الأفرو - آسيوية، وعلى تعاطف الشعب الافرنسي والديموقراطيين في العالم. فانتصار شعوب المغرب العربي، ذلك الانتصار الذي يضمن المساواة بين جميع أبنائها بدون تمييز، يعد عاملا قويا للتوازن والسلم في حوض البحر الأبيض المتوسط، وهذا الانتصار سيسمح بإقامة روابط وثيقة، ولا سيما مع الشعب الافرنسي في الكفاح ضد الفاشية، ومن أجل الديموقراطية. كما أنها تشكل علاوة على ذلك حصنا منيعا ضد الامبريالية في أفريقيا. إن الشعب الجزائري، تحت القيادة المظفرة لجبهة التحرير الوطني، وجيش التحرير الوطني، ستواصل زحفها الظافر من أجل الاسقلال. ومن أجل القضاء نهائيا على الاستعمار. ومن أجل انتصار حريات الانسان في ظل العدل والتآخي العالميين) (*).
بات (محمد العربي بن مهيدي) شخصة أسطورية في تاريخ الثورة، نتيجة ما أظهره من كفاءة عالية في تنظيم القوات، وإدارة الصراع، وجاءت نهايته المأساة لتتوج سيرته الرائعة، فقد اعتقلته السلطات الافرنسية يوم ٢٠ شباط - فبراير - ١٩٥٧، وأخضعته للتعذيب الرهيب، وإذ ذاك، وقف في مواجهة العقيد - الكولونيل - الافرنسي، من قوات المظليين، وقال له برجولة المحارب: (اسمع أيها العقيد، إننا، أنا وأنت، من السادة المهذبين لأننا نحتقر الموت. ولكنكم
стр. 1577
أنتم ستهزمون، لأنكم لا تؤمنون بأي شيء. أجل، إن إفرنسيين لم يعودوا يؤمنون بفرنسا. لقد غدوتم الماضي. فأنتم مجزؤون، ولا تعرفون ما تريديون. أما نحن، فنمثل المستقبل، لأننا نؤمن بالجمهورية الجزائرية. وإذا قدر لي أن أموت، فسيأتي بعدي الألوف ليواصلوا القتال) (*).
ومات (محمد العربي بن مهيدي) تحت التعذيب، وانضم إلى قافلة الشهداء الأبرار. وبقيت كلماته اغنية حلوة على شفاه المجاهدين، وتحققت آماله، وارتفعت رايات الجمهورية الجزائرية.
٣ - أحمد بن بللا: من مواليد وهران في غرب الجزائر، من أبويين مغربيين - مراكشيين وخدم جنديا في الجيش الإفرنسي قبل أن ينتقل للعمل في المجال الوطني - الساسي - وقد منح وسام الاستحقاق لشجاعته في حملتي شمال أفريقيا وايطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد عاد في عام ١٩٤٦ إلى الجزائر حيث تم انتخابه عضوا في المجلس البلدي في مدينة وهران. وسرعان ما أصبح عضوا عاملا في نشاط الحركة الديمرقراطية لأنصار الحرية في وهران. وخلف في عام ١٩٤٩ حسين آية أحمد في رئاسة المنظمة الخاصة (الشرف العسكري). وعندما اكتشف الافرنسيون أمر المنظمة في عام ١٩٥٠، اعتقل بن بللا، ولكنه تمكن من الفرار من سجنه في عام ١٩٥٢،
стр. 1578
فمضى إلى القاهرة، حيث أقام مقر قيادة الحركة فيها. وتعاون مع لجنة تحرير المغرب العربي. وعندما حدث الانشقاق الخطير (الحركة الديموقراطية) انتاب القلق بن بللا وأمكن له تأمين الاتصال مع قادة التنظيم السري في الجزائر - عن طريق محمد بوضياف - ووضعوا معا خطة الثورة. وأظهر بن بللا خلال ذلك كله، قدرا كبيرا من الكفاءة التنظيمية، والقدرة على التأثير على الآخرين. وإليه يعزى الفضل في الحصول على شحنات كبيرة من الأسلحة من بعض الحكومات المترددة، ونقلها إلى المجاهدين في داخل الجزائر بمختلف الطرق والأساليب. وكانت البعثة الخارجية في العام ١٩٥٦، قد قطعت شوطا بعيدا في طريق الوصول إلى حل عن طريق التفاوض مع فرنسا، عندما اعتقل فجأة. فقد كانت طائرة مغربية تقل أعضاء البعثة إلى تونس لإجراء مشاورات نهائية في موضوع شمال أفريقيا، عندما أرغمت الطائرة - في عملية قرصنة جوية نظمتها المخابرات الإفرنسية - على تغيير خط سيرها، والتوجه إلى الجزائر حيث تم اعتقال (بن بللا) يوم ٢٢ - تشرين الاول - اكتوبر - ١٩٥٦. واعتقل معه المجاهدين حسين آية أحمد ومحمد بوضياف ومحمد خيضر، وقد استثارت عملية القرصنة الإفرنسية أحرار العالم، وبصورة خاصة دولتي تونس والمغرب. وعلى الرغم من كل الاحتجاجات، فقد مضت فرنسا في مخططاتها العدوانية، وظنت أن اعتقال زعماء الثورة، سيتيح الفرصة أمامها لتدمير الثورة ذاتها. غير أن قيادة جبهة التحرير وجيش التحرير عملتا على تصعيد الصراع. وعندما عقدت قيادة الثورة مؤتمر الصومام،
стр. 1579
وتم تشكيل المجلس الوطني للثورة الجزائرية، كان هذا المجلس يضم الزعماء الأربعة المختطفين (بالاضافة إلى (رابح بيطاط) الذي سجنته فرنسا منذ شباط - فبراير - ١٩٥٥) وعندما تشكلت الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس في ١٩ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨ ضمت هذه الحكومة في عضويتها القادة المختطفين والمسجونين في سجون فرنسا، ولم يكن ذلك مجرد تقدير لجهاد القادة وتضحياتهم بقدر ما كان إمعانا في تحدي السلطة الاستعمارية. وعندما طلبت فرنسا - ديغول - التفاوض مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، ردت على ذلك بأن الزعماء المعتقلين لديها هم وفدها للمفاوضات. ورفضت فرنسا ذلك، وبقي المعتقلون في السجون الافرنسية حتى تم تحرير الجزائر. ودخل بن بللا العاصمة (الجزائر) يوم ١٤ أيلول - سبتمبر - ١٩٦٢. ثم أجريت الانتخابات للمجلس التأسيسي الذي وافق على تعيين أحمد بن بللا رئيسا للحكومة. وفي ١٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٦٣ أجري استفتاء في الجزائر، أسفر عن انتخاب (احمد بن بللا) أول رئيس للجمهررية الجزائرية الديموقراطية الشعبية. غير أنه لم يستمر في رئاسته، فقد قاد (هواري بومدين) الانقلاب ضده يوم ١٩ حزيران - يونيو - ١٩٦٥. واختفى بن بللا عن المسرح السياسي، إلى ما بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، حتى عمل الرئيس (الشاذلي بن جديدا) على رفع القيود التي كانت مفروضة على بن بللا، الذي أعلن عن رغبته في التوجه للحج وزيارة الأماكن المقدسة. وكان تصرف الرئيس الشاذلي بن جديد هو إعادة الاعتبار من مجاهد إلى مجاهد.
стр. 1580
٤ - كريم بلقاسم: من مواليد منطقة (قبيلة). ونشأ في حمى التيار الديني - الوطني - شأن معظم أبناء جيله، وخدم مثلهم في الجيش الافرنسي. وفي عام ١٩٤٥، أظهر تعلقه الشديد، وحماسته، بالعقيدة الاتحادية التي رفع لواءها (أصدقاء البيان الجزائري). كما كان معجبا أشد الاعجاب بما كانت تتميز به مواقف (حركة انتصار الحريات الديموتمراطية وزعيمها مصالي الحاج) من ضروب الصمود والشجاعة في مقاومة الطغيان الافرنسي. وسرعان ما أصبح قائدا من قادة الحركة الديموقراطية لأنصار الحرية في قبيلة. ولجأ إلى أعمال المقاومة السرية في العام ١٩٤٧ لينجو من الاعتقال. وقاد كريم من مخبئه في الجبال الغارات على الإفرنسيين والمتعاونين معهم من الجزائريين. وكان دائم الحركة والتنقل ما بين القرى لنشر أفكاره الثورية وتنظيم المقاومة. وعندما وقع الخلاف بين مصالي الحاج واللجنة المركزية اتخذ كغيره من مجاهدي الحزب موقف الحياد - عندما استحال التوفيق بيىنهما. ومارس دورا قياديا في تكوين القوة الثالثة التي تمثلت (باللجنة الثورية للوحدة والعمل) وكان أحد الأعضاء الستة الذين قرروا انطلاقة الثورة. كما كان هو المسؤول عن
تنظيم الثورة في منطقة القبائل الكبرى. وظل (كريم بلقاسم) بعد نشوب الثورة قائدا في ولاية القبائل ثم تولى قيادة المجهود الحربي بكامله. وأظهر خلال هذه المرحلة شجاعة فائقة وتصميما ثابتا في اتخاذ قراراته، مع حزم صارم في تنفيذها. وأمكن له بذلك الحصول على دعم جيش التحرير وتأييد القبائل بصورة رائعة. وكان رجاله يحبون فيه صفاته ويحترمون فيه رجولته،
стр. 1581
ويعتبرونه مثلهم الأعلى في حرب المقاومة بعد أن شهدوا معه مفازع هذه الحرب وانتصاراتها. وعندما تشكلت لجنة التنسيق والتنفيذ في حزيران - يونيو - ١٩٥٨، لتوثيق التعاون مع تونس والمغرب، كان (كريم بلقاسم) هو المسؤول عن الشؤون العسكرية (وكان قد أقام مقر قيادته في تونس منذ سنة ١٩٥٧) وعندما تثشكلت الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس، تولى كريم بلقاسم منصب وزير الدفاع ونائب رئيس الونراء. وبقي في منصبه هذا حتى التحرير والاستقلال. وعندما تولى أحمد بن بللا رئاسة الجمهورية. وعباس فرحات رئاسة الوزراء - الحكومة - حدث خلاف على سياسة الحكومة بين عباس فرحات وكريم بلقاسم. وحاول (كريم) قيادة حركة تمرد في العام ١٩٦٣، غير أنه أمكن القضاء عليها. وأدى ذلك إلى استقالة فرحات عباس من رئاسة الجمعية الوطنية في ١٣ آب - أغسطس - ١٩٦٣، وزال من على المسرح السياسي للجزائر رجلين أحدهما ينتمي إلى الجيل القديم، وثانيها من أبناء الجيل الجديد.
٥ - رمضان عبان: من رجال القبائل أيضا، فرض نفسه كأقوى شخصيات الثورة الجزائرية بفضل ما بذله من جهد في إدارة الأعمال القتالية، وبفضل ما أظهره من شجاعة وحزم في مواجهة المواقف الصعبة والخطرة وكان يفرض حيويته وتصميمه الذي يأبى الهوادة واللين على الثورة، بيد من حديد. ولقد كان ثوريا يؤمن بقيمة العمل الارهابي في مدينة كبيرة. ولقد قال ذات مرة: (إن فرض حظر
стр. 1582
التجول في مدينة الجزائر، يعادل في قيمته ونتائجه قتل مائتي إفرنسي في الجبال) وكان عبان رجلا واسع الدهاء، عميق الموهبة التنظيمية الفائقة. وكان يرتحل في كل مكان في الجزائر يصل بين جماعات المناضلين، ويعمل على تحسين وسائل كفاحهم. وينسق التعاون بين أعمالهم القتالية. وعندما تشكل المجلس الوطني للثورة الجزائرية في العشرين من آب - أغسطس - ١٩٥٦. كان رمضان عبان هو الشخصية الثالثة فيه (بعد حسين آية أحمد وفرحات عباس) غير أنه لم يستمر طويلا في ممارسة دوره. إذ أن تنقله الدائم، وتعرضه للمخاطر، أوقعه في كمين نصه له الافرسون في شهر شباط - فبراير - ١٩٥٨. فاستشهد على الفور، وخسرت الثورة مناضلا من أفضل مناضليها.
...
تلك هي بعض نماذج العناصر القيادية التي مارست دورها في إشعال نار الثورة وتطوير لهيبها، والقصة بعد ذلك ليست قصة أشخاص، وإنما هي قصة الثورة، ولقد بذلت محاولات لتمييز انتساب القيادة الجزائرية، وتقسيمها إلى سياسية مقابل عسكرية، وصلبة الشكيمة مقابل متساهلة، وبربرية من قبيلة مقابل عربية، وبورجوازية مقابل بروليتارية (أو ماركسية) غير أن مثل هذا التقسيم لم يكن يحمل أي مضمون حقيقي، فعلى الرغم من بعد المسافات الفاصلة بين مواطن القادة. وعلى الرغم من تباين وجهات نظرهم تباينا واضحا. إلا أن وحدة الصراع المشترك ضد طغيان فرنسا قد صهرهم في بوتقة واحدة، وضمن
стр. 1583
لهم قوة جامعة موحدة. جعلتهم جميعا - باستثناء قلة معدودة على أصابع اليد، يلتفون حول القرارات التي تتخذها الأغلبية. فالقيادة الجزائرية إذن كانت جماعية، وهذا ما ساعدها على اطلاق شرارة الثورة، وساعدها على مجابهة مختلف الظروف، وتجاوز كل العقبات بفضل توافر القدرة الجماعية على التبدل والاستخلاف. وهذا مما ضمن للثورة القدرة على الصمود والاستمرار. لقد كانوا رجالا ظلموا، فثاروا على الظلم وانتصروا.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (*).
стр. 1584
قراءات
١ - مقررات حزب (نجم شمال افريقيا) ١٩٣٣
٢ - البيان الجزائري
стр. 1585
(١)
مقررات حزب
(نجم شمال افريقيا) ١٩٣٣
عقد حزب (نجم شمال افريقيا) بزعامة (مصالي الحاج) مؤتمرا له، في باريس، سنة ١٩٣٣ واتخذ مجموعة من المقررات. تتعلق بالاجراءات التي يجب اتخاذها قبل استقلال الجزائر وبعده. وكانت مواد هذه المقررات كالتالي:
١ - إلغاء القوانين الاستثنائية وفي مقدمتها قانون السكان الأصليين.
٢ - العفو عن جميع المعتقلين السياسيين.
٣ - حرية التنقل لأبناء المغرب العربي في فرنسا وخارجها.
٤ - حرية الصحافة والاجتماع وتأليف الاحزاب ونقابات العمال.
٥ - الاستعاضة عن (اللجان المالية) ببرلمان جزائري منتخب على أساس الاقتراع العام.
٦ - إلغاء الكومونات المختلطة والمناطق العسكرية المحظورة.
٧ - المساواة في توظيف الجزائريين والمستوطنين.
стр. 1586
٨ - فرض التعليم الالزامي باللغة العربية، وإفساح المجال للطلاب لدخول المدارس على جميع المستويات، وجعل اللغة العربية لغة رسمية في الدوائر الحكومية (المعاملات).
٩ - احترام تعاليم القرآن بأن لا يحارب المسلم أخاه.
١٠ - تطبيق قوانين العمل على الجزائريين، وحقوق التعويض على البطالة.
١١ - زيادة القروض الزراعية إلى صغار المزارعين الجزائريين، وتنظيم وسائل الري، وتحسين طرق المواصلات.
أما الشطر الثاني من القرارات فنص على المطالبة بالاستقلال الكامل، وسحب القوات الإفرنسية من البلاد، وتنظيم جيش وطني، وقيام حكومة ثورية وطنية تتولى تنفيذ الاجراءات التالية:
١ - إبجاد جمعية تأسيسية تنتخب على أساس الاقتراع العام.
٢ - الاقتراع العام على جميع المستويات لجميع المجالس.
٣ - استخدام اللغة العربية.
٤ - تملك الدولة الجزائرية لجميع المؤسسات بما فيها المصارف والمناجم والسكك الحديدية والموانيء والخدمات العامة.
٥ - مصادرة الاملاك الكبيرة وإعادتها إلى الفلاحين، مع إعادة أملاك الدولة والغابات إلى الجزائريين.
٦ - التعليم الالزامي المجاني باللغة العربية على جميع المستويات.
стр. 1587
٧ - اعتراف الدولة الجزائرية بحق النقابات في تأليف الاتحادات والأحزاب وإبداء الآراء في القوانين الاجتماعية.
٨ - مساعدة المزارعين فورا عن طريق تقديم القروض إليهم بلا فائدة لشراء الآلات والبذار والسماد، وتنظيم وسائل الري وتحسين طرق المواصلات.
ملاحظة: وردت جميع هذه المطالب في النشرة الصادرة يوم ١١ آذار - مارس - ١٩٥٠ في مجلة (الجزائر الحرة) وهي لسان حال (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) التي خلقت (حزب النجمة).
стр. 1588
(٢)
البيان الجزائري
عندما نزلت قوات الحلفاء بالجزائر في ٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٤٢ - تداعى القادة السياسيون لعقد اجتماع من أجل تحديد الشروط التي يمكن على أساسها التعاون مع الحلفاء، ودعم مجهودهم الحزبي. وتم تكليف (فرحات عباس) بصياغة هذا البيان الذي عرف باسم (بيان الشعب الجزائري) والذي نال موافقة القادة لسياسيين للبلاد، وحظي بدعم الشعب الجزائري وجاءت صيغة البيان كالتالي (*):
(... لقد أعطى الرئيس الامريكي روزفلت، تأكيدا في تصريح أدلى به باسم الحلفاء، بأن حقوق جميع الشعوب، الكبيرة منها والصغيرة، ستكون محترمة في تنظيم العالم الجديد.
إن الشعب الجزائري الذي يجد له قوة في هذا التصريح يطلب منذ اليوم، كي يتجنب كل سوء تفاهم، وكي يقطع الطريق على الغايات والمطامع التي يمكن أن تنشأ غدا، يطالب بما يلي:
١ - إلغاء النظام الاستعماري الذي هو في حقيقة أمره استثمار شعب لشعب آخر. إن هذا الاستعمار ليس إلا
стр. 1589
شكلا جماعيا للرق الفربي في العصور القديمة، والقنانة في العصور الوسطى. وهو بالاضافة إلى ذلك، أحد الأسباب الرئيسية في المنازعات والخصومات بين الدول الكبرى.
٢ - تطبيق حق تقرير المصير على جميع البلدان الصغيرة معها والكبيرة على حد سواء.
٣ - إعلان دستور جزائري يضمن:
(أ) الحرية والمساواة المطلقة بين جميع سكانها دون تمييز في العنصر والدين.
(ب) إلغاء الملكية الاقطاعية بتطبيق إصلاح زراعي شامل، وإعلان حق الفلاحين بالرفاهية.
(ج) الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية على نفس المستوى الذي تتمتع به اللغة الافرنسية.
(د) حرية الصحافة وحق الاجتماع.
(هـ) التعليم الالزامي والمجاني للأطفال من الجنسين.
(و) حرية العبادة بالنسبة لجميع السكان، وتطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة بالنسبة للدين الإسلامي.
(ز) اشتراك عرب الجزائر بشكل فعال وفوري في حكم بلادهم، على غرار ما أعلنته الحكومة البريطانية والجنرال كاترو في سوريا، لأن مثل هذه الحكومة هي وحدها التي يمكنها أن تحقق في جو تسوده الوحدة المعنوية التامة مساهمة الشعب الجزائري في المعركة المشتركة.
стр. 1590
(ح) إطلاق سراح جميع المحكومين والمعتقلين السياسيين، مهما كان الحزب الذي ينتمون إليه.
اجتمع المندوبون الشرعيون الممثلون للشعب الجزائري - الذين كانوا في مدينة الجزائر. وأقروا بالاجماع صياغة البيان في شباط - فبراير - ١٩٤٣. وقام وفد جزائري يضم الدكتور بن جلول وصياح عبد القادر، والدكتور تمزالي وأورباح وبن علي شريف والدكتور الأخضري وفرحات عباس. بمقابلة الحاكم العام - مارسيل بارتان - يوم ٢١ آذار - مارس - ١٩٤٣، وسلمه نص البيان. وفي اليوم التالي سلم الوفد البيان المذكور إلى ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي. كما تم إيصال البيان إلى لندن والجنرال ديغول والقاهرة - الحكومة المصرية - وقد قبل الحاكم العام للجزائر أن يأخذ بعين الاعتبار الميثاق الجديد كأساس لنظام الجزائر القادم. ووعد بتشكيل لجنة تضع مشروعا للإصلاحات القابلة للتحقيق بشكل فوري. وصدر قرار في ٣ نيسان - أبريل - عين فيه ممثل فرنسا (لجنة الدراسة الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية). وقد اجتمعت هذه اللجة مرتين، المرة الأولى من ١٤ إلى ١٧ نيسان - ابريل - والمرة الثانية من ٢٣، لى ٢٦ حزيران. فأقرت بحضور مفوض الحكومة (السيد بيرك) وهو المدير العام للشؤون الإسلامية مسودة إصلاحات عرفت باسم (ملحق البيان). وكان هذا الملحق يتضمن جزئين. كان الجزء الأول مخصصا للإصلاحات التي يناسب تأجيلها إلى نهاية النزاع. وكان هذا الجزء بالصيغة التالية:
стр. 1591
(عند إنتهاء المنازعات تتشكل في الجزائر دولة جزائرية، لها دستورها الخاص الذي تضعه جمعية تأسيسية جزائرية، تنتخب بالاقتراع العام من قبل جميع سكان الجزائر).
أما الجزء الثاني، فكان يبحث بالاصلاحات التي يطلبها الشعب الجزائري، مع أخذ الظروف الحالية بعين الاعتبار لتوجيه مستقبل البلاد. وكان من أبرز الإصلاحات ذات الصفة السياسية حسبما جاءت في (ملحق البيان):
(أ) اشتراك الممثلين العرب بشكل فوري وفعال في حكم الجزائر وإدارتها:
١ - تحويل حكومة عموم الجزائر إلى حكومة جزائرية، تتألف من وزراء موزعين بالتساوي بين الافرنسيين والجزائريين، وتصبح الادارات الحالية إدارات وزارية، كما يصبح رئيس الحكومة حاكما عاما، ويلقب بالسفير المفوض السامي لفرنسا في الجزائر.
٢ - التمثيل المتساوي للافرنسيين والجزائريين في صفوف المجالس المنتخبة والأجهزة الاستشارية (مجلس الحكومة الأعلى، المفوضيات المالية للمجالس العامة، مجلس البلديات غرف التجارة والزراعة، مجلس الحكماء، وجميع المصالح والمجالس واللجان والهيئات والنقابات، يدعى بالتوالي لأجل تكملة تمثيل العرب في هذه المجالس المنتخبون، والمنتخبون السابقون، بدءا بالمندوبين الماليين، حتى ممتلي النقابات العمالية.
стр. 1592
٣ - تصبح إدارة الدوار المستقلة في المديريات المختلطة حسب قانون ١٨٨٤، البلدة والجمعية ورئيسها مجلسا بلديا وعمدة الدوار (رئيس الدوار).
٤ - السماح للعرب بتولي جميع الوظائف العامة، ومن بينها سلطات الحاكم، ضمن الشروط ذاتها السارية في التوظيف والترفع والتقاعد على الموظفين إفرنسيين، والاعتراف بمبدأ التوزيع المتساوي لهذه الوظائف بين إفرنسين والعرب.
٥ - إلغاء جميع القوانين والاجراءات الاستثنائية وتطبيق الحق العام، ضمن نطاق التشريع الجزائري.
(ب) المساواة أمام ضريبة الدم.
١ - إلغاء القيود المفروضة على المواطنيين والخدمة العسكرية المسماة (تسخير الوطنيين) ووضع صيغ موحدة للتعبئة والمساواة في العدل والسلف ومعاشات التقاعد والمكافآت، والحق بالترفيع إلى جميع الرتب.
٢ - تسليم الاعلام الجزائرية إلى أفواج من جيش الحملة الافريقية، لأن هذه باشتراكها مع الاعلام الإفرنسية، ترفع من الروح المعنوية لجنودنا (*).
стр. 1593
محتويات الكتاب
стр. 1594
_________
(ب) شهادة الوزير الفرنسي (آلان سافاري) ................... ١٤٩
(ج) (اليوم الرهيب) في ذكريات أحمد توفيق المدني .......... ١٥٣
(د) للمجزرة تتمة ............................................ ١٥٤
(د) في ذمة التاريخ ......................................... ١٥٧
٢ - العمل السياسي السري ................................. ١٦٢
(أ) (الشرف العسكري) أو (التنظيم الخاص) ................. ١٦٦
(ب) (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) ......................... ١٧٣
(ج) القادة التاريخيون ....................................... ١٨٥
١ - مصطفى بن بولعيد .................................... ١٨٧
٢ - محمد العربي بن مهيدي ................................ ١٩٠
٣ - أحمد بن بيللا .......................................... ١٩٢
٤ - كريم بلقاسم ............................................ ١٩٠
٥ - رمضان عبان .......................................... ١٩٦
قراءات:
١ - مقررات (حزب نجم شمال افريقيا) ١٩٣٣ ............... ٢٠١
٢ - البيان الجزائري ........................................ ٢٠٤
محتوى الكتاب .............................................. ٢٠٩
стр. 1595
الله أكبر
.. وانطلقت ثورة الجزائر
стр. 1596
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1597
الله أكبر
.. وانطلقت ثورة الجزائر
بسام العسلي
دار النفائس
стр. 1598
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م
الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
стр. 1599
الإهداء
إلى روح الشهيد مصطفى بن بولعيد بطل الأوراس الأسطوري
وإلى روح الشهيد محمد العربي بن مهيدي بطل المقاومة في الجزائر،
وإلى أرواح إخوانهما من الشهداء الأبرار الذين أضاؤوا مشعل النور أمام شعب الجزائر المجاهد،
وإلى إخوانهم المجاهدين الذين تابعوا حمل رسالة الاسلام وأمانة العروبة وانتصروا بها، ونصرها الله بهم.
إلى هؤلاء وأولئك الذين لا يزيد من مضى منهم على من بقي حيا إلا بشرف الشهادة.
стр. 1600
مقدمة الكتاب
ويطول ليل الاستعمار حتى لتكاد النفوس الظامئة للحرية تيأس من بزوغ الفجر. وتشتد وطأة الاستعمار حتى لتكاد النفوس المعذبة تفقد الأمل من عدالة الحياة. وللفجر موعده، وللحياة نواميسها وقوانينها المحكمة.
وكما يقع البرق في الليلة الظلماء الداكنة السواد، وكما ينبع الماء من الصخر الأصم. انطلقت صيحة (الله أكبر) في ليل عيد جميع القديسين، وترددت في كل مكان من الجزائر صيحات (خالد) و (عقبة). إنهما كلمتا السر والتعارف اللتان اتفق عليهما الثوار للتعارف فيما بينهم.
(الله أكبر) - خالد - عقبة - وتردد جبال الأوراس أصداء الصيحات المنطلقة في السهول. (الله أكبر) خالد - عقبة - لقد آن للفجر أن ينبلج، وللنفوس العطشى أن تنهل من مورد الحرية العذب ومن منهل الكرامة الصافي.
وأفاق الشعب الجزائري على فجر يوم جديد، إنه فجر المستقبل الذي طال انتظاره. وقليل هم الذين وصلتهم أصوات الانفجارات الأولى، وأزيز الرصاصات المبكرة التي أطلقتها حفنة من الثوار؛ معلنة بها بدء جولة جديدة من جولات الاحتكام للسلاح. غير أن من فاتهم
стр. 1601
سماع صوت مؤذن الفجر، لم يفتهم قراءة البيان الذي أعلنه ثوار الفجر.
(أيها الشعب الجزائري) (أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية).
إنها منظمة ولدت مع الفجر، تحمل اسم (جبهة التحرير الوطني)، و (جيش التحرير الوطني)؛ وقد بدأت هذه المنظمة تأكيد وجودها بالنار وبالتوجه إلى (الشعب الجزائري).
ولكن من هم هؤلاء الذين يختفون وراء (التسمية الرمزية) أو ل (الشخصية الاعتبارية). لقد عرف شعب الجزائر أسماء لامعة، وقادة بارزين، تولوا الصراع وقادوا الجهاد بأسمائهم العلنية الصريحة. ولم يحدث قبل اليوم أن تعامل الجزائريون مع (مجهولين). ذلك لغز يجب حله؟.
وينظر الاستعمار بكثير من اللامبالاة إلى تلك الظواهر المتفجرة التي برزت في ليل عيد جميع القديسين. لقد تعودت الاستعمارية الإفرنسية عل قمع ثورات أضخم، وحروب أكبر، فكيف اليوم، وفرنسا تمتلك من وسائط القدرة العسكرية ما لم تمتلكه من قبل. ويصرح الحاكم بأمره في الجزائر (إنهم مجموعة من العصاة المتمردين - الفلاقة - وسيتم سحقهم قريبا). وتخرج الحملات العسكرية وتعود، دون أن تتمكن من سحق (الفلاقة).
وبدأ (شعب الجزائر) في التعرف على تلك الفئة المختارة من المجاهدين، الذين أنكروا وجودهم ليقدموه هدية لشعبهم. وتوثقت عرى التعارف من خلال ما كان يقدمه المجاهدون من تضحية وفداء. فأقبل على حاملي لواء الجهاد، يحتنهم ويحميهم ويدعمهم ويفتديهم بكل ما يملك، ويشاطرهم آلامهم وبؤسهم
стр. 1602
وشطف عيشهم. ويقاسمهم تضحياتهم. ويجن جنون الاستعمار، فيقذف بكل أسلحته للمعركة، ويقذف الشعب الجزائري بالمقابل بكل قدراته وإمكاناته. ويتطور الصراع المصيري بين قوتين: قوة هابطة تمتلك كل القوى ما عدا الإيمان، وقوة صاعدة لا تمتلك شيئا إلا الإيمان.
وتأتي تجربة التاريخ لتؤكد من جديد انتصار (قضية الإيمان). تلك هي بإيجاز (بداية الثورة، وتلك هي قصتها).
إنها قصة (القادة التاريخيون) الذين عرفوا قدرات شعبهم وإمكاناته، وما يتفاعل فيه من انفعالات، وهي قصة (أصالة الشعب) الذي فقد كل شيء إلا إيمانه بالله وإسلامه وعروبته، وهي أيضا قصة تيار الأحداث وتطوراته في العالم وهو ما أدركه شعب الجزائر المجاهد وقادته التاريخيون وتجاهله دهاقنة الاستعماريين المتعلمين والمتحضرين والعقلانيين.
بضع مئات من الثوار، تسليحهم بواريد الصيد وبعض الأسلحة الحديثة وقيادة تضم بضعة أشخاص مغمورين تقريبا. وكلهم نصيبهم من العلم الحديث قليل، ونصيبهم من الإيمان كبير. لم يلبثوا أن شكلوا تيارا جارفا قفز إلى الآلاف وإلى عشرات الألوف ثم إلى الشعب الجزائري كله خلال فترة قياسية من عمر الزمن، ولم يكن ذلك ليتحقق أبدا لولا التقاء العوامل الثلاثة: القيادة والشعب وتيار الأحداث في فجر عيد جميع القديسين.
ولم يكن من العبث - أو بمحض الصدفة - اختيار فجر عيد القدسيين موعدا لانطلاقة الثورة. ولم يكن من العبث أيضا، تحديد شعار انطلاقة الثورة بكلمة الجهاد الخالدة (الله أكبر) واتخاذ كلمتي
стр. 1603
(خالد وعقبة) رمزا للسر والتعارف بين الثوار التاريخيين.
لقد أعد كل شيء بإحكام رائع، وبدقة متناهية، فكان ذلك التنظيم هو السلاح الأول في عدة الثورة.
لقد ربطت الثورة، ومنذ انطلاقتها الأولى، خطوات الثورة بالأصالة التاريخية للشعب الجزائري المسلم المجاهد. وأعادت الثورة، ومنذ انطلاقتها الأولى، ارتباط الشعب المجاهد بمحيطه التاريخي والجغرافي الطبيعيين (المغرب وتونس والعالم الاسلامي - العربي) فكان في ذلك أيضا بعض عدة الثورة في الانتصار على أعداء الثورة لفي الداخل والخارج.
وتبقى قصة الثورة الجزائرية، أكبر من الكلمات، وأعظم من كل وصف. إنها قصة الحياة لشعب رفض الموت، وانتصرت الحياة على الموت. وهي قصة شعب أحب الموت فوهب الله له الحياة.
بسام العسلي
التقسيمات الإدارية - العسكرية للجزائر يوم ١/ ١١/ ١٩٥٤
стр. 1606
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
الفصل الأول
١ - الوضع العام في الجزائر عشية الثورة.
أ - اغتصاب الأرض.
ب - الموقف السكاني (الديموغرافي).
ج - النهب الاستعماري.
د - البترول والغاز الطبيعي.
هـ - الموقف التعليمي (الثقافي).
٢ - الموقع الجيواستراتيجي والطبوغرافي.
أ - ١ - إقليم الشراطىء.
أ - ٢ - إقليم الأطلس التلي.
стр. 1607
أ - ٣ - إقليم النجود.
أ - ٤ - الأطلس الصحراوي.
أ - ٥ - إقليم الصحراء.
ب - وديان الجزائر.
ب - ١ - الأودية الشمالية.
ب - ٢ أودية النجود.
ب - ٣ الأودية الصحراوية.
ج - النطاقات المناخية.
د - الغطاء النباتي.
د - ١ - إقليم البحر الأبيض المتوسط.
د - ٢ - إقليم الاستبس.
د - ٣ - الإقليم الصحراوي.
стр. 1608
١ - الوضع العام في الجزائر عشية الثورة
لم تكن الثورة التي انفجرت في الجزائر في الفاتح من تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٤ مجرد رد فعل على سياسة معينة، أو نتيجة إجراء استعماري محدد. فلقد كان نسيج الثورة متصلا بعرى وثيقة ومتلاحمة مع مجموعة الحروب، والثورات والانتفاضات، وأعمال المقاومة التي اضطلع بها شعب الجزائر، طوال ليل الاستعمار الذي بدأ بالغزو الإفرنسي البربري للجزائر المحروسة في سنة ١٨٣٠، والذي انتهى بانفجار الثورة التحررية الكبرى في سنة ١٩٥٤.
قرن وربع القرن؛ وشعب الجزائر المجاهد يحمل السلاح ضد الغزاة البرابرة .. لم يهن له عزم، ولم تلن له قناة، وهو يدفع بقوافل الشهداء، القافلة في إثر القافلة، والموجة تلو الموجة، حتى حقق أهدافه.
ولقد تحمل الشعب الجزائري من عنت المستعمرين، وجور أجهزة الاستعمار؛ ما لم يحتمله شعب من شعوب العالم، دونما تحيز أو مبالغة، وعلى الرغم من ذلك فقد استمر في مقاومته، وأتعب فرنسا ولم يتعب، غير أن هذه الحرب طويلة الأمد، عملت على تغيير مجمل أوضاع الجزائر تغييرا كبيرا؛ لا في مجال الاقتصاد وحده، ولا في مجال التكون
стр. 1609
الاجتماعي والثقافي أيضا. وإنما في مجموع الأوضاع التي يعيشها المواطن الجزائري والوطن الجزائري. هذا من ناحية، ومن ناحية
ثانية - وعلى نحو ما سجق عرضه في الكتب السابقة من هذه المجموعة.
فقد جاءت الثورة الرائعة ثمرة إعداد طويل .. بدأ على وجه التحديد بالنشاط السياسي الذي قام به الأمير (خالد الهاشمي) في العشرينيات من هذا القرن، واستمر بعد ذلك عبر (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) من جهة، والتنظيمات السياسية من جهة ثانية، وعلى هذا فإن الثورة الجزائرية الكبرى تتصل بمجموعة الأوضاع الناجمة عن الوجود الاستعماري ذاته، والذي دفع البلاد ومواطنيها إلى أوضاع لا يمكن معالجتها إلا بإجراء تغيير جذري وشامل، ومضاد بالضرورة للاستعمار الاستيطاني. وقد جاءت مذبحة أيار - مايو - ١٩٤٥، وأعمال القمع التالية لتشكل الحافز المباشر للثورة. ومن هنا قد يكون من الضروري استقراء بعض ملامح الوضع العام للجزائر عشية ثورتها المباركة.
...
لقد عرفت الجزائر، منذ أقدم العصور، بغنى ثروتها الطبيعية، شأنها في ذلك شأن كل أقطار المغرب العربي - الاسلامي. ولقد أقام الفينيقيون على شواطئها عددا من المراكز (الزراعية - التجارية) التي سميت فيما بعد باسم (أهراء روما) قبل أن يطلق عليها اسم (افريقيا ذات الأرض الخصبة). وقد عاشت الجزائر قبل أن تجتاحها جحافل الغزو الاستعماري الافرسي في سنة (١٨٣٠) حالة ازدهار حقيقي، وعرفت رغد العيش. فالزراعة فيها كانت متطورة،
стр. 1610
والتجارة البحرية ناشطة ومزدهرة .. . فكانت تمون بالحبوب والمنتجات الزراعية الأخرى كثيرا من بلدان الغرب الأوروبي؛ وتموين حملة نابليون دليل على ما كان يتوافر للجزائر من الثروة الزراعية؛ كما كانت تصدر أدوات فنية ذات شهرة واسعة. وبعد مرور قرن على استعمار هذه البلاد، لم تتوقف الجزائر عن التقدم في المضمار الاقتصادي فحسب، بل إنها شهدت تقهقرا وتراجعا في مستوى حياة معظم المواطين الجزائريين، بالمقارنة مع مستوى حياة أسلافهم. هذا بينما كان العالم يتطور في هذا القرن، ويتقدم بقفزات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
وقد ظهر في الواقع أن ازدهار المواطن الافرنسي، وارتفاع مستوى دخله، إنما هو ازدهار اصطناعي على حساب المواطن الخاضع للاستعمار. والأمر مماثل بالنسبة لفرنسا - كمجموع - والتي طورت تقدمها على حساب الشعوب التي أخضعتها لنير عبوديتها. ولم تكن مثل هذه المقارنة بعيدة عن أنظار المواطن الجزائري الذي كان يعيش حياة البؤس والشقاء فوق أرضه الخيرة المعطاء, وزاد الأمر سوءا بمحاولات السلطات الاستعمارية تغطية نهبها واستنزافها بالحاق سبب التخلف بأنظمة الجزائر قبل الاستعمار (النظام العثماني -الاسلامي). ولقد اعتاد القائمون على حكم الجزائر أن يبرزوا - في كل مناسبة - ما حققه الاستعمار الافرسني من إنجازات في البلاد، معددين الطرق الكثيرة التي أنشأوها، والخطوط الحديدية التي نظموها، والمراكز الكهربائية التي شيدوها، وما أقاموه من سدود ومستشفيات ومدارس وكنائس (منارات الحضارة الغربية بزعمهم) والمدن الحديثة ذات العمارات المتعددة الطوابق.
стр. 1611
ولم يكن هذا الأسلوب الدعائي ليخدع الجزائريين أو يضللهم .. فقد كانوا يعرفون بأن معظم ما يطلق عليه اسم (منجزات) إنما هو لخدمة أهداف الاستعمار الاستيطاني، وتطوير عملية النهب الاستعماري للموارد والثروات. وأن المواطن الجزائري لم يفد من هذه (المنجزات) شيئا، وإنما على النقيض أيضا، فقد جاءت (المنجزات) لتضيف إلى بؤسه بؤسا، وإلى شقائه مزيدا من الشقاء. وقد ترك ذلك آثاره السيئة التي لم تقتصر أضرارها على جيل جزائري واحد.
ومما لا ريب فيه هو أن الجزائر ذات وضع خاص كبلاد مستعمرة ... فالحركة العمرانية بقيت امتيازا - حكرا - للأقلية الأوروبية، ولمصلحتها. والمدارس، إنما أقيمت للمستوطنين بالدرجة الأولى، ولخدمة أهداف استعمارية محددة وواضحة. كما أن طرق المواصلات إنما أقيمت لتحقيق هدفين مزدوجين أولهما: تسهيل التحركات العسكرية، وثانيها الوصول إلى مواطن الثروة السطحية والباطنية (المناجم). كما أن المستشفيات والخدمات الصحية لم تتجاوز فائدتها المستوطنيين إلا في حدود ضيقة. وبقي سواد الشعب الجزائري المسلم نهبا للأمية والفقر المدقع، والأمراض الفتاكة.
ولقد كان هذا التناقض الفاضح بين حياة أقلية مترفة وأكثرية ساحقة محرومة هو الصورة الغريبة والمثيرة لما كانت عليه الجزائر طوال فترة الاستعمار. وإن مستوى المواطنين الجزائريين المسلمين في حياتهم ودخلهم هو الذي يجسد بصورة حقيقية وواقعية الصورة البشعة لقذارة الاستعمار. ولقد تطور الاقصاد الاستعماري تطورا سريعا ومذهلا، ولكن هذا التطور إنما كان على حساب الملكية الوطنية الجزائرية
стр. 1612
باستمرار. فكانت خطة الاستعمار الثابتة هي في تهديم وتدمير ثروات الوطنيين وملكياتهم، من أجل بناء ثروات الاستعمار وأجهزته، وفقا لقوانين الاستعمار ومبادئه المحكمة.
لقد بقيت (المسألة الاقتصادية) هي العمود الفقري في سياسة فرنسا الاستعمارية في الجزائر. فالاقتصاد الجزائري هو السبب الأول الذي دفع فرنسا لاحتلال الجزائر. ولقد كانت سياسة فرنسا الاقتصادية في الجزائر عملية اغتصاب ونهب عبر عنها الجنرال (بيجو، يوم ١٤ - أيار- مايو - ١٨٤٠ بقوله: (يجب أن يقيم الافرنسيون المستوطنون حيثما وجدت المياه الغزيرة والأراضي الخصبة، بدون أي اهتمام بحق ملكية الأرض التي يجب توزيعها على المستعمرين المستوطنين، وأن تصبح هذه الأراضي الخصبة من أملاكهم الشخصية). وكان المارشال (سولت) في السنة ذاتها قد صرح بما يلي: (إن استيطان الافرنسيين في الجزائر هو العامل الأول للبقاء فيها، وهذا الاستيطان قمين بتهيئة الوسائل خلال سنوات قليلة، للتمكن من الدفاع عن الجزائر، دون أن نستخدم أكثر مما يلزم من قوى البلد - فرنسا - وأمواله).
أ - اغتصاب الأرض:
سارت عملية الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، متباطئة أحيانا، متسارعة في أحيان أخرى، وفقا لما كانت تفرضه الظروف الدولية والجزائرية. وكثيرا ما أفتعلت فرنسا الظروف لتطوير هذه العملية، (مثل أزمة احتلال الألمان - بروسيا - للألزاس واللورين - سنة ١٨٧٠، والأزمة الاقصادية الايطالية في بداية القرن العشرين).
стр. 1613
ولقد بدأ المستوطنون في الاستقرار على أرض السهول الساحلية، ثم لم يلبثوا أن أخذوا في التوغل نحو السهول الداخلية، ونحو مناطق المناجم الصحراوية، ويظهر الجدول التالي تطور الملكيات الأوروبية في الجزائر:
السنة ..... المساحة بالهكتار ..... السنة ..... المساحة بالهكتار ..... ملاحظات
١٨٥٠ ..... ١٥٠،٠٠٠ ..... ١٩٢٠ ..... ٢،٥٨١،٠٠٠ ..... جدول بياني
١٨٧٠ ..... ٧٦٥،٠٠٠ ..... ١٩٤٠ ...... ٣،٠٤٥،٠٠٠ ..... بتطور الملكيات
١٨٨٠ .......... ..... ١،٢٤٥،٠٠٠ ..... ١٩٥٤ ..... ٣،٠٢٨،٠٠٠ ..... الأوروبية بالجزائر
١٨٩٠ .......... ..... ١،٦٣٥،٠٠٠ ..... ١٩٦٣ صفر ..... من سنة ١٨٥٠
١٩٠٠ .......... ...... ١،٩١٢،٠٠٠ ..... ..... حتى الاستقلال.
المرجع: جغرافية الجزائر - حليمي عبد القادر علي - ص ١٤٣
عملت الحكومة الافرنسية - وكل حكومة إفرنسية - على تشجيع الأفراد الإفرنسيين خاصة، والأفراد الأوروبيين عامة على الهجرة والاستيطان في الجزائر. وكذلك فعلت مع الشركات. وكان من أهم هذه الشركات: (الجمعية الجزائرية) التي منحتها سلطة الاحتلال قرابة المائة ألف هكتار في شرق (قسنطينة)، وجمعية (المقطع والهبرة) التي تصدقت عليها بأكثر من ٢٥ ألف هكتار من أجود الأراضي الوهرانية سنة ١٨٦٥، و (شركة جنوه الايطالية) التي وهبت لها سنة ١٨٦٣ مساحة عشرين ألف هكتار في إقليم سطيف، وطلبت منها مقابل ذلك جلب الإيطاليين إلى الجزائر.
لقد كان القطاع الزراعي هو المورد الرئيسي والتقليدي للبلاد، ولقد عمل النظام الاستعماري على جمع أكثر الأراضي خصبا وتركيزها في قبضة الاقطاع الاستعماري. وأدى ذلك بصورة طبيعية
стр. 1614
إلى بؤس المواطن الجزائري كنتيجة حتمية لانتزاع الأراضي الخصبة منه وتقديمها للأوروبي. ونجم عن ذلك تفاوت هائل بين الملاك الأوروبيين والملاك الجزائريين. وهكذا أصبح هناك ٢٥ ألفا من الملاكين الأوروبيين - من أصل ٨٠٠ ألف نسمة - وهم يملكون (٣،٠٢٨،٠٠٠) هكتارا من أكثر الأراضي الزراعية خصبا والتي تقدر مساحتها بـ (٢٠،٨٣٠،٠٠٠) هكتارا. - أي أن كل ملاك من هؤلاء يملك أكثر من ١٢٠ هكتارا نسبيا منها ٧٥ هكتارا منتجا. أما الملاك الجزائريون والبالغ عددهم (٥٣٢) ألفا من أصل عشرة ملايين. فكانوا يملكون (٧،٦٧٢،٠٠٠) هكتارا، أي بمعدل ١٤ هكتارا منها خمسة هكتارات منتجة فقط. أما الباقي وهو (١،٤٠٨،٠٠٠) هكتارا، فهي معتبرة كأملاك عامة تتصرف بها الادارة الاستعمارية على هواها. ويظهر هنا الموقف بصورته الخطيرة عند معرفة أن هذه الأراضي الزراعية قد خصصت لزراعة المنتجات المعدة للتصدير. في حين كان يجب تخصيصها لتأمين المواد الزراعية التي يحتاجها أبناء البلاد. وأبرز مثال على ذلك هو توزيع الكرمة التي كانت الحافز الأول للمشروع الاستعماري، فهي تشغل مساحة (٢٣٨) ألف هكتار، من أجود الأراضي. وكلها ملك للأوروبيين بدون اسثناء. وتنتج هذه الكروم (٢٢،٣١٨،٠٠٠) هكتوليتر من الخمور التي تصدر أربعة أخماسها إلى الخارج (١) وتبلغ قيمة هذه الصادرات (١٤٠) مليون فرنك - بحسب إحصاء سنة ١٩٣٥ وهي
стр. 1615
السنة التي ارتفع فيها تصدير الخمور الى أعلى مستوياته ثم استمر محافظا على معدله-. أما الحمضيات والتبغ وغيرهما من المنتجات الزراعية الثمينة فهي تشغل (١٧٠) ألف هكتار، يشغل الأوروبيون تسعة أعشارها. وعلاوة على ذلك، فهناك عامل كان يزيد الوضع سوءا، وهو أن أملاك الأوروبيين كانت محمية ومتصلة، في حين كانت أملاك الوطنيين متفرقة ومتباعدة. فكانت أملاك الأوروبيين منتظمة كالتالي:
١ - ملكيات متوسطة: ٢٤،٧٢ بالمائة.
٢ - ملكيات كبيرة: ٧٣،٤٨ بالمائة.
في حين كانت ملكيات الوطنيين منتظمة كالتالي:
١ - ملكيات صغرى: ٦٠ بالمائة.
٢ - ملكيات متوسطة: ٣٨ بالمائة.
٣ - ملكيات كبرى: ٢ بالمائة.
وجدير بالذكر أن الزراعة كانت بالنسبة إلى صغار الملاكين الأوروبيين ومتوسطيهم، مجرد عمل إضافي (حالة ترف). أما كبار الملاكين، فثمة مستعمرون أوروبيون أو شركات تمتلك ما بين ١٠ و٧٠ ألف هكتار. هذا بالإضافة إلى أن الملاك الأوروبيين هم الذين يستفيدون من القروض والميزات الزراعية الأخرى التي تسهل لهم استخدام الرسائل الزراعية الحديثة، في الوقت الذي يستثمرون أيضا اليد العاملة الجزائرية بأجور منخفضة - بخسة.
وبذلك فرض على الفلاح الجزائري عدم الاضطلاع بدور يذكر في الاقتصاد الوطني، حتى أصبح إنتاجه في معظم الحالات لا يكاد يكفي لتأمين متطلباته الأساسية للعيش البسيط، وبقي السواد الأعظم من سكان الريف الجزائري، وهم الذين يشكلون الكتلة الضخمة