← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

في معظم الأحيان فجأة داخل الماء. أو هو يرق الى أن يتحول الى حاشية دقيقة لا تزيد عن كيلومترات قليلة. ولهذا نجد إقليم الرصيف القاري - وهو إقليم الحياة الحيوانية والنباتية المائية ضيقا للغاية في الجزائر بخلاف ما هو عليه هذا الرصيف في إقليم الشاطىء التونسي أو المغربي - المراكشي -. فخط عمق (٢٠٠) م بالبحر لا يزيد بعده عن الساحل الجزائري بأكثر من خمسين كيلومرا. بينما هو يبعد بأكثر من هذا في الإقليمين الآخرين من المغرب العربي. فالرصيف القاري التونسي واسع جدا. ولو كان طول الإنسان (٥٠) مترا، لاستطاع أن يخوض البحر راجلا من جزيرة جربة الى جزيرة قرقنة في وسط البحر. ولو كان طوله ألف متر لاستطاع أن يسافر من رأس بونه الى جزيرة صقلية راجلا دون أن يحتاج الى ركوب سفينة. أما في الجزائر، فلا بد أن يزيد طول الإنسان الذي يريد قطع البحر راجلا من الجزائر الى مرسيليا على الألفي متر. وتتوقف الثروة الحيوانية والنباتية البحرية على اتساع الرصيف القاري (أو المنطقة البحرية التي يقل عمقها عن مائتي متر). وهذا هو السبب في أن البلاد التونسية أغنى من الجزائر في صيد الأسماك. وتتخلل الشاطىء الجزائري ظاهرة الخلجان التي تشبه أنصاف الدوائر، مثل خليح وهران، وخليج أرزيو، والجزائر، وبجاية، وسكيكدة وعنابة. وكل هذه الخلجان مفتوحة أمام الرياح الغربية؛ وتيار البحر الأبيض المتوسط القادم من جبل طارق، الذي يحمل بين طياته رواسب يلقي بها على الحافات الشرقية أو الجنوبية للخلجان. ولذلك، فمن الملاحظ أن الموانىء الجزائرية تقوم على الحافات الشرقية أو الجنوية للخلجان حتى تكون بعيدة عن رواسب التيار البحري. ولا تتعمق هذه الخلجان إلا قليلا داخل اليابس

стр. 1647

(البر) ما عدا خليج بجاية الذي يعتبر أكبر خليج في الجزائر. والى جانب الخلجان تظهر الرؤوس المتعمقة داخل البحر، والمنتشرة من الغرب الى الشرق على طول الساحل، ومن أهمها: رأس ملوية عند الحدود الجزائرية المغربية، ثم رأس فالكون غرب المرسى الكبير، ورأس فرات وكربون بالقرب من أرزيو. ورأس تنس والعموشي قرب مدينة شرشال، ورأس البرج البحري الى الشرق من مدينة الجزائر، وكافالو إلى الشرق من بجاية، وكاربون الى الغرب من بجاية. أما خليج سكيكدة فينحصر بين رأسين، أحدهما في الشرق وهو رأس الحديد والثاني في الغرب وهو رأس بوقرعون , واذا تقدمنا الى الشرق نجد رأس الحارس بالقرب من عنابة. وروزا وروكس بالغرب من الحدود الجزائرية - التونسية. وبهذه الرؤوس الممتدة من الغرب الى الشرق منارات لإرشاد السفن. وتزدهر فيها الحياة النباتية. وقد بنيت عليها المدن، واستصلحت أراضيها، وزرعت بها أشجار الفواكه والخضار، وأصبحت مكتظة بالسكان. وهي تمثل مواقع جيو -استراتيجية هامة، تتم منها مراقبة التحركات البحرية في البحر الأبيض المتوسط. وبها أقيمت مراكز المراقبة لحراسة الشواطىء الجزائرية. وتمثل بعض هذه الرؤوس فوهات بركانية: مثل رأس الحديد، ورأس بوقرعون ورأس كافالو؛ ورأس البرج البحري. آ - ٢ - إقليم الأطلس التلي: وهو إقليم يضم سلاسل جبلية ممتدة من الغراب إلى الشرق موازية لشاطىء الجزائري، ويضم أيضا السهول والتي تقسم إلى سهول ساحلية منحفضة وسهول داخلية مرتفعة وهي سهول متقطعة محصورة بين الجبال. وأشهر السهول الساحلية: آ - سهل وهران: ويمتد إلى الجنوب من مدينة وهران، بادئا من عين

стр. 1648

(تيموشنت) غربا، إلى منعطف نهر الشلف ومليانة شرقا. وهو سهل طويل ممتد من الشرق الى الغرب، تجري به أودية كثيرة. وتحده من جنوبه جبال تاسالا وبوقرين والونشريس، وفي الشمال جبال الظهرة وزكار. ويتسع السهل في الوسط، كما يمتد شمالا حتى شاطىء البحر بالقرب من مستغانم. أما من الجهات الشرقية فتعترض امتداده هضبة الأطلس البليدي. ويضم سهل وهران مجموعة من الأحواض المائية العذبة (الدايات)، ومجموعة من الأحواض المائية المالحة (السبخات). ب- سهل متيجة (متوجة) ، ويعتبر امتدادا طبيعيا لسهل وهران، لا يفصل بين السهلين الا منطقة جبلية ضيقة بالقربة من مليانة. ويحد سهل متيجة من الجنوبة أطلس البليدة (الذي يسمى أيضا بالأطلس المتيجي)، ويمتد من غرب حجوط حتى جبل (بوزقزه). ويحد سهل متيجة من الشمال جبل بوزريعة، أو الحافة الجبلية المرتفعة والممتدة على شاطىء البحر من مدينة الجزائر حتى شرشال. هذا في الجهات الغربية، أما إلى الشرق من مدينة الجزائر، فيكاد السهل المتيجي يشرف على البحر، لولا ظهور روابي رملية ضيقة تفصل بين البحر والسهل. ويطلق على الحاشية الرملية من الروابي اسم (الساحل) ابتداء من الحراش حتى وادي (بودواو) والسهل المتيجي ضيق لا يزيد عرضه على ثلاثين كيلوترا، أما طوله فيزيد على مائة كيلومتر. ج - سهل عنابة: ويحده شمالا جبال أيدوغ والبحر الأبيض المتوسط وغربا جبال القبائل الصغرى (نوميديا) وجنوبا جبال سوق

стр. 1649

أهراس. وشرقا جبال مجرده. وتنتشر به البحيرات. ويجري به وادي السيبوس. هذه هي أهم السهول الساحلية المنخفضة المشهورة بالغلال والخضر والبساتين والكروم. أما السهول الداخلية المرتفعة فهي للحبوب. ومن أهمها: آ - سهل تلمسان: يرتفع (٧٣٧) مترا عن سطح البحر. يقع عند أقدام السفوح الشمالية لجبال تلمسان. وهو سهل كثير الخيرات بسبب وفرة مياهه، وخصوبة تربته (المارنية). ب - سهل بلعباس: ويرتفع (٥٨٣) مترا من سطح البحر. ويشتهر بالحبوب وزراعة الكروم. ج - سهل تيارت (أو السرسو): المنحصر بين جبال الونشريس شمالا وجبال فرندة والشلالة جنوبا. د - سهل عين بسام: وينحصر بين جبال تيطري جنوبا والبليدة شمالا. هـ - سهل قسنطينة: ويمتد من غرب مدينة سطيف - غربا - حتى جبال سوق أهراس شرقا، وهو أعظم سهل داخلي تكثر به زراعة الحبوب والقمح الصلب بصورة خاصة. وتقع هذه السهول كلها على ارتفاع يزيد على خمسمائة متر وهي أقرب الى النجود منها الى السهول. ... أما بالنسبة لسلسلة الجبال التلية، فهي تمتد من الغرب إلى الشرق، بادئة من جبال تلمسان بالحدود الجزائرية - المغربية. ومنتهية

стр. 1650

بجبال سوق أهراسى بالحدود الجزائرية - التونسية. ويمكن تقسيمها إلى كتلة جبال غربية وكتلة جبال شرقية، تفصل بينها جبال مليانة (أوزكار). وهذا التقسيم على أساس النضج والتطور والاتساع. ذلك أن كتلة الأطلس التلي الشرقي أكثر اتساعا من كتلة الأطلس التلي الغربي. ثم إن قمم الكتل الجبلية الشرقية أخذت تتسطح، والأودية تسير بها في شكل عرضاني. والأحواض الداخلية مصروفة للغاية، كما هو الحال في حوض (قالمة). وتدل هذه الظواهر الطبيعية كلها على أن تطور التضاريس في الجهات الشرقية أكثر وضوحا مما هو عليه في الجهات الغربية التي ما زالت تظهر بها القمم العالية ذات الأطراف الحادة، والأحواض المعلقة التي لم تصرف بعد ولم تملأ بالرواسب. ويعود سبب تطور التضاريس في الشرق، أكثر منها في الغرب إلى الأمطار التي تنزل في الإقليم الشرقي أكثر منها في الإقليم الغربي، وليس السبب في أن جبال الإقليم الشرقي أقدم في تكوينها وظهورها من جبال الإقليم الغربي. تبدأ الكتلة الجبلية الغربية بجبال تلمسان، وهي الحد الفاصل بين جبال الريف بالمغراب، وجبال الأطلس التلي بالجزائر، ويبلغ ارتفاعها (١٨٢٤م) وتتكون في معظمها من صخور جيرية. ثم إذا تقدمنا شرقا اعترضتنا جبال تاسالا (١٦٠١ م) وهي التي تحد شمالا سهل بلعباس المرتفع، أما جنوبا فتحده جبال الضاية (١٤١٧ م) ثم تعترضنا شرقا جبال سعيدة (١٢٨٨م) وهي الحد الجنوبي لسهل معسكر المرتفع. وإلى الشرق من الجبال السابقة نجد جبال فرنده (١١٣٢ م) ثم جبال الونشريس (١٩٨٥م) والظهرة (١٠٧١م) وجبال زكار (١٥٧٩ م) ويتكون أغلب هذه الكتل الجبلية من

стр. 1651

صخور جيرية، متميزة شدة التوائها، وظهورها أحيانا في شكل أسفاط أو قشور الأسماك. وإلى الشرق من جبال زكار تبدأ كتلة الجبال الشرقية - التي تبدأ بجبال البليدة (أو الأطلس المتيجي) الذي يبزغ ارتفاعه (١٩٧٢م). وهو من صخور الشيست والمارن، تكثر به ظاهرة الأسفاط من شدة الالتواء الذي تعرضت له المنطقة. وإلى الشرق من جبال البليدة يرتفع جبل بوزقرة الى ألف متر، وهو من صخور جيرية. ثم تأتي جبال جرجرة وهي من صخور جيرية مشققة أو هضاب قديمة تبلغ أعلى قمة بها (وهي قمة لاله خديحة -٢٣٢٨ م)، ثم جبال البابور (٢٠٠٤م)، وهي كذلك من صخور جيرية. ثم هضبة القل (١٠٩٠م) وجبال إيدوغ (١٠٦٨ م) الذي يتكون من صخور قديمة جدا، مثله كمثل منطقة أربعاء بني راتن بهضبة جرجرة، وجبل بوزريعه الذي تقوم عليه مدينة الجزائر العاصمة. تظهر إلى الجنوب من كتل الأطلس التلي الشرقي مجموعة من الكتل الجبلية الأخرى التي تسير موازية للجبال السابقة، وتتكون من طبقة رسوبية سميكة من الشيست، تتخللها تكوينات حصوية أو طينية أو مارنية، من أهمها جبال تيطري (١٢٣٨م) التي تتصل بجبال البيبان (١٤١٧ م) وهذه الأخيرة تظهر بقللها الصخور الجيرية والكوارتزية. ثم جبال فرجيوه، بالقرب من فج مزالة، ثم جبال نوميدية (أو جبال قسنطينة - ١٤٦٩ م) الى الشمال من مدينة قسنطينة، وجبال سوق أهراس أو مجردة (وتتكون جبال فرجيوه وقسنطينة من صخور جيرية مشققة) آ - ٣ إقليم النجود: وهو يشمل المنطقة الممتدة من جبال التندارة غربا الى منخفض الحضنة شرقا. حيث يتسع الأطلس التلي ويمتد إلى

стр. 1652

الجنوب ليلتقي مع الأطلس الصحراوي. وتمتد أراضي النجود في شكل طولاني بين السلسلتين الأطلستين الشمالية والجنوبية. وهي أقل ارتفاعا منهما، تسير من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي على طول (٧٠٠) كيلو متر. متبعة في ذلك الاتجاه العام لسلسلة جبال الأطلسي الصحراوي (وتشبه في وضعها هذا ساحة البيت العربي حيث يشكل الأطلس التلي جدارها الشمالي، ويشكل الأطلس الصحراوي جدارها الجنوبي) وبذلك فهي منطقة ذات صرف داخلي، أوديتها تصب في الشطوط ما عدا الوادي الطويل. ويتجه الانحدار العام لإقليم النجود من الغرب الى الشرق متبعا في ذلك سلسلة الأطلس الصحراوي ويتبين ذلك في المقارنة بين الشط الغربي والمناطق الواقعة الى الشرق منه. فالجهات الغربية من النجود يتراوح ارتفاعها بين الألف والألف ومائتي متر، في حين يتراوح ارتفاع الجهات الوسطى بين سبعمائة وثمانمائة متر. أما شط الحضنة فيقل ارتفاعه عن أربعمائة متر. وكما أن الجهات الغربية أكثر ارتفاعا من الجهات الشرقية فإنها أكثر اتساعا. فالمسافة بين الأطلس التلي والصحراوي في الجهة الغربية تزيد عن مائة وخمسين كيلومترا. وأما من الناحية الشرقية فتقل عن خمسين كيلومترا. وبحسب هذا الوصف تكون أرض النجود أشبه بمثلث قاعدته الحدود الجزائرية المغربية، وقمته شط الحضنة، وهو عبارة عن سرج عظيم، أو هضبة واسعة تتخللها الانكسارات التي أصابت اللإقليم في فترة تعرضت فيها جبال الأطلس للالتواء. ذلك أن صلابة الصخور التي تتكون منها أراضي النجود أدت الى انكسارها عندما تعرضت للضغط. ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة خلال الشقوق

стр. 1653

وسطوح الانكسارات التي لم تمتلء بعد بالرواسب، مثل فالق غار الروبان الذي يستخرج منه الرصاص بالقرب من الحدود الجزائرية - المغربية. يقطع أرض النجود في شكل طولي من الجنوب الغربي، نحو الشمال الشرقي، كل من جبال عنتر التي يصل ارتفاعها الى (١٥٠٨م) وجبل سبع رؤوس (١٤١١ م)، وهو يفصل بين منخفض بوقزول في الجهات الشمالية، وارتفاعه (٦٥٠ م) ومنخفض الزاغز الغربي في الجنوب، وارتفاعه (٨٠٠ م). وما عدا هذه الجبال والانكسارات، يظهر سطح أرض النجود في شكل انتفاخ واسع تتخلله روابي تكونت نتيجة لتزحزح المنطقة نحو الجنوب الغربي، وتظهر أحواض مغلقة وشطوط واسعة، وزواعز ضيقة في النجود أيضا. أما الأحواض المغلقة فتكسوها طبقة صماء كتيمة، تملؤها مياه الأمطار في فصل الشتاء ثم تتبخر في فصل الصيف، تاركة وراءها نسبة قليلة من الرطوبة، عليها تقوم الحياة العشبية، والشطوط الواسعة أو الضيقة، وهي أحواض مغلقة أيضا، تتجمع فيها مياه الأمطار المحملة بالجزئيات الملحية والطينية الواردة من المناطق المجاورة لها في فصل الشتاء. وهو الفصل الذي تحتل فيه السبخة أكبر مساحة ممكنة. أما في فصل الصيف، فيشتد التبخر، ويقل سطح الماء؛ وتضيق بالتالي مساحة الشط، وتشتد ملوحة السبخة التي تبقى محافظة على نسبة من الماء المختلط بالملح والطين، يشبه الحمأة، ويعلوه الزبد الذي هو ندير الخطر، يعطي للناظر من بعيد مظهر البحيرة العذبة، حتى إذا جاءها لم يجدها، بل وجد فخا طبيعيا تعرفه غزلان النجود التي لا تقترب منه مهما أضناها الضمأ. وأهم هذه الشطوط التي تنتشر

стр. 1654

هنا وهناك على سطح إقليم النجود، هي: شط الحضنة، وتنصرف إليه مياه أوديت وجبال تيطري وونوغة والحضنة من الشمال، ومياه أودية أولاد نايل والزاب من الجنوب، والشط الشرقي، وتنصرف إليه مياه السفوح الجنوبية لجبال الضاية، والسفوح الشمالية لجبال قطارة، ثم الشط الغربي، ويقع بالحدود الجزائرية - المغربية. وتنصرف إليه مياه جبال التندرارة من الجنوب الغربي، ومياه سفوح جبال سدي العابد من الشمال. آ -٤ - الأطلس الصحراوي: تمتد جبال الأطلس الصحراوي على طول سبعمائة كيلومر، من فجيج غربا حتى إقليم الزاب شرقا. وتتجه سلسلة الأطلس الصحراوي من الجنوب الغربي الى الشمال الشرقي، فاصلة بين أراضي النجود في الشمال والكتلة الصحراوية القديمة في الجنوب. وهي حاجز للرمال الصحراوية، ولولاها لاكتسحت الرمال مناطق النجود، وربما وصلت الى ساحل البحر الأبيض المتوسط، كما هو الحال في الصحراء الليبية التي تصل رمالها في بعض الأجزاء حتى شاطىء البحر الأبيض المتوسط. وتتخلل جبال الأطلس الصحراوي ممرات ودروب، تتبعها الأودية المنحدرة نحو الصحراء، وقد كانت هذه الدروب، وما زالت، تمثل الممرات الطبيعية للقوافل التجارية القادمة من الصحراء إلى إقيلم التل أو العكس. ونجد الطرق المعبدة الحالية والخطوط الحديدية كثيرا ما تسلك هذه الممرات الطبيعية لتصل بين الشمال والجنوب. أو بين إقليم التل وإقليم الصحراء. ويزيد الأطلس الصحراوي في ارتفاعه، عل ارتفاع الأطلس التلي - بصورة عامة - رغم قدمه في تاريخ تكوينه. ويعود السبب في ذلك الى أن الأمطار في الإقليم التلي أكثر منها في

стр. 1655

الإقليم الجنوبي، وبالتالي، فإن عملية النحت المائي والترسيب ونقل المواد المفتتة في إقليم الأطلس التلي هي أنشط منها في الأطلس الصحراوي، الذي كثيرا ما نجد عند سفوح جباله المفتتات الصخرية المتراكمة التي تنتظر سيلا جارفا أو أمطارا كافية لنقلها. أما الانحدار العام في هذا الإقليم الجنوبي فهو يتجه من الغرب الى الشرق، كما تبينه ارتفاعات الجبال التالية: ١ - جبال العين الصفراء ، وأعلى قلة (قمة) بها تصل إلى (٢٢٣٦م) وهي قمة جبل عيسى. ٢ - جبال عمور ، وبها قلة (قمة) جبل الطويلة؛ التي يصل ارتفاعها الى (١٩٣٧م)، وبوبرقة (١٩٥٩م). ٣ - جبال أولاد نايل: ويصل ارتفاعها حتى (١٥٠٠ م) بالقرب من الجلفة. ويظهر ذلك بوضوح أن الانحدار يأخذ في التناقص، وتأخذ الجبال في الضمور، وهي تتجه من الغرب الى الشرق، حتى تكاد تختفي عند (بسكرة) التي تسمى عتبة الصحراء، أو الممر الطبيعي بين الشمال والجنوب. ولهذا مدت السكة الحديدية التي تربط بين (توقرت) و (قسنطينة) بهذه المدينة. وخلال هذا الممر الطبيعي، الى الشرق من مدينة بسكرة، يعود الارتفاع مرة أخرى بصورة مباغتة، ويشتد الانحدار، وتظهر جبال الأوراس الشامخة التي يبلغ ارتفاع أعلى قمة بها (وهي قمة أم كلثوم- ٢٣٢٩م) وهي بذلك أعلى قمة جبلية في شمال الجزائر، لافي الجزائر كلها، حيث أن جبل تاهت بالهوقار يبلغ ارتفاعه (٢٩١٨م) وهو بذلك أعلى جبل في الجزائر كلها. وتتكون جبال الأوراس الواسعة من صخور جيرية شديدة الارتفاع، تتلقى

стр. 1656

كمية كبيرة من الأمطار، اذا ما قورنت بجبال العين الصفراء. وتتخلل جبال الاوراس أودية متجهة نحو الجنوب، تحمل معها المفتتات الصخرية، وتتبع في سيرها الالتواءات المقعرة، مثل وادي عبدي ووادي الأبيض، اللذين يجريان في الأطراف المحدبة لجبلي أحمر خدو والأزرق. وتمثل جبال الأوراس بارتفاعها الشاهق، كتلة جبلية حاجزة بين الصحراء ونوميدية. ويأخذ عامل الارتفاع في التناقص مرة أخرى كلما توغلت هذه الكتلة شرقا. فجبال النمامشة لا يزيد ارتفاعها على ألف وخمسمائة متر. وكذلك جبال تبسة. وينعكس عند جبال الأوراس الاتجاه العام لسلسلة الأطلس الصحراوي التي تأخذ في الاندماج مع الأطلس التلي بالتدريج، إلى أن تقضي عليها عند منطقة (القالة) وترمي بها عرض البحر. ويتحول اسمها الى (جبال خمير) في الأراضي التونسيه، ثم جبال (مقعد) الواقعة في أقصى الشرق. ومن الملاحظ على سلسلة الأطلس الصحراوي، أنها ترتفع فجأة عند التقائها بالصحراء. أما عند خط التقاء الأطلس الصحراوي بأراضي النجود، فيبدأ الارتفاع بالتدرج من الشمال الى الجنوب، متمثلا أولا في الراوبي، ثم الجبيلات، ثم الجبال الشاهقة. وتتميز الجهات الشرقية من الجزائر، بالجبال المعقدة القصيرة الامتداد. كما تتميز بعدم الثبات في الاتجاه العام. وظاهرة الانتقال من الروابي إلى الجبال، ومن الالتواءات المحدبة الى الالتواءات المقعرة. ومن الأحواض المغلقة الى السهول المفتوحة، وهذه هي الصفة السائدة في إقليم هضبة الأوراس وجبال مجردة. ٥ - إقليم الصحراء: تبلغ مساحة الصحراء الجزائرية (١،٩٨٧،٦٠٠) كيلو متر مربع، وبذلك تحتل مساحة قدرها

стр. 1657

تسعون بالمائة تقريبا من المساحة الإجمالية للقطر كله، والبالغة (٢،١٩٥،١٠٠) كيلومتر مربع. والتركيب الجغرافي للصحراء أبسط من تركيب المنطقة التلية. إذ لا تظهر فيها الجبال المتقطعة، ولا المرتفعات المعقدة، ولا السهول الضيقة المحصورة، ولا الالتواءات الحديثة. ولكن الصحراء تضم بالمقابل السهول التحاتية الواسعة والأحواض المغلفة، والجبال بحافاتها الشديدة الانحدار، والعروق الرملية المتنقلة، ويمكن تفسيم الصحراء إلى أربع مناطق متباينة: أولا: منخفض في الركن الشمالي الشرقي، تظهر به بعض الشطوط. مثل شط ملغيغ، الذي يقع دون مستوى سطح البحر بحوالي واحد وثلاثين مترا. فهو أخفض مكان بالجزائر كلها. ثانيا: منطعة هضابية صخرية على الأطراف الشمالية وفي الوسط، مثل هضبة تادمايت، إلى الشمال من عين صالح. ثالثا: سهول تحاتية تغطيها الرمال. وهي التي تحتل أكبر مساحة في الصحراء. رابعا: كتل جبلية مرتفعة في الركن الجنوبي الشرقي، وهي جبال الهوقار التي تبلغ أعلى قمة جبلية بها (٢٩١٨م) وهي قمة تاهت بمرتفعات أتاكور إلى الشمال من مدينة (تامنراست). وأغلب جبال الهوقار ناتجة عن اضطرابات بركانية ما زالت فوهاتها بارزة للعيان. والجبال هنا لا تأخد أشكال السلاسل الممتدة، ولكن الأشكال المخروطية. ولقد أصابت حركة التوائية قديمة جدا إقليم الصحراء، وأدت هذه إلى التواء سلاسل جبلية من

стр. 1658

الشمال الى الجنوب، ثم تعرضت الجبال لعملية النحت مدة زمنية كانت كافية لتحويل هذه الجبال القديمة إلى هضاب وسهول تحاتية، تغطيها رواسب حديثة من رمال أو صخور، أتت بها الرياح في أغلب الأحيان. ذلك أن عملية التجوية الآلية- الميكانيكية- الناجمة عن الفوارق الحرارية الشديدة بين الليل والنهار، أدت إلى تفكيك الصخور في منطقة الصحراء، وتحويلها الى جزئيات دقيقة يسهل على الرياح نقلها من هنا وهناك، وتحريكها من مكان لآخر، لتبني بها أشكالا هندسية من براخين وأهلة. وتبرز في الصحراء ثلاث ظواهر تضاريسية متباينة هي: ١ - الحمادة. ٢ - الرق. ٣ - العرق. فالحمادة: هي الهضبة الصخرية التي تغطيها صخور جيرية ممتدة في شكل صفائح طباقية. ومن أهم الحمادات في الجهة الجنوبية الغربية (حمادة الذراع) على الحدود الجزائرية- المغربية. و (حمادة القلاب) على الحدود الجزائرية - الموريتانية. و (حمادة تادمايت) إلى الشمال من (عين صالح). أما الرق: فهو سهل صخري، أو حوض منخفض ملأته السيول الجارفة بالرواسب الصخرية. وأخيرا - العرق: وهو يختلف عن الحمادة والرق في أنه سطح واسع الأطراف، تغطيه كثبان رملية تشبه أمواج البحر، جاءت بها الرياح من الحمادة أو الرق، وبهذا تكون رواسب العرق هوائية، والرق فيضمة. وتحتل العروق مساحة كبيرة من الصحراء الجزائرية حيث تنتشر في كل من الجهات الشرقية والغربية. ففي الجهات الشرقية، يظهر العرق الشرقي الكبير الذي يمتد من وراء الحدود الجزائرية - التونسية الى المنخفض الذي يفصل بين هضبة (تادمايت) و (المنيعة). ثم العرق الغربي الكبير الذي

стр. 1659

يبدأ من (بني عباس) غربا حتى هضبة (المنيعة) شرقا. و (عرق الشيخ) و (عرق ايحيدي) على الحدود الجزائرية - الموريتانية. ب - وديان الجزائر الوديان - كما هو معروف - هي المجاري المائية التي تتحكم فيها أربعة عوامل أساسية هي المناخ والتضاريس والتربة والنباتات. وعلى ضوء هذه العوامل تتميز المجاري المائية الجزائرية بعدم انتظامها في تصريف المياه. ويعود سبب ذلك الى فصيلة الأطار. ففي فصل الشتاء تنزل الأمطار في المناطق التي تأخذ الأودية منها ينابيعها. وهي أمطار غزيرة تتغذى منها الأودية، وتكثر مياهها، وترتفع حمولتها حتى تصبح سيولا جارفة كثيرا ما تخرب الجسور وتعطل المواصلات. وفي فصل الصيف تنعدم الأمطار وتجف الأودية، وتظهر بأسرتها الرمال والحصى والجلاميد وقليل من الماء، إن كان بالوادي ينابيع. ولا تصل هذه المياه القليلة الى المصبات إلا بعد مشقة، نظرا لشدة التبخر التي ترتفع في فصل الصيف، ولعملية التسرب الجانبي للمياه في التكوينات الرملية المنفذة في مناطق جريانها. وتسير معظم أودية الجزائر في مناطق شديدة الانحدار، قريبة من مصباتها. ولهذا كانت أقرب الى السيول منها الى الأنهار، حتى كأن إطلاق كلمة أودية ينطبق عليها تماما، لأنها تفيض وتزيد يوما، وتهدأ شهورا بسبب شدة الانحدار الذي يزيد من سرعة المياه الجارفة، ورقة الغطاء النباتي وانعدامه في بعض الأحيان. مما يساعد المياه على تشكيل السيول الجارفة للتربة وما بها. وتنقسم الأودية الجزائرية حسب الأماكن التي

стр. 1660

أودية إقليم وهران الانحدار العام لجبال الجزائر

стр. 1661

تفرغ فيها شحنتها إلى أودية تصب في البحر المتوسط، وأودية تصب في أحواض مغلقة بمنطقة النجود، وأودية تصب في الصحراء: ب -١ - الأودية الشمالية: وهي الأودية التي تصب في البحر الأبيض المتوسط (وتسمى بالأودية التلية) وهي تتميز بما يلي: * متجهة منالجنوب إلى الشمال في أغلب قطاعاتها. * - تأخذ منابعها من سلسلة الأطلس التلي - ما عدا وادي الشلف. * - مناطق صرفها أوفر مطرا وأغنى نباتا. * - يأخذ الوادي أسماء مختلفة باختلاف المناطق التي يمر بها. مثال ذلك وادي الشلف الذي يسمى بالوادي الطويل عند مروره بالنجود، ويسمى (بوادي الملاح) عند انحداره من (جبال عمور) ووادي السيق الذي يسمى مجراه الأعلى (بوادي مكاره). ووادي يسر الذي يسمى مجراه الأعلى (بوادي الملاح). وأهم هذه الأودية من الغرب الى الشرق: ١ - وادي تفنة (أو تافنه) . وهو ينحدر من جبال تلمسان، ومن مرتفعات تزيد على ألف وخسمائة متر. ويرفده من الجهة اليمنى وادي يسر، ومن الجهة اليسرى وادي أسلي. ويصب وادي تافنه الى الغرب من مدينة بني صاف، بعد أن يخترق جبال أترارة، ويبلغ طوله (١٧٠) كيلومترا. ٢ - وادي السيق والحمام . ويسمى الأول بوادي مكارة عند انحداره من جبال الضاية على ارتفاع ألف ومائتي متر عند رأس الماء. ويتصل

стр. 1662

بوادي الحمام في منطقة تكثر بها المستنقعات تسمى بمنطقة المقطع. وينطلق وادي الحبرة أو الحمام من (بوسي) على ارتفاع ألف ومائتي متر أيضا بجبل سعيدة. ولا تصل مياه السيق والحمام الى البحر الا بعد مشقة، نظرا لانخفاض المنطقة بالقرب من مصبهما. وكانت هذه المنطقة تمثل خليجا بحريا، وما زالت الرواسب القارية لم تعمل على ملئه وتسوية سطحه. ويبلغ طول كل من وادي الحمام والسيق (٢٥٠) كيلومترا. ٣ - وادي الشلف: وهو أطول واد بالجزائر، يبلغ طوله (٧٠) كيلو متر، ويمد لسانه حتى سلسلة الأطلس الصحراوي، ليأخذ منابعه بالقرب من مدينة (آفلو) - بالوادي الطويل عند مروره بإقليم النجود، من الجنوب الى الشمال، ويحول اتجاهه من الشرق إلى الغرب عند اصطدامه بجبال زكار، فاصلا بذلك بين جبال الونشريس في الجنورب وجبال الظهرة في الشمال. ولما كانت المنطقة التي يصرفها وادي الشلف واسعة، فإن المياه لا تنقطع من سريره، وترفده عدة أودية ثانوية من الجنوب والشمال، ومن أهمها في الجنوب (النهر الواصل) الذي يصرف هضبة السرسو، ووادي دردر والفضة، وسلى، وريو، ومينا، وكلها تنحدر من جبال الونشريس، ما عدا وادي مينا الذي يأخذ منابعه من جبال فرنده. ولما كان وادي الشلق أوفر ماء من بقية أودية الجزائر، فقد بنيت عليه سدود كثيرة لري سهول الشلف، الممتدة من منطقة مليانة حتى مستغانم. ومن أهم هذه السدود (سد الغريب) وهو أعظم سد في القطر الجزائري، حيث يمكنه أن يخزن (٢٨٠) مليون متر مكعب. ٤ - وادي الشفة: وينحدر من جبال الأطلس المتيجي، كما يبلغ

стр. 1663

خطوط المواصلات في الجزائر

стр. 1664

أودية مدينة الجزائر وإقليمها

стр. 1665

طوله (٢٠٢) كيلومتر. وهو واد انطباعي بالقرب من مصبه الى الغرب مدينة (سيدي فرج) ويرفده من الجهة اليسرى (وادي دجر) الذي ينحدر من جبال زكار. ويلتقي الواديان بالقرب من مدينة وادي العلايق في سهل متيجة. ومن هنا يتحول اسم الوادي الى وادي مازفران، يشق طريقه خلال الحافة الجبلية الساحلية التي تفصل البحر عن سهل متيجة. وهي حافة ذات التواء محدب، تسير وشاطىء البحر من شرشال حتى الجزائر العاصمة. ٥ - وادي يسر: وينبع من جبال تيطري على ارتفاع (١٢٠٠ م) بالقرب من البروقية، ويصب بالقرب من مدينة (دلس) ويبلغ طوله (٢٣٠) كيلومترا. ويشق طريقه في خط قائم الزاوية مع اتجاه جبال التل. وهو واد انطباعي في أكثر أجزائه، ويظهر هذا الانطباع بصورة خاصة في منطقة الأخضرية، حيث يجري الوادي وسط الصخور الصلبة من نايس وغرانيت. ولولا غزارة الأمطار التي يزيد متوسطها على (٨٠٠م م) في منطقة حوض الصرف لما استطاع هذا الوادي أن يشق طريقه وسط الجبال، وأن ينحت بها جدرانا يزيد ارتفاعها على المائة متر في خانق الأخضرية. ومن السهل ملاحظة عملية التوازن عند مصب وادي يسر، حيث انخفضت الأرض مسافة مائتي متر تقريبا منذ عصر البلايوسين، بسبب تراكم الرواسب التي يلقي بها وادي يسر عند مرفضه، فازداد بذلك الثقل على طبقة السيما واختل توازنها، فخسف فيها الجزء الأسفل من قاعدة المصب، وقد أدى هذا الى ارتفاع مناطق أخرى مجاورة لها لإعادة التوازن.

стр. 1666

٦ - وادي الصومام: (ويسمى بوادي الساحل أيضا): وهو ينبع من جبال البيبان، ويرفده من الجهة اليمنى - وفي أقسامه العليا -وادي بوسلام الذي يلتقي به بالقرب من مدينة (أقبو) ويشتد انحدار وادي الصومام من منبعه الى مدينة البويره، ثم يأخذ الانحدار في القلة حتى مصبه في هليح بجاية. ويجري وادي الصومام في سهل ضيق للغاية، ويبلغ طول الوادي (٢١٠) كم. ٧ - الوادي الكبير ، ويسمى بوادي الرمل (وقديما وادي امبزاغة) ويبلغ طوله حوالي (٢٥٠) كيلومترا. ويأخذ منابعه من جبال فرجيوه بالقراب من جميلة. ويصرف السفوح الجنوبية لجبال البابور، ثم يتجه من الغرب الى الشرق حتى يصل الى إقليم قسنطينة، فيتحول اتجاهه من الجنوب الى الشمال، ثم يخترق جبال نوميدية الجيرية، ليصب الى الشرق من مدينة جيجل بحوالي (٤٥) كيلو مترا. ٨ - وادي الصفصاف: ويبلغ طوله مائة كيلومتر، يصب في خليج سكيكدة، وينبع من منطقة (سمندو). ٩ - وادي السيبوس: ويمد لسانه حتى الجبل الأزرق الواقع على ارتفاع (١١٩٥م) بالقرب من (عين البيضاء) ويسمى مجراه الأعلى بوادي الشرق يرفده من جهاته اليمنى واليسرى عدة روافد من أهمها: وادي زناتي الذي ينحدر من جبل (أم سطاس) بالغرب من (عين عبيد). ويروي وادي السيبوس سهل عنابة، وهو لم يأخذ مجراه النهائي في هذا السهل حتى الآن، حيث يظهر وقد هجر مجراه القديم وانخرق الى الغرب مسافة سبعة كيلومترات، بدليل الأذرع الميتة أو المجاري المهجورة التي تنتشر بالقرب من مجراه الأدنى الحالي. ويبلغ

стр. 1667

طول وادي السيوس (٢٣٢) كيلو مترا. ١٠ - وادي مجردة: وينحدر من جبال مجردة بالجزائر، ثم يمر بالأراضي التونسية، ليصب في خليح قرطاجنة بتونس. تلك هي أهم أودية الشمال، وهي كلها تصب في البحر الأبيض المتوسط. وقد بني على معظمها سدود لخزن المياه وري السهول الفيضية التي تجري بها. ... ب - ٢ - أودية النجود: وهي أودية الأحواض الداخلية، وتتميز بقصرها. وشدة ذبذبة جريانها، وقلة مياهها عن الأودية السابقة، لأنها تصرف مناطق أقل مطرا من مناطق صرف الأودية التلية. وتسير أودية النجود في اتجاهات مختلفة، حاملة معها في فصل الأمطار رواسب كثيرة بها نسبة عالية من الأملاح التي تقذف بها في الأحواض المغلقة (أي في الشطوط أو الزواغز). وتشتد عملية التبخر في المنطقة خلال فصل الصيف، وتقل مياه الأحواض التي تتبخر تاركة وراءها رواسب ملحية تزيد من ملوحة مياه الشطوط. وتجف أغلب أسرة الأودية تماما ولا تبقى بها قطرة ماء في فصل الصيف. ومن بين الأودية الحوضية تلك التي تنصرف الى شط الحضنة، قادمة من جبال تيطري وأولاد نائل والحضنة. ونذكر منها وادي بوسعادة وحام ومسيلة أو القصب وبومدو وبريكة. وكل هذه الأودية تصب في شط الحضنة الذي يقع على ارتفاع (٤٠٠م) فوق مستوى سطح البحر. ويغطي مساحة تزيد على (٢٧) ألف هكتار. وشط الحضنة أكثر ماء من بقية شطوط النجود، لأن الأودية التي تمده بالمياه كثيرة وطويلة نسبيا، ومنها ما تجري بها المياه طوال السنة. أما بقية الشطوط

стр. 1668

البداية - إتقان استخدام السلاح

стр. 1669

فأوديتها قصيرة جدا. وهي جافة في أغلب أيام السنة. ولهذا كان الشط الشرقي والغربي يمثلان حلقات منفصلة من السبخ يجف أغلبها في فصل الصيف، وتظهر بقاعها الحمأة والرواسب الملحية الطينية اذا اشتدت عملية التبخر. ... ب - ٣ - الأودية الصحراوية: وهي التي تجري الى الجنوب من سلسلة الأطلس الصحراوي، تصب في بعض الأحيان في الشطوط، وتختفي أحيانا وسط الرمال، وتتميز بالآتي: أولا: ليس لها جوانب مضبوطة ولا حدود معينة. ثانيا: عديمة الانتظام وفجائية الفيضان، خلاف ما يحدث كل سنة في أودية المنطقة التلية والشمالية بصفة عامة. إذ أن الفيضان لا يحدث إلا مرة واحدة في كل عدة سنوات في الأودية الصحراوية. ثالثا: أنها من نوع الأودية المهاجرة، ولهذا يمكن أن يطلق عليها تجاوزا اسم الأودية. رابعا: أنها رحمة إلهية لما تخزنه من مياه فيما تحت التربة، ونقمة طبيعية لما تسببه من أضرار إذا فاضت، حيث إنها تأتي على المنازل والخيام. وفي بعض الأحيان على القطعان والمزروعات. وتنقسم الأودية الصحراوية حسب مناطق منابعها إلى أودية السفوح الجنوبية للأطلس الصحراوي، (وأودية الهوقار). فأما الأولى، فتنحدر من السفوح الجنوبية لسلسلة الأطلس الصحراوي،

стр. 1670

وتتجه من الشمال الى الجنوب، ما عدا وادي جدي الذي يسير على طول أودية السفوح الجنوبية لجبال الأطلس الصحراوي. ومياه أودية السفوح الجنوبية لجبال الأطلس الصحراوي، تغوص في الرمال الصحراوية، لتنبجس مرة أخرى في شكل عيون طبيعية، أو آبار ارتوازية عليها قامت واحات النخيل في إقليم بني مزاب والهوامش الشمالية الصحراوية. ومن أهم هذه الأودية (وادي جدي) الذي يأخذ منابعه بالقرب من مدينة (أفلو) بجبال عمور. وهذه الجبال تعتبر منطقة تقسيم المياه بين (وادي جدي) الى الجنوب، والوادي الطويل الى الشمال، ويجري (وادي جدي) في منطقة إنكسارية نتيجة للحركة الالتوائية الي أصابت سلسلة الأطلس الصحراوي، متجها من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي مارا بمدينة (الأغواط) و (أولاد جلال) الى أن يصل الى (شط ملغيغ) الواقع دون مستوى البحر بـ (٣١ مترا). ويضاهي وادي جدي فى طوله وادي الشلف، كما يصرف جزءا كبيرا من مياه السفوح الجنوبية لسلسلة الأطلس الصحراوي. وبذلك فهو أوفر الأودية الصحراوية ماء. ومن الأودية الصحراوية القادمة من الشمال الى الجنوب نجد (وادي العرب) و (الوادي الأبيض) المنحدر من جبال الأوراس. ويصبان في منخفض (ملغيغ) وهو شط واسع الأرجاء، تحيط به الكثبان الرملية، وتظهر على حوافه النباتات الصحراوية المتنوعة، وتغمره المياه في فصل الشتاء. وينحدر من الجهات الجنوبية الغربية لجبال الأطلس الصحراوي وادي زرقون وسوقر والخبيز والناموس. وأهمها وادي الساورة الذي يرفده وادي زوسغانة من الجهات اليمنى، وأودية (غير) من الجهات اليسرى. ويسمى (وادي الساورة) بطريق النخيل، حيث قامت

стр. 1671

عليه حضارات قديمة، ما زالت تشهد بها تلك الآثار المنتشرة هنا وهناك على طول الوادي، من كولومب بيشار حتى مصبه بسبخة (المخرقن) الى الجنوب من عين صالح في قلب الصحراء. ويعتبر وادي الساورة في الوقت الحالي شريان الحياة، تنتشر على امتداده واحات النخيل والمدن التي تعتبر محطات للمسافرين. وستزداد أهمية هذا الوادي بعد مد الخط الحديدي. وإتمام بناء سد (غير) لري منطقة (عبادلة). أما القسم الثاني من الأودية الصحراوية، فهي المنحدرة من جبال (الهوقار) وتظهر على شكل شبكة منحدرة في كل الاتجاهات، من أهمها: (وادي تمنراست) الذي ينبع من مدينة (تمنراست) عاصمة (الهوقار). ووادي تافاست، الذي يربط بين قلب الهوقار وجمهورية النيجر. ووادي جارات الذي يصرف مياه السفوح الشمالية العربية لجبال أفتيس بهضبة الهوقار، ويلفظ ما يجمعه من مياه في سبخة (المخرقن). وتتميز أودية (الهوقار) بفيضانها في فصل الصيف، لأن الأمطار تنزل في الإقليم في فصل الصيف. ... ج - النطاقات المناخية: لما كانت الجزائر تمتد على ساحة واسعة، فإن عناصر المناخ من رياح وأمطار وحرارة، تظهر بها متباينة ومختلفة من الشمال الى الجنوب، ومن مدينة الجزائر بالساحل حتى مدينة (تامنراست - بالهوقار). ويمكن تقسيم الجزائر الى ثلاثة أقاليم مناخية متباينة، ممتدة على شكل نطاقات من الغرب الى الشرق، ومترتبة من الشمال الى الجنوب كالآتي: مناخ البحر الأبيض المتوسط، ومناخ الاستبس، ومناخ الصحراء

стр. 1672

١ - مناخ البحر الأبيض المتوسط: ويسود في المنطقة الشمالية، وفوق سلسلة الأطلس التل من تلمسان حتى مدينة سوق أهراس، بل يتوغل في الأراضي التونسية حتى مدينة تونس، وفي الأراضي المغربية حتى مدينة طنجة. ويحده جنوبا خط (لانزوفيتس ٣٥٠ مم) وهو الخط الفاصل بين مناخ الاستبس في الجنوب، ومناخ البحر الأبيض في الشمال. ويتميز هذا الأخير بفصلين متباينين، أحدهما مطير دافىء طويل، وهو فصل الشتاء، والثاني فصل جاف حار قصير وهو فصل الصيف. ويكاد الجو يكون صافيا طول السنة مع اعتدال في الطقس مما جعل من هذه المنطقة مشكاة سحرية وروضة غناء، ذات غابات خضرة، وأشجار صنوان وغير صنوان من بلوط وصنوبر وعرعار وأرز وريحان. وقد ساعدت هذه البيئة الطبيعة الجميلة منذ القديم على ظهور حضارات عريقة كانت ممتدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط (الحضارة الفينيقية) حيث صفاء الجو ونور الشمس وسكون الطبيعة، كل ذلك مما ساعد الانسان على التفكير والابداع وإنتاج حضارة رائعة لا زالت ترسل بظلالها حتى اليوم. ٢ - مناخ الاستبس: تتراوح أمطاره بين (٣٥٠مم) و (٢٠٠ مم) ويمتد الى الجهات الجنوبية من المناخ السابق، ويشمل أراضي النجود والأطلس الصحراوي. ويلاحظ هنا المناخ القاري بوضوح من فوارق حرارية يومية وشهرية متطرفة، وأمطار قليلة، ورطوبة نسبية منخفضة. ويعتبر المناخ الاستبسي مناخا انتقاليا بين مناخ الصحراء في الجنوب، ومناخ البحر الأبيض المتوسط في الشمال، وتسود به الحشائش القصيرة والفقيرة، تتخللها في بعض الأحيان الشجيرات المتباعدة بعضها عن بعض. وأهم هذه الحشائش: الشيح ونباتات الحلفاء التي تعتبر مصدرا من مصادر الثروة الجزائرية، إذ منها يصنع

стр. 1673

أجود أنواع الورق، كما تدخل في صناعة بعض الأقمشة والصناعات المحلية. ٣ - مناخ الصحراء: ويحتل أكبر مساحة في القطر الجزائري، إذ يمتد من جبال الأطلس الصحراوي شمالا حتى هضاب الهوقار جنوبا. وبذلك يشمل مساحة تزيد على التسعين بالمائة من المساحة الاجمالية للبلاد. وخط الايزوفيتس (٢٠٠ مم)، هو الحد الفاصل بين المناخ الصحراوي ومناخ الاستبس. فأمطار الصحراء تقل في أكثر مناطقها عن ٢٠٠ مم، وتنزل في فصل الصيف على هضاب الهوقار والهوامش الجنوبية، وفي فصل الشتاء على الهوامش الشمالية. والرطوبة النسبية منخفضة جدا، والفوارق الحرارية مرتفعة جدا. وكذلك الحرارة اليومية التي تصل الى (٥٦) درجة مئوية في بعض الأحيان، وهو أعلى رقم في العالم سجله مرصد (تندوف). ونتيجة لهذه الظروف الطبيعية القاسية، كانت الصحراء بلاد الغلاة والبيداء والمليع، تكاد تختفي فيها الحياة النباتية تماما، وبايحاز، مناخها متطرف للغاية. د - الغطاء النباتي: تغطي الغابات والحراج مساحة كبيرة بالجزائر تقرب من السبعة ملايين هكتار، أغلبها في الإقليم الشمالي. ويوجد بالجزائر حوالي ثلاثة آلاف نوع من النباتات، أغلبها أصلية، والقليل منها مستورد من الخارج، مثل أشجار الكافور المستوردة من أستراليا، والهندي أو التيين الشوكي المستوردة من المكسيك. وتنقسم السنة النباتية الى فصلين: أحدهما فصل الصيف أو (فصل الجفاف) تسقط الأشجار فيه أوراقها، وتختفي فيه النباتات الصغيرة. ولهذا يعتبر فصل النوم أو الراحة، يتوقف فيه النشاط النباتي. أما الفصل الثاني، فهو فصل الشتاء، تسقط فيه الأمطار، وفيه تورق الأشجار، وتخضر

стр. 1674

الحشائش، وتزهر الأغصان، وتخرج البراعيم، ولهذا يسمى فصل النمو أو فصل الإنبات. ويخضع الغطاء النباتي لشروط طبيعية معينة تتحكم في وجوده وكثافته ونوعيته، ومن أهم هذه الشروط: المطر، والحرارة، والتربة، والضوء، والرياح، والموقع، والتضاريس، فلهذا تظهر النباتات في الجزائر وهي مختلفة من مكان لآخر تبعا لاختلاف الظروف المناخية السابقة الذكر. ففي الإقليم الشمالي تظهر الحراج من ضرو، وريحان، وحمايرة، وعلانق، ودوم، عند حضيض الجبال. وفي المناطق القليلة الأمطار والارتفاع، تظهر غابات الفلين على السفوح التي يقل ارتفاعها عن (١٢٠٠ مم) والتي تظهر بها التربة الرملية بالخصوص. أما إذا اشتد الارتفاع، وزادت البرودة، وتنوعت التربة، فتظهر غابات الصنوبر والأرز والعرعار. والسفوح المقابلة للرياح الممطرة أوفر نباتا وأشجارا من السفوح الواقعة في ظل الرياح الممطرة. وفي إقليم الاستبس، أو النجود، الذي تقل أمطاره عن (٣٥٠ مم) سنويا، نجد الحياة النباتية فقيرة، وتختفي الغابات الكثيفة لتحل محلها الحراج والمراعي الواسعة. أما في الجنوب، حيث تكاد تنعدم الأمطار، فيكاد يختفي الغطاء النباني تماما. وكثيرا ما يقطع المسافر مئات الكيلومترات دون أن يقع بصره على نبتة عشب أو قطرة ماء. تظهر بعد ذلك العلاقة الوثيقة بين المطر والنباتات عند الأخذ بمخطط بياني مقارن لأطوال النباتات الطبيعية، ومعدلات سقوط الأمطار، حيث يظهر أن ارتفاع النباتات (طولها) يصل الى عشرين مترا أو أكثر في الإقليم الذي تزيد أمطاره السنوية على (٣٥٠ مم). بينما لا يزيد ارتفاع هذه النباتات (طولها) على بضعة أمتار في الإقليم

стр. 1675

الذي تتراوح أمطاره بين (٣٥٠مم) و (٢٠٠مم) سنويا. أما الإقليم الذي تتراوح أمطاره بين (٢٠٠مم) و (٥٠مم) سونيا، فلا تظهر فيه إلا النباتات الشوكية القصيرة جدا. وعلى هذا الأساس، يمكن تقسيم الجزائر الى ثلاثة أقاليم نباتية ممتدة من الغرب، الى الشرق، على شكل نطاقات، ومرتبة من الشمال الى الجنوب، وهي: إقليم البحر الأبيض المتوسط، إقليم الاستبس، إقليم الصحراء. د - ١ - إقليم البحر الأبيض المتوسط: وتحده جنوبا السفوح الجنوبية لسلسلة الأطلس التلي، وشمالا مياه البحر الأبيض المتوسط، ويتميز هذا الإقليم بفصل حار وجاف وقصير نسبيا، يمتد من شهر حزيران - يونيو- حتى شهر تشرين الأول - أكتوبر - وفصل رطب دافىء طويل، يدوم من تشرين الأول - أكتوبر- حتى أيار-مايو-. وتتراوح أمطاره السنوية بين (١٠٠٠ مم) و (٣٥٠مم) وتربته جيدة، وهو أوفر المناطق نباتا، وأغناها نوعا، وأهم غاباته هي: * - غابات أشجار (الفلين) (١) التي يتراوح ارتفاعها (طولها) بين الستة والاثني عشر مترا. وتظهر أشجار الفلين فوق التربة الرملية، كما لا تتحمل البرودة المتطرفة. ولذا تقتصر على المناطق التي لا يزيد ارتفاعها على (١٢٠٠) م. وهي تظهر على جبال الظهرة وزكار والسفوح الشمالية لجبال تلمسان، والونشريس والأطلس المتيجي وبالقرب من بجاية. وأهم غابات الفلين بالجزائر هي الممتدة من جيجيل غربا حتى القالة شرقا على طول الساحل. وتمتاز أشجار الفلين بعروقها الطويلة التي تغوص عمودية في الأرض، وأغصانها المتشعبة

стр. 1676

وغير المستقيمة، وأوراقها الدائرية الشكل والمغلوقة. وتزهر شجرة الفلين بعد أن تبلغ من العمر الستين سنة، وتعمر القرون العديدة حتى ينهار وسط جذعها، وتظل القشرة الخارجية محافظة على حياة الشجرة، الى أن تهب ريح قوية تأتي عليها، إن لم تسقطها يد الانسان. وتقل مساحات غابات الفلين في الجزائر حاليا عن (٤٤٠) ألف هكتار، ذلك أن الاستعمار الإفرنسي عمل خلال حرب التحرير على إحراق مساحات واسعة من الغابات الساحلية. وكانت الجزائر قبل هذه الحرب، ثاني دولا عالمية في مساحة غابات الفلين، لا تفوقها الا البرتغال. * - غابات أشجار الصنوبر: وتتميز بأوراقها الابرية وثمارها المخروطية الشكل. وهي تغطي مساحة واسعة من شمال الجزائر تزيد على (٧٠٠) ألف هكتار. وتظهر في جبال التل والأطلس الصحراوي، وهي على أنواع، منها غابات الصنوبر البحري التي تتطلب أمطارا كثيرة ومرتفعات متوسطة. ولهذا يظهر الصنوبر البحري على الساحل الشرقي، وبالخصوص في منطقة (جيجل) و (رأس بوقرعون) وهي تغطي مساحة لا بأس بها. ومن غابات أشجار الصنوبر هناك نوع (الصنوبر الحلبي) فوق المرتفعات التي تزيد على (١٣٠٠ م) فوق جبال الساحل وجبال الأطلس الصحراوي، ويغطي مساحة واسعة من الجبال التي يصل ارتفاعها حت (٢٢٠٠ م) ويتحمل الصنوبر الحلبي الظروف المناخية القاسية، من أمطار يقل متوسطها السنوي من (٣٠٠ مم) سنويا، وتربة جيرية أو رملية أو مختلطة، ولهذا فإننا نجده في غرب الجزائر أكثر منه في شرقها، لأن غرب الجزائر أقل مطرا من شرقها. وتتميز أشجار

стр. 1677

(الصنوبر الحلبي) بأوراقها الابرية الطويلة التي تخرج في فصل الشتاء، ولا تسقط الا بعد أربع سنوات، وثمارها بطيئة النضح، وجذوعها مستقيمة، واذا شقت خرج منها سائل كثيف يتجمد بعد مدة (هو الصمغ) الذي يدخل في صناعة الصباغة، وأخشاب الصنوبر معروفة بجودتها واستخداماتها الكثيرة. *- غابات أشجار (البلوط) (١) ويبدأ ظهورها على ارتفاع (٤٠٠ م) وتمتد حتى ارتفاع (١٧٠٠ م) فوق الأطلس التلي. أما في جبال الأوراس فتظهر على ارتفاع (١٩٠٠ م). وتتطلب أشجار البلوط أمطارا كثيرة، وتربة رطببة، وهي تظهر على جبال تلمسان والونشريس وديرة وبابور ونوميديا. وتغطي مساحة تقرب من (٥٠٠) ألف هكتار. *- غابات أشجار (الأرز) (٢) أو غابات الجبال الشاهقة، لأن أشجار الأرز لا توجد الا في المناطق التي يتراوح ارتفاعها بين (١٣٠٠ م) و (٢٢٠٠ م) كجبال الونشريس وثنية الأحد والبليدة وجرجرة والأوراس وبوطالب. وتغطي مساحة تزيدعلى (٣٠) ألف هكتار. وأشجار الأرز أضخم وأطول أشجار الغابات الجزائرية، تعمر السنين الطوال، وتتطلب أمطارا وفيرة، وشتاء باردا، وصيفا معتدلا. وهذه الظروف المناخية جعلت أشجار الأرز تهجر الجبال الغربية بوهران وجبال الأطلس الصحراوي. * - غابات أشجار الزيتون: وتحتل السفوح القليلة الارتفاع، بين الألف والمائة متر، فوق التربة الرملية، التي تلائم بالخصوص

стр. 1678

أشجار الزيتون المختلطة بشجيرات الضرو، والعلائق، والحمايرة وبوحداد، وسيسنو، والريحان، والدوم. وبهذا الاختلاط تكون غابات أشجار الزيتون غطاء نباتيا متشابكا يصعب اختراقه، لكن رائحة أشجاره المتنوعة تنعش الألباب، وتذكي القرائح، وتبعث بالراحة والسرور في الأنفس، في كل فصل من فصول السنة، وبالخصوص في فصل الربيع الذي تزهر فيه الأشجار والشجيرات، وتتوالد فيه الطيور، وتكثر فيه الينابيع المتدفقة. وتمتاز أشجار الزيتون بأوراقها القصيرة السميكة، وتكون في اتجاه مائل بالنسبة للشمس، وهي صلبة ذات لون أخضر فاتح بالجهة العلوية، وفضية بالجهة السفلية المقابلة لسطح الأرض، ومغطاة بطبقية شمعية تقيها شدة التبخر في فصل الصيف. ولعل أهم ما يميز مناخ البحر الأبيض المتوسط هو أشجار الزيتون التي تظهر حيث يظهر هذا المناخ، ولهذا يمكن اعتبارها الحد الفاصل لإقليم نباتات البحر الأبيض المتوسط. د - ٢ - إقليم الاستبس: ويمتد الى الجنوب من إقليم البحر الأبيض المتوسط، وهو إقليم انتقالي بين الصحراء في الجنوب، والتل في الشمال. وجكم موقعه، فإن آثار الانتقال ظاهرة بوضوح على تخومه الشمالية والجنوبية، إذ تظهر أشجار الزيتون عند تخومه الشمالية، وشجيرات الدرين عند تخومه الجنوبية. تقل الأمطار نسبيا في إقليم الاستبس ويزداد الجفاف، وتأخذ الفوارق اليومية والفصلية في الارتفاع، كما تتزايد الذبذبات المطرية وضوحا، وبذلك يأخذ المناخ القاري في الظهور، وقد أثر هذا المناخ المتطرف في الحياة النباتية. فبدل الغابات التلية، تظهر بأرض النجود الشجيرات المتباعدة بعضها عن بعض، وتظهر الحشائش القصيرة ال تي

стр. 1679

تنبت في فصل دون آخر، ولا يرجع فقر المنطقة بتاتا الى قلة الأمطار فقط، ولكن إلى فقر التربة أيضا، حيث تكثر السبخ في هذا الإقليم، وتسود به التربة الملحية التي لا تساعد على الحياة النباتية، والأشجار بالخصوص. وأهم نباتات إقليم النجود: الحلفاء، والسدرة، والبطوم والشيح، والدرين، والكرار، والطرفة أو الثل. أما الحلفاء فهي أشهر نباتات النجود، يبلغ ارتفاعها (طولها) حوالي المتر، ولا تحتمل الرطوبة الكثيرة، وتقنع بما يقرب من (٣٠٠ مم) من الأمطار سنويا، واذا زادت الأمطار على (٥٠٠ مم) أضرت بالحلفاء التي تختفي ليحل محلها (الديس) الذي يزيد طوله على المتر، وله أوراق إبرية الشكل، حرشاء، تخدش لامسها، ويظهر فوق جبال النجود والتل على السواء. ومن نباتات النجود (الدرين) الذي يظهر فوق التربة الرملية. و (الشيح) فوق السهول الفيضية. و (السنار) فوق التربة الطينية. وأنواع أخرى من النباتات تظهر فوق التربة الملحية الشطية، وتظهر على حافات المنخفضات من السبخ , والكثير منها تعافه حتى المواشي نظرا لشدة حموضتها وملوحتها أو مرارتها. أما على ظهر سلسلة الأطلس الصحراوي، حيث يزداد المتوسط السنوي للأمطار عن (٣٠٠ مم) فإننا نجد غابات الصنوبر الحلبي، مع غابات فقيزة فوق جبال الجلفة والعين الصفراء. د - ٣ - الإقليم الصحراوي: ويمتد الى الجنوب من سلسلة الأطلس الصحراوي، بحده شمالا إقليم الاستبس، أما جنوبا فيتجاوز حدود الصحراء الجزائرية. وهو فقير بالحياة النباتية بحكم موقعه بعيدا عن الأمطار وأسبابها - اذ لا تزيد أمطاره السنوية على (٢٠٠ مم) - ويظهر في الصحراء إقليمان متباينان نباتيا، أحدهما هو

стр. 1680

إقليم (تنزروف) أو (المليع) الخالي من النباتات تماما حيث لا يظهر لها فيه أي أثر. والثاني إقليم (الفقر النباتي) الذي تظهر في أوديته شجيرات (الثل) و (البطوم) و (الطلح) و (السنط) و (الصمغ) و (السدرة) التي تكتفي بالرطوبة القليلة المخزونة بين جزئيات التربة. أما فوق الهضاب الصخرية، فتظهر نباتات قصيرة جدا، مثل الضمران، والعجرم، والعلندة، والقرندل. كما تظهر فوق الكثبان الرملية نباتات الدرين، وهو الكلأ المفضل لدى الجمال. وتتميز النباتات الصحراوية بالآتي: آ - أنها سريعة الظهور والاختفاء، نتيجة للأمطار التي تصلها من بعيد، وهي أمطار مباغتة غير منتظمة، تدوم وقتا قصيرا، فتؤثر بذلك في النباتات التي تظل بذورها مختفية تحت التربة عدة سنوات الى أن تنزل عليها أقل كمية من الأمطار، فتنمو بشكل غريب، وتدوم حياتها أياما معدودة، ثم تنام عدة سنوات قبل أن تظهر مرة أخرى، إذا ما نزلت الأمطار، وعاودنا نوبة الرطوبة. ب - ان أغصانها غالبا ما تكون مجردة من الأوراق، وجذوعها قصيرة ودقيقة، وكثيرا ما كانت مسلحة بالأشواك لتدرأ عن نفسها هجمات الحيوانات، وتقلل من عملية التبخر في هذا الإقليم الذي تشتد فيه الحرارة وعملية التبخر، ويقل فيه الأثر الفعلي للأمطار. ج - أن عروقها كثيرة ومتشبعة، حيث أنها ممتدة في اتجاهات مختلفة الى أعماق بعيدة حتى تصل الى المياه. وأغنى المناطق الصحراوية نباتا هي بطون الأودية، لأن طبقة اختزان المياه بها غير بعيدة عن سطح الأرض، وبذلك يسهل على النباتات المعتمدة على المياه الباطنية أن ترسل شبكة عروقها الى امتصاص حاجتها من الماء بسهولة.

стр. 1681

﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. الفصل الثاني ١ - في فلسفة الثورة. ٢ - البيان الأول للثورة. ٣ - مكتب جبهة التحرير في القاهرة يصدر بيانه عن الثورة. ٤ - بدايات العمل الثوري. ٥ - انطلاقة الثورة في كتابة قائد إفرنسي. ٦ - عقبات على طريق الثورة. ٧ - الثورة في وثائق ثوارها. آ - الإعداد للثورة. ب - الله أكبر - خالد - عقبة. ج - لهيب الثورة في أريس. د - فجر يوم الثورة المسلحة. هـ - إندلاع الثورة في متوجة (متيجة). و- الولاية الأولى في معركة التحرير. ز - الثورة في ولاية وهران.

стр. 1682

غضب وبؤس وتصميم .. تلك هي ملامح المجاهدين

стр. 1683

١ - في فلسفة الثورة يقول (جول مونيرو) في وصفه الكلاسيكي لطبيعة الثورة وتطورها ما يلي: [تفقد جميع مظاهر النشاط الاجتماعي وفئاتها بصورة تدريجية اسقلالها في الثورات. ففي الحروب الخارجية والداخلية على حد سواء، ينعدم الاسقلال في السياسات الخارجية والداخلية، وفي الشؤون الاقتصادية والدينية، وتصبح كلها مترابطة متشابكة. ويتجه كل شيء تدريجيا، نحو التوافق والاتصال، وهذا يشمل الأمور المتعلقة بالأفراد والجماعات على حد سواء، ويسبب لهم ولها الكثير من الجهد والمشقة .... وأخيرا فإن العالم بأسره يغدو منطقة حساسة واسعة من الاحتكاك، والاحتكاك المقابل ويغدو التفاعل بين العالم الأكبر والإنسان، وبين الفرد والمجتمع، وبين الكيان الصغير والكيان لكبير الضخم، حركة سريعة متلاحقة، تجرف معها الإنسان دون أن يفهم شيئا، ولا هناك مجال لتحليل القيم والأهداف - الذي يمكن كل مجموعة بشرية وكل فرد، من أن يجد أو تجد (المكان اللائق لكل شيء)، وتتجزأ العقائد الدينية الى مجموعات من الواجبات المتنافرة، و (تصطرع القيم المنفصلة والمجزأة) متنافسة على الفرد وفي داخله. وفي وسع المؤرخ أن يجزىء

стр. 1684

الأزمة العامة الى سلسلة من الأزمات الخاصة في أوقات وأماكن معينة، ولكن هذه الأزمات تظل تعدل بعضها البعض، وتقرر مصير بعضها البعض، وهذا الترابط، يكون مكانيا وزمانيا. فالنفس القديمة تندفع الى التغير، ولما يظهر بعد أي شيء ليملأ الفراغ الذي خلفته الأمور التي قذفتها هذه النفس وطرحتها جانبا. وتسيء الحاجات بتشكيل صورها، وتكتفي بما تستطيع تحقيقه من أين؟ وكيف؟ وتتوقف العقائد التي قام عليها المجتمع، عن السيطرة على الاستجابات العضوية، ولكنها تتعرض للهجمات على أساس المصالح. وتدافع عن نفسها، على هذا الأساس أيضا، وتتهدم الحوافز الاجتماعية العظيمة في النفس، التي تمثلها هذه العقائد عن طريق النقد ... في مثل هذه الفترات، وعندما تصبح القواعد القديمة للمجتمع واهية ومائعة ومنهارة أمام حالة من الانتقال، وتفقد الانتقادات الموجهة الى كل الأوضاع القديمة، التي لم تعد مرضية، والى كل ما تقوم عليه من أسس، دون كابح أو زاجر .... وكتتمة طبيعية لانتشار الشكية، تنبعث هناك (باطنية) غير ناضجة .... هي: (وليدة التحالف بين الشكية والحنين الى الوطن) والى جانب العدمية (النهلستية) - وهي حالة من توافر الصلاحية النفسية التي تعني أن يكون الانسان حاضرا للفائدة لكل عمل - يظهر نوع من الحنين في أشكال متعددة، للإجماع العام الاجتماعي، وفي هذا التوق الى الوحدة، تعيش النفس، على أضخم صورة مقلدة لها، وهي صورة العصر الذهبي، واليوم المجيد .... ولا ريب في أن المفاهيم الجديدة. للعالم، التي تحاول أن تحتل مكان النطام الاجتماعي القديم، تحمل طابع الجدة.

стр. 1685

والثورة - وهي الأزمة الطويلة التي تحيل التنافر إلى وحدة - لا تستطيع الوقوع في (وعاء مقفل) في جزء واحد من العالم، حتى ولا في قارة بأسرها، فارتباط الاضطرابات ارتباط عالمي .... والثورة -عملية تاريخية، لا تقود إلى أبواب الفردوس، بل إلى أبواب عالم شبيه بالعالم الذي نعرفه، باستثناء أن كل ما فيه قد تبدل. حتى (النفس) أيضا تغيرت. فأية فئات يمكن لها أن تقتسم المنافع والخدمات وتتوزعها، ومم تتألف هذه الفئات؟ ولمنفعة من سيجري هذا التوزيع؟ وأية علاقات بشرية يمكن لها ان تتبدل فعلا؟ وما هي الأهمية الحضارية لهذا التبدل؟ وما هو نوع النظام الجديد الذي سيوجد والذي سيقبل فيه الناس أوضاعهم؟ وكيف يمكن لهذا النظام أن يضع الخطة لإبراز الطبقة المختارة؟ هذه هي الاسئلة التي تبرز ما يتعرض للخطر في المعركة. وليس من الصعب تسمية كل عصره (بالعصر الثوري) إذا كان الاصطدام المتزايد في المشاكل يقترب من نقطة الإشباع. فالتباين والخلاف يصلان الى أقصى امتدادهما ... وترفض الغالبية العظمى تقبل المجتمع. ويأخذ عدد الرجال الذين فقدوا الاحساس بالانتماء الى النظام الاجتماعي او النظام العالمي يزداد ... ويصبح المجتمع الى حد كبير، وأخيرا الى حد نهائي، ترتيبا استبداديا، أو إذا شئنا تعبيرا أصدق، قلنا إنه يصبح سلسلة من الترتيبات التي لم تعد تستحق اسم (المجتمع) .... وتأخذ الظروف دورها في تكييف سلوك الإنسان أو تشويهه، ويتعاظم دور هذه الظروف، بينما ينقص دور المسؤولية. وفي مثل هذه الأوقات يكون الرجل العظيم هو ذلك الذي يملك، بالإضافة الى مواهبه الأخرى، موهبة تمييز (اللخطة
следующие страницы →