استخدام أشنع الوسائل وأفظع الطرائق الإرهابية. وها هو نموذج واقعي ومعروف، في جملة نماذج لا نهاية لها، يبرز ما كان يتعرض له أحرار الجزائر من تنكيل، وتعذيب على أيدي الشرطة الإفرنسية (البوليس).
اعتقلت السلطات الإفرنسية شابا عربيا ادعت أنه مناضل في إحدى الخلايا السرية التابعة لحزب الشعب الجزائري (المنحل). واتهمت الشرطة الفرنسية (البوليس) الشاب بإخفائه سرا خطيرا عن الثورة المسلحة التي كان يعد لها حزب الشعب، والتي بالرغم من اكتشافها لم تستوف المعلومات الكافية عن اختفاء الأسلحة الكثيرة التي كان يتدرب عليها رجال (الشرف العسكري) وسرعان ما شرعوا في استجوابه. فجردوه من ثيابه وبللوا جسمه بالماء، وألهبوه لسعا بالسياط ولما يئسوا من هذه المحاولة في استجوابه، ملؤوا جوفه ماء بواسطة أنبوب أدخلوه في فمه حتى كاد بطنه ينفجر. ولما لم تنفع هذه الوسيلة، انتقلوا به إلى الكهرباء. وبعد أن عجزت الكهرباء في حمل الشاب على الاعتراف بسر يجهله، أهملوه داخل غرفة مظلمة ملؤها الذباب والحشرات والجراثيم. إلى أن حضرت بعثة بوليسية - من عاصمة النور باريس - مختصة بفنون التعذيب. فشدوا وثاقه، وتناول رئيس البعثة كماشة. وأمسك إبهام الشاب. وأدخل الظفر بين طرفي فك الكماشة، وقال: أليس لك بعد أن تعترف؟ ولم يدع المفتش الشاب يتم حديثه لكي ينفي عنه هذه التهمة، بل عاجله بانتزاع أظافر يديه ورجليه بوحشية فائقة. وما كاد ينتهي حتى فتح الشاب فمه، وعيناه مغرورقتان بدموع الألم،
стр. 1542
وسأل المفتش؛ هل من طريقة أخرى؟ وأجاب المفتش الإفرنسي بغلظة وفظاظة: نعم. وسرعان ما ألقى الشاب على بطنه، والدم ينزف من أصابعه. وتناول المفتش حديدا كان قد احمر على النار وأخذ يشوه به جسم الشاب الضحية. وفقد الشاب وعيه، وما كاد يفتح عينيه - في اليوم التالي، حتى سأل المفش: هل من طريقة أخرى؟ ... وأحضرت في الحال زجاجة كبيرة - قنينة طليت جوانبها بالزيت. وجرد الشاب من ثيابه كلها وهو يئن من الألم. وسرعان ما رفعه مفتشان بين أيديهما، وأقعداه بقوة على الزجاجة وتمزق اللحم. ودوت صرخة ألم حادة كافية لترويع أقسى القلوب المتحجرة، واستثارة أعمق العواطف والانفعالات الإنسانية، إلا قلوب هؤلاء المخلوقات من أعداء الإنسانية، والذين جردتهم حضارتهم من كل القيم والفضائل. وجدير بالذكر، أن طريقة الإقعاد على الزجاجة والقارورة، هي طريقة من إبداع العبقرية الإفرنسية، ظهرت أول ما ظهرت في الجزائر، وعنها أخذتها بعض المدارس الاستعمارية الأخرى.
(هـ) في ذمة التاريخ (*):
لم تكن الأحدات التي وقعت في الجزائر - يوم النصر - عام ١٩٤٥، دون مقدمات، ودون نذر سابقة ففي نهاية شهر نيسان - أبريل - بعث ستة أعضاء من الأوروبيين في المجلس العام رسالة إلى محافظ إقليم (قسنطينة) - الحاكم - يطلبون فيها اتخاذ إجراءات (فورية) يمكن لها أن تؤدي إلى إعادة فرض
стр. 1543
النظام والطمأنينة (في الأرض الإفرنسية الواقعة إلى الجنوب من البحر المتوسط). وفي نفس الشهر، نقل مصالي الحاج من داره التي كان معتقلا فيها جنوب الجزائر، إلى مدينة برازافيل في أواسط أفريقيا (الكونغو الإفرنسي سابقا).كعمل وقائي لتجنب الاضطرابات. وعملت الإدارة الافرنسية على تزوير الانتخابات البلدية حتى لا تنجح العناصر المتطرفة. وبعث الحاكم العام للجزائر (شاتينيو) تعميما على جميع موظفي الإدارة في البلاد، أشار فيه إلى توقع حدوث اضطرابات بمناسبة عيد النصر وما يرافقه من احتفالات وقد أقيمت استعراضات وطنية في اليوم الأول من أيار - مايو - في عدد من مدن الجزائر دون وقوع حوادث تذكر. واستعرض الوطنيون في شوارع (سطيف) في الثامن من أيار - مايو - احتفالا بانتصار الحلفاء. وحاولت الشرطة المحلية مصادرة الأعلام واللافتات التي حملتها الجماهير، وهو عمل لم يجر مثيلا له في الاستعراضات الشبيهة التي جرت في المدن الأخرى. وأطلقت العيارات النارية، وتفرقت الجماهير، ولكنها سرعان ما عادت إلى التظاهر، وهاجمت رجال الشرطة بالحجارة. وعاد هؤلاء إلى إطلاق النار. وانتشرت الاضطرابات بسرعة البرق إلى أنحاء أخرى في الجزائر، ولاسيما في المناطق المأهولة بالسكان في إقليم قسنطينة. ووقعت حوادث عنف في بعض الأماكن. ولكن عدد قتلى الأوروبيين لم يتجاوز المائة شخص. وسرعان ما قام الإفرنسيون بأقسى ما عرفه تاريخ الجزائر من أعمال الإرهاب والبطش. فقد قام سلاح الجو الإفرنسي الذي كان يشرف عليه آنذاك وزير الطيران الشيوعي (تيون) بقصف الكثير
стр. 1544
من القرى الجزائرية وإزالتها من الوجود. ووصلت الطرادات الفرنسية إلى الساحل الجزائري، تضربه من البحر بمدفعيتها. وحالت الإدارة الإفرنسية بين الصحافة العالمية وبين الوصول إلى الحقائق المتعلقة بهذه الإجراءات الوحشية. وعهد الحاكم العام إلى لجنة تحقيق، ولكن عملها سرعان ما بتر. وذكرت اللجنة في تقريرها غير الكامل عددا من أسباب هذه الأحداث: منها هزيمة فرنسا وضعقها، وقوة الحلفاء، ودعاية المحور، والمقارنة التي رددها الجزائريون من الجنود بين أوروبا التي عرفوها أثناء الحرب، وبين الأوضاع التي يعيشون فيها في الجزائر، والحماسة التي أثارها مؤتمر سان فرانسيسكو، وسوء تفسير شرعة الأطلسي (ميثاق هيئة الأمم المتحدة) والتحريض الناجم عن قيام الجامعة العربية، بالإضافة إلى تحريض حلفاء فرنسا، والأعمال المخزية التي تنزلها الإدارة الإفرنسية بالجزائريين.
لم تتوقف ممارسات الإدارة الفرنسية في الجزائر عند حدود أعمال العنف العسكري، بل تجاوزتها إلى اعتقال عدد من الوطنيين ورؤساء النقابات ورجال الدين، وإلقائهم في المعتقلات والسجون. فقد اعتقل (عباس فرحات) عندما كان في طريقه للتشاور مع بعض موظفي الحاكم العام، وصدر الأمر بحل جماعة أصدقاء البيان والحرية. وجرت محاكمات مثيرة جدا لعدد من مناضلي حزب الشعب الذين قدر لهم أن يشتركوا فيما بعد في ثورة عام ١٩٥٤. ولم تكف أعمال البطش والتنكيل التي قامت بها الإدارة الإفرنسية، بل زاد عليها ما قام به المستوطنون من أعمال وحشية وجرائم لا إنسانية في إطار ما أطلقوا عليه اسم
стр. 1545
(أعمال انتقامية ثأرية). وبرزت الحقيقة وهي أن أجهزة الشرطة لم تكن مكلفة بتأمين الحماية للمسلمين الجزائريين ضد أعمال جماعات (حرس المستوطنين) الذين يسارعون إلى العمل دائما عندما تتوتر العلاقات بين المستوطنين الجزائريين. وكان ذلك سببا من أسباب المرارة الدائمة التي كان يشعر بها الوطنيون الجزائريون.
تعتبر أحداث سنة ١٩٤٥، نقطة تحول في تاريخ الجزائر بالنسبة إلى الجزائريين وإلى المستوطنين. فقد كانت بالنسبة إلى المستوطنين قمة الوحشية التي كان يلصقون تهمتها دائما بالجزائريين، كما كانت تجربة مرعبة. ولكنها في الوقت نفسه كانت بالنسبة إليهم بداية الانحطاط في نفوذهم، إذ ظهر كثيرون في فرنسا لا يشاركونهم الرأي في أن خير حل لمشكلة الجزائر هو (إبقاء الجزائريين مستعبدين). وحاول الحاكم العام (شاتينيو) تغطية سوءات الاستعمار وبشاعته، بمجموعة من الإجراءات التي زعم أنها (ليبيرالية) في الفترة من سنة ١٩٤٥ - ١٩٤٧، مثل السماح للمثقفين الجزائريين بالإسهام إسهاما أوسع بإدارة شؤونهم الخاصة. ومع ذلك فقد تمكن المستوطنون بعد عام ١٩٤٧، وعلى الرغم من هزيمتهم في نص الدستور الجزائري الجديد، من إزالة ما أطلقوا عليه اسم (النصوص الليبيرالية).
أما بالنسبة إلى الجزائريين الذين كانوا ضحية مؤامرة ٨ أيار - مايو - ١٩٤٥. فإن هذه المؤامرة كشفت لهم نقاط ضعفهم في مجابهة تحالف فرنسا مع مستوطنيها - والذين يشكلون
стр. 1546
في الحقيقة جبهة واحدة وزالت أوهام إمكانية الوصول إلى الحقوق بواسطة المساومات والطرائق السلمية - فكان لابد من الاحتكام للسلاح. لكن تجربة مذبحة أيار - مايو - أكدت ضرورة العمل السري تحت غطاء العمل العلني. فكانت جذور ثورة ١٩٥٤ وثيقة الصلة بمذبحة ٨ أيار.
وهكذا وبينما كانت فرنسا تمارس أشد ظواهر القوة، كان بنيانها الداخلي (بنيان الكيان الاستعماري) يسير نحو الضعف، في حين كان الشعب الجزائري وهو يعاني أقسى ظروف المأساة الناجمة عن الضعف، كانت هناك البدايات لأشد ظواهر القوة. وبقي السلاح هو الحكم لاختبار القوتين الهابطة والصاعدة في جولة قادمة.
стр. 1547
٢ - العمل السياسي السري
يظهر العمل السياسي السري، على ما هو معروف، في ظروف القمع القهري، والحرمان من ممارسة العمل السياسي بصورة علنية. وقد تعرضت التنظيمات السياسية في الجزائر، منذ ظهورها، للمطاردة المستمرة، وعمليات القمع المتتالية، والاضطهاد لزعمائها والأعضاء العاملين فيها - على نحو ما سبق عرضه في التنطيمين الرئيسيين (حزب الشعب الجزائري) و (أصدقاء البيان الجزائري). ومن المعروف أن البدايات المبكرة للتنظيم السري قد بدأت منذ حل حزب (نجم شمال أفريقيا) غير أن ذلك التنظيم السري فقد قوته تدريجيا. وعلى هذا فإنه بالإمكان القول أن تاريخ النظام السري السياسي في الجزائر يرتبط ارتباطا وثيقا بتنظيم حزب الشعب الجزائري في سنة ١٩٣٧. فعندما تم حل هذا الحزب، كان للتنظيم السري دوره الكبير في إعادة تنظيم (حركة انتصار الحريات الديمقراطية). حيث عمل هذا التنظيم على الاستمرار في حمل مبادىء الحزب، والتأكيد على صموده بالرغم من قرار الحل الرسمي. وعندما أعيد تنظيم حزب الشعب تحت عنوان الواجهة الجديدة (حركة انتصار الحريات الديمقراطية). قسم العمل فيه على مستويين:
стр. 1548
مستوى العمل العلني - الرسمي - ومستوى العمل السري وكان المستوى الأول يضم الأشخاص الذين يعملون بصفة علنية ورسمية (في إطار قانون عمل الأحزاب) وهم المسؤولون عن حركة الحزب. أما المستوى الثاني، فهو الذي يعمل بموجب نظام سري ويضم عناصر حزب الشعب المنحل التي جعلت الثورة وسيلتها الوحيدة للتحرير. وكان التنظيم السري ينطلق متشعبا (كالشجرة) بدءا من الخلية التي تضم بضعة أفراد فقط، ثم مجموعة الخلايا المرتبطة بقيادة ترتبط بدورها (بالدائرة). وكان لكل دائرة مفتشها المسؤول عنها والذي يرتبط بدوره بالقيادة المركزية للمنطقة. وكانت القيادات المركزية للمناطق تتصل (بالقيادة العامة) المسؤولة عن كامل التنظيم في جميع أنحاء البلاد. وقد حقق التنظيم نجاحا رائعا في نشر شبكة خلاياه إلى كل قرية وكل موطن من مواطن القبائل القاصية والتي يطلق عليها اسم (الدوار) علاوة على تلك الخلايا السرية الكثيرة في المدن.
...
كانت قيادة التنظيم السري تعتمد في نجاحها - وبالدرجة الأولى - على نوعية عناصرها وفضائلهم. فكان يتم اختيار الشاب لضمه إلى هذه الخلايا من بين خيرة الشبان خلقا وأدبا، وأكثرهم التزاما وتمسكا بدينه الإسلامي، وأوفرهم حماسة ونشاطا، ولم يكن يسمح بضم العناصر التي تدين بالمبادىء الفوضوية أو تعتنق المذاهب الإلحادية. كما لم يكن بالمستطاع ضم أي عنصر إلى خلية من الخلايا، إلا بعد أن يقوم قلم المخابرات
стр. 1549
الخاص بهذه الخلية بالتحري عن ماضيه وأعماله، وعما إذا كان له اتصال بالسلطات الاستعمارية. فإذا وجد فيه الشاب المؤمن الوطني، ضم إلى الخلية بسريه تامة، بحيث لا يعرف أحد من أهله أو إخوانه ورفاقه أو حتى أخلص الناس إليه بانضمامه إلى تنظيم الجهاز السري. ويطلق على الشاب، بعد انضمامه إلى الخلية لقب (المجاهد). وكثيرا ما يدهش بعض المجاهدين حين يجتمعون لأول مرة في الخلايا، بإخوانهم، فيجد الواحد منهم شقيقا أو صديقا أو قريبا قد سبقه إلى التنظيم، دون أدنى علم منه. وتضم الخلية - عادة - أحد عشر مجاهدا بينهم رئيس الخلية، ويتم اختيار المجاهدين في الخلية الواحدة، وفي معظم الأحيان، من أبناء حي واحد، حتى لا يثير اجتماعهم أدنى شك أو شبهة. ولا يعرف المجاهد غير أفراد خليته، سواء في دائرته أو في القطر كله. ولذلك لم يكن من الغريب رؤية شقيقين أو صديقين منظمين في الجهاز السري، ولا يعرف الواحد منهما عن الآخر شيئا، لوجود كل واحد منهما في خلية منفردة.
يجتمع رئيس الخلية مع بعض رؤساء الخلايا الأخرى حيث يشكل هؤلاء (المجموع) ولهذا المجموع رئيس يجتمع بدوره مع رؤساء المجموعات الأخرى التي يضمها الدوار - القرية - أو الناحية أو المدينة. فيشكلون القيادة المحلية للدائرة. ويجتمع بالقيادة المحلية ورئيسها مفتش عن القيادة المركزية للمنطقة أو الولاية (العمالة). ويكون المفتش في أغلب الأحيان غريبا عن المنطقة، لأنه يكون عنصر
стр. 1550
الاتصال من القيادة المركزية في المنطقة وبقية دوائرها. وتتلقى قيادة المنطقة المركزية تعليماتها من القيادة العامة بواسطة ضباط اتصال سريين، وتصدر القيادة المركزية بدورها التعليمات بعد دراستها جيدا، إلى الدوائر التابعة لها. وهناك تدرس هذه التعليمات والأوامر، لتنقذ قدر المستطاع. والجدير بالذكر أنه من المحال التعرف على الاسم الحقيقي للمفتش، أو ضابط الاتصال، أو أن تعثر على تذكرة هويتهم الصحيحة، فهم مجهولون حتى من كبار زملائهم المفتشين والقادة، ولا يعرف بهم إلا الرئيس المختص بنشاطهم. وإذا حدث أن افتضح التنظيم السري في مدينة من المدن، فسرعان ما ينقل المفتش من الولاية (العمالة) كلها. ويبدل بآخر لإعادة تنظيم الجهاز مرة أخرى. ومن المؤكد أن جهاز التنظيم السري لم يكشف قط منذ إنشائه. وسرعان ما كان يتم نقل المجاهدين الذين تحوم حولهم شبهات الشرطة الإفرنسية، من تنظيم الأجهزة السرية إلى تنظيم الحزب العلني، حيث تنتظرهم الأعمال غير السرية، ويقطعون كل صلة لهم بالتنظيم السري ومجاهديه.
وتتلخص مهمة (التنظيم السري)؛ بضم أكبر عدد ممكن من الشبان المسلمين إلى أجهزته. وبث روح الجهاد والثورة والفداء في نفوسهم، وتدريبهم على أساليب الدعاية السرية المنظمة. بحيث يمهدون السبيل في أوساط الشعب لقبول الثورة واحتضانها وحمايتها. وقد كان لهذا التنظيم اليد الطولى في إنجاح ثورة التحرير الكبرى (١٩٥٤)، وتعريف جماهير الشعب بمضمون الثورة وأهدافها القريبة والبعيدة. أما الوسائل التي كان
стр. 1551
يستخدمها التنظيم السري السياسي لبث الدعاية، ودفع الشعب إلى التكتل حول الحركة الوطنية، وإعداده للمعركة الحاسمة، فهي: البيانات - المنشورات - السرية، ولصق الإعلانات والقيام بطرح الشعارات الجماهيرية في مناطق تجمعات الشعب، وإصدار كتيبات عن أعمال الاستعمار الوحشية. وكثيرا ما كانت هذه الكتيبات تتضمن لمحة عن تاريخ الجزائر المستقلة - قبل الاستعمار الإفرنسي - وذلك بهدف ربط الجهاد بالأصالة الثورية للجزائر. وكان التنظيم السري يحرص كل الحرص على فضح جميع المؤامرات الاستعمارية التي كانت تحاك ضد الشعب الجزائري. كما كان ينظم التظاهرات والإضرابات الاجتماعية. فهو الساهر على مصلحة الشعب الجزائري، وهو طلائع التضحية والجهاد.
لقد شعرت الإدارة الإفرنسية في الجزائر - والمستوطنون الإفرنسيون - بأرض الجزائر وهي تميد من تحت أقدامهم. غير أنهم لم يتمكنوا من إمساك الخيوط المحركة لهياج الجماهير، فكانت مذبحة ٨ أيار - مايو - وسيلة للقضاء على (المجهول). ولم تكن أعمال إبادة الأطفال والشبان في سطيف وقالمة وسواهما سوى محاولة لإجهاض ثورة المستقل، غير أن هذه المحاولة، على قسوتها، وعلى وحشيتها، لم تزيد النار إلا ضراما. إذ أنها قدمت للتنظيم السري الشواهد الثابتة على صحة المنطلقات النظرية التي كان يطرحها على الجماهير.
(أ) (الشرف العسكري) أو (التنظيم الخاص):
تأكدت القيادة العليا للتنظيم السري السياسي، بعد
стр. 1552
أحداث (مذبحة أيار - مايو) أنه من المحال تحقيق أهداف الشعب الجزائري وتطلعاته بوسائل الصراع السلمي. فقررت تكوين جهاز عسكري أطلقت عليه اسم (الشرف العسكري) وترجمته الإدارة الإفرنسية بعد ذلك باسم (التنظيم الخاص) (*) وحددت واجبه (بالعمل لانتزاع الاستقلال بالقوة، الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الاستعمار) وبذلت الجهود لإعداد جهاز هذا التنظيم حتى يعمل بدقة متناهية، مع مراعاة كل شروط الحيطة والكتمان. وكان يتم اختيار المجاهد للدخول في تنظيم (الشرف العسكري) من بين مجاهدي التنظيم السري السياسي، وممن أتموا السنة الثانية في هذا التنظيم وأثبتوا كفاءتهم العالية، وبقي سجلهم بظيفا ومشرقا، وكان يفضل منهم الأعزب الذي تجاوز في عمره العشرين سنة، بجيث يكون قد اكتمل في قوته الجسدية، وتوافر له الوعي الجيد لما سيضطلع به من أعباء وواجبات. ويقسم على حفظ السر - وهو الشرط الأساسي لقبول المجاهد في هذا التنظيم - وتجدر الإشارة إلى أن مجاهدي (التنظيم السري السياسي) لم يكونوا يعرفون بوجود (تنظيم الشرف العسكري). وكانت الخلية التي ينقل منها المجاهد المثالي إلى (الشرف العسكري) تعتقد أنه قد أخرج من التنظيم السري إلى مجال العمل السياسي أو العلني، أو أنه قد نقل إلى خلية أخرى، وعلى كل حال، فإنها لا تسأل عن سبب تغيبه، ولا يحق لأحد من أفرادها مناقشة المجاهد عن سبب اختفائه.
...
стр. 1553
هكذا، تدعم العمل السري، وظنت الحكومة الإفرنسية أنه من الحنكة أن تسمح بعودة (حزب الشعب الجزائري) إلى العمل العلني (تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٤٦) حتى تجهض النشاط السري الذي لم تتمكن من متابعته، وحتى تجابه به (الاتحاد الديمقراطي لأصدقاء البيان الجزائري) من جهة ثانية. ولا ريب أنها كانت تجهل بأنه في اللحظة التي عاد فيها حزب الشعب الجزائري للعمل العلني (تحت اسم حركة انتصار الحريات والديمقراطية). كانت هناك مجموعة من المجاهدين قد مضت قدما، ودون أي تفكير بالتراجع، للعمل في تنظيم المقاومة الأولى السرية. وغني عن البيان أن كثيرا من الجنود الجزائريين، بعد أن ساهموا بشجاعة في معارك إيطاليا وفرنسا وألمانيا، عادوا في صيف عام ١٩٤٥ إلى الجزائر، فلم يجدوا في وطنهم إلا الحداد والخراب في حين كان أبناء المستوطنين ينعمون بخيرات الجزائر ويعملون على اضطهاد شعبها (*) وبينما كانوا يقاتلون لتحرير فرنسا، ويؤمنون انتصار الحلفاء، كانت فرنسا تسلم أسرهم إلى فظائع جنودها وبعض المستوطنين. لهذا انصرف عدد كبير من هؤلاء الجنود إلى صفوف الثوار - ومن الأمثلة على ذلك الرقيب عمران - ترى أين كان باستطاعة هؤلاء الجنود أن يتوجهوا، حيال مثل هذه النكبات الهائلة،
стр. 1554
والمظالم الشاملة، اللهم سوى نحو أولئك الذين يهيؤون لمعركة الحرية الكبرى؟
وهكذا، أخذت تبرز في صفوف الشعب إرادة هائلة نحو التحرير، وأخذ الشعب الجزائري يؤكد بجميع الوسائل تصميمه على تحقيق حياة وطنية صحيحة. وقد تأثر عدد من موظفي أجهزة الإدارة الإفرنسية بالحركة، وانضموا إليها. ويمكن - على سبيل المثال - التعرض لقصة , (محمد بن ازداد) الموظف الشاب لدى حكومة الجزائر، والذي تخلى عن وظيفته لدى الحكومة العامة، ليقف نفسه على خدمة الحزب. فكان عقائديا ومنظما من الدرجة الأولى، بقدر ما كان مثاليا في تواضعه وإنكاره لذاته. وقد أدى شظف الحياة السرية وصعوباتها إلى تدمير صحته، فأرسل إلى فرنسا تحت اسم مستعار للاستشفاء، غير أنه مات في أحد المصحات هناك سنة ١٩٤٩. ومهما يكن من أمر، فإنه في الوقت الذي كانت فيه الحركة من أجل انتصار الحريات والديمقراطية تقوم بعمل علني مشروع، كانت تنشىء وتطور منظمة (الشرف العسكري - أو - التنظيم الخاص) لتكون جهازا عسكريا يمارس عمله بسرية مطلقة. ويضطلع بواجبه في إعداد الحركة الثورية. وأخذت النفسية الثورية تصبح عملا مشخصا، فقد ولد الرجال الجدد في فترة ما بين الحربين العالميتين، وتكونت معهم مفاهيمهم الخاصة ببطلان التصريحات في الساحات العامة، وبطلان الاتجاهات السياسية المتناقضة، وما يرافقها من أساليب غوغائية ديماغوجية تعبر عن العقلية الحزبية الضيقة والمحدودة. وكفر هؤلاء بكل الأساليب الشرعية التي
стр. 1555
يحدد الاستعمار ذاته شرعيتها وقانونيتها. فالعمل الثوري وحده هو الذي يمكنه وضع حد حاسم للسيطرة والاستغلال المديدين.
بدأت منظمة (الشرف العسكري) إلى العمل الميداني المباشر معتمدة على الأصالة الثورية لشعب الجزائر، غير أن هذه الأصالة، والتي عبرت عنها الجزائر بثوراتها المتتالية طوال عهد الاستعمار، كانت تفتقر إلى التنظيم الصحيح. وكان لا بد من استلهام خبرات الحروب الثورية في العالم من حيث التنظيم (وأبرزها حرب الهند الصينية). وأخذ المجاهدون شبانا وشيوخا يلتحقون بالجبال - بسرية تامة - حيث يتدربون على السلاح، ومن الأمثلة على ذلك قيام شاب جزائري بتنظيم أول مركز حربي مجهز بمحطة لاسلكية للإرسال والاستقبال. وكان النظام صارما، والتدريب حسب منهاج منطم، وكان كل شيء يعد لحرب عصابات طويلة الأمد. وكانت هناك ثلاث قطاعات تتقاسم نشاط التجنيد وهي (قطاع الارتباط وقطاع الإمداد وقطاع المغاوير الفدائيين). وكانت إجراءات الأمن تسدل حجبا كثيفة بين مختلف الفرق. وكان تسيير المجاهدين محددا بأفضل العناصر وأكثرها تجربة. وكانت مدة التعبئة غير محدودة.
وانطلاقا من هذا التنظيم الذي بدأ منذ مؤتمر شباط - فبراير - ١٩٤٧. أخذ الحزب يجابه السلطات الإفرنسية على جبهتين، جبهة الشرعية، وجبهة العمل السري. فمن الوجهة الشرعية كان (لحركة انتصار الحريات والديمقراطية) خمسة نواب في المجلس النيابي الإفرنسي - البرلمان - وكان يمسك بعدة
стр. 1556
بلديات، منها بلديات الجزائر ووهران وقسنطينة وعنابة (بونة) وسكيكدة (فيليب فيل) وبليدة وتلمسان. وكان النشاط العلني للحركة يتركز على قضية استقلال الجزائر والمطالبة بإطلاق سراح زعيم الحزب (مصالي الحاج) والتنسيق مع الجامعة العربية. وكانت الإدارة الإفرنسية تجابه هذا النشاط العلني بأسلحتها التقليدية، مثل تزوير الانتخابات والملاحقات القضائية القانونية - وإصدار الأحكام الجائرة التعسفية، وفرض الغرامات، وزرع بذور التفرقة بين التكتلات والأحزاب وضرب بعضها ببعض، وتمويل الأجهزة للتفريق بين المسلمين من عرب وبربر بإثارة القضية القومية، وتطوير الحرب ضد العروبة واللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وكان الحزب في تنظيمه ويقظته يقوم بهجمات مضادة، ويتغلب على كل العقبات.
أما في مجال العمل السري، فقد كانت المعركة عنيفة مظلمة، كانت مبارزة حتى الموت بين الوطنيين والشرطة الاستعمارية. وكانت كل الوسائل صالحة عند قوى الأمن. فبحجة مطاردة اللصوص، كان رجال الشرطة يتسللون إلى كل مكان، ويقتحمون المنازل وينتهكون حرماتها ويحاصرونها. ويخربون القرى، وينفذون أبشع أعمال العنف ضد الأهلين. وعندما كانوا يعتقلون الوطنيين - ويعثرون على ضالتهم - يخضعونهم لأقسى أنواع التعذيب. ولما كان نشاط العمل السري يتطلب تمويلا ضخما يزيد على قدرات الحزب وإمكاناته، فقد قام عدد من مجاهدي المنظمة السرية (الشرف العسكري) بمهاجمة دائرة البريد في وهران، واستولوا على مليون دولار تقريبا.
стр. 1557
وضمنت المنظمة بذلك الأموال اللازمة لدعم حركاتها المقبلة، وأمكن لها تطوير التدريب العسكري وتحسينه يوما بعد يوم. وهكذا قضت المنظمة السنوات التي انصرمت بين عام ١٩٤٧ وعام ١٩٥٠ في جمع الأسلحة وتدريب المتطوعين، ووضع الخطط للاستيلاء على الجزائر. وعلى الرغم من أن قادة المنظمة الشبان من أمثال (آية أحمد) و (أحمد بن بيللا) و (محمد العربي بن مهيدي) و (محمد بوضياف) و (عبان) و (الأخضر بن طوبال) و (عبد الحفيظ بوصوف) وسواهم. قد نالوا رضى (مصالي الحاج) منذ البداية، إلا أنهم لم يفلحوا في إقناع زعيم الحركة بأن اللحظة غدت مؤاتية للبدء بالهجوم، وإشعال نار الثورة.
كانت (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) تتعرض تلك الفترة لأزمة حادة، فقد تعرضت تنظيماتها السرية لأعمال عنف بالغة الشدة من جانب السلطة الإفرنسية، في (هوسون فير) في عام ١٩٤٨. وفي (سيدي علي أبو ناب) في عام ١٩٤٩ وفي غيرهما من الأماكن في جبال الأوراس وقسنطينة. وأدت هذه الإجراءات التي تناولت عددا من مجاهدي الحزب المحليين، إلى إعادة تنظيم القيادات المحلية بصورة مستمرة. وغدت سياسة الحركة الانتخابية هي محور الخلاف الداخلي. فقد رشحت الحركة عددا من رجالها للانتخابات في حين كانت تطور نشاطها السري. واعتبر بعض المجاهدين الشبان أن اشتراك الحركة في المجالس الإفرنسية التشريعية هو خيانة، بينما رأى مناضلون آخرون في هذا الاشتراك الطريقة الوحيدة للحصول على مكاسب قصيرة الأمد، ولتغطية النشاط السري. وعلى كل حال، فقد لاحظ قادة التنظيم السري بأن التأخير في انطلاقة الثورة، وعدم
стр. 1558
الانتقال إلى العمل، من شأنه التأثير على الروح المعنوية لأفراد التنظيم، وسيضعف من قدرة التنظيم، ويعرضه لضربات الإدارة الاستعمارية. وهكذا وبينما كان التنظيم السري (الشرف العسكري) يستعد للانطلاق بالثورة، وقع حادث في قسنطينة سنة ١٩٥٠ أدى إلى كشف هذا التنظيم، وتمكن رجال الشرطة الإفرنسية من وضع قبضتهم على شبكة التنظيم. فاعتقلوا المئات من الأعضاء. غير أن الإدارة الإفرنسية لم تكتشف شبكة التنظيم في منطقة (القبيلة) فبقي هذا التنظيم سليما حتى جاءت الثورة (١٩٥٤). واجتمعت اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديموقراطية بعد هذا الحادث، وقررت حل المنظمة الخاصة مؤقتا، لأنها رأت أنه ليس من المجدي الاحتفاط بجيش قائم في فترة انتظار طويلة. وأضافت أنها ترى أن الحاجة تدعو فقط إلى تدريب هيئة قيادة وبعض الخبراء الفنيين، قبل بضعة أشهر من بدء الحركة الفعلية. وأدى حل المنظمة إلى نوع من شعور الجفاء بين (مصالي الحاج) و (مجموعة الشبان) قادة التنظيم السري الذي جهدوا كثيرا في إنشاء هذا الجيش. وقد برهنت تنظيمات الجيش السري وأسلحته، على أنها ذات فائدة لا تقدر بثمن، وذلك عندما تفجرت الثورة الكبرى سنة ١٩٥٤.
(ب) اللجنة الثورية للوحدة والعمل:
أدى اكتشاف منظمة (الشرف العسكري) في قسنطنية، إلى قيام الإدارة الإفرنسية بهجمة إرهابية شرسة، تمت خلالها مطاردة زعماء التنظيم واعتقال بعضهم، وهكذا اختفى من على المسرح (بن بللا) و (عبان) و (بوضياف) و (بن طوبال) و (بوصوف)
стр. 1559
التنظيمات الحزبية والتكتلات السياسية التي
عرفتها الجزائر خلال مرحلة التحرك القومي
١٩١٤ - ١٩٥٤
نجم شمال أفريقيا (مصالي الحاج) ١٩٢٥ >> حزب الشعب الجزائري (مصالي الحاج) ١٩٣٧ >>حركة انتصار الحريات الديمقراطية (مصالي الحاج) > (المصاليون فريق القيادة الفردية) > فريق المركزية أو القيادة الجماعية الأحول وبن خدة ١٩٥٤ >> التنطيم السري ١٩٤٧ >> اللجنة الثورية للوحدة والعمل ١٩٥٠
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (ابن باديس) ١٩٣١
الحزب الشيوعي ١٩٢٤
الاتحاد الديمقراطي لأصدقاء البيان (عباس فرحات) ١٩٤٣
كتلة المسلمين الجزائريين المنتخبين
جيش التحرير وجبهة التحرير ١٩٥٤
стр. 1560
الدائرة
المجموع .......... المجموع .......... المجموع
خلية ..... خلية ..... خلية ..... خلية ..... خلية ..... خلية ..... خلية ..... خلية ..... خلية
١ - تشعب الخلايا السرية في دائرة من الدوائر
القيادة المركزية للمنطقة
مفتش ..... مفتش ..... مفتش
دائرة ..... دائرة ..... دائرة
٢ - كريقة اتصال الدوائر بالقيادة المركزية
لإحدى المناطق
القيادة العامة
القيادة المركزية للمنطقة ..... القيادة المركزية للمنطقة ..... القيادة المركزية للمنطقة
٣ - اتصال القيادة المركزية للمنطقة بالقيادة العامة
стр. 1561
وغيرهم من القائمة الطويلة. وبقي (محمد خيضر) حرا بفضل حصانته النيابية، ثم التحق بالقاهرة في نهاية ولايته النيابية - بعد الانتخابات التشريعية. وأدى اكتشاف المنظمة الخاصة وتدميرها إلى تأخير موعد قيام الثورة. ولكن الحركة ستجد فيما بعد الوقت الكافي لالتقاط أنفاسها، وإعادة تجميع قواها، والانتقال إلى العمل.
كانت (حركة انتصار الحريات والديموقراطية) خلال ذلك غارقة في مناقشاتها، منصرفة إلى صراعاتها العقيمة. ووراء تلك المناقشات والصراعات كان الخزان العظيم للشعب الجزائري يتعرض لمجاعة حقيقية، وكان الهدوء الظاهر المخيم على خزان الشعب كافيا لإخفاء ما كان يتفاعل في النفوس من الغضب الناجم عن ذلك الفارق الكبير بين العيش الغارق في الترف للمستوطنين الأجانب، وبين عيش البؤس والفقر المدقع مما كان يعيشه أبناء البلاد. وجاءت الهزة الأرضية في الأصنام (أورليا نزفيل) في صيف ١٩٥٤، لتسجل للإدارة الإفرنسية أسوأ مظاهر التمييز العنصري في معاملة ضحايا الزلزال. وغدا الشعب الجزائري، من فلاحيه إلى أصحاب المهن من أبنائه، على استعداد للقيام بأي شيء للتخلص من هذا الوقع الغريب. وكان زعماء الجزائر - الشبان - يراقبون بدقة تطورات الأوضاع في الأفق الدولي. وأخذ الشعب يسمع ويتابع أخبار الشعوب الجديدة التي حصلت حديثا على استقلالها بجهودها وتضحياتها مؤكدة بذلك حقيقة أنه باستطاعة الشعوب الضعيفة مقارعة
стр. 1562
الشعوب الاستعمارية القوية والانتصار عليها، بالرغم من كل تفوق في موازين القوى. وجاءت أحداث تونس في عام ١٩٥٤ لتبرهن من جديد، أن القوة، حتى ولو مارستها بضع مئات من محاربي الجبال، قد تؤدي إلى نتائح عظيمة. وإلى الغرب - في مراكش - واصل المغاربة استعمال الإرهاب لإظهار غضبهم على الطغيان الإفرنسي، وعلى نفي سلطانهم من البلاد. وظهر أن الوطن الإسلامي - العربي كله يتأجج بنار الثورة. وهكذا لم يعد توجيه هذه التيارات الجزائرية العميقة من الغضب باتجاه الثورة في حاجة إلى أي شيء آخر غير القادة والأسلحة.
وصل التمزق في (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) منتهاه وغايته مع بداية عام ١٩٥٤، وتمركز الصراع بين مركزي القوى الرئيسيين - على نحو ما سبق عرضه - مركز (مصالي الحاج) وأنصاره، ومركز (اللجنة المركزية) بقيادة بن يوسف بن خدة وعبد الرحمن كيوان وحسين الأحول، وأنصارهم. غير أن اتجاها ثالثا نشأ بين هذين المركزين المتصارعين على متسوى القمة، وكان هذا الاتجاه الثالث هو الأكثر التصاقا بقواعد الحزب والأشد تلاحما معها. وقد ضم هذا الاتجاه العنامر القيادية من المنظمة السياسية، ومن المنظمة الخاصة (الشرف العسكري) وكان لهذا الاتجاه رأيه الخاص تجاه الأزمة التي كانت تهز القومية الجزائرية. وقد عبر هذا الاتجاه عن رأيه بما يلي:
أولا: إن الأزمة باعتبارها أزمة على مستوى القيادة، تضع على بساط البحث مسؤولية جميع القادة بما في ذلك (مصالي الحاج)
стр. 1563
ثانيا: يجب البحث في وسائل المحافظة على وحدة الحزب، من خلال طرح أسباب الصراع على القاعدة وأعضائها، وتوضيح الموقف الذي بات مشوشا وغامضا إثر حملات السباب وتبادل الإدانات والاتهامات. ومن هنا فقد أصبح لزاما على فروع الحزب الانفصال عن القيادتين المتصارعتين وإجراء مداولات نزيهة وموضوعية توفر الضمانات الديموقراطية لجميع الأعضاء دون تمييز في الاتجاهات. وقد رفض هذا الاتجاه الأخذ بقرارات المجالس التي عقدها كل من أنصار اللجنة المركزية وأنصار مصالي الحاج.
ثالثا، إن أفضل طريقة لتسوية الخلاف، على المستوى السياسي، تكمن في استعادة المبادأة في الكفاح ضد الإمبريالية، لأن استعادة المبادأة تعني تصلب الكفاح، والانتقال إلى العمل المباشر مع أخذ ظروف شمال أفريقيا بعين الاعتبار.
استطاع هذا الاتجاه أن يجمع حوله غالبية المجاهدين القوميين في الجزائر، الذين لم يكن باستطاعتهم وقد تخرجوا من المدرسة الثورية، إلا أن يدعموا بكل قواهم (نظرية تجمع الحرص على المحافظة على وحدة الحزب، والرغبة في دفع القضية الوطنية على طريق الصراع المصيري الحاسم) في وقت كانت فيه الحاجة ملحة إلى وضع القضية الجزائرية على ذات المستوى الذي بلغته القضيتان المغربية والتونسية. ولقد ظهر لأصحاب هذه النظرية، أن الأزمة، قبل أن تكون أزمة قيادة وأشخاص،
стр. 1564
هي أزمة جيلين: جيل صنع طويلا الأداة الثورية في ظل نظريه قومية. وجيل كان يريد الانتقال فورا إلى العمل المباشر. ونادرا ما اجتمعت النظرية والعمل لدى رجل واحد.
...
أعلن على أثر ذلك تنظيم (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) تعبيرا عن هذا الاتجاه الثالث. وتشكلت لجنة تضم إثني وعشرين عضوا فرضته سلطاتها إلى (محمد بوضياف) لتعيين القيادة. وعمل بوضياف على تشكيل لجنة من تسعة أعضاء، أوكل إليهم قضية (الانطلاق بالتنظيم نحو الثورة). وانتقل بعض هؤلاء للعمل في مناطقهم بينما توجه آخرون إلى خارج الجزائر لتأمين متطلبات الثورة. واتصلت (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) ضمن نطاق اتصالاتها بحزب الدستور الجديد في تونس، وبحزب الاستقلال في المغرب لتنسيق عمل الثورة على مستوى المغرب العربي - الإسلامي، ولدعم الصراع المشترك ضد الاستعمار الإفرنسي. وفي القاهرة، قام مكتب , (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) بجمع نشاط المنظمات الافريقية، وضمن دعم رؤساء البلاد العربية. وهكذا كانت (قيادة اللجة الثورية للوحدة والعمل) في صيف ١٩٥٤، على رأس العمل. وكانت المنظمة السرية شبه العسكرية بأسرها جاهزة بانتظار ساعة الصفر. وكان من الضروري الاسراع بالعمل، فلدى العدو وسائله القوية، التي يتهدد بها الجهاز الثوري والذي لم يتشكل إلا بعد جهد كبير وصبر طويل.
стр. 1565
قام في موقع (سوق باب عزون القديم، حيث كان جنود الحملة الافرنسية يبيعون في نيسان - ابريل - عام ١٨٣٢. أساور الحرائر الجزائريات التي كانت ما تزال معلقة بالمعاصم المقطوعة. قام في هذا الموقع حي غني هو حي المصارف، حيث تجد أبنية الشركة الجزائرية والبنك العقاري وبنك الجزائر، والشركة العمومية الخ ... وفي الحي ذاته، بين شارع الحرية، وشارع كارنو، يرتفع بخيلاء قصر المفوضيات المالية الذي تحول عام ١٩٤٨ - إلى (مقر الجمعية الجزائرية). فهنا، وخلال أجيال تحت ظل شعارات الثورة الإفرنسية (حرية، مساواة، إخاء) تكون بعض كبار الملاكين الزراعيين، ثم ظلوا أسياد المال والميزانية. ومارسوا سيادتهم على البلاد بأسرها، فصنعوا وأقالوا حكومات، ونقلوا موظفين كبارا، ووزعوا المكافآت، وعينوا وراقبوا ملاكات الموظفين الوطنيين - الكادرات - ونظموا اقتصاد الجزائر لمصلحتهم. وسخروا شعبا بكامله لخدمتهم بعد أن أخضعوه بالقوة، وأسلموه إلى القوانين العنصرية، وجمعوا ثروات فاضحة، بل أنهم عطلوا القوانين الإفرنسية، عندما كانت مثل هذه القوانين لا تستجيب تماما لمصالحهم.
هناك، في هذا الحي نفسه، وفي منتصف حزيران - يونيو - من عام ١٩٥٤، اجتمع ستة جزائريين، ستة وطنيين، من أصل متواضع مغمور ينتسبون إلى جمهور الشعب الكبير، اجتمعوا في جلسات عمل، وعقدوا في منزل عامل متواضع جلسات متعددة. كانوا يؤدون مهمة تنفيذ قرار صادر عن (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) لإقامة جهاز مقدر له أن
стр. 1566
يدمر بالسلاح النظام الاستعماري ويحرر البلاد. لقد انتهت بالنسبة لمنظمتهم هذه عهود الدعاية الدعوية العلنية فغدت الثورة الوطنية الحل الوحيد ضد نظام وصلت به صفاقته إلى حد كان يخرق معه القوانين التي يضعها هو بنفسه. ولم يكن يتوافر لهؤلاء الجزائريين وسائل ضخمة، فكل ما كان بحوزتهم بعض الأسلحة الرشاشة وبنادق الصيد، وبعض الالوف من الفرنكات. ولكن كان لديهم الشيء الكثير من الجرأة والايمان والوطنية. أما هؤلاء الرجال فكانوا: مصطفى بن بولعيد القادم من الأوراس ومحمد العربي بن مهيدي من عين مليلا، ورابح بيطاط من عين كرمة في مقاطعة قسنطينة، ومحمد بوضياف سليل أسرة كبيرة في مسيلا وموظف مالي سابق في برج بوعريرج، وديدوش مراد من ضواحي الجزائر العاصمة وكريم بلقاسم الذي هبط من جبال القبائل الكبرى. وكانوا على ارتباط بثلاثة من الوطنيين الآخرين الذين كانوا في القاهرة لمهمات أخرى وهم حسين آية أحمد - ابن أحد الأشراف في منطقة القبائل. وأحمد بن بللا من مغنية على الحدود المغربية ومحمد خيضر - نائب سابق.
تابع أعضاء القيادة الستة اجتماعاتهم في مدينة الجزائر بصورة دورية. فعملوا على تعيين القادة المسؤولين عن المناطق والنواحي، ثم وزعت بعض الأسلحة الرشاشة. مع تأمين التموين للمجاهدين، ضمن الامكانات المتوافرة، وتبعا لما كان يتطلبه نشاط الأنصار. وكان كل واحد من القادة الستة يزور المنطقة الخاصة به بين فترة وأخرى لتفقد الاستعدادات
стр. 1567
القتالية، وتعيين مواقع المجاهدين. وكان مصطفى بن بولعيد مسؤولا عن المنطقة الأولى (منطقة الأوراس) في حين كان ديدوش مراد مسؤولا عن المنطقة الثانية (منطقة قسنطينة). وكان كريم بلقاسم مسؤولا عن المنطقة الثالثة (منطقة القبائل) أما محمد العربي ابن مهيدي فكان مسؤولا عن منطقة وهران. وتكفل رابح بيطاط بمسؤولية العمل في العاصمة الجزائر. ورأى قادة (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) أنه من الضرورة بعد تنظيم المربعات العسكرية، إنشاء تشكيل سياسي جديد تتوافر له القدرة عل تعبئة جماهير الشعب حول اللجنة. فتم الاتفاق على تشكيل
(جبهة التحربر الوطني الجزائرية) التي انضم إليها أشهر المجاهدين، وانصهرت فيها المنظمات الوطنية القديمة، وكان يبدو لهم أن اتحاد القوى الفعالة في الشعب الجزائري هو الضمانة الأولى لانتصار الثورة. ولهذا تم تأخير الاعلان عن تشكيل الجبهة حتى صبيحة يوم انفجار الثورة.
لقد أوكلت إلى السيد (محمد بوضياف) مهمة تنظيم جبهة التحرير السياسي والاداري، والتنسيق بين المناطق. وكان بوضياف قد قام بدور أساسي وحاسم في تشكيل (المنظمة الخاصة - الشرف العسكري).
لم يكن العمل سهلا، فالمخاطرة كبيرة، والعقبات ضخمة والمسؤوليات الثقيلة مرهقة. ولم تكن تصفية احتلال استعماري وحشي امتد قرنا وربع القرن لتتم في يوم وليلة - فمنذ عام ١٨٣٠، كان للنظام الاستعماري القائم على الاستيطان
стр. 1568
الافرنسي الهائل، الوقت الكافي ليمد جذوره، وليضمن عملاء له بين شعب مغلوب على أمره. أما الاوروبيون، فكان من المؤكد أنهم سيدافعون عن النظام الاستعماري الذي يضمن لهم السيطرة والامتيازات. وفي فرنسا لن تكون البورجوازية عاجزة عن تعبئة جميع قواها من أجل إعادة إحكام قبضتها على الجزائر، فلا مكان لدى الاستعماريين للعواطف عندما تصبح مصالحهم معرضة للخطر. ولكن حماسة الشباب، ومرارة شعب بأسره، كانتا في حالة يصبح معها كل شيء ممكنا، ولقد عرف التاريخ في كل زمان ومكان - إيمان المضطهدين وقد أمكن له الانتصار دائما على كل العقبات التي يصنعها الطغاة. ولهذا اتجهت قيادة (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) نحو المركزيين والمصاليين، لتحاشي كل سوء تفاهم، ولتبديد كل التباس أو غموض، ووجهت إليهم الأسئلة الثلاثة التالية:
أولا: هل تؤيدون العمل المباشر؟
ثانيا: في حال الايجاب ماذا تضعون تحت تصرفه؟
ثالثا: إذا بدأ هذا العمل دون مشاركتكم، فما هو موقفكم؟.
وقد رد أنصار (مصالي الحاج) بالرفض المطلق، فلم يكونوا يعترفون بأية منظمة وطنية خارج المنظمة التي يرأسها مصالي الحاج، وهو وحده الذي يمكن أن يصدر إليهم أمرا مجديا. أما المركزيون، فقد تحفظوا دون أن يبدوا الخصومة.
стр. 1569
وفيما يختص (بالحركة الديموقراطية للبيان الجزائري - فرحات عباس) فقد قبلت الاشتراك في العمل.
لم يبق بعد ذلك، إلا موعد تحديد إطلاق رصاصة الثورة الأولى، ومن أجل ذلك عقد قادة (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) اجتماعهم التاريخي في العاشر من تشرين الأول - اكتوبر - واتخذوا قرارهم الخطير، بالبدء بالثورة في يوم عيد جميع القديسين - أي في الساعة الواحدة من صباح اليوم الأول من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤. واجتمع في غضون ذلك زعماء لجنة الثورة الموجودون في الخارج - في مراكز الاصطياف في سويسرا - لتنظيم عمليات شراء الأسلحة، وحشد تأييد الوطنيين الآخرين. وانضم عدد من أنصار اللجنة المركزية إلى الحركة.
لقد أزفت اللحظة الحاسمة التي طال انتظارها، ولم يعد هناك مجال للتردد أو النكوص. فمضت القيادة التاريخية للعمل مخلفة وراءها المتمهلين والمترددين، لكنها لم تتخل عن أملها في امكانية توحيد كل الصفوف والقرى الوطنية من خلال العمل الثوري ذاته. ومضت الأيام التي سبقت الثورة في عمل متصل، وجهد مستمر، لقد صمم القادة التاريخيون على اطلاق رصاصتهم الأولى في مناخ يستثير المشاعر، ويلهب حماسة الجماهير. وأخذت الاستعدادات تصل إلى ذروة كمالها مع اقتراب موعد الانفجار. وفي الموعد، وقف القادة التاريخيون في وسط المعركة وهم يراقبون الحدث الذي صنعوه، ويتابعون تأثيره ونتائجه.
стр. 1570
(ج) القادة التاريخيون:
لقد مضى ربع قرن على انطلاقة الثورة، وبات بالامكان معرفة بعض أسرارها، والتعرف على بعض القادة التاريخيين الذين أطلقوا شرارتها. ولم يكن هذا الأمر ممكنا في ظروف الثورة. فقد حرص أولئك القادة على تجنب كل ما يكشف عن شخصياتهم، واعتصموا بقواعد الثورة، وحاولوا البقاء في الظل، ولم يشتركوا في أي مؤتمر عام - خارج القطر الجزائري إلا بعد انتهاء الثورة. ولقد أسهم في الثورة جميع الجزائريين الذين فازوا بممارسة بعض الأعمال الادارية أو القيادة، واكتسبوا بذلك خبرة كافية تؤهلهم لممارسة أعمالهم في ظلال الثورة وتحت رايتها، سواء كانت خبرة هؤلاء ناجمة عن عملهم في القطاع المدني - خلال الفترة الأخيرة التي سبقت الثورة - أو في الجيش الإفرنسي ذاته. وكان معظم جيل القادة من الذين ولدوا في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولهذا لم يروا في فرنسا إلا بلدا ممزقا في اتجاهاته منحلا في قيمه الأخلاقية، متحررا من الفضائل المثلى، وجاءت هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية (سنة ١٩٤٠) واشتراك الجزائريين في الحرب لتؤكد لهؤلاء سقوط هالة (الرجل الأبيض المتفوق).
وعلى الرغم من أن أبناء هذا الجيل قد تلقوا الثقافة الافرنسية، إلا أنهم لم يعرفوا شيئا عن التعاون مع فرنسا - بخلاف جيل مصالي الحاج وفرحات عباس وبن جلول وأضرابهم من كان مثلهم الأعلى في شبابهم توثيق التعاون مع فرنسا. وهنا
стр. 1571
يبرز فضل (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) التي مارست دورها خلال هذه الفترة في تكوين تيار إسلامي - عربي، وبناء قاعدة صلبة للثورة، لم تلبث أن أسهمت في ربط الدورة بأصالتها التاريخية، وبالتراث النضالي للبلاد. وبقي الشيء المهم في قيادة الثورة الجزائرية، وهو ليس الافتقار إلى الزعيم الفرد، بل وجود القيادة التي تمتد إلى مسافات عميقة داخل صفوف المجاهدين.
ولعل العزوف عن تنصيب قائد فرد في موقع القمة هو الذي يفسر إحباط المحاولات التي قام بها (مصالي الحاج) للسيطرة على الحركة الوطنية الجزائرية وهي الوسيلة التي كانت تكمن وراءها رغبة الزعماء الجزائريين في عدم السماح لفرد واحد لاتخاذ قرارات قد تكون مهلكة وقاتلة، عندما يتخذها هذا الفرد، متأثرا بحوافز وانفعالات شخصية، هذا بالاضافة إلى صعوبة التأكد من قدرة الفرد، أي فرد - على الاستمرار في مواجهة قتال العصابات ومصاعبها ومتطلباتها في حرب طويلة الأمد. ولا يعني هذا أن بعض القادة السياسيين (في قيادة جبهة التحرير الوطني) والقادة العسكريين في (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) والتي تحولت إلى (جيش التحرير الوطني) لم تستهوهم وتستميلهم فكرة الوصول إلى مرتبة القيادة الانفرادية المعترف بها. ولا ريب في أن عددا من العسكريين قد أرادوا ممارسة السلطة المطلقة على نطاق ضيق - استجابة لمتطلبات حرية العمل العسكري وظروف حرب العصابات -. ولا ريب في أن بعضهم قد تمكن من تحقيقها لنفسه في وقت معين وفي إطار
ظروف محددة وقاهرة. ولكن المقاومة التي أبداها الزعماء
стр. 1572
الآخرون، والاخلاص المطلق لقضية الجهاد والقضية الوطنية، قد وضعا حدا لكل انحراف نحو انتحال السلطة الفردية.
...
عند هذه النقطة يمكن الوقوف لحظة أمام أولئك الرواد التاريحيين الذين أشعلوا فتيل الثورة. وعند هذه النقطة أيضا، تنكس الرايات، لا رايات الجزائر المجاهدة فحسب، بل رايات الحرية في العالم إجلالا لأرواح تلك الطليعة التي ستبقى أسماء أبطالها نماذج للتضحية وإنكار الذات، والدفاع عن الإسلام والعروبة في جزائر المسلمين.
لقد مضى مصطفى بن بولعيد ومحمد العربي بن مهيدي وباجي مختار وبن عبد المالك رمضان وبشير شيهاني ومراد ديدوش وراشد ملا ويوسف زيروت وسودازي بوجمه، وسواهم كثير من جيل الرواد، وستبقى أسماؤهم الساحرة منارات تضيء سماء الجزائر وتشرق لها سماء الحرية. وإذا كانت الشهادة من نصيب هؤلاء، فقد كان الاستمرار في الجهاد من نصيب بقية القافلة الريادية. والتي ضمت على سبيل المثال، من سبق ذكرهم من أعضاء (اللجنة الثورية للوحدة والعمل).
...
١ - مصطفى بن بولعيد: هبط من جبال الاوراس وهو يحمل معه كل شمم الجبال وشموخها، وانصرف للعمل الدؤوب، يصل الليل بالنهار حتى أمكن له جمع ثروة مالية كافية لتأسيس شركة نقل (أريس - بطنا). وظن أن الحياة قد
стр. 1573
ابتسمت له بعد تجهم، وأنه بات يستطيع التمتع بالحياة بعد بؤس وشقاء. غير أن طبيعة عمله جعلته باحتكاك دائم مع مواطنيه، فكان من المحال عليه الانفصال عن آلام مواطنيه، أو الابتعاد عن معاناتهم. وجاء عيد المولد النبوي الشريف من سنة ١٩٥١ واستنارت منارات ما بقي من مساجد الإسلام في الجزائر احتفالا بهذه المناسة العظيمة. واجتمع في فناء (مسجد شممرا) الكبير أكثر من خمسمائة مجاهد، كان بينهم مصطفى ابن بولعيد، ورابح بيطاط والأخضر بن طوبال، ثم انقطع (مصطفى بن بولعيد) عن عمله، ولم يعد يراه أحد تقريبا. غير أن قدامى المجاهدين يذكرون أنه نظم اجتماعا كبيرا مماثلا، ضم المجاهدين من مختلف الطبقات، فيهم من عانى أشد أنواع البؤس والفقر وفيهم من عرف بعضا من الثراء واليسر، فيهم ابن المدينة، وفيهم ابن القرية الذي لم يعرف المدينة. واختار النخبة منهم، ووجههم للتدريب العسكري، فيما نظم البقية في خلايا سرايا كلفها بأعمال مختلفة. وكان (مصطفى بن بولعيد) خلال ذلك يتابع اتصالاته السرية، وينظم قواعد الثورة في الاوراس ويتابع تنسيق العمل مع اخوانه في (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) حتى إذا ما أزف موعد الثورة، ذهب مودعا لمسقط رأسه (أريس)، وودع فيها ذكريات عمره، ونظر إلى أولاده النظرة الأخيرة، وهجر شركه النقل التي طالما أودع فيها كل آماله، ومضى مخلفا وراءه منزله ومكاتب شركته وما تضمه الشركة من مركبات واليات، لم يلبث أن قدمها مع كل ثروته للثورة. ووقف (مصطفى بن بولعيد)، مع الثوار وهم يطلقون
стр. 1574
الرصاصات الأولى في خنشلة وسواها، ثم مضى بجمع الثوار والمجاهدين إلى القواعد المأمونة في الاوراس. وأخذ في بذل كل جهد مستطاع لتطوير الأعمال القتالية. غير أنه شعر بالحاجة للمؤن والأعتدة والأسلحة، فمضى للبحث عنها في مطلع سنة ١٩٥٥؛ إذ ذاك وقع في قبضة القوات الافرنسية عندما كان قريبا من الحدود الليبية. ولكنه تمكن من الفرار من سجنة بطريقة رائعة في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - وعاد إلى ولايته ليستأنف فيها جهاده، بعد أن نجح في تأمين فرار (١٩) مجاهدا من المحكوم عليهم بالاعدام، ورافقهم من سجن قسنطينة إلى قاعدته في الاوراس. غير أن مرحلة جهاده لم تستمر طويلا، فقد استشهد قائد الولاية الأولى مصطفى بن بولعيد - في شهر آب - أغطس - ١٩٥٦.
لقد مضى بطل الاوراس شهيدا للقاء ربه. غير أنه سيبقى أبدا البطل الرابع في نظر مجاهدي جبال الاوراس، وتظل صورته ماثلة أبدا ومعلقة دائما في كل مكان من قلب هذه الجبال، معقل الثورة الأول. ولقد منح هذا البطل للثورة كل الثروة التي جهد لجمعها طوال حياته، ووهبها كل امكاناته التنظيمية، وبدون هذه التضحيات التي قدمها مصطفى بن بوليد واخوانه، ما كان ليقدر للثورة أن تكلل بالنجاح في منطقة مثل مطقة الاوراس المهمة، والدائمة الاضطراب. وجاد (مصطفى ابن بولعيد) بعد ذلك بالروح - في سبيل قضية الإسلام والوطن - والجود بالروح أغلى غاية الجود.
стр. 1575
٢ - محمد العربي بن مهيدي: منظم ولاية وهران، وعضو (اللجنة المركزية في حركة انتصار الحريات الديموقراطية) وعضو , (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) وعضو (لجنة التنسيق والتنفيذ) بعد انفجار الثورة. اشتهر بقدرته التنظيمية الرائعة، وبثقافته العالية، وسعة أفقه، وتحليله السليم للأمور. وهو من واضعي (نظرية الثورة) والتي عبر عنها بما يلي:
(إن ثورة غرة نوفمبر ١٩٥٤ التي انطلقت بقيادة جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني هي التعبير عن إرادة الشعب للحرية والاستقلال. ومرة أخرى، يجمل الشعب الجزائري السلاح ليطرد المحتل الامبريالي، ويقيم جمهورية ديموقراطية اجتماعية، وتطبيق نظام اشتراكي، يتضمن بالخصوص إصلاحات زراعية عميقة وثورية، ومن أجل حياة كريمة، ومن أجل السلام في المغرب العربي، إن الشعب الجزائري مصمم كل التصميم، على ضوء تجاربه الماضية، أن يتخلص نهائيا من كل أنواع عبادة الشخصية والمصلحة هي احدى أنواعها الأكثر بدائية ورجمعية. فالشعب الجزائري عازم كل العزم على أن يجعل من القيادة الجماعية، في إطار المركزية الديموقراطية، قانونا يسير كل واحد في انضباط، وأن يجعل من حزب جبهة التحرير الوطني الأداة التي تقوي وحدة الشعب، وبناء مستقبل زاهر لجميع الجزائريين والجزائريات في ظل العدالة والمساواة.
إن الشعب الجزائري يعتمد في كفاحه من أجل التحرر والرقي على مساندة شعوب المغرب العربي الشقيقة، وعلى التضامن الفعال لكل العرب، وعلى صداقة الشعوب
стр. 1576
الأفرو - آسيوية، وعلى تعاطف الشعب الافرنسي والديموقراطيين في العالم. فانتصار شعوب المغرب العربي، ذلك الانتصار الذي يضمن المساواة بين جميع أبنائها بدون تمييز، يعد عاملا قويا للتوازن والسلم في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهذا الانتصار سيسمح بإقامة روابط وثيقة، ولا سيما مع الشعب الافرنسي في الكفاح ضد الفاشية، ومن أجل الديموقراطية. كما أنها تشكل علاوة على ذلك حصنا منيعا ضد الامبريالية في أفريقيا. إن الشعب الجزائري، تحت القيادة المظفرة لجبهة التحرير الوطني، وجيش التحرير الوطني، ستواصل زحفها الظافر من أجل الاسقلال. ومن أجل القضاء نهائيا على الاستعمار. ومن أجل انتصار حريات الانسان في ظل العدل والتآخي العالميين) (*).
بات (محمد العربي بن مهيدي) شخصة أسطورية في تاريخ الثورة، نتيجة ما أظهره من كفاءة عالية في تنظيم القوات، وإدارة الصراع، وجاءت نهايته المأساة لتتوج سيرته الرائعة، فقد اعتقلته السلطات الافرنسية يوم ٢٠ شباط - فبراير - ١٩٥٧، وأخضعته للتعذيب الرهيب، وإذ ذاك، وقف في مواجهة العقيد - الكولونيل - الافرنسي، من قوات المظليين، وقال له برجولة المحارب: (اسمع أيها العقيد، إننا، أنا وأنت، من السادة المهذبين لأننا نحتقر الموت. ولكنكم
стр. 1577
أنتم ستهزمون، لأنكم لا تؤمنون بأي شيء. أجل، إن إفرنسيين لم يعودوا يؤمنون بفرنسا. لقد غدوتم الماضي. فأنتم مجزؤون، ولا تعرفون ما تريديون. أما نحن، فنمثل المستقبل، لأننا نؤمن بالجمهورية الجزائرية. وإذا قدر لي أن أموت، فسيأتي بعدي الألوف ليواصلوا القتال) (*).
ومات (محمد العربي بن مهيدي) تحت التعذيب، وانضم إلى قافلة الشهداء الأبرار. وبقيت كلماته اغنية حلوة على شفاه المجاهدين، وتحققت آماله، وارتفعت رايات الجمهورية الجزائرية.
٣ - أحمد بن بللا: من مواليد وهران في غرب الجزائر، من أبويين مغربيين - مراكشيين وخدم جنديا في الجيش الإفرنسي قبل أن ينتقل للعمل في المجال الوطني - الساسي - وقد منح وسام الاستحقاق لشجاعته في حملتي شمال أفريقيا وايطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد عاد في عام ١٩٤٦ إلى الجزائر حيث تم انتخابه عضوا في المجلس البلدي في مدينة وهران. وسرعان ما أصبح عضوا عاملا في نشاط الحركة الديمرقراطية لأنصار الحرية في وهران. وخلف في عام ١٩٤٩ حسين آية أحمد في رئاسة المنظمة الخاصة (الشرف العسكري). وعندما اكتشف الافرنسيون أمر المنظمة في عام ١٩٥٠، اعتقل بن بللا، ولكنه تمكن من الفرار من سجنه في عام ١٩٥٢،
стр. 1578
فمضى إلى القاهرة، حيث أقام مقر قيادة الحركة فيها. وتعاون مع لجنة تحرير المغرب العربي. وعندما حدث الانشقاق الخطير (الحركة الديموقراطية) انتاب القلق بن بللا وأمكن له تأمين الاتصال مع قادة التنظيم السري في الجزائر - عن طريق محمد بوضياف - ووضعوا معا خطة الثورة. وأظهر بن بللا خلال ذلك كله، قدرا كبيرا من الكفاءة التنظيمية، والقدرة على التأثير على الآخرين. وإليه يعزى الفضل في الحصول على شحنات كبيرة من الأسلحة من بعض الحكومات المترددة، ونقلها إلى المجاهدين في داخل الجزائر بمختلف الطرق والأساليب. وكانت البعثة الخارجية في العام ١٩٥٦، قد قطعت شوطا بعيدا في طريق الوصول إلى حل عن طريق التفاوض مع فرنسا، عندما اعتقل فجأة. فقد كانت طائرة مغربية تقل أعضاء البعثة إلى تونس لإجراء مشاورات نهائية في موضوع شمال أفريقيا، عندما أرغمت الطائرة - في عملية قرصنة جوية نظمتها المخابرات الإفرنسية - على تغيير خط سيرها، والتوجه إلى الجزائر حيث تم اعتقال (بن بللا) يوم ٢٢ - تشرين الاول - اكتوبر - ١٩٥٦. واعتقل معه المجاهدين حسين آية أحمد ومحمد بوضياف ومحمد خيضر، وقد استثارت عملية القرصنة الإفرنسية أحرار العالم، وبصورة خاصة دولتي تونس والمغرب. وعلى الرغم من كل الاحتجاجات، فقد مضت فرنسا في مخططاتها العدوانية، وظنت أن اعتقال زعماء الثورة، سيتيح الفرصة أمامها لتدمير الثورة ذاتها. غير أن قيادة جبهة التحرير وجيش التحرير عملتا على تصعيد الصراع. وعندما عقدت قيادة الثورة مؤتمر الصومام،
стр. 1579
وتم تشكيل المجلس الوطني للثورة الجزائرية، كان هذا المجلس يضم الزعماء الأربعة المختطفين (بالاضافة إلى (رابح بيطاط) الذي سجنته فرنسا منذ شباط - فبراير - ١٩٥٥) وعندما تشكلت الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس في ١٩ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨ ضمت هذه الحكومة في عضويتها القادة المختطفين والمسجونين في سجون فرنسا، ولم يكن ذلك مجرد تقدير لجهاد القادة وتضحياتهم بقدر ما كان إمعانا في تحدي السلطة الاستعمارية. وعندما طلبت فرنسا - ديغول - التفاوض مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، ردت على ذلك بأن الزعماء المعتقلين لديها هم وفدها للمفاوضات. ورفضت فرنسا ذلك، وبقي المعتقلون في السجون الافرنسية حتى تم تحرير الجزائر. ودخل بن بللا العاصمة (الجزائر) يوم ١٤ أيلول - سبتمبر - ١٩٦٢. ثم أجريت الانتخابات للمجلس التأسيسي الذي وافق على تعيين أحمد بن بللا رئيسا للحكومة. وفي ١٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٦٣ أجري استفتاء في الجزائر، أسفر عن انتخاب (احمد بن بللا) أول رئيس للجمهررية الجزائرية الديموقراطية الشعبية. غير أنه لم يستمر في رئاسته، فقد قاد (هواري بومدين) الانقلاب ضده يوم ١٩ حزيران - يونيو - ١٩٦٥. واختفى بن بللا عن المسرح السياسي، إلى ما بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، حتى عمل الرئيس (الشاذلي بن جديدا) على رفع القيود التي كانت مفروضة على بن بللا، الذي أعلن عن رغبته في التوجه للحج وزيارة الأماكن المقدسة. وكان تصرف الرئيس الشاذلي بن جديد هو إعادة الاعتبار من مجاهد إلى مجاهد.
стр. 1580
٤ - كريم بلقاسم: من مواليد منطقة (قبيلة). ونشأ في حمى التيار الديني - الوطني - شأن معظم أبناء جيله، وخدم مثلهم في الجيش الافرنسي. وفي عام ١٩٤٥، أظهر تعلقه الشديد، وحماسته، بالعقيدة الاتحادية التي رفع لواءها (أصدقاء البيان الجزائري). كما كان معجبا أشد الاعجاب بما كانت تتميز به مواقف (حركة انتصار الحريات الديموتمراطية وزعيمها مصالي الحاج) من ضروب الصمود والشجاعة في مقاومة الطغيان الافرنسي. وسرعان ما أصبح قائدا من قادة الحركة الديموقراطية لأنصار الحرية في قبيلة. ولجأ إلى أعمال المقاومة السرية في العام ١٩٤٧ لينجو من الاعتقال. وقاد كريم من مخبئه في الجبال الغارات على الإفرنسيين والمتعاونين معهم من الجزائريين. وكان دائم الحركة والتنقل ما بين القرى لنشر أفكاره الثورية وتنظيم المقاومة. وعندما وقع الخلاف بين مصالي الحاج واللجنة المركزية اتخذ كغيره من مجاهدي الحزب موقف الحياد - عندما استحال التوفيق بيىنهما. ومارس دورا قياديا في تكوين القوة الثالثة التي تمثلت (باللجنة الثورية للوحدة والعمل) وكان أحد الأعضاء الستة الذين قرروا انطلاقة الثورة. كما كان هو المسؤول عن
تنظيم الثورة في منطقة القبائل الكبرى. وظل (كريم بلقاسم) بعد نشوب الثورة قائدا في ولاية القبائل ثم تولى قيادة المجهود الحربي بكامله. وأظهر خلال هذه المرحلة شجاعة فائقة وتصميما ثابتا في اتخاذ قراراته، مع حزم صارم في تنفيذها. وأمكن له بذلك الحصول على دعم جيش التحرير وتأييد القبائل بصورة رائعة. وكان رجاله يحبون فيه صفاته ويحترمون فيه رجولته،