← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

نجم عنها إحجام (سوستيل) عن اللجوء الى التسويات التي كان يفكر فيها. فتشددت فرنسا في موقفها، وأرسلت نجدات جديدة من فرنسا والهند الصينية الى الجزائر، واحتلت محافظة قسنطينة بالقوة. غير أن حمى الثورة انتقلت الى وهران، وعم الفساد محافظة الجزائر، واستشرت الفوضى بصورة عامة.

стр. 1717

٦ - عقبات على طريق الثورة أطلق الثوار التاريخيون شرارة الثورة بالهجوم على أكثر من ثلاثين موقعا في مختلف أنحاء الجزائر ثم أخذ الثوار بالانسحاب، إلى قواعدهم الحصينة في جبال الاوراس. وتلقت القوات الافرنسية دعما عسكريا لمتابعة الأعمال التي أطلقت عليها اسم (إجراءات الأمن) أو (تدابير التهدئة)، وانطلق (الجنرال جيل) بعمليات التطهير، التي تم خلالها اعتقال أكثر من ألفي جزائري. وفي هذا الشهر ذاته - الأول من قيام الثورة - أطلق الجنرال جيل على المجاهدين اسم (الفلاق) كما أطلق هذا الاسم ذاته على عملياته الحربية. وفي الشهر الثاني من قيام الثورة، قامت القوات الافرنسية بعملياتها في قلعتي الثورة: الأوراس ومنطقة القبائل. وأعلن المستوطنون الاوربيون سخطهم على الحكومة ومعارضتهم لسياستها - المتهاونة على حد زعمهم - ولكن الادارة الاستعمارية كانت ماضية في تطوير أعمال القتال، وزيادة حجم الاعتقالات، لا سيما بعد أن عملت على حل (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) بالرغم من إعلان السيد قاره، وابن جلول، نائب قسنطينة، معارضتهم لفكرة استقلال الجزائر التي طرحتها الثورة.

стр. 1718

ويظهر ذلك أن طريق الثورة لم يكن ممهدا، فقد كانت هناك عقبات كثيرة - داخلية وخارجية - تعترض مسيرة الثوار الذين مضوا بعزيمة لا تفتر، وإرادة لا تلين على تذليل تلك العقبات، واحدة بعد أخرى، حتى استقام درب الثورة، وتلاحم الشعب مع ثورته. كانت المشكلة الأولى بالنسبة للثورة خلال مرحلة انطلاقها، هي: مشكلة التنظيم والتجهيز، فبعد الهجمات الأولى، أقام جيش التحرير قواعده في الكهوف والمغاور الجبلية في قبيلة والأوراس وشمال قسنطينة، وهي أماكن رائعة ممتازة، تصلح لحرب العصابات، وركز الافرنسيون هجومهم المضاد في الأوراس، حيث استخدموا الطائرات والدبابات، وعملوا على عزل جيش الثورة عن المواطنين بواسطة (تجميع القرى الموالية لهم) و (إبادة القرى الأخرى التي يشكون بولائها لهم). وكان يتولى قيادة جيش التحرير في الأوراس قائدان ممتازان هما مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني، وكانت المنطقة التي يعملان فيها جبلية وعرة المسالك تقيم فيها عدة قبائل من البربر، أدى اختلافها العنيف في ولائها للأجانب، أو معارضتها لهم الى جعل الجهود المشترك أمرا صعبا للغاية. وبعد استشهاد عدد من القادة العسكريين المحليين على التعاقب، وخلال فترة قصيرة، لم يعد من السهل على قائد واحد أن يتولى السلطة الكاملة (وقد استمر ذلك حتى سنة ١٩٥٧). ولكن على الرغم من ضعف التنسيق الداخلي، في هذه المنطقة، فقد ظل عدد أفراد جيش التحرير في ارتفاع مستمر. أما المجاهدون في منطقة قبيلة، فقد نموا بصورة أكثر تدرجا وبطئا. وكانوا تحت إشراف قادة أكفاء أيضا، من أمثال: كريم بلقاسم ورمضان عبانة وعمارنة وناصر. وركز المجاهدون جهدهم، بعد

стр. 1719

الهجمات الاولى، على إزالة الخونة، وهي مهمة استغرقت منهم تسعة أشهر على أقل تقدير. أما في شمال قسنطينة، فقد تمكن يوسف زيروت - وهو من القادة الأكفاء بدوره - من تنظيم الحدود الجزائرية - التونسية بنجاح، وسرعان ما حقق الاتصال مع البعثة الخارجية لتأمين الأسلحة للثورة. ولم يتأثر الثائرون في الولايات الثلاث تأثرا خطيرا من حل (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) ومن اعتقال عدد كبير من القادة الوطنيين. ذلك أن عمليات الانتقام العمياء التي مارستها القوات الافرنسية، وإبادة القرى، قد أسهمت في توسيع صفوف الثورة، وتطوير جيوشها. وبذلك تكون فرنسا قد خدمت قضية الثورة على غير إرادة منها، وخلافا لما كانت تريده. كانت المشكلة الحادة الثانية، هي مشكلة الحصول على السلاح ووسائط القتال. فقد وجدت الثورة نفسها وهي تجابه القوات الافرنسية المتفوقة، وليس لديها إلا القليل من السلاح، الأمر الذي كثيرا ما دفع الثائرين الى اقتحام المخاطر، ومهاجمة المواقع العسكرية الافرنسية، للحصول على السلاح فقط. وكثيرا ما كانت مثل هذه العمليات ترتدي طابع المغامرة الخطرة وغير المأمونة. وهكذا، لم تمض أكثر من أشهر ثلاثة على بداية الثورة، حتى أصبح مجاهدو الأوراس بدون عتاد تقريبا, فمضى العقيد مصطفى بن بولعيد في مهمة للحصول على بعض العتاد، عندما اعتقل على الحدود الليبية. وأدت مشكلة النقص في الذخائر والاعتدة الى ظهور بعض الخلافات - وحتى الحزازات. بين المجاهدين فوق أرض المعركة من جهة، وبين رفاقهم من أعضاء البعثة الخارجية (وزال هذا السخط بصورة طبيعة في سنة ١٩٥٧ عندما تمكن القادة في الخارج من شحن كميات ضخمة من

стр. 1720

السلاح والعتاد الى الثورة). كانت المشكلة الاستراتيجية الأساسية التي واجهتها الثورة في الأشهر الأولى، هي توسيع نطاق الثورة من الجبال الواقعة في شرق الجزائر إلى سهول قسنطينة وغيرها. وكان من الضروري، والملح جدا، توسيع هذا النطاق، لا سيما وأن المفاوضات الطويلة بين تونس وفرنسا حول الحكم الذاتي المحدود، كانت قد وصلت الى نهايتها. ووقف الجزائريون، الذين كانوا يعتمدون الى حد كبير على مرور الأسلحة والرجال اليهم عبر تونس، الى جانب زعيم حزب الدستور التونسي الجديد، صالح بن يوسف، في معارضته لسياسة الحبيب بورقيبة الرامية الى - الاستقلال على مراحل -. ولكن بعد توقيع اتفاقية الحكم الذاتي التونسي، ومحاكمة صالح بن يوسف وصدور الحكم يإعدامه، أعادت جبهة التحرير الوطني الجزائري تقويم مواقفها السياسية، وأخذت في التعاون مع - بورقيبة - في قضية نقل الأسلحة والعتاد، وفي المهام الدبلوماسية. ولكن عددا كبيرا من زعماء الجبهة آنذاك، كان يؤثر لو استمر التونسيون في القتال، إلى أن تنال كل من تونس والجزائر استقلالهما الكامل. ... تلك هي السطور الأولى في الملحمة الرائعة لثورة شعب الجزائر المجاهد. وهي سطور تقصر عن وصف المعاناة التي عرضت لها الثورة في أيامها الأولى. وتبقى القصة المثيرة في ملحمة الثورة هي تلك التي نسج الثوار خيوطها، بجرأتهم وإقدامهم، ببطولتهم وإيمانهم، بمعاناتهم وتضحياتهم. هناك، فوق ميادين الجهاد، حيث تختلط كل المشاعر الإنساسية لتتفجر عن إبداع تفجر الحياة ذاتها عن

стр. 1721

إبراز كل معالمه وأبعاده. هناك فوق ميادين الجهاد، حيث تنصهر كل الانفعالات في بوتقة واحدة، بوتقة الإيمان والحب، الإيمان بالله، والحب للوطن وأهل الوطن.

стр. 1722

٧ - الثورة في وثائق ثوارها أ - الإعداد للثورة (لقد بدأ تاريخنا بتفجير الثورة في خنشلة) هذا ما قاله أحد الأبطال ممن عايشوا مرحلة مخاض الثورة، وشاركوا في تفجيرها (١) ولكن الوصول الى هذه البداية، بداية الثورة - يتطلب العودة لاسقراء ملامح تلك المراحل المختلفة للأنشطة الوطنية التي قامت بها مجموعة من الطلاب الشباب الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية إيقاط الوعي الوطني، بعد ما أدركوه من الأعباء المرهقة التي تلقي بكل ثقلها على الحياة اليومية للشعب الجزائري، والمواطن الجزائري، وقد بدأت مسيرة الأحداث بالتحرك، عندما قامت خلية من الطلاب المجاهدين فأمسكت زمام المبادأة، وأخذت في توجيه الأحداث من خلال الإمساك بقيادة الحزب، لا سيما بعد أن تمت إقالة عدد من المسؤولين فيه. ومن ثم اتخاذ الموقف الحيادي، وانتهاج سياسة استقلالية بعد تمزق (الهيئة الثورية للوحدة والعمل) تحت ضربات الاستعماريين. (١) REF: RECITS DE FEU (SNED ALGER) P.P. ١ ٢٩ وكاتب البحث هو (سالم بوباكور) وهو من قدامى المجاهدين في حركة انتصار الحريات الديموقراطية، ثم في التنظيم السري (للحركة الثورية للوحدة والعمل) وقد اشترك الباحث في مرحلة الإعداد للثورة وفي تنفيذ عملياتها، وهو هنا يعرض تفجير الثورة في (خنشلة) بصورتها الواقعية.

стр. 1723

وأخيرا، مرحلة الإعداد لثورة الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤. والعمل على تفجيرها. وقد تم ذلك في (خنشلة) على الرغم من كل العوائق التي لم يكن أقلها - على سبيل المثال - عدم توافر أكثر من سبع قطع أسلحة في أيدي المنفذين، بينما كان من المقرر وفقا للمخطط الأساسي الذي أشرف على وضعه (مصطفى بن بولعيد) تأمين ما لا يقل عن أربعين قطعة سلاح وإشراكها في المعركة. لقد بدأت القصة على كل حال - إلى عام ١٩٥٠ - حيث تم الاتصال بالوطنيين في خنشلة، وكان هؤلاء يثقون ثقة مطلقة بضرورة وجود - حزب وطني ثوري منظم - يتولى قيادة الصراع المسلح من أجل استقلال الجزائر. وكان مناخ هؤلاء الشبيبة كافيا لإثارة الحماسة في أوساط الطلاب وتنظيمهم وإعدادهم للعمل الذي سيفجر في الليلة التاريخية. وكان يتم ضم المتطوع بصفة (مجاهد عادي) حتى إذا ما برهن على كفاءته، أصبح مسؤولا عن إحدى الخلايا. وكانت الخلية تضم المجاهدين من مختلف الفئات الاجتماعية للشعب، وأولهم بدهيا فئة الفقراء البائسين. وكان المبدأ الثابت هو: (أن خدمة الوطن ليست حكرا لأحد). وتعرف المجاهدون الشباب من خلال تنظيمهم على تاريخ الجزائر. وجهاد الشعب الجزانري ضد الاستعماريين، وهو الجهاد الذي لا بد من استمراره حتى يستعيد الوطن حريته، وحتى يتم له استقلاله. وكان هؤلاء الطلاب الشبيبة يترجمون عقيدة الحزب بالحماسة للقضية الوطنية، وبالإرادة الطوعية للعمل، وكذلك بالانضباط الذاتي واحترام التوجيهات العامة للقيادة. وقد ساعد التكون السياسي للحزب على تغيير مفاهيم هؤلاء الشباب ومواقفهم تغييرا تاما. وظهر هذا التغيير في علاقات الشبيبة

стр. 1724

بعضهم ببعض وعلاقتهم مع جماهير الشعب. فبالأمس القريب، كان هؤلاء الشبيبة يعيشون حياة اللامبالاة في عالم غامض مضطرب، يحيط بهم الفراغ السياسي، ويخيفهم غياب القيادة التي ترى الأمور بوضوح تام. وها هم بعد أن انضموا لتنظيم الحزب وهم يعرفون أهدافهم، ولديهم الاستعداد للتضحية بحياتهم من أجل حياة وطنهم، ويعيشون حياة التضامن، ويشعرون بالأخوة الحقيقية لكل إنسان جزائري. ولم يعد الجهاد بالنسبة لهم مجرد شعار يرفعونه. لقد أصبح مضمون الجهاد يفرض عليهم العمل الدؤوب والجهاد، ومناقشة المواقف السياسية بعقلية متحررة، من أجل تحويل النظرية الى ممارسة عملية. وأصبح كل فرد من الطلاب، على الرغم من حداثة سنه وصغر عمره الزمني، وهو يتمتع بقدر كاف من النضج الذي يمكنه من تحمل المسؤولية، واكتشاف الحقائق السياسية والاجتماعية التي تتطلبها بلاده: (لقد أصبح حب الجزائر هو كل شيء في حياة هؤلاء الشبيبة). انحصرمت أنشطة الشبيبة في الحزب طوال الفترة ما بين العام ١٩٥٠ والعام ١٩٥٤ بالأعمال الرتيبة - الروتينية- والتي كانت تمارسها كل الأحزاب السياسية، ومنها: تنظيم الخلايا والاجتماعات، وإجراء المقابلات، وخوض المعارك الخطابية، وبيع الصحف والنشرات التي يضعها الحزب، وجمع الاشتراكات، ووضع البيانات التي تتضمن الشعارات المعادية للاستعمار، وكتابة الشعارات الوطنية على الجدران، والتركيز بصورة خاصة على ما يضمن للناس التعاطف مع أهداف الحزب، من خلال شرح المذكرة الشهيرة التي قدمتها (حركة انتصار الحريات والديموقراطية) إلى

стр. 1725

مجلس الأمن، والتي تطالب بإقامة دولة جزائرية تعمل في إطار الحياد الإيجابي بين الدولتين العظميين: الامبريالية والاشتراكية. وأخيرا، البحث عن الوسائل لدعم الروابط مع الكتلة العربية - الإسلامية، وتحقيق اتحاد دول المغرب العربي. الإسلامي (شمال أفريقيا). ولم يكن باستطاعة الحزب وهو يمارس هذه الفعاليات كلها المحافظة على سرية تنظيمه. وخلال هذه الفترة، وبنتيجة عملية تزوير الانتخابات، أصبحت كل التنظيمات الحزبية مكشوفة، مما جعلها عرضة لضربات الإدارة الافرنسية. ولم يحدث أن بدأت بعض الحركات الوطنية بالتنظيم السري، إلا بعد عمليات الاعتقال الجماعي للمناضلين، في إثر المؤامرة الإفرنسية ضد حركة (انتصار الحريات الديموقراطية) في نيسان - أبريل - سنة ١٩٥٠، وما أعقب ذلك من عمليات انتقامية ضد مواطني الأوراس ومواطني سيدي علي بونبي ونيدورما وماغنيا. لا سيما وقد أصبح أعضاء الحزب دريئة لسهام السلطة، مما دفع الكثيرين للانسحاب منه، وهكذا أخذ الحزب في الانتقال إلى العمل - نصف السري - مع إعادة تنظيم الخلايا بسبب انسحاب بعض المسؤولين القدامى في الحزب. ووجدبت هيئة الحزب في (قسما) أنها باتت مكونة من خمسة أعضاء يمثلون (حركة انتصار الحريات الديموقراطية)، وأصبح لزاما على هؤلاء عقد اجتماعاتهم الدورية - كل أسبوعين - في مكان سري، وبقي الأمر كذلك حتى شهر آذار - مارس - ١٩٥٤. حيث تم الانفصال عن حركة انتصار الحريات الديمويراطية. فاتخذت مجموعة (قسما) التابعة لمركز (خنشلة) موقف الحياد الايجابي والمستقل عن الكتلتين الأساسيتين

стр. 1726

المتصارعتين على مستوى القمة، واللتين كانت إحداهما رفع شعار (اللجنة المركزية) والثانية ترفع شعار (التكتل - خلف مصالي الحاج). وكان الهدف من اتخاذ موقف الحياد برئاسة (عباس لغرور) وتوجيه (بشير شيحاني) هو محاولة توحيد كل القوى في أوساط الحزب ودعمه وتجديده. لقد كان هذا الحزب الوطني الجزائري، هو أقرب الأحزاب لتطلعات كتلة الجماهير الشعبية، وهو أملها الوحيد، وقد جاءت هذه الأزمة الداخلية مناسبة لبعض أعضاء الحزب - الذين أتعبهم النضال - فقرروا الإعلان عن انسحابهم من دائرة الصراع، وتخليهم عن النضال المضاد للاستعمار. ورافق ذلك حالة من اليأس - من انتصار القضية - علاوة على ما كان يثيره الغموض في الموقف السياسي، والاتجاه الخاطىء الذي أثاره تحلل الحزب الوطني، وهو الذي بقي طويلا في طليعة الأحزاب الوطنية حماسة واندفاعا في مجال العمل لاسترجاع الحقوق الوطنية. وظهر بأن الآمال كلها قد ضاعت وتمزقت يوم قررت حفنة من المجاهدين متابعة الصراع حتى تحقيق النصر النهائي. ويعني ذلك - انتزاع الاستقلال باللجوء إلى وسيلة الصراع المسلح، واستخدام العنف المباشر، وإحياء لهيب الثورة التي بدأت جذوتها بالخمود في نفس المناضلين - فتم طرح فكرة (الثورة الشاملة) باعتبارها المخرج الوحيد لتحرير الجزائر. وكانت هذه الحفنة من الرجال تمتلك إيمانا راسخا لا يتزعزع، وخلقا كريما، واستعدادا للتضحية بكل شيء من أجل قضية الوطن .

стр. 1727

عقدت جماعة التكتل (خلف مصالي الحاج) مؤتمرا لها في ١٠ تموز - يوليو- ١٩٥٤ بمدينة (هورنو) ببلجيكا، ومثل (خنشلة) في هذا الاجتماع - الحاج عبد الله مراد - وفي ١٥ - آب أغسطس - ١٩٥٤ عقدت جماعة (اللجة المركزية) مؤتمرا لها في مدينة الجزائر، اشترك فيه عن خنشلة كل من (لغرور وشيحاني) بصفتهما مراقبين، لا يحق لهما الاشتراك في المناقشات، نظرا لما هو معروف من مواقفهما الموصوفة (بالثورة المتطرفة). وكانت فائدة المؤتمرين كبيرة من حيث نتائجهما التي دعمت مبدأ ضرورة الانتقال مباشرة للعمل العسكري، وأصبح هذا الانتقال هو الفكرة المهيمنة على تفكير معظم المجاهدين الذين خابت آمالهم نتيجة انقسام الحزب وتمزقه. والمهم هو أن هذا التمزق بقي محصورا على مستوى القيادات، أما قواعد الحزب فقد بقيت سليمة ومخلصة لفكرة الثورة ومبادئها، ولم تظهر أي نكوص أو تراجع عن خط الثورة. كما لم تظهر أي اهتمام بتلك الصراعات المحتدمة في القمة والتي كانت ذات صفة حزبية أو شخصية، أو من أجل النفوذ والسلطة على المستوى الداخلي للأحزاب. وقد انتهت تلك الصراعات بإكساب المجاهدين المزيد من التصميم والمزيد من التصلب في مواجهة ما كانت تظهره قيادة الكتلتين المتصارعتين من عناد وتصلب، وهما متجاهلتان ما كانت تطرحه العناصر النقية والطاهرة في الحزب من أن (حرب التحرير) قد باتت هي المخرج الوحيد لما أنزلته الكتلتان المتصارعتان بالحزب، فانحدرتا به الى المستنقع. وتابعت العناصر المخلصة طريقها وهي تطالب

стр. 1728

بالحاح تكوين حركة ثوروية صلبة، لديها التصميم للانتقال الى العمل العسكري المباشر - طريق الثورة -. مرت الفترة من شهر آذار - مارس - الى حزيران - يونيو - من العام ١٩٥٤، وخلايا المجاهدين في (خنشلة) تمارس نشاطها وسط مناخ من الشكوك، وترفض إجراء أي اتصال مع قيادة الكتلتين المتصارعتين. لقد كان عملها مركزا على قواعد الحزب، حيث وجهتها نحو شراء الأسلحة. وأثناء ذلك كان بعض المناضلين في المدن يصدمون بعضهم ببعض، ويتنافسون فيما بينهم، هؤلاء الذين يريدون بيع (صحيفة الجزائر الحرة) الصادرة عن جماعة التكتل، وأولئك الذين يريدون بيع (صحيفة الأمة الجزائرية) الصادرة عن جماعة اللجة المركزية. وكان الصراع بين الكتلتين كثيرا ما يعيق مشاريع (تنظيم خنشلة) خلال مرحلة الإعداد لانطلاقه الثورة، لا سيما في مجال تجنيد الرجال وتنظيم وشراء الأسلحة، إذ أن هذا الصراع كان يزيد من غموض الموقف في تفكير الجماهير، وكان من أهم نتائج الصراع بين الكتلتين، إحباط مخطط للحصول على أسلحة حربية من (نيميشا). وإجهاض محاولة للاتصال بالفرنسان الصبايحية - السباهيين - الجزائريين، الذين كانوا يتمركزون في (خنشلة). وكان المخطط يعتمد على اشتراك هؤلاء الفرسان في اليوم الأول لانطلاقه الثورة (يوم - ي) والقيام بالعمل من داخل الثكنة العسكرية. وعلاوة على ذلك كله، فقد اضطر عدد من المجاهدين - بسبب انقسام الحزب الى كتلتيين متصارعتيين - الى الخروج من دائرة الظل، ومغادرة مواقع العمل السري، لتنظيم

стр. 1729

(اللجنة الثورية للوحدة والعمل). وكان هؤلاء من المغمورين الذين لم تتردد أسماؤهم على ألسنة الجماهير. وقد حرصوا على تنظيم حركتهم الجديدة في إطار من السرية المطلقة. وضموا إليهم كل الأنصار المؤمنين بقضية (الصراع المسلح) سواء كان هؤلاء من العناصر القديمة في التنظيم السري (المنظمة الخاصة أو الشرف العسكري) أو كانوا من المجاهدين الحياديين في الكتلتين المتصارعتين. وقرروا الانتقال الى العمل العسكري في أقرب فرصة ممكنة. كما قرروا أن تتبع عملية تفجير الثورة نشر المجموعات المسلحة في كل الأقاليم لتنفيذ الأعمال الثورية. وفي يوم ٢٤ حزيران - يونيو - ١٩٥٤؛ كان (عباس لغرور) يتصل بالمجاهدين في (خنشلة) واحدا بعد واحد، ليطلعهم على تطورات الموقف. ويذكر المجاهد (سالم بوبكر) ما حدث له في ذلك اليوم بالكلمات التالية: (... دخلت على عباس لغرور، وكان أول ما أثار انتباهي هو عدم وجود صورة مصالي الحاج في المكان الذي كانت تتصدره. ولاحظ عباس لغرور دهشتي فقال لي مبادرا: لقد حطمتها، ودمرت صاحبها لأنه خان القضية، يجب علينا نسيان الحزب القديم الذي لم يثمر غير الروتين. إن الجزائر لن تصل الى استقلالها بتلك الأساليب البيروقراطية والبرامج الاصلاحية، فكيف لنا خوض الصراع على جبهتين؟ .. هل عن طريق الشرعية - الافرنسية - أم عن طريق لعبة البيانات الخطابية، أم عن طريق العمل السري للثورة؟ ... إنه أمر من المحال تحقيقه، يجب اللجوء الى خيار وحيد للعمل. لقد أصبح الضعف

стр. 1730

في حزبنا واضحا كل الوضوح. وجاءت الأزمة الأخيرة لتمزقه ثمزقا تاما. يجب الخروج من أزمة الانقسام الى العمل المباشر) ثم كشف لي النقاب عن وجود مجموعة ثورية تعالج قضية البدء قريبا بالصراع المسلح في الجزائر. وفي نهاية المقابلة قال لي: ها نحن يا أخي العزيز سنبدأ بالعمل المباشر. وواجبك هو أن تكون في عداد التنظيم الجديد الذي سيوجه ضربته الى العدو. وسيفرض وحدة شعب الجزائر من خلال شعار الاستقلال، وهو ما نعمل لتحقيقه منذ سنوات. ثم طلب إلي (عباس لغرور) أن أقسم على القرآن الكريم بألا أخون الحزب، وأن أخدم أهدافه حتى آخر لحظة من حياتي. وبعد ذلك طلب إلي شراء قميص متين وبنطال وسترة من اللون الخاكي، وزوج من الأحذية المطاطية، ومصباح يدوي، مع الحصول على أكبر كمية ممكنة من أدوات وأدوية الاسعاف، والمواد الطبية والبقاء على اتصال دائم معه. نظمت (الهيئة الثورية للوحدة والعمل) قيادة (خنشلة) في نهاية شهر حزيران - يونيو - ١٩٥٤ وضمت هذه القيادة أربعة أعضاء واجبهم الإعداد للهجوم على مواقع الإفرنسيين في مدينة (خنشلة) وألقيت مسؤولية هذا الهجوم على عاتق: (عباس لغرور وغزالي بن عبيس وصلاح أوغيد وسالم بوبكر). ومضت الفترة بين أوائل تموز - يوليو - ويوم ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - في عمل مستمر، وجهد متواصل، لإجراء التدريب، وتطوير مخططات الهجوم على الأهداف الهامة في المدينة. وشراء الأسلحة والذخائر والألبسة العسكرية والتجهيزات الطبية والاجهزة اللاسلكية - الراديوات - وتنظيم وحدات الفدائيين - شبه العسكرية - وانتقاء

стр. 1731

عناصر المنفذين من الموثوقين، والتدريب على استخدام المتفجرات، ووضع الصواعق المفجرة، وإلقاء المحاضرات النظرية عن قتال العصابات وأساليب الإغارات والكمائن، مع إعداد مراكز تجمع الثوار والملاجيء وتجهيزها بالمواد التموينية. وكانت الغابات هي المراكز المفضلة للاجتماعات، والتدريب على استخدام الأسلحة ورمي القنابل - حيث كان يتم استخدام الحجارة للتمرين نظرا لعدم توافر كمية من قنابل التمرين أو القنابل الحقيقية - وتم اختيار (النبع الدافىء) على بعد خمسة كيلومترات من (خنشله) في شهر أيلول - سبتمبر - ١٩٥٤ للاجتماع والتدريب، عوضا عن (عين سيلين) وذلك بسبب وجود غابة كثيفة يغطيها السياج، وتكثر فيها الوهاد والوديان، فكانت بمميزاتها الطبيعية من أفضل الأمكنة للاجتماعات والتدريب وإجراء الرمي. وفي أعقاب التمرين الأول، قام (عباس لغرور) بتقديم الثوار المجاهدين الى (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني) اللذين قدما للتفتيش في منطقة (خنشلة). ووقف (بن بولعيد) ليقول: (ستحمل الجزائر السلاح قريبا لخوض الصراع ضد فرنسا. من أجل انتزاع حقوقها، والتحرر من ربقة الاستعمار). ثم طلب إلى الثوار الحصول على أكبر كمية ممكنة من الأسلحة، لأن الساعة قد اقتربت، كما أصدر أوامره (باتخاذ أقصى أسباب الحذر، ومراعاة قواعد الأمن والسرية ضد عناصر الشرطة والمخبرين ورجال الادارة الاستعمارية، والامتناع عن أي اتصال ما بين المجموعات بصورة

стр. 1732

مكشوفة أو بالطرائق العادية، واختيار العناصر الأكفاء الشجعان والعناية بهم)، ثم تولى الحديث بعد ذلك (بشير شيحاني) فشرح الوقائع التي هيمنت على المواقف السياسية للجزائر منذ احتلالها في سنة ١٨٣٠، الى أن قال: (لم تحقق الوسائل السياسية العادية أي نتيجة إيجابية، وعلى الشعب الجزائري، وبعد أن استنزف كل إمكانات الصراع السياسي أن ينتقل الى العمل المباشر، وذلك بمهاجمة المراكز العسكرية، ومراكز الشرطة، وكل المنشآت العسكرية والادارية التي تتوافر فيها الأسلحة). لم يحدد (بشير شيحاني) في حديثه الى المجاهدين موعد البدء بالأعمال القتالية، ولم يحدد لهذه الأعمال أهدافها، أو تفاصيل تنفيذها، غير أن ما كان واضحا هو أنه يجب الانتهاء خلال أيام قليلة من وضع مخطط تفصيلي للهجوم على المدينة. وانصرفت الهيئة الثورية في (خنشلة) لوضع مخطط الهجوم وإعداد العناصر لتنفيذه، وجرى نقاش طويل بهذا الشأن، انتهى بالاتفاق على ما يلي: (١ - الإغارة على مركز الشرطة - كوميسير البوليس - ٢ - مهاجمة المجمع المشترك - كومون ميكست - ٣ - الإغارة على الثكنة العسكرية ٤ - الإغارة على مركز الدرك - الجندرمة - ٥ - تفجير المحولات الكهربائية التي تغذي المدينة بالطاقة، وتدميرها. ٦ - قطع الخطوط الهاتفية التي تصل (خنشلة) بمدينتي (عين البيضاء) و (باتنة) لعزل المدينة عن كل اتصال خارجي) وبعد ذلك تم وضع لائحة تتضمن أسماء عناصر المنفذين الذين بلغ

стр. 1733

عددهم ٤٠ - رجلا (١) وصدرت بعد ذلك تعليمات صارمة بشأن طرائق التنفيذ، تضمنت ما يلي: (يجب العمل من اليوم الأول للثورة على احترام الأطفال والنساء والشيوخ من المدنيين، أن لا يكون عملنا ضربا من اليأس أو تعبيرا عنه، بل يجب أن يكون عملا واعيا وعقلانيا ومنظما. فقد تؤدي أقل خطوة خاطئة الى تدمير البناء الثوري الذي تم إنجازه بعد صبر طويل، وبجهود جبارة وتضحيات كبيرة) وقد تم الاعتماد - عند التخطيط - على إعطاء العمل بالدرجة الأولى شكل تظاهرة نفسية واسعة النطاق - قدر المستطاع - بهدف إثارة انتباه الجماهير والرأي العام الداخلي والدولي إلى قضية الجزائر، والتي هي قبل كل شيء قضية سياسية. عقد اجتماع نهائي في الجزائر - العاصمة - يومي ٢٣ و٢٤ تشرين الاول - اكتوبر - ١٩٥٤، حدد فيه المؤتمرون وبصورة نهائية موعد انطلاقة الثورة (يوم - ي) ليكون في اليوم الأول من تشرين الثاني - نوفمبر - وقسمت البلاد إلى خمس مناطق عسكرية للعمليات، وهي: وهران والجزائر والقبائل وشمال قسنطينة والأوراس. وبقي أمر تنظيم المنطقة السادسة (منطقة الصحراء) مؤجلا الى ما بعد انطلاقة الثورة. غير أنه تم اختيار العضوين

стр. 1734

اللذين سيقع عليهما عبء مسؤولية قيادة المنطقة وتنظيمها، وإدارة الأعمال القتالية فيها، وهذان المسؤولان هما: (عبد القادر المهدي) الذي أحجم في اللحظة الأخيرة عن الاشتراك في الثورة. و (الرقيب سليمان) الذي اختفى من دائرة العمل، منذ الأيام الأولى لاندلاع لهيب الثورة (١) وعند ذلك اتخذ (مصطفى بولعيد) قراره بضم منطقة الصحراء الواسعة الى منطقة الأوراس. وذلك ريثما يتم تنظيمها من جديد، وهو التنظيم الذي لم يظهر إلى الوجود الا في العام ١٩٥٦، بفضل الجهود المستمرة التي بذلها (سي أحمد بن عبد الرزاق المعروف باسم (الكولونيل هاويس). وصل (عباس لغرور) الى (باتنه - أو - بطنه) يوم ٢٩ تشرين الأول - اكتوبر - للاشتراك في مؤتمر تقرر عقده برئاسة (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني). وقد تم عقد هذا المؤتمر في منزل (سالم بو بكر) نظرا لكونه منزلا وبعيدا عن المراقبة - وذلك في الساعة ٢١٠٠ وبعد افتتاح الجلسة، تمت قراءة نصين كتبا باللغة

стр. 1735

الافرنسية، وكان قد تم إعداداهما من قبل، وكان النص الأول موجها باسم (جبهة التحرير الوطني) إلى الشعب الجزائري. وهو يحدد بوضوح الأهداف السياسية للثورة؛ اما النص الثاني فكان موجها باسم (جيش التحرير الوطني) وقد حملت الورقتان علم الجزائر: (الابيض والأخضر والهلال والنجمة في الوسط باللون الأحمر). وكانت هذه هي المرة الاولى التي يتم فيها الإعلان عن وجود الحركة الثورية. ب - الله أكبر - خالد - عقبة . (... جلس المؤتمرون بصمت، وهم يستمعون إلى - بيانات الثورة - تتلى عليهم، ولم ينبس (لغرور) ببنت شفة، وإنما راح غارقا في تفكير عميق، في حين كانت دموع .. أوغاد (تنساب على وجنتيه، أما (بن عباس) نقد كان يردد بلا انقطاع: الله أكبر! لقد أقبل أخيرا فجر اليوم العظيم. وخرج (لغرور) عن صمته ليقول بلهجة هادئة لقد حدد يوم (ي) بصورة نهائية، ليكون ليل ٣١ تشرين الأول - اكتوبر - المصادف لليلة يوم الأحد، وليبدأ العمل في الساعة الواحدة من صباح الاثنين الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر -. وسيقوم الثوار بهجماتهم في وقت واحد، وفي كل أنحاء الجزائر. وستكون كلمة السر للعمليات في هذه الليلة هي (خالد) أما كلمة الإجابة فهي (عقبة) , وطلب (لغرور) من المؤتمرين الاحتفاظ بموعد يوم الهجوم وساعته. وعدم إعطائه للمجاهدين المنفذين قبل يوم الأحد. ثم بدأ القادة المؤتمرون ببحث الاستعدادات الأخيرة قبل البدء بالهجوم.

стр. 1736

تم بعد ذلك توزيع الأعمال على القادة، فكانت واجباتهم كالتالي: ١ - (لغرور) وواجبه تنسيق التعاون بين مختلف زمر الهجوم، والاتصال مع (مصطفى بن بوالعيد) لنقل الأسلحة وتلقي التعليمات الأخيرة. ٢ - (أوغاد) وواجبه جمع الزمر في (عين سيلين) وتنظيمها، مساء السبت ٥٤/ ١٠/٣٠ هو حتى ٣١/ ١٠/١٩٥٤ (وتقع عين سيلين بدورها على بعد خمسة كيلو مترات من خنشلة). ٣ - (بن عباس) وواجبه الإشراف العام، والاتصال بالمجاهدين بصورة إفرادية لإعلامهم بالموقف وتكليفهم بواجباتهم، حيث كان لزاما على كل واحد من هؤلاء التوجه بوسائله الخاصة الى المكان المحدد للاجتماع. ٤ - (سليم بو بكر) وواجبه نقل بقية الأسلحة التي ستستخدم في الهجوم، والتي كانت مخزونة في منزله، وتضم بعض قطع الأسلحة والذخائر، وقنابل كوكتيل مولوتوف وقنابل حارقة ومواد طبية وألبسة وأطعمة (١).

стр. 1737

انصرفت كل زمرة من الزمر، بعد التوزيع وتحديد الأهداف، لمعاودة دراسة مهمتها مرات متتالية مع إجراء استطلاع دقيق للأهداف، ومحاور الاقتراب منها والوصول اليها. وكان مركز الشرطة هو أفضل مركز تمت دراسته، وكذلك المجمع المشترك -كومرن ميكست - إذ كانت محاور الوصول إليهما سهلة بالنسبة للمنفذين الذين أتيحت لهم فرصة استطلاع الأهداف مرات عديدة قبل بدء الهجوم. وقد اشترك (لغرور) في كافة الاستعدادات. ونسق التعاون بين كافة الزمر بصورة دقيقة. ثم طلب الى (سليم بو بكر) عدم الاشتراك في الهجوم على (خنشلة) تنفيذا لأوامر (مصطفى بن بو العيد). التي نصت على إعفائه من مهمة قيادة زمرة من الفدائيين كان من المقرر لها الهجوم على المجمع المشترك - كومون ميكست - حيث يقيم المزارع الأوروبي الوحيد في منطقة الأوراس. وأمام هذا التعديل، تولى (لغرور) قيادة زمرة (سليم بو بكر) للاغارة على المجمع المشترك. وتم تعيين (عمور سعدي) ليحل محل لغرور في قيادة الهجوم على المعسكر. ثم حددت مهمة (سليم بو بكر) لتكون

стр. 1738

على النحو التالي: (البقاء في القاعدة الخلفية مع اثنين من الأخوة المجاهدين. بمهمة اتخاذ الاجراءات الضرورية لمتابعة تنفيذ العمل في حال تعرض جميع الذين يقومون بالهجوم على (خنشلة) للقتل. وعليه الاحتفاظ بكافة الوثائق والوسائط المادية من أجل إكمال المهمة. وبعد ذلك، يتوجه من بقي على قيد الحياة الى (دوار يابوس) وهو الذي كان يحمل اسم - لهريج - حيث تلتقي كافة زمر المجاهدين العاملين في خنشلة - وتكون هذه النقطة أول نقطة تجمع - ازدلاق - قبل الانسحاب للقواعد الخلفية). كان من المقرر دعم زمر التنفيذ في الهجوم على خنشلة، بعشرين رجلا مسلحا من (دواريابوس) ممن كان بعضهم قد انضم لتنظيم الثوار منذ وقت طويل، وكان يجب أن يتولى قيادة هؤلاء (مسعود معاشي) وهو ثائر قديم ومن رفاق (غرين بلقاسم)، بالإضافة إلى (موسى الرضى) - الذي لم يلتحق أبدا بالثورة -. ولهذا السبب نقص عدد المنفذين من ستين رجلا الى أربعين رجلا. ومقابل ذلك، تلقى المجاهدون في خنشلة بعض الدعم في الأسبوعين الأخيرين اللذين سبقا اندلاع الثورة، وذلك بانضمام بعض المقاتلين إليهم (الزمرة الثانية من كتيبة المدفعية الرابعة). غير أن ذلك حذر الإفرنسيين الذين اتخذوا إجراءات أمن جديدة: مثل إقامة الحواجز من قبل رجال الدرك - الجندرمة - وتفتيش العربات والمركبات بدقة، والتأكد من هوية السافرين على الطرقات. أصدرت قيادة الثورة تعليماتها الأخيرة، وطلبت الى (لغرور) الاتصال مع (بن بولعيد) في الأوراس، للحصول على أسلحة

стр. 1739

إضافية، إذ كانت الأسلحة المتوافرة للمهاجرين في خنشلة غير كافية للقيام بهجوم واسع النطاق. وفي يوم الأحد، ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - كان على (سليم بو بكر) نقل الأسلحة والذخائر المخزونة في منزله، وإخراجها إلى ظاهر المدينة. وتصادف في هذا اليوم حدوث مباراة بكرة القدم بين فريق من (قسنطينة) وفريق محلي من (خنشلة) وكانت السلطات الإفرنسية على حذر، فدعمت جهاز الشرطة في الملعب. غير أن سليم بو بكر، وجد في ذلك فرصة مناسبة لتنفيذ المهمة، والوصول بالأسلحة إلى (النبع الدافىء) وهو المكان المحدد للالتقاء مع المنفذين المجاهدين (على بعد ٧ كيلومترات من خنشلة) وأمكن تنفيذ هذه المهمة بنجاح، وبعد ذلك، تركزت مراقبة الثوار على ما كان يحدث في المدينة. لقد انتهت المباراة الكبرى بكرة القدم، والتي أثارت في المدينة صخبا كثيرا. وانصرف الناس بعدها إلى المقاهي - كعادتهم - وكان الوضع في الساعة ٢١٣٠ طبيعيا جدا. لقد سارت الأمور - حتى الآن - على خير ما يرام. وها هم رجال الشرطة والدرك من الافرنسيين يتجولون كعادتهم، وقد ارتدت المدينة ثياب العيد - عيد حميع القدسيين -. وليس هناك من يشعر بوجود هؤلاء الذين يراقبون بيقظة كل ما يجري في المدينة. ثم غادرت زمرة المراقبين خنشلة متجهة الى ما وراء الحديقة العامة، حيث كان (بن عباس) يحفر الأرض ليدفن فيها أنبوبا معدنيا يحمل لغما متفجرا - حشوه مستطيلة - كان قد أحضره معه لاستخدامه في تدمير الباب المعدني للمحول الكهربائي. ووصلت زمرة المراقبين بعد ذلك مباشرة الى الغابة الواقعة على بعد خمسة كيلو مترات من المدينة ,

стр. 1740

وهنا أوقفهم رجل مسلح كان يرتدي ثيابه العسكرية، وصرخ فيهم (خالد) وأجابه رئيس زمرة المراقبة (عقبة) لقد كانت كلمة (خالد - عقبة) تتردد الآن في كل أنحاء الجزائر. فتعمل عمل السحر في نفوس المجاهدين وتضمن تعارف بعضهم على بعض. وصلت زمرة المراقبين إلى مكان الاجتماع، في الوقت المحدد بدقة، وشاركت المنفذين استعداداتهم حيث كان بعضهم على وشك ارتداء الثياب العسكرية، في حين كان آخرون يختبرون أسلحتهم للمرة الأخيرة. وكانوا جميعا يتيهون فخارا بما يفعلون. وبعد ذلك تجمع المنفذون كلهم، ومعهم أسلحتهم ووسائطهم القتالية. ووصل (لغرور) في الساعة ٢٢٤٠ وهو يحمل سلاحه، ويرتدي ثياب الميدان. وانتظر الجميع وصول العشرين - أوراس - الذين كان يجب التحاقهم، وانطلق المجاهدون للبحث عنهم في الغابة كلها، مستخدمين في بحثهم الشارات الضوئية يطلقونها من مصابيحهم اليدوية، غير أن جهود البحث ضاعت سدى، ولم يظهر أي أثر للأوراسيين. ووقف (لغرور) عندها ليقول لرجاله: (إخوتي المجاهدين الأعزاء! ها نحن قد أدركنا يوم الثورا العظيم الذي يجب أن يقود الجزائر إلى الاستقلال، إن علينا القيام بالهجوم على الأهداف كلها، وذلك على الرغم من عدم وصول الأسلحة التي كان من المفروض لها أن تصلنا مع زمرة العشرين رجلا من دوار يابوس.

стр. 1741

وعلى كل واحد منا بذل قصارى جهده لضمان النجاح على أفضل صورة ممكنة. إنني أعرف بأننا سنجابه العدو وأيدينا فارغة عمليا. وليس لدينا إلا الإيمان الذي يعمر قلوبنا. غير أن ما نعتمد عليه في هذه الليلة التاريخية هو إشعال الفتيل المفجر للثورة. وإنني على ثقة تامة بأن الشعب الجزائري بكامله، سيتبع مسيرتنا على هذا الدرب. ويحمل كل فرد منا في شخصه الآن، وفي هذه اللحظة بالذات قسما كبيرا من المسؤولية عن نجاح الهجوم ضد الأهداف المحددة. وجمع الأسلحة المتوافرة لدى العدو. إنني أثق بكم وبشجاعتكم وتصميمكم. انطلقوا، واضربوا العدو بقوة، ودون أدنى رحمة أو شفقة. وعودوا ظافرين. ذلك لأن الله مع المجاهدين، ومع القضية العادلة. الله أكبر!). ما إن فرغ (لغرور) من إلقاء كلمته المثيرة والصادقة، حتى أصدر أمره إلى الزمرة المكلفة بقطع الاتصالات الهاتفية وعزل المدينة بالتوجه الى (خنشلة). ثم تبعتها الزمرة المكلفة بالصاق بياني جبهة التحرير وجيش التحرير على كل منازل خنشلة. وتتابع انطلاق الزمر إلى اهدافها، ولم تبق إلا زمرة من ثلاثة رجال واجبها حماية قاعدة الانطلاق. ووصلت إلى أسماع أفراد هذه الزمرة في الساعة (١١) من صباح الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر - أصوات الانفجارات الأولى. لقد انطلقت شرارة الثورة. وأثناء ذلك، كان أفراد هذه الزمرة يعملون على نقل ما لديهم من الاعتدة والتجهيزات، حتى إذا ما أزفت الساعة الثانية صباحا، بدأ المجاهدون المغاوير بالعودة إلى قاعدة تجمعهم، واحدا بعد

стр. 1742

الآخر، إلى أن وصل الجميع، وبينهم اثنان أصيبا بجراح غير خطرة. وأثار النجاح الذي حققته زمر التنفيذ موجة من الفرح الغامر الذي شمل الجميع. ولكن (لغرور) تخلف عن اللحاق بنقطة التجمع، وأخذت حماسة المجاهدين بالفتور، فقرروا الانتقال من مركزهم. وفي النهاية، وصل (لغرور) مع الخيوط الأولى للفجر، وابتسامة السعادة تغمر وجهه. كانت فرحة الجميع لا توصف، وفخرهم لاشتراكهم بتفجير الثورة لا يضاهيه فخر ولا ينافسه زهو واعتزاز. وانطلق الجميع بعد ذلك وهم يخترقون غابات الأوراس، للبدء بمرحلة جديدة من التنظيم والعمل. صادف المجاهدون، أول ما صادفوه في طريقهم، رجلا يحتطب في الغابة، وهو يغني، واقترب منه الرجال المقاتلون، وبادروه بقوله: (السلام عليكم) وأجابهم (وعليكم السلام). وخاطبه أحد المجاهدين بقوله: (لن يزعجك الإفرنسيون بعد اليوم). وسألهم الحطاب ببساطة: (ولكن من أنتم؟) وجاءته الإجابة: (نحن محررو البلاد). فقال لهم الحطاب مستغربا: (إنني لا افهم شيئا، وماذا تعني كلمة محرري البلاد؟ إنكم جزائريون، وزيادة على ذلك فأنتم تحملون السلاح!) وجاءته مرة أخرى الإجابة: (نحن مجاهدون. نقاتل حتى يصبح بإمكانك العيش حياة أفضل) وعاد الحطاب للتساؤل: (وكيف تكون الحياة الأفضل؟) عند ذلك راح أحد المجاهدين يشرح للحطاب الفلاح - ولآلاف الفلاحين من بعد ذلك - الأسباب التي دفعت المجاهدين لحمل السلاح، وأهدافهم من ذلك، وما يطمحون لتحقيقه. وأشرق وجه الفلاح بسعادة غامرة، فدعا المجاهدين

стр. 1743

لمشاركته طعامه البسيط. تلقت الهيبة الاستعمارية لطمة مذهلة لم تكن تتوقعها، سواء في قوة هذه السلطمة أو اتساعها، وما أن أشرقت شمس صبيحة انفجار الثورة، حتى انطلقت السلطات الاستعمارية للانتقام، فاعتقلت مئات وآلاف المسلمين الجزائريين، وقذفت بهم في ظلمات المعتقلات وغياهب السجون. وكان من بين المعتقلين بعض أقارب وأهل الذين قاموا بالهجوم على (خنشلة) وتم إطلاق سراح بعض المعتقلين بعد تعذيبهم واستجوابهم. في حين بقي الآخرون وراء قضبان المعتقلات. وفرضت الإقامة الاجبارية في معسكرات الاعتقال على عدد كبير من المواطنيين. ووقعت نساء بعض المجاهدين في قبضة السلطات الاستعمارية، فقذفت بهن في السجون، حيث تعرضن لسوء المعاملة والتعذيب لمدد طويلة. وقد يكون من المناسب هنا استعراض مسيرة الاغارات في خنشلة، وما تم حدوثه خلال التنفيذ. ١ - الإغارة على المحول الكهربائي وشبكة الاتصال الهاتفي: قام بتنفيذ المهمة (ابراهيم عثماني - التيجاني) ومعه (الأرقط كيلاني). وبدأت العملية عندما قطع إبراهيم عثماني الأسلاك الهاتفية التي تصل خنشلة بكل من عين البيضاء وبطنة، وكانت هناك زمرة تقوم باشغال الدرك - الجندرمة - وحماية المنفذين، واستخدمت حشوة مستطيلة بعد ذلك لتدمير الباب المعدني الذي يحمي مدخل (المحوال الكهربائي). كما استخدم مقص معدني للتعامل مع القاطع الكهربائي الرئيسي. مما ساعد على قطع التيار الكهربائي عن المدينة كلها، فباتت تسبح في ظلام دامس. وتم بعدئذ وضع الشحنات المتفجرة والقنابل، وأشعل الفتيل البطيء،

стр. 1744

وتطاير البناء بكامله في الفضاء. وكان إطفاء النور في المدينة هو شارة بدء التنفيذ بالنسبة لزمر الهجوم الأخرى. وكانت النتيجة تدمير المحول الكهربائي وإلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت والتجهيزات. ٢ - الإغارة على مركز الدرك - الجندرمة - كان مركز الدرك قد تلقى إنذارا من قيادته باحتمال قيام بعض المسلحين بالهجوم على المركز الذي عمل على استنفار عناصره. وهكذا فقد بدأت العملية بتبادل إطلاق النار بين المجاهدين ورجال الدرك الذين أطلقوا كلابهم البوليسية. غير أنه تم تنفيذ المهمة، وانسحب المجاهدون ولما يصب أحد منهم بأذى. ٣ - الإغارة على مركز الشرطة - البوليس -. أفاد (بن عباس) من الظلمة الحالكة، فتسلق الحاجز الشبكي المحيط بالمركز. وأخذت بقية عناصر الإغارة مواقعها المحددة لها داخل المركز، واقتحم رئيس الزمرة (بن عباس) باب مكتب الشرطة، حيث كان يرند الشرطي المناوب. وصرخ .. بن عباس بالشرطي: قف، وسلم سلاحك. فقال الشرطي: ولكن ما الأمر؟ وماذا يحدث؟ وأجابه: (بن عباس) بقوله: نحن جند جيش التحرير الوطني، نبحث عن السلاح، أين هم بقية رجال المركز؟ وأجاب الشرطي المناوب: إنهم يقومون بأعمال الدورية في المدينة. وأشار الشرطي إلى المجاهدين نحو مكان البنادق التي كانت مرتبطة بعضها ببعض بواسطة سلسلة معدنية غليظة تنتهي بقفل. وبعد أن تم قطع السلسلة تبين أن البواريد هي من الأنواع القديمة والتي لا تصلح للقتال. فقذف بها المجاهدون في ساحة

стр. 1745

المركز. وأثناء ذلك كان (بن عباس) يتابع مع الشرطي المناوب، فقال له: إن جيش التحرير الوطني قد بدأ منذ هذه اللحظة بخوض صراع مسلح هدفه تحرير البلاد. وليست العمليات هنا معزولة أو مستقلة عن العمليات الأخرى. فالجزائر كلها تشهد في هذه اللحظة عمليات مماثلة. ثم أصدر (بن عباس) أمره إلى رجاله بوضع الشرطي في زنزانة السجن. ومضت عشر دقائق قبل أن يظهر رجلان من الشرطة ما أن دخلا المركز حتى قال أحدهما: ماذا يجري؟ لقد ترددت أصوات إطلاق الرصاص في المدينة التي أصبحت مظلمة بسبب انقطاع التيار، فماذا يحدث؟ وعندها وجه (بن عباس) ضوء مصباحه اليدوي، فبهر عيون الشرطيين، وقال لهما بلهجته الحازمة: تقدما وارفعا أيديكما عاليا. لا تتحركا أبدا، وسلما سلاحكما! ... وأصيب الشرطيان بذهول المباغتة، غير أنهما ترددا لحظة قصيرة في إطاعة الأمر. وعندها قفز (أوغاد) فصرع الأول بضربة من عقب بندقيته، وطعن الثاني بضربة مدية. لقد كان (صلاح أوغاد) رياضيا هاويا، مصارعا، ومحبا لقراءة الروايات الرومانسية، والكتب البوليسية، مغامرا ومندفعا حتى التهور عندما يكون الأمر متعلقا بمقاومة الافرنسيين. لقد نشأ يتيما، واحتمل منذ نعومة أظافره مسؤولية إطعام عائلته وتأمين متطلباتها الحياتية. غير أن ذلك لم يمنعه من متابعة دراسته، فكان يعمل في الليل لتشغيل أجهزة عرض الأفلام في دور الصور المتحركة - السينما - ويتابع تعلمه في النهار، وكان يقوم بدعوة إخوانه ورفاقه الى السينما في كل مناسبة يتم فيها عرض فيلم ثوري

стр. 1746

مثل: (فيفازاباتا) أو (بانكوليبرتا) والتي تمثل وقائعها تلك الحركات الثورية التي عرفتها بلدان أمريكا الجنوبية في القرن التاسع عشر (١). ألقى الثوار بالشرطيين في الزنزانة، إلى جانب زميلهما الذي سبقهما، ووصل شرطي رابع، فتمت السيطرة عليه بسرعة، وجرد من سلاحه، ليلحق بدوره أيضا بمن سبقوه الى الزنزانة. وفي هذه اللحظة، رن جرس الهاتف في مكتب مدير المركز، إذن فالشبكة الداخلية للهاتف لا زالت عاملة ولم تقطع اتصالاتها بعد. ورفع (بن عباس) السماعة، والتقط الصوت الذي حمل له الكلمات التالية الو! هنا مدير الشرطة، نحن مطوقون، ونتعرض لهجوم رجال مسلحين، ابذلوا ما تستطيعونه لانقاذنا وأخبر فورا السيد المفتش - الكوميسير - بالوضع. وأجابه (بن عباس) بقوله: هنا أيضا، نحن الذين نمسك بالمبادأة. وسأل متحدث الشرطة: ولكن من أنتم؟ وأجابه بن عباس: نحن جند جيش التحرير الوطني، جئنا ننتزع حقوقنا بقوة السلاح. واجتاحت (بن عباس) موجة من الغضب، فقذف بالهاتف ودمره. وحمل أفراد الزمرة المسدسامت الأربعة التي انتزعوها من رجال الشرطة. وحملوا أحد المجاهدين بسبب إصابته بجرح في

стр. 1747

فخذه. وانسحبوا بسرعة من مركز الشرطة، والتحقوا بمركز التجمع. ٤ - الإغارة على المجمع المشترك - كومون ميكست - كانت الظلمة حالكة السواد عندما قفز (شامي) من فوق بوابة المجمع المشترك، وتبعته زمرة المجاهدين، إلى داخل المناطق السكنية. وتكفل (لغرور) بالفارسين اللذين كانا يحرسان البرج، وأصدر إليهما الأمر عبر الباب بقوله: اقتربا! إننا لن نلحق بكما ضررا أو أذى. ألقيا أسلحتكما من النافذة وسلماها إلينا. إننا مسلمون جزائريون نريد تحرير البلاد من الاستعمار الإفرنسي. ولكن في هذه اللحظة، ظهر مدير المجمع على الشرفة وأخذ في الصراخ. يا عسس! يا عسس! دافعوا عني، إنهم يريدون قتلي. من هم هؤلاء الرجال الذين يقفون في الساحة؟ وردا على الصراخ، أخذت مجموعة من المجاهدين في إنشاد نشيد وطني بصوت مرتفع. وتكرر بلا انقطاع: الجهاد - الله أكبر واختلطت مشاعر الفزع بحمى الجنون لدى المدير عند سماعه ذلك، على ما يظهر، فعاد للصراخ طالبا نجدة الحرسين الفارسين يا عسس! يا عسس! دافعوا عني، إنهم يريدون قتلي وقتل عائلتي - ومضى المدير في إطلاق نار مسدس رشاش كان يحمله، على ما يتراءى له من ظلال المجاهدين. وعندما تكرر طلبه - بالنجدة - أجابه الفارسان: لا نستطيع أن نفعل شيئا، بعد أن سدت المنافذ علينا ونحن في داخل المحرس. فرد عليهم المدير بقوله - وهو يتابع الرمي -: يا عسس، ارموهم بالنيران، لا تتركوهم ينفذون ما يريدون. وعندها حاول الفارسان تلقيم سلاحهما وهما داخل

стр. 1748

المحرس، وما أن سمع (لغرور) صوت المغلاق في الداخل، حتى تدخل، فأغرقها بالنيران التي أطلقها عليهما عبر النافذة، وسقط أحدهما مصابا بجراح خطرة. وكان المجاهدون أثناء ذلك يشعلون النار في المكاتب، وهم يرددون شعارهم دونما توقف: الجهاد - الله أكبر! واستمر تبادل إطلاق النار مع المدير لمدة عشرين دقيقة، أوقفت زمرة الاغارة بعدها الاشتباك، وانسحب أفرادها إلى الغابة المجاورة. ٥ - الهجوم على الثكنة العسكرية: تقرب المجاهدون في ظلمة الليل، ووصلوا بدون عناء الى حارس الثكنة، وقتلوه. واحتل أحد المجاهدين مكانه. ومضت فترة قصيرة بعدها وأخذت الحشوات المتفجرة بالانفجار على امتداد الجدار المحيط بالثكنة العسكرية. وانهمرت القنابل، واشتعلت النار بالاسطبلات نتيجة استخدام القنابل الحارقة، وعندما وصلت النيران إلى الخيول، أخدت هذه في الصهيل المذعور وهي تمزق صمت الليل. وهب الجنود لافرنسيون من مهاجعهم مذعورين. وتوجه اللواء (كانوا) قائد الثكنة الى المحرس، فوجد الخفير مقتولا. ومضت فترة الذهول التي أعقبت المباغتة، وأخد الجند بالتجمع في ساحة الثكنة. وبدأوا بإطلاق نيران رشاشاتهم على المجاهدين الذين كانوا يحتمون بجدران أبنية الثكنة، وأعقب ذلك فترة قصيرة من الهدوء والتهدئة. ثم انطلق الجند الافرنسيون في تحركهم وسط اضطراب ظاهر عبرت عنه الأوامر المتناقضة والتعليمات المتضاربة التي كانت تصدر من كل مكان في الثكنة. وكان المجاهدون يستمعون صراخ أعدائهم: (اشعلوا النور! افلنور مطفأ، لقد دمروه! ادفعوا المدافع الرشاشة والمصفحات نحو

стр. 1749

الأمام! انتبهوا واحذروا، انهم مسلحون! فليبق كل فرد في مكانه!) وفي هذه اللحظة، ظهر الملازم الأول (جيراردارنو) قائد فصيلة الصبايحيه - السباهيين - الجزائريين في خنشلة. ولم يكن من عادة (جيرار) النوم في الثكنة، إذ كان يقيم مع فرسانه في بناء مجاور - مقابل - ويظهر أنه أراد الالتحاق بمركز فصيلته، فتوجه إلى باب الثكنة الذي كان يحتله المجاهدون. وعندما وصله، قال: انتبهوا، لا تطلقوا النار، أنا قائد المركز الملازم جيرار، ماذا يحدث هنا حتى تطلقوا النار. ولم يرد عليه أحد. فتقدم حذرا حتى عاجلته رصاصة أطلقها عليه أحد المجاهدين من مسدسه فأرداه قتيلا على الفور. وانسحب المجاهدون بعد أن نفذوا مهمتهم بنجاح رائع، وبدون أن يصاب أحد منهم بأذى. ج - لهيب الثورة في أريس (١) بدأ العمل السياسي والعسكري للثورة في أريس، طوال الفترة من سنة ١٩٥١ وحتى سنة ١٩٥٤. ففي سنة ١٩٥١، وفي أعقاب الاضطرابات التي سببها احتلال مكاتب الانتخابات - الاقتراع - وتدمير صناديق الانتخابات، وقتل كان في خدمة الادارة الافريسة. قامت الادارة المشتركة للمجمع في (أريس) بعملية قمع واسعة في (دوار كامل). وتمركزت قوة من الحرس المتحرك RECITS DE FEU (S.N.E.D.) MOHAMED CHAMRI«P.P. ٣٠«٣٦ (١)

стр. 1750

مدعمة بخمسة وستين رجلا من الجزائريين (القوم) (١) في مشتى تيجين. وبدأت من هناك عملياتها القمعية. وكان ذلك بداية الهيجان. فقد كان المواطنون جميعهم يعارضون إقامة هذه القوة بينهم. وانضم عدد كبير من الأفراد إلى قوات المقاومة السرية - الماكي - وأصبحوا في تعريف السلطة الافرنسية (خارجين على القانون). لقد كانت فترة مناسبة لعمل أعضاء التنظيم السري الذين كانوا قد أفلتوا من الاعتقال في كل مدن الجزائر. وأخذوا في العمل في وسط الفلاحين، وشرعوا في تنظيم الخلايا المستقلة. وكان أفراد هذه الخلايا يحملون تطلعات جديدة تتوافق مع طبيعتهم الفروسية وأفكارهم الاستقلالية. وعلى الرغم من أن معطم هؤلاء كانوا من الأميين، إلا أن العناصر الوطنية التي لم يتعبها الجهاد، نجحت في صهرهم وتكوين نظرياتهم وأفكارهم بمفاهيم اجتماعية تملأ عليهم ما كانوا يعانونه من قصور المعرفة، وتستجيب لطموحهم في الاستقلال والحرية. هكذا! ومن خلال حب الوطن، ولدت هنا خلايا سرية كثيرة، لا يعرف بعضها بعضا، وأصبحت هذه الخلايا العاملة بصمت، والملتزمة بقواعد الانضباط الصارم، وهي تغطي صفحة الأوراس بكاملها. وكان الفلاحون يتلقون خلال فترة الإعداد

стр. 1751

العسكري ما هو ضروري من توجيهات خلقية وسياسية، إلى جانب الإعداد النفسي، وفقا لكل قواعد السرية ومبادىء الأمن والحيطة التي أمر بها القرآن الكريم. وبدأ التحول في مواقف هؤلاء الرجال الذين يعيشون - حياتهم بعيدا عن المدينة، وهم معزولون في وسط عدائي يتربص بهم، وفوق أرض جدباء مقفرة تقريبا. ولم يكن حدوث هذا التحول ممكنا لولا تلك الجهود الجبارة التي بذلها رجال (المنظمة السرية - الشرف العسكري). فتراجعت بنتيجة ذلك النزاعات العدوانية - غير الهادفة -. وأخذ الرجال في السيطرة على أنفسهم، والتحكم بانفعالاتهم السلبية. ولم تمض أكثر من فترة قصيرة حتى توافرت للرجال الثائرين القدرة على العمل بفاعلية وقوة ضد كل قوة مهما كان رصيدها المادي قويا، ومهما كان نوع التسلح الحديث الذي تمتلكه. ولم يكن ذلك إلا بفضل ما اكتسبه هؤلاء الفلاحون الموصوفون من قبل الاستعماريين (بالخارجين على القانون) من معرفة سياسية جيدة، وتدريب مستمر ومنظم دعم من روحهم المعنوية العالية، وزاد من ثقتهم بأنفسهم. لقد ولدوا عمالقة من جديد، ولكنهم عمالقة فيهم كل صفات النبل والطيبة، يعملون في السر من أجل تطوير تنظيمهم الجديد، واحترام قواعده وأسسه، والالتزام بمبادئه وأهدافه. لقد عاد (مصطفى بن بولعيد) الى الجزائر من جديد في العام ١٩٥٤، ومعه (بشير شيحاني) وتم اتخاذ قرار في (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) يقضي بمتابعة التدريب وتطوير الاستعداد. وتم تعيين (عجول) الذي كان يستقر في (وادي

стр. 1752

سرحا) للاضطلاع بمسؤولية القيادة العسكرية. فكان عليه توجيه التدريب العسكري، والحصول على الأسلحة والتجهيزات وتخزينها. وأصبح التدريب منتظما ومستمرا تقريبا. وكان معظم (الخارجين على القانون) في هذه المنطقة هم من الذين هربوا من الجيش الافرنسي، فكانت لديهم معرفة أكثر من سواهم ممن التحقوا حديثا في صفوف المجاهدين - في مجال التعامل مع الأسلحة. وانصرف (غرين بلقاسم) وآخرون لممارسة أعمالهم السرية، والاضطلاع بأدوارهم بثقة وتفاؤل. شملت عملية تدريب الثوار (الماكي) كل ما هو ضروري لتأهيلهم من أجل احتمال المصاعب مثل: السير الطويل، والأعمال القتالية، وحتى التدريب على التحكم بالانفعالات والعواطف، وتركز التدريب على منح الرجال الفرصة لاستخدام خيالهم المبدع من أجل اتخاذ القرارات الصحيحة، وإظهار روح الأخوة والاستعداد للتضحية. وأصبح الرجال بعد ثلاثة أشهر من التدريب تقريبا - وهم على استعداد لتنفيذ أية مهمة قتالية. ونظرا لاقتراب موعد تفجير الثورة (يوم - ي) فقد تم توزيع الرجال على منطقتي عمل، الأولى وتشمل: أشمول، والأحمر خدو، وزيلاتو، وبسكرة. أما الثانية فتشمل: الشليا، ووادي فم الطوب، ومروانا، وبطنه، وباريكا. وانصرف رجال المنطقة الثانية للتجمع على حدود (فم الطوب) حيث الوادي الخصب الذي تنتشر فوقه المستوطنات، وأخذوا في العمل تحت قيادة (غرين بلقاسم ولغرور عباس). أما رجال المنطقة الأولى، فقد تسللوا خفية في الليل إلى (الطيبي كاوين) و (ضهرات ولد موسى) بالقرب من

стр. 1753

(الحجاج) وليس بعيدا عن (أريس) حيث المركز الرئيسي للمجمع المشترك في (الأوراس). واحتل هؤلاء منزل (علي بن شيبا) الذي يضم إحدى عشرة غرفة، انتشر فيها المجاهدون، وحرم عليهم أي اتصال أو التعريف بأنفسهم أو مغادرة المنزل. واستقر الجميع هنا ثلاثة أيام، تلقوا خلالها محاضرات عن قتال الثوار (المغاوير) ونظفوا أسلحتهم، وتفقدوها، وتدربوا على استخدام الألغام والمتفجرات والأجهزة اللاسلكية. وفي يوم ٣٠ تشرين الأول - اكتوبر - وصل مبعوثان من قبل (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) واتصلا بالزعيمين (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني) وأبلغاهما آخر التعليمات. لقد أصبحت (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) تثق ثقة تامة بالكفاءة القتالية المتوافرة في وسط الشعب الجزائري، قدر ثقتها بنضجه الثوري - الفكري - ومعرفته بالطريق المؤدي الى الحل الحاسم. فأصدرت أوامرها التي كان ينتظرها رجال الأوراس بصبر نافذ. إذا ضم تاريخ الجزائر يوما له أهميته الخاصة، فذلك هو يوم ٣١ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٤؛ ذلك لأن هذا اليوم هو الذي تم فيه اتخاذ أخطر القرارات التاريخية - يقينا - وهي القرارات التي ستزج الشعب الجزائري كله في حرب ضروس لا يستطيع أحد - في ذلك التاريخ - معرفة مدتها أو مدى اتساعها. وفي ذلك اليوم، خرجت الأسلحة والذخائر من مخابئها في الكهوف ومن مدافنها تحت التراب، لتحسد بعضها بعضا على ما ستقوم به من الأعمال.

стр. 1754

وهكذا، وبينما كان بعض الرجال يتسلمون أسلحتهم، والحماسة تهز كيانهم، كان هناك آخرون واجبهم مرافقة ونقل (٦٠) بارودة و (٢٠٠) كيلو غرام من الذخائر بواسطة شاحنة اسأجرها لهم (بو شمال) لتصل هذه الإرسالية في المساء إلى منطقة القبائل، ويتسلمها الرجال الشجعان في هذا الإقليم، ممن كانوا يستعدون بدورهم للعمل (من أمثال عميروش). واعتبارا من تلك اللحظة، سيأخذ المجتمعون في (الطيبي كاوين) و (ضهرات ولدموسى) و (فم الطوب) كل ملامح المستقبل وفضائله. ولم يكن من السهل أبدا تجميع مثل هؤلاء الرجال الذين طالما مزقتهم السياسة الاستعمارية، ورجالها من الحكام الإداريين، وطالما فرقت بينهم القيادات والزعامات، لولا الاعتماد على أصالة الجزائر الثورية، وقاعدتها الدينية الصلبة التي توحد ولا تفرق، تجمع ولا تبدد. ولحسن الحظ أن توافر للثورة رجال يمتلكون من الارادة الصلبة ما يزيد على كل الصعاب والعقبات، من أمثال (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني وعجول وبللا ولغرور عباس وبوستة) ممن يعود لهم دونما ريب فضل توحيد الجهود وتوجيه الطاقات نحو هدف التحرير. وقد كان نجاحهم رائعا في الاوراس إذ استطاعوا إقناع رجال المنطقة الأشداء بتوجهاتهم وأهدافهم، وحملهم على الاضطلاع بدورهم التاريخي. قسم الرجال الذين جمعوا عند (الحجاج) وعددهم (٢٧٠) رجلا الى مجموعات وزمر يتولى قيادة كل واحدة منها قائد مسؤول. وغالبا ما كان يتم الاضطلاع بدور القيادة طوعا من قبل

стр. 1755

الرجال الثوار (١) وتلقى الجميع التعليمات النهائية، وأصبحوا وهم يعرفون أهدافهم جيدا. وضبطوا ساعاتهم على ساعة الصفر (س). وأخذوا في مغادرة (ضهرات ولدموسى) بعضهم يستخدمون الشاحنات، وبعضهم السيارات الصغيرة، أما الباقون ففضلوا التوجه سيرا على الأقدام. هذا في حين كان رجال (بلقاسم) ينطلقون بصمت وجرأة في اتجاه بطنة ومروانا. وفي الساءة ذاتها كان رجال (عباس لغرور) يبتعدون عن حمام الصالحين في اتجاه (خنشلة). وما أن غربت شمس يوم ٣١ تشرين الأول - اكتوبر - حتى كان هناك أكثر من ستمائة مقاتل قد انطلقوا للاغارة على الحاميات العسكرية ومراكز الشرطة والأبراج، وكانت كلمات السر والاجابة: (خالد - عقبة) تتردد في كل مكان لتمزق سكون الليل، ولتثير حماسة المقاتلين. وكانت مجموعة (أشمول) قد أخذت في إقامة السدود الأولى من الحجارة على الطرقات، وذلك لقطع كل محاور الاتصالات. هذا فيما كانت الشاحنات والمركبات تتحرك في اتجاه (بسكرة وبطنة)
следующие страницы →