← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

العسكري ما هو ضروري من توجيهات خلقية وسياسية، إلى جانب الإعداد النفسي، وفقا لكل قواعد السرية ومبادىء الأمن والحيطة التي أمر بها القرآن الكريم. وبدأ التحول في مواقف هؤلاء الرجال الذين يعيشون - حياتهم بعيدا عن المدينة، وهم معزولون في وسط عدائي يتربص بهم، وفوق أرض جدباء مقفرة تقريبا. ولم يكن حدوث هذا التحول ممكنا لولا تلك الجهود الجبارة التي بذلها رجال (المنظمة السرية - الشرف العسكري). فتراجعت بنتيجة ذلك النزاعات العدوانية - غير الهادفة -. وأخذ الرجال في السيطرة على أنفسهم، والتحكم بانفعالاتهم السلبية. ولم تمض أكثر من فترة قصيرة حتى توافرت للرجال الثائرين القدرة على العمل بفاعلية وقوة ضد كل قوة مهما كان رصيدها المادي قويا، ومهما كان نوع التسلح الحديث الذي تمتلكه. ولم يكن ذلك إلا بفضل ما اكتسبه هؤلاء الفلاحون الموصوفون من قبل الاستعماريين (بالخارجين على القانون) من معرفة سياسية جيدة، وتدريب مستمر ومنظم دعم من روحهم المعنوية العالية، وزاد من ثقتهم بأنفسهم. لقد ولدوا عمالقة من جديد، ولكنهم عمالقة فيهم كل صفات النبل والطيبة، يعملون في السر من أجل تطوير تنظيمهم الجديد، واحترام قواعده وأسسه، والالتزام بمبادئه وأهدافه. لقد عاد (مصطفى بن بولعيد) الى الجزائر من جديد في العام ١٩٥٤، ومعه (بشير شيحاني) وتم اتخاذ قرار في (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) يقضي بمتابعة التدريب وتطوير الاستعداد. وتم تعيين (عجول) الذي كان يستقر في (وادي

стр. 1752

سرحا) للاضطلاع بمسؤولية القيادة العسكرية. فكان عليه توجيه التدريب العسكري، والحصول على الأسلحة والتجهيزات وتخزينها. وأصبح التدريب منتظما ومستمرا تقريبا. وكان معظم (الخارجين على القانون) في هذه المنطقة هم من الذين هربوا من الجيش الافرنسي، فكانت لديهم معرفة أكثر من سواهم ممن التحقوا حديثا في صفوف المجاهدين - في مجال التعامل مع الأسلحة. وانصرف (غرين بلقاسم) وآخرون لممارسة أعمالهم السرية، والاضطلاع بأدوارهم بثقة وتفاؤل. شملت عملية تدريب الثوار (الماكي) كل ما هو ضروري لتأهيلهم من أجل احتمال المصاعب مثل: السير الطويل، والأعمال القتالية، وحتى التدريب على التحكم بالانفعالات والعواطف، وتركز التدريب على منح الرجال الفرصة لاستخدام خيالهم المبدع من أجل اتخاذ القرارات الصحيحة، وإظهار روح الأخوة والاستعداد للتضحية. وأصبح الرجال بعد ثلاثة أشهر من التدريب تقريبا - وهم على استعداد لتنفيذ أية مهمة قتالية. ونظرا لاقتراب موعد تفجير الثورة (يوم - ي) فقد تم توزيع الرجال على منطقتي عمل، الأولى وتشمل: أشمول، والأحمر خدو، وزيلاتو، وبسكرة. أما الثانية فتشمل: الشليا، ووادي فم الطوب، ومروانا، وبطنه، وباريكا. وانصرف رجال المنطقة الثانية للتجمع على حدود (فم الطوب) حيث الوادي الخصب الذي تنتشر فوقه المستوطنات، وأخذوا في العمل تحت قيادة (غرين بلقاسم ولغرور عباس). أما رجال المنطقة الأولى، فقد تسللوا خفية في الليل إلى (الطيبي كاوين) و (ضهرات ولد موسى) بالقرب من

стр. 1753

(الحجاج) وليس بعيدا عن (أريس) حيث المركز الرئيسي للمجمع المشترك في (الأوراس). واحتل هؤلاء منزل (علي بن شيبا) الذي يضم إحدى عشرة غرفة، انتشر فيها المجاهدون، وحرم عليهم أي اتصال أو التعريف بأنفسهم أو مغادرة المنزل. واستقر الجميع هنا ثلاثة أيام، تلقوا خلالها محاضرات عن قتال الثوار (المغاوير) ونظفوا أسلحتهم، وتفقدوها، وتدربوا على استخدام الألغام والمتفجرات والأجهزة اللاسلكية. وفي يوم ٣٠ تشرين الأول - اكتوبر - وصل مبعوثان من قبل (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) واتصلا بالزعيمين (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني) وأبلغاهما آخر التعليمات. لقد أصبحت (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) تثق ثقة تامة بالكفاءة القتالية المتوافرة في وسط الشعب الجزائري، قدر ثقتها بنضجه الثوري - الفكري - ومعرفته بالطريق المؤدي الى الحل الحاسم. فأصدرت أوامرها التي كان ينتظرها رجال الأوراس بصبر نافذ. إذا ضم تاريخ الجزائر يوما له أهميته الخاصة، فذلك هو يوم ٣١ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٤؛ ذلك لأن هذا اليوم هو الذي تم فيه اتخاذ أخطر القرارات التاريخية - يقينا - وهي القرارات التي ستزج الشعب الجزائري كله في حرب ضروس لا يستطيع أحد - في ذلك التاريخ - معرفة مدتها أو مدى اتساعها. وفي ذلك اليوم، خرجت الأسلحة والذخائر من مخابئها في الكهوف ومن مدافنها تحت التراب، لتحسد بعضها بعضا على ما ستقوم به من الأعمال.

стр. 1754

وهكذا، وبينما كان بعض الرجال يتسلمون أسلحتهم، والحماسة تهز كيانهم، كان هناك آخرون واجبهم مرافقة ونقل (٦٠) بارودة و (٢٠٠) كيلو غرام من الذخائر بواسطة شاحنة اسأجرها لهم (بو شمال) لتصل هذه الإرسالية في المساء إلى منطقة القبائل، ويتسلمها الرجال الشجعان في هذا الإقليم، ممن كانوا يستعدون بدورهم للعمل (من أمثال عميروش). واعتبارا من تلك اللحظة، سيأخذ المجتمعون في (الطيبي كاوين) و (ضهرات ولدموسى) و (فم الطوب) كل ملامح المستقبل وفضائله. ولم يكن من السهل أبدا تجميع مثل هؤلاء الرجال الذين طالما مزقتهم السياسة الاستعمارية، ورجالها من الحكام الإداريين، وطالما فرقت بينهم القيادات والزعامات، لولا الاعتماد على أصالة الجزائر الثورية، وقاعدتها الدينية الصلبة التي توحد ولا تفرق، تجمع ولا تبدد. ولحسن الحظ أن توافر للثورة رجال يمتلكون من الارادة الصلبة ما يزيد على كل الصعاب والعقبات، من أمثال (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني وعجول وبللا ولغرور عباس وبوستة) ممن يعود لهم دونما ريب فضل توحيد الجهود وتوجيه الطاقات نحو هدف التحرير. وقد كان نجاحهم رائعا في الاوراس إذ استطاعوا إقناع رجال المنطقة الأشداء بتوجهاتهم وأهدافهم، وحملهم على الاضطلاع بدورهم التاريخي. قسم الرجال الذين جمعوا عند (الحجاج) وعددهم (٢٧٠) رجلا الى مجموعات وزمر يتولى قيادة كل واحدة منها قائد مسؤول. وغالبا ما كان يتم الاضطلاع بدور القيادة طوعا من قبل

стр. 1755

الرجال الثوار (١) وتلقى الجميع التعليمات النهائية، وأصبحوا وهم يعرفون أهدافهم جيدا. وضبطوا ساعاتهم على ساعة الصفر (س). وأخذوا في مغادرة (ضهرات ولدموسى) بعضهم يستخدمون الشاحنات، وبعضهم السيارات الصغيرة، أما الباقون ففضلوا التوجه سيرا على الأقدام. هذا في حين كان رجال (بلقاسم) ينطلقون بصمت وجرأة في اتجاه بطنة ومروانا. وفي الساءة ذاتها كان رجال (عباس لغرور) يبتعدون عن حمام الصالحين في اتجاه (خنشلة). وما أن غربت شمس يوم ٣١ تشرين الأول - اكتوبر - حتى كان هناك أكثر من ستمائة مقاتل قد انطلقوا للاغارة على الحاميات العسكرية ومراكز الشرطة والأبراج، وكانت كلمات السر والاجابة: (خالد - عقبة) تتردد في كل مكان لتمزق سكون الليل، ولتثير حماسة المقاتلين. وكانت مجموعة (أشمول) قد أخذت في إقامة السدود الأولى من الحجارة على الطرقات، وذلك لقطع كل محاور الاتصالات. هذا فيما كانت الشاحنات والمركبات تتحرك في اتجاه (بسكرة وبطنة)

стр. 1756

لتصل في موعدها المحدد بدقة، ولتقوم بتنفيذ عملياتها على النحو التالي: في بسكرة: خرج الفدائيون المغاوير من دار الحجاج بقيادة حسين بن رحيل، ووصلوا في اليوم ذاته إلى بسكرة، وفي الساعة التي كان فيها المواطنون المسلمون يغلقون نوافذ شرفات منازلهم، ويحكمون إيصالها بالقضبان الحديدية. أما المدينة الأوروبية فكانت تتألق بأنوار المصابيح فيما كانت الأحياء العربية غارقة في ظلام حالك. وكانت أجراس الكنائس والأديرة تقرع داعية الأوروبيين للصلاة، وانطلق المغاوير لتنفيذ أوامر (اللجة الثورية للوحدة والعمل) بضرب النقطة الحساسة في الجهاز العصبي للعدو والمتمثل بثكنة (سان جرمان) التي كان يقيم فيها لواء (الرماة السنغاليين). وانطلقت النيران، وأصيب حارس مدخل الثكنة بجراح. كما أصيب المفتش - الكوميسير - وهو برتبة لواء برصاصة في فخذه. وألقيت قنبلة حارقة على مركز النجارة، فأشعلت فيه النيران، وانسحب رجال جيش التحرير الوطني بسرعة مخلفين وراءهم الفوضى والدمار. وتوقفت أجراس الكنائس عن الرنين. وفي بطنة: تميز البناء في المدينة بقوته وشدة تحصينه حتى كأنه قلعة منيعة من تلك القلاع التي كانت تقام أيام الرومانيين في وسط تجمعات السكان الوطنيين - وكان هذا البناء الضخم يضم مجموعة من الثكنات العسكرية التي أطلقوا عليها اسم (المعسكر)، والتي كانت تحميها جدران شاهقة الارتفاع. ووضع المجاهدون في اعتبارهم أهمية الهدف من الناحيتين الاستراتيجية والنفسية، فقرر قادة المجموعات إرسال الكتلة الرئيسية من القوة

стр. 1757

رمز الاستعمار. دمرته الثورة واقتلعته من قاعدته

стр. 1758

الضاربة بعد تقسيمها الى أربع مجموعات تقوم بالإغارة على الأهداف العسكرية في وقت واحد، ولكن بصورة مستقلة؛ كل عن المجموعات الباقية. وكان المجاهدون يرتدون جميعا الألبسة العسكرية، ويحملون أسلحتهم الآلية (الاوتوماتيكية) من المسدسات الرشاشة (ستاتي) من نماذج أميركية الصنع أو إنكليزية. أو ألمانية. وكانت مجموعتان من هذه القوة قد وصلتا من قبل (الحجاج)، في حين جاءت المجموعتان الباقيتان من (فم الطوب). وكان الهدوء المطلق يخيم على المدينة في ساعة بدء الهجوم (الساعة - س). ولم تصل المجموعة الأولى إلا في الساعة الثانية صباحا. (وقد تأخرت مجموعة - الحاج - عن موعدها بسبب اعتذار رئيسها عن تنفيذ المهمة في اللحظة الأخيرة، فتم تكليف علي بن أخضر طاولي - على الفور- بقيادة المجموعة) وعملت هذه المجموعة فور وصولها على وضع حارسين- خفيرين - في (ود زمالا) ثم اخترقت المدينة العسكرية، ومرت من أمام ثكنة الفرسان الجزائريين الصبايحية (السباهين). وهي الثكنة التي كانت هدف المجموعة الثانية ثم وصلت المجموعة إلى هدفها - وهو الثكنة التالية - التي كان يقيم فيها (الرماة). وكان من المفروض أن يقوم أحد الحرس الرماة من الجزائريين بمساعدة الثوار، وفتح باب الثكنة لهم عندما يتبادلون معه كلمة السر والإجابة (خالد -عقبة). ولكن نظرا لتأخر المجموعة في الوصول إلى الهدف، فقد ظن الحارس بأن موعد الهجوم قد تم تأجيله، وجاء تبيدل الحرس، فجاء حارس جديد للبوابة. ولم يبق أمام مجموعة الاقتحام الا استخدام المبادأة، واقتحام الثكنة عنوة، وتم تنفيذ الإغارة بسرعة مذهلة، فأصيب الحارس،

стр. 1759

وحاولت المجموعة التوغل الى داخل الثكنة غير أنها عجزت عن ذلك، فاكتفت بما حققته من الدمار والذعر، وانسحبت عبر الطريق المحدد لها. وكان لا بد لها من التعرض لثكنة الفرسان الصبايحية (السباهين) نظرا لاضطرارها من المرور من أمامها، فهاجتها بعنف، ثم انسحبت بعد ذلك في اتجاه جبل (تبغيراسين) حيث وصلته، ولما يصب أحد من مجاهديها بأذى. وكان المنفذون في هذه المجموعة كلهم من (دوار كامل). وكانوا جميعا أيضا ممن اتبعوا دورة عسكرية وتلقوا إعدادا نفسيا خلال فترة طويلة. وصلت بعد ذلك المجموعة الثانية بقيادة (محمد بن ناجي) قادمة من (فم الطوب). وكان وصولها في موعد متأخر أيضا، ولم يبق لها ما تفعله بعد أن علمت بأن المجموعة الأولى، قد هاجمت -بالنيابة عنها - ثكنة الفرسان الصبايحية. فانسحبت بعد أن أطلقت بعض الصليات النارية على أبواب الثكنة وجدرانها. ووصلت المجموعة الثالثة في الوقت ذاته، بقيادة (ابراهيم بوستة) فأغارت على مخزن الذخيرة، وتبادلت إطلاق النار مع رجال الحرس والحامية، ثم انسحبت في اتجاه مجنبات التل، والتحقت بنقطة الازدلاف (التجمع) في المنتجع المحدد للالتقاء من قبل. وقامت المجموعة الرابعة بقيادة (بلقاسم) باقتحام ثكنة الحرس المتحرك، وكانت هذه المجموعة تضم ثلاثين مجاهدا. ودارت معركة قاسية استمرت ساعتين، انسحبت بعدها المجموعة نحو (جبل عطيل) فوصلته مع شروق الشمس، وقد حملت على كواهل أفرادها أكاليل الغار .

стр. 1760

وفي خنشلة، جمع (عباس لغرور) رجاله الثلاثين في (حمام الصالحين) ثم قام بالهجوم (على نحو ما سبق ذكره). وفي تكوت: قام (جغروري) بقيادة مجموعة المجاهدين بمهاجة مركز الدرك الذي كان أفراده قد تلقوا إنذارا مسبقا واستعدوا للمجابهة. وقامت المجموعة بتدمير الجسر، وأتبعت ذلك بنصب كمين في (تيجان أمين). وفي باريكا: دمر المجاهدون خطوط المواصلات، كما دمروا أيضا مركز الاتصالات الهاتفية التي تصل (باريكا) بمدينة (سطيف). وفي أريس، كان يجب أن يقوم أربعون رجلا مسلحا في الساعة صفر (الساعة - س). وقام (مصطفى بن بولعيد) بإعطاء تعليماته شخصيا للمنفذين. وكان يجب أن يتم الالتقاء عند برج المجمع المشترك كومون ميكست -. ولكن لم يحضر في الموعد المحدد سوى (أحمد نواوره). وهكذا خان (٣٩) رجلا القسم الذي أقسموه أمام (الحجاج). وترك ذلك جرحا عميقا في قلب (بن بولعيد). أما في تيجان أمين: فكانت كل الاعمال التي تم تنفيذها في الليل هي بمثابة الإعلان عن بدء الحرب ضد النظام الاستعماري، غير أن العملية التي تم تنفيذها في صجبيحة يوم إعلان الثورة (يوم الاثنين) كانت بداية لنوع من الأعمال القتالية الخاصة (قتال العصابات)، وقد نفذت هذه العملية باعتراض عربة لتفتيشها عند مضيق (تيجان أمين). وكان في العربة

стр. 1761

رجلان إفرنسيان يرافقهما دليل معروف بولائه للافرنسيين. وقد رفض هؤلاء الاذعان لأوامر رجال الكمين من المجاهدين. وكان لا بد من تفتيش العربة تنفيذا لتعليمات القيادة الصادرة عشية الثورة والتي اعتبرت منطقة الأوراس بكاملها من المناطق المحررة. وعندما رفض ركاب العربة الخضوع للتفتيش، حاولوا استخدام أسلحتهم، جرى بادل إطلاق النار، وسقط الإفرنسيان ودليلهما قتلى على الفور. د - فجر يوم الثورة المسلحة (١) كانت ليلة رطبة ومظلمة، غير أن ظلمتها كانت أشد قسوة على المستعمرين، لأنها توافقت مع احتفالات النصارى بعيد (جميع القديسين) (٢) ولم يكن المستعمرون، وهم غارقون في ظلمة تلك الليلة يعرفون يقينا، أو يراودهم الشك، بأن ذكرى الليلة الحزينة ستبقى أبدا مرتبطة بأسوأ ما في تاريخهم. ذلك لأنها تسجيل لانهيار اسطورة من أضخم الأساطير الاستعمارية. كانت ليلة رطبة ومظلمة، وهناك، هبت على جبال الاوراس نسمة منعشة، صفقت لها أشجار الغابات الكثيفة. ووسط تلك الظلمة، كانت الأشباح تتحرك دونما ضجيج، وتتسلق المرتفعات

стр. 1762

بخطوات سريعة وثابتة، إنها أشباح سكان الجبال (أو الجبليون) الذين اعتادوا على السير الطويل فوق الصخور، وفي الغياض الشائكة. لقد قدموا من كل مكان، من المدن والقرى، من الاوراس ومن مناطق بعيدة عنها. كانت تلك المنطقة هي منطقة قبيلة (توبيس) الشهيرة ببأسها، والمنتشرة على حدود: اشمول وحجاج وأريس. أما (البوسليمانيون) المشهورون بإبائهم وشحمهم فكانوا على حدود- أريس - (وقد عرف عنهم حبهم الشديد لتربية الصقور). ويبقى (الغسيريون العنيدون) هم حراس أبواب الجنوب، وسيكون من نصيبهم الفخر لقيامهم بنصب أول كمين في مضيق - نفق - تيجان أمين - على بعد ثمانية عشر كيلو مترا الى الجنوب، وذلك في صبيحة اليوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٤. وكانت هناك أيضا قبائل أبناء العمومة من (الأشراف والسراهناس) والذين يتحدثون اللغة العربية بطلاقة، كما يتحدثون بلهجة البداوة - الشوايا - باتقان غريب. وقد عزف أبناء هذه القبائل بشدة بأسهم وصعوبة مراسهم. غير أن عائلاتهم ستتعرض للانتقام الوحشي وأعمال الانتقام من قبل الافرنسسين، وذلك كرد فعل منهم على الاشتباك الأول مع قوات الثورة. وستكون هذه العائلات أول من يعاني الاضطهاد، وأول من يتعرض للتعذيب بسبب قصة الكمين التي تتلخص بالتالي: قام ثمانون مجاهدا بقيادة بشير ورطان - الملقب بسيدي هاني - بنصب كمين لقافلة فرنسية تضم كتيبتين، واشتبكوا مع القوة الإفرنسية لمدة (٢٤) ساعة، سقط خلالها (٣٠٠) جندي بين

стр. 1763

قتيل وجريح - بحسب ما ذكره سائقو سيارات الأجرة، التاكسي، التي استخدمها الإفرنسيون لنقل قتلاهم وجرحاهم - ومقابل ذلك سقط من المجاهدين (٧) شهداء و (٢٥) جريحا. وعلى أثر هذه المعركة أرسلت قيادة العدو، برقية، أبرزت فيها الأسلوب الذي ستعمل على تطويره للتضليل والخداع، فذكرت بأن القوات الإفرنسية لم تتكبد من الخسائر إلا بعض القتلى وبعض الجرحى فقط. تجدر الإشارة بعد ذلك إلى أن القبائل البعيدة من (النمامشة والعامريين) لم تكن آخر من وصلت في الموعد المحدد إلى جبال الأوراس. وكان رجال منه القبائل قد انطلقوا، ومعهم آخرون، من ضهرة (ولدموسى) ليصلوا الاوراس، وليجدوا فيها إخوانا لهم قد حشدوا (٣٥٠) مجاهدا من المقاتلين الأشداء. وكان (مصطفى بن بولعيد) هو أول من وافى المكان، الذي ضم المجاهدين من مختلف المستويات الاجتماعية، ومن كل المستويات الثقافية، ومن جميع العناصر الوطنية، فكان ذلك برهانا ساطعا على فشل الجهود الاستعمارية التي طالما جهدت لخلق الانقسام بين المسلمين، من عرب وبربر، وبين أبناء المدن والقبائل، كل ذلك بهدف تكوين مراكز قوى متصارعة تسمح لفرنسا باختيار نخبة منهم وتدريبهم لمحاربة إخوانهم في الدين والوطن. فكان هذا التجمع أول انتصار للثورة. وها هم الآن (٣٥٠) رجلا، كلهم رجل واحد، لا تفاوت بينهم ولا تنافر. إنهم على وشك البدء في إطلاق شرارة ثورتهم المسلحة، ولم يبق بينهم وبين الشروع في التنفيذ أكثر من ساعات قليلة. إنهم يمثلون ولادة الثورة التي

стр. 1764

تستمد لتطهر أعماق الشعب الجزائري، وتصهره، لتوجهه نحو الهدف الواحد، وهو هدف الحصول على حقوق لم يعرفها الجزائريون أبدا منذ اجتاحت جحافل الغزو الإفرنسي بلادهم. هنا، في الأوراس أيضا، التقت (المجموعات الخاصة) وقد ضمت رجالا ملؤهم الثقة، حملوا السلاح الذي استخرجوه من مخابئه الكثيرة والتي لم يعرف أحد مكامنها سواهم، وكان النجاح حليفهم عندما جاءوا بها من جنوب الأوراس، ومن (واد سوف) ومن (ليبيا). ودفنوها في انتظار اللحظة الحاسمة. وكان (مصطفى بو ستة) هو أول من عمل لتنسيق التعاون بين مختلف القوى في القطاع (تكوت): وكان يعيش في عالم الخفاء منذ سنة ١٩٥٢. ولم تنجح عمليات التفتيش في العثور عليه، أو اقتفاء أثره، بالرغم من كل الجهود التي بذلتها قوة (الحرس المتحرك) والتي ضمت ثلاثة آلاف مقاتل، جاءت بناء على طلب (حاكم أريس) للبحث عما أطلق عليه اسم (المجرمين) و (الخارجين على القانون). وقامت هذه القوة الافرنسية بتمشيط المنطقة مرات عديدة، غير أن (مصطفى بو ستة) ومعه (الخارجون على القانون). استطاعوا البقاء بعيدا وبصورة مستمرة عن قبضة القوات الاستعمارية. وها هم الآن يستعدون لمرحلة جديدة من العمل الثوري، ومعهم (حسين بن رحيل) الذي بدأ العمل السري - متخفيا - منذ سنة ١٩٤٣، وكذلك (صادق سبشوب) الذي اكتسب شهرة اسطورية باعتباره قناصا من مهرة الرماة. و (مكي عيسى) الذي طالما تعرض للمطاردة، والذي اشتهر منذ قتل أحد

стр. 1765

رجال الدرك برصاصة واحدة في جبهته، عندما كان هذا يطارده في وضح النهار. وكذلك أيضا (مسعود مختار) و (غرين بلقاسم) الذي ستتحدث عنه البرقية المرسلة من قبل السلطة الحاكمة، بما يلي: (لقد قتل واحد من كبار قادة المتمردين)، غير أن البرقية تجاهلت العدد الكبير الذين صرعهم غرين بلقاسم - من جند العدو - قبل أن ينال شرف إحدى الحسنيين. ثم هناك (أحمد الجدعا) الذي اشترك في الثورة منذ بدايتها، ولما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره (١) وتبقى الظاهرة المثيرة في تجمع هؤلاء المجاهدين، انصهار كافة الفوارق الناجمة عن المنشأ، لقد وقفوا صفا واحدا - كالبنيان المرصوص-فبات من العسير التمييز بين الجبلي وابن المدينة، أو من عرف بؤس الحياة وفقرها، ومن عاش رغدها وبحبوحتها. وها هو الجبلي (ابن - اوولدالغولة) بهامته الضخمة ولونه البرونزي وملامحه القاسية التي تنطق بها قسمات وجهه، وتعبر عنها شفتاه وهما تقذفان الكلمات بطريقته البدائية (الموصوفة بالوحشية) فيدخل بها الرعب إلى قلوب أعدائه. لقد كان يمتلك قوة جبارة طالما كانت له عونا لإنقاد عدد كبير من رفاقه الجرحى أثناء اشتباكاتهم الدموية الرهيبة، غير أن جهله (أميته) كانت تضعه باستمرار في مؤخرة إخوانه، وكان شأنه في ذلك شأن الكثيرين من رفاق طفولته الذين ما عرفوا في الحياة سوى حراثة الأرض الصخرية وزراعة الأرض المجدبة تقريبا، والتي كانت الشيء الوحيد الذي تركه لهم الاستعمار الاستطاني. وقد خضع هؤلاء البؤساء المحرومون، الى حين، لأساليب الدعاية الاستعمارية الافرنسية، حتى

стр. 1766

أنقذتهم منها جهود دعاة الثورة (الحركيين). ومالبثوا أن استردوا الشعور بعظمة أمتهم، فأقبلوا تباعا - الواحد بعد الآخر - وانضموا لقوات جيش التحرير الوطني الذي جسد لهم أهداف وجودهم. وإذا كان (ولد الغوله) يمثل هذه الفئة، فقد كان (جيلاني حداد) يمثل الفئة المقابلة، فقد نشأ جيلاني في المدينة، وعاش بيسر وبحبوحة، وتميز منذ أيامه الأولى في الحياة بذكائه الحاد، فكان من السهل عليه أن يؤمن بضرورة استخدام العنف الثوري، وبحاجة لخوض الصراع المسلح. وكان يعيش في وسط جماهير المدينة فأمكن له الاتصال بمنظمات الثوار (الماكي). وكان هذا الاتصال خطرا في حد ذاته، لا سيما وأن جيلاني كان معروفا بأفكاره الثورية ونزعاته التحررية. وسيمضي عام على موقفه مع رفاقه في الأوراس، عشية الثورة، قبل أن يودعه هؤلاء الرفاق الوداع الأخير بعد أن حملوه من ميدان المعركة، وصعدوا به لمواراته إلى جانب رفيق له سبقه الى قبر مهجور. لقد سقط (جيلاني) وهو يحمل سلاحه يرد به العدوان الإفرنسي عند مدخل القرية التي لم يتجاوز حدودها ولم يغادرها أبدا منذ بدأت حرب التحرير، وكثيرا ما كان أخوانه المجاهدون يتحدثون عنه بعد ذلك وهم يستعيدون ذكريات الحضارة الإفرنسية، التي لم يعرفوا منها إلا أعمال الإبادة ضد الوطنيين المسلمين الذين كانت تصفهم فرنسا (بالمتوحشين). يبقى هناك مجال للحديث عن (بو عيسى) أو (رجل المستنقع) الذي لم يكن قد عرف طائرة في حياته - قبل الثورة - شأنه في ذلك شأن معظم مواطنيه، ولكن ذلك لم يمنعه من توجيه

стр. 1767

نيرانه في معركة (تكوت) ليسقط طائرة فرنسية فوق أرض المعركة. وكان من المرغوب فيه التعرض لذكر كل أولئك الأبطال الذين اشتركوا في معركة (ضهر ولدموسى) الشهيرة والتي وقعت في اليوم الأول من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤. وهو اليوم التاريخي الذي انطلقت فيه مجموعات كثيرة، تضم الواحدة منها أحد عشر رجلا، لتنتشر في وهاد جبال الأوراس وشعابه، وهي تتعارف بعضها على بعض بكلمتي السر والتعارف السحريتين (سيدي خالد) و (سيدي عقبة). ففي تلك الساعة (س-صفر) قام الثوار بتدمير (جرس تكوت) وتم بذلك عزل رجال الدرك الذين كانوا يستقرون في القرية. وهناك، على بعد مائة كيلو متر من تكوت، اجتاح الثوار (فم الطوب) حيث كانت أرتال المجاهدين قد غادرتها على عجل وهي متجهة الى (بطنة). وعلى مسافة أكثر بعدا، كان الثوار يهاجمون مراكز الجيش والدرك والشرطة في (خنشلة). وفي اليوم التالي، كانت أخبار الفرحة التي طال انتظارها وقد ملأت كل بيت جزائري، في الشمال كما في الجنوب، وفي الشرق كما في الغرب. لقد انبعث ضياء الأمل من قلب الظلمة الحالكة. وإذا كانت طلقات النيران قد ألهبت القرى والمدن في السهل والجبل، فإن أصداءها القوية قد ترددت عالية في جبال القبائل والأوراس. بل وفي كل مكان، فكانت زغاريد نساء القبائل (يويو) هي أصداء زغاريد أخواتهن من نساء الأوراس، ومعهن جميعا كانت نسوة المدن وصحارى الجنوب يرددن (يويو) الفرحة.

стр. 1768

لقد ارتبطت الأسماء السابقة كلها بالعملية التي اشتهرت باسم (عملية تاغيت) أو (كمين تيجان أمين) والتي كانت أول عملية من نوعها سقط فيها: الدليل معونيش، والمدرس الافرنسي مونروت). واستشهد بعد ذلك كل أبطالها، ولم يبق منهم على قيد الحياة سوى المجاهد (طغروري المبارك) وهو رجل كما يقال عنه (لا ماضي له قبل الثورة، وأن كل قصة ماضيه قد بدأت في هذه العملية) ... .. حيث تقدم مع جماعته التي ضمت أحد عشر رجلا لنصب كمين (تيجان أمين) في المضيق الذي يفصل شمال أريس عن الجنوب، والذي تغطيه من الجنوب سلسلة من الجبال المكسوة بأشجار النخيل. وكان هدف العملية، وفقا للتعليمات التي أصدرها رئيسهم وصديقهم - مصطفى بن بو العيد - هو منع رجال الدرك - الجندرمة - من التحرك، وعزلهم، وتدمير روحهم المعنوية، وإرغامهم على البقاء في مراكزهم وثكناتهم لا يبرحونها. وتم نصب الكمين، ولم تقترب أية مركبة من موقع الكمين حتى الساعة الثامنة صباحا، عندما وصل باص (بسكرة - أريس) وفي داخله الدليل - القائد - معونيش، عميل الافرنسيين، والى جانبه المدرس مونروت ومدرس آخر، بالإضافة الى الركاب من المواطنين الجزائريين المسلمين. وظن الدليل أن العملية تتعلق بجماعة (خارجين على القانون) كما كانت تسميهم السلطة الاستعمارية، وأراد (معونيش) على ما يظهر إضافة خدمة جديدة لسجله في الاخلاص لسادته، فأشهر مسدسه، محاولا إطلاق النار على المجاهد الثائر الذي أوقف الحافلة (الباص) والذي كان خلف

стр. 1769

النافذة تماما حيث كان يجلس الدليل والمدرس الإفرنسي. ورأى اثنان من أفراد الكمين هذه الحركة وهما في موقعهما المرتفع بين الصخور، فأطلقا عليه النار وأردياه قتيلا، وأصابت رصاصة المدرس (مرنروت) فقتلته. كما أصيبت زوجة المدرس برصاصة ثالثة لم تقتلها. وصعد (طغروري المبارك) إلى الحافلة، فأوضح لركابها مهمة الكمين، وشرح لهم ما كان يحدث خلال تلك اللحظة من أعمال ثوروية، لا في المنطقة وحدها وإنما في كل أنحاء الجزائر. واستأنفت الحافلة رحلتها، وأوصلت الجريحة الى مستشفى أريس في الساعة الحادية عشرة، ولم تلبث أن أقبلت طائرة عمودية - هيليكوبتر - فنقلت الجريحة الافرنسية من مستشفى بسكرة إلى مستشفى بطنة. ولقد أثار وصول هذه الطائرة العمودية كثيرا من الصخب والضجيج، حيث حاول رجال الدرك وأعوان السلطة الإفرنسية تصنيع قصة تراجيدية للبرهان على العظمة الافرنسية والقوة الإفرنسية، ولم يعرف رجال الدرك في حينه أن هؤلاء الذين لم تقع أنظارهم قبل ذلك اليوم على (طائرة عمودية) سيعتادون عما قريب على التعامل مع كل أنواع الطائرات، وتركها طعمة للنيران. كان الافرنسيون جميعهم من مدنيين وعسكريين مسلحون تسليحا حديثا وجيدا، وبصورة خاصة منهم المدرسون الذين يختلطون أكثر من سواهم بالمواطنين المسلمين. قامت القوات الإفرنسية بحمة مشتركة ضمت كل صنوف

стр. 1770

الأسلحة، وذلك بعد كمين (تيجان أمين) بثلاثة أيام، واقتحمت هذه القوات - أريس - وتوجهت بعدها الى موقع الكمين الذي تعرض للقصف طوال ساعات عديدة بنيران المدفعية والطيران. وانتقلت قوات الحملة بعدها الى تكوت، وأصلحت الجسر الذي يقع عند مدخل القرية. وفي اليوم التالي (٤ تشرين الثاني - نوفمبر) طوقت القرية والأكواخ المنتشرة حولها، وبدأت بعملية اعتقال المواطنين واستجوابهم وتهديدهم بالحرق. كما أخذت بقتل أهالي الثوار وأفراد عائلاتهم وذلك بعد الاحتفاظ بهم كرهن لمدة خمسة عشر يوما على أمل أن يقوم الثوار خلالها بتسليم رقابهم للجلادين. ورفع المحققون الى رؤسائهم خلال الأيام الثلاثة الأولى قوائم - لوائح - تتضمن أسماء (الخارجين على القانون). وكانت السلطات الاستعمارية وهي تمارس أعمال الإرهاب، تعتقد أنها قادرة بهذه الأساليب على عزل الثوار وحرمانهم من كل دعم. فأقدمت على تعذيب المعتقلين وقتل بعضهم، معتقدة أن ما تم تنفيذه من أعمال ثورية لا يتجاوز نطاق (الهيجان المحلي) مما يجعلها قادرة على إخماد الهيجان الجماهيري بسهولة، بنفس الأساليب التي سبق استخدامها في سنة ١٩٤٥ لإخماد هيجان سطيف، وجيرالدا، وأعلن الضباط الافرنسيون أنهم تلقوا تعليمات تقضي بإعادة تنفيذ فصول القصة البائسة، كما أعلن هؤلاء الضباط عن استعدادهم لإعادة تنفيذ مثل تلك العملية، غير أن ذلك لم يزد المجاهدين الجزائريين، إلا تصميما. ولم يزد الشعب الجزائري إلا عنادا لاحتضان الثورة، حديثة العهد بالولادة، ودعمها ورعايتها. وأصبح جيش التحرير الوطني

стр. 1771

الجزائري هو الملاذ الوحيد من أجل حمل السلاح. وخوض الصراع ضد الظلم والظالمين، إذ أنه على الرغم من كل التهديدات والممارسات الإرهابية، فقد استطاع المواطنون الجزائريون إحاطة القوات الإفرنسية، في كل مكان، بمناخ من التهديد وفقدان الأمن، وقام الأنصار الجزائريون (المسلمون) الشجعان، بتأمين الاتصال بين المواطنين وبين جيش التحرير الوطني في كل مكان من البلاد. ونظرا لمنع الرجال في (تكوت) من مغادرة المدينة - تحت طائلة التهديد بالقتل - الا بعد الحصول على تصريح - إجازة - من السلطات الرسمية، فقد وقع على النساء واجب تأمين هذه الاتصالات. واضطلعت النسوة المجاهدات بكل ما كان يطلب إليهن تنفيذه من الأعمال الشاقة والخطيرة. فكانت جهودهن وأعمالهن ذات أهمية لا تقل من زوجة البطل (بلقيس ولد الغولة) التي لم تكن زغاريدها (اليويو) وزغاريد أخوتها، في المعركة الا لهيبا يرتفع على صخب القتال وضجيح الأسلحة، مما كان يثير حماسة المجاهدين ويدخل الرعب في قلوب جند الأعداء. وقد كان صوت (العمة الغولة) دونما مبالغة أشد وقعا وأعمق تأثيرا من كل وصف. وكانت العمة الغولة ضخمة الجثة، قوية البنية، سوداء اللون تقريبا، ذات شجاعة لا تطالها مقاييس اختبارات الشجاعة، إنها لم تتذمر في يوم من الأيام، ولم ينل منها التعب أبدا وهي تجوب الجبال باستمرار، لتنقل الأخبار إلى المجاهدين. ولتؤمن لهم الاتصالات الضرورية، طوال سنوات الحرب. فنسجت بذلك - للتاريخ - أسطورة ملحمة طويلة جدا

стр. 1772

بحيث يصعب الإلمام بها أو الإحاطة بفصولها. وكانت مدرسة للصبر والجلد واحتمال كره القتال والاستعداد الدائم للتضحية والفداء. بمثل هذه النماذج الأسطورية اقتحم الثوار التاريخيون أبواب التاريخ. هـ - اندلاع الثورة في متيجة (متوجة) (١). اختار رئيس (قسمة) في (برج المنيل) أربعة شبان من بين مجموعة كان أفرادها يتحرقون شوقا ويتقدون حماسة لخوض الصراع المسلح ضد الاستعمار الافرنسي الجاثم على صدر بلادهم. ولم يكن الحافز لاختيار هؤلاء الأربعة من دون سواهم - في شهر تموز - يوليو - ١٩٥٤ - إلا نتيجة طبيعية لما عرف عنهم من نشاط ومن فاعلية علاوة على صغر سنهم. لقد كانوا يشكلون قسما من خلية تابعة لتنظيم (اللجنة الثورية للوحدة والعمل). وكان واجبهم آنذاك العمل مع العشرات من إخوانهم المجاهدين لنشر الدعاية وجمع المعلومات عن المجمعات المشتركة - كومون ميكست - وكان هذا الواجب من أصعب الأعمال في تلك الفترة، نظرا لما كانت تتعرض له الجزائر وشعبها المجاهد من ضغوط

стр. 1773

استعمارية قاسية. وفي بداية الأمر، فصل الأربعة عن رفاقهم المجاهدين في الخلايا القديمة، واتخذت قيادتهم كل ما هو ضروري من الإجراءات لإبعاد الشبهات والشكوك عنهم، ولحماية الأعمال التي كان يتم تنفيذها استعدادا لتفجير الثورة. واستمر التعامل معهم أقصى درجات الحذر، من قبل كل إخوانهم، ذلك لأنهم كانوا حتى تلك الفترة من العناصر الضعيفة إذا ما تمت مقارنتهم بقدامى الثائرين. وكان هناك خوف من ضعفهم تجاه الانقسامات التي كان يصطنعها النظام الاستعماري في قلب الحركة الوطنية. ولهذا، بقي اتصال هؤلاء الأربعة، خلال مرحلة الإعداد، مقتصرا ومحددا بواحد من رجال التنظيم السري، كانت السلطات الاستعمارية تبحث عنه منذ أحداث سنة ١٩٤٧. وكان واجبه تدريب الشباب الأربعة على استخدام الأسلحة وأساليب القتال. غير أن هذه المرحلة لم تستمرأكثر من أشهر قليلة، إذ كان قادة التنظيم قد تساحوا بالخبرة التي استخلصوها من تجربتهم الحية في سنة ١٩٥١ والتي عايشوها في قلب التنظيم السري. وكانت هذه الخبرة المستخلصة تفرض على رجال التنظيم السري (التحرك بسرعة حتى لا تتوافر للعدو مهلة زمنية كافية تساعده على اكتشاف التنظيم ومعرفة أهدافه). ومن أجل ذلك، احتفظ القادة بموعد بدء الثورة سرا، ولم يعلنوه حتى اللحظة الأخيرة، ولم يكن اختيار موعد بدء الثورة اقتراحا عشوائيا، أو اتفاقيا مصادفا، وإنما كان عملا مدروسا، فتحديد هذا الموعد ليصادف الأول من تشرين الثاني - نوفمبر - حيث (عيد جميع القديسين) هو مناسبة اعتاد الرجال الاستعماريون على الاحتفال بها.

стр. 1774

ففي الساعة الواحدة من منتصف الليل، وهو توقيت القيام بالعمل - ينصرف رجال الإدارة الاستعمارية الى احتفالاتهم المعتادة، وتكون الإدارة في حالة عطالة تقريبا، الأمر الذي يضمن للثوار فترة زمنية كافية لتوجيه ضربتهم، والانسحاب بعد ذلك، الى قواعدهم المأمونة دونما تهديد مباشر بالمطاردة. وهكذا تم اتخاذ كافة التدابير التي تؤمن انطلاقة الثورة لتكون عامة وشاملة منذ اللحظة الأولى. لقد تم اختيار الشبان الأربعة، للاشتراك في عمليات تفجير الثورة في إقليم (بوفاريك) في حين تم اختيار سواهم للاشتراك في تفجير الثورة في إقليم (بليدا)، وعرف هؤلاء باسم (خلية عقيل عمولا) - وتم إعلامهم بمهمتهم يوم ٢٩ تشرين الأول - اكتوبر - أثناء قيامهم بالتدريب على المسير الطويل. وتولى إبلاغهم ذلك رئيس قسم التنظيم شبه العسكري في (قسمة) والمشهور بلقب (السيد الشارب) - نسبة إلى شاربه الضخم الذي كان يغطي وجهه - وهو من (عين سكونا - مجمع برج المنايل). وقد استمر في أداء دوره الثوري حتى سقوطه في ميدان الشرف سنة ١٩٥٩. المهم في الأمر، هو أن السيد الشارب أعطى أوامره إلى الشبان الأربعة بالتوجه إلى الجزائر للاتصال (بالسيد الطاهر) الذي كان من واجبه مرافقتهم لمقابلة مسؤول كبير (لم يكن غير العقيد عمران بحسب ما أصبح معروفا بعد ذلك). وكان من المفروض أن يتم هذا اللقاء في الجزائر العاصمة. وقام (السيد الطاهر) بتحديد موعد اللقاء ومكانه: (في الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم التالي - في ساحة بورسعيد). وما أن

стр. 1775

وصل الشباب الأربعة في الموعد المحدد إلى المكان المعين، حتى تبين لهم بأن موعد المقابلة ومكانها هو مجرد تدبير احترازي، إذ قابلهم هناك مرة أخرى (السيد الطاهر) ورافقهم إلى مقهى يقع في (بيرجبة) من مرتفعات (حي القصبة). وكان هذا المكان هو مركز الالتقاء بكافة المجاهدين القادمين من القبائل للإسهام في العمل المشترك الذي كان يتقرر في اجتماعات الجزائر. قد يكون من المناسب هنا التوقف قليلا عند ظاهرة - تدابير الحيطه المشددة - التي رافقت اتساع أفق العمل وتطوره. إذ أن هذه الظاهرة، لم تكن في الواقع إلا نتيجة من نتائج انقسام الحزب وتمزقه، وقد حرص القادة على الإفادة من هذا الانقسام، واستخدامه رداء خارجيا، وستارا لحماية الحركة السرية. ولفهم هذا الانقسام وانعكاساته لا بد مرة أخرى من العودة إلى المراحل الأولى لتنظيم (اللجة الثورية للوحدة والعمل) التي ضمت الأجنحة المتطرفة والحيادية كرد على صراع المركزيين والمصاليين في (حزب انتصار الحرية والديمرقراطية). وقد ضمت أجنحة (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) معظم الثوار السريين - الماكي - والذين كانوا يميلون إلى استخدام وسائط الصراع المسلح، وكانوا في الوقت ذاته يمثلون كل أقاليم الجزائر - من قسنطينة حتى منطقة القبائل، ومن أقصى الغرب إلى وهران وأقصى الشرق -. وقد جاء الانقسام في قلب الحزب ليترك شعورا لدى المتطرفين والحياديين بأنهم في النهاية هم (ضحايا هذا الانقسام) وكان انتقالهم لممارسة العمل الثوري في سنة ١٩٤٧، نتيجة قناعتهم بأنهم وهم يحملون السلاح، سيعيشون معارك حرب التحرير حتى

стр. 1776

نهايتها. غير أن قادتهم تخلوا عنهم، وخلفوهم وراءهم، وقطعوا الجسور التي تصلهم بهم، ولم يبق أمامهم إلا البحث عن الوسائل المناسبة للتخلص منهم. وكان من نتيجة ذلك أن وقع عدد كبير منهم في شباك أجهزة الشرطة (البوليس) الإفرنسية. ومن هنا يمكن اعتبار كل تدابير الحيطة وإجراءات الأمن، هي عمل شرعي وضروري، لا سيما وأن الحاجة كانت تفرض تطوير النشاط السري ليشمل كل الصفحة الجغرافية للقطر الجزائري. وكان ذلك بدقة هو سبب استدعاء الشباب المنظم في الخلايا الى الجزائر التي لم تكن أبدا المحطة النهائية في رحلة تفجير الثورة. ففي الساعة (١٦٠٠) من اليوم ذاته (٢٩ تشرين الأول-اكتوبر) صعد عشرون مجاهدا تقريبا، إلى شاحنة كبيرة كانت تنتظرهم في الممر الواقع بين (الاوبرا) و (نادي الضباط) لتنقلهم الى (الصومعة في ولد عايش). حيث كان على هؤلاء المجاهدين الانتظار لمدة ساعة أخرى في مزرعة يملكها (ابن طوطه)، وهي المزرعة التي عاد المجاهدون للاقامة فيها فترة (٢٤) ساعة. حيث أعلموا بموعد انفجار الثورة. وكانت الظاهرة المثيرة هي أن هؤلاء العشرين الذين نقلتهم الشاحنة. لم يكونوا أبدا على معرفة بأمر وجود مجموعات أخرى كانت تقيم معهم في المزرعة ذاتها، أو تنتشر في المزارع القريبة الأخرى. كما أنهم لم يعرفوا أن هناك منازل أخرى تجاور المنزل الذي أقاموا فيه. وكل ما أمكن لهم معرفته هو أنهم نقلوا الى كوخ يستخدم لحفظ علف الحيوانات، وطلب إليهم عدم مغادرته طوال اليوم، إلا لقضاء حاجاتهم الضرورية جدا. ولكنهم عرفوا بعد ذلك، أن الذين

стр. 1777

حضروا قد تجاوز عددهم الخمسين رجلا، جاءوا كلهم من القبائل. كان الهدف هو الهجوم على ثكنة (بليدا) وثكنة (بوفاريك) , وكان على المجاهدين المحليين، وعددهم قليل نسبيا في تلك الفترة، الإغارة على مكتبة (علي بابا) وتدميرها. ولقد كان لكل عملية من هذه العمليات قصتها، غير أنه من المناسب هنا انتقاء قصة واحدة منها، هي قصة الإغارة على ثكنة (بوفاريك). ولقد كان الهجوم على هذه الثكنة (وعلى ثكنة بليدا أيضا) نتيجة أبحاث طويلة، ودراسات مستفيضة، وإعداد دقيق. وكان الهجوم على ثكنة (بوفاريك) يعتمد في أساسه على الرقيب (سعيد بن طوبال - وهو شقيق الأخضر بن طوبال عضو المجلس الوطني للثورة الجزائرية). أما الهجوم على ثكنة (بليدا) فكان يعتمد على (سعيد قودي) من مواليد برج المنايل، وكلاهما كانا يخدمان تحت العلم الإفرنسي، وكان الهدف من الهجوم على الثكنات هو الاستيلاء على ما يمكن الحصول عليه من الأسلحة، والتي كان الثوار أحوج ما يكونون إليها. وكان (الأخ سعيد) في هذه الليلة هو رئيس الحرس، وعليه تقع مسؤولية تبديل الخفراء طوال مدة (٢٤) ساعة. وهذا يعني أن مفتاح الدخول الى الثكنة كان في قبضته. وعلى هذا، غادرت مجموعة (الكوخ) مقرها في الساعة (٠٠، ٢٢) تقريبا. وسارت لمدة ساعة تقريبا قبل أن تلتقي بمجموعة أخرى في كرم من كروم العنب، غير بعيد عن الثكنة. وهنا فقط ظهر العقيد (عمران) في وسط المجاهدين وهو يحمل مسدسا ألمانيا. فيما كان مرافقاه يحملان مسدسات رشاشة انكليزية (طراز ستين) وكانت تلك هي كل الأسلحة التي توافرت لإفراد المجموعة.

стр. 1778

مكثت مجموعة الفدائيين المجاهدين في كرم العنب فترة قصيرة من الوقت، حتى إذا ما حان موعد التنفيذ، تحركت نحو هدفها، ووصلت إلى جسر كان يقع على مقربة من الثكنة، وتوقفت عنده، وانتشر الأفراد على أطراف الجسر، وتحته، بينما توجه اثنان من الفدائيين إلى الثكنة ودخلاها برفقة رئيس الحرس (الرقيب بن طوبال). وتوجه الثلاثة إلى مستودع الأسلحة، وشرعوا بقطع السلاسل الحديدية الغليظة التي كانت تقيد الأسلحة وتثبتها. وعندما انطلقت المجموعة لاقتحام الثكنة، تنبه أحد رجال الحرس، وأعطى شارة الإنذار. وفشلت العملية في تحقيق هدفها (وبالطريقة ذاتها أصاب الفشل عملية الإغارة على ثكنة بليدا). لقد كان بالمستطاع تحقيق النجاح في عمليتي الهجوم على الثكنتين، لو أمكن اتخاذ المزيد من تدابير الحيطة عند التنفيذ، وكان النجاح في تنفيذهما - لو تحقق - سيدعم من قدرة الثوار، خلال المرحلة الأولى من عمر الثورة. وإذا كان هدف العمليات الأخرى التي نفذت في كل أنحاء البلاد هو الإعلان عن بدء الصراع المسلح، فقد كان هدف العمليتين هو الحصول على الأسلحة التي يتطلبها هذا الصراع. وكان من نتيجة هذا الفشل أن تعرض ثوار القبائل وثوار الجروة للمعاناة المريرة من نقص الأسلحة في أيديهم، منذ الأيام الأولى لانطلاقة الثورة. وليس بالإمكان القول أن فشل العمليتين قد غير من مسار انتشار الثورة وتطورها وفقا لما كان يرغبه قادة الثورة ورجالها. وبات لزاما على قادة الثورة توسيع أفق ثورتهم بضم المناطق وتنظيمها على مهل، وبصورة بطيئة، دوارا بعد دوار، وقرية بعد قرية. وقد أفاد الثوار

стр. 1779

السريون - الماكي - من مجموعة الظروف، لضم المجاهدين الى صفوفهم بصورة انتقائية، وتنظيمهم، حتى امتد تنظيم جبهة التحرير الوطني وجيشها ليغطي كل تراب الوطن. وعلى كل حال، فإن (الجروة) لم تتأخر كثيرا عن اللحاق بركب الثورة، على الرغم من هذا الفشل، وأمكن لها الاضطلاع بدورها، حتى إذا ما جاء مؤتمر الصومام (في ٢٠ آب - أغسطس - ١٩٥٦) كانت (الجروة) قد نجحت في تصحيح الأوضاع، ووضع الأمور في نصابها الصحيح. أما بالنسبة للمجموعة التي أغارت على ثكنة (بوفاريك) فقد أصبح لزاما عليها بعد فشلها في تنفيذ مهمتها، السير طوال الليل للابتعاد عن مسرح العملية. وكان السير شاقا عبر الحقول وفي الأراضي الوعرة، كما كان أفراد المجموعة يجهلون الطريق المؤدي الى نقطة الإزدلاف (الاجتماع). وهكذا فإنهم لم يصلوا الى (الصومعة) حتى شروق الفجر، ومن هناك، استقل أفراد المجموعة مركبة نقلتهم الى (برج المنايل). وتعرض أفراد المجموعة في بعض مراحل الطريق لخطر الوقوع في قبضة الدرك الذين أقاموا الحواجز على الطرق للتأكد من هوية المسافرين، وإلقاء القبض على (الخارجين على القانون) وقبل الوصول الى (برج المنايل) بما يعادل ساعتين من السير، نزل أفراد المجموعة من مركبتهم، وتوجهوا سيرا على الأقدام نحو منزل (العم أحمد) الذي كان يشرف على تدريبهم خلال مرحلة ما قبل الثورة. وقد عمل (العم أحمد) على تكليف أحد رجاله (واسمه لونس عمروني - وهو يعيش حياة الثورة منذ سنة ١٩٤٧) بمرافقة رجال

стр. 1780

المجموعة، والسير بهم فورا وبدون إعطائهم أية فترة للراحة، حتى الوصول معهم إلى (قروشة الأربعاء) حيث الغابة الكثيفة التي أظلت الثوار، وهناك، التقت المجموعات كلها، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الثوروي. و- الولاية الأولى في معركة التحرير (١) بدأت الاستعدادات العسكرية للثورة منذ أوائل ربيع سنة ١٩٥٤ حيث كان القائد (مصطفى بن بولعيد) يقوم بالاتصالات مع أعضاء المنظمة الثورية في بقية أنحاء الجزائر، يعاونه في جهوده (بشير شيحاني)، في حين كان الحاج الأخضر ورشيد بو شمال) يعملان على تجنيد الشبان المناضلين الذين عرفوا بماضيهم المشرف. فكان يتم قبول هؤلاء المناضلين وتنظيمهم في خلايا عسكرية، بعد وضعهم تحت امتحان دقيق للتأكد من تصميمهم على الجهاد، وصلابة إيمانهم، وقوة إرادتهم. وكان من مهمة (الحاج الأخضر وبو شمال) نشر الوعي الثوري في أوساط الشعب، واختبار مدى استعداد الرأي العام لقبول الثورة، وتنمية الاتجاه الثوري الذي أخد في النمو والانتشار بين جماهير الشعب على أثر قيام الصراع المسلح في تونس والمغرب. وقد استقبلت مناطق الجزائر كلها استقبالا حماسيا مشجعا زيارات

стр. 1781

(الحاج الأخضر وبو شمال) مما كان يزيد من عزيمتهما ويشد من أزرهما ويدفعهما لتطوير العمل الثوري. ويذكر الحاج الأخضر ذلك فيقول: (كنا نتحدث مع المجاهدين عن مستقبل الجزائر، ونتعرض للظروف المتوافرة والمناسبة لقيام الثورة، ولم نكن نصرح لهم بدهيا بأننا نستعد للقيام بالثورة، ولكننا نشير إشارات بعيدة، فيها من الغموض أكثر مما فيها من الوضوح. فنجد الناس يتساءلون عن سبب عدم إندلاع نار الثورة، ويطالبوننا بالعمل المباشر. وكنا نقدم التقارير الى الأخ- الشهيد- مصطفى بن بو العيد - نؤكد فيها استعداد الشعب للجهاد، وتأييده للعمل الثوري). توافر بنتيجة الجهود المبذولة عدد من خيرة المقاتلين الأشداء، فتم عقد اجتماع للقادة في شهر تموز - يوليو - ١٩٥٤. تقرر فيه توزيع الخلايا العسكرية على جهات معينة من منطقة الاوراس. وطلب الى كل مجاهد انضم الى جيش التحرير الوطني تقديم مبلغ (١٦) ألف فرنك من أجل شراء بندقية له. وكانت القيادة قد بدأت بجمع السلاح، غير أنه لم يتم توزيعه على المقاتلين، وإنما كان يتم نقله الى جبال الأوراس حيث الغابات الكثيفة تؤمن غطاء جيدا لممارسة التدريب العسكري، وإتقان الرمي واستخدام السلاح. وبينما كانت عمليات نقل الأسلحة مستمرة بفترات متباعدة الى الأوراس، كانت المناورات العسكرية وأعمال التدريب مستمرة أيضا، حتى جاءت ليلة الثورة. وكان المسؤولون في التنظيم قد أعلموا بالموعد قبل أيام قليلة، وعندما تم إعلام المجاهدين بالوقت المحدد للبدء بالأعمال القتالية، اجتاحتهم

стр. 1782

الحماسة، وأظهروا استعداد كبيرا لتقديم التضحيات بالغة ما بلغت. كما أظهروا إدراكا عميقا لأهمية اللحظات الحاسمة التي كانوا يعيشونها. فكانوا يلتزمون بالتعليمات والأوامر وينفذونها بسرية تامة. لقد وهبوا أنفسهم لقضية وطنية مقدسة، ووضعوا ثقتهم في قادتهم المؤمنين الصادقين، وتركوا لهم مهمة الإعداد السري للثورة، وقبلوا تنفيذ كل ما يطلب إليهم تنفيذه بدون مناقشة، ومن غير أن يسألوا عن الهدف أو القصد منه، أو عن موعد العمل المباشر، أو غير ذلك من الأسئلة التي قد تحرج المسؤولين أو تعرض الثورة لخطر مدمر- والثورة لا زالت في بداياتها الأولى. انطلقت الخلايا الثورية الأولى نحو أهدافها المحددة، وهي مسلحة بالإيمان العميق ومحاطة بجو من التنظيم الدقيق والسرية المطلقة والتصميم العنيد. وكان المجاهدون قد وزعوا على الجهات المختلفة، فاتجه ثمانون منهم الى (فم الطوب)، وذهب خمسون الى ناحية (أريس)، واستقر سبعون آخرون في (غابة كامل). وقام خمسة وثلاثون بالهجوم على (بطنة)، وكان النجاح حليفا لهذا الهجوم، حيث قتل للعدو سبعة جنود وأصيب ثلاثة آخرون بجروح. ونجح هجوم (فم الطوب) أيضا حيث احتلتها قوات الثورة لمدة ستة أيام وغنمت منها تسعة بنادق حربية. وفي الوقت ذاته، وهوجمت أريس وخنشلة وتازولت وقلس وغيرها من جهات أوراس الشاسعة. وواجهت قيادة الثورة منذ البداية مجموعة من الصعوبات الضخمة.

стр. 1783

فقد بدأت الثورة مع بداية فصل الشتاء. ولم تكن الظروف المناخية تسمح للمجاهدين بتوسيع آفاق الثورة، غير أن هذه الظروف المناخية كانت بدورها عاملا مساعدا على نجاح الثورة؛ ذلك لأنها أعاقت تحرك الأرتال الضخمة للقوات الإفرنسية، وأعطت لقادة الثورة متسعا كافيا من الوقت لإعداد والتنظيم. لقد كان الشك يراود جماهير الشعب في بداية الأمر بقدرة الثورة على الصمود والاستمرار، فإذا ما استطاعت الثورة المحافظة على وجودها لأكثر من ثلاثة أشهر، وتمكنت في الوقت ذاته من تطوير صراعها ضد الإفرنسيين طوال هذه المدة، فعندئذ ستقتنع جماهير الشعب بالقوة الحقيقية للثورة، وستتوافر لديها القناعة والثقة بقدرتها على النجاح. وعلى هذا الأساس، فقد كانت الظروف الطبيعية والمناخية أفضل عامل مساعد على إحباط كل المحاولات والمشاريع التي وضعتها السلطات الاستعمارية لتدمير الثورة، والقضاء عليها وهي لا زالت غضة العود في مهدها. أصبحت الثورة مع بداية العام ١٩٥٥، راسخة الجذور في قلب الشعب، وتعاظم عدد المجاهدين في صفوف الثورة. وأقبل المواطنون على التطوع بوفرة هائلة في (جيش التحرير الوطني) ودعمه بالأسلحة والذخائر والأموال والتبرع له بكل ما يمتلكونه. وكان من نتيجة ذلك أن أصدر القائد (مصطفى بن بولعيد) أوامره إلى المجاهدين بتوسيع مناطق العمليات، والاتصال بالأخوة المجاهدين في الولايتين الثانية والثالثة. وتم تأمين الإتصال فعلا، وتنسيق التعاون، بين (ولايات الجهاد الثلاث). وانتشر جند الثورة في جميع أنحاء الولاية الأولى، وأرسل ثلاثون مجاهدا الى

стр. 1784

منطقة الجنوب الصحراوي فوصلوا الى (وادي سوف) واستقبلتهم جماهير الشعب بحماسة رائعة، وانطلق الدعاة في الأسواق العامة ومناطق التجمع، يحرضون الناس ويدعونهم للجهاد في سبيل الله. وحدثت اشتباكات مع القوات الافرنسية عند حدود الصحراء، تكبد فيها العدو خسائر فادحة تزيد على خمسماية جندي. واستطاعت قيادة الثورة في الشمال تنظيم خلايا ثورية قوية ومتينة (في مدن: العيون وباريكا ومدوكال) وساها من المدن الواقعة على أطراف الولاية، وأصبح الإتصال بالولايات المجاورة منتظما ومستمرا، كما تم الوصول شرقا الى الحدود التونسية. بذلك، ومع بداية العام ١٩٥٥، بلغت الولاية حدودها الحالية التي تتبع شمالا خط السكة الحديدية القادمة من سوق أهراس الى سطيف، وتنزل غربا نحو (برج بو عريريج - المسيلة) المتقاطعة مع طريق (بو سعادة) وتوازي شرقا الحدود التونسية، وتمتد جنوبا الى أطراف الصحراء الكبرى. وقد أصبحت هذه المنطقة تحمل اسم (الولاية الأولى) منذ أن تم استخدام أسماء الولايات بدلا من المناطق، في أثر مؤتمر الصومام (في ٢٠ آب - أغسطس - ١٩٥٦)، وقسمت الولاية الأولى إلى ست مناطق رئيسية. من بينها منطقة كبرى محررة تحريرا تاما هي المنطقة الثانية الواقعة الى الغرب من (جبل شيليا) والتي تمتد فيها غابة كامل (كمبل) على مساحة مربعة طول ضلعها ثمانون كيلو مترا. وهذه المنطقة محرمة على القوات الإفرنسية التي لم تكن قادرة على الاقتراب منها إلا بعمليات ضخمة، وبقوات كبيرة يزيد عدد أفرادها على عشرين أو ثلاثين ألف جندي. (الأمر الذي دفع القيادة الإفرنسية لتنظيم

стр. 1785

حملة مرة في كل سنة لتمشيط هذه المنطقة). وقد بقيت المنطقة باستمرار قاعدة صلبة للثورة، تنتشر فيها القوات العسكرية للثورة، ويلجأ إليها أعداد المدنيين الكبيرة ليعيشوا فيها ضمن إطار ظروف صعبة بسبب الهجمات المستمرة للطائرات الإفرنسية على أماكنهم، وبسبب فقر المنطقة في الموارد الاقتصادية، وإن كانوا قد نجحوا في حراثة الأرض - بمساعدة جند جيش التحرير وزراعتها ببعض الحبوب والخضار. لقد هرب هؤلاء المدنيون من جحيم القمع الوحشي للإفرنسيين والتجأوا الى قواعد الثورة بالرغم من كل المصاعب التي كانت تعانيها حياة هذه القواعد. وكانت فرحتهم لا توصف وهم يعيشون حياة النظام التي صنعها لهم جند جيش التحرير في تلك المناطق البائسة. فقد عمل جيش التحرير على بناء المنازل لإيواء اللاجئين، ونظم لهم مدارس الأطفال، وأمن لهم تنظيما صحيا يضمن العلاج للجميع. وفي بقية المناطق الأخرى التي تتمركز فيها القوات العسكرية الافرنسية (وخاصة في منطقة بطنة) نظم الثوار أعمالهم للقيام بهجمات مستمرة بلغ معدلها الوسطي خمسة عشر هجوما في الشهر، مع تنفيذ هذه الهجمات. بمجموعات صغرى من الأفراد واجبهم الاشتباك مع قوات العدو بالنيران - مناوشة - ووضعها دائما تحت شعور التهديد بالخطر، وحرمانها من الراحة والأمن. وشجعت هذه الأعمال الناجحة قوات الثورة، فتعاظم حجم أفواج الفدائيين، وتزايد عدد زمر التدمير، التي استطاعت تنفيذ عمليات رائعة بتسلسلها إلى قلب المدن والمراكز الإفرنسية، وتدميرها لموارد العدو الاقتصادية، وإعدامها للخونة وعملاء

стр. 1786

السلطة الإفرنسية وقادة الاستعماريين. ولم تمض فترة طويلة حتى بات الشعب كله وهو منظم في خلايا وأفواج تنظيما سياسيا وعسكريا، يتوافق مع متطلبات جبهة التحرير الوطني، ويستجيب لتنظيم جيش التحرير الوطني. وأصبح هناك مجالس للشعب في كل دشرة (أو دسكرة) وفي كل قرية ومدينة. وأظهرت جماهير الشعب حماسة لا نظير للتطوع في الجيش، غير أن النقص في الأسلحة أعاق عملية تطويع كل الراغبين في حمل السلاح. لقد نضج الشعب على لهيب الحرب، وأصبح أكثر استعدادا لاحتمال أعظم التضحيات، ورافق ذلك تعاظم في مستوى الوعي الثوري، وبلغ هذا الوعي، من العمق والقوة، ما جعله قادرا على مجابهة التحديات مهما عظمت، وتجاوز الصعوبات مهما اشتدت. وكان دليل ذلك هو فشل كل وسائل الضغط والارهاب في إضعاف مقاومة الشعب الجزائري، وكذلك فشل محاولات فصل جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني عن الشعب. لقد استخدمت أجهزة الاستعمار الافرنسي وسائل كثيرة، وطبقت أساليب متنوعة، تلتقي كلها عند هدف واحد هو إبادة الشعب الجزائري بطرائق منهجية. وكان في جملة ما طبقته للوصول الى هذا الهدف، حشد الشعب في معسكرات اعتقال أطلق عليها اسم (مراكز التجمع). ويمكن تقسيم هذه المراكز الى قسمين رئيسيين، قسم قريب من الطرق العامة والأراضي المنبسطة (السهلية). وهذا القسم هو الذي كان يتم عرضه على رجال الصحافة والمحققين والباحثين من الأجانب وغيرهم، ولذلك بذل

стр. 1787

الجيش الإفرنسي عناية خاصة بنزلاء هذا القسم من المراكز، فأمن للنزلاء المساكن المقبولة، وحدا أدنى من متطلبات الحياة، ليتظاهر بأنه لا يرمي من إقامة هذه المراكز إلى إبادة الشعب الجزائري. أما القسم الآخر، فيشمل المراكز البعيدة، وهي تشكل الأكثرية المطلقة لهذه المراكز، وتمثل الحياة فيها أشد أنواع البؤس، وأقسى صنوف الشقاء، مما يصعب وصفه أو الإحاطة به. ومثال ذلك، أن السلطات الاستعمارية كانت تحشر في المركز خمس عشرة أو ست عشرة عائلة كبيرة في غرفة واحدة؛ هي عبارة عن كوخ؛ لا يضمن لساكنيه ونزلائه أي وقاية ضد البرد والمطر. وانتهى الأمر بمعظم هؤلاء الى الإصابة بمختلف الأمراضا المستعصية، علاوة على ما كان يعانيه المعتقلون من الجوع. والتعذيب، وانتهاك الأعراض، وكل أنواع الضغوط المادية والمعنوية، التي سلطها عليهم جند الجيش الافرنسي. ولم تتوقف السلطات الاستعمارية عند هذا الحد، بل تجاوزته الى تعميم عمليات (تعقيم) الشباب من ذكور وإناث، لمنع الشعب الجزائري من التكاثر والتناسل، كوسيلة في جملة وسائل إبادة الشعب الجزائري. لم تضعف مقاومة الشعب الجزائري بالرغم من كل هذا العذاب المسلط على رقابهم، فأخذ المواطنون في حض الجيش على المزيد من المقاومة، وتحريضه على الصبر والثبات. وكانت النسوة في مراكز التجمع يرفضن التحدث الى نساء (القوم). ولا يقبلن زيارتهن أو الذهاب معهن لجلب الماء. كما كان الأطفال ينشدون الأناشيد الوطنية، ويغنون الأغاني الحماسية، على الرغم من الأمراض التي كانت تنخر في أجسامهم الغضة الطرية. وكان

стр. 1788

هؤلاء الأطفال - البؤساء الجياع- يقلدون في ألعابهم مجاهدي جيش التحرير، فينظمون الكتاب والسرايا، ويسخرون من الجنود الإفرنسيين ويتوعدونهم بالموت على أيدي جنود جيش التحرير الوطني - كان من نتيجة هذه المعاملة الإفرنسية، أن أخد المواطنون في البحث، من داخل هذه المراكز، عن كل وسيلة للفرار نحو الجبال، وكانوا يفضلون أن يهيموا على وجوههم بلا مأوى، وبدون طعام، على أن يبقوا في مراكز التجمع، معرضين للموت البطيء، ولكل أنواع العذاب والذل والهوان مما كان يسلط عليهم جند الاستعمار. ولم يقف جيش التحرير مكتوف الأيدي أمام خطة الاستعمار لإبادة الشعب الجزائري. فكونت الولاية الأولى على سبيل المثال: تنظيما صحيا لتأمين علاج أفراد الشعب يشرف عليه ثلاثة أطباء. كونوا بدورهم جهازا ضم عددا كبيرا من الممرضين والممرضات. وكان جيش التحرير يلتقط الفارين من هذه المراكز، ويبعث بهم الى المناطق المحررة حيث يجدون فيها ما يحتاجونه من العناية الصحية والرعاية الاجتماعية. وفي الوقت ذاته، كانت مجالس الشعب في القرى والمدن توزع المساعدات على المحتاجين، وضحايا القمع الاستعماري. وإذا كانت خطة الجيش الإفرنسي هي إبادة الشعب الجزائري، فقد جاءت خطة جبهة التحرير لتعمل على صيانة الشعب وحمايته وتنظيم حياته الاجتماعية، وإذكاء روح الصمود والمقاومة في صفوفه. وأصبحت السلطة الحقيقية في الجزائر كلها وهي محكمة في قبضة جبهة التحرير، حتى أن عددا كبيرا من المعمرين

стр. 1789

(الكولون) كانوا يدفعون للجبهة الاشتراكات والتبرعات، ويقدمون المواد التموينية للجيش. وبصورة عامة، فإن الشعب الجزائري، قد عاش تجربة الجهاد التي كونته تكوينا جديدا، فأصبح مؤمنا بمصيره الحر وبمستقبله المشرق. ز - الثورة في ولاية وهران (١) ولاية وهران، أو الولاية الخامسة، وهي تمتد من البحر الأبيض المتوسط شمالا، إلى أقصى جنوب الجزائر، وتمتد من حدود المغرب الأقصى الى الحدود الإدارية لعمالة الجزائر شرقا. وهي تمثل ثلث مساحة القطر الجزائري. وتشمل ثماني مناطق عسكرية. وقد نظمها المجاهد الشهيد (محمد العربي بن مهيدي) بمعاونة (بوصوف) وبعض المجاهدين الآخرين الذين استشهد بعضهم وسجن بعضهم الآخر. وكانت الولايات حينذاك تدعى (بالمناطق). ولم يبدأ العمل في منطقة وهران، منذ أول تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤. إذ استطاع العدو، مع بداية الثورة، تدمير الفرق الصغيرة والخلايا التي كانت منظمة حينذاك. ومضت فترة بعد ذلك من إعادة تنظيم الخلايا، والاستعداد السري، وتجنيد الشباب ممن عرف عنهم الصدق في وطنيتهم والإخلاص لمبادئهم، وبماضيهم المشرف في الصراع ضد الاستعمار، وبعملهم الدؤوب في نشر الوعي الوطني والثوروي في وسط جماهير الشعب. وقد أظهرت جماهير (وهران) في هذه الفترة حماسة رائعة للقيام

стр. 1790

بالعمل العظيم الذي سيبقى خالدا في تاريخ الثورة الجزائرية، وهو العمل المعروف باسم (معركة جبل عمور). ... وقعت (معركة جبل عمور) يوم ٢ تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٥٦. وشارك فيها خمسمائة جندي من جيش التحرير الوطني، في حين كانت القوات الإفرنسية تضم آلاف المقاتلين. وقد استمرت المعركة أسبوعا كاملا، وكانت نتيجتها قتل ١٣٧٥ جنديا افرنسيا، من يينهم ٩٢ ضابطا، دفنوا في (تاهرت) وإحراق ٨٢ سيارة (ج. م. س) وجيب. وحصل الثوار على أسلحة وفيرة وبكميات هائلة، حتى كان كل جندي من جنود جيش التحرير يحمل معه أربعا أو خمسا من البنادق. كما أسقطت عدة طائرات حربية فرنسية. ولم يخسر المجاهدون في المعركة سوى أربعين شهيدا. وذلك لأن المجاهدين أفادوا من عنصر المباغتة، بقدر ما أفادوا أيضا من الموقع الطبيعي لميدان القتال، حيث الجبال المنيعة والأراضي الوعرة. ... لقد بدأت قصة هذه المعركة عندما مرت كتيبة من كتائب جيش التحرير بقرية بدوية، وعلمت من سكانها أن قوات فرنسية ضخمة كانت تسير نحو القرية، فانسحبت الكتيبة نحو الجبل القريب من القرية. ووصلت القوات الإفرنسية، وعاثت فسادا في القرية المحرومة من كل وسائل الدفاع. وارتكبت فيها أنواع الفظائع والمنكرات والمحرمات، ونكلت بالمواطنين، فقررت الكتيبة
следующие страницы →