← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. الفصل الثاني ١ - في فلسفة الثورة. ٢ - البيان الأول للثورة. ٣ - مكتب جبهة التحرير في القاهرة يصدر بيانه عن الثورة. ٤ - بدايات العمل الثوري. ٥ - انطلاقة الثورة في كتابة قائد إفرنسي. ٦ - عقبات على طريق الثورة. ٧ - الثورة في وثائق ثوارها. آ - الإعداد للثورة. ب - الله أكبر - خالد - عقبة. ج - لهيب الثورة في أريس. د - فجر يوم الثورة المسلحة. هـ - إندلاع الثورة في متوجة (متيجة). و- الولاية الأولى في معركة التحرير. ز - الثورة في ولاية وهران.

стр. 1682

غضب وبؤس وتصميم .. تلك هي ملامح المجاهدين

стр. 1683

١ - في فلسفة الثورة يقول (جول مونيرو) في وصفه الكلاسيكي لطبيعة الثورة وتطورها ما يلي: [تفقد جميع مظاهر النشاط الاجتماعي وفئاتها بصورة تدريجية اسقلالها في الثورات. ففي الحروب الخارجية والداخلية على حد سواء، ينعدم الاسقلال في السياسات الخارجية والداخلية، وفي الشؤون الاقتصادية والدينية، وتصبح كلها مترابطة متشابكة. ويتجه كل شيء تدريجيا، نحو التوافق والاتصال، وهذا يشمل الأمور المتعلقة بالأفراد والجماعات على حد سواء، ويسبب لهم ولها الكثير من الجهد والمشقة .... وأخيرا فإن العالم بأسره يغدو منطقة حساسة واسعة من الاحتكاك، والاحتكاك المقابل ويغدو التفاعل بين العالم الأكبر والإنسان، وبين الفرد والمجتمع، وبين الكيان الصغير والكيان لكبير الضخم، حركة سريعة متلاحقة، تجرف معها الإنسان دون أن يفهم شيئا، ولا هناك مجال لتحليل القيم والأهداف - الذي يمكن كل مجموعة بشرية وكل فرد، من أن يجد أو تجد (المكان اللائق لكل شيء)، وتتجزأ العقائد الدينية الى مجموعات من الواجبات المتنافرة، و (تصطرع القيم المنفصلة والمجزأة) متنافسة على الفرد وفي داخله. وفي وسع المؤرخ أن يجزىء

стр. 1684

الأزمة العامة الى سلسلة من الأزمات الخاصة في أوقات وأماكن معينة، ولكن هذه الأزمات تظل تعدل بعضها البعض، وتقرر مصير بعضها البعض، وهذا الترابط، يكون مكانيا وزمانيا. فالنفس القديمة تندفع الى التغير، ولما يظهر بعد أي شيء ليملأ الفراغ الذي خلفته الأمور التي قذفتها هذه النفس وطرحتها جانبا. وتسيء الحاجات بتشكيل صورها، وتكتفي بما تستطيع تحقيقه من أين؟ وكيف؟ وتتوقف العقائد التي قام عليها المجتمع، عن السيطرة على الاستجابات العضوية، ولكنها تتعرض للهجمات على أساس المصالح. وتدافع عن نفسها، على هذا الأساس أيضا، وتتهدم الحوافز الاجتماعية العظيمة في النفس، التي تمثلها هذه العقائد عن طريق النقد ... في مثل هذه الفترات، وعندما تصبح القواعد القديمة للمجتمع واهية ومائعة ومنهارة أمام حالة من الانتقال، وتفقد الانتقادات الموجهة الى كل الأوضاع القديمة، التي لم تعد مرضية، والى كل ما تقوم عليه من أسس، دون كابح أو زاجر .... وكتتمة طبيعية لانتشار الشكية، تنبعث هناك (باطنية) غير ناضجة .... هي: (وليدة التحالف بين الشكية والحنين الى الوطن) والى جانب العدمية (النهلستية) - وهي حالة من توافر الصلاحية النفسية التي تعني أن يكون الانسان حاضرا للفائدة لكل عمل - يظهر نوع من الحنين في أشكال متعددة، للإجماع العام الاجتماعي، وفي هذا التوق الى الوحدة، تعيش النفس، على أضخم صورة مقلدة لها، وهي صورة العصر الذهبي، واليوم المجيد .... ولا ريب في أن المفاهيم الجديدة. للعالم، التي تحاول أن تحتل مكان النطام الاجتماعي القديم، تحمل طابع الجدة.

стр. 1685

والثورة - وهي الأزمة الطويلة التي تحيل التنافر إلى وحدة - لا تستطيع الوقوع في (وعاء مقفل) في جزء واحد من العالم، حتى ولا في قارة بأسرها، فارتباط الاضطرابات ارتباط عالمي .... والثورة -عملية تاريخية، لا تقود إلى أبواب الفردوس، بل إلى أبواب عالم شبيه بالعالم الذي نعرفه، باستثناء أن كل ما فيه قد تبدل. حتى (النفس) أيضا تغيرت. فأية فئات يمكن لها أن تقتسم المنافع والخدمات وتتوزعها، ومم تتألف هذه الفئات؟ ولمنفعة من سيجري هذا التوزيع؟ وأية علاقات بشرية يمكن لها ان تتبدل فعلا؟ وما هي الأهمية الحضارية لهذا التبدل؟ وما هو نوع النظام الجديد الذي سيوجد والذي سيقبل فيه الناس أوضاعهم؟ وكيف يمكن لهذا النظام أن يضع الخطة لإبراز الطبقة المختارة؟ هذه هي الاسئلة التي تبرز ما يتعرض للخطر في المعركة. وليس من الصعب تسمية كل عصره (بالعصر الثوري) إذا كان الاصطدام المتزايد في المشاكل يقترب من نقطة الإشباع. فالتباين والخلاف يصلان الى أقصى امتدادهما ... وترفض الغالبية العظمى تقبل المجتمع. ويأخذ عدد الرجال الذين فقدوا الاحساس بالانتماء الى النظام الاجتماعي او النظام العالمي يزداد ... ويصبح المجتمع الى حد كبير، وأخيرا الى حد نهائي، ترتيبا استبداديا، أو إذا شئنا تعبيرا أصدق، قلنا إنه يصبح سلسلة من الترتيبات التي لم تعد تستحق اسم (المجتمع) .... وتأخذ الظروف دورها في تكييف سلوك الإنسان أو تشويهه، ويتعاظم دور هذه الظروف، بينما ينقص دور المسؤولية. وفي مثل هذه الأوقات يكون الرجل العظيم هو ذلك الذي يملك، بالإضافة الى مواهبه الأخرى، موهبة تمييز (اللخطة

стр. 1686

المؤاتية) .... وللرجال العظام في مثل هذه الظروف بالإضافة الى فضائلهم الأخرى فضيلة المعرفة التامة وموهبة المخر في عباب المجتمع .... وعندما لا يشعر الفرد بأنه جزء مكمل لنظام اجتماعي، يحاول البحث عن حلول مؤقتة، كالحصول على ملجأ في فتنة، أو في أي مكان أمين آخر .... ولكن هذا الوضع، يسري على روح المغامرة بقدر ما يسري على روح الحذر. وهناك فرص جديدة، وعن طريق التصميم والشعاعة والاحتمال والحظ، يمكن الوصول في هذا العصر إلى نتائج أكثر من تلك التي كان بالمستطاع الوصول اليها في العصر السابق] (١). ... المهم في الأمر، هو أن إرادة التغيير الشامل باتت متوافرة لدى معظم مسلمي الجزائر، وتوافرت (قيادة تاريخية) عرفت أهمية (اللحظة التاريخية). وأفاق العالم صبيحة اليوم الأول من تشرين الثاني - نوفمبر-١٩٥٤، على نداء يحمل الإعلان عن بداية الثورة. وليس في وسع أي ثوري - أو أية فئة ثورية، أن تحكم مسبقا على مدى ما يحققه النداء الأول من استجابة في نفوس الجماهير. غير أن (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) والتي تحولت في تلك الليلة الى (جبهة التحرير الوطني الجزائري) كانت على ثقة مطلقة من أن النداء الذي وزعته مع الطلقات الأولى التي أعلنت قيام الثورة، سيلقى استجابة عامة تساعد الثورة على يطوير أعمالها وتصعيد صراعها. وهذا ما تحقق فعلا. وقد تضمن البيان التاريخي ما يلي:

стр. 1687

٢ - البيان الأول للثورة: (بيان فاتح نوفمبر ١٩٥٤) (١) أيها الشعب الجزائري أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا، نعني الشعب بصورة عامة، والمناضلين بصفة خاصة، نعلمكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكم الأسباب العميقة التي دفعتنا الى العمل. أن نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الأفريقي، ورغبتنا أيضا هو أن نجنبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الامبريالية وعملاؤها الإداريون، وبعض محترفي السياسة الانتهازية فنحن نعتبر قبل كل شيء أن الحركة الوطنية، بعد مراحل من الكفاح، قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية. فإذا كان هدف أي حركة ثورية، في الواقع، هو خلق جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر أن الشعب الجزائري، في أوضاعه الداخلية متحد حولة قضية لاستقلال والعمل. أما الأوضاع الخارجية، فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي

стр. 1688

تجد سندها الدبلوماسي، وخاصة من طرف، إخواننا العرب والمسلمين. إن أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحرري في شمال أفريقيا. ومما يلاحظ في هذا الميدان، أننا منذ مدة طويلة، أول الداعين إلى الوحدة في العمل. إن هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقق أبدا بين الأقطار الثلاثة. وقد اندفع كل واحد منها اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب، فإننا نتعرض إلى مصير من تجاوزته الأحداث. وهكذا فإن حركتنا الوطنية قد وجدت، نفسها محطمة، نيجة لسنوات طويلة من الجمود والروتين. توجيهها سيء، ومحرومة من سند الرأي العام العالمي الضروري، وقد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحا ظنا منه أنه قد أحرز أضخم انتصاراته في صراعه ضد الطليعة الجزائرية. إن المرحلة خطيرا أمام هذه الوضعية التي يخشى أن يصبح من المحال علاجها، رأت مجموعة من الشبان المسؤولين المناضلين الواعين، التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة، أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص، والتأثيرات، لدفعها إلى المعركة الثورية الحقيقية، إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين. وبهذا الصدد، فإننا نوضح بأننا مستقلون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة. إن حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية

стр. 1689

الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجهة فقط ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلمي، أن يمنح أدنى حرية. ونظن أن هذه أسباب كافية لجعل حركتنا التجديدية تظهر تحت اسم (جبهة التحرير الوطني) وهكذا نتخلص من جميع التنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية الوطنية الفرصة أن تنضم إلى الكفاح التحريري دون أي اعتبار آخر. ولكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا السياسي: الهدف: هو الاستقلال الوطني بواسطة: ١ - إقامة الدولة الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية، ذات السيادة، ضمن إطار المبادىء الإسلامية. ٢ - احترام جميع الحريات الأساسية بدون تمييز عرقي أو ديني. الأهداف الداخلية: ١ - التطهير السياسي - بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي؛ والقضاء على جميع مخلفات الفساد، وروح الاصلاح التي كانت عاملا هاما في تخلفنا الحالي. ٢ - تجميع وتنظيم جميع الطبقات السليمة لدى الشعب الجزائري، لتصفية النظام الاستعماري.

стр. 1690

الأهداف الخارجية ١ - تدويل القضية الجزائرية. ٢ - تحقيق وحدة شمال أفريفيا في داخل إطارها العربي والإسلامي. ٣ - في إطار ميثاق الأمم المتحدة: نؤكد عطفنا الفعال تجاه جميع الأمم النتي تساند قضيتنا التحريرية .. وسائل الكفاح إنسجاما مع المبادىء الثورية واعتبارا للأوضاع الداخلية والخارجية، فإننا سنواصل الكفاح بجميع الوسائل حتى تحقيق هدفنا. ولكي تحقق (جبهة التحرير الوطني) هدفها، فإنه يحب عليها إيجاز مهمتين أساسيتين في وقت واحد هما: العمل الداخلي، سواء في الميدان السياسي أو في ميدان العمل المحض. والعمل في الخارج لجعل القضية الجزائرية حقيقة واقعة في العالم كله، وذلك بمساندة كل حلفائنا الطبيعيين؛ وهذه مهمة شاقة ثقيلة العبء وتتطلب كل القوى، وتعبئة كل الموارد الوطنية. وحقيقة أن الكفاح سيكون طويلا ولكن النصر محققا. وفي الأخير، وتحاشيا لتأويلات الخاطئة، وللتدليل على رغبتنا الحقيقية في السلم، وتحديدا للخسائر البشرية وإراقة الدماء، فقد قدمنا للسلطات الافرنسية وثيقة مشرفة للمناقشة، إذا كانت هذه السلطات تحدوها النية الطيبة لتعترف نهائيا للشعوب التي تستعمرها بحقها في تقرير مصيرها بنفسها

стр. 1691

١ - الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية، ملغية بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضا إفرنسية - التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري. ٢ - فتح باب المفاوضات مع الممثلين المفاوضين من طرف الشعب الجزائري على أسس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ. ٣ - خلق جو من الثقة وذلك بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ورفع كل الاجراءات الخاصة، وإيقاف كل مطاردة ضد القوات المكافحة. وفي المقابل ١ - فإن المصالح الإفرنسية، ثقافية كانت أو اقتصادية، والمتحصل عليها بنزاهة، ستحترم، وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص والعائلات. ٢ - جميع الافرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر، يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويعتبرون بذلك كأجانب أمام القوانين السارية، أو يختارون الجنسية الجزائرية، وفي هذه الحالة يعتبرون كجزائريين بما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات. ٣ - تحدد الروابط بين فرنسا والجزائر، وتكون موضوع اتفاق بين القوتين الاثنتين على أساس المساواة والاحترام المتبادل. أيها الجزائري! إننا ندعوك لتبارك هذه الوثيقة، وواجبك هو أن تنضم إليها لإنقاذ بلادنا، والعمل على أن نسترجع لها حريتها. إن

стр. 1692

جبهة التحرير الوطني هي جبهتك، وانتصارها هو انتصارك أما نحن، العازمين على مواصلة الكفاح، الواثقين من مشاعرك المناهضة للامبرياليين، فإننا نقدم للوطن أغلى - وأنفس - ما نملك. فاتح نوفمبر ١٩٥٤. الأمانة العامة. ... ومع بيان (جبهة التحرير الوطني) أصدرت قيادة (جيش التحرير الوطني) التي ولدت ليلة الثورة من تنظيم (اللجنة الثوريه للوحدة والعمل) بيانا تم توزيعه مع توزيع بيان (جبهة التحرير الوطني) ولم يكن توزيع البيانين في وقت واحد دليل وجود انقسام، قدر ما كان تأكيدا على ولادة التنظيمين السياسي والعسكري للثورة، وانطلاق التنظيمين من العمل الصامت الى المجابهة المسلحة. وتضمن بيان (جيش التحرير الوطني) ما يلي: بيان من جيش التحرير الوطني في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤ أيها الشعب الجزائري! فكر بالموقف الشائن للاستعمار، حيث العدالة والديموتراطية والمساواة ليست أكثر من واجهات خداعية، يستخدمها المستعمرون. ومع كل هذه الشرور، يجب عدم نسيان قصور الأحزاب عن الدفاع لضمان مصلحتك. فهيا بنا لنمسك يدا بيد، ومعنا إخوتنا في المشرق والمغرب، والذين يموتون لتعيش أوطانهم. إننا ندعوك لاستعادة

стр. 1693

شاب هجر مدرسته والتحق بقواعد الثوار

стр. 1694

حريتك ولو كان دمك ثمنا لها. نظم عملك إلى جانب قوات التحرير التي تطلب مساعدتك. وعليك واجب حمايتها وتقديم العون لها. إن عدم المبالاة والتخلي عن الصراع أصبح جريمة. أما الخيانة فهي في مقاومة الثورة. إن الله مع المجاهدين المدافعين عن قضيتهم العادلة، ولسيت هناك قوة يمكن لها إيقافهم منذ اليوم. فإما الموت بفخار، وإما تحرير الوطن. عاش جيش التحرير. وعاشت الجزائر مستقلة. ... عندما صدرت هذه البيانات، كان لهيب الثورة قد انطلق منذ ساعات قيلة في (آريس) و (خنشلة) و (فم الطوب). وفي عدد كبير من المواقع ضمن إطار (العمليات الصغرى) غير أن تنوع هذه العمليات ووفرة عددها كان أمرا مثيرا لقلق السلطات الاستعمارية. لقد كان إعلان الثورة مجرد تظاهرة للقوة، غير أنها تظاهرة صممت بطريقة رائعة. وانسجاما مع برنامج الثورة في ربط (الصراع السياسي) بالصراع المسلح، لقام مكتب جبهة التحرير الوطني في القارة - والذي كان يرأسه أحمد بن بللا - بإصدار بيان يعلن فيه انطلاقة الثورة وذلك يوم ١٥ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤ (أي بعد مضي ١٥ يوما على إنطلاقة الثورة) وتضمن البيان ما يلي:

стр. 1695

٣ - مكتب جبهة التحرير في القارة، يصدر بيانه عن الثورة . (... لقد بوغت المستعمرون في ليلة الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - الحالي، بمجموعة من الهجمات، بين الساعة الواحدة والساعة الثانية صباحا، شملت جميع أنحاء الجزائر. وهذه الحوادث التي تجلى تنظيمها. لجميع المراقبين، كانت تشمل بوجه خاص هجمات على مراكز الجيش، والشرطة (البوليس) ومستودعات الأسلحة، ونسف أهداف استراتيجية واقتصادية حيوية، ولم تستهدف الأشخاص في أي مكان. أما القتلى الذين ورد ذكرهم، فقد قتلوا في اصطدامات بين البوليس والوطنيين الجزائريين. ولقد اتخذت حركة الوطنيين الجزائريين أشكالا تختلف حسب المناطق. ففي شرق الجزائر، أي في منطقة جبال الأوراس، اعتصم الوطنيون بالجبال، بعد أن هاجموا المراكز العسكرية في (باتنة) و (خنشلة) وبعدما احتلوا مركز (آريس). وعند انسحابهم، نسفوا الجسور وسدوا المنافذ والطرقات. وهؤلاء الوطنيون الذين تحصنوا بجبال الأوراس، هم الذين احتشدت لمقاومتهم معظم القوات العسكرية الافرنسية في الجزائر،

стр. 1696

تلك القوات التي جاءت نجدات هامة من فرنسا وألمانيا لتعزيزها. وهنا يجدر بنا أن نلاحظ أن استخدام القوات التي كانت تعسكر في ألمانيا، لم يتم الا بعد موافقة هيئة أركان حرب منظمة شمال حلف الأطلسي. وكانت الأنباء قد ذكرت، في أوائل شهر تشرين الثاني - نوفمبر - أن مباحثات سرية تجري بين الجنرال (غليوم) الافرنسي، والجنرال (غرونتر) قائد قوات حلف الأطلسي. وبعد المباحثات بأيام، سحبت فرنسا فرقتين كاملتين مجهزتين بمعدات الحلف العسكرية. - وتقدر الفرق الافرنسية التي حشدت في جبال الأوراس والتي تعززها المدرعات والطائرات بفيلقين - ويبلغ عدد المقاومين الجزائريين في تلك المنطقة عدة آلاف، مسلحين بالبنادق والرشاشات، وقد التحق بهم حوالي مائتي رجل، من جيش التحرير التونسي، بعد اجتياز الحدود. ويستطرد البيان قائلا: ويقوم الوطنيون في بقية أنحاء إقليم قسنطينة بعمليات يومية، تهدف إلى إرهاق القوات الافرنسية، وذلك بمهاجمة المراكز العسكرية والمناجم ونسف الجسور وقطع الخطوط الهاتفية والسكك الحديدية، وتقع هذه الحوادث قرب (قالمة) و (سوق أهراس) و (سكيكدة). وفي جنوب المنطقة، تسلحت بعض القبائل، واتجهت الى الشمال لدعم الوطنيين في جبال الأوراس. وفي إقليم الجزائر، حيث وقعت هجمات في مدينة الجزائر، وفي أهم المدن. وقد تركز النشاط في الجهات الجبلية من منطقة القبائل بأسرها، وضواحي مدينة (بليدة). ويقوم الوطنيون المعتصمون بالجبال، بهجمات عديدة على القوات الافرنسة، وأصبح الوطنيون وهم يسيطرون على منطقة القبائل كلها، بحيث لم يعد

стр. 1697

باستطاعة الإفرنسيين المرور إلا في قوافل السيارات المصفحة، وقد قطعت جميع المواصلات السلكية. أما في غرب الجزائر - أي في إقليم وهران - ونظرا لأن المنطقة لا تسمح الا باستعمال أساليب المطاردة والارهاق، فقد وقعت حوادث نسف وتخريب في كل الأنحاء. وحدثت إلى جانب ذلك اشتباكات عديدة استخدت فيها الرشاشات في (مستغانم) بينما قطعت الخطوط الهاتفية المدفونة تحت الأرض والتي تصل بين الجزائر والغرب - مراكش - وذلك في نقطة في الطريق بين (مغنية) و (صبرة). كما قطعت الخطوط الحديدية في نقاط مختلفة. وأصبح الافرنسيون، يعتبرون الجنوب، على حدود الصحراء، منطقة غير آمنة) (١)

стр. 1698

٤ - بدايات العمل الثوري بهذه الحركات الخفيفة المنظمة، تمكن جيش التحرير من بث الذعر والفوضى في صفوف العدو الذي فقد صوابه. وقد تمكنت قوات جيش التحرير من حصار (فم الطوب) و (آريس) وقطع جميع المواصلات الهاتفية والبرقية بينهما وبين بقية المدن، ودام الحصار ثلاثة أيام كاملة، كانت تصل خلالها النجدات والمؤن لحاميتي المركزين بواسطة الطائرات العمودية. وسيطر جيش التحرير على منطقة الأوراس التي تبلغ مساحتها (١٢) ألف كيلو متر مربع سيطرة مطلقة وقضى على جميع المراكز الاستعمارية في هذه المنطقة. أما في جبال (جرجرة) - القبائل، فقد ظهرت فيها القوات الوطنية فجأة، واستولت عليها، وأحاطت بـ (تيزي أوزو) أكبر مدينة فيها. وأسرعت الإدارة الإفرنسية في الجزائر بطلب النجدات من فرنسا. وفي ٣ تشرين الثاني - نوفمبر - (أي في اليوم الثالث لاندلاع الثورة) نزلت في ميناء عنابة ثلاث كتائب من المظليين تم استقدامهم من فرنسا بأمر من رئاسة الحكومة. وكانت القوات الافرنسية بالجزائر يوم انفجار الثورة، تضم (٤٩,٧٠٠) مقاتل. وعلى الرغم من ضخامة هذه القوات، فإنها ظلت عاجزة حتى عن حماية نفسها، ولم يتسن لها

стр. 1699

التحرك والتجمع إلا بعد وصول نجدات كبيرة من فرنسا. وقد صرح سكرتير الدولة الافرنسية للشؤون الحربية آنذاك (جاك شوفالييه) بما يلي: (إن منطقة الأوراس هي في حالة ثورة حقيقية. وعدد الثوار فيها بين أربعمائة وأربعمائة وخمسون رجلا، وهم يستخدمون الأسلحة الآلية - الأوتوماتيكية، والأجهزة اللاسلكية للارسال والالتقاط، وهم يحوبون أعالي البلاد). وكان لا بد للقوات الاستعمارية، أن تقوم بعمل يرد لها بعض (الكبرياء المجروح) و (الهيبة المفقودة). ولو بواسطة الدعاية المزورة - الملفقة - التي لا بد منها لحفظ سمعة الجيش الإفرنسي. وقد تجمعت القوات الإفرنسية في (باتنة). وانطلق منها فيلقان يوم ٥ تشرين الثاني - نوفمبر - الى الأوراس، بزعم القيام بعملية تطهير، ولم تكن هذه العمليات في الواقع سوى استعراض لعضلات الاستعمار الإفرنسي، ومناورات قمع واضطهاد. وبعدها بيومين، انطلقت ثلاثة فيالق عسكرية في عملية إرهابية داخل البلاد - في اتجاه القبائل الكبرى وجبل (أشمول). وقد عادت هاتان الحملتان دون أن تصادفا أية قوة لجيش التحرير، ولكنها اعتقلت بضع مئات من - المشبوهين -. لقد أدت عمليات فدائيي المقاومة السرية في شن الهجمات الصاعقة، سواء بطريقة الزي المزيف أو الانقاض المباغت، الى تحطيم أعصاب الجنود الافرنسيين، وعلى الخصوص الدوريات المتجولة، وحراس الثكنات والمستودعات الحربية، الذين يفقدون السيطرة على أعصابهم نهائيا مع اختفاء ضوء النهار. فحين يهجم الليل بسواده الداكن، يخضعون لمشاعر الفزع، ويتصورون كل شبح في الطريق

стр. 1700

فدائيا. ويعتقدون كل لمعة هي مدية موجهة لأعناقهم، وكل صوت هو صوت قعقعة سلاح. ويظن الواحد منهم أن كل دورية تبديل إنما هي جماعة من الفدائيين، فلا يلبث أن يطلق النار عليها، وعلى كل شبح أو شجرة أو حركة. ومن القصص المثيرة والمعروفة، ما حدث في مدينة (معسكر) خلال الأيام الأولى للثورة، حيث كان السكون يخيم على المدينة، لا يعكر صفوه سوى سير الدوريات المسلحة. وكان عقربا الساعة يلتقيان عند شارة منتصف الليل، عندما صدرت عن الجهة الغربية للمدينة - قرب محطة الحط الحديدي - نيران رشاشة بغزارة عالية. وعند الصباح تبين أن جنود اللفيف الأجنبي - ليجيون ايترانجيه - الذين يحرسون مستودعات النفط قرب محطة الخط الحديدي، سمعوا صوت حركة بن الأعشاب، ففتحوا نيرانهم الرشاشة في اتجاه مصدر الصوت. ولم تكن الضحية أكثر من حمار شارد! كان إعدام الخونة، والمتعاونين مع العدو، هو الهدف الأول للمقاومة السرية وجيش التحرير على السواء. فالخائن في العرف الوطني هو عين الاستعمار، وهو الجرثومة الخطرة التي ببتلي بها الوطن. وكما أن الجسم العليل لا يمكن أن يستعيد نشاطه، أو يبرأ من مرضه إلا اذا قضى قضاء تاما على جرثومة العلة .. فكذلك الشعب العربي وشعوب العالم، لا تستطيع أن تحرر أو أن تنطلق على درب الحرية والسيادة، إلا إذا تم لها استئصال عناصر الفساد، وقتل جراثيم العلة والبلاء فيها. وقد نجحت المقاومة السرية في القضاء على الخونة المارقين، أذناب الاستعمار، وعبيد ماله. وأراحت الشعب العربي في الجزائر من لسعاتهم السامة. وكان آخر من سقط منهم مضرجا بدم

стр. 1701

الخيانة والفساد (عدة شنتوف) و (علي شكال) الذي نفذ فيه حكم الإعدام في قلب فرنسا. وهذان الجاسوسان ينتميان الى المجلس الجزائري المزيف. (وابن التكوك) شيخ الطريقة السنوسية في (مستغانم). وتتم عملية الاعدام، بعد محاكمة المتهم حضوريا أو غيابيا، وتبحث في هذه المحاكمة الأدلة والبراهين القاطعة التي تثبت إدانة المتهم، وبعد ذلك، يعلن رئيس المحكمة الحكم النهائي. وينفذ هذا الحكم فورا. وبانتهاء حياة الخونة، أصبح جلاء المستعمر عن الوطن الجزائري حتميا، فبفقدانه عيونه - جواسيسه - أصبح بدون مساعدة أو معين، فكيفما اتجه،، يجد حرابا مسنونة تدميه. وسيوفا مسلولة تقض مضاجعه. ولقد أظهرت عمليات إبادة الخونة أهميتها بسرعة مذهلة، فقد ظهرت الإدارة الإفرنسية في الجزائر، وقيادتها العسكرية، أنها باتت غارقة في الظلام، ولم يعد باستطاعتها تقويم القوات الحقيقية للثورة، أو معرفة أي شيء عن نوايا الثوار ومخططاتهم، فراحت تنعت رجال جيش التحرير بأنهم قطاع طرق (فلاقة) وذلك لتغطية ما ترتكبه القوات الافرنسية من جرائم التقتيل والابادة والتدمير. وقدرت عدد رجال (الفلاقة) ببضع مئات من الرجال، وأحيانا تزيد عددهم الى بضعة ألوف - ثم إلى (١٥ ألفا). وبقي جيش التحرير محتفظا بسرية عدده وعدته. وكان يعلن في كل المناسبات بأن: عدده هو مجموعة الشعب، وأن مخازن الجيش الافرنسي هي مصدر سلاحه. وكان جيش التحرير عندما بدأ عملياته. قد قسم البلاد الى ست مناطق عسكرية، وزع قواته عليها توزيعا محكما؛ وجعل على رأس كل منطقة قيادة مهمتها إدارة الحرب

стр. 1702

وتنظيم أعمال المقاومة السرية. وحتى تتوافر لعمليات جيش التحرير المرونة وخفة الحركة والقدرة على المباغتة، فقد قسمت القوات الى مجموعات صغيرة، تضم كل واحدة منها حوالي العشرين جنديا؛ مسلحين بالبنادق الرشاشة والقنابل اليدوية، ولدى كل مجموعة جهاز لا سلكي للاتصال بالقيادة وبالمجموعات الأخرى. ولقد أعيى توزيع القوات الجزائرية، على هذا النمط، الجيوش الافرنسية المجتمعة التي كانت تنطلق بين الفينة والفينة، في عملياتها العسكرية ضد الثوار الجزائريين. ولم تعثر هذه الجيوش خلال عملياتها الواسعة على أي أثر لأفراد جيش التحرير، الذين كانوا يراقبون تحركات العدو عن كثب. وبحذر تام. وحين يأتي الظلام، تشرع الدوريات الجزائرية في العمل، بينما تحتفي القوات الافرنسية الضخمة داخل مراكزها الحصينة. وقد وصف مندوب وكالة الصحافة الافرنسية الحالة في الأوراس خلال الشهر الأول للثورة بقوله: (تحافظ الجماعات المسلحة على وجودها مختفية، ففي النهار، لا يظهر أحد منهم. وأثناء الليل، تشعل النيران في الجبال، نيران توقد وتخبو كأنها إشارات، وقد تصادف في وقت متأخر من الليل جرارات بأوضاع غير عادية تأكلها النيران وهي مصطفة على جوانب الطريق). ولكن ومع اقتراب الشهر الأول للثورة من نهايته، بدأت القوات الجزائرية بالتحرك نهارا، وأخذت تنشر الرعب في صفوف العدو. وكانت الى جانب أعمال قطع أسلاك الهاتف والبرق، تقوم بهجمات خاطفة على مراكز الجيوش الافرنسية، وقوافل التموين، وأصبحت خطط جيش التحرير تعتمد على مبدئين أساسيين من مبادىء الحرب: الضرب

стр. 1703

بشدة وبصورة مباغتة، ثم الانسحاب بسرعة. وقد أذهلت هذه الخطط القادة الإفرنسيين، فوضعوا مخططاتهم المضادة التي تعتمد على الإبادة التامة والتدمير الشامل لقواعد الثورة. وضمن هذا الإطار قامت طائرات سلاح الجو الإفرنسي مساء السبت (٢٠ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤) بإلقاء خمسين ألف منشور - بيان - على منطقة الأوراس. وتضمن المنشور المذكور ما يلي: نداء إلى السكان المسلمين! (إن بعض المحرضين المدفوعين من جهة أجنبية، أثاروا حوادث دامية في - بلادنا - وهم يتمركزون بصورة خاصة في منطقتكم، ويعيشون على خيراتكم. إنهم يلزمونكم بمساعدتهم، ويسعون الى اقتياد رجالكم في مغامرات إجرامية. أيها المسلمون! إنكم لن تتبعوهم، وستجمعون عاجلا قبل الساعة السادسة من مساء يوم الأحد ٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - في مناطق الأمان التي سترشدكم إليها القوات الافرنسية الضاربة في منطقتكم مع موظفي الادارة والدواوين. أيها الرجال الذين خرجتم على القانون بغير تفكير، إذا كنتم لم تقترفوا جرما يعاقبكم، التحقوا حالا بمناطق الأمان مع أسلحتكم فلن يصيبكم أي أذى. وستنزل المصيبة الهائلة على رؤوس العصاة. ويسود السلام الافرنسي من جديد). لم يستجب أحد من أبناء الأوراس لهذا النداء، ولم ينزل أحد الى (باتفة) أو سواها من مراكز الأمان التي حددتها القيادة الافرنسية،

стр. 1704

فما كان من هذه القيادة الا أن مددت مهلة الالتحاق بمراكز الأمان لمدة خمسة أيام (حتى ٢٦ تشرين الثاني - نوفمبر -) وأطلقت قواتها لإرغام المواطنين الجزائريين على مغادرة قراهم ومراكزهم. ونجحت في النهاية بحمل (٢٨٠) عائلة من قرية (أشمول) التي يزيد عدد العائلات فيها على الألف عائلة، بالنزول الى (مراكز الأمان). وقد لوحظ خلو الرجال والاشداء والشبان، من بين الذين حملتهم القوات الافرنسية الى (المعتقلات الاجبارية التي حملت اسم معسكرات الأمان) وجدير بالذكر ان عدد سكان الأوراس كان يتراوح بين (١٢٠) و (١٥٠) الف مواطن. بعد انتهاء أجل الانذار، خرجت خمسة فيالق فرنسية في اتجاه القرى التي رفضت الانذار الافرنسي، وقامت بعمليات اعتقال وإبادة واسعة النطاق، اشترك فيها سلاح الجو الافرنسي وقذف فيها قرى الأوراس بقنابل النابالم الحارقة. ولم تؤثر هذه العمليات الوحشية في نفسية الشعب. فظل صامدا يدعم قوات جيش التحرير في المنطقة، إلى أن ظهرت المجموعات الجزائرية فجأة في جبال (جرجرة)، وكان لظهور هذه المجموعات في هذه المنطقة من ولاية (عمالة) الجزائر، وقع الصاعقة على رؤوس الاستعماريين، إذ اعتبروه بداية التطوير لعمليات جيش التحرير المنظمة. وأخذت تحركات قوات الثورة تتوالى في منطقة الاوراس مع انتهاء الشهر الأول لبداية الثورة. وحدثت اشتباكات عنيفة مع القوات الافرنسية أدت الى مصرع عدد كبير من الافرنسيين. وكانت خسائر الثوار محدودة جدا، نظرا لافادة هؤلاء من عامل المباغتة في توجيه الضربات. وحاولت الادارة الافرنسية وقياداتها العسكرية قلب الحقائق، واتباع الأساليب الاعلامية الخادعة،

стр. 1705

فأخذت تزعم أنها قتلت عشرات ومئات الثوار، بينما كانت البلاغات الافرنسية تكاد تخلو من ذكر القتلى الافرنسيين. غير أن هذا الأسلوب من الكذب والخداع، لا يلبث أن يكشف ذاته بسرعة، ليفضح الأساليب التضليلية. وقد ظهر ذلك واضحا في عملية حدثت في بداية شهر كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٤. ففي هذا التاريخ كانت قوة فرنسية تضم (١٥٠) جنديا تقوم بعملية (التطهير) في الأوراس. وقد أوغلت هذه القوة في تقدمها حتى وصلت الى منطقة مكشوفة، وكانت إحدى المجموعات الجزائرية العاملة في هذه المنطقة تتابع تحركات القوة الافرنسية عن كثب، وتحكم الخناق عليها، حتى إذا ما وصلت الى المنطقة المكشوفة، انقضت عليها بالنيران والالتحام، وأبادتها إبادة تامة. وفي الغد، جاء تصريح القيادة الافرنسية بالصيغة التالية: (بينما كانت إحدى فرقنا تقوم بعملية تطهير في الأوراس، هاجمتها عصابة مسلحة من - الخارجين على القانون - وتمكنت قواتنا من قتل (٤٩) ثائرا، أما خسائرنا فلم تتجاوز قتل جندي واحد وإصابة آخر بجراح). قامت قوات فرنسية كبيرة بعمليات حصار وتفتيش في بلاد القبائل، يوم ١٤ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٤، وكان هدفها الأول هو إرهاب المواطنين، لا سيما بعد ظهور قوات الثورة الجزائرية في هذه المنطقة. وقد تلتها في ٣٠ كانون الأول - ديسمبر - حملة أخرى تضم (٤) آلاف جندي للبحث عن الجماعات المسلحة، ولم تصادف هاتان الحملتان أحدا من رجال جيش التحرير، الذين كانوا كعادتهم يراقبون تحركات العدو، وينتظرون انسلاخ قوات صغيرة عن القوات الكبيرة ليهاجموها. غير أن الافرنسيين كانوا شديدي الحذر، فلم

стр. 1706

يجرأوا على تقسيم قواتهم. بل أبقوها مجتمعة تعمل كتلة واحدة، وهذا ما سبب لهم الفشل، لأن تحرك مثل هذه القوات التي ترافقها الدبابات والمدرعات الخفيفة، وتحرسها الطائرات من الجو، لا بد وأن تكون بطيئة عبر الدروب المتفرقة في المنطقة والخفيفة الحركة. وكان الافرنسيون يعتقدون أنهم بحملاتهم الضخمة هذه يستطيعون إيقاف الثورة وخنقها وهي في مهدها. غير أن الثورة نجحت في نشر قواتها وزيادة نشاطها .. فبعد أن كانت عمليات الجيش محصورة في الأوراس إذا بقوات الثورة تنتشر في بقية ولاية (عمالة) قسنطينة. ثم تمتد إلى بلاد القبائل (جبال جرجرة)، ومن هناك بدأ انتشار الثورة داخل ولاية (عمالة) الجزائر ذاتها. استمرت القيادة الافرنسية في محاولاتها بالرغم مما أصابها من الفشل، فوجهت يوم ١٩ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٥ قوة مكونة من خمسة آلاف جندي مدعمة بالمدرعات والطائرات للبحث عن مجموعات جند جيش التحرير في الأوراس. ثم أتبعتها بقوة ثانية تضم أربعة آلاف جندي لتطوير عمليات البحث في شمال الأوراس. وعادت الحملتان بعد أيام دون تحقيق نتيجة تذكر. وخلال ذلك كان جيش التحرير قد وسع دائرة نشاطه حتى أمكن له السيطرة على منطقة الجنوب كلها , ووقعت مجموعة من الاشتباكات الضارية في (كولون بشار) و (عين الصفراء) و (بوسعادة) واختفى رجال جيش التحرير بعدها ليعاودوا ظهورهم في منطقة (وهران). وأصيبت الادارة الاستعمارية وقيادتها العسكرية بحمى الغضب لهذا التطور، إذ كانت تعتقد حتى تلك المرحلة بأن ولاية (عمالة) وهران مسالمة، لأن طبيعة وهران وتكونها الديمغرافي لا يساعدان جيش التحرير عل ى

стр. 1707

التحرك والعمل في منطقتها. وعلى أثر امتداد نفوذ جيش التحرير، وتعاظم نشاطه في كل أنحاء القطر الجزائري، عملت فرنسا على إقالة الحاكم العام (ليونارد) وخلفه في منصبه (جاك سوستيل). وفي أول نيسان - أبريل - ١٩٥٠ أقرت الجمعية الافرنسية لمدة سنة العمل (بقانون الطوارىء) وهو قانون يمنح القوات الافرنسية حرية العمل العسكري بالجزائر، وتطورت بنتيجة ذلك أعمال القتل والسلب واقتحام مساكن المسلمين الجزائريين عنوة في الليل والنهار بحجة البحث من الثائرين، مع فرض رقابة صارمة على الصحف والاعلانات ومحطات الاذاعة والافلام السينمائية والمسرحيات وكل أنواع النشاطات الاجتماعية الأخرى. وقد أدى ذلك الى انتشار الفوضى، وازدياد أعمال الاضطهاد، وانتشار الرعب. فما كان من القوات الجزائرية الثائرة في منطقة الأوراس. إلا أن زادت من هجماتها على القوات الافرنسية، وعملت على تصعيد الصراع، بزيادة الكمائن والهجمات على مخازن حلفاء الافرنسيين الاستعماريين. ووقعت في هذا الشهر (نيسان - أبريل) حوادث تدميرية هامة في مدينة الجزائر، حيث دمر فدائيو المقاومة السرية معامل (باسطوس) للسجائر، ومصنعا للفلين. جابهت الادارة الاستعمارية في الجزائر، والقوات الافرنسية المسلحة، ثورة شعب الجزائري بأساليبها التقليدية التي طالما مارستها منذ أن وطئت قواتها أرض الجزائر. ولقد صرح رئيس بلدية الجزائر، وكاتب الدولة السابق للقوات المسلحة (جاك شوفالييه) بقوله: (إننا لن نحارب بوسائل عادلة ضد - الخارجين على القانون - إننا نحاربهم وفقا لقانون الثأر، إنه الدفاع الشرعي من أجل مصلحة البلاد).

стр. 1708

وهكذا، وانتقاما من هجمات الثوار الجريئة في شهر أيار - مايو -وبداية شهر حزيران - يونيو - ١٩٥٥، قام سلاحا الطيران والبحرية وفرق المغاوير والمظليين بعمل ثأري، فدروا القرى العربية المحيطة بمدينة (سكيكدة) الساحلية ومحوها وسكانها من الوجود، وأصبحت هذه القرى أثرا بعد عين. وفي أواخر شهر تموز - يوليو - وافقت الجمعية الوطنية الافرنسية على تمديد العمل (بقانون الطوارىء) بأغلبية (٣٨٢) صوتا ضد (٢٣٣) صوتا لمدة ستة أشهر. وقد أعلن النائب الافرنسي (لويس فالون) الهدف من فرض قانون الطوارىء بقوله: (إنني أؤكد بأن طلب الحكومة القاضي بتجديد - حالة الطوارىء - هو اعتراف ظاهر بفشل سياستها المبنية على القمع والاضطهاد، وليس على الكفاح ضد الأسباب الحقيقية للثورة). وانطلاقا من هذه الحقيقة وقعت مذبحة (سكيكدة) التي يمكن تلخيص مأساتها بالتالي: قامت قوات الثورة بمهاجة (سكيكدة) في العشرين من شهر آب - اغطس - وحاصرتها حصارا محكما، واشتبكت في معارك ضارية مع حامية المطار الحربي فيها، وقتل خلال هذه المعارك (٦٠) جنديا فرنسيا. وعلى أثر هذا الهجوم الصاعق، قامت القوات الاستعمارية بعدوان انتقامي من سكان (الحي العربي) في المدينة والقرى المحيطة بها. وبما أن الرجال كانوا قد غادروا منازلهم والتحقوا بجيش التحرير، فقد وقعت أعباء المذبحة الرهيبة على النساء والأطفال والشيوخ العجز. واعترفت السلطات الإفرنسية بمقتل النساء والأطفال، وجاء في هذا الاعتراف: (بأن قتل النساء والأطفال كان نتيجة اشتراكهم في المعارك الحربية). ولكن المعارك حدثت يوم

стр. 1709

تلاحم قوى الشعب في المعركة - الفلاح والجندي يتبادلان العون والدعم

стр. 1710

هجوم الوطنيين على سكيكدة - أي السبت ٢٠ آب - أغطس - في حين وقعت مذبحة النساء والأطفال يوم الثلاثاء ٢٣ آب - أغسطس - وعلى هذا فإن اعتراف المسؤولين الافرنسيين لم يكن إلا ستارا لتمويه الحقائق وإخفاء الجرائم الوحشية. وقد نقلت الصحيفة الافرنسية (لومند) صورة عن هذه المذبحة، بالكلمات التالية: (إنني أكرر ما شاهدت، فقد رأيت كلبا مشدودا الى وتد، جعل يزأر حين شاهدنا، وآخر ينبح من الجهة الأخرى للطريق، ورأيت دجاجا ينقر بين الجثث بكل هدوء ... لقد ميزت بين الضحايا بكل سهولة كثيرا من الأطفال الذين لم يبلغوا العاشرة من عمرهم؛ كما أنني لا أذكر أن شاهدت رجالا كهولا بينهم. وإنني أرى جيدا لأعطي بعض الأمثلة: فتاة جاتية على ركبتيها، ورأسها بين يديها ... وأرى شيخا ومجموعة مكونة من ثلاث نسوة، لم يزلن يحملن أطفالهن بين أيديهن، أما بقية السكان، فإنهم عبارة عن جثث هامدة مبعثرة بين الأكواخ ... الحقيقة أنه لم تكن تنبعث أية رائحة من هذه المنطقة مما يبعث على الدهشة إذا صح أن المجزرة حدثت يوم السبت، أي يوم المعركة، ولقد تحققت كذلك أن الدماء المتجدة لم تزل حمراء ... لقد كانت الفوضى عامة، مما يفسر بأن الأهالي كانوا يفرون في كل اتجاه أثناء المذبحة ... وبإمكاني التأكيد: بأنه إذا لم تكن المذبحة قد حدثت صباح الثلاثاء كما تبين لي من كل شيء، فإنه ليس من المعقول أن تكون قد حدثت يوم السبت). كانت مذبحة وحشية، أكدت للحزائريين مرة أخرى - بعد الألفين - طبيعة الاستعمار الافرنسي، وما تميز به من القسوة والتطرف، وبرهنت من جديد أيضا للجزائريين المسلمين أن الطريق

стр. 1711

الوحيد لبناء مستقبلهم هو طريق طرد الاستعمار الصليبي الافرنسي مرة واحدة وإلى الأبد، مهما بلغ حجم التضحيات. وعلى هذا فقد زادت المأساة من تصميم المجاهدين على تطوير الجهاد؛ فقامت قوات جيش التحرير بحصار مدينتي (سكيكدة) و (كولو) وقطعت عنهما سبل الاتصال بداخل القطر، وحرمتها من الماء والكهرباء. واستحال الساحل القسنطيني إلى جحيم لا يطاق، لا سيما بعد تدخل الاسطول الإفرنسي في العركة، مما حمل المسلمين في المدن الى الفرار بأنفسهم نحو قواعد الثورة للخلاص من الارهاب الاستعماري. ولم تلبث قوات جيش التحرير أن انسحبت تنفيذا لخططها الحربية، وعادت لممارسة عملياتها الصغرى في نطاق - الاغارات والكمائن -. وما كادت الحالة تهدء نسبيا في عمالة (ولاية) (قسنطينة) حتى اشتدت في مدينة وهران. كما برزت قوات جيش التحرير بصورة مباغتة في دائرة (تلمسان) والتحمت بالقوات الافرنسية التي كانت مركزة جهدها على الساحل القسنطيني، والتي لم تكن تتوقع وجود مثل هذا العدد من الثوار في (تلمسان). وأسفرت المعارك عن انتصار قوات الثورة انتصارا رائعا، أرغم الافرنسيين على التقوقع في ثكناتهم ومعسكراتهم.

стр. 1712

٥ - انطلاقة الثورة في كتابة قائد فرنسي الجنرال (بوفر) من الضباط الاستعماريين المعروفين، اشترك في حملة السويس، وكان في سنة ١٩٥٦ قائدا لمنطقة قسنطينة، وقد انصرف بعد تقاعده للكتابة العسكرية، وقد جاء في كتابه (الحروب الثورية - فصل الحرب الثورية المعاصرة في البلدان الاسلامية - الحرب الجزائرية -) ما يلي: (تعطي الحرب الجزائرية مثلا هاما بصورة خاصة، لأنها نجمت عن موقف متطرف: ففي بداية الأمر لم يكن الثورويون سوى حفنة من الرجال، ليس بحوزتهم سوى وسائط مضحكة. وجابهوا فرنسا التي كانت تبدو قوتها في تلك الفترة قوة ساحقة. وبالاضافة الى هذا، كان الشعب الجزائري بالرغم من خيبات أمله المتعددة، لم ينضج بعد للثورة (؟) ورغم هذا، فقد قرر الثوار التاريخيون، للجنة الثورية للوحدة والعمل، الذين شجعتهم هزيمة - الافرنسيين - في ديان بيان - فو، والنتائج التي حققها العصيان التونسي (الاستقلال الذاتي الداخلي) بالانتقال الى العمل. وكانت فكرتهم في هذا الوقت هي إيقاظ الجماهير الجزائرية من غفوتها بتظاهرة عنيفة، تثبت إرادة الاستقلال لدى الشعب الجزائري , وكانت هذه التظاهرة قد صممت

стр. 1713

بصورة رائعة، لأنها استهدفت الروعة في إثارة الخيالات والتصورات، وبالإضافة إلى هذا، رسمت اللجنة الثورية للوحدة والعمل، منذ البداية، خطا سياسيا واضحا جدا استهدف في الوقت ذاته الاعتماد على التقاليد الاسلامية - منع شرب الخمر والتدخين -ومارست إرهابا شديدا كمم بسرعة كبيرة أفواه الشعب أمام السلطات الافرنسية (قطع الانف - اغتيال عملاء الادارة الافرنسية من المسلمين - الذبح أمام شهود (١) وتجنبت اللجنة بذكاء حاد كل مجابهة مباشرة مع القطعات الافرنسية - باستثناء اللجوء الى الكمائن والاغتيالات على مختلف أشكالها. كان من حظ الثوار - التاريخيين - في هذا الوقت أنهم هاجوا عملاقا ذا قدمين من صلصال: فقد كانت الادارة الإفرنسية في الجزائر متكلسة، متصلبة، وغير كافية للاشراف الكامل على البلاد. وبالإضافة الى هذا، شلت مجموعة القوانين الشرعية - التي تعتبر

стр. 1714

الجزائر فرنسية وتطبق فيها القوانين الافرنسية لزمن السلم - عمليا كل قمع فوري للثوار. وعلى سبيل المثال: فقد كانت القوانين المطبقة في عام ١٩٤٥ في قسنطينة، مختلفة كل الاختلاف عن القوانين الموجودة في المنطقة ذاتها في سنة ١٩٥٤. ففي عام ١٩٤٥، كانت الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية العرفية قائمة. وفي عام ١٩٥٤ كان استخدام القطعات مرتبطا بالسلطة المدنية، وكان على قوات الدرك - الجندرمة - أن تحقق في كل المعارك مع محضر ضبط وشهود. وهكذا جنت فرنسا على نفسها بالقوانين التي وضعتها (١). وفضلا عن هذا، كانت الوسائط العسكرية الافرنسية في الجزائر مثيرة للضحك (٤٩) ألف رجل أكثر من نصفهم من الجزائريين. ولهذا السبب، وبسبب وجود رجال في السلطة (مثل ميتران في الداخلية، وليونارد في حكومة عموم الجزائر، والجنرال شيريير. في الفيلق التاسع عشر التابع للجزائر العاصمة، والجنرال سبيلمان في فرقة قسنطينة) كانت عملية القمع الأولية تدعو ال الهزء والسخرية، بالرغم من ضربة ناجحة وجهها العقيد دوكورنو للثوار في الاوراس. وأضاعت فرنسا فرصة وحيدة كان بالمستطاع استغلالها لتخنق في المهد، تلك الثورة التي قام بها بضع مئات من الرجال، في الوقت

стр. 1715

الذي كان فيه الشعب الجزائري بكامله مرتبطا الى حد كبير بفرنسا (؟). ونحصل هنا على أحد أكثر الدروس وضوحا في هذه التجربة: في الوضع الحالي، لا تكون الثورة معرضة للخنق والخطر إلا في مرحلة قيامها. ولكن للإفادة من حساسية الثورة، واحتمال تعرضها للخطر والخنق في بدايتها، ينبغي أن تتمكن قوى الأمن من الحصول فورا على الوسائل المادية والشرعية الضرورية لعملية القمع. ولم يكن هذا هو الحال ضمن إطار التشريع الافرنسي في ذلك الوقت، والذي شل مرارا، بنوايا جديرة بالثناء، ولكنها نوايا ساذجة. شرع الثوار الجزائريون، بعد أن نجحوا في الظهرر بشكل بارز على المسرح بتوسيع بقعة الزيت التي شكلها مناخ عدم الأمن، وهم يملكون إحساسا صائبا جدا بالاستراتيجية الملائمة لثورتهم، وكان قطبا الاضطراب هما قلعتا البربر: الاوراس ومنطقة القبائل. ومن الاوراس انتقلت الثورة تدريجيا حتى شملت قسنطينة كلها، في حين نشرت القبائل نفوذها على محافظة الجزائر والجزائر العاصمة. وإزاء هذا الموقف الذي كان يتفاقم يوما بعد يوم، قامت حكومة (ادارفرر، بإرسال (سوستيل) الى الجزائر في شباط - فبراير - ١٩٥٥ كحاكم عام. ويعتبر سوستيل رجلا ليبيراليا كان يأمل أن يستطيع تطبيق سياسة إصلاحية، وفي انتظار قيامه بهذه الاصلاحات طلب نجدات من العاصمة - باريس - فارتفع عدد القوات الافرنسية في الجزائر الى (٨٣) ألف رجل. في غضون ذلك، وفي تموز - يوليو - وجدت منظمة التحرير الوطني نفسها قوية بدرجة كافية لشن عصيان شامل في كل محافظة قسنطينة. وكان هذا العصيان لهيبا من المذابح الشرسة،

стр. 1716

نجم عنها إحجام (سوستيل) عن اللجوء الى التسويات التي كان يفكر فيها. فتشددت فرنسا في موقفها، وأرسلت نجدات جديدة من فرنسا والهند الصينية الى الجزائر، واحتلت محافظة قسنطينة بالقوة. غير أن حمى الثورة انتقلت الى وهران، وعم الفساد محافظة الجزائر، واستشرت الفوضى بصورة عامة.

стр. 1717

٦ - عقبات على طريق الثورة أطلق الثوار التاريخيون شرارة الثورة بالهجوم على أكثر من ثلاثين موقعا في مختلف أنحاء الجزائر ثم أخذ الثوار بالانسحاب، إلى قواعدهم الحصينة في جبال الاوراس. وتلقت القوات الافرنسية دعما عسكريا لمتابعة الأعمال التي أطلقت عليها اسم (إجراءات الأمن) أو (تدابير التهدئة)، وانطلق (الجنرال جيل) بعمليات التطهير، التي تم خلالها اعتقال أكثر من ألفي جزائري. وفي هذا الشهر ذاته - الأول من قيام الثورة - أطلق الجنرال جيل على المجاهدين اسم (الفلاق) كما أطلق هذا الاسم ذاته على عملياته الحربية. وفي الشهر الثاني من قيام الثورة، قامت القوات الافرنسية بعملياتها في قلعتي الثورة: الأوراس ومنطقة القبائل. وأعلن المستوطنون الاوربيون سخطهم على الحكومة ومعارضتهم لسياستها - المتهاونة على حد زعمهم - ولكن الادارة الاستعمارية كانت ماضية في تطوير أعمال القتال، وزيادة حجم الاعتقالات، لا سيما بعد أن عملت على حل (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) بالرغم من إعلان السيد قاره، وابن جلول، نائب قسنطينة، معارضتهم لفكرة استقلال الجزائر التي طرحتها الثورة.

стр. 1718

ويظهر ذلك أن طريق الثورة لم يكن ممهدا، فقد كانت هناك عقبات كثيرة - داخلية وخارجية - تعترض مسيرة الثوار الذين مضوا بعزيمة لا تفتر، وإرادة لا تلين على تذليل تلك العقبات، واحدة بعد أخرى، حتى استقام درب الثورة، وتلاحم الشعب مع ثورته. كانت المشكلة الأولى بالنسبة للثورة خلال مرحلة انطلاقها، هي: مشكلة التنظيم والتجهيز، فبعد الهجمات الأولى، أقام جيش التحرير قواعده في الكهوف والمغاور الجبلية في قبيلة والأوراس وشمال قسنطينة، وهي أماكن رائعة ممتازة، تصلح لحرب العصابات، وركز الافرنسيون هجومهم المضاد في الأوراس، حيث استخدموا الطائرات والدبابات، وعملوا على عزل جيش الثورة عن المواطنين بواسطة (تجميع القرى الموالية لهم) و (إبادة القرى الأخرى التي يشكون بولائها لهم). وكان يتولى قيادة جيش التحرير في الأوراس قائدان ممتازان هما مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني، وكانت المنطقة التي يعملان فيها جبلية وعرة المسالك تقيم فيها عدة قبائل من البربر، أدى اختلافها العنيف في ولائها للأجانب، أو معارضتها لهم الى جعل الجهود المشترك أمرا صعبا للغاية. وبعد استشهاد عدد من القادة العسكريين المحليين على التعاقب، وخلال فترة قصيرة، لم يعد من السهل على قائد واحد أن يتولى السلطة الكاملة (وقد استمر ذلك حتى سنة ١٩٥٧). ولكن على الرغم من ضعف التنسيق الداخلي، في هذه المنطقة، فقد ظل عدد أفراد جيش التحرير في ارتفاع مستمر. أما المجاهدون في منطقة قبيلة، فقد نموا بصورة أكثر تدرجا وبطئا. وكانوا تحت إشراف قادة أكفاء أيضا، من أمثال: كريم بلقاسم ورمضان عبانة وعمارنة وناصر. وركز المجاهدون جهدهم، بعد

стр. 1719

الهجمات الاولى، على إزالة الخونة، وهي مهمة استغرقت منهم تسعة أشهر على أقل تقدير. أما في شمال قسنطينة، فقد تمكن يوسف زيروت - وهو من القادة الأكفاء بدوره - من تنظيم الحدود الجزائرية - التونسية بنجاح، وسرعان ما حقق الاتصال مع البعثة الخارجية لتأمين الأسلحة للثورة. ولم يتأثر الثائرون في الولايات الثلاث تأثرا خطيرا من حل (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) ومن اعتقال عدد كبير من القادة الوطنيين. ذلك أن عمليات الانتقام العمياء التي مارستها القوات الافرنسية، وإبادة القرى، قد أسهمت في توسيع صفوف الثورة، وتطوير جيوشها. وبذلك تكون فرنسا قد خدمت قضية الثورة على غير إرادة منها، وخلافا لما كانت تريده. كانت المشكلة الحادة الثانية، هي مشكلة الحصول على السلاح ووسائط القتال. فقد وجدت الثورة نفسها وهي تجابه القوات الافرنسية المتفوقة، وليس لديها إلا القليل من السلاح، الأمر الذي كثيرا ما دفع الثائرين الى اقتحام المخاطر، ومهاجمة المواقع العسكرية الافرنسية، للحصول على السلاح فقط. وكثيرا ما كانت مثل هذه العمليات ترتدي طابع المغامرة الخطرة وغير المأمونة. وهكذا، لم تمض أكثر من أشهر ثلاثة على بداية الثورة، حتى أصبح مجاهدو الأوراس بدون عتاد تقريبا, فمضى العقيد مصطفى بن بولعيد في مهمة للحصول على بعض العتاد، عندما اعتقل على الحدود الليبية. وأدت مشكلة النقص في الذخائر والاعتدة الى ظهور بعض الخلافات - وحتى الحزازات. بين المجاهدين فوق أرض المعركة من جهة، وبين رفاقهم من أعضاء البعثة الخارجية (وزال هذا السخط بصورة طبيعة في سنة ١٩٥٧ عندما تمكن القادة في الخارج من شحن كميات ضخمة من

стр. 1720

السلاح والعتاد الى الثورة). كانت المشكلة الاستراتيجية الأساسية التي واجهتها الثورة في الأشهر الأولى، هي توسيع نطاق الثورة من الجبال الواقعة في شرق الجزائر إلى سهول قسنطينة وغيرها. وكان من الضروري، والملح جدا، توسيع هذا النطاق، لا سيما وأن المفاوضات الطويلة بين تونس وفرنسا حول الحكم الذاتي المحدود، كانت قد وصلت الى نهايتها. ووقف الجزائريون، الذين كانوا يعتمدون الى حد كبير على مرور الأسلحة والرجال اليهم عبر تونس، الى جانب زعيم حزب الدستور التونسي الجديد، صالح بن يوسف، في معارضته لسياسة الحبيب بورقيبة الرامية الى - الاستقلال على مراحل -. ولكن بعد توقيع اتفاقية الحكم الذاتي التونسي، ومحاكمة صالح بن يوسف وصدور الحكم يإعدامه، أعادت جبهة التحرير الوطني الجزائري تقويم مواقفها السياسية، وأخذت في التعاون مع - بورقيبة - في قضية نقل الأسلحة والعتاد، وفي المهام الدبلوماسية. ولكن عددا كبيرا من زعماء الجبهة آنذاك، كان يؤثر لو استمر التونسيون في القتال، إلى أن تنال كل من تونس والجزائر استقلالهما الكامل. ... تلك هي السطور الأولى في الملحمة الرائعة لثورة شعب الجزائر المجاهد. وهي سطور تقصر عن وصف المعاناة التي عرضت لها الثورة في أيامها الأولى. وتبقى القصة المثيرة في ملحمة الثورة هي تلك التي نسج الثوار خيوطها، بجرأتهم وإقدامهم، ببطولتهم وإيمانهم، بمعاناتهم وتضحياتهم. هناك، فوق ميادين الجهاد، حيث تختلط كل المشاعر الإنساسية لتتفجر عن إبداع تفجر الحياة ذاتها عن
следующие страницы →