← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ولم يكن هذا الأسلوب الدعائي ليخدع الجزائريين أو يضللهم .. فقد كانوا يعرفون بأن معظم ما يطلق عليه اسم (منجزات) إنما هو لخدمة أهداف الاستعمار الاستيطاني، وتطوير عملية النهب الاستعماري للموارد والثروات. وأن المواطن الجزائري لم يفد من هذه (المنجزات) شيئا، وإنما على النقيض أيضا، فقد جاءت (المنجزات) لتضيف إلى بؤسه بؤسا، وإلى شقائه مزيدا من الشقاء. وقد ترك ذلك آثاره السيئة التي لم تقتصر أضرارها على جيل جزائري واحد. ومما لا ريب فيه هو أن الجزائر ذات وضع خاص كبلاد مستعمرة ... فالحركة العمرانية بقيت امتيازا - حكرا - للأقلية الأوروبية، ولمصلحتها. والمدارس، إنما أقيمت للمستوطنين بالدرجة الأولى، ولخدمة أهداف استعمارية محددة وواضحة. كما أن طرق المواصلات إنما أقيمت لتحقيق هدفين مزدوجين أولهما: تسهيل التحركات العسكرية، وثانيها الوصول إلى مواطن الثروة السطحية والباطنية (المناجم). كما أن المستشفيات والخدمات الصحية لم تتجاوز فائدتها المستوطنيين إلا في حدود ضيقة. وبقي سواد الشعب الجزائري المسلم نهبا للأمية والفقر المدقع، والأمراض الفتاكة. ولقد كان هذا التناقض الفاضح بين حياة أقلية مترفة وأكثرية ساحقة محرومة هو الصورة الغريبة والمثيرة لما كانت عليه الجزائر طوال فترة الاستعمار. وإن مستوى المواطنين الجزائريين المسلمين في حياتهم ودخلهم هو الذي يجسد بصورة حقيقية وواقعية الصورة البشعة لقذارة الاستعمار. ولقد تطور الاقصاد الاستعماري تطورا سريعا ومذهلا، ولكن هذا التطور إنما كان على حساب الملكية الوطنية الجزائرية

стр. 1612

باستمرار. فكانت خطة الاستعمار الثابتة هي في تهديم وتدمير ثروات الوطنيين وملكياتهم، من أجل بناء ثروات الاستعمار وأجهزته، وفقا لقوانين الاستعمار ومبادئه المحكمة. لقد بقيت (المسألة الاقتصادية) هي العمود الفقري في سياسة فرنسا الاستعمارية في الجزائر. فالاقتصاد الجزائري هو السبب الأول الذي دفع فرنسا لاحتلال الجزائر. ولقد كانت سياسة فرنسا الاقتصادية في الجزائر عملية اغتصاب ونهب عبر عنها الجنرال (بيجو، يوم ١٤ - أيار- مايو - ١٨٤٠ بقوله: (يجب أن يقيم الافرنسيون المستوطنون حيثما وجدت المياه الغزيرة والأراضي الخصبة، بدون أي اهتمام بحق ملكية الأرض التي يجب توزيعها على المستعمرين المستوطنين، وأن تصبح هذه الأراضي الخصبة من أملاكهم الشخصية). وكان المارشال (سولت) في السنة ذاتها قد صرح بما يلي: (إن استيطان الافرنسيين في الجزائر هو العامل الأول للبقاء فيها، وهذا الاستيطان قمين بتهيئة الوسائل خلال سنوات قليلة، للتمكن من الدفاع عن الجزائر، دون أن نستخدم أكثر مما يلزم من قوى البلد - فرنسا - وأمواله). أ - اغتصاب الأرض: سارت عملية الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، متباطئة أحيانا، متسارعة في أحيان أخرى، وفقا لما كانت تفرضه الظروف الدولية والجزائرية. وكثيرا ما أفتعلت فرنسا الظروف لتطوير هذه العملية، (مثل أزمة احتلال الألمان - بروسيا - للألزاس واللورين - سنة ١٨٧٠، والأزمة الاقصادية الايطالية في بداية القرن العشرين).

стр. 1613

ولقد بدأ المستوطنون في الاستقرار على أرض السهول الساحلية، ثم لم يلبثوا أن أخذوا في التوغل نحو السهول الداخلية، ونحو مناطق المناجم الصحراوية، ويظهر الجدول التالي تطور الملكيات الأوروبية في الجزائر: السنة ..... المساحة بالهكتار ..... السنة ..... المساحة بالهكتار ..... ملاحظات ١٨٥٠ ..... ١٥٠،٠٠٠ ..... ١٩٢٠ ..... ٢،٥٨١،٠٠٠ ..... جدول بياني ١٨٧٠ ..... ٧٦٥،٠٠٠ ..... ١٩٤٠ ...... ٣،٠٤٥،٠٠٠ ..... بتطور الملكيات ١٨٨٠ .......... ..... ١،٢٤٥،٠٠٠ ..... ١٩٥٤ ..... ٣،٠٢٨،٠٠٠ ..... الأوروبية بالجزائر ١٨٩٠ .......... ..... ١،٦٣٥،٠٠٠ ..... ١٩٦٣ صفر ..... من سنة ١٨٥٠ ١٩٠٠ .......... ...... ١،٩١٢،٠٠٠ ..... ..... حتى الاستقلال. المرجع: جغرافية الجزائر - حليمي عبد القادر علي - ص ١٤٣ عملت الحكومة الافرنسية - وكل حكومة إفرنسية - على تشجيع الأفراد الإفرنسيين خاصة، والأفراد الأوروبيين عامة على الهجرة والاستيطان في الجزائر. وكذلك فعلت مع الشركات. وكان من أهم هذه الشركات: (الجمعية الجزائرية) التي منحتها سلطة الاحتلال قرابة المائة ألف هكتار في شرق (قسنطينة)، وجمعية (المقطع والهبرة) التي تصدقت عليها بأكثر من ٢٥ ألف هكتار من أجود الأراضي الوهرانية سنة ١٨٦٥، و (شركة جنوه الايطالية) التي وهبت لها سنة ١٨٦٣ مساحة عشرين ألف هكتار في إقليم سطيف، وطلبت منها مقابل ذلك جلب الإيطاليين إلى الجزائر. لقد كان القطاع الزراعي هو المورد الرئيسي والتقليدي للبلاد، ولقد عمل النظام الاستعماري على جمع أكثر الأراضي خصبا وتركيزها في قبضة الاقطاع الاستعماري. وأدى ذلك بصورة طبيعية

стр. 1614

إلى بؤس المواطن الجزائري كنتيجة حتمية لانتزاع الأراضي الخصبة منه وتقديمها للأوروبي. ونجم عن ذلك تفاوت هائل بين الملاك الأوروبيين والملاك الجزائريين. وهكذا أصبح هناك ٢٥ ألفا من الملاكين الأوروبيين - من أصل ٨٠٠ ألف نسمة - وهم يملكون (٣،٠٢٨،٠٠٠) هكتارا من أكثر الأراضي الزراعية خصبا والتي تقدر مساحتها بـ (٢٠،٨٣٠،٠٠٠) هكتارا. - أي أن كل ملاك من هؤلاء يملك أكثر من ١٢٠ هكتارا نسبيا منها ٧٥ هكتارا منتجا. أما الملاك الجزائريون والبالغ عددهم (٥٣٢) ألفا من أصل عشرة ملايين. فكانوا يملكون (٧،٦٧٢،٠٠٠) هكتارا، أي بمعدل ١٤ هكتارا منها خمسة هكتارات منتجة فقط. أما الباقي وهو (١،٤٠٨،٠٠٠) هكتارا، فهي معتبرة كأملاك عامة تتصرف بها الادارة الاستعمارية على هواها. ويظهر هنا الموقف بصورته الخطيرة عند معرفة أن هذه الأراضي الزراعية قد خصصت لزراعة المنتجات المعدة للتصدير. في حين كان يجب تخصيصها لتأمين المواد الزراعية التي يحتاجها أبناء البلاد. وأبرز مثال على ذلك هو توزيع الكرمة التي كانت الحافز الأول للمشروع الاستعماري، فهي تشغل مساحة (٢٣٨) ألف هكتار، من أجود الأراضي. وكلها ملك للأوروبيين بدون اسثناء. وتنتج هذه الكروم (٢٢،٣١٨،٠٠٠) هكتوليتر من الخمور التي تصدر أربعة أخماسها إلى الخارج (١) وتبلغ قيمة هذه الصادرات (١٤٠) مليون فرنك - بحسب إحصاء سنة ١٩٣٥ وهي

стр. 1615

السنة التي ارتفع فيها تصدير الخمور الى أعلى مستوياته ثم استمر محافظا على معدله-. أما الحمضيات والتبغ وغيرهما من المنتجات الزراعية الثمينة فهي تشغل (١٧٠) ألف هكتار، يشغل الأوروبيون تسعة أعشارها. وعلاوة على ذلك، فهناك عامل كان يزيد الوضع سوءا، وهو أن أملاك الأوروبيين كانت محمية ومتصلة، في حين كانت أملاك الوطنيين متفرقة ومتباعدة. فكانت أملاك الأوروبيين منتظمة كالتالي: ١ - ملكيات متوسطة: ٢٤،٧٢ بالمائة. ٢ - ملكيات كبيرة: ٧٣،٤٨ بالمائة. في حين كانت ملكيات الوطنيين منتظمة كالتالي: ١ - ملكيات صغرى: ٦٠ بالمائة. ٢ - ملكيات متوسطة: ٣٨ بالمائة. ٣ - ملكيات كبرى: ٢ بالمائة. وجدير بالذكر أن الزراعة كانت بالنسبة إلى صغار الملاكين الأوروبيين ومتوسطيهم، مجرد عمل إضافي (حالة ترف). أما كبار الملاكين، فثمة مستعمرون أوروبيون أو شركات تمتلك ما بين ١٠ و٧٠ ألف هكتار. هذا بالإضافة إلى أن الملاك الأوروبيين هم الذين يستفيدون من القروض والميزات الزراعية الأخرى التي تسهل لهم استخدام الرسائل الزراعية الحديثة، في الوقت الذي يستثمرون أيضا اليد العاملة الجزائرية بأجور منخفضة - بخسة. وبذلك فرض على الفلاح الجزائري عدم الاضطلاع بدور يذكر في الاقتصاد الوطني، حتى أصبح إنتاجه في معظم الحالات لا يكاد يكفي لتأمين متطلباته الأساسية للعيش البسيط، وبقي السواد الأعظم من سكان الريف الجزائري، وهم الذين يشكلون الكتلة الضخمة

стр. 1616

للشعب الجزائري، يعيشون في بؤس مدقع أو في بطالة مستمرة أو استغلال مجحف. وتعد هذه الطبقة حوالي (٨٠٠) ألف عائلة - أي حوالي أربعة ملايين مواطن جزائري. وكانت الجزائر- حتى الثورة -تصدر في كل سنة (٨٦) بالمائة من إنتاجها الزراعي إلى الخارج، في حين كان معظم السكان الريفيين يعيشون على تغذية ناقصة مستديمة. وقد لا تكون هناك حاجة لاستقراء ملامح (القوانين الاستعمارية) والمبادىء التي تم وضعها طوال فترة الاستعمار؛ والتي أدت إلى هذه النتيجة المأساة. ويكفي التذكير بذلك القانون الذي أقرته الحكومة الافرنسية خلال مناقشاتها من ٣ - ١٠ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٦. وتم على أساسه تحديد الشروط التي تتشكل بموجبها - أملاك الدولة الافرنسية في الجزائر - وكان نص القانون بحرفيته - كالتالي: (إن سكان البلاد الأصليين الذين لا يقدمون البرهان على جدارتهم بملكية الأرض، يعتبرون أمام القانون مشتثمرين أو مستأجرين تستطيع السلطات تهجيرهم لتصبح أراضيهم ملكا للمستوطنين). وليس من الصعب بعدها على الإدارة الافرنسية التي تمتلك القوة، أن تحدد (من هم غير الجديرين بملكية الأرض من الوطنيين الجزائريين وتعمل على تهجيرهم نحو الصحراء المقفرة). ب - الموقف السكاني - الديموغرافي لقد تداخلت مجموعة من العوامل لتشكل في الجزائر موقفا سكانيا -ديموغرافيا - شاذا وغريبا. ومن أبرز هذه العوامل: ١ - اغتصاب

стр. 1617

الأرض الجزائرية الخصبة من أصحابها الشرعيين. ٢ - فتح باب الهجرة أمام الأوروبيين ومنحهم امتيازات كبيرة على حساب المواطنين الجزائريين.٣ - عدم توافر مجالات العمل الزراعي أو الصناعي، واضطرار أبناء الريف (الجزائريين المسلمين) للزحف نحو المدن، أو حتى الهجرة من البلاد. ٤ - التفجر السكاني في الجزائر، والذي يعتبر استجابة طبيعية ومضادة لمحاولات القضاء على العنصر المسلم (عربي وبربري). ويشير الاحصاء الرسمي الأول الذي جرى في الجزائر في تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٤٨، وهو الأول من نوعه الذي جرى في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن عدد سكان البلاد بلغ (٨،٦٨٢،٠٠٠) نسمة، منهم (٧،٧٠٨،٠٠٠) من الجزائريين و (٩٧٤) ألفا من الأوروبيين. وأشارت إحصاءات عام ١٩٥٤ الرسمية إلى أن عدد السكان بلغ (٩،٥٢٨،٠٠٠) منهم (٨،٤٨٦،٠٠٠) من الجرائريين و (١،٠٤٢،٠٠٠) من الأوروبيين. ولكن المفهوم أن عدد السكان الجزائريين قد خفض في هذا الاحصاء لأسباب سياسية. ويحتشد معظم السكان في المنطقة الساحلية الخصبة التي تؤلف نحوا من عشر مساحة البلاد فحسب .. وكانت أعلى نسبة في كثافة السكان في مقاطعة الجزائر الوسطى، بينما أخفضها في مقاطعة وهران الغربية ولا تتجاوز نسبة كثافة السكان في مناطق الصحراء الجنوبية الشاسعة شخصا واحدا لكل ميل مربع. وتبلغ نسبة الجزاريين للأورويين في منطقة قسنطينة الشرقية أعلى النسب إذا ما أمكن مقارنتها بالمقاطعات الأخرى، إذ تباغ نسبة- الجزائرية الجبلية، وإذا ما وضع بالحسبان أيضا تقاليد أصالة الثورة في قسنطينة (من أيام

стр. 1618

أحمد باي قسنطينة وحتى الشيخ عبد الحميد بن باديس) فسيظهر بوضوح سبب اختيار الجزائر الشرقية لتكون القاعدة الأولى للثورة، أما في منطقة وهران التي ظلت هادئة عدة أشهر بعد نشوب الثورة؛ فتبلغ نسبة الجزائريين إلى الأوروبيين نسبة الخمسة إلى الواحد. وعلى كل حال، فقد يكون من المناسب ملاحظة تطور الانفجار السكاني قبل مرحلة الثورة، وهو الانفجار الذي كان عاملا مساعدا في انفجار الثورة، وتطورها، وإمدادها بالقدرة القتالية: السنة ..... عدد السكان ..... السنة ..... عدد السكان ..... ملاحظات ١٨٥٦ .......... ..... ٢،٣٠٧،٠٤٩ ..... ١٩١١ ..... ٤،٧١١،٢٧٦ ..... ١ - المرجع: جغرافية الجزائر- ١٨٦١ ..... ٢،٧٣٢،٨٥١ ..... ١٩٢١ ..... ٤،٨٩٠،٧٥٦ ..... حليمي عبد القادر علي - ١٨٦٦ ..... ٢،٦٥٢،٠٧٢ ..... ١٩٢٦ ..... ٥،١١٥،٩١٨ ..... ص ١٢٧ ١٨٧٢ ..... ٢،٤٦٢،٩٣٦ ..... ١٩٣١ ..... ٥،٥٤٨،٢٣٦ ..... ٢ - إن التراجع السكاني ١٨٨١ ..... ٢،٨٤٢،٤٩٧ ..... ١٩٣٦ ..... ٦،١٦٠،٩٣٠ ..... في سنة ١٨٦٦ قد نجم ١٨٨٦ ..... ٣،٢٦٤،٨٧٩ ..... ١٩٤٨ ..... ٧،٦١١،٩٣٠ ..... عن الأوبئة. ١٨٩١ ..... ٣،٥٥،٦٨٦ ..... ١٩٥٤ ..... ٨،٣٦٤،٦٥٢ ..... ٣ - إن التراجع السكاني في سنة ١٨٩٦ ..... ٣،٧٦٤،٠٧٢ ..... ١٩٦٠ ..... ٩،٣٠٠،٠٠٠ ..... ١٨٧٢ قد جاء نتيجة فشل ثورة ١٩٠١ ..... ٤،٠٦٣،٠٦٠ ..... ١٩٦٦ ..... ١٢،١٠١،٩٩٤ ..... المقرني والحداد، وما حدث من ١٩٠٦ ..... ٤،٤٤٧،١٤٩ ..... ..... هجرة إجماعية. وأعمالإبادة ضد الجزائريين. لقد ترافق الانفجار السكاني خلال المرحلة التي سبقت الثورة، بهجرة واسعة النطاق، سواء داخل الجزائر ذاتها- من الريف إلى المدينة، أو من الجزائر إلى فرنسا، وعلى الرغم من بقاء الجزائر بلدا زراعيا بالدرجة الأولى، إلا إن عدد سكان المدن بلغ في عام ١٩٥٤، أربعة أضعاف ما كان عليه هذا العدد في عام ١٨٨٦. في حين لم يتزايد

стр. 1619

عدد السكان في المناطق الريفية خلال المدة نفسها إلا بنسبة الضعف. وقد وجد هذا الاتجاه في الانتقال من حياة الأرياف إلى حياة المدن، بين الجزائريين والأوروبيين على حد سواء، لكنه كان أكثر وضوحا بين الأوروبيين الذين أصبح ثمانون بالمائة منهم يعيشون في المدن في عام ١٩٥٤، بينما كان ٦٤ في المائة منهم يعيشون فيها في عام ١٨٨٦. وقد اتجه الجزائريون أيضا في القرن الماضي إلى المدن. وكان سبعة في المائة من الجزائريين يعيشون في المدن في عام ١٨٨٦، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى ثمانية عشر في المائة في عام ١٩٥٤. وليس بالإمكان القول أن جميع هؤلاء الجزائريين يساهمون في حياة المدن مثلهم مثل الأوربيين. فبعضهم أقام له بيوتا من الصفيح هي أشبه بالأكواخ منها بالمنازل الشرعية. وهكذا، فقد كانت الحياة الحضرية في عهد الاستعمار من نصيب الأوروبيين بالجزائر، في حين بقيت الحياة البدوية والريفية من نصيب المواطنين الجزائريين وفقا لما يبرزه الجدول التالي: السنة ..... المسلمون ..... غير المسلمين ..... المجموع ..... نسبة المسلمين في المدن ١٨٨٦ .......... ..... ٢٤٠،٠٠٠ ... ٣٢٣،٠٠٠ ... ٥٦٣،٠٠٠ ..... ٦،٩ % ١٩٠٦ .......... ..... ٣٤٢،٠٠٠ ... ٤٤١،٠٠٠ ... ٧٨٣،٠٠٠ ..... ٨،٥ % ١٩٢٦ .......... .... ٥٠٨،٠٠٠ ... ٥٩٢،٠٠٠ ...... ١،١٠٠،٠٠٠ ...... ١١،٥ % ١٩٤٨ .......... ... ١،١٢٩،٠٠٠ .......... ..... ٧٠٩،٠٠٠ ... ١،٨٣٨،٠٠٠ ..... ١٦،٤ % ١٩٠٤ .......... ... ١،٦٢٤،٠٠٠ .......... ... ٧٩٢،٠٠٠ ... ٢،٤١٦،٠٠٠ ..... ٢٥ % ١٩٦٠ .......... ... ٢،٠٧٢،٠٠٠ ..... ٨٥٣،٠٠٠ ... ٢،٩٢٩،٠٠٠ ...... ٣٠ % وإذا ما تم الأخذ بنموذج لهذا التطور في المدن، ولتكن مدينة

стр. 1620

الجزائر - العاصمة - على سبيل المثال، فيظهر بأن عدد سكانها في سنة ١٨٨٦ لم يكن يتجاوز (٦٥) ألف نسمة منهم (٥٢) ألف أوروبي والباقون جزائريون. وفي سنة ١٩٠٦، ارتفع عدد سكان مدينة الجزائر إلى (١٧٤) ألفا، منهم (١٣٤) ألف أوروبي، ثم وصل هذا العدد في سنة ١٩٥٤ إلى (٥٧٠) ألفا منهم (١٧٢) ألف أوروبي، ثم إلى المليون بعد الاستقلال، منهم أقل من (٥٠) ألف أوروبي. ولعل تأثير هجرة الجزائريين إلى المدن الرئيسية في بلادهم من الأمور المثيرة. وعلى الرغم من أن عدد الجزائريين كان متفوقا دائما على الأوروبيين في مدينة قسنطينة، إلا أن هذا التفوق لم يكن يتجاوز الستة آلاف في عام ١٨٨٦، بينما بلغ في عام ١٩٥٤ - اثنين وستين ألفا- وفي عنابة، المدينة الرئيسية الثانية في شرق الجزائر وذات الميناء الهام، كان عدد الأوروبيين متفوقا على الجزائريين حتى عام ١٩٤٨ فقط، ثم تفوق عدد المسلمين الجزائريين. وبقيت وهران هي المدينة الوحيدة التي كان الأوروبيون يتفوقون في عددهم فيها على المسلمين، وإن كان عدد هؤلاء قد ارتفع بنسبة عالية خلال المرحلة التي سبقت الثورة. وهكذا كان عدد الأوروبيين متفوقا على عدد المسلمين في ثلاث أو أربع من المدن الرئيسية في الجزائر عام ١٨٨٦. ولكن هذا الوضع انعكس تماما في عام ١٩٥٤. ولم يحتفظ الأوروبيون بتفوقهم العددي إلا في مدينة وهران فقط. ولقد كان لهذه الظاهرة أهميتها الكبرى خلال مرحلة الصراع الحاسمة، وخلال المحاولات التي لجأت إليها فرنسا لتقسيم الجزائر- على نحو ما تم في فلسطين-. وتبقى الظاهرة الأكثر أهمية في التركيب السكاني - الديموغرافي -

стр. 1621

للجزائر، هي في فتوة مجتمعها الشاب. ففي عام ١٩٥٤، لم تكن نسبة من يزيد عمرهم على الستين، بأكثر من خمسة بالمائة. وكان هذا المجتمع يضم نسبة خمسين بالمائة من الذين تنقص أعمارهم عن العشرين عاما. أما النسبة الباقية وهي خمسة وأربعون بالمائة فتشير إلى من تتراوح أعمارهم بين العشرين والستين. وكانت نسبة الزيادة الطبيعية للسكان عند الأوروبيين واحدا بالمائة في السنة - وهي ناجمة عن زيادة ثابتة نسبيا في معدل المواليد اتخذت هذا الشكل منذ عام ١٩٣٩، وهبوط ثابت في معدل الوفيات. وبينها يميل تركيب السكان بين الأوربيين في الجزائر إلى الفتوة - إلى حد ما - فإن مسلمي الجزائر يعتبرون من أكثر الشعوب فتوة، وأكثرها تكاثرا في العالم. ففي عام ١٩٥٤،كان معدل زيادة الجزائريين المسلمين في حدود اثنين ونصف بالمائة. وقد اعتبر هذا التزايد السريع بعد الحرب العالمية الثانية، في طليعة العوامل الاقتصادية التي سببت أزمة حادة أدت إلى إفقار الفلاح الجزائري إلى حد أكبر مما كان عليه من الفقر في عام ١٩٣٩. ووجد الفلاح الجزائري المسلم نفسه محصورا بين موارده المحدودة جدا، وكثرة عدد الأفواه التي يجب تأمين الطعام لها. وكان لا بد من أن يتجه القادرون من الشباب نحو باب الهجرة إلى فرنسا بحثا عن المأوى والطعام، وهكذا بلغ عدد الجزائريين المهاجرين إلى فرنسا سنة ١٩٤٨ نحوا من مائة وستين ألفا. ثم ارتفع هذا الرقم إلى نحو أربعمائة ألف مع بداية الثورة. وقد استطاع هؤلاء المهاجرون الجزائريون - تأمين الطعام لحوالي مليونين من مواطنيهم، بإرسال أجور عملهم إلى أهلهم وذويهم، ولو كان ذلك على حساب حرمانهم

стр. 1622

هم أنفسهم من كثير من ضرورات الحياة ومتطلباتها. كما أن هذا التفجر السكاني قد أدى إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل - في الجزائر نفسها، وبالتالي إلى زيادة التذمر، وإلى توافر عدد كبير من الرجال القادرين على الانضمام إلى جيش الثورة ودعمه. وعندما انفجرت الثورة، أجرت السلطات الافرنسية بحثا إحصائيا، كشف عن وجود أربعة وخمسين ألف عامل عاطل عن العمل. ولكن هذا التقدير لم يكشف عن حقيقة مدى البطالة، أو نصف البطالة بين مسلمي الجزائر. حيث كان عدد العاطلين في القطاع الزراعي يتجاوز ثمانمائة ألف. كما أن عدد العاطلين وأنصاف العاطلين في جميع القطاعات قد تجاوز تسعمائة ألف من مجموع ثلاثة ملايين ونصف المليون، أي ما يعادل ربع المجموع الإجمالي للقوة العاملة. ولم يكن فقر الغالبية العظمى للجزائريين ناجما عن النسبة العالية للعاطلين عن العمل بصورة دائمة فحسب، بل عن تركيز الأراضي والثروة الصناعية في أيدي المستوطنين أيضا، بالإضافة إلى التوزيع غير العادل في فرض الضرائب. وبالإضافة أيضا إلى الأجور المنخفضة - والمجحفة - التي كانت تقدم لمسلمي الجزائر لقاء أعمالهم. وعلى سبيل المثال، فقد أجريت دراسة (في حزيران - يونيو- ١٩٥٥) أبرزت أن معدل الدخل الفردي عند أغلبية الجزائريين المسلمين، لا تزيد على (٤٥) دولارا في السنة. وهناك نسبة ضئيلة من مسلمي الجزائر لا تزيد على الخمسين ألفا يبلغ معدل دخل الفرد منها (٥٠٢) دولار في السنة. هذا في حين كان متوسط دخل الفرد

стр. 1623

الأوروبي لا يقل عن (٢٤٠) دولار في السنة. وكان هناك (١٥) ألفا من الأوروبيين يزيد دخل الفرد فيهم على (٣١٨١) دولارا في السنة. أما في مجال التشريع المجحف في فرض الضرائب؛ فيكفي القول بأن الضريبة التي كانت مفروضة على المسلم الجزائري في المدينة، والذي لا يتجاوز دخله (١٢١) دولارا في السنة، قد بلغت (٢٠،٤) بالمائة -اعتبارا من سنة ١٩٥١ وما بعدها - وهي عين النسبة المفروضة على الأوروبي من أبناء الطبقة الوسطى الذي يبلغ دخله (٥٠٢) دولارا في السنة. ج - النهب الاستعماري اعتمد النهب الاستعماري - على ما هو معروف - على مبدئين أساسيين ١ - الحصول على المواد الأولية التي تفتقر إليها الصناعة الغربية، بدون أي ثمن، أو في حدود الحد الأدنى من التكاليف. ٢ - تصنيع هذه المواد الأولية وإعادة تصديرها إلى البلاد التي يتم استعمارها - فتح الأسواق في وجه الصناعات الغربية. وكان من المتوقع على هذا الأساس أن تعمل الإدارة الاستعمارية في الجزائر على تدمير الصناعات اليدوية القائمة، وعدم إفساح المجال لها للتطور. وكان في الجزائر صناعات تقليدية بسيطة ورائعة توارثها الأبناء عن الأجداد جيلا بعد جيل، وهذه الصناعات تقوم على الورش الصغيرة، أو في المنازل، وتعتمد في الغالب على اليد العاملة الماهرة والابداع الفردي، وهي إلى ذلك لا تتطلب رؤوس أموال ضخمة، ولا إلى شركات لتموينها، مثل صناعة الفخار، والزرابي، والسجاد، والحبال، والحصر، والأدوات المنزلية، والحلي، والصناعات الخشبية، ودباغة الجلود وصناعتها الخ ...

стр. 1624

ولم يكن باستطاعة هذه الصناعات أن تصمد في وجه الصناعات التي اشتهرت باريس في إنتاجها، لا سيما وأن أسعار هذه الصناعات الغربية- الافرنسية - طرحت لتكون منافسة لأسعار الصناعات التقليدية. فأخذت هذه الصناعات في الانحدار والتقهقر ومن ثم الانقراض. وتخلى الصناع عن ورشاتهم ومحلاتهم وأغلقوها. فزالت الأسواق الوطنية الجميلة، لتحل محلها مراكز البيع العصرية التي يديرها الأوروبيون. وقد شكل القضاء على الصناعة الوطنية التقليدية عاملا إضافيا زاد من صعوبة الأزمة الاقتصادية التي فرضها النظام الاستعماري على الوطن الجزائري والمواطن الجزائري. ولم تحاول الإدارة الاستعمارية بالمقابل إقامة صناعة حديثة في الجزائر، بالرغم من توافر المواد الأولية (الحديد، والفوسفات، والجبس، والفحم، والطاقة الهيدروليكية - ثم الطاقة البترولية في الفترة الأخيرة)، وحتى الصناعات الغذائية احتكرتها فرنسا، ولم تسمح بإقامتها في الجزائر. وعندما وقعت الحرب العالمية الثانية، شعرت فرنسا بالحاجة لإقامة صناعات في مستعمراتها لدعم مجهودها الحربي، فأقامت في الجزائر بعض المصانع الصغرى التابعة للمؤسسات الصناعية الضخمة في فرنسا، وذلك حتى لا يكون هناك تناقض مع المبدأ الذي تبنته فرنسا وهو: (أن فتح مصنع بالجزائر معناه إغلاق آخر في فرنسا والقضاء بالتالي على الاقتصاد الافرنسي) فكانت المصانع التي أقيمت، في معظمها، فروعا للمعامل الافرنسية. ولقيت إقامة هذه الصناعات تشجيعا حيث يتوافر في الجزائر السوق المربحة، والمواد الأولية واليد العاملة الرخيصة.

стр. 1625

وارتفع بذلك عدد العمال حتى (٣٨) ألف عامل. وكان من أبرز الصناعات التي تمت إقامتها صناعات: النسيج، والمواد الكيماوية، والفلزات، والخشب، والفلين، والجلود، والمواد الغذائية، وتكرير البترول، والمعادن. وأقيم فرع لصناعات السيارات (رينو) بالقرب من الجزائر العاصمة - يعمل فيه ٥٠٠ عامل - وينتج سنويا (١٢) ألف سيارة. وهو مصنع تجميع. بالإضافة إلى مصنع (بيرلييه) شرق الجزائر العاصمة ويعمل فيه ٦٠٠ عامل. وكفاءته الإنتاجية ١٨٠٠ سيارة سنويا. ولم تكن إقامة مثل هذه الصناعات في كل الأحوال متناقضة مع مبادىء النهب الاستعماري، فبقي الحصول على المواد الأولية، وتصديرها في حالتها الخام إلى فرنسا، هو الأساس في تعامل فرنسا مع الجزائر، وبقيت المواد الأولية تصدر بكاملها تقريبا إلى فرنسا. وكانت الشركات التي تقوم باستخراج المعادن هي شركات إفرنسية، وها هو نموذج عن استخراج المعادن من المناجم الجزائرية والمصدرة الى فرنسا - وفقا للإحصاءات الرسمية لتصدير المعادن في سنة ١٩٥٣: الحديد: الإنتاج (٣،٣٣٢،٠٠٠) طن يصدر منها (٣،٠٣١،٠٠٠) طن. الرصاص: الإنتاج (١١،٨٠٠) طن يصدر منها (٩١٠٠) طن. الفوسفات: الإنتاج (٧٠٢،٦٠٠) طن يصدر منها (٥٦٢،٠٠٠) طن. الفحم: الإنتاج (٢٩٥،٠٠٠) طن يصدر منخا (٩٠٠٠) طن. تجدر الإشارة إلى أن إقامة هذه المصانع وتطويرها قد اصطدم بمقاومة المستوطنين ومعارضتهم. ومثال ذلك رد فعل منتجي الشوندر

стр. 1626

السكري من الافرنسيين ضد إقامة مصنع للسكر في الجزائر. وكان من نتيجة هذه المقاومة بقاء حركة التصنيع في طور بدائي جدا. وبقيت البلاد زراعية بالدرجة الأولى، ولم تجاوز الصناعة الجزائرية حتى عشية الثورة أكثر من (٢٨) بالمائة من الإنتاج العام. وكانت بأوضاعها تلك لا تستطيع أن تستوعب أكثر من ٧ بالمائة من اليد العاملة الوطنية. وبقيت الجزائر بلادا متخلفة اقتصاديا. ويذكر أن بعض الشركات الدولية الكبرى قد حاولت إقامة مصانع لها في الجزائر - مثل شركة سولفاي لإنتاج المواد الكيميائية - غير أن قبضة المعمرين القوية نجحت في إحباط هذه المحاولات وذلك (حتى لا تعمل هذه الصناعات على انتزاع قسم من اليد العاملة التي يستغلونها بثمن بخس. وحتى لا تتشكل طبقة العمال - البروليتاريا - وتنتظم، الأمر الذي يتناقض مع مصالحهم الاستعمارية). ... وتحكمت قبضة فرنسا الاستعمارية بالتجارة بمثل تحكمها بالزراعة والصناعة، وكانت معظم الصادرات الجزائرية من المنتجات التي يحتاجها النظام الاستعماري من المواد الأولية. أما الواردات فكان (٨٠) بالمائة منها من المواد المصنعة، والبافي من المواد الغذائية (مثل القهوة والشاي والسكر) وهي المواد التي تستهلك على نطاق واسع في البلاد المتخلفة غذائيا، وتشكل هذه المواد نسبة (٥٩) بالمائة مما يستهلكه الجزائريون. وتشير طبيعة هذا التبادل إلى أن الصادرات الجزائرية تفوق بحجمها الواردات. أما من ناحية القيمة، فالأمر على النقيض من ذلك. وها هي الإحصائية الرسمية التي نشرت سنة ١٩٥٣ والتي تؤكد هذه الحقيقة:

стр. 1627

صادرات الجزائر (٦،٦٧١،١٩١) طن قيمتها (١٣٨،٨٢٠) مليار فرنك فرنسي. ما تستورده الجزائر (٢،٦٦٥،٦١٧) طن قيمتها (٢٠٢،٦٩٤) مليار فرنك فرنسي. أما في سنة ١٩٥٩، فكان الميزان التجاري كما يلي: صادرات الجزائر (٩،٢٦٠،٠٠٠) طن قيمتها (١٨٠,٤٧٠) مليار فرنك فرنسي (قديم) ما تستورده الجزائر (٥،٤٦٦،٠٠٠) طن قيمتها (٥٦٣،١١٠) مليار فرنك فرنسي (قديم). ويظهر بذلك أن العجز في سنة ١٩٥٩ - قد وصل حتى (٣٨٢،٦٤٠) مليار فرنك (قديم). وكانت أعباء هذا العجز ونتائجه تقع على عاتق المسلم الجزائري. ويجب أن يضاف إلى ذلك أن التنظيم التجاري الذي فرضته فرنسا على الجزائر، كان يحتم نقل جميع هذه البضائع على البواخر الإفرنسية، الأمر الذي كان يزيد من الأرباح الافرنسية، ويضاعف من الكسب لمصلحة الاقتصاد الاستعماري. كما كان الاتحاد الجمركي مع فرنسا يفرض على الجزائر العزلة التامة عن العالم أجمع، ويستبعد كل منافسة أجنبية. وبقي المواطنون الجزائريون المسلمون معزولون عن العمل في المجالات التجارية. فكان كل تبادل تجاري يتم مع الخارج عن طريق العملاء الأوروبيين (الوسطاء). وكان من نتيجة هذا التنظيم الاقتصادي للجزائر زيادة الأعباء على المواطن الجزائري (المستهلك). لقد احتكرت الإدارة الإفرنسية تجارة الجملة (التصدير والاستيراد) وأسندتها الى اليهود والإفرسيين، وحاول بعض

стр. 1628

المسلمين الجزائريين اقتحام هذا المجال، غير أنهم صدموا بمقاومة الإدارة الإفرنسية من جهة ومقاومة الوسطاء (اليهود والإفرنسيين) من جهة ثانية. وكانت مقاومة الإدارة الإفرنسية عن طريق رفض العملات - القطع النادر- التي طلبها المسلمون لاستيراد البضائع الأجنبية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانت عملية التصدير والاستيراد تتطلب رؤوس أموال ضخمة، وكانت المصارف - البنوك - في قبضة الإفرنسيين. وهذا ما كان يمنع المسلمين من ممارسة الأعمال التجارية الخارجية - إلا إذا وقعوا في قبضة الرأسماليين من اليهود والافرنسيين، وبما أن عدد الأوروبيين بقي يتزايد بصورة مستمرة، فقد أخد عدد من هؤلاء أيضا يمارس تجارة التجزئة (المفرق). وباتوا وهم يملكون أجل الحوانيت في المدن والقرى الجزائرية الصغيرة، وبات أكبر تاجر جزائري لا تتعدى إمكانياته المادية ورخصة عمله الحكومية فتح دكان لبيع المواد التجارية بالجملة أو المفرق. وبقيت القروض ورخص الاستيراد والتصدير مرفوضة للصناع والتجار المسلمين من الجزائريين الذين لا يبرهنون على ولائهم للاستعمار، وهي ممنوحة لأولئك الذين يخنعون للذل والعبودية. وبموجب سياسة الاستغلال هذه، يتوجب على الجزائري الذي يرغب في فتح دكان أو مطعم أو مقهى أن يسير حسب تعاليم الشرطة الإفرنسية - البولس - الذي يعد المرجع الأول والأخير لدى الإدارة الاستعمارية التي تمنح الرخص الرسمية. فإذا ما تبين أن المتقدم بطلب الرخصة يتمتع بآراء وطنية، أو ظهرت آراؤه هذه بعد أن يكون قد حصل على الرخصة، فسرعان ما تسحب الرخصة ويغلق محله،

стр. 1629

ويسجل اسمه بالمداد الأحمر، علامة العصيان، ونذيرا لما سيلاقيه هو وعائلته من تعسف واضطهاد. وبقيت الضرائب الفادحة، وإغلاق المقاهي الإسلامية، وتشجيع الصناعات المماثلة التي استطاع المسلمون أن يبرزوا فيها (مثال ذلك: الكوكاكولا ضد مصانع الليموناضة الجزائرية). واستصفاء الأموال، والمحاكمات والمصادرات وعزل العمال والموظفين المسلمين المتهمين بجريمة (الغيرة الوطنية) كل هذه وسائل عادية في جملة الوسائل الاستعمارية لقمع الشعب الجزائري من الناحية الاقتصادية. أما فكرة إنشاء المصانع والشركات، أو تعاطي تجارة كبرى كالتصدير والاستيراد، فيجب على الجزائري أن يستبعدها عن تفكيره، لأنه من المحال عليه بلوغها. ولم يكن ذلك غريبا بعد أن أصبحت هناك حفنة من المعمرين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، وهم يتحكمون بكل اقصاديات الجزائر، من أمثال (هنري بورجو) و (جورج بلانشات) و (لوران شيامنينو) الذين أحكموا سيطرتهم على كافة المصانع والشركات والبنوك والمناجم، واستولوا على أطيب الأراضي الزراعية في الجزائر وأخصبها. د - البترول والغاز الطبيعي لقد ظهرت مشكلة الطاقة الممثلة (بالطاقة البترولية بالدرجة الأولى) في ظروف حرب العاشر من رمضان (تشرين الأول-أكتوبر- ١٩٧٣)، وأخذت أبعادها الحادة والخطيرة. غير أن جذور هذه المشكلة تمتد في الواقع إلى أيام الحرب العالمية الثانية. وقد كان لهذه المشكلة أبعادها الاقتصادية الهامة والحاسمة في التأثير على مجموعة

стр. 1630

المواقف خلال مسيرة الصراع الافرنسي - الجزائري، وحتى خلال المرحلة التالية لحرب التحرير. وقد كان هذا التأثير نتيجة لما تم اكتشافه في الجنوب الجزائري وبقية مناطق الصحراء من الثروة البترولية والغاز الطبيعي. ذلك أن اكتشاف البترول في الجزائر، أحدث تغييرا واضحا في مجموع الأوضاع الاقتصادية للجزائر خاصة، وأقطار المغرب العربي الإسلامي بصورة عامة. وعلى الرغم من أن عمليات التنقيب خلال مرحلة ما قبل الثورة، لم تكن إلا عمليات جزئية ومحدودة في المناطق الصحراوية، الا أن الأبحاث قد أكدت في تلك الفترة أن الإنتاج السنوي سيصل حتى (١٣) مليون طن في العام ١٩٦٠، وأن هذا الإنتاج سيرتفع حتى (٢٥) مليون طن في العام ١٩٧٠. وظهر أن هذه الثروة الكامنة ستفتح آفاقا جديدة ومجالات رحبة أمام المستقبل الاقتصادي للجزائر. وتستطيع الجزائر بنتيجة ذلك احتلال مركز ممتاز يتيح لها أن تتصنع، وأن تنهض بسرعة لرفع مستواها الاقتصادي الأمر الذي سيساعدها على تجاوز مرحلة التخلف التي جهدت فرنسا طويلا لتكوينها خلال ليل الاستعمار. لقد أدى ذلك الى زيادة تمسك فرنسا بمواقعها في الجزائر، وزاد من ضراوتها (أو استماتتها) للاحتفاط بالجزائر وبترولها، ما كان يحدث من تحولات مستمرة، واضطرابات متوقعة في السوق البترولي للعالم العربي (الذي ما زالوا يطلقون عليه اسم الشرق الأوسط) نتيجة التطور المستمر في الصراع العربي - الاسرائيلي. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان من المتوقع أن ينفرد البترول الجزائري والغاز الطبيعي المستخرج من الجزائر في ميزتها الخاصة، وهي قربهما من السوق

стр. 1631

الاستهلاكي في الغرب - المستورد الأول في العالم للطاقة البترولية. ولقد وطدت فرنسا نفسها، وعزمت عزمها، على بذل المستطاع، وأكثر مما هو مستطاع، من أجل الاحتفاظ ببترول الجزائر واستثماره ونهبه ... ولهذا أعلنت أن الصحراء الكبرى هي أرض فرنسية منفصلة عن الجزائر، وأقامت للصحراء حدودها المصطنعة، وشكلت لها حكومة خاصة ووزارة جديدة. وعملت في الوقت ذاته على تصعيد الصراع في حربها الشاملة ضد شعب الجزائر بهدف تأمين طريق بترولي، بينما راحت تبحث عن مخارج سياسية تبادلية تضمن لها إحكام قبضتها على الجزائر وعلى أقطار المغرب العربي الاسلامي كافة. وقد ركزت فرنسا جهدها أيضا - في إطار صراعها السياسي - على مضاعفة اتصالاتها بالشركات البترولية العالمية، بهدف إثارة اهتمام هذه الشركات ببترول الجزائر، ومحاولة إغراء رؤوس الأموال الأجنبية التي تعمل في التنقيب عن هذا البترول. وكانت فرنسا تعرف أن مشاريع البترول الجزائري تتطلب إمكانات مالية وتقنية تزيد كثيرا على ما كان متوافرا لها في تلك الفترات. ولهذا فقد أثارت اهتمام الدول الأوروبية الأخرى - ولا سيما دول السوق الأوروبية المشتركة - بهذا البترول، وعادت إلى طرح مشاريعها الاستعمارية القديمة بأثواب جديدة عن طريق ما أطلقت عليه اسم (إقامة المنظمة الأوروبية -الأفريقية - أوروفريقيا) مع إعطاء هذه المنظمة المقترحة صيغة تجميلية مبكرة. غير أن الجزائر الثائرة لم تقف جامدة تجاه هذا التحرك الافرنسي المكشوف لها في وسائله وأهدافه. فعملت على إحباط كافة المشاريع المطروحة. وجدير بالذكر أن (لجنة التنسيق والتنفيذ) التابعة لجبهة التحرير

стр. 1632

الوطني الجزائري قد تنبهت منذ البداية لهذه الأخطار الجديدة المحدقة بالبلاد. فعملت على تحذير جميع البلدان المؤيدة لأطماع فرنسا الاستعمارية أو المناهضة لها من مغبة الاستجابة للمشاريع الافرنسية. وعندما أعلنت فرنسا في سنة ١٩٥٧ عن إصدارها لقانون استثمار البترول. ردت لجنة التنسيق والتنفيذ الجزائرية بما يلي: (إن حق استثمار البترول هو أمر منوط بحكومة وطنية جزائرية ذات سيادة. وعلى هذا فإن الجزائر لن تكون ملزمة بأية معاهدة أو أي اتفاق أو التزام قامت به فرسا أو تقوم به باسم الجزائر). وفي الوقت ذاته قام جيش التحرير الوطني الجزائري بشن مجموعة من المعارك الظافرة في الصحراء، وضاعف من حملاته على الحاميات الافرنسية فيها، وبهذا أصبح من المحال متابعة نقل البترول بواسطة الحاملات أو الناقلات الخاصة، والتي أرادت فرنسا من خلالها إعطاء عملية النقل قيمة رمزية. أمام هذا الموقف، لجأت فرنسا الى استخدام سلاح جديد - قديم -وهو سلاح التفرقة بين أقطار المغرب العربي - الإسلامي؛ ففي تلك الفترة، عقدت لجنة (التنسيق والتنفيذ الجزائرية) (مؤتمر طنجة) مع ممثل المغرب وتونس، بهدف (تشكيل الجبهة المغربية) لمقاومة المخططات الإفرنسية وتنسيق الجهد العربي ضدها. فما كان من فرسا إلا أن عقدت اتفاقا مع تونس (سنة ١٩٠٧) يسمح لشركة فرنسية بمد أنابيب البترول من (أدجيليه) في الجزائر الى البحر الأبيض المتوسط عبر الأراضي التونسية، وأقدمت تونس على عقد هذا الاتفاق مدفوعة بقلق غامض على مصير وحدة أقطار المغرب العربي -الإسلامي، ولاعتبارات أخرى تتعلق بمستقبل هذا المغرب. وكان رد

стр. 1633

الفعل المباشر والفوري (للجنة التنسيق والتنفيذ) إصدار بيان أعلنت فيه: (بأنها تعتبر توقيع هذه الاتفاقية خرقا لمقررات مؤتمر طنجة، واعترافا ضمنيا من تونس بحق فرنسا في بترول الجزائر. وأن الشعب الجزائري لن يقبل بأن تغذى الحرب التي تشن ضده لمدة طويلة أو قصيرة، ببترول ينقل عبر أراضي بلاد المغرب. كما أن مد الأنابيب المتفق عليه، يفقد الشعب الجزائري الفوائد المرجوة من معركته في الصحراء. وهي المعركة التي يخوضها آلاف المواطنين الجزائريين ... إن الاتفاقات الحقيقية لا يمكن أن تبرم إلا في مغرب متحرر، وبعد أن تبنى في كل بلد سياسة اقتصادية موحدة، أما مساهمة الدول الأجنبية في استثمار هذا البترول، فليست أمرا ثانويا، بل أوليا لا مناص منه، بيد أن هذه المساهمة لا يمكن أن تتم الا مع مراعاة المصالح المغربية. وعلى أساس الحرية التامة بين المتعاقدين، والحقوق المشروعة للطرفين المتعاقدين). وعلى أثر ذلك أعلنت الحكومة التونسية أنها لن تسمح بضخ البترول الجزائري إلا بعد انتهاء الحرب الجزائرية - الإفرنسية. وأمكن تجاوز الأزمة في ظروف الحرب. لتبرز بعد ذلك عند عقد اتفاقية (ايفيان) ولتبرز بشكل أخطر في (مشكلة الصحراء). هـ - الموقف التعليمي (الثقافي) كان السلاح الثقافي هو السلاح الرئيسي الذي استخدمته فرنسا لتدمير الجزائر، وفصلها عن أصالتها وماضيها وتراثها الحضاري ومستقبلها، وبالتالي عزلها عن محيطها الاسلامي - العربي. فانتشر في

стр. 1634

الجزائر، وعلى نطاق واسع، أدب استعماري هدفه تمجيد فرنسا وعظمتها وتفوقها وما تقيمه من مشاريع في الجزائر (لتحضيرها وتمدينها وإخراجها من الظلمات الى النور). واذا ما تمت العودة الى ما تم طرحه باسم (التقاليد الثقافية الإفرنسية) فسيظهر أن فرنسا قد خلقت خرافة باسم (البعثات الثقافية الاستعمارية). غير أن تجربة أكثر من قرن قد برهنت على أن الوجود الاستعماري في الجزائر كان سببا في تقهقر الجزائر تعليميا وثقافيا، وتوقفها عن كل تطوير طبيعي للثقافة الجزائرية الأصيلة. ولم يكن حملة لواء تلك (البعثات الثقافية الاستعمارية) في الواقع سوى نفر من المهاجرين المضطربين فكريا، والفقراء عقليا، والمفلسين ماديا. جاءوا من وراء البحار يدفعهم حب المغامرة والرغبة في جمع المال، فكان همهم الوحيد وهم يهبطون أرضا تم إخضاعهم حديثا بقوة السلاح، أن يعيشوا بيسر وسهولة، وأن يجمعوا بسرعة ثروة كافية. ولقد وجد هذا النفر نفسه حيال الشعب الجزائري المتقدم في ظل الحضارة العربية والثقافة الإسلامية. وهو بالتالي لم يكن شعبا جاهلا أو بربريا كما أرادت تصويره روايات (الأدب الاستعماري) والذي يعتمد على مجموعة من الأساطير القديمة والمرتبطة في تاريخها بأيام الحروب الصليبية القديمة وأحداثها. كان يوجد في الجزائر قبل احتلال فرنسا سنة ١٨٣٠، جمعية ثقافية إسلامية كبرى، إلى جانب جمعيات صغرى كثيرة. فكان التعليم منتشرا حتى في أقصى المناطق النائية، وفي أصغر القرى - والدواوير - فكان المرء يرى المدارس الكثيرة التي تضم الشبيبة الناشطة. كما كانت الجامعات منتشرة في كافة أصقاع العالم الإسلامي - العربي. وقد سجل (الجنرال هوتبول) في مذكرة بعث بها سنة ١٨٥٠ الى رئيس

стр. 1635

الجمهورية الثانية ما يلي: (كانت الثقاقة الاسلامية قبل الاحتلال واسعة الانتشار. وشاملة للفروع الآتية: ١ - التعليم الابتدائي الذي يشمل الأطفال بين الثالثة والعاشرة. ٢ - التعليم الثانوي ويشمل الأحداث بين العاشرة والخامسة عشرة. ٣ - التعليم العالي: للشباب، ويشمل الفقه والحقوق والرياضيات وعلم الفلك والجغرافيا والتاريخ والطب. وكان التعلم الثانوي والعالي مجانيا كالتعلم الابتدائي. وكان يوجد في الجزائر أيضا جامعات أهمها: جامعة قسنطينة، وجامعة مدينة الجزائر، وجامعة تلمسان، وجامعة مازونا وبسكرة, وكانت هذه الجامعات من مستوى جامعة القاهرة وجامعة تونس وجامعة فاس، وكانت تضم آلاف الطلبة المسلمين). وجاء الاستعمار الافرنسي ليبذل كل ما يستطيعه من أجل تدمير المجتمع الجزائري وتكوينه تكوينا جديدا يستجيب لأهدافه ويحوله نحو وجهة جديدة. واعتمد خطة هدامة ذات اتجاهين: أولهما تعميم الجهل. وثانيها: نشر ثقافة فرنسية استعمارية. والهدف من الخطة هو القضاء على الثقافة الاسلامية واجتثاثها من جذورها. وتجريد الجزائريين المسلمين بالتالي من تراثهم القومي بغية القضاء على كل وعي وطني أو شعور بانتمائهم الى شعب عظيم له ثقافته الرائعة وحضارته المميزة. وفي إطار هذه الخطة، عمل الاستعمار الإفرنسي على إغلاق المدارس وتشتيت الطلاب، وحل المنظمات الخيرية - الدينية التي كانت تشرف على حركة التعليم، ومصادرة أموالها (الأوقاف)، والقضاء على قواعد التعليم (المساجد). واعتبار اللغة العربية التي هي اللغة القومية -لغة أجنبية - بموجب القانون وتحريم تدريسها. ولقد طبق في

стр. 1636

الجزائر نظام تدريس أشبه ما يكون بالنظام المطبق في فرنسا، وهو نظام لم يطبق في أي مستتعمرة أخرى غير الجزائر. كما أنه حرم على الجزائريين المسلمين اتباع أي نظام تعليمي آخر. وحظر تعليم اللغة العربية أو التاريخ الوطني أو الاطلاع على الحضارة العربية - الاسلامية؛ هذه الحضارة التي ترتبط بها الثقافة الجزائرية ارتباطا وثيقا. وظل التعليم بين سنة ١٨٣٠ - ١٩٤٤ بالنسبة للطلاب الجزائريين معدوما أو شبه معدوم، بينما كان عاما بالنسبة للأوروبيين. فالمدارس لا تقبل سوى عدد محدد جدا من الطلاب الجزائريين، وعلى شكل امتياز في معظم الأحيان لمن ترضى عنهم الادارة الإفرنسية. غير أن هذه الأقلية الضئيلة جدا قد روع وجودها في المدارس السكان الأوروبيين، كما تثبته هذه الوثيقة التي تبناها مؤتمر المستعمرين في الجزائر سنة ١٩٠٨. وتضمنت الوثيقة ما يلي: (... اعتقادا منا بأن تعليم الوطنيين في الجزائر إنما ينطوي على محاذير حقيقية، سواء في المضمار الاقتصادي، أو بالنسبة للمستوطنين الأوروبيين - الافرنسيين -فإن المؤتمر قد أعرب عن رغبته في إلغاء التعليم الابتدائي لهؤلاء الوطنيين إلغاء نهائيا). وتجدر الإشارة إلى أن عدد الطلاب المسلمين الجزائريين المقبولين في المدارس خلال تلك الفترة، لم يكن يتجاوز (٤١) ألف طفل من اصل (١،٧٨١،٠٠٠) طفل كانوا في عمر الدراسة. لم يستسلم مسلمو الجزائر لهذه المخططات، وقاموا بالرغم من كل الضغوط والظروف السيئة ببذل كل جهد ممكن للمحافظة على وجودهم من خلال تمسكهم بكتاب الله وإقبالهم على التعليم

стр. 1637

الإسلامي العربي. وقام شيوح المسلمين في الأغواط وميزاب وقسنطينة بنشر التعليم، كما عملت جمعية علماء مسلمي الجزائر -عبد الحميد بن باديس وإخوانه في الله - على إرساء القواعد الإسلامية الثابتة ونشر التعليم الإسلامي والثقافة العربية، وأخذت محصلة هذه الجهود في إعطاء ثمارها على شكل نهضة ثورية شاملة. وشعرت فرنسا بخطورة الموقف، فأخذت منذ سنة ١٩٤٤ ببذل محاولات جديدة لاستعادة المبادأة، والقضاء على المدارس الخاصة، وذلك بفتح أبواب المدارس للتعليم الابتدائي في المدارس الرسمية - الإفرنسية -. وزاد عدد الطلاب الجزائريين في هذه المدارس، غير أن عدد الطلاب الذين لم تتسع المدارس لقبولهم بقي كبيرا. وذلك لأن الإدارة الإفرنسية لم تعمل على زيادة عدد المدارس أو بناء مدارس جديدة، وكل ما فعلته هو أنها اخترعت نظام المدارس التي تعمل بنصف دوام (الدوام النصفي) الذي يحقق هدفا مزدوجا - الأول: تخفيض مستوى التعليم -تعميم الجهل بالتعليم. والثاني: استيعاب أكبر عدد من الطلاب لمقاومة جهد المدارس الاسلامية الخاصة وحرمانها من التطور. أما المدارس الابتدائية التي كان يتم افتتاحها جديدا فكانت تخصص لأطفال الأوروبيين، وهذا مما تؤكده الاحصاءات الرسمية التي أعلنت سنة ١٩٥٣. وجاء فيها ما يلي: ١ - التعليم الابتدائي: - الطلاب الجزائريون (٢٦٩) ألف طفل سجلوا من أصل (١،٩٦٩،٠٠٠) طفل في سن القبول، أي أن نسبة الذين بقوا خارج المدارس من هؤلاء الأطفال هي (٨٦،٥) بالمائة.

стр. 1638

- الطلاب الأوربيون (١٣٥) ألف طفل، هم جميع أولاد الأوربيين. ٢ - التعليم الثانوي: الطلاب الجزائريون (٤١٥٩) طالبا من أصل ١٢ مليون نسمة. الطلاب الأوربيون (٢٤) ألف طالب من أصل (٨٠٠) ألف أو حتى (٩٠٠) ألف نسمة. ٣ - جامعة الجزائر: الطلاب الجزائريون (٥٠٧) طلاب. الطلاب الأوربيون (٥١٣٢) طالبا. وفي مجال التعليم الفني (المهني) فقد أنشئت معاهد عالية للتعليم الزراعي، ومعاهد متوسطة ومدارس ابتدائية. ولم يكن المعهد الزراعي العالي يضم ولو جزائريا واحدا في عداد طلابه. وكان عدد الطلاب في بقية المعاهد - من الجزائريين والإفرنسيين على النحو التالي: المدارس الزراعية ...... الجزائريون ........ الإفرنسيون مدرسة فيليب فيل ..... ٢ ..... ٣٣ مدرسة عين تيموشنت ..... ٣ ..... ٤٤ مدرسة سيدي بالعباس ..... ٢ ..... ٨٢ مدرسة الجلم ..... ٣٧ ..... ٥٥ مدرسة المختراس ..... ٣٠ ..... ٣٠ المعهد العالي الزراعي ..... - ..... ١٣٨ المجموع ..... ٧٤ ..... ٣٨٢

стр. 1639

وتتكرر هذه الظاهرة في التعليم الصناعي، حيث يلاحظ تنافص عدد الجزائريين كلما ارتفع المستوى التعليمي وفقا لما تشير اليه دراسة إحصائية للسنة الدراسية ١٩٥٤ - ١٩٥٥ وهي كالتالي: المدارس الصناعية ..... الجزائريون ..... الإفرنسيون مركز التدريب ..... ٣٦٠٠ ..... ٣٠٠٠ فروع التعليم المهني ..... ٣٠٠ ..... ٦٦٠ الثانوية الصناعية ..... ٣٠٠ ...... ١٥٥٠ المعهد العالي الصناعي ..... ١١ ..... ٣١٤ المجموع ..... ٤٢١١ ..... ٥٥٢٤ لقد كانت شرعة محاربة التعليم في الجزائر؛ مجسدة بما أعلنه المستوطنون الإفرنسيون، في مجابهة الحكومة الإفرنسية سنة ١٨٩٤، عندما فكرت هذه الأخيرة في تطوير التعليم في الجزائر، فطرح المستوطنون مقولتهم التالية: (لا حاجة لبناء المدارس وإنشائها للبرهان على قوتنا وقدرتنا، فالكرم لا نفع منه في بلاد تنكر الجميل). وبقيت هذه المقولة هي الشرعة السائدة في الجزائر طوال عهد الاستعمار. ... لقد أخذت الأقلام الاستعمارية في الدفاع عن فرنسا الاستعمارية، وتحميل كل سوءات الاستعمار وعيوبه للمستوطنين غير أن مثل هذه المحاولات لتبرئة الاستعمار الإفرنسي ومحاولة منحه (شهادة حسن سلوك) هي محاولات فاشلة. ذلك أن كل البراهين والشواهد تؤكد حقيقة واحدة وهي أن الاستعمار الاستيطاني في

стр. 1640

الجزائر لم يكن إلا وسيلة لضمان السيطرة الاستعمارية، وتأمينا للنهب الاستعماري. وقد قام هذا الاستعمار الاستيطاني بواجبه على أكمل وجه في تنفيذ المخططات الاستعمارية الإفرنسية. وكان لا بد للمستوطنين من امتيازات مقابل الخدمات التي كانوا يقدمونها للوطن الأم. وعلى هذا فمن المحال فصل الاستعمار الإفرنسي عن أجهزته التنفيذية والممثلة بالاستعمار الاستيطاني. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد تعاقب على حكم فرنسا منذ استعمارها للجزائر سنة ١٨٣٠ وحتى الثورة المباركة للجزائر في سنة ١٩٥٤ أنظمة امبراطورية وملكية وجمهورية، يمينية، يسارية، وكلها سلكت خطا ثابتا تجاه الجزائر، أليس في ذلك ما يدين فرنسا الاستعمار وفرنسا الدولة؟ علاوة على ذلك، فقد حاول الجزائريون منذ استعمار فرنسا لبلادهم أن يعملوا على إصلاح المفاسد بالتوجه الى الحكم الافرنسي - في باريس مباشرة. وكانت هذه المحاولات تصطدم داما بمدافع فرنسا الطويلة. ولقد بقي هذا الحلم الخادع، والسراب المضلل، أمل أولئك الذين نشأوا في أحضان (المدرسة الإفرنسية) ونادوا بدمج الجزائر بفرنسا. وهم يفصلون في محاولاتهم تلك بين الاستعمار الإفرنسي وجهازه التنفيذي (الاستعمار الاستيطاني) حتى تبين لهم في النهاية صعوبة إجراء مثل هذا الفصل، ولم يجدوا أمامهم في النهاية غير طريق الثورة. وبعد، قد يكون من الصعب في هذه العجالة، عرض كل ملامح الجزائر عشية ثورتها، سواء في مجال التمييز العنصري بين المسلمين الجزائريين، والعنصريين الإفرنسيين، أو في مجال التمييز في الوظائف والخدمات - وحتى الخدمة في الجيش - أو في مجال الرعاية الصحية.

стр. 1641

ولعل ما سبق طرحه، هو أمر كاف لإيضاح صورة الموقف وتعميمها على كل مرافق الحياة العامة والخاصة، وعندئذ يمكن القول: كم احتمل شعب الجزائر من عنت الاستعمار وظلمه؟ ولرب قائل بأن البيانات السابقة، والمعلومات الواردة، قد تجاوزها الزمن، وأصبحت في ذمة التاريخ. وكان بالمستطاع تناسي تلك الآلام والمآسي لو توقفت الحرب فعلا، وانتهى الصراع حقيقة. غير أن الصراع لم يتوقف ولو أن وسائله قد تطورت. وعلى هذا يجب ألا ننسى أبدا، ويحب أن نتذكر دائما. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن جيل الأبناء يجب عليه أن يعرف ما هو الاستعمار؟ وكم عانى الآباء والأجداد من قسوة الاستعمار ووحشيته، وعندئذ سيحرص جيل الأبناء على استقلاليته بقدر ما يتناسب مع جهود السلف وتضحياتهم.

стр. 1642

٢ - الموقع الجيواسراتيجي والطبوغراي (١) ليس هدف البحث في هذا القسم إجراء دراسة عامة وشاملة للجفرافية الجزائرية. إذ أن بلوغ هذا المطمح أمر عسير في بحث يتركز بالدرجة الأولى على الثورة الجزائرية، وظروف انطلاقها، ولكن إذا كان من الصعب تحقيق ذلك، فلا أقل من إعطاء فكرة وجيزة قدر المستطاع عن طبيعة مسرح الأعمال القتالية الذي شهد أحداثا مثيرة في حرب ضارية استمرت سبع سنوات. تشكل الجزائر، على ما هو معروف، القسم المتوسط من المغرب الإسلامي - العربي والذي أطلق عليه العرب قديما اسم (جزيرة المغرب)، ذلك أن البحر المائي يحد هذه الجزيرة من الشرق والشمال والغرب ويحدها البحر الرملي من الجنوب. وتمتد الجزائر فوق مساحة تزيد على المليونين من الكيلو مترات المربعة، وتتصل في حدودها الشرقية مع تونس وليبيا، وفي حدودها الغربية مع المغرب وموريتانيا وفي الجنوب مع النيجر ومالي. وتتميز الظواهر الطبوغرافية للجزائر بمظهرين أساسيين هما: سلاسل جبلية في الشمال. متقطعة، تنحصر

стр. 1643

بين فكيها أراض مرتفعة تمىس بالنجود. وفي الجنوب قاعدة عظيمة متسعة الأرجاء، فيها سهول حقية، وجبال بركانية، وكثبان رملية وهضاب صخرية. والانحدار العام لإقليم الشمال الجزائري يتجه من الجنوب إلى الشمال في أغلب الأجزاء. ويظهر ذلك بوضوح إذا ما تم أخد مقاطع مختلفة تمتد من الساحل حتى جبال الأطلس الصحراوي. ثم أجريت المقارنة فيما بينها. وعلى سبيل المثال، فإذا ما أخذ مقطع يبدأ من وهران إلى العين الصفراء، مارا بجبال الضاية فجبال عنتر، (انظر المقطع أ) حيث يظهر أن منطقة العين الصفراء يزيد فيها الارتفاع على الألفي متر (جبل عيسى بالقرب من العين الضفراء ارتفاعه ٢٢٣٦ مترا) بينما جبال تاسالا بالقرب من وهران لا يزيد ارتفاعها عن الألف متر إلا قليلا، أي أن الارتفاع في الجنوب يفوق الارتفاع في الشمال بالضعف. ولهذا كانت الأودية في الشمال الغربي من الجزائر تنحدر من الجنوب إلى الشمال، مثل وادي الشلف الذي يأخذ منابعه من جبال عمور. وكذلك الأمر بالنسبة للإنحدار العام في إقليم شمال شرق الجزائر، حيث يتجه هذا الانحدار من الجنوب الى الشمال (كما يظهره المقطع ج) الذي يبدأ من رأس بوقرعون؛ وينتهي عند أقدام السفوح الجنوبية من جبال أوراس، مارا من الشمال الى الجنوب بجبال القبائل الصغرى (نوميدية) التي يقل ارتفاعها عن الألف متر، ثم الوادي الكبير، ثم شطابه، ويزيد ارتفاعها عن الألف متر، ثم هضاب البحيرات التي لا يزيد ارتفاعها على الألف متر، ثم جبال الأوراس. وهنا يتم الوصول الى منطقة يشتد فيها الارتفاع، اذ يزيد على الألفي متر. ويظهر ذلك الشبه الشديد بين هذا المقطع وبين

стр. 1644

المقطع الوهراني في انحداره العام. أما المقطع الثالث الذي يبينه الشكل (ب) والذي يبدأ من (دلس) الى (بسكره) مارا بوسط الجزائر، فلا يشبه المقطعين السابقين في انحداره العام. إذ بدل أن يكون من الجنوب إلى الشمال، فهو يتجه من الشمال الى الجنوب، فمثلا في جبال جرجره التي يزيد ارتفاعها على الألفي متر، ثم جبال البيبان (١٨٦٢ م) ثم جبال ونوغة (١٤١٧ م)، ثم إقليم الحضنة الذي يقل ارتفاعه عن (٥٠٠ م)، وهذا الاتجاه في الانحدار هو الذي جعل الأودية التي تصرف جبال الأطلس الصحراوي في هذه المنطقة، والتي تنحدر من جبال الحضنة، تصب في شط الحضنة، وأغلبها متجهة من الشمال إلى الجنوب، بعكس أغلب أودية الجزائر الشمالية. ولقد ساعد هذا الانخفاض في إقليم بسكرة على جعل مدينة بسكرة بوابة الصحراء، منها كانت تمر القوافل التجارية التي تربط بين الشمال والجنوب. ومن الملاحظ على جبال الجزائر أنها غير متصلة بعضها ببعض، وغير متقاربة في الارتفاع، ولهذا كان إطلاق اسم سلسلة جبلية عليها ضربا من التسامح، إذ هي جبال متقطعه، أو أرداف دائرية الشكل تتماشىمع خط مستقيم، أو قباب تفصل بينها جروف نحتتها مياه الأمطار الغزيرة. وأفضل منظفة تظهر بها هذه الجروف هي منطقة الأخضرية (بالسترو) حيث يظهر وادي يسر وقد شق طريقه في جبال الأخضرية الشاهقة، ونحتت مياه الوادي التكوينات السطحية اللينة ثم تعمقت إلى أن بلغت الصخور الغرانيتية التي أخدت في إزالتها أيضا. وبدلا من أن يأخذ النهر في توسيع مجراه، راح يعمقه، حتى كأنه سيف انصب على الجبل فشطره الى شطرين شديدي الانحدار. وتظهر هذه الحالة ذاتها مرة أخرى

стр. 1645

بوادي الرمل في مدينة (قسنطينة) الذي يشق طريقه بين حافتين شديدتي الانحدار من صخور جيرية صلبة. وكذلك وادي اقريو -بشعبة الآخرة. يختلف الانحدار العام في شمال إقليم الصحراء عنه في جنوبه. ففي المنطقة المتاخمة للسفوح الجنوبية لسلسلة الأطلس الصحراوي، يأخذ الانحدار العام من الشمال إلى الجنوب، وأما في الجهات الجنوبية الشرقية، فالانحدار العام من الجنوب الى الشمال، كما يبينه وادي (إيغارغار) الذي يأخذ منابعه من جبال الهوقار، ويتجه نحو الشمال. ويمكن تقسيم الجزائر الى خمسة أقاليم تضاريسية متباينة هي من الشمال إلى الجنوب: ١ - إقليم الشوطىء. ٢ - إقليم الأطلس التلي. ٣ - إقليم النجود. ٤ - إقليم جبال الأطلس الصحراوي. ٥ - إقليم الصحراء. آ - ١ - إقليم الشواطىء: وهو الإقليم الفاصل بين الير والبحر، أو ما يسمى (بسيف البحر). ويمتد الشاطىء الجزائري على شكل خط متعرج يبلغ طوله من غرب الغزوات حتى شرق القاله مسافة (١٢٠٠) كيلو متر تقريبا. ويتميز الشاطىء الجزائري بكونه صخريا صلبا يمتد على طول الساحل موازيا للاتجاه العام لسلسلة الأطلس التلي من الغرب إلى الشرق بصفة عامة. ولا تسمح طبيعة هذا الشاطىء الصخري بظهور الموانىء الطبيعية التي تحمي البواخر طبيعيا من تحرك المياه البحرية. ولهذا كان من الضروري بناء كاسرات الأمراج التي تتحطم عليها الأمواج بدلا من تحطيمها على جدران البواخر، كما هو الحال في ميناء الجزائر الذي تحيط به سدود تفصل بين مياه عرض البحر المتحركة والمياه الساكنة للميناء. ويظهر الجدار الصخري المتمثل في خط الالتقاء بين البر والبحر، وهو يختفي

стр. 1646

في معظم الأحيان فجأة داخل الماء. أو هو يرق الى أن يتحول الى حاشية دقيقة لا تزيد عن كيلومترات قليلة. ولهذا نجد إقليم الرصيف القاري - وهو إقليم الحياة الحيوانية والنباتية المائية ضيقا للغاية في الجزائر بخلاف ما هو عليه هذا الرصيف في إقليم الشاطىء التونسي أو المغربي - المراكشي -. فخط عمق (٢٠٠) م بالبحر لا يزيد بعده عن الساحل الجزائري بأكثر من خمسين كيلومرا. بينما هو يبعد بأكثر من هذا في الإقليمين الآخرين من المغرب العربي. فالرصيف القاري التونسي واسع جدا. ولو كان طول الإنسان (٥٠) مترا، لاستطاع أن يخوض البحر راجلا من جزيرة جربة الى جزيرة قرقنة في وسط البحر. ولو كان طوله ألف متر لاستطاع أن يسافر من رأس بونه الى جزيرة صقلية راجلا دون أن يحتاج الى ركوب سفينة. أما في الجزائر، فلا بد أن يزيد طول الإنسان الذي يريد قطع البحر راجلا من الجزائر الى مرسيليا على الألفي متر. وتتوقف الثروة الحيوانية والنباتية البحرية على اتساع الرصيف القاري (أو المنطقة البحرية التي يقل عمقها عن مائتي متر). وهذا هو السبب في أن البلاد التونسية أغنى من الجزائر في صيد الأسماك. وتتخلل الشاطىء الجزائري ظاهرة الخلجان التي تشبه أنصاف الدوائر، مثل خليح وهران، وخليج أرزيو، والجزائر، وبجاية، وسكيكدة وعنابة. وكل هذه الخلجان مفتوحة أمام الرياح الغربية؛ وتيار البحر الأبيض المتوسط القادم من جبل طارق، الذي يحمل بين طياته رواسب يلقي بها على الحافات الشرقية أو الجنوبية للخلجان. ولذلك، فمن الملاحظ أن الموانىء الجزائرية تقوم على الحافات الشرقية أو الجنوية للخلجان حتى تكون بعيدة عن رواسب التيار البحري. ولا تتعمق هذه الخلجان إلا قليلا داخل اليابس

стр. 1647

(البر) ما عدا خليج بجاية الذي يعتبر أكبر خليج في الجزائر. والى جانب الخلجان تظهر الرؤوس المتعمقة داخل البحر، والمنتشرة من الغرب الى الشرق على طول الساحل، ومن أهمها: رأس ملوية عند الحدود الجزائرية المغربية، ثم رأس فالكون غرب المرسى الكبير، ورأس فرات وكربون بالقرب من أرزيو. ورأس تنس والعموشي قرب مدينة شرشال، ورأس البرج البحري الى الشرق من مدينة الجزائر، وكافالو إلى الشرق من بجاية، وكاربون الى الغرب من بجاية. أما خليج سكيكدة فينحصر بين رأسين، أحدهما في الشرق وهو رأس الحديد والثاني في الغرب وهو رأس بوقرعون , واذا تقدمنا الى الشرق نجد رأس الحارس بالقرب من عنابة. وروزا وروكس بالغرب من الحدود الجزائرية - التونسية. وبهذه الرؤوس الممتدة من الغرب الى الشرق منارات لإرشاد السفن. وتزدهر فيها الحياة النباتية. وقد بنيت عليها المدن، واستصلحت أراضيها، وزرعت بها أشجار الفواكه والخضار، وأصبحت مكتظة بالسكان. وهي تمثل مواقع جيو -استراتيجية هامة، تتم منها مراقبة التحركات البحرية في البحر الأبيض المتوسط. وبها أقيمت مراكز المراقبة لحراسة الشواطىء الجزائرية. وتمثل بعض هذه الرؤوس فوهات بركانية: مثل رأس الحديد، ورأس بوقرعون ورأس كافالو؛ ورأس البرج البحري. آ - ٢ - إقليم الأطلس التلي: وهو إقليم يضم سلاسل جبلية ممتدة من الغراب إلى الشرق موازية لشاطىء الجزائري، ويضم أيضا السهول والتي تقسم إلى سهول ساحلية منحفضة وسهول داخلية مرتفعة وهي سهول متقطعة محصورة بين الجبال. وأشهر السهول الساحلية: آ - سهل وهران: ويمتد إلى الجنوب من مدينة وهران، بادئا من عين

стр. 1648

(تيموشنت) غربا، إلى منعطف نهر الشلف ومليانة شرقا. وهو سهل طويل ممتد من الشرق الى الغرب، تجري به أودية كثيرة. وتحده من جنوبه جبال تاسالا وبوقرين والونشريس، وفي الشمال جبال الظهرة وزكار. ويتسع السهل في الوسط، كما يمتد شمالا حتى شاطىء البحر بالقرب من مستغانم. أما من الجهات الشرقية فتعترض امتداده هضبة الأطلس البليدي. ويضم سهل وهران مجموعة من الأحواض المائية العذبة (الدايات)، ومجموعة من الأحواض المائية المالحة (السبخات). ب- سهل متيجة (متوجة) ، ويعتبر امتدادا طبيعيا لسهل وهران، لا يفصل بين السهلين الا منطقة جبلية ضيقة بالقربة من مليانة. ويحد سهل متيجة من الجنوبة أطلس البليدة (الذي يسمى أيضا بالأطلس المتيجي)، ويمتد من غرب حجوط حتى جبل (بوزقزه). ويحد سهل متيجة من الشمال جبل بوزريعة، أو الحافة الجبلية المرتفعة والممتدة على شاطىء البحر من مدينة الجزائر حتى شرشال. هذا في الجهات الغربية، أما إلى الشرق من مدينة الجزائر، فيكاد السهل المتيجي يشرف على البحر، لولا ظهور روابي رملية ضيقة تفصل بين البحر والسهل. ويطلق على الحاشية الرملية من الروابي اسم (الساحل) ابتداء من الحراش حتى وادي (بودواو) والسهل المتيجي ضيق لا يزيد عرضه على ثلاثين كيلوترا، أما طوله فيزيد على مائة كيلومتر. ج - سهل عنابة: ويحده شمالا جبال أيدوغ والبحر الأبيض المتوسط وغربا جبال القبائل الصغرى (نوميديا) وجنوبا جبال سوق

стр. 1649

أهراس. وشرقا جبال مجرده. وتنتشر به البحيرات. ويجري به وادي السيبوس. هذه هي أهم السهول الساحلية المنخفضة المشهورة بالغلال والخضر والبساتين والكروم. أما السهول الداخلية المرتفعة فهي للحبوب. ومن أهمها: آ - سهل تلمسان: يرتفع (٧٣٧) مترا عن سطح البحر. يقع عند أقدام السفوح الشمالية لجبال تلمسان. وهو سهل كثير الخيرات بسبب وفرة مياهه، وخصوبة تربته (المارنية). ب - سهل بلعباس: ويرتفع (٥٨٣) مترا من سطح البحر. ويشتهر بالحبوب وزراعة الكروم. ج - سهل تيارت (أو السرسو): المنحصر بين جبال الونشريس شمالا وجبال فرندة والشلالة جنوبا. د - سهل عين بسام: وينحصر بين جبال تيطري جنوبا والبليدة شمالا. هـ - سهل قسنطينة: ويمتد من غرب مدينة سطيف - غربا - حتى جبال سوق أهراس شرقا، وهو أعظم سهل داخلي تكثر به زراعة الحبوب والقمح الصلب بصورة خاصة. وتقع هذه السهول كلها على ارتفاع يزيد على خمسمائة متر وهي أقرب الى النجود منها الى السهول. ... أما بالنسبة لسلسلة الجبال التلية، فهي تمتد من الغرب إلى الشرق، بادئة من جبال تلمسان بالحدود الجزائرية - المغربية. ومنتهية

стр. 1650

بجبال سوق أهراسى بالحدود الجزائرية - التونسية. ويمكن تقسيمها إلى كتلة جبال غربية وكتلة جبال شرقية، تفصل بينها جبال مليانة (أوزكار). وهذا التقسيم على أساس النضج والتطور والاتساع. ذلك أن كتلة الأطلس التلي الشرقي أكثر اتساعا من كتلة الأطلس التلي الغربي. ثم إن قمم الكتل الجبلية الشرقية أخذت تتسطح، والأودية تسير بها في شكل عرضاني. والأحواض الداخلية مصروفة للغاية، كما هو الحال في حوض (قالمة). وتدل هذه الظواهر الطبيعية كلها على أن تطور التضاريس في الجهات الشرقية أكثر وضوحا مما هو عليه في الجهات الغربية التي ما زالت تظهر بها القمم العالية ذات الأطراف الحادة، والأحواض المعلقة التي لم تصرف بعد ولم تملأ بالرواسب. ويعود سبب تطور التضاريس في الشرق، أكثر منها في الغرب إلى الأمطار التي تنزل في الإقليم الشرقي أكثر منها في الإقليم الغربي، وليس السبب في أن جبال الإقليم الشرقي أقدم في تكوينها وظهورها من جبال الإقليم الغربي. تبدأ الكتلة الجبلية الغربية بجبال تلمسان، وهي الحد الفاصل بين جبال الريف بالمغراب، وجبال الأطلس التلي بالجزائر، ويبلغ ارتفاعها (١٨٢٤م) وتتكون في معظمها من صخور جيرية. ثم إذا تقدمنا شرقا اعترضتنا جبال تاسالا (١٦٠١ م) وهي التي تحد شمالا سهل بلعباس المرتفع، أما جنوبا فتحده جبال الضاية (١٤١٧ م) ثم تعترضنا شرقا جبال سعيدة (١٢٨٨م) وهي الحد الجنوبي لسهل معسكر المرتفع. وإلى الشرق من الجبال السابقة نجد جبال فرنده (١١٣٢ م) ثم جبال الونشريس (١٩٨٥م) والظهرة (١٠٧١م) وجبال زكار (١٥٧٩ م) ويتكون أغلب هذه الكتل الجبلية من
следующие страницы →