← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

غير أن التجربة التاريخية تعود لتؤكد (قوة الأصالة الإسلامية) وقدرتها على تجاوز كل التحديات. وفي الواقع، عملت الجزائر المجاهدة على حفظ (التجربة التاريخية) والتدقيق فيها، وأقبل كتاب المغرب العربي الإسلامي ومؤلفوه، وكتاب الجزائر منهم بصورة خاصة على إعداد ثروة ضخمة من الكتب والمنشورات الدورية والبيانات والإحصاءات، والهدف من ذلك الإبقاء على جذوة الجهاد المتقدة، وحماية (الأصالة الثوروية) من الضياع. غير أن الجهد المبذول يفتقر إلى التعميم من جهة، ويفتقر إلى سهولة المأخذ من جهة ثانية. ومن هنا ظهرت الرغبة في التعريف (بالحروب الثوروية الإسلامية) من خلال كتيبات تسهم في تعريف أبناء المشرق العربي الإسلامي بتراث المجاهدين الخالدين في المغرب العربي الإسلامي. وتساعد في الوقت ذاته أبناء المغرب العربي- الإسلامي على تطوير المعرفة العربية (ضمن إطار حرب التعريب) التي تقودها الجزائر ومعها أقطار المغرب العربي الإسلامي. وبعد، فقد يكون من المحال الإحاطة بكل جوانب التجربة التاريخية لجهاد الجزائر خاصة والمغرب العربي- الإسلامي عامة، وإن هي إلا محاولة في جملة محاولات (المحافظة على أصالة التجربة العربية الإسلامية، والإفادة من خيراتها الرائعة. والله أسأل التوفيق بسام العسلي

стр. 212

أبرز الأحداث على المسرح الإسلامي

стр. 213

السنة ... الهجرية ... السنة الميلادية ... وجيز الأحداث

стр. 214

السنة الهجرية ... السنة الميلادية ... وجيز الأحداث

стр. 215

أبرز الأحداث على المسرح العالمي

стр. 216

السنة الهجرية السنة ... الميلادية ... وجيز الأحداث

стр. 217

أبرز الأحداث على مسرح الجزائر

стр. 218

السنة الهجرية ... السنة الميلاي ... وجيز الأحداث

стр. 219

﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (سورة التوبة - الآية ١٢٣). الفصل الأول ١ - الجزائر المجاهدة. ٢ - الموقف على الجبهة الإسلامية في المشرق: آ - معركة ليبانتي ١٥٧١ م. ب - الجهاد على الجبهة الأوررية. ج - تمرد جنبلاط وفخر الدين المعني. ٣ - الموقف على جبهة الأندلس.

стр. 220

١ - الجزائر المجاهدة أصبحت الجزائر مؤهلة لمجابهة كل عدوان، فهي تمتلك قدرات قتالية رائعة، ولها أسطولها الحربي المستقل ولها إدارتها الذاتية، وإن لم تكن قد عرفت بعد الحدود المميزة بينها وبين جارتيها في المشرق والمغرب. وقد ألقى ذلك عليها واجب قيادة الجهاد في سبيل الله في المغرب العربي الإسلامي كله ذلك هو الوضع الذي كانت عليه الجزائر بعد تلك الجهود الضخمة والتضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب في المغرب الأوسط تحت قيادة (خير الدين بربروس) وبالتعاون معه حتى أبعد الحدود، ولكن قبل أن يمضي (خير الدين) إلى جوار ربه سبقه رفيق جهاده ونائبه على الجزائر (محمد حسن آغا). وعلى أثر ذلك أصدر السلطان سليمان القانوني قراره بتعيين (حسان) الإبن الوحيد لخير الدين بربروس، واليا على الجزائر، وكان ذلك وفاء لما قدمه خير الدين من الجهد للإسلام والمسلمين، واستجابة لرغبة الجزائرين. وبرهن (حسان خير الدين) أنه جدير بالثقة التي منحها له الجزائريون، فتولى قيادة الجهاد في سبيل الله، بكل ما ورثه عن أبيه من كفاءة وتجربة، وبكل ما توافر له من العزم والتصميم والإخلاص. وقد جابهته منذ بداية عهده في الولاية قضية (تلمسان)، حيث كان حاكمها (أبو زيان- أحمد الثاني) قد تولى الملك بدعم من إدارة

стр. 221

الجزائر، واعترف بالوحدة مع الجزائر. غير أنه ما لبث أن خضع للمؤامرات الخارجية وانساق في تيارها وأخذ في التقرب من الإسبانيين والإبتعاد عن أهله وأبناء دينه الجزائريين. وأدى ذلك قبل كل شيء إلى تدهور علاقاته مع قومه وأعوانه في تلمسان الذين ما لبثوا أن قرروا خلعه عن العرش ومبايعة أحد إخوته (الحسن). فتوجه (أبو زيان) إلى (وهران) طالبا الدعم من الإسبانيين، مقدما لهم التعهدات بأن يحافظ على إخلاصه وتبعيته لهم. وقرر حاكم وهران (الكونت د. الكوديت) اغتنام هذه الفرصة، فجهز جيشه، وانضمت إليه جموع الخاضعين للإسبانيين من (بني عامر وفليته وبني راشد- وعلى رأسهم قائدهم المنصور بن بوغانم) وتقدموا إلى تلمسان لإبعاد ملكها الحسن وإعادة تنصيب (أبو زيان) على عرش المدينة. وما أن علم (حسان خير الدين) بتحرك الجيش الإسباني وحلفاؤه من وهران، حتى قاد الجيش الإسلامي، وانطلق من الجزائر في محاولة للسيطرة على محاور التحرك ومنع الإسبانيين من الوصول إلى هدفهم. وبذلك يتمكن من دعم حليفه الملك الحسن في تلمسان، وذلك في شهر آب - أغسطس - ١٥٤٧. اصطدمت قوات المسلمين بالقوات الإسبانية عند بلدة (عربال) الواقعة على بعد خمسة وعشرين كيلو مترا إلى الجنوب من وهران (وإلى أسفل البحيرة المالحة). واستعد الطرفان للمعركة، ولكن قبل وقوع الاشتباك بوغت (حسان خير الدين) بخبر وفاة أبيه، وأعقب ذلك موجة من الذهول والاضطراب اجتاحت المغرب الإسلامي، وخشي (حسان) أن يؤدي ذلك إلى ظهور أحداث خطيرة في عاصمة الدولة، فقرر العودة فورا إلى الجزائر، ونظم قواته، وانسحب في اتجاه (مستغانم). وأدرك (الكونت د. الكوديت) سبب هذه الحركة إذ كان

стр. 222

قد عرف بدوره خبر وفاة (خير الدين بربروس) وما أحدثه ذلك من الشعور بالفراغ المريع، فقرر بدوره اغتنام حده الفرصة، ومطاردة (حسان) على أمل تحويل عملية الانسحاب إلى هزيمة لقوات المسلمين تساعده على احتلال (مستغانم). غير أن (حسان) وصل إلى مستغانم بكامل قوته، في الوقت الذي استولى الإسبانيون على (مازغران) دونما قتال. وفي (مستغانم) عقد (حسان) مؤتمرا مع القادة من أهل المدينة والمجاهدين فيها. وتقرر الدفاع عن المدينة، وصد العدو عنها مهما بلغ الثمن، ومهما تطلب ذلك من جهد وتضحيات. وتوجه الرسل من (مستغانم) لاستنفار العرب واستقدام قوة الحامية المدافعة عن تلمسان. ووصلت القوات الإسبانية إلى أمام أسوار (مستغانم) حيث احتدم القتاد طوال ثلاثة أيام متوالية، ولما لم يكن الإسبانيون يتوقعون مثل هذه المقاومة، فقد أصيبوا بخيبة أمل مريرة، غير أن ذلك لم يضعف من تصميمهم على احتلال المدينة وأدى ذلك إلى تصعيد حدة القتال. وأثناء ذلك، كانت حامية تلمسان قد انطلقت للجهاد، وانضمت إليها جموع المجاهدين، ووصلت هذه القوات إلى ميدان المعركة يوم ٢١ - آب (أغسطس) فحدث نوع من التوازن في القوى. وقام الإسبانيون بهجوم قوي على المدينة، وأمكن هم خمس مرات رفع راياتهم فوق بعض أسوارها. وكان المجاهدون في كل مرة يقومون بهجوم مضاد يطردون فيه الإسبانيين من المواقع التي يحتلونها، ويسدون الثغرات التي تظهر في مواقعهم الدفاعية. واستمر الصراع المرير حول (مستغانم) أسبوعا كاملا. وعرف (الكونت د. الكوديت) أنه أخطأ في تقدير الموقف. وأنه لا قبل له فى الاستمرار بخوص معركة تستنزف قوته في حين كانت قوات المسلمين تتعاظم باستمرار.

стр. 223

وقرر رفع الحصار والعودة بقواته إلى قاعدته (بوهران) وبدأ بتنفيذ الانسحاب بعد عروب شمس يوم ٢٨ آب- أغسطس-. غير أن قادة المجاهدين قرروا عدم إتاحة الفرصة للإسبانيين للقيام بانسحاب منظم. فقاد (حسان خير الدين) قوات المسلمين المكونة من (١٥) ألف من المشاة و (٣) آلاف من الفرسان، وأخذ في مطاردة القوات الإسبانية خلال كل مرحلة من مراحل تحركها، وتضييق الخناق عليها باستمرار. وسيطر الذعر على القوات الإسبانية من جراء هذه المطاردة العنيفة. وحاول قائدها جمع الفارين من جيشه والقيام بهجوم مضاد لإيقاف مطاردة قوات المسلمين، غير أن جنوده كانوا يفكرون بالفرار أكثر من تفكيرهم بخوض المعركة. ولهذا كان الهجوم المضاد ضعيفا. ولم تتمكن القوات الإسبانية من الوصول إلى وهران إلا بعد جهود مضنية. وأفاد (أبو زيان) من بقاء تلمسان دونما حامية تدافع عنها، فهاجمها برجاله واستولى عليها وأعاد حكمه إليها. رجع (حسان) إلى عاصمته (الجزائر) واستقر فيها، وأخذ في الاستعداد لمتابعة الجهاد الداخلي من أجل بناء الجزائر وتوحيدها، ومن أجل تطوير أعمال الجهاد الخارجي ضد الأعداء. وكان هدفه الأول هو استعادة (تلمسان) وتحريرها من عميل الإسبانيين (أبازيان). خلال هذه الفترة كان المغرب الأقصى (مراكش) يشهد تطورات حاسمة على أيدي (الأشراف السعديين) (١) الذين أخذوا

стр. 224

على عاتقهم تحقيق أمرين عظيمين: أولهما إنقاذ المغرب الأقصى من البرتغاليين. وثانيهما إنقاذ المغرب الأقصى من الانهيار الداخلي الذي وصلت إليه البلاد تحت حكم بني وطاس (المرينيين). وأقبل الشعب في المغراب الأقصى على دعم السعديين لتحقيق هذه الأهداف وقيادة حركة الجهاد. فأمكن للسعديين بذلك خوض مجموعة من المعارك والأعمال القتالية التي انتهت بتحرير السواحل المغربية من أيدي البرتغاليين. ولم تقبل سنة (١٥٤٠) حتى أمكن لهم إخراج البرتغالين نهائيا من مقاطعة الدوكالة بكاملها. ومع هذه الانتصارات الخارجية، كان السعديون يمهدون لإقامة ملك جديد على أنقاض (الملك المريني المنهار) وجعلوا من مدينة (مراكش) عاصمة لهم. وما إن استقر مؤسس دولة السعديين (محمد المهدي- أبو عبد الله الشيخ) في (مراكش) حتى انصرف لبناء جيش قوي ضم إليه المقاتلين من أبناء المغرب كله. وكان يتابع التطورات في البلد المجاور (الجزائر) فعز عليه استيلاء الترك عليه، باعتبارهم غرباء عن هذا الإقليم، وكان يقبح على أهله وملوكه أن يتركوهم يغلبون على بلادهم. وفي الوقت ذاته كان يخشى ما يقوم به زعيم الوطاسيين (أبو حسون) من تحريض للبرتغاليين والإسبانيين ضد بلاده، والانطلاق في العدوان من (تلمسان) فقرر الاستيلاء عليها وعلى المغرب الأوسط بكامله (الجزائر). وفي سنة (١٥٠٠ م) وجه جيشا قويا بقيادة ابنه (الشريف محمد الحران) بمهمة الاستيلاء على تلمسان. وتولى بعد

стр. 225

ذلك تجهيز جيش آخر انطلق به (من فاس) لإحكام الحصار على تلمسان وإخضاعها. غير أن أهل تلمسان قاوموا عملية الحصار بضراوة، واشتبكوا مع قوات السعديين مرات كثيرة قتل أثناءها (الحران) بن (الشريف محمد) والذي اشتهر بكفاءته القيادية العالية وشجاعته. وبعد حصار دام تسعة أشهر، أمكن للشريف محمد اقتحام تلمسان وكان ذلك يوم الإثنين الثالث والعشرين من جمادي الأولى سنة سبع وخمسين وتسمائة للهجرة (١٥٥٠ م) وأخرج الأتراك منها، وامتد حكمه ليشمل الإقليم التابع لها حتى (وادي شلف). كان (حسان خير الدين) أثناء ذلك قد جهز جيشا قويا يضم (٥) آلاف رجل من المجاهدين الجزائريين (من المشاة المسلحين بالبنادق) و (ألف) فارس و (٨) آلاف مقاتل من مجاهدي جبال زواوة (تحت قيادة السيد عبد العزيز سلطان قلعة بني عباس). وغادرت هذه القوة (الجزائر) في سنه (١٥٥٠) وهدفها مدينة (وهران) لانتزاعها من قبضة العدو الإسباني، واستثمار النصر الذي تم إحرازه عليها تحت أسوار (مستغانم). علم (حسان خير الدين) وهو في طريقه إلى (مستغانم) بأن قوات السعديين قد احتلت تلمسان ومستغانم، وأنها تتابع تقدمها نحو مدينة الجزائر، وقد وصلت في طريقها إلى مجرى (نهر الشلف). وعند ذلك، تم تشكيل قوة جزائرية تولى قيادتها (حسان قورصو) وتوجه بها فورا إلى مجرى (نهر الشلف) حيث التقى بقوات السعديين ودارت رحى معركة ضارية، انتهت بهزيمة السعديين، واستثمر (حسان قورصو) النصر بأن وجه قوة بسرعة إلى (مستغانم) أمكن لها إخراج السعديين منها. وتابعت القوات الجزائرية تقدمها في اتجاه المغرب الأقصى. غير أن (الشريف محمد المهدي) شكل جيشا يضم

стр. 226

(٢٠) ألف مقاتل بمجرد عودته من المعركة. وأسند قيادة هذا الجيش إلى ابنه (الشريف عبد القادر) بمهمة إيقاف تقدم الجزائرين. واصطدمت القوتان عند حدود المغرب (بجوار قبة سيدي موسى). وتلقى المجاهدون من (زواوة) الصدمة الأولى، ثم تبعهم بقية الجيش الجزائري. ودارت معركة قاسية خاضها الطرفان بعناد، وانتهت بمصرع قائد الجيش السعدي (الشريف عبد القادر) وتراجع جيشه إلى ما وراء نهر الملوية. وعادت القوات الجزائرية بعد ذلك إلى (تلمسان) التي بقيت بدون حاكم لها، فتم تنصيب الأمير الحسن بن عبد الله الثاني ملكا عليها. غير أن هذا الملك كان ضعيفا، فتولى ممارسة السلطة الفعلية فيها القائد العثماني (في سفطة). واكتفى الملك بالانصراف إلى حياته الخاصة التي لم تكن (فاضلة) مما أثار الشعب عليه واجتمع مجلس العلماء فأعلن خلعه (سنة ٩٦٢ هـ = ١٥٥٤ م) وأعلن (صالح رايس) يومئذ نهاية دولة بني زيان وانضمام تلمسان نهائيا إلى دولة الجزائر. أما الملك السابق (أحمد الثالث) الذي أبعده الأشراف السعديون عند احتلالهم تلمسان، والذي ساءت سيرته بسبب اعتماده على الإسبانيين في حكم (تلمسان) فإنه مات في وهران. كان سلطان المغرب الأقصى (الشريف محمد المهدي) قد عمل عند احتلاله لمدينة فاس (سنة ٩٥٦ هـ) على إلقاء القبض على كل الوطاسيين من أبناء (بني مرين) وأرسل بهم مقيدين بالأغلال إلى مدينة (مراكش) وكان لهم أنصارهم (بصورة خاصة من النازحين الأندلسيين) فساءهم ما لقيه هؤلاء من سوء المعاملة، وكان آخر ملوكهم (أبو حسون) قد نجا بنفسه، وأخذ بالدعوة لشخصه ولبني وطاس المرينيين. ولما وقعت الحرب بين المغربيين والجزائريين في معركة

стр. 227

(نهر الشلف) وعلم السلطان سليمان القانوبي بذلك ساءه وقوع الحرب بين المسلمين. فأرسل وفدا من كبار العلماء يرأسه الفقيه الشخ أبو عبد الله محمد بن علي الخروبي (الطرابلسي الأصل الجزائري المستقر) بمهمة توطيد السلام. ووصل هذا الوفد إلى مدينة (مراكش) وفاوض سلطان المغرب (الشريف محمد المهدي) باسم السلطان سليمان حول النقاط التالية: أولا: اعتراف السلطان العثماني بالاستقلال التام لدولة المغرب مقابل اعتراف هذه الدولة بالخلافة العثمانية، جمعا لوحدة المسلمين، وذلك بالدعاء للخليفة العثماني على المنابر. ثانيا: إطلاق سراح المقيدين المنكوبين من (بني وطاس المرينيين) والتخفيف من ضائقتهم، إذ لا يجوز شرعا أن يغل جماعة من المسلمين. ثالثا: تحديد الحدود بين مملكتي الجزائر والمغرب الأقصى. وطال النقاش حول هذه النقاط، ولم يوافق سلطان مراكش السعدي على الاعتراف بخلافة آل عثمان على المسلمين، كما لم يقبل تدخلهم في أمر بني وطاس، غير أن وساطة العلماء أسفرت عن اتفاق حول الحدود الفاصلة بين دولتي المغرب والجزائر، من ساحل البحر إلى بداية الصحراء. وهي الحدود التي ما زالت كما هي حتى اليوم، وكانت سنة (٩٦١ هـ = ١٠٥٣ م) هي بداية تحديد (حدود دولة الجزائر ككيان مستقل). انصرف (حسان خير الدين بربروس) بعد ذلك إلى تحقيق أهداف ثلاثة: أولا: جمع وحدة البلاد، وإرساء قواعد الدولة على أسس

стр. 228

راسخة، وتحصين الثغور استعدادا لمجابهة كل عدوان. ثانيا: تحرير المدن الجزائرية التي احتلتها القوات الإسبانية وأقامت حاميات فيها، وخاصة بجاية ووهران. ثالثا: بعد تطهير وهران، قيادة المجاهدين في سبيل الله من أبناء المغرب العربي الإسلامي ودعم بقايا المسلمين، في الأندلس، لقهر الإسبانيين في بلادهم، وإقامة دولة إسلامية جديدة، حيث كانت تقوم مملكة غرناطة من قبل عهد قريب. ونجح (حسان خير الدين) في تحقيق هدفه الأول بسرعة مذهلة، بفضل ما عرفه الجزائريون وأبناء المغرب من إخلاص واليهم وصدقه وحسن سياسته. وقسم المملكة إلى مقاطعة غربية، ومقاطعه جنوبية ومقاطعه عامة. وأطلق على كل مقاطعة اسم (بايليك) ووضع على رأسها حاكما يدعى (الباي) أما المقاطعة العامة فهي (دار السلطان) وتشمل الجزائر وما حواليها، وتحكمها الإدارة المركزية مباشرة. وباي الشرق مركزه قسنطينة. وباي الغرب مركزه (وهران- بعد فتحها) وقد استقر موقتا بمازونة وبمعسكر. أما باي الجنوب، فمركزه مدينة المدية. ويحكم الشعب شيوخ منه، تحت إمرة ونظر البايات ويدعى هؤلاء الشيوخ (شيوخ الوطن). وهم: (شيخ وطن بني خليل، وشيخ وطن بني موسى، وشيخ وطن يسر، وشيخ وطن سباو، وشيخ وطن بني جعد، وشيخ وطن بني خليفة، وشيخ وطن حمزة، وشيخ وطن السبت، وشيخ وطن عرب، وشيخ وطن بني مناصر، وشيخ وطن الفحص - متيجة). وأظهر حسان خير الدين اهتمامه الكبير بتحصين الثغور، وقد استخلص من مجموعة التجارب القتالية السابقة أن (كدية الصابون)

стр. 229

تشكل موقعا استراتيجيا هاما، حيث كانت القوات الاسبانية الصليبية تعمل في كل مرة على احتلال هذا الموقع المشرف على مدينة الجزائر-من خلفها- وحيث تستطيع مدفعية العدو تدمير الجزائر إذا ما أمكن لها احتلالها. ولهذا أمر ببناء معقل منيع، وحصن شامخ يرتفع فوق تلك الربوة التي تعلو مائتي متر تقريبا عن سطح البحر (١) ثم أخذ في الاستعداد لتنفيذ الهدف الثاني وهو تحرير وهران وتلمسان. انتهج (حسان خير الدين) سياسة مضادة لكل الدول الأجنبية، بما فيها فرنسا التي كانت ترتبط بالسلطنة العثمانية بروابط رسمية جيدة، ساعدت فرنسا على الإفادة من الحريات الاقتصادية الواسعة التي منحتها لها معاهدتها مع استامبول والتي شملت كل بلاد السلطنة العثمانية غير أن (حسان خير الدين) لم يلتزم بذلك، وأعلن عن عدائه لفرنسا في مناسبات كثيرة، فما كان من فرنسا إلا أن أرسلت سفيرها المعتمد في استامبول إلى الجزائر، بهدف معرفة المدى الذي سيصل إليه (حسان) في عدائه لفرنسا، وفيما إذا كان هذا العداء سيؤثر على العلاقة الاقتصادية ما بين فرنسا والجزائر. واجتمع سفير فرنسا بالأمير (حسان) وعرض عليه تقديم مساعدات عسكرية- الأسطول والرجال - لتنفيذ مشروعه في غزو إسبانيا ونجدة مسلمي الأندلس. لكن (حسان) رفض هذا العرض، وأعلن بصراحة أن قضية الجهاد هي قضية خاصة بالمسلمين، فأكد بذلك القاعدة الثابتة (وهي عدم

стр. 230

موقع المغرب العربي الإسلامي من العالم

стр. 231

الانتصار بكافر على كافر). ورجع السفير الإفرنسي إلى إستامبول، وأفاد من نفوذه الواسع للتأثير على رجال الديوان، وأوغر صدر السلطان بقوله: (إن السلطة الواسعة المطلقة التي يمارسها حسان، ومحاولاته توسيع مملكته ستحطم وحدة الدولة العثمانية وتهدد كيانها بالانقسام). فقرر الديوان السلطاني دعوة (حسان) إلى إستامبول لمجابهته بالأمر ومعرفة نواياه السياسية ومدى مطامعه. وغادر حسان مدينة الجزائر موقتا. وخلفه على ولاية الجزائر في نيسان - أبريل- سنة ١٥٥٢ م ذلك القائد الشهير (صالح رايس).

стр. 232

الجزائر عند ظهور الأتراك العثمانيين

стр. 233

٢ - الموقف على الجبهة الإسلامية في المشرق: ذلك هو الموقف على ساحة المغرب العربي الإسلامي، في بداية تكون دويلاته المستقلة، والتي أصبحت خاضعة (بصورة رسمية) للخلافة العثمانية، ووقع عبء الجهاد على العالم الإسلامي في شرقه ومغربه. وهكذا وبينما كانت الجزائر تبني قدرتها الذاتية لما فيه قوتها وقوة العرب المسلمين، كانت الإمبراطورية العثمانية تخوض صراعا مريرا على كل جبهاتها وبصورة خاصة على جبهتها الأوروبية وفي البحر الأبيض المتوسط وكان أسطول الجزائر ينضم إلى الأسطول العثماني عند وقوع أي معركة بحرية، كما كان الأسطول العثماني يسرع لنجدة الجزائر في كل مرة تتعرض فيها للعدوان. وقد وضع (خير الدين بربروس) أساس هذه السياسة الاستراتيجية وترك للإمبراطورية أسطولا قويا. وعلى الرغم من المعاهدة التي عقدت مع النمسا في شباط - فبراير - ١٥٦٨ م، فقد استمرت البندقية في أعمالها العدوانية متخذة من قبرص قاعدة لها وتمكن (اليهودي يوسف ناسي) الذي كان أثيرا عند السلطان (سليم الثاني ١٥٦٦ - ١٥٧٤) من إقناع السلطان بضرورة شن الحرب على البندقية بعد أن امتنعت هذه من تنفيذ ما طلبه السلطان إليها. وتمكنت الجيوش العثمانية من احتلال قبرص دون كبير عناء. وكان أسطول (البندقية) يرابط في تلك

стр. 234

الأثناء على شواطىء كريت في انتظار النجدة تأتيه من الغرب. غير أن هذه النجدة لم تصل في حينها. آ - معركة ليبانتي: عند ذلك هب البابا وأعوانه لتدارك هذا الموقف بكل الوسائل الروحية والمادية. فأمر قداسته بقرع الأجراس والنواقيس، كل يوم ظهرا، لاجتماع الأتقياء في الكنائس والتضرع إليه تعالى أن ينقذ أوروبا من خطر المسلمين. وأرسل البابا سفراءه إلى كل مكان للتحريض على الحرب. وكللت نتيجة مساعيه بالنجاح، فتم عقد محالفة ثلاثية بين البندقية (فينيسيا) وإسبانيا والبابا سنة ١٥٧١ م. بهدف تدمير القدرة البحرية الإسلامية التي باتت تهدد البندقية بصورة خاصة والتي كانت تحتل كور فو وكريت (بالإضافة إلى قبرص التي تم انتزاعها منها). كما اندفعت إسبانيا إلى هذا الحلف على أمل التخلص من تهديد الأسطول الجزائري. واندفعت شعوب البلدان الكاثوليكية المتحالفة لدعم الجهد الحربي. وتطوع الأشراف والأمراء من كل أصقاع أوروبا حتى لم تبق أسرة من أشراف أوروبا ونبلائها إلا ولها من يمثلها في تلك الحملة الصليبية. أرسل ملك إسبانيا (فيليب الثاني) أسطولا من (٢٢) بارجة و (٨) آلاف جندي وبحار بقيادة الأميرال (جان أوستريا). وأرسلت (جنوا) أسطولا بقيادة الأميرال (دوريا) كما أرسلت صقليا ونابولي أسطولا بقيادة الأميرال المركيز (سانت كروز)، وأرسل البابا بدوره أسطوله بقيادة أميراله (أنطونيو كولونيا). وأرسلت فينيسيا أكبر أسطول بقيادة الأميرال (بروفيدينور بربريجو). واجتمعت الأساطيل المتحالفة في مرفأ مسينا في شهر أيلول (سبتمبر) ١٥٧١. وأسندت

стр. 235

معركة ليبانتي الكبرى

стр. 236

قيادة هذا الأسطول الموحد إلى ملك النمسا (دون جوان) حيث بلغ عدد بوارج هذا الأسطول (٢٠٠) بارجة. وكان الأسطول العثماني لا يقل في عدده عن الأسطول المتحالف، غير أن الأسطول الصليبي كان متفوقا في مدفعيته. وقد زادت قوته عندما انصم إليه أسطول الجزائر الذي كان يضم (٤٠) قطعة حربية بقيادة أمير البحر الجزائري. فتوجه هذا الأسطول الإسلامي بمجموعة من الإغارات على سواحل كريت والجزر الإبونية. ودخل خليج (لبانتي - أوناوباقتوس القديمة) يوم ٧ تشرين الأول - أكتوبر -. وتحرك الأسطول الصليبي. فمر بمضيق أتيكا وسينالونيا ورأس ماراتيا، حتى التقى بالأسطول العثماني في مياه (ليبنتو) الواقعة على الشط الشمالي من بر اليونان المحاذي لخليج (كورينث). كان من رأي قادة الأسطول الإسلامي الإفادة من تحصين الخليج وعدم الاشتباك بالأسطول الصليبي غير أن القائد العام (الأميرال علي باشا) صمم على الخروج للمعركة معتمدا على تفوقه (حيث كان عدد بوارجه ٢٣٤ بارجة). ونظم (الأميرال علي باشا) قواته، فوضع بوارجه على نسق واحد - صف - من الشمال إلى الجنوب - بحيث كانت ميمنتها تستند إلى مرفأ ليبنتو، وميسرتها في عرض البحر. وقد قسمها الأميرال علي باشا إلى جناحين وقلب، فكان هو في القلب، وسيروكو في الجناح الأيمن وبقي الجناح الأيسر بقيادة أمير البحر الجزائري (علوش باشا). ومقابل ذلك نظم الأميرال (دون جوان) قواته، فوضع بوارجه على صف (نسق) يقابل النسق الإسلامي. ووضع جناحه الأيمن بقيادة الأميرال دوريا في مقابل (علوش باشا). وأسند قيادة جناحه الأيسر إلى (بربريجو) وأسندت قيادة القلب إلى الأميرال القائد العام

стр. 237

(دون جوان) وترك أسطولا احتياطيا بقيادة الأميرال (سانت كروز). وما أن بدأت المعركة حتى أحاطت بوارج (سيروكو) العثماني بالجناح الأيسر للأسطول الصليبي. وأوغلت السفن الإسلامية بين بوارج الأسطول الصليبي. ودارت معركة قاسية أظهر فيها الطرفان عنادا كبيرا، غير أن المعركة انتهت بتدمير القسم الأكبر من الأسطول الإسلامي. وخسر المسلمون (٢٠) ألف مقاتل في حين لم تتجاوز خسائر الصليبيين (٨) ألاف قتيل. ودمر القسم الأكبر من الأسطول الإسلامي ونجح أمير البحر الجزائري (علوش باشا) في إنقاذ الجناح الأيسر وسفنه الأربعين، وعاد بها إلى الجزائر. غير أن (دون جوان) لم يستثمر هذا النصر، بل إنه لم يهاجم (ليبابني) ذاتها. على الرغم من أن السكان النصارى، في الداخل، كانوا يترقبون ذلك للانقضاض على العثمانيين. وأخيرا انسحب الأحلاف، حتى إذا كانت السنة التالية، صار في مقدور السلطان أن يوجه إلى المعركة أسطولا يكاد يضاهي أسطولهم منعة وقوة. وهكذا فت في عضد البنادقة الذين ظلوا مرابطين في دلماسبا دون أن يحسنوا مركزهم أو يعززوا قواهم، وزايلتهم الرغبة في مواصلة الصراع والنضال، فعقدوا مع العثمانيين معاهدة تنازلوا بموجبها عن قبرص (في آذار - مارس - ١٥٧٣) وأفادت البحرية الإسلامية من تجربة (ليبانتي) فتم تطوير مدفعية الأسطول، حتى أصحت منافسة في عددها وقوتها للأساطيل المعادية (١).

стр. 238

ب - الجهاد على الجبهة الأوروبية: لم يلبث السللطان سليم الثاني أن توفي، وخلفه السلطان مراد الثاني (١٥٧٤ - ١٥٩٥م). وفي عهده قامت القوات العثمانية بأعمالها الهجومية في بلاد القبق (القوقاز) وفتحت (تفليس) وأنشأت قلعة (قارص) في سنة ١٥٧٩. وعزز العثمانيون نفوذهم في جنوبي (الروسيا) ليتخذوا منها مركزا لحملاتهم ضد بلاد الكرج سنة ١٥٨١ وسنة ١٥٨٣. وأصبح بإمكانهم بعد ذلك التدخل في شؤون بولونيا حيث أصبح الملكان البولونيان اسطفان باثوري وسيجموند تابعين للسلطة العثمانية. وعلى الرغم من وقف القتال بهدنة سنة ١٥٨٣، فقد ظلت جمرات الحرب متقدة تحت الرماد، وظل شررها يتطاير بالنزاع المستمر على الحدود النمساوية، إلى أن اشتعلت نيرانها بعد عشر بسنوات، وكان حاكم (البوسنة) قد هزم هزيمة مروعة في حزيران - يونيو - سنة ١٥٩٣ م أثناء إغارة قام بها على (سسد) في بلاد المجر. ولم يكن بد من استئناف الحرب الكبرى. ولكن السلطان مراد الثالث توفي وخلفه ابنه محمد الثالث (١٥٩٥ - ١٦٠٣م) الذي قاد بنفسه قواته ضد حكام النمسا (آل هبسبورغ) وانتصر عليهم في معركة (أكري). ولكن الحرب سارت بعد هذا النصر بخطى وئيدة جدا ثم استمرت

стр. 239

كذلك عقب وفاة محمد سنة (١٦٠٣) وارتقاء ابنه أحمد العرش (١٦٠٣ - ١٦١٧ م) والواقع أن الحظ لم يجر في ركاب العثمانيين إلا عندما انحاز إلى جانبهم الزعيم المجري (بوكسكاي) بعد أن نصب أميرا على (ترانسلفانيا) وهكذا عقد الصلح آخر الأمر بين الفريقين بمعاهدة سيتفاتورك (سنة ١٦٠٦). وشهدت أوروبا حالة من الهدوء النسبي، حتى عهد (السلطان إبراهيم (١٦٤٠ - ١٦٤٨)، حيث استجمع العثمانيون قواتهم لمجابهة التحريض الذي لم تتوقف (البندقية) يوما عن إثارته تحت لواء الصليبية, مع توجيه التهديد إلى بحر إيجه من خلال سيطرة البندقية على جزيرة (كريت). وأدى ذلك إلى إقدام السلطان إبراهيم على إصدار أمر في حزيران (يونيو) سنة ١٦٤٥ باعتقال جميع البنادقة في كل أنحاء الإمبراطورية ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، معلنا بذلك الحرب على البندقية. وقام الأسطول العثماني بمهاجة جزيرة كريت، واحتلال (حانيه) بدون مقاومة. وفي هذه الأثناء كان البنادقة يسعون على غير طائل، في سبيل حمل الدول الأخرى على مساعدتهم للاحتفاظ بمواقعهم في المشرق. وأمكن لهم إحراز بعض التقدم في (دلماسيا). كما استطاعوا في سنة (١٦٥١) دحر الأسطول العثماني عند (باروس). وفي هذه الفترة عرفت الإمبراطورية العثمانية نوعا من التنظيم الشامل , (الذي تولى أمره الصدر الأعظم محمد كوبريلي). وساعد على اتخاذ المواقف الحازمة ضد جيران الإمبراطورية في الشمال، ففي (ترانسلفانيا) (١) أقصى الباب العالي الأمير (جورج راغوجكي) الذي

стр. 240

حاول التمرد على السلطة الإسلامية. وأقام مكانه (الأمير ميخال آبافي). ورفض الإمبراطور النمساوي الاعتراف (بآبافي) بضغط من المجريين. فتهدده الباب العالي بالحرب. وهكذا بعثت في أوروبا فكرة الواجب المشترك الذي يفرض على العالم المسيحي كله العمل من أجل دفع الخطر الإسلامي، وهي الفكرة التي طالما عمل لها البنادقة. واستجاب الملوك لدعوة البابا - بمن فيهم ملك فرنسا لويس الرابع عشر - وذلك من أجل نصرة إخوانه في الدين، على الرغم من صلاته الطيبة بالباب العالي، فحمل الأمراء الألمان الذين يؤلفون عصبة اتحاد الراين (آل هبسبورغ) وكانوا حلفاءه، على أن يضعوا (٢٠) ألف رجل تحت تصرف الإمبراطور الألماني، فأحرجت هذه البادرة بلاط فيينا، الذي كان لا يزال يسعى لتجنب الحرب، ويأمل في مفاوضة العثمانيين. ولكن صبر السلطان ماعتم أن نفد، فأصدر أوامره بالهجوم على المجر في نيسان (أبريل) ١٦٦٣، حتى إذا انتهى العثمانيون إلى أن يهددوا فيينا ذاتها، دعا الإمبراطور اتحاد الراين، بل دعا السويد أيضا، إلى نجدته، غير أن ما تلقاه من دعم وما أحرزه من انتصارين أبرزهما انتصاره على نهر الراب (قرب جبل القديس غونارد) لم يمنعاه من متابعة جهده الباسي فعقد مع العثمانيين الصلح (سنة ١٦٦٥) حتى ينصرف لمناوأة السياسة الإفرنسية. بذلك، أصبح باستطاعة القوات العثمانية إلقاء كل ثقلها في معركة (كريت). وكان البنادفة يتوقعون - بل ينتظرون - وصول دعم من فرنسا، لكن هذه لم ترسل أكثر من بعض الضباط للإلتحاق في خدمة البندقية، وعندما قرر لويس الرابع عشر إرسال حملة تضم (٧) آلاف رجل في صيف

стр. 241

سنة (١٦٦٩) كان الوقت قد أصبح متأخرا. إذ كانت قلعة (قلندية) قد سقطت في قبضة القوات العثمانية منذ يوم ٦ أيلول - سبتمبر - وعقدت معاهدة الصلح التي فرضت على البنادقة الانسحاب من كريت. وعاد العثمانيون لبسط نفوذهم في الشمال الشرقي من بلادهم. وحدث في سنة (١٦٦٨) أن انضوى الزعيم القوقازي (دوروشنكو) تحت لواء العثمانيين (وكان يعمل من قبل لمصلحة التاج البولوني). ولكن الدولة العثمانية لم تطلب إلى بولونيا التنازل عن (أوكرانيا) إلا سنة (١٦٧٢) بعد أن وثقت من عدم تدخل ملك فرنسا لويس الرابع عشر، فلما كان شهر أيلول (سبتمبر) عقد ملك بولونيا (ميخال) معاهدة مع العثمانيين تنازل لهم بموجبها عن (بودوليا وأوكرانيا) وذلك بعد أن فقد قلعة (قامنج) القائمة على الحدود، إثر حصار قصير الأمد. ولكن الماريشال (سوبيسكي) (١) نقض هذه المعاهدة في السنة التالية. فكتب له النصر على العثمانيين عند (خوتين) في ١١ تشرين الثاني - نوفمبر - وعندما توفي الملك ميخال بعد ذلك بقليل، ارتقى (سوبيسكي) عرش بولونيا باسم (حنا الثالث). غير أنه لم يوفق لإحراز أي نصر خلال حملاته التالية، حتى إذا ما حاول عبور نهر (الدنيستر) سنة ١٦٧٦، طوقت قواته عند (زوراونو) (٢)

стр. 242

فاضطر إلى عقد الصلح في تشرين الأول - أكتوبر - تنازل بموجبه عن القسم الأعظم من (بودوليا وأوكرانيا). لم تكد القوات العثمانية تفرغ من صراعها مع بولونيا حتى اندلعت الحرب مع روسيا، ودارت معارك طاحنة انتهت باستيلاء الروس على كييف والمناطق المحيطة بها. واضطرت الإمبراطورية العثمانية إلى عقد صلح في سنة (١٦٨١) اعترفت فيه لروسيا بملكية ما استحوذته من المناطق. ولم يكد العثمانيون يطمئنون إلى استتباب الأمن والسلام في الشرق، حتى حشدوا كامل قوتهم لحرب المجر من جديد. وكان النبلاء المجريون قد اقترحوا على السلطان العثماني إخضاع ما بقي من المجر تحت الحكم النمساوي، مقابل أدائهم جزية سنوية. فجهز السلطان محمد الرابع (١٦٤٨ - ١٦٨٧ م) جيشا سار من بلغراد لقتال الإمبراطور النمساوي في (أيار - مايو - ١٦٨٣) وكان الجيش النمساوي يتوقع الحصول على إمدادات جديدة، فتراجع متمهلا إلى (فيينا). وفي ١٧ تموز - يوليو - حاصر العثمانيون العاصمة بقيادة الصدر الأعطم عمر مصطفى، ولكن جيشا كبيرا ما لبث أن برز من ألمانيا، على الرغم من تهديدات الملك الإفرنسي لويس الرابع عشر. ولقد استطاع هذا الجيش بالتعاون مع الفرق البولونية أن ينرل الهزيمة بالعثمانيين عند (قاهلنبرج) في ١٢ - أيلول - سبتمبر - وأن يحملهم على رفع الحصار عن العاصمة. ومع أن الخلاف ما عتم أن شجر ببين الألمان وملك بولونيا (سوبيسكي) بسبب من مطالب هذا الأخير، فقد وضعت الخطة الرامية لإخراج الأتراك المسلمين من المجر. وفي ٥ آذار - مارس - سنة ١٦٨٤م، وبفضل تدخل البابا، عقد بين الإمبراطور وسوبيسكي حلف انضمت إليه البندقية وهدفه العمل المشترك ضد العثمانيين. ومنيت القوات العثمانية على أثر ذلك بالهزيمة

стр. 243

تلج الهزيمة في المجر. ولم تلبث القوات الجرمانية أن ظهرت أمام أبواب (بودا) في سنة (١٦٨٦) وضربت عليها الحصار. وبعد شهرين اثنين سقطت هذه المدينة، بعد أن بقيت طوال ١٤٥ سنة دعامة الحكم العثماني في المجر. ولم يؤد أحد من أعضاء التحالف الآخرين ما فرض عليه من مهام باستثناء أهل البندقية، ولكن انتصاراتهم اختتمت هي أيضا باحتلال أثينا سنة ١٦٨٧، ليضطروا إلى إخلائها في السنة التالية. وحاول البولونيون أن يستردوا (قامنج) طوال الفترة ما بين سنة ١٦٨٤ وسنة ١٦٨٧، غير أن محاولاتهم أحبطت وفشلت. وفي سنة (١٦٨٧) انضمت الروسيا إلى التحالف للإفادة من قوته في الاستيلاء على شبه جزيرة القرم. غير أن روسيا فشلت أيضا في تحقيق هدفها. أحرزت القوات الصليبية المتحالفة نصرا على العثمانيين في موهاج (موهاكس) (١) سنة (١٦٨٧ م). وعلى إثر ذلك عقد موتمر للعلماء في (آيا صوفيا) وتقرر قرار خلع محمد الرابع وتعيين أخاه (سليمان الثاني ١٦٨٧ - ١٦٩١ م). وعندما زحفت القوات النمساوية على (بلغراد) في ٦ أيلول - سبتمبر - ١٦٨٨ استطاعت الاستيلاء عليها، غير أن القوات العثمانية تمكنت من طردها منها في ٨ تشرين الأول - أكتوبر - (١٦٩٠ م). وفي السنة التالية قاد الصدر الأعظم بنفسه الجيش العثماني، وخاض معركة (سالانكمن) المشؤومة التي قتل فيها الصدر الأعظم (في ١٩ آب - أغسطس - ١٦٩١). تولى عرش السلطنة العثمانية بعد فترة من الاضطراب

стр. 244

السلطان مصطفى الثاني (١٦٩٥ - ١٧٠٣م) فقاد بنفسه الأعمال القتالية في المجر، وتمكن من إنقاذ (طمشوار) (١) غير أنه اصطدم بقوات أمير سافوي (الأمير أوجين) (٢) الذي استطاع الانتصار على جيش السلطان عند زنطه - على نهر (تيس) في ١١ أيلول - سبتمبر (١٦٩٦م). وأفاد القيصر بطرس من انشغال العثمانيين على جبهة الغرب فاستأنف الحرب سنة (١٦٩٥) وتمكن من فتح (آزوف) في سنة (١٦٩٦م). وتدخلت بريطانيا وهولاندا - بالوساطة - للصلح بين العثمانيين والروس. فتم عقد صلح (كارلو ويج) (٣) في ٢٦ كانون أثني - يناير - سنة (١٦٩٩ م).وأرغم السلطان العثماني بموجب هذه المعاهدة على التخلي (لآل هبسبورغ) عن ترانسلفانيا حتى طمشوار، وعن المجر بكاملها تقريبا. وعن القسم الأعظم من (سلوفينيا) (٤)

стр. 245

وكراوتيا. كما أرغم على التنازل للبولونيين عن (قامنج) وجميع ما فتحوه في (بردوليا) وعن أوكرانيا أيضا. كما تنازل للبنادقة عن المورة وعدد من المدن في دلماسيا. وبالتنازل عن (آزوف) للروس، فتحت أبواب البحر الأسود أمام القيصر، بعد أن بقي هذا البحر لعهود طويلة بحيرة عثمانية. كان ملك السويد (شارل الثاني عشر) (١) قد أصبح الآن خصما عنيدا لروسيا، فعمل الباب العالي على التقرب منه، غير أن ملك السويد هزم هزيمة شنعاء عند اصطدامه بالقوات الروسية في معركة (بلتاوا - بلتافا) (٢) فأسبغ السلطان العثماني عليه حمايته في قلعة (بندر) العثمانية. ولكن الباب العالي لم يشرع في الاستعداد لمحاربة قيصر روسيا إلا في أواخر سنة (١٧١٠ م) بعد أن عجز عن الاتفاق معه على عودة (شارل) إلى بلاده. وهكذا اضطر بطرس إلى إيقاف عملياته الحربية في مقاطعة البلطيق، ويعود أدراجه في اتجاه الجنوب. وكاد يقع في الواقع هو وجيشه بكامله في قبضة الجيش العثماني (على نهر البروت) وقدم بطرس غرامة كبيرة حتى سمح له بالتراجع في تموز

стр. 246

- يوليو - سنة ١٧١١م. واضطر إلى إخلاء (آزوف) (١) واعادتها إلى العثمانيين. مع التزامه بدك حصون طيغان (تاغانروغ) (٢) وإزالتها من الوجود. ولقد وافق الباب العالي على هذه المعاهدة من أجل التفرغ لاستعادة ما فقده من مقاطعات فرضتها عليه معاهدة (كارلوويج). وفي سنة (١٧١٤ م) أفاد الباب العالي من الثورة التي نشبت في الجبل الأسود فأعلن الحرب على (البندقية) ولم تمض أكثر من فترة قصيرة حتى أضاعت البندقية كل ممتلكاتها في (المورة) وجزر الأرخبيل. وعاد الإمبراطور النمساوي للتدخل في الحرب. وأحرز الأمير أوجين نصرا على القوات العثمانية في بتروارادين - أو وارادين) في ٤ آب أغسطس - سنة ١٧١٦. ولم يلبث أن فتح (طمشوار) في تشرين الأول - أكتوبر - وهي آخر الحصون العثمانية في الأرض الهنغارية، ليستولي في السنة التالية على (بلغراد) ذاتها. ولكن السياسة الإسبانية في إيطاليا ما عتمت أن اعترضت سبيله الظافر. فاضطر الإمبراطور النمساوي إلى قبول عروض الصلح العثمانية، وفي المعاهدة المعقودة في بازارو ويج يوم ٢١ تموز - يوليو - سنة ١٧١٨، تنازل الباب العالي للإمبراطور عن بلغراد وعن كامل منطقتها إلى مصب نهر الآلوته في الطونة (الدانوب) في حين كان على البنادقة أن يتخلوا عن المورة. كانت روسيا قد أخذت في توسيع حدودها عبر (بلاد الأفغان) و (فارس - إيران) وأدى ذلك إلى الصدام مه الإمبراطورية العثمانية في مرات عديدة. وعند وفاة بطرس الكبير، تولت زوجته (حنه - أو

стр. 247

كاترين) (١) عرش الإمبراطورية الروسية. فوطدت العزم على مواصلة التقدم نحو البحر الأسود وبحر قزوين متبعة في ذلك سياسة زوجها. غير أن الدول البحرية - إنكلترا خاصة - حالت دون هجوم روسيا على الإمبراطورية العثمانية، لأن مصالح تلك الدول تعارضت مع حصول روسيا على توسع جديد. حتى إذا انقضت الاضطرابات البولونية، هاجم الروس العثمانيين في تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٧٣٥م. ولكنهم لم ينتهوا بادىء الأمر إلى أبعد من (آزوف). وحاول الإمبراطور الألماني الذي كان مقيدا بمعاهدة تفرض عليه مساعدة روسيا، أن يتوسط في البداية بين الطرفين المتصارعين، فلم يشارك في القتال إلا في سنة (١٧٣٧ م). ولكن جيوشه منيت بالهزيمة تلو الهزيمة، حتى إذا كانت سنة (١٧٣٩م)، أسلمت (بلغراد) إلى العثمانيين بعد فترة قصيرة من الحصار. وعقدت بعد ذلك مباشرة معاهدة تنازل فيها الإمبراطور النمساوي عن كل المغانم التي ضمنتها له معاهدة صلح (بازاروويج). ومن ثم اضطرت (روسيا) أن توقع معاهدة مع الإمبراطورية العثمانية، غنمت بواسطتها مدينة (آزوف) التي كانت مدمرة تدميرا تاما. وفي سنة (١٧٤٠ م) جدد الباب العالي اعترافه بالحماية الإفرنسية على نصارى الشرق - من الكاثوليكيين - مقابل تأييد فرنسا الديبلوماسي له في هذه الحرب. وكانت هذه هي الثغرة التي أتاحت بعد ذلك الفرصة لكل الدول لبسط حمايتها على المشرق الإسلامي بحجة حماية رعايا النصارى من المذاهب المختلفة. كانت أوروبا خلال هذه الفترة تعيش فترة تشكلها الوطني

стр. 248

والقومي، فوقعت مجموعة من الحروب بين الدول الأوروبية بعضها ضد بعض، وظهر في تلك الفترة بصورة خاصة إمبراطور روسيا (بطرس الكبير) في روسيا و (فريدريك الكبير) (١) في بروسيا الذي خاض حروبه ضد النمسا، ونظرا لأن الإمبراطورية النمساوية كانت تتزعم الدول الكاثوليكية في حربها الصليبية ضد المسلمين، ونظرا أيضا لأن بروسيا كانت تعتبر نفسها (حامية البروتستانتية) فقد حاول فريدريك التحالف مع الإمبراطورية العثمانية ضد العدو المشترك (النمسا)، وإقناع الباب العالي بشن حرب على النمسا أثناء حرب السبع سنوات (المرحلة الثالثة من الحروب السيليزية). وأمكن عقد معاهدة صداقة بين (بروسيا والإمبراطورية العثمانية) في ٢٩ آذار - مارس - سنة ١٧٦١.غير أن السلطان رفض الإشتراك في هذه الحرب التي لم يكن له مصلحة فيها، والتي أفتى العلماء بعدم تأييدها انطلاقا من قاعدة (عدم الانتصار لكافر ضد كافر - طالما أنه لا مصلحة للمسلمين فيها). إن تجنب الإمبراطورية العثمانية الإشتراك في الحرورب الأوروبية، لم يكن ليمنعها من المشاركة في صنع أحداث السياسة الأوروبية، بسبب نشوء المسألة البولونية والتي اصطنعتها روسيا لضمان مطامعها في التوسع نحو أوروبا. وبرزت المسألة البولونية

стр. 249

بصورة خاصة في عهد الإمبراطورة (كاترين الثانية) (١) حيث حاولت هذه الإمبراطورة إضعاف بولونيا، وأظهرت الإمبراطورية العثمانية عدم اهتمام كبير في بداية الأمر، على الرغم من إقدام روسيا على مساعدة الكرج للقيام بالثورة ضد العثمانيين المسلمين، وعلى الرغم أيضا من قيام روسيا بخلق المتاعب والمشكلات في وجه حاكم القرم (خان التتار). وأثناء ذلك بذل حزب الإئتلاف البولوني كل جهوده حتى نجح في إقناع السلطان بضرورة الدفاع عن نفوذه في الشمال الشرقي من بلاده. حتى إذا ما قامت القوات الرومية بتدمير مدينة (يالطة) على حدود (سارابيا) (٢) سارع المفتي إلى الإفتاء بضرورة شن الحرب ضد (روسيا) على الرغم من تعلقه وزملائه رجال الإفتاء بأهداب السلام. بدأت روسيا عملياتها ضد التتار في القرم والذين تولى قيادتهم خان القرم (كراي). واستطاعت القوات الروسية أن تلحق بهم الهزيمة، ثم استولت على (خوتين) بينما كان الجيش العثماني مرابطا في (دوبريجة). وفي سنة (١٧٧٠م) تابعت القوات الروسية تقدمها عبر

стр. 250

(البغدان والافلاق) إلى أن وصلت نهر الدانوب (الطوانه) واحتلت كيليا وبندر وابرائيل، بعد أن أخذت من النبلاء الرومانيين يمين الولاء للإمبراطورة الروسية (كاترينا) وفي هذه الأثناء ظهر في بحر - إيجة - لأول مرة - أسطول روسي عهد إليه مهمة إشعال الثورة في اليونان ودعم الثوار ضد العثمانيين. وهكذا احتل القرصان الإيجيون عددا من المواقع الحصينة في المورة، ولكنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها. وقام الروس بعد ذلك بإضرام النار في الأسطول العثماني (في خليج جشمة) وذلك في شهر تموز يوليو (١٧٧٠م). غير أن الروس لم يستغلوا انتصارهم هذا. فكان أثر هذا العمل العدواني المباغت محدودا. وقامت القوات الروسية بهجوم جديد في سنة (١٧٧١م) فأمكن لها تحقيق نصر كبير باستيلائها على (برقوب) وإخضاع شبه جزيرة القرم. وقامت (بروسيا والنمسا) بالوساطة وتم عقد هدنة بين الطرفين تنازل السلطان العثماني مصطفى الثالث (١٧٥٧ - ١٧٧٣م) عن جميع مطالبه في بولونيا. غير أنه لم يتم الاتفاق بين الطرفين بشأن موضوع الحصون القائمة على البحر الأسود. وأعاد العثمانيون في هذه الفترة تنظيم قواتهم، وأمكن لهم صد القوات الروسية في البلقان. وأرغموا الروس على رفع الحصار عن (سلسترة) و (فارنا) والانسحاب في أواخر سنة ١٧٧٣ عبر الدانوب. ثم توفي السلطان مصطفى عندما كان يعتزم قيادة الجيش بنفسه لتدمير جيش روسيا. وخلفه أخوه عبد الحميد الأول (١٧٧٣ - ١٧٨٩). فوجه القوات بقيادة الصدر الأعظم (محسن زاده) الذي وقع في كمين نصبه له الروس عند (شملا) وفرقوا جيشه، فاضطر إلى طلب الهدنة. وتم التوقيع على معاهدة للصلح بين الفريقين في (كوجك قينارجه - جنوبي سلسترة) بتاريخ ٢٢ تموز - يوليو - ١٧٧٤م.
следующие страницы →