمج بالأمة الإفرنسية على النحو الذي حددناه وأردناه، غير أن من مصلحة هذه الشعوب ربط مصيرها بمصير فرنسا الجديدة) (*). ومن هذا المنطلق ذاته - منطلق الانتهازية السياسية - وقف الاشتراكيون والشيوعيون لدعم مركزية الاتحاد الإفرنسي مع دول ما كانوا يطلقون عليها اسم (دول ما وراء البحار) وعارضوا بقوة انفصال
стр. 1510
الشعوب. واشترطوا لمثل هذا الانفصال، وفقا لما تضمنه دستور ١٩٤٦، حدوث تفاهم واتفاق بين الحكومة الإفرنسية، في المستقبل، وبين الزعماء المؤهلين في البلاد الخاضعة للاستعمار. وهو ما نصت عليه الفقرة التالية: (لا يمكن للروابط التي تربط بين فرنسا من جهة وبين كل بلد من بلدان ما وراء البحار من جهة ثانية، إلا أن تكون نتيجة اتفاق تعاقدي ومفاوضات بين الحكومة الإفرنسية وبين ممثل هذه البلاد المؤهلين. ويجب أن يكون هذه الاتفاق الذي نعنيه، اتفاقا شاملا لكل الروابط السياسية منها والاقتصادية والثقافية الخ ... وستجد شعوب ما وراء البحار نفسها مرغمة منذ تحررها على مجابهة المشكلات الكثيرة وأبرزها المشكلات الثقافية والاقتصادية مما يدفعها إلى التفاهم مع فرنسا لتسوية هذه الأمور وتبادل المساعدات ضمن أفضل الشروط؟) (*).
دبرت فرنسا بعد ذلك مذبحة (٨ أيار - مايو - ١٩٤٥) في قسنطينة وقالما وسطيف، وكان وزير الطيران الشيوعي هو الذي أصدر أوامره لقصف المدن الجزائرية وتدميرها وإبادة العرب المسلمين فيها. وبينما كان الشعب الجزائري يعاني أقسى ظروف المحنة المأساة، وجهت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإفرنسي، نداء في يوم ١٢ - أيار - مايو (أي بعد أربعة أيام فقط من المذبحة) إلى شمال أفريقيا اتهمت فيه زعماء الجزائر (مصالي الحاج زعيم حزب الشعب - وسواه من الزعماء
стр. 1511
الآخرين) بتهمة الجاسوسية، وحملتهم مسؤولية المذبحة. وبعد مضي شهر تقريبا، ذكر مندوبو الحزب الجزائري في المؤتمر العاشر للحزب الإفرنسي: (بأن الذين يطالبون باستقلال الجزائر هم عن وعي أو غير وعي، عملاء لدولة استعمارية أخرى ... ويعمل الحزب الشيوعي الجزائري، ويناضل، لتقوية أواصر الوحدة بين الشعب الجزائري والشعب الإفرنسي). وأعلن رئيس قسم المستعمرات في الحزب الإفرنسي - في المؤتمر نفسه -: (بأن من الواجب استنكار مؤامرة أولئك الراغبين في فصل الجزائر، وفي خلق الشكوك بينهم وبين فرنسا الديموقراطية؟). وكان الحزب الشيوعي الجزائري يؤيد بقاء السادة الإفرنسية وسياسة الدمج في الفترة الأولى التي سبقت الحرب العالمية الثانية، لأن الشيوعية السوفيتية كانت تأمل في أن تكسب فرنسا وجميع مستعمراتها في العالم كتلة واحدة عن طريق ثورة بروليتارية شاملة. ولكن انتخابات عامي ١٩٤٥ و١٩٤٦ في الجزائر أثبتت أن جماهير الشعب الجزائري لا تؤيد أولئك الذين يطالبون بدمج بلادهم مع فرنسا. وإذا كان الشيوعيون يرغبون في أن يكسبوا لهم مكانة بين الجزائريين، فإن عليهم أن يجروا تعديلا في موقفهم هذا. وقد حدث هذا التعديل فعلا في أواخر عام ١٩٤٦. غير أن هذا التعديل لم يكن جذريا وإنما كان إصلاحيا، وتأكد ذلك بنتيجة حوادث القمع التي تعرض لها الوطنيون الجزائريون، حيث عاد الحزب الشيوعي ليعلن في أيلول (سبتمبر) ١٩٤٧ موقفه الذي عبر عنه بالتالي: (يعارض الحزب الشيوعي فكرة استقلال الجزائر، وهي الفكرة التي
стр. 1512
يطرحها حزب الشعب الجزائري - مصالي - ويدافع عنها. ولا يمكن للشيوعيين دعم تجزئة الحركة الجزائرية الوطنية التي تطالب بالاستقلال الفوري للجزائر، ذلك لأن مثل هذه المطالب لا تخدم المصالح الجزائرية، ولا تخدم المصالح الإفرنسية) (*). وأمام هذه المواقف، اتضحت للوطنيين الجزائريين أوهام المخطط الشيوعي، والطبيعة الانتهازية التي سار عليها الحزب في سياسته. وتأكد لهم بأن الأحزاب الأوروبية قد انتهجت في الحملات الانتخابية التي جرت بعد الحرب العالمية الثانية في الجزائر، سياسة مماثلة تماما لتلك التي كان يتم انتهاجها في فرنسا. ولو أن الحزبين الاشتراكي والشيوعي قد حاولا في دوائر انتخاب الدرجتين منافسة الأحزاب الجزائرية الوطنية للحصول على أصوات الجزائريين، الأمر الذي دفعهما إلى طلاء برامجهما بطلاء خادع، لم تلبث مسيرة الأحداث أن كشفته وعملت على تعريته. لكن ذلك لا يمنع من القول أن الاشتراكيين قد حققوا بعض المكاسب في الفترة من سنة ١٩٤٥، إلى سنة ١٩٤٨ بفضل دعم الحاكم العام الاشتراكي لهم، الأمر الذي ساعدهم على اجتذاب بعض المثقفين ممن كانوا يأملون في إقامة تعاون مثمر بين فرنسا والجزائر. ومقابل ذلك، فقد حقق الحزب الشيوعي نجاحا أكبر في التوغل بين طبقات العمال، حيث أمكن له ضم عدد لا بأس به إلى صفوفه. غير أن هذا العدد - في الجزائر - بقي محدودا ولم يكن له ثقله في التأثير على مسيرة
стр. 1513
الأحداث. وعلى هذا لم يكن من الغريب أن يباغت انفجار الثورة (سنة ١٩٥٤) الحزب الشيوعي - قدر مباغتته لكل الأحزاب الإفرنسية سواء بسواء. وكان رد فعل الحزب الشيوعي معروفا. فقد اعتقد هذا الحزب في البداية، أن الثورة ليست أكثر من حركة ضعيفة قام بها بعض قطاع الطرق أو العصاة (الفلاقة). وأعلن الحزب الشيوعي شجبها والوقوف ضدها بقوله: (إن الحزب لا يوافق على دعم الحركات الفردية والمشبوهة والتي تحاول لعب الدور السيء في الحركة الاستعمارية). وعندما تبين له رسوخ قدم الثورة، وثباتها، وعمق جذورها، تبنى قضية إجراء مفاوضات مع الجزائريين للخروج من المأزق، وعلى أساس أن تضمن هذه المفاوضات إبقاء الروابط القائمة بين فرنسا والجزائر، ومن هذا المنطلق، ألقى الحزب الشيوعي بثقله في معركة انتخاب فرنسا سنة ١٩٥٦ - لمصلحة (غي موليه). وتضمن بيان الحزب الشيوعي ما يلي: (إننا نعلن موقفنا إلى جانب إبقاء الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية القائمة بين فرنسا والجزائر. واضعين في اعتبارنا أن هذا الموقف يتوافق مع مصالح الشعب الإفرنسي قدر توافقه مع مصالح الشعب الجزائري ومع مصالح القسم الأكبر من الأوروبيين المستوطنين في الجزائر).
لقد منع الحزب الشيوغي أعضاءه من الالتحاق بالثورة أو الانضمام إليها ودعمها. لكن عددا كبيرا منهم مزق (هويته الشيوعية) وانضم إلى صفوف الثوار - بصورة فردية - وفتحت الثورة (ممثلة بجبهة التحرير وجيش التحرير) المجال الواسع لكل
стр. 1514
جزائري من أجل الإسهام ببناء جزائر المستقبل. لكن ذلك لم يمنع قيادة الثورة من الرد على موقف الشيوعيين (الشوفينيين) ردا مناسبا. سواء في بيان مؤتمر الصومام، أو في البيانات والمواقف التالية - وفقا لما سيرد ذكره في حينه - ورفضت قيادة الثورة الدخول في المساومات التي تحرف الثورة عن أهدافها الأساسية.
стр. 1515
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
الفصل الثاني
الكفاح الوطني المسلح
١ - نقطة التحول - مذبحة ٨ أيار - مايو - ١٩٤٥.
(أ) من وثائق الحدث التاريخي.
(ب) شهادة الوزير الإفرنسي (آلان سافاري).
(ج) (اليوم الرهيب) في ذكريات أحمد توفيق المدني.
(د) للمجزرة تتمة.
(د) في ذمة التاريخ.
٢ - العمل السياسي السري.
(أ) (الشرف العسكري) أو (التنظيم الخاص).
(ب) اللجنة الثورية للوحدة والعمل.
(ج) القادة التاريخيون.
١ - مصطفى بن بولعيد.
٢ - محمد العربي بن مهيدي.
٣ - أحمد بن بللا.
٤ - كريم بلقاسم.
٥ - رمضان عبان.
стр. 1516
١ - نقطة التحول
مذبحة ٨ أيار (مايو) ١٩٤٥
أحدثت الحرب العالمية الثانية تغيرات كثيرة في علاقات دول العالم بعضها ببعض، كما حدثت تبدلات كثيرة في موازين القوى، ولم تعد الدول العظمى التي كانت قبل الحرب، هي ذاتها الدول العظمى في عالم ما بعد الحرب، لا سيما عندما تكون إحدى هذه الدول العظمى قد تعرضت للإحلال والقهر - وأبرز نموذج لها فرنسا ثم بلجيكا. كما لم تعد الشعوب المقهورة في عالم ما قبل الحرب، هي ذاتها عندما انتهت الحرب العالمية الثانية. فقد مست العصا السحرية شعوب العالم الخاضع للاستعمار، فعرفت هذه الشعوب قدراتها وإمكاناتها، وكشفت وهم (تفوق الرجل الأبيض - الأوروبي) وعرفت حقيقة القوة الوهمية للاستعمار. وجاء تكوين هيئة الأمم المتحدة، وبيان حقوق الإنسان والدول وتعهدات أمريكا والاتحاد السوفييتي لتحدد معالم عالم جديد في علاقاته يختلف عن ذلك العالم عالم الاستعمار - الذي عاش طوال القرن التاسع عشر، بكل ضراوته ووحشيته، وزاده عنفا ما حققه من مكاسب طوال النصف الأول من القرن العشرين. غير أن الاستعمار الإفرنسي - على وجه التحديد - لم يدرك عمق هذه التحولات، ولم يحاول التعرف على أبعادها، فمضى في طريقه محاولا إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.
стр. 1517
لقد ظنت فرنسا أنها تستطيع بقواتها العسكرية (إعادة فتح البلاد التي كانت خاضعة لاستعمارها) فمضت في الإعداد لاستخدام هذه القوة. وجاء عيد الأول من أيار - مايو - ١٩٤٥ موعدا احتفل فيه العالم كله بانتصار الحلفاء. وحدث في هذا اليوم، أن ارتفعت الأعلام السورية - في الملعب البلدي - بدمشق، وارتفع العلم الجزائري - علم الأمير عبد القادر - في شوارع الجزائر، وكان سلوك السلطات الإفرنسية واحدا في البلدين، فقد دفعت هذه السلطات جنودها المرتزقة لتفريق المتظاهرين. وسقط بعض الشهداء في البلدين، دمشق والجزائر. تلك كانت البداية. ثم بدأت الأحداث بالتطور.
أرسلت فرنسا يوم ٤ أيار - مايو - ١٩٤٥ نجدة إلى قواتها في سوريا ولبنان تضم (٨٠٠) جندي. وفي يوم ١٧ أيار - مايو - وصل الطراد (جان دارك) إلى بيروت يحمل قوة دعم جديدة تضم (٥١٠٠) جندي بكامل أسلحتهم. وخلال ذلك كانت أعمال الاستفزاز تتعاظم، في دمشق خاصة وفي سائر المدن السورية عامة. حتى إذا ما جاء يوم ٢٩ أيار - مايو - قامت القوات الإفرنسية بقصف دمشق بالقنابل، ودفعت جندها لإبادة حرس المجلس النيابي - البرلمان - وكانت مذبحة رهيبة، غير أن المقاومة استمرت، واستطاعت معظم المحافظات السورية السيطرة على الموقف وعزل القوات الإفرنسية وتطويقها. وأصبح الموقف خطيرا يتهدد فرنسا بأكثر مما يتهدد سوريا. وتدخلت إنكلترا كوسيط. واتخذ قرار في مجلس الأمن بإجلاء القوات الأجنبية عن سوريا (وتم ذلك في ١٧ نيسان - أبريل - ١٩٤٦
стр. 1518
عيد الجلاء). غير أن الأحداث في الجزائر تطورت بصورة عكسية لأسبارب كثيرة أبرزها:
١ - قرب فرنسا من الجزائر وتوافر الإمكانات لزج قوات ضخمة في المعركة.
٢ - وجود طابور خامس قوي يشكله المستوطنون الإفرنسيون - بالدرجة الأولى -.
٣ - وجود قواعد برية وجوية وبحرية خاصة بالإفرنسيين.
وكان من نتيجة ذلك، شعور فرنسا بقدرتها على الإمساك بالمبادأة العسكرية. وإجراء المذبحة الرهيبة المعروفة بمذبحة ٨ أيار. وقد يكون من المناسب عرض الموقف بالدقة التي عرضتها فيها باحثة جزائرية، عالجت هذا الحدث التاريحي بالتالي:
(أ) من وثائق الحدث التاريخي (*):
كان من جملة ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية، وبلادنا - الجزائر - كانت مسرحا من مسارحها، ذلك الوعي السياسي الذي تفجر فيها، كما تفجر في كثير من الشعوب المحكومة، فقامت تسارع للحرية والتحرر، لا تبتغي عنها ردا، ولا عدولا، ولا ترضى بغيرهما بديلا. وكان لا بد لهذا الاتجاه الشعبي العارم من منظمة سياسية تحتويه صقلا، وتسعه تنظيما، وتستوعبه توجيها، وتعده ثورة جامعة تحقق تلك الأهداف السامية التي طالما تطلبتها الأمة، ونشدها الشعب، وتغنت بها الجماهير.
стр. 1519
ولم تكن في الجزائر، آنذاك منظمة أخرى من هذا الوزن، إلا منظمة حزب الشعب الجزائري، سليل حزب (نجم شمال أفريقيا) الذي يرجع تأسيسه إلى سنة ١٩٢٤. ولكن هذا الحزب كان منحلا إداريا، مطاردا بوليسيا، غير معترف به قانونيا، تتعقبه السلطات الاستعمارية بالقمع والتهديد والوعيد. وكانت الكثرة الكثيرة من أعضائه في غياهب السجون، ومن هنا لازم السرية، واتخذ له العمل في الخفاء والظلام سياسة مخططة، وهذا من حملة ما أعطاه ثقة. الجماهير، وألبسه شيئا غير قليل من القوة في العمل، والبأس في المبادرة، والتضحية في تحمل المسؤولية وأفكار الذات في القيام بأعباء الرسالة القومية التحريرية الوطنية) ومن أعماله الجريئة، اتصاله بممثلي الحلفاء: روسيا، وأمريكا، وإنكلترا، بمجرد نزول الحلفاء في الجزائر يوم ٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٤٢. بل والأصح أن الاتصال بهؤلاء تم قبل نزول الحلفاء في بلادنا - الجزائرية - بعدة أشهر. ومذكرة (حزب الشعب الجزائري) لممثلي الحلفاء هي التي أصبحت في العاشر من شهر شباط - فبراير - ١٩٤٣، وبعد تحوير وحذف وبتر، تدعى (بيان للشعب الجزائري) الذي قدم بدوره في ٣١ آذار - مارس - من نفس السنة إلى (الجنرال كاترو) االحاكم العام الإفرنسي في الجزائر، والجلاد المعروف في سوريا ببطشه وجبروته وتعطشه للدماء، وممثل لجنة التحرير الإفرنسية التي كان يتزعمها الجنرال ديغول عامئذ.
جاء إنزال الحلفاء في الجزائر ليقطع الروابط بينها وبين فرنسا. فكان هذا حافزا، يضاف إلى حافز هزيمة فرنسا أمام
стр. 1520
الألمان سنة ١٩٤٠، وذلك من أجل دفع جماهير الشعب الجزائري للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين كانت تفيض بهم السجون والمعتقلات. وهذا ما كانت تصوره المعلقات والمنشورات السرية التي كانت تنشر وتعلق مطالبة بحق تقرير المصير، وفقا لما جاء في المادة الثالثة من (ميثاق الأطلسي) بين روزفلت وتشرشل سنة ١٩٤١. وجاء الجنرال ديغول من (برازافيل) إلى (قسنطينة) يوم ١٢ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٤٣. واتخذ من الجزائر، مركزا له ولقيادة أركان حربه، حتى يكون كما قال: (في وسط المعركة). وألقى خطابه المعروف يوم وصوله إلى (قسنطينة). وهو الخطاب الذي حاول فيه خداع الجزائريين من جهة، وكسب الوقت مع الحلفاء من ناحية أخرى، ولكنه بخطابه ذلك خسر الناحيتين. ولما أسقط في يديه، ورأى أنه قد ضل السبيل، أمر بتكوين لجنة الإصلاحات الإسلامية والتي ضمت ثمانية عشر شخصا، ستة من فرنسيي فرنسا وستة من فرنسيي الجزائر، وستة من الجزائريين، وفي كانون الثاني - يناير - ١٩٤٤. استمعت اللجنة بأعضائها الثمانية عشر، التي شملت ممثلي جميع الأحزاب القاتمة آنذاك، مثل (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، و (حزب الشعب الجزائري) و (أصدقاء البيان والحرية) و (ممثل وادي ميزاب). وأسفرت أعمال هذه اللجنة الإصلاحية عن قرار ٧ آذار - مارس - سنة ١٩٤٤، الذي (تكرم) فيه الجنرال ديغول على حوالي أربعين أو خمسين ألفا من المسلمين الجزائريين بإخراجهم من الجنسية الجزائرية العربية - الإسلامية، وإدماجهم في
стр. 1521
الجنسية الإفرنسية مع إعطائهم حق التمتع بحقوق المواطن الإفرنسي، حتى لكأن الجزائري لا يرقى إلى درجة المتمتعين بالحقوق والحريات إلا إذا تخلى عن جنسيته وأصالته، وإلا إذا تنكر لعروبته وإسلامه، وإلا إذا تحلل من كل ما يربطه بثقافته وتاريخه وأمجاده، فقلب ظهر المجن لشخصيته، ولتراث آبائه وأجداده، وأصبح إفرنسيا عدوا لقومه وماضيه وحاضره ومستقبله. وكان الجزائريون يحسبون أن مشاريع الإدماج والإلحاق ومحاولات محو الشخصية الجزائرية قد ماتت إلى الأبد، منذ أن تم دفن مشروع (بلوم - فيوليت) سنة ١٩٣٦، غير أن الاستعمار لا يبرأ من أمراضه المزمنة، ولا يعرف الشفاء إليها سبيلا. ومن ثم، فها هو الجنرال ديغول يبعث المشروع الدفين تحت التراب من جديد، جاعلا من سياسته التي رمى بها بلا مبالاة في وجه شعب عريق، شهدت له الدنيا قديما وحديثا بعراقته وأصالته، وبمحافظته واستماتته في التمسك بتلك العراقة، وبتلك الأصالة، كلفه ذلك ما كلفه. وأمام هذه الخطة الديغولية الشريرة، اجتمع قادة (حزب الشعب الجرائري) وتدارسوا الموقف، وقرروا الاتصال (بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين) و (بحزب أصدقاء البيان والحرية) - وهو التنطيم الوحيد الذي كان معترفا به من جانب السلطات الإفرنسية. وتم الاتفاق على العمل المشترك ضد المخططات الجديدة القديمة.
أدى تعاون (حزب الشعب الجزائري) مع منظمتي العلماء والبيان، إلى زيادة نشاط العمل السري، وهو العمل الذي اعتمد على خلايا حزب الشعب الجزائري المنحل والمطارد من طرف السلطات الاستعمارية، والذي ما زاده القهر والاضطهاد
стр. 1522
إلا تدعيما وتثبيتا وانتشارا وامتدادا وعمقا في أوساط الجماهير. وها هي الخلايا السرية الآن قد انطلقت للعمل وقد جعلت من انخراط أفراد حزب الشعب بالجملة في حزب (أصدقاء البيان والحرية) ستارا لها، تتذرع به، وتحتمي خلفه، للقيام بالاتصالات العلنية مع الجماهير. الأمر الذي ساعد - أولا - على بسط اليد ووضعها على خلايا أصدقاء البيان والحرية وتنظيماتها. وثانيا - إحكام الاتصال بالخلايا السرية ودعمها، وإمدادها بالموجهين والتعليمات والعدد والمعدات، وبهذه الوسيلة، أمكن التوسع بإصدار المنشورات، وتوزيع الجريدة السرية لحزب الشعب.
أصبح (العمل الجزائري). (*) في متناول الخلايا، التي نشرت قاعدتها عبر القطر من أقصاه إلى أدناه، ومن شماله إلى جنوبه. ولم تكد سنة ١٩٤٥ تستهل حتى عقد أول اجتماع تحضيري باسم (أصدقاء البيان والحرية) بمقره المطل على (مسجد كتشاوة). وفي هذا الاجتماع، تم وضع الأسس الرئيسية لمؤتمر عام ١٩٤٥، لتنظيم خلايا هذا الحزب وفروعه وتشكيلاته على المستوى الوطني. وعقد هذا المؤتمر أيام ٢ و٣ و٤ آذار - مارس - ١٩٤٥ بمقر نادي المولودية، بميدان شارت بالعاصمة (نهج عمار القامة حاليا). وأسفرت أعماله عن لائحة سياسية نشرت في الصحف، ووزعت على وكالات الأنباء، وعلى ممثلي الحلفاء، وقدمت للسلطات الإفرنسية (في الولاية العامة،
стр. 1523
الجزائر). وتضمن البيان - فيما تضمنه - ما يلي: (... إن أصدقاء البيان والحرية، المجتمعين أيام ٢ و٣ و٤ آذار - مارس - سنة ١٩٤٥. يؤكدون بأن بيان الشعب الجزائري المؤرخ في العاشر من شهر شباط - فبراير - سنة ١٩٤٣، والمقدم للسلطات الإفرنسية يوم ٣١ آذار - مارس - ١٩٤٣، يبقى هو القاعدة الأساسية لأعمالهم السياسية. وإنهم ليذكرون بأن البيان قد جعل من مبادئه الاعتراف بالجنسية الجزائرية، ووضع دستور جزائري ديموقراطي جمهوري. ويأسف المؤتمرون على أن هذه المبادىء، بعدما وافقت عليها السلطات الإفرنسية في ذلك الوقت ورطبت بها، لم تحترمها، وراحت تتمادى في اتباع سياسة مخالفة لتطلعات الشعب الجزائري، محاولة بذلك إرغامه على الخضوع لسياسة الدمج. ويقر المؤتمرون بأن السياسة الوحيدة الرشيدة هي التي تقام على احترام إرادة الشعوب. ومن هنا، فمن غير المعقول أن يخاطر بمستقبل شعب بكامله، دون استشارته، وبغير نيل رضاه ... ولذلك، وعملا بما يفرضه الضمير، وتحديدا للمسؤولية، ورغبة في المشاركة بصنع سياسة قائمة على حسن التفاهم، يطالب المؤتمرون بإنجاز المطالب المستعجلة التالية، كقاعدة أساسية يبنى عليها في الغد القريب صرح الأمة الجزائرية:
أولا: استبدال المجالس الجزائرية المعروفة بمجلس النواب (برلمان).
ثانيا: استبدال الولاية العامة بحكومة جزائرية تكون مسؤولة أمام مجلس النواب الجزائري (البرلمان).
стр. 1524
ثالثا: الاعتراف بالعلم الجزائري ... الخ ...
وبدلا من استجابة السلطات الإفرنسية لمطالب الشعب الجزائري، فقد مضت في تصعيد إجراءاتها التعسفية وزيادة استفزازاتها العدوانية، والمضي قدما في سياسة القمع والإرهاب والتقتيل والتشريد. الأمر الذي أدى إلى تظاهرات الفاتح من أيار - مايو - السلمية، والتي استرعت انتباه الروس والأمريكيين والإنكليز الذين كانت لهم اتصالاتهم بممثلي أصدقاء البيان .. وكانوا حتى ذلك اليوم لا يصدقون بأن جماهير الشعب تقف معه، وتنقاد لأوامره، وتستجيب لنداءاته، وتدعم مطالبه بالاستقلال والحرية والانفصال عن فرنسا. منصرفة في ذلك عن سياسة المعتدلين، كافرة بسياسة الإصلاحات والداعين لها والمنادين بها .. وعقد الشعب الجزائري العزم من جديد على أن يجعل من يوم استسلام ألمانيا للحلفاء بعد أن أسلمت عاصمتها في يوم الثلاثاء، غرة أيار - مايو - سنة ١٩٤٥. أن يجعل منه يوم استفتاء شعبي تقول فيه الأمة كلمتها من جديد، وتعلن فيه مطالبها، وفقا لما شاركت به الجزائر من جهد حربي تحت راية الحلفاء طوال الحرب العالمية الثانية، واغتنمت الإدارة الإفرنسية الإستعمارية هذه المناسبة لتنفيذ مخططها (فكانت المذبحة الرهيبة) (*) التي تعرضت لها الوثائق الإفرنسية ذاتها بما يلي:
стр. 1525
(على أثر فاجعة الجزائر، أنشئت الميليشيات المسلحة وألغيت كل الحريات الديمرقراطية، وتقلدت السلطة العسكرية أمور الشرطة، وأعلنت حالة الطوارىء، وصدرت القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية، وسلح كل الأوروبيين، ومنع الجزائريين من مغادرة دورهم إلا إذا كانوا يحملون شارات على سواعدهم أذنت لهم بها السلطة بعد تحقيق دقيق يثبت أن لهم أعمالا في المؤسسات العامة ... لقد كان الانتقام فظيعا، فقتل بعض الأوروبيين أدى إلى إعدام جماعات من المسلمين بمجرد الشك فيهم ... ففي الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الإثنين ١٤ أيار - مايو - ١٩٤٥، فتحت الزنزانات في سجن مدينة (قالما) وبعد أن نودي على تسعة وأربعين سجينا، قيل يلزم أيضا أحد عشرة - حتى يصل العدد إلى الستين .. هكذا أرادت القيادة ... وأخذ هؤلاء من صفوف المعتقلين ثم حكم على الجميع من طرف (اللجنة العسكرية) التي عقدت جلسة لها لهذه المهمة، وقامت (الميليشيا) بإعدامهم رميا بالرصاص. وقد أجاب الحاكم العام في الجزائر على سؤال وجهناه إليه في الاجتماع المشترك للجان الداخلية - لتنسيق الأعمال للشؤون الإسلامية - فقال: بأن إحدى وأربعين قرية دمرت بالطائرات والوحدات البحرية، فلم يبق فيها دار واحدة. وبما أن معدل سكان القرية الواحدة هو ألف نسمة،
стр. 1526
إن لم يكن ألفا وخمسمائة أو ألفين، فلا مغالاة أن يقدر العدد الحقيقي لمن قتل من المسلمين، يتراوح بين (١٥) و (٢٠) ألفا - هذا إذا افترضنا أن نصف السكان قد تمكنوا من الفرار، والاعتصام بالجبال) - ا. هـ.
(كان الانتقام الذي قمنا به، دونما ريب، ضربة قاضية لصداقة الشعب الجزائري والأمة الإفرنسية، أو بالأحرى على مصالح بلادنا في الجزائر ... هذا على أني لا أتكلم على بقية الأحكام الجائرة ... إن ذلك يستدعي وقتا طويلا ...). ا. هـ.
(... أعلنت حالة الطوارىء في مدينة سطيف ودوائرها! وبجاية وأحوازها، وقالمة وضواحيها، وقررت الإدارة الإفرنسية فرض الأحكام العرفية في كامل القطر. وحجرت على المواطنين الخروج من دورهم إلا بإذن خاص ... وأن أي وطني لا يحمل على ذراعيه الشارة المخصصة - وهي شارة لا تعطى بسهولة - يقتل دونما إنذار إذا وجد في الشارع بعد الساعة السابعة مساء، ومن هنا لزم المسلمون دورهم، أياما عديدة، دون أن يكون لديهم ما يقتاتون به من الأطعمة ... فكانوا من جراء ذلك في جحيمين، جحيم التهديد بالقتل، وجحيم الموت جوعا. لقد وزع السلاح على جميع الأوروبيين، وبصورة خاصة منها الأسلحة الخفيفة، إلى حد أن النساء كن مسلحات ... وفي إحدى المدن، وبينما كان طفل مسلم صغير لا يتجاوز العاشرة من عمره، يمر في الحديقة العامة، فإذا بضابط فرنسي برتبة
стр. 1527
نقيب - كابتن - يطلق عليه النار فيرديه قتيلا ... إن الأهالي الذين لم يعرف عنهم قط أنهم انخرطوا في حركات سياسية أو في منظمات اجتماعية، قد نالهم أيضا من القمع والإرهاب الشيء الكثير ... وفي إحدى المناظر المؤلمة، رأينا رضيعا ملوثا بالدماء، يبحث عن ثدي أمه المقطوعة الرأس، دون أن تستجيب الضحية لصراخ ابنها. وإنه لمنظر مؤلم حزين اختلطت فيه مسكنة الرضيع بمصيبة الأم الذبيح) ا. هـ.
(رأينا في مقبرة - قالمة - عربات نقل الجيش الإفرنسي، وهي تقذف على الأرض بأكياس كبيرة ولقد هالنا أن لا تحدث هذه الأكياس أي صدى لحظة ارتطامها بالأرض، فاقتربنا من العربات، فإذا بداخل الأكياس جثثا ممزقة، منهوشة، مزقها الرصاص، وشوهها الخراب ونهشتها الغربان ...).
(... كان يتم تنفيذ حكم الإعدام بالضحايا في كثير من الأحيان، أمام ذويهم وأقاربهم نكالا وتعذيبا ولقد صرع أبناء السيد حنون محمد وأعراب، وهو مساعد طبيب بخراطة - صرع أبناؤه الأربعة أمامه، وهو ينظر- ... وعندما جاء دوره طلب منه أن يهتف بحياة فرنسا، فأبى، فقطعت يداه ورجلاه، ثم أعدم) ا. هـ.
(... انقضت ليلة ٩ أيار - مايو - ١٩٤٥ في توزيع الأسلحة على الأوروبيين - بمدينة الجزائر - وفي إلقاء الخطب عليهم لإثارة حماسهم. ولم تطلع شمس يوم ٩ أيار - مايو - حتى أعدم أكثر من ثمانمائة من الأهلين - المسلمين - هذا في
стр. 1528
المدينة، أما في ضواحيها، فقد تركت عملية القمع الإرهابي للفرقة الأجنبية التي لم يكن أفرادها يسألون عما يفعلون. وكذلك كان الحال في (جيجل) و (الطهير) وضواحيها، فكنت لا ترى إلا القتل والنهب والنيران التي لا تبقي ولا تذر) ا. هـ.
(... زار والي عمالة قسنطينة (ليستراد كاربونيل) (*) مدينة (الطهير) وبعد أن خطب في جموع الأوروبيين مهنئا ومشجعا ومستشيرا - وقال: (لقد أمر جنودنا بحفظ النظام، واستتباب الأمن، وهم يعرفون كيف يقومون بمهامهم، وكيف ينفذون واجباتهم) ا. هـ. وأدى الحمق الاستعماري بالحاضرين إلى الهتاف: (هذا اليوم هو يوم النصر).
(إننا بهليوبوليس القريبة من مدينة (قالمة) ولقد مضى على الجثث الملقاة على قارعة الطريق أكثر من خمسة أيام، دون أن يهتم أولو الأمر بدفنها، وذلك تفننا في إلقاء الرعب في قلوب المواطنين، الذين لم يزدهم، بكل أسف، هذا العمل إلا كرها فينا، وبغضا لنا. ا. هـ.
(... كانت القوات المسلحة البرية والجوية والفرقة الأجنبية تقوم بالقمع والإرهاب، في نفس الوقت، ما بين , (سطيف) وبين البحر شمالا. وكان الجميع يعيشون فسادا في المدن والقرى، وفي الأموال والأنفس والثمرات، وينبهون كل
стр. 1529
ما يقع تحت أيديهم ... ثم هم بعد ذلك يقتلون ويحرقون ... ولقد استعانت القوات العسكرية بالوحدات البحرية، فجاء الطراد (ديجي تروان) (*) الذي أبحر من مدينة عنابة، وقد ألحق هذا الطراد بضواحي مدينة خراطة خسائر لا تقدر ... ولقد حدا الأمر بالأوروبيين، من مدنيين وعسكريين، إلى أن يطلقوا نيران بنادقهم بمجرد أن يروا برنوسا - الرداء الوطني المغربي - وزيادة على هذا، كانت الطائرات تلقي قذائفها، وتمطر الأهلين بوابل رشاشاتها ... وقد وصلت المأساة ذروتها في مدينة (قالمة) وضواحيها حيث بلغ الجنون الجماعي حده هناك. وكانت موجة الانتقام من المسلمين، والبغض العنصري قد هيمنا على كل الأوساط الإفرنسية، إلى حد أن أعمال القمع لم تقتصر على الفرقة الأجنبية فحسب، بل وحتى أنصار فرنسا المكافحة والشيوعيين أيضا ... وقامت الإدارة الإفرنسية بحل المنظمات السياسية وغير السياسية، وإغلاق المدارس التعليمية الحرة للمسلمين، والأندية الأدبية والرياضية. وعطلت الصحافة التي كانت تصدر باللغة العربية، وأعلنت حالة الطوارىء، وطبقت القوانين الاستثنائية العرفية في كامل البلاد. وأطلقت يد الشرطة - البوليس - فراح رجال هذه المنظمة يمارسون عملهم بأساليب وحشية بربرية لترويع الأبرياء. وإنزال الفجائع بالعائلات صباح مساء. وتفتيش الدور والمخازن والمتاجر، ونهب كل ما تقع عليه الأيدي ولا سيما الجواهر والحلي والزرابي والأموال، مع إلقاء
стр. 1530
القبض على كل إنسان حتى أولئك الذين لم يثبت قط أنهم انخرطوا في أية حركة سياسية كانت أو غير سياسية. وتعطلت من جراء الإرهاب البوليسي، وبسبب القوانين العرفية، كل حركة للانتقال من بلد إلى بلد آخر. وشلت الحركة الاقتصادية. ورصدت السلطة الإفرنسية مبالغ ضخمة مكافأة لمن يرشدها إلى الوطنيين الذين لم تصل إليهم قبضة القمع، فاختفوا بغية تغذية الحركة التحريرية حتى لا يلحقها الفشل بسبب ما فقدته من عشرات الألوف من الضحايا والمعتقلين. وفصلت الإدارة الإفرنسية أيضا مئات الموظفين المسلمين من مناصبهم، وشددت الرقابة على الحدود الجزائرية شرقا وغربا حتى لا يهرب المواطنون الجزائريون إلى المغرب أو إلى تونس أو طرابلس).
(لقد بات أصغر الإفرنسيين شأنا في السلطة وهو يملك ما يجعله حق إعدام هذا أو تشريع ذلك، وأنه لمن الصعب تحديد عدد الذين اعتقلوا في هذه الحوادث الدامية. فمن قائل، أنه بلغ عشرة آلاف سجين، ومن قائل: أنه تجاوز هذا الرقم بكثير، وغير هؤلاء يقول: إنه بلغ الستين ألفا. غير أن وزير الداخلية الإفرنسي - في تلك الفترة وهو (ادريان تكسييه (*) أعلن أمام الجمعية الاستشارية المؤقتة، (بأن عدد المعتقلين لا يتجاوز الألفي وخمسمائة مسلم) ا. هـ.
قصارى ما يمكن قوله عن المعتقلين: لقد ضاقت السجون
стр. 1531
الجزائرية بهم إلى حد أن السلطة الإفرنسية أفرجت عن المجرمين حتى توفر أماكنهم للأحرار الوطنيين، ولما لم تؤد هذه العملية إلى المبتغى، ضاعفت السلطات الإفرنسية ميادين المعتقلات ومعسكرات الحشد والاعتقال، والتي كانت قد أنشأتها في أوائل الحرب العالمية الثانية. وساقت إليها الوطنيين أفواجا إثر أفواج. أما الوسائل التي كان البوليس السياسي يقوم بها لحمل الوطنينن على الإقرار بجرائم أو أعمال لم يقوموا بها، والاعتراف بما أراد أن ينسبه إليهم، وعلى أن يشهد البعض على البعض الآخر،
فهي وسائل مرعبة يقشعر لها جسم الإنسان.
(لقد اقتنع الإفرنسي، بأن ما يقال عن استسلام الجزائريين للحكم الإفرنسي، إنما هو أسطورة حاكتها يد الإدارة الاستعمارية العليا في الجزائر. وجاءت هذه الدماء الغزيرة لتكذبها. ولهذا فالواجب يقضي على فرنسا أن تستعمل كل ما لديها من القوة، إن هي أرادت الاحتفاظ بالجزائر) ا. هـ.
وإلى هذا أشار - م. بيشير - في جريدة (صدى الجزائر) الإفرنسية (*) ما يلي:
(... لا جدوى من مضي الأسابيع والشهور على القضية الجزائرية، طالما أنه لا يمكن البت بشيء فيها وطالما أنه لا يمكن الوصول إلى حل لها بسبب إهمال الوقائع المادية والضرورات
стр. 1532
الناجمة عنها. وها هي ذي الوقائع الوحشية المذهلة .. لقد سالت الدماء الغزيرة مرة أخرى في الجزائر، كما سبق لها أن سالت من قبل مرات عديدة. إن المفكرين والمعمرين الذين يختارون العبارات الأنيقة، وينسقون التعابير والجمل في مراسلاتهم مع فرنسا بغية حل (القضية الجزائرية) لا يفقهون ولا يدركون أن المريض الذي يعالجونه بالمسكنات عن طريق الإذاعة، قد بات يستعصي على العلاج.
... ولقد تجاهل الإفرنسيون على اختلاف نزعاتهم، وعلى تباين تنظيماتهم السياسية، وبرامجهم الحزبية، الأسباب الرئيسية للحوادث، وتعاموا عن المطالب الجوهرية والقومية للشعب الجزائري. فراحوا قصد تضليل الرأي العام الدولي يعزون الحوادث إلى أيد خفية أجنبية حركت الجزائريين ضد فرنسا. وشاءت عبقرية الحاكم العام الاشتراكي الإفرنسي في الجزائر (شاتينيو) (*) عامئذ في بلاغه الذي أذاعه بنفسه على أمواج الأثير، أن يصف أعضاء حزب الشعب الجزائري باسم (نازيون) وبأن (منظمتهم نازية). أما عبقرية جماعة اليسار وأنصارهم، فقد قالوا في خطبهم، وذكروا في صحفهم: بأن الحوادث أشعلت نيرانها أيد إنكليزية وأمريكية. أما الحقيقة فهي أننا لسنا من أحزاب اليمين في شيء حتى نتهم بالفاشية أو النازية. ولسنا أيضا من أحزاب اليسار حتى نتهم بالشيوعية. وإنما نحن أمة وسطا لا ينبغي لنا أن نتغنى بمباديء هؤلاء،
стр. 1533
أو نعمل في ركابهم. ولا بنظم أولئك، أو نقبل أن نكون عندما تنشب النار، وتندلع في بيت. وعندما تكون الباخرة على شفا الغرق. فإنه لا يستغاث بالطاهي، ولا بمدير المقرص، إذا الساعة حينئذ فيما يخص البيت، وفيما يخص الباخرة، لأصحاب المطافىء وأصحاب النجدة والإسعاف. وإنه لكذلك الأمر في أفريقيا الشمالية عامة، وفي الجزائر خاصة، فالساعة يجب أن تكون للجندرمة (الدرك) والبوليس (الشرطة) إ. هـ.
بمثل هذه الروح العدوانية، وبمثل ذلك الحقد وتلك الكراهية، تلقت كل الأوساط الإفرنسية (اليمينية واليسارية على حد سواء، حوادث ٨ أيار - مايو - ١٩٤٥: (حتى لكأن فيالق الفرقة الأجنبية، وطوابير - ارتال - الدرك والشرطة قد قصرت في المهمة التي أوكلت إليها، مهمة سفك الدماء، وقتل الأبرياء، وحرق المداشر والقرى. أو حتى لكأن الخمسة والأربعين ألف شهيد من المواطنين الذين قاموا يردون الظلم ويدافعون عن الشر، لم يكفوا للأخذ بثأر ثمانية وثمانين قتيلا ومائة وخمسين جريحا من الغزاة المستعمرين. على أن الرصاصات الأولى التي أطلقت على المتظاهرين في هذه الحوادث، في كل من سطيف وقالمة وعنابة وغيرها. قد أطلقتها رجال الشرطة والدرك. والبرق هو شبيه بالجراح الذي يجيل مشرطه في لحم الجريح).
وانتهت المذبحة، وجلس الجزارون يندبون: (... فكروا ثانية فيما آلت إليه علاقاتنا بالجزائريين، في العمل وفي دواوين
стр. 1534
الحكومة، وفي كل الأوساط التي نجتمع فيها بهم: في المقاهي وفي المخازن وفي الدكاكين، وفي وسائط النقل المشترك، تجدوا أننا في الوقت الذي لا نضمر للجزائريين شرا يقابلوننا هم بالعكس (؟). إن الجرائريين والإفرنسيين الذين كانوا في الأماكن الخاصة وفي المزارع، يعملون معا جنبا إلى جنب بكل صداقة (؟) أصبحوا اليوم حذرين، يراقب البعض منهم البعض الآخر، ويزنون الألفاط، ويسجلون ما يسمعون، ثم هم بعد ذلك يستنتجون حسب ما تمليه عليهم عواطفهم وأهواؤهم. فلهذه الحالة الثقيلة وغير المحتملة، ولهذه الأذية التي ليس لها انتهاء، ولهذا العذاب المرهق للأعصاب، يجب أن يوضع حد وبكل سرعة. إن أفريقيا الشمالية تضمر لنا شرا خطيرا مستطيرا وعاجلا، يوجب علينا حماية تكون أكثر عجلة. إنني أعلم أن أعوان الأمن العام الذين يقدرون واجباتهم حق التقدير، يعملون لضمان هذه الحماية. ولذلك، يتحتم علينا أن لا نصدهم عن هذا الواجب حتى لا تتفرق جهودهم).
(ب) شهادة الوزير الإفرنسي - آلان سافاري (*):
أصدر حزب الشعب الجزائري تعليماته إلى أعضائه برفع
стр. 1535
العلم الوطني الجزائري أثناء العرض الذي سيشترك فيه الحزب بمناسبة اليوم الأول من أيار - مايو - عام ١٩٤٥. فأدى ذلك إلى إطلاق النار على الجزائريين فقتل أحدهم في مدينة الجزائر. وتعددت الاعتقالات في الجزائر كلها. وفي يوم ٨ أيار - مايو - وبينما كان مفتش الشرطة (لافون) خارجا من مقهى اسمه (مقهى فرنسا) في (سطيف) رأى أحد المتظاهرين سائرا؛ وقد حمل لوحة كتب عليها: عاش انتصار الحلفاء. ولما كانت الأوامر إلى رجال الشرطة شديدة ومركزة، فقد المفتش المذكور أعصابه، وأطلق النار على الشاب الجزائري الذي كتب على لوحته: عاش انتصار الحلفاء. ووقع شاب جزائري آخر مضرجا بدمائه، وأعلنت الأحكام العرفية. وقام المستوطنون باغتيال عدد من الأوروبيين، منهم عمدة سطيف (دولوكا) لأنه كان يتمتع بثقة الجزائريين. وقام الجنرال (دوفا) بحملة إرهاب هائلة، استخدمت فيها الفرقة الأجنبية والرماة السنغال، ووحدات الميليشيا، حتى أن الجنرال المذكور، أطلق سراح أسرى الحرب الإيطاليين ليشركهم في المجزرة التي أسهمت فيها أيضا أسلحة الطيران والمدرعات والبحرية، وقذف أحد الطرادات الإفرنسية بالقنابل منطقة (كرارتا) وفي ١٦ أيار - مايو - وكانت المجزرة في نهايتها. عندما وصل لواء المشاة السابع إلى مدينة الجزائر، بعد
стр. 1536
اشتراكه في معارك الألزاس. وجاء في نشرة رسمية صادرة عن القيادة الإفرنسية أن عدد الضحايا الجزائريين ألف وخمسمائة فقط، وعدد الأوروبيين مائة. هذا في حين ذكر تقرير اللجنة الثلاثية التي يرأسها الجنرال توبير، والتي تشكلت لإحصاء قتلى المجزرة المذكورة، بأن مجموع عدد قتلى الجزائريين المسلمين بلغ خمسة وأربعين ألفا.
إنه حدث نموذجي في دلالته على حالة الإفرنسيين العقلية والمعنوية في الجزائر، فقد شوهد على رأس قطعات الميليشيا الأوروبية الزاحفة ضد الجزائريين العزل، مستوطنون هم من المسؤولين الإفرنسيين في الحزب الشيوعي الجزائري ... هل أتابع سرد هذه الوقائع التاريخية الثابتة والحديثة، وهل أقول بأن قسما كبيرا من المستوطنين الإفرنسيين، وبينهم عدد كبير من العمال الإفرنسيين - بروليتاريا الثورة - قد استقبلوا أحد رؤساء الوزراء بمظاهر العداء والنفور لأنه ذكر في برنامجه الانتخابي (السلم في الجزائر) وقال بضرورة إحلال السلام فيها. وإنهم فعلوا ذلك لأنهم يدركون بأنه لا سبيل إلى السلام في الجزائر، إلا بحصول الجزائريين على حقوقهم السياسية. ولقد قلنا أن منح الجزائريين حقوقهم السياسية، يعني بالنسبة إلى المستوطنين الإفرنسيين طرح موضوع حقوقهم المالية وقوتهم وسيطرتهم الاقتصادية على بساط البحث. وأن الحصول على هذه الحقوق يساعد الجزائريين على منافستهم، هذه المنافسة التي تخشاها وترهبها الأكثرية الساحقة من المستوطنين الإفرنسيين في الجزائر
стр. 1537
الذين يتضاءلون كأقلية يوما بعد يوم أمام ازدياد عدد الجزائريين وتكاثرهم.
(ج) (اليوم الرهيب) في ذكريات أحمد توفيق المدني (*):
كان الزعيم، الشيخ أحمد توفيق المدني (مسافرا بالقطار من الجزائر إلى تونس، يوم وقعت المذبحة - المأساة - وقد سجل انطباعه ومشاهداته - بما يلى):
(تجهزت للسفر وأخذت بطاقتي، وامتطيت القطار يوم ٧ أيار - مايو - ١٩٤٥، في الثامنة مساء. وكنت عندما أصبح الصباح، أشعر كلما تقدم القطار نحو الشرق بحركة غير عادية في المحطات، تزداد شدة وحدة، بين حين وآخر، حتى إذا وصلنا مدينة (الخروب) وغيرنا القطار، وجدنا في المحطة مختلف فرق الجيش، وبينها طائفة من الشبان المتحمسين المتهيجين وهم يحملون ما توافر لهم حمله من مختلف الأسلحة. وكانوا يصعدون إلى مزجيات الرتل وينزلون من بها من الجزائريين واحدا واحدا، في شدة وعنف، ورأيتهم تحت نافذتي يفتشون بدويا عربيا بشكل مهين، وقد وجدوا في قفته سكينا صغيرا لقطع الخبز طبعا، فانهالوا عليه ضربا بالأيدي ورفسا بالأرجل، ثم اقتادوه بقوة إلى ما وراء القطار، وسمعت طلقات نارية، وتأوها خافتا، وانتهى كل شيء.
стр. 1538
كنت حاسر الرأس بين أربعة من الأوروبيين لم يعرفوا هويتي، ودخل علينا شاب متهيج يصيح هل يوجد أهالي هنا؟ فأجابه الجالس قرب الباب: كلنا فرنسيون. فذهب إلى الغرفة التي تلينا، وكنت منهمكا في قراءة جريدة (صدى الجزائر - إيكو دالجي) للمرة الثانية، متظاهرا بعدم فهم ما يجري حولي، ثم ركب معنا أحد المستعمرين، وأخذ يقص علينا أنباء الصباح الرهيب (بسطيف) وما حواليها، وأن مذبحة شرسة اشتعلت بكامل الناحية، وأن الإفرنسيين قد سيطروا على الموقف بعد التخلص من أكبر عدد من الأعداد، وأن البقية سيتم القضاء عليها حتما حتى يعلم هؤلاء (البيكو) أن الجزائر فرنسية إلى الأبد.
لم أكن أتوقع هذا أصلا، إلى أن وصلنا مدينة (قالمة) التي كانت تعيش حالة حرب حقيقية. كان الجيش يحتل المحطة، وكان جنوده يحيطون بجمع كبير من الرجال والشيوخ الذين جلسوا على الأرض، يحيط بهم الزبانية من كل مكان. وكنا نسمع أصوات الاستغاثة وصراخ العويل ممتزجا بأنين الألم، يأتينا من ناحية المدينة. ومكث القطار هنالك نحوا من الساعتين، كنت أرى خلالها من شباك المزجية، الطائرات الحربية وهي تلقي بقنابلها المحرقة على امتداد الأفق. وكنت أشاهد ألسنة اللهب وهي تتصاعد إثر انفجار كل قنبلة. كما كنت أسمع من بعيد أصوات الاستغاثة والبكاء والنحيب، وأرى من بعيد سائمة أدمية غفيرة العدد، تغدو وتروح، مفتشة عن ملجأ، فلم تجده، وما من رجل أو امرأة استطاع النجاة، إلا وحصدته بعد
стр. 1539
ذلك رصاصات بنادق القناصة ومسدساتهم ... وقد أعدم الجنود في مدينة (قالمة) كل الشبان الذين كانوا يحملون الشهادة الابتدائية، بعد أن جمعوهم في مكان فسيح وأمروهم بحفر أخدود طويل، ثم أعدموهم بكل برودة، وتخلصوا من عدو محتمل. ثم إنني كنت أرى فيما بين (قالمة) والحدود التونسية جموعا غفيرة من البدو، يهيمون على وجوههم، وكان أكثرهم مثخنا بالجراح، والدماء الغزيرة تكسوه، فيما كان بعض الرجال والنساء قد افترشوا الأرض وهم لا يستطيعون حراكا بعد أن نال منهم الجوع والظمأ كل منال، وأنهك قواهم ما سال من دمائهم. وعلمت بعد ذلك أن القتلى لم يكونوا يدفنون في الأغلب، لكثرتهم، بل يتركون فريسة للذئاب والضباع والجوارح الكاسرة.
(د) للمجزرة تتمة (*):
كانت مجزرة ٨ أيار مايو ١٩٤٥ مذبحة رهيبة، شابت لهولها الأطفال، واقشعرت الأبدان. لقد كان جنود فرنسا يقتحمون البيوت عنوة، يبقرون بطون الحبالى، ويذبحون الأطفال والنساء والشيوخ، ويغتصبون شرف العذارى بعنف ووحشية. وكانوا يوقفون بعض الجزائريين من سكان المدن في الساحات العامة ويبيدونهم بالرصاص. ويجمعون بعضهم الآخر دون تمييز السن والجنس داخل أكواخ ويشعلون النار فيها - وكانوا يدخلون الشبان أفرانا شديدة الحرارة تخرج منها الجثة
стр. 1540
رمادا. أما القرى، فكان نصيبها من التقتيل والإبادة أفظع وأشنع بحيث أن الجنود الإفرنسيين، كان يرغمون الأهالي على الدخول إلى أكواخهم الطينية المبنية باللبن ويوصدون الأبواب عليهم ثم تمر الدبابات الثقيلة على الأكواخ فتسحقها بمن فيها، وتحيل الأرض عجينا من طين ودم. وقد دمر الطيران الإفرنسي أربعين قرية ومحاها من الوجود، فيما نسف الأسطول البحري مدينة (مثل مدينة خراطة في عمالي قسنطينة) بسكانها العرب وحولها إلى أنقاض.
وتبع مجزرة ١٩٤٥ حملة ١٩٤٧ في بلاد القبائل، حملة سنة ١٩٤٨ في - برقية - و - دشمية - وحملة سنة ١٩٤٩ في دوار سيدي علي بوناب - وحملة سنة ١٩٥٢ في منطقة الأوراس. وقتلت فرنسا كثيرا من المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا وذلك في حوادث ٢٣ أيار - ماريو - عام ١٩٥٢. وفي ١٤ تموز - يوليو سنة ١٩٥٣. هذه بعض ملامح حرب الإبادة التي شنتها فرنسا
على الشعب العربي في الجزائر قبل الثورة. فبين يوم وليلة قتل (٤٥) ألف جزائري، دون ذنب أو سبب، اللهم إلا مطالبتهم بالحرية والسلام. أما في مجال الإرهاب والتعذيب والقهر، فقد كانت أجهزة الشرطة - البوليس - تمارسه على نطاق واسع - لا ضد المجرمين والأشقياء والمنحرفين، وإنما ضد الوطنيين الجزائريين، وكل من يقوم بنشاط سياسي تحرري، أو يعبر عن أفكار وطنية استقلالية. وعلى الرغم من تحديد صلاحيات التعذيب البوليسي في العالم، فإن البوليس الإفرنسي، قد منح صلاحيات مطلقة لقتل وتعذيب من يشاء من الجزائريين، دونما خوف من حساب أو حتى عتاب. وقد دفعت هذه الصلاحيات البوليس إلى
стр. 1541
استخدام أشنع الوسائل وأفظع الطرائق الإرهابية. وها هو نموذج واقعي ومعروف، في جملة نماذج لا نهاية لها، يبرز ما كان يتعرض له أحرار الجزائر من تنكيل، وتعذيب على أيدي الشرطة الإفرنسية (البوليس).
اعتقلت السلطات الإفرنسية شابا عربيا ادعت أنه مناضل في إحدى الخلايا السرية التابعة لحزب الشعب الجزائري (المنحل). واتهمت الشرطة الفرنسية (البوليس) الشاب بإخفائه سرا خطيرا عن الثورة المسلحة التي كان يعد لها حزب الشعب، والتي بالرغم من اكتشافها لم تستوف المعلومات الكافية عن اختفاء الأسلحة الكثيرة التي كان يتدرب عليها رجال (الشرف العسكري) وسرعان ما شرعوا في استجوابه. فجردوه من ثيابه وبللوا جسمه بالماء، وألهبوه لسعا بالسياط ولما يئسوا من هذه المحاولة في استجوابه، ملؤوا جوفه ماء بواسطة أنبوب أدخلوه في فمه حتى كاد بطنه ينفجر. ولما لم تنفع هذه الوسيلة، انتقلوا به إلى الكهرباء. وبعد أن عجزت الكهرباء في حمل الشاب على الاعتراف بسر يجهله، أهملوه داخل غرفة مظلمة ملؤها الذباب والحشرات والجراثيم. إلى أن حضرت بعثة بوليسية - من عاصمة النور باريس - مختصة بفنون التعذيب. فشدوا وثاقه، وتناول رئيس البعثة كماشة. وأمسك إبهام الشاب. وأدخل الظفر بين طرفي فك الكماشة، وقال: أليس لك بعد أن تعترف؟ ولم يدع المفتش الشاب يتم حديثه لكي ينفي عنه هذه التهمة، بل عاجله بانتزاع أظافر يديه ورجليه بوحشية فائقة. وما كاد ينتهي حتى فتح الشاب فمه، وعيناه مغرورقتان بدموع الألم،
стр. 1542
وسأل المفتش؛ هل من طريقة أخرى؟ وأجاب المفتش الإفرنسي بغلظة وفظاظة: نعم. وسرعان ما ألقى الشاب على بطنه، والدم ينزف من أصابعه. وتناول المفتش حديدا كان قد احمر على النار وأخذ يشوه به جسم الشاب الضحية. وفقد الشاب وعيه، وما كاد يفتح عينيه - في اليوم التالي، حتى سأل المفش: هل من طريقة أخرى؟ ... وأحضرت في الحال زجاجة كبيرة - قنينة طليت جوانبها بالزيت. وجرد الشاب من ثيابه كلها وهو يئن من الألم. وسرعان ما رفعه مفتشان بين أيديهما، وأقعداه بقوة على الزجاجة وتمزق اللحم. ودوت صرخة ألم حادة كافية لترويع أقسى القلوب المتحجرة، واستثارة أعمق العواطف والانفعالات الإنسانية، إلا قلوب هؤلاء المخلوقات من أعداء الإنسانية، والذين جردتهم حضارتهم من كل القيم والفضائل. وجدير بالذكر، أن طريقة الإقعاد على الزجاجة والقارورة، هي طريقة من إبداع العبقرية الإفرنسية، ظهرت أول ما ظهرت في الجزائر، وعنها أخذتها بعض المدارس الاستعمارية الأخرى.
(هـ) في ذمة التاريخ (*):
لم تكن الأحدات التي وقعت في الجزائر - يوم النصر - عام ١٩٤٥، دون مقدمات، ودون نذر سابقة ففي نهاية شهر نيسان - أبريل - بعث ستة أعضاء من الأوروبيين في المجلس العام رسالة إلى محافظ إقليم (قسنطينة) - الحاكم - يطلبون فيها اتخاذ إجراءات (فورية) يمكن لها أن تؤدي إلى إعادة فرض
стр. 1543
النظام والطمأنينة (في الأرض الإفرنسية الواقعة إلى الجنوب من البحر المتوسط). وفي نفس الشهر، نقل مصالي الحاج من داره التي كان معتقلا فيها جنوب الجزائر، إلى مدينة برازافيل في أواسط أفريقيا (الكونغو الإفرنسي سابقا).كعمل وقائي لتجنب الاضطرابات. وعملت الإدارة الافرنسية على تزوير الانتخابات البلدية حتى لا تنجح العناصر المتطرفة. وبعث الحاكم العام للجزائر (شاتينيو) تعميما على جميع موظفي الإدارة في البلاد، أشار فيه إلى توقع حدوث اضطرابات بمناسبة عيد النصر وما يرافقه من احتفالات وقد أقيمت استعراضات وطنية في اليوم الأول من أيار - مايو - في عدد من مدن الجزائر دون وقوع حوادث تذكر. واستعرض الوطنيون في شوارع (سطيف) في الثامن من أيار - مايو - احتفالا بانتصار الحلفاء. وحاولت الشرطة المحلية مصادرة الأعلام واللافتات التي حملتها الجماهير، وهو عمل لم يجر مثيلا له في الاستعراضات الشبيهة التي جرت في المدن الأخرى. وأطلقت العيارات النارية، وتفرقت الجماهير، ولكنها سرعان ما عادت إلى التظاهر، وهاجمت رجال الشرطة بالحجارة. وعاد هؤلاء إلى إطلاق النار. وانتشرت الاضطرابات بسرعة البرق إلى أنحاء أخرى في الجزائر، ولاسيما في المناطق المأهولة بالسكان في إقليم قسنطينة. ووقعت حوادث عنف في بعض الأماكن. ولكن عدد قتلى الأوروبيين لم يتجاوز المائة شخص. وسرعان ما قام الإفرنسيون بأقسى ما عرفه تاريخ الجزائر من أعمال الإرهاب والبطش. فقد قام سلاح الجو الإفرنسي الذي كان يشرف عليه آنذاك وزير الطيران الشيوعي (تيون) بقصف الكثير
стр. 1544
من القرى الجزائرية وإزالتها من الوجود. ووصلت الطرادات الفرنسية إلى الساحل الجزائري، تضربه من البحر بمدفعيتها. وحالت الإدارة الإفرنسية بين الصحافة العالمية وبين الوصول إلى الحقائق المتعلقة بهذه الإجراءات الوحشية. وعهد الحاكم العام إلى لجنة تحقيق، ولكن عملها سرعان ما بتر. وذكرت اللجنة في تقريرها غير الكامل عددا من أسباب هذه الأحداث: منها هزيمة فرنسا وضعقها، وقوة الحلفاء، ودعاية المحور، والمقارنة التي رددها الجزائريون من الجنود بين أوروبا التي عرفوها أثناء الحرب، وبين الأوضاع التي يعيشون فيها في الجزائر، والحماسة التي أثارها مؤتمر سان فرانسيسكو، وسوء تفسير شرعة الأطلسي (ميثاق هيئة الأمم المتحدة) والتحريض الناجم عن قيام الجامعة العربية، بالإضافة إلى تحريض حلفاء فرنسا، والأعمال المخزية التي تنزلها الإدارة الإفرنسية بالجزائريين.
لم تتوقف ممارسات الإدارة الفرنسية في الجزائر عند حدود أعمال العنف العسكري، بل تجاوزتها إلى اعتقال عدد من الوطنيين ورؤساء النقابات ورجال الدين، وإلقائهم في المعتقلات والسجون. فقد اعتقل (عباس فرحات) عندما كان في طريقه للتشاور مع بعض موظفي الحاكم العام، وصدر الأمر بحل جماعة أصدقاء البيان والحرية. وجرت محاكمات مثيرة جدا لعدد من مناضلي حزب الشعب الذين قدر لهم أن يشتركوا فيما بعد في ثورة عام ١٩٥٤. ولم تكف أعمال البطش والتنكيل التي قامت بها الإدارة الإفرنسية، بل زاد عليها ما قام به المستوطنون من أعمال وحشية وجرائم لا إنسانية في إطار ما أطلقوا عليه اسم
стр. 1545
(أعمال انتقامية ثأرية). وبرزت الحقيقة وهي أن أجهزة الشرطة لم تكن مكلفة بتأمين الحماية للمسلمين الجزائريين ضد أعمال جماعات (حرس المستوطنين) الذين يسارعون إلى العمل دائما عندما تتوتر العلاقات بين المستوطنين الجزائريين. وكان ذلك سببا من أسباب المرارة الدائمة التي كان يشعر بها الوطنيون الجزائريون.
تعتبر أحداث سنة ١٩٤٥، نقطة تحول في تاريخ الجزائر بالنسبة إلى الجزائريين وإلى المستوطنين. فقد كانت بالنسبة إلى المستوطنين قمة الوحشية التي كان يلصقون تهمتها دائما بالجزائريين، كما كانت تجربة مرعبة. ولكنها في الوقت نفسه كانت بالنسبة إليهم بداية الانحطاط في نفوذهم، إذ ظهر كثيرون في فرنسا لا يشاركونهم الرأي في أن خير حل لمشكلة الجزائر هو (إبقاء الجزائريين مستعبدين). وحاول الحاكم العام (شاتينيو) تغطية سوءات الاستعمار وبشاعته، بمجموعة من الإجراءات التي زعم أنها (ليبيرالية) في الفترة من سنة ١٩٤٥ - ١٩٤٧، مثل السماح للمثقفين الجزائريين بالإسهام إسهاما أوسع بإدارة شؤونهم الخاصة. ومع ذلك فقد تمكن المستوطنون بعد عام ١٩٤٧، وعلى الرغم من هزيمتهم في نص الدستور الجزائري الجديد، من إزالة ما أطلقوا عليه اسم (النصوص الليبيرالية).
أما بالنسبة إلى الجزائريين الذين كانوا ضحية مؤامرة ٨ أيار - مايو - ١٩٤٥. فإن هذه المؤامرة كشفت لهم نقاط ضعفهم في مجابهة تحالف فرنسا مع مستوطنيها - والذين يشكلون