← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المعادي لفرنسا صعبا للغاية. أعد (غى موليه) عملية الهجوم على قناة السويس، وأوصى بالقيام بها ضد مصر، معتقدا بأن هذه العملية ستصيب الثورة الجزائرية في جذورها وأصولها. ولكن العملية الإفرنسية - البريطانية - الإسرائيلية كانت سيئة الإعداد جدا من الناحية السياسية، كما أخضعتها القيادة البريطانية من الناحية العسكرية لخطة بطيئة جدا، وانتهت هذه المغامرة على ما هو معروف بسبب تدخل الأمريكيين والسوفييت معا، وكانت فشلا سياسيا مثيرا، انعكس على صفحة الثورة الجزائرية بصورة فورية، فزال التوتر الذي سيطر على الموقف خلال اليوم الأول للإنزال في السويس، وانطلت الثورة بقوة دفع جديدة، بعد أن اكتسبت هيبة مؤكدة. بدأت الثورة مرحلة جديدة مع بداية سنة ١٩٥٧، فقد عرفت قيادة جبهة التحرير الوطني ما تتمتع به ثورتها من أهمية دولية. كما أدركت بعمق ضعف السياسة الإفرنسية في قلب العاصمة الإفرنسية. فتابعت نشر عملها السياسي على امتداد الصفحة الجغرافية للجزائر؛ وأخذ جهدها يتركز الآن على ثلاثة اتجاهات: ١ - استخدام الجزائر العاصمة ميدانا للإثارة، فضاعفت أعمال الإرهاب المضاد للإرهاب الإفرنسي. ٢ - إبراز الكيان السياسي للجزائر على المسرح الدولي، واتخاذ جبهة التحرير صفة الحكومة الشرعية. ٣ - ممارسة العمل السياسي والعسكري في فرنسا بهدف إحداث انقسام في الرأي العام الإفرنسي تجاه قضية (الحرب الجزائرية). وإزاء هذا العمل، حاولت الحكومة الإفرنسية التي عينت (الجنرال سالان) في الجزائر، حل المسألة الجزائرية بالوسائل العسكرية، وبإعطاء العسكريين السلطات التي تتمتع بها قوات الأمن. وتلقت فرقة

стр. 1857

المظليين العاشرة التي عادت من عملية السويس مهمة إعادة الأمن في الجزائر العاصمة، وقسمت البلاد إلى مربعات، وجمعت المسلمين في القرى. وقد برهنت هذه التدابير على عقمها وعدم جدواها. إذ تزايدت الصعوبات أمام الفلاحين ودفعتهم أعمال الإرهاب لتطوير جهادهم وكفاحهم. وكان هذا العمل غير الكامل، غير كاف بنفس المقدار أيضا، لأنه أهمل الطابع الدولي للصراع إهمالا تاما. وكان الوهم السياسي الذي أصرت عليه فرنسا هو: (أن الجزائر جزء لا يتجزأ من الأرض الوطنية الإفرنسية) وأن منظمة الأمم المتحدة، أو أية منظمة دولية أخرى لا علاقة لها بهذه الحرب (باعتبارها مشكلة داخلية تخص فرنسا وحدها). وبذلك لم تجد فرنسا من يدافع عنها في الخارج. واستثمرت قيادة جبهة التحرير الوطني هذا الموقف إلى أبعد الحدود، فانفردت بكل الامتيازات التي يتطلبها التحرك على المستوى الدولي. في هذا الوقت بالذات تركز الاهتمام السياسي على الجزائر العاصمة حيث نشبت معركة قاسية بين مجاهدي جبهة التحرير ومظليي (ماسو). وأعطى وجود الصحافة الدولية في الجزائر لكل ما جرى أصداء دولية واسعة، إذ كان لا بد لأساليب التعذيب الوحشية، وطرائق القمع البربرية من أن تستنفر الرأي العام العالمي وتستفزه، وقد وصلت الاستثارة حدا قسمت فيه الرأي العام الإفرنسي ذاته. واعتبارا من هذه اللحظة، أصبح لجبهة التحرير الوطني أنصارها ومؤيدوها في الأوساط الإفرنسية. وتمزقت الوحدة الوطنية الإفرنسية تمزقا رهيبا لم يلتئم حتى بعد انتهاء الحرب. ومع هذا فقد ربح المظليون معركة الجزائر العاصمة، وأعادت عمليات (سالان) بوسائله التي عززت في ذلك الوقت درجة معينة من الأمن في الريف.

стр. 1858

وظهر بعض الاضطراب في عمل جبهة التحرير، فظن الافرنسيون أن ذلك بداية الهزيمة للثورة. لكن الجبهة كانت في هذه المفترة قد أخذت في تطوير عملها في تونس والمغرب. وسمحت لها معونة الحكومتين المستقلتين لهذين البلدين الشقيقين، بأن تشكل نواة جيش نظام - هو جيش التحرير الوطني - والعمل على تطويره بفضل الأسلحة التي تسلمتها الجبهة من تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي. وانتقل الاهتمام العسكري من جديد إلى الحدود التي حاولت فرنسا تحويلها إلى حدود مغلقة بإحكام بواسطة تجهيزات دفاعية تجمع بين الشبكات الكهربائية ورادارات الكشف. وتم إنشاء خط موريس في الشرق، وخط آخر لم تطلق عليه أية تسمية في الغرب، كانا يقومان بتحديد تسلل قوات جيش التحرير الوطني. وأصبح هذان الخطان مسرحين لمعارك دموية ضارية. وكان الإغراء يدفع الإفرنسيين للتحرك الى تونس والمغرب لتدمير قوات جيش التحرير الوطني. ولكن ضغط الرأي العام الدولي منعهم من القيام بهذا العمل. وتطور جيش التحرير في حمى هذه المحرمات إلى أن شكل قوة هامة أصبحت فيما بعد أداة سيطرة جبهة التحرير الوطني على الجزائر، ومصدر سلطة العقيد (الهواري بومدين). وفي الوقت ذاته، شكلت جبهة التحرير الوطني حسب سياق (نقلته عنها الفيتكونغ فيما بعد) حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية. وهكذا حصلت جبهة التحرير على كل الواجهة الدولية للثورة - كما حصلت على الجهاز الضروري لإدارة البلاد. خلق هذا التدهور في الموقف، بالرغم من النجاحات الواضحة جدا في المجال العسكري، استياء متزايدا في وسط الجيش الإفرنسي الذي أحس بحرمانه من جهوده التي بذلها. ووقعت في

стр. 1859

غضون ذلك حوادث خطيرة، مثل حادثة (بازوكا الجزائر) (*) و (قضية فور) (**) فكشفت عن وجود شر يستفحل أمره. وفي (أفريل - نيسان - ١٩٥٨) أدت بعض الرمايات التي قام بها جيش التحرير الوطني من الأراضي التونسية - على حد زعم السلطات الإفرنسية - إلى قيام القوات الإفرنسية بإغارة جوية على (ساقية سيدي يوسف) الواقعة على الحدود التونسية. وأثارت هذه القضية، التي أثيرت بصورة رائعة، انفعالا خطيرا في منظمة الأمم المتحدة وفي فرنسا ذاتها. وتقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بعرض وساطتها (للتدخل الودي والمصالحة) وأرسلت سفيرها (مورفي) إلى تونس. فهب الجيش الإفرنسي، وثار الرأي العام الأوروبي في الجزائر، وتحولت الجزائر العاصمة الى مسرح للتظاهرات الشعبية العنيفة. ولم يتمكن الجيش من السيطرة عليها إلا بعد جهد مضن. وفي العاصمة الإفرنسية، تحركت الحكومة بلا خطة أو هدف، وهي على ما هي

стр. 1860

عليه من احتمال تدخل الجيش الإفرنسي في الجزائر ضدها. وانهارت الجمهورية الرابعة. ... تم استدعاء الجنرال ديغول لاستلام السلطة في الجمهورية الخامسة، وكان (ديغول) يظن أن باستطاعته حل (القضية الجزائرية) بتسوية ليبيرالية مشرفة. غير أنه كان يمتلك من الإحساس السياسي ما حمله على رفض الصيغة التي ختمت (١٣ ماي - أيار) بصورة عفوية وتلك الصيغة هي أن (الجزائر إفرنسية). وكان (ديغول) يعرف أن (هضم الجزائر وتمثلها) الذي ربما كان ممكنا قبل عشرين عاما، قد تجاوزته الأحداث الآن، وأن على فرنسا أن تقدم تنازلات واسعة؛ ولكي يحصل على التسوية التي يتصورها، فإنه اعتمد على الضغط العسكري للعمليات، فعاد من جديد لممارسة الاستراتيجية السابقة. إلا أن (١٣ ماي - أيار) قد أعطى كل السلطات المدنية لجيش الجزائر. وكانت نتيجة هذا الموقف الجديد بالنسبة لمعظم القادة - الجنرالات - هي تحول عملهم عن المهام العسكرية. عين ديغول (الجنرال شال) مكان (الجنرال سالان) على أمل الحصول على نصر عسكري حاسم، يسمح له بتنفيذ التسوية السياسية. وأعلن عن هذه التسوية بتصريحات واضحة جدا عن (حق تقرير المصير الذاتي) و (سلم الشجعان) وذلك في (سبتمبر - أيلول - وأكتوبر - تشرين الأول ١٩٥٨). وبدأ الجنرال شال سلسلة من العمليات العسكرية الكبرى، التي طارد فيها الفلاحين حتى مخابئهم وملاجئهم. ووجدت قيادة جبهة التحرير

стр. 1861

صعوبة كبرى في المحافظة على قواعدها، والاحتفاظ بقوات ضخمة، فقسمت قواتها إلى مجموعات صغرى انتشرت في كل الولايات. وظن ديغول أنه بات يسيطر على (٩٥) بالمائة من الجزائر. ووقف ينتظر استسلام الحكومة المؤقتة لإرادته وكان انتظاره هذا مشابها تماما لانتظار نابليون على أبواب موسكو سنة ١٨١٢. فقد رفضت حكومة الجزائر الخضوع لمنطق القوة، واستمرت في إصرارها التام على رفض عروض ديغول. ووقف الرأي العام العالمي إلى جانبها، يدعمها ويشد أزرها. وهكذا حصل ديغول على النصر العسكري غير أنه لم يحقق أبدا هدفه السياسي. لقد أدى هذا التطور إلى وضع ديغول أمام مأزق حرج، فقد بدأ القلق ينتاب الرأي العام الإفرنسي في الجزائر، وجزءا من الجيش الإفرنسي، بسبب السياسة الليبيرالية التي حاول ديغول تحقيقها بطرائق ملتوية لإخراج فرنسا من الوحل على حد زعمه. ونجم عن هذا الوضع سلسلة من الحوادث التي تفاقت حدتها وخطورتها: فالحواجز أو المتاريس التي أقيمت في العاصمة - الجزائر - تشير إلى طلاق (الجزائر الإفرنسية) من الحكومة. ووجدت الحكومة الإفرنسية نفسها وهي مرغمة على مهادنة جبهة التحرير الوطني، أو حتى دعمها، للقضاء على التظاهرات التي اجتاحت المدن، الأمر الذي عزز من هيبة الجبهة ودعم من مكانتها. وأعيد (الجنرال شال) إلى فرنسا بعد أن انتهب مهمته العسكرية. وسمحت هذه الضمانات أخيرا بالبدء في مفاوضات (مولان) وأعقبها خطاب ألقاه (ديغول) تحدث فيه عن (الجمهورية الجزائرية). وكان التطور قد أصبح الآن تاما. بيد أن ديغول لا زال يأمل أيضا بأن تسمح التسوية السياسية

стр. 1862

النهائية بإنقاذ ما يمكن إنقاذه لتحقيق بعض المكاسب، والمحافظة على المصالح الإفرنسية كما كانت من قبل. كانت هذه السياسة ليبيرالية بأكثر مما كان يتوقعه الإفرنسيون من ديغول، ولهذا فقد خابت آمالهم في الجزائر، كما خابت آمال الجيش الذي جعل من جبهة التحرير الوطني وجيشها الهدف الأساسي لعدائه، واشتد التوتر في الجزائر. وانفجر المأزق عن الانقلاب الذي دبره القادة - الجنرالات في الجزائر العاصمة. وكانت عملية هذا الانقلاب قد أعدت بصورة سيئة. ونفذت باستخفاف ورعونة، فكان الفشل الحتمي مصيرها. غير أنها نجحت في شيء واحد، وهو تمزيق الجيش الإفرنسي تمزيقا لم يعرفه من قبل. وزاد الموقف سوءا بظهور حركة (منظمة الجيش السري) التي لم تكن في واقعها إلا ترجمة سيئة ورديئة لطرائق الحرب الثورية. وقد شنت هذه الحركة حملة إرهاب عنيفة وحمقاء، زادت من تدهور الموقف بين الإفرنسيين والمسلمين الجزائريين. ووجدت حكومة ديغول نفسها مرغمة على وضع حد نهائي للفوضى والاضطراب، فعادت إلى استئناف المفاوضات (في إيفيان). واعترفت باستقلال الجزائر، وسيطر جيش التحرير الوطني على البلاد، وتجمعت القوات الإفرنسية في الموانيء والمطارات، وبدأت بتنفيذ عملية الجلاء. كما غادر الإفرنسيون المقيمون في الجزائر البلاد، على أمل إرباك البلاد الجزائرية وهي في فجر استقلالها. غير أن حكومة الجزائر تمكنت من تجاوز العقبات. وانهار البناء الذي عملت فرنسا على إقامته طوال (١٣٢ عاما). وباشر أبناء الجزائر في تضميد جراحهم وبناء حياتهم

стр. 1863

الجديدة. وعادت المآذن مضيئة ترتفع فيها دعوات الخير - والله أكبر. ... لقد حاول الكتاب الغربيون - والافرنسيون منهم خاصة - تحليل التجربة الجزائرية، وتعليل أسباب (الفشل الإفرنسي) وجاؤوا بافتراضات كثيرة، منها - على حد زعمهم - ضعف القوات الإفرنسية في بداية الثورة، وسوء إدارة الحرب، وفشل القيادات السياسية في معالجة المواقف المتتالية، ولكن الحقيقة الأولى التي كانت سبب الفشل في الواقع هي أن (الاستعمار ذاته هو الذي يحمل في جوف نظامه بذور مصرعه) أما الحقيقة الثانية والتي لا تقل في أهميتها عن الأولى فهي (تصميم شعب مؤمن بالله الواحد القهار، وبحقه في الحرية والكرامة والسيادة واستعداده لتقديم التضحيات مهما بلغت للدفاع عن دينه والذود عن حياضه؛ فكان في ذلك نصره وهزيمة أعدائه).

стр. 1864

٣ - جيش التحرير الوطني الجزائري لقد ولد جيش التحرير الوطني الجزائري مع ولادة الثورة، وتطور مع تطورها، واكتسب قوته من قوتها. فصلب عوده من خلال الصراع المسلح. وبقي هو العمود الفقري للثورة، فلولاه لما كان لأي مجهود سياسي جدواه أو فائدته. وقد بدأ جيش التحرير عمله في بداية الثورة على شكل مجموعات منعزلة، لا تنسيق بين عملياتها، وكانت تفتقر إلى الأسلحة والذخائر والأعتدة القتالية، الأمر الذي دفعها إلى تركيز هجماتها ضد القوات الإفرنسية بحثا عن الأسلحة والذخائر، وقد دفعت ثمن ذلك غاليا من دماء مجاهديها وأرواحهم. وبقي الأمر على ذلك حتى شهر آب (أغسطس) ١٩٥٦ حيث أعيد تنظيم الجيش وفقا لمقررات موتمر (وادي الصومام). فقسمت الجزائر إلى ست ولايات، طبقا لتقسيماتها الإدارية السابقة، مع بعض الاختلاف في الحدود أحيانا بين التقسيمين، وتبعا لاختلاف النشاط في كل منطقة. وقد ضمت إلى الولايات الخمس الأصلية، ولاية الصحراء الجديدة. كما اعتبرت مدينة الجزائر منطقة مستقلة ضمن الولاية الرابعة، بسبب وضعها الخاص. وتم في العام ١٩٥٧ تنظيم قاعدتي الشرق والغرب على كل من الحدود التونسية

стр. 1865

والمغربية، بهدف تأمين وصول الأسلحة والرجال من المنطقتين وإليهما. قضى مؤتمر الصومام بتقسيم كل ولاية إلى مناطق، والمنطقة إلى أقاليم، والإقليم إلى قطاعات. وفي كل مركز قيادة للجيش (قائد سياسي - عسكري) يعاونه ثلاثة مساعدين، أحدهم للشؤون السياسية والثاني للعسكرية والثالث للمخابرات والارتباط. ويكون القائد على صعيد الولاية برتبة عقيد (كولونيل) (*). وهي أعلى الرتب العسكرية التي سيستخدمها الجيش حتى الاستقلال. وتم في مؤتمر وادي الصومام تقسيم وحدات الجيش إلى أفواج يضم الواحد منها أحد عشر جنديا، وفرقا تضم الواحدة منها خمسة وثلاثين جنديا، وكتائب تضم الواحدة مائة وعشرة جنود، وفيالق تضم ثلاثمائة وخمسين جنديا. وقرر المؤتمر أن يتبنى الجيش نظام الدرجات العشر الموجودة بين المجاهدين في القبيلة، وهي تبدأ بالعريف وتنتهي بالعقيد. وتم تنظيم الرواتب على درجات تبدأ بألف فرنك في الشهر للجندي العادي، وتنتهي بخمسة آلاف للعقيد. ولكن ثمة كثيرين من المجاهدين لا يتقاضون رواتب. وقرر المؤتمر أيضا، تخصيص علاوات للعائلات، ومنح رواتب لأسر الشهداء، أو في حالات الأسر. كتبت صحيفة ٥ المجاهد، في نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٧

стр. 1866

(وهي الناطقة باسم جبهة التحرير، عن الجيش، فأكدت المخطط العام الذي وضعه مؤتمر (وادي الصومام) ثم قالت: (إن جيش التحرير هو جيش منظم ومسلح على أحدث طراز. لكن سر قوة الجيش وفعاليته، تقوم بصورة رئيسية في العون غير المشروط الذي يتلقاه من الشعب). وهناك ثلاث فئات من المتطوعين في الجيش وهم: ١ - المجاهدون. ٢ - المسبلون (*). ٣ - الفدائيون وهم الذين يحاربون في المدن. وهناك في بعض المناطق فئات (المغاوير، أو فدائيو الموت) ويعمل هؤلاء بصفة مستقلة عن القيادات المحلية ويتولون القيام بمهام خطرة. وكان الجيش قد أقام في العام ١٩٥٧، عددا من الخدمات المركزية، كالخدمة الطبية بما تشتمل عليه من عيادات ومستشفيات وخدمات الاتصال مع القيادات الأخرى، والخدمات الاجتماعية لأسر الضحايا والشهداء، والدعاية والإعلام والثقافة، كما وسع نشاط المفوضين السياسيين. وفي غضون العام ١٩٥٨، تحول جيش التحرير الجزائري بصورة طبيعية وتدريجية إلى جيش نظامي عامل، من غير أن يفقد روحه الثورية.

стр. 1867

كانت القيادة تقبل في صفوف الجيش، عند بداية الثورة، كل من يقبل على التطوع، ولكن هذه الفئات الأولى لم تلبث أن اختفت تحت وطأة ما تكبدته من الخسائر الفادحة. وغدا التطوع يقوم على أساس الانتقاء، مع إعطاء الأفضلية لمن اكتسبوا من قبل خبرة قتالية - عسكرية -. وكان التدريب العادي على أساليب القتال والنظام يجري ضمن الوحدات نفسها. أما الإعداد العسكري العالي للضباط والجنود، فكان يتم في المسعكرات الخاصة بذلك في القطرين المجاورين (تونس والمغرب). وكان يتم إرسال بعض الشبان للتدريب على الأعمال الخاصة (كأعمال الفدائيين، أو قيادة الطائرات النفاثة، أو الهندسة العسكرية، أو قيادة القطع البحرية) إلى القاهرة أو بغداد أو ألمانيا الشرقية أو دمشق. كان من أبرز مظاهر (تنظيم الجيش) وضع القوانين العسكرية للانضباط والقضاء العسكري التي أصبحت سارية المفعول في الولايات اعتبارا من شهر (أفريل - نيسان - ١٩٥٨) وحدد القانون الجديد العقوبات للجنح والجرائم (أنظر قراءات ١ و٢ في آخر الكتاب). شهد عام ١٩٥٨ تحسنا أيضا في وسائل المواصلات، على الرغم من أن التنقلات ظلت على الغالب مقصورة على السير (المشي)، أو امتطاء البغال، أو ركوب السيارات المدنية في المناطق الأمينة. وتم تنظيم شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية، وأصبح بإمكان القيادة في كل ولاية أن تتصل في كل يوم اتصالا مباشرا، عن طريق اللاسلكي، مع القيادة العامة خارج الجزائر. وغدا الجيش في الداخل غير مفتقر إلى صحفه الداخلية

стр. 1868

ووسائله الترفيهية. وكانت الصحف المحلية توزع يوميا لتنقل إلى الجنود وصف الضباط، صورة عن المعارك في كافة الأقاليم ممتزجة بالأحداث الطريفة والمثيرة. تطور جيش التحرير الوطني الجزائري تطورا مستمرا من خلال الصراع المسلح، ولهذا فقد بقي من الصعب تحديد حجمه بدقة، وكذلك الأمر بالنسبة لتسلحه. وتشير أرقام الجيش ذاته إلى أنه بدأ في العام ١٩٥٤، بمئات من المتطوعين، ثم أصبح يضم ثلاثة آلاف مع بداية منة ١٩٥٥. وارتفع عدده إلى (٤٠) ألفا في سنة ١٩٥٦، ثم إلى (١٠٠) ألف في سنة ١٩٥٨ ووصل إلى (١٣٠) ألفا في سنة ١٩٥٩. أما الإفرسيون فقد قدروا عدد أفراد جيش التحرير في سنة ١٩٥٦ بـ (١٥) ألفا من الجنود النظاميين و (١٠) آلاف من المتطوعين الإضافيين - وفي سنة ٩٥٧ ١ كانت تقديراتهم تشير إلى أن جيش التحرير بات يضم (٣٥) ألفا من النظاميين و (٣٠) ألفا من المتطوعين الإضافيين. وعلى كل حال، فإن السبب في بقاء الجيش محدود العدد، يعود إلى قلة السلاح وليس إلى عدم توافر الرجال. وكانت أسلحة الجيش الأولى في مستهل الثورة، عبارة عن بنادق الصيد والمدي والأسلحة البدائية الأخرى التي كان الجزائريون من أبناء الجبال يملكونها. وقد سقطت بعض مخابىء الأسلحة التي كانت مطمورة (مدفونة) منذ أيام الحرب العالمية الثانية في أيدي جيش التحرير. وقد تمكن جيش التحرير في السنة الأولى من القتال، من الحصول على بعض الأسلحة الحديثة التي جاءته من الخارج، أو من الاغارات على المستودعات العسكرية للافرنسيين. وتحسنت وسائل تسلح الجيش قبيل نهاية العام ١٩٥٥، ووصلت إلى الجزائريين بعض المدافع من الأنواع التي استخدمت في الحرب

стр. 1869

العالمية الثانية، إما من بعض الدول العربية (مثل سورية) وإما من أسواق السلاح الأوروبية. وكان الجيش حتى (نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٧) يؤكد أن ثلاثة أرباع سلاحه، جاءت من الإغارات التي كان يقوم بها على مستودعات الإفرنسيين. وأصبحت بنادق الصيد التي استخدمت في الأيام الأولى للثورة مجرد ذكرى من الذكريات القديمة، واستعيض عنها ببنادق ومدافع رشاشة خفيفة وثقيلة ومدافع البازوكا والهاون. وانتشرت أقوال في سنة ١٩٥٨ تؤكد أن جيش التحرير سيحصل على بعض الطائرات الخفيفة لتأمين الارتباط والاستطلاع. ولكن هذه الطائرات لم تظهر حتى مطلع العام (١٩٥٩). واستمر السلاح في التدفق على جيش التحرير، عن طريق البر والبحر، من تونس ومراكش (المغرب). وكانت البلاد العربية هي المصدر الرئيسي للأسلحة، كما وصلت أسلحة أخرى من أوروبا، أما الأموال فمن بلاد عديدة. ولم يعثر في الجزائر على أسلحة من صنع الكتلة الوفييتية منذ عام ١٩٥٤، وإن عثر فيها على أسلحة تشيكية من إنتاج الحرب العالمية الثانية، اشتراها الجزائريون من الأسواق الأوروبية وإذا قدر لشحنات من الأسلحة الشيوعية أن تصل إلى البلاد، فإنها ستأتي حتما من الصين الشيوعية. اعتمدت الثورة الجزائرية في أساليبها الاستراتيجية وطرائقها التكتيكية على أصالتها الثورية وتجاربها القتالية الخاصة في مختلف الثورات التي سبقتها. غير أن قادة الثورة حاولوا الإفادة من تجارب الآخرين - مثل تلك التي طبقها (ماوتسي - تونغ - الزعيم الصيني) وشرحها في كتبه. وقد زودت حرب المقاومة الإفرنسية ضد الاحتلال النازي، الثورة الجزائرية بالكثير من تعابيرها واصطلاحاتها. ويظهر أن التجربة السوفييتية لم تفد الجزائر ولم تطبق في الجزائر.

стр. 1870

أما حروب العصابات اليوغوسلافية إبان الحرب العالمية الثانية، فقد أوحت للجزائريين الثوار بالكثير من الدروس. ولعل السبب في ذلك هو التشابه في الطبيعة الجغرافية والتماثل في موقف (القوى المتصارعة). كما أن قادة الثورة استوحوا من أعمال الجيش الجمهوري الإيرلندي، على ما يظهر، الكثير من وجهات النظر العسكرية والآراء السياسة. غير أن معظم الأساليب التي تم اتباعها هي تلك التي سار عليها المجاهدون الجزائريون طوال السنوات التي سبقت الثورة، والتي تعتمد على أصالتهم الثورية الذاتية وتجاربهم القتالية الخاصة، وتطوير تلك الأساليب وفق مبادرات القادة. ولقد اعتمدت الخطة الاستراتيجية العامة للجيش على تصعيد الصراع المسلح بصورة منتظمة وبمعدل متزايد. وقد تحدث العسكريون - من وقت إلى آخر - عن معركة من نموذج معركة (ديان بيان فو) ينوون شنها ضد الإفرنسيين، ولكن ما لم تظهر الأسلحة الجديدة، وتحدث تبدلا أساسيا في قوة النار، فستظل الخطة العامة مرتكزة على بث الشعور بعدم الطمأنينة للإفرسيين في كل موقع، وفي أي مكان، من أرض الجزائر. ولا ريب في أن الظروف المحلية وقوة الجيوش الإفرنسية العاملة في الجزائر، واحتمالات التموين، قد احتكلت كلها المكان الأول في الاعتبارات المتعلقة بهذا الموضوع. يظهر ذلك، أن جيش التحرير الوطني الجزائري قد اكتسب منذ بداية عهده الشكل الحقيقي والمضمون العملي للجيش النظامى المحارب، ولم يكن أبدا، لا في انضباطه، ولا في أساليب عمله ولا في طريقة عمله، مجموعة من العصابات (أو الفلاقة) أو (العصاة) كما أطلقت عليهم فرنسا حتى آخر عهدها بالجزائر. ولم

стр. 1871

يكن هذا الانكار لحقيقة وجود جيش التحرير، إلا من أجل ممارسة الإرهاب، وإهدار دم الثوار، وتطوير أعمال الابادة باعتبارهم (خارجين على القوانين - الإفرنسية) فوق أرض (الجزائر الإفرنسية) كما كان يزعم دهاقنة الاستعمار ورجاله وأجهزته. لعل من أدعى خصائص جيش التحرير الجزائري، المدهشة، هي أنه تكون في بداية عهده بمنتهى التواضع من بضع مئات من الرجال، فلم يلبث أن تطور بسرعة تكاد تكون خيالية. ولقد وطن هذا الجيش نفسه على مستلزمات النضال التحرري، وأخصها حرب العصابات، فكان بذلك جيشا ثوريا من الأنصار، وجيشا نظاميا في آن واحد. وقد ظهر ذلك واضحا من خلال تنظيمه وكيانه الحقوقي. فتقسيم البلاد، إلى ولايات ومناطق، وتعيين المسؤولين العسكريين والمدنيين في كل منطقة ومديرية وقسمة، ونظام التسلسل العسكري، ونظام التجنيد، وصدور قانون للجيش (المجاهد). وظهور المصالح المتخصصة في الجيش (كالخدمات الصحية والإدارية والتعليمية الخ ...). كل ذلك ينفي عن جيش التحرير صفة (العصابات) ويؤكد صفة جنوده كمحاربين، نظاميين، لهم هويتهم الوطنية والقومية، ولهم قيادتهم المسؤولة، ولهم شاراتهم المميزة، وهم يحملون السلاح علنا، ويتقيدون في حروبهم ومعاركهم بالقوانين والأعراف الدولية.

стр. 1872

٤ - تطوير الصراع المسلح وقعت في يوم (٢٠ - أوت - آب - ١٩٥٥) معركة حاسمة كانت نقطة تحول في حياة الثورة. فعلى الرغم من وصول إمدادات إفرنسية كبيرة، وعلى الرغم أيضا من إعلان (حالة الطوارىء) فقد تابع جيش التحرير الوطني الجزائري تطوير أعماله الثورية. وخلق حالة من الفزع وعدم الطمأنينة في المزارع الفردية وفي مخازن الغلال، وفي قطع طرق المواصلات. ونجحت مقاطعة المنتجات الإفرنسية نجاحا منقطع النظير (مثل مقاطعة الأطباق أو الصحون). وجاءت معركة العشرين من أوت - آب - ١٩٥٥ تتويجا لهذه المجهودات كلها، فبعد أشهر طويلة من الإعداد، قام جيش التحرير بمجموعة من الهجمات المنسقة والتي تم تنفيذها في وقت واحد، ضد أهداف محددة في منطقة قسنطينة. وكان القتال أشد ما يكون في (كولو) و (سكيكدة - أو فيليب فيل كما كان يسميها الإفرنسيون) و (غويلمة) و (قسنطينة). وفي هذا الوقت ذاته، قام المغاربة (المراكشيون) بالهجوم على قرية (وادي زم) في المغرب، وقامت اضطرابات أخرى في أماكن أخرى بمناسبة الذكرى الثانية لقيام السلطات الإفرنسية بخلع السلطان (مولاي محمد الخامس). وفي

стр. 1873

الجزائر أوقع جيش التحرير بالمستوطنين الإفرنسيين خسائر فادحة. وقام الجيش الإفرنسي، تدعمه القوات الجوية، بمجموعة من الإجراءات الانتقامية الرهيبة. وقد كتبت (جبهة التحرير) عن هذه المعركة - ما يلي: (لقد تحطمت قبضة العدو، وتنفس الشعب الصعداء، وعادت الثقة إلى النفوس. وقد ربحنا معركة الولاية بصورة مؤكدة. وأقمنا الدليل على الصعيد القومي بأن في استطاعتنا، عندما نريد، أن نهز إرادة العدو وجهازه العسكري، ونعرضه للخطر). (وفي واشنطن، حيث عرضت القضية الجزائرية للمرة الأولى، تمكن العالم من أن يكون لنفسه صورة عن إمكانياتنا وتصميمنا) (*). كان لهجمات العشرين من (أوت - آب) نتائج كثيرة، فقد شن الإفرنسيون هجمات عنيفة على قوات جيش التحرير، وارتفعت الأصوات وهي تطلب النجدات من فرنسا. وأخذت الصحافة الإفرنسية في توجيه النقد العنيف ضد الأساليب التي يستخدمها الجيش في محاولاته للقضاء على الثورة. وشجع ذلك (الإمعات) أو (المترددين) من الجزائريين الذين كانوا من أنصار التعاون مع فرنسا في الجمعية الجزائرية، دراسة الاصلاحات التي اقترحها (سوستيل) لدمج الجزائر بفرنسا. وقد استنكر هؤلاء الجزائريون، المذعنون عادة لإرادة الإفرنسيين، أعمال العنف العمياء، وحملوا على مبدأ المسؤولية الجماعية، وأجبروا على القول: (بأن سياسة التكامل التي لم تطبق أبدا بإخلاص، قد غدت عتيقة لا تصلح. وأن الغالبية العظمى للشعب باتت متعلقة بالفكرة القومية). وفجأة أمرت

стр. 1874

السلطات الإفرنسية بتعليق جلسات الدورة الطارئة للجمعية الجزائرية. وكان لانتصار (٢٠ أوت - آب - ١٩٥٥) دوره في تشجيع جبهة التحرير على قبول أول اتصال مع الصحافة الإفرنسية الليبيرالية. فقد أجرى (عمارنة) القائد الثوري في منطقة القبائل، مقابلة صحفية مع صحيفة (فرانس أوبزرفاتور) اليسارية نشرت في الخامس عشر من سبتمبر - أيلول - ١٩٥٥، أكد فيها: (مواقف جبهة التحرير المعروفة الواضحة تجاه الطبيعة الوطنية وغير الشيوعية وغير الأجنبية للثورة. وأكد عدم وجود أية قوة لمصالي الحاج وحركته الوطنية في الجزائر، وتمسك الجبهة تمسكا صادقا بقوانين الحرب). وقال: (إن الجبهة تتلقى طلبات تطوع كثيرة، وقد بدأت في قبول أولئك الذين سبق لهم أن مروا بفترات من التدريب العسكري. وقد نشأت قوة جيش التحرير عن طبيعة الأرض المؤاتية، ومن الحقيقة الواقعة بأن الجيش يعمل في أرضه، ويحظى بتأييد الشعب. ومع ذلك، فقد أدرك جيش التحرير أنه لا يستطيع الانتصار في الحرب بهذه الوسائل وحدها)، وقد أكد (عمارنة) أن جيش التحرير كان يضم في سنة ١٩٥٤ ما لا يزيد عن ثلاثة آلاف مقاتل، فأصبح يضم الآن اثني عشر ألفا، وسيصبح بعد بضعة أشهر مائة ألف بكل سهولة. وحدد عمارنة الشروط التي لا محيص عنها لوقف إطلاق النار، وهي: إنهاء جميع الحركات العسكرية، ووضع حد لأعمال العنف، وإصلاق سراح المعتقلين السياسيين، وصدور بيان إفرنسي يعترف بحق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال، ثم مضى يقول: (لقد تحدثنا عن مبدإ الحق في الاسقلال. إننا واقعيون،

стр. 1875

وأصبح جيش التحرير جيشا حديثا

стр. 1876

فالاستقلال يمكن تحقيقه على مراحل وبصورة ديموقراطية، ومن الضروري والحالة هذه، أن ننظم بعد بضعة شهور من عودة الهدوء، انتخابات حرة لجمعية تأسيسية تنبثق عنها حكومة جزائرية تتفاوض مع الحكومة الإفرنسية حول الوضع السياسي المقبل للجزائر، والعلاقات الجديدة التي ستربط الجزائر بفرنسا). وأكد (عمارنة) أن جبهة التحرير الوطني لا تضم أحدا من المصابين بعقدة (كره الأجانب) وأضاف قائلا: (وعليك أن تفهم أننا لن نقبل أبدا الدمج أو التكامل - مع فرنسا- فنحن جزائريون. وهذه قضية كرامة بالنسبة لنا. والخطيئة الكبرى التي يقع فيها معظم الساسة عندكم، هي محاولة تفسير - المأساة الجزائرية - على أنها نتيجة الجوع والشقاء والافتقار إلى المدارس، بينما تقوم جذورها على التعطش إلى الشرف وإلى العدالة والحرية. ونحن نعرف أنه لا أمل لنا في المجلس الوطني الإفرنسي الحالي - البرلمان - لأنه لا يستمع إلينا، ولذا فنحن نعد أنفسنا لصراع طويل وشاق. وقد حققنا حتى الآن الكثير من أهدافنا العسكرية. فبعد مرحلة الثورة العامة المدهشة في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤. وبعد مرحلة نشر عدم الطمأنينة في المنطقة (يوم ٢٠ أوت - آب - ١٩٥٥) سنبدأ حالما تسمح لنا ظروفنا المادية بذلك، في تنفيذ المرحلة الثالثة، وهي تكوين منطقة محررة في منطقة كاملة من البلاد، نعلن فيها استقلالنا، ونقيم حكومة مؤقتة تطلب مساعدة من الخارج، وتعمل على تدويل القضية الجزائرية. أما متى سيتحقق هذا؟ فنحن أنفسنا لا نعرف ... ولكننا نأمل أيضا في أن يتطور الشعب الإفرنسي - سياسيا - أيضا). ***

стр. 1877

ووردت في مقابلة صحافية تالية، مع زعيم آخر من زعماء جبهة التحرير في الواحد والعشرين من سبتمبر - أيلول - ١٩٥٥، تفاصيل أخرى، وإيضاحات إضافية. فقد أوضح هذا الزعيم إيضاحا كاملا أن الشروط التي ذكرها (عمارنة) هي (لوقف إطلاق النار، لا لوضع السلاح، إذ أن جبهة التحرير لن تلقي سلاحها إلا إلى حكومة جزائرية) وقد علق الزعيم الجزائري على التدريب السياسي والعسكري لجنود جيش التحرير فقال: (لا يسمح لأي فرد بالتطوع في جيش التحرير الوطني إلا بعد أن يكون قد تطوع في الجبهة نفسها، وهو يتطوع في الجبهة على الصعيد السياسي. ويقوم التدريب السياسي على أسس فريدة من العقائدية القومية، فنحن قبل كل شيء جزائريون. وليس في وسع الاسلام أن يزدهر بالتأكيد في ظل الاستعمار. وهذا ما يشكل حافزا للعمل. ولكننا لا نسأل أي عضو من أعضائنا عن دينه، وعما إذا كان مسلما ... وقد حارب الطلاب والفلاحون والعمال جنبا إلى جنب في جيش التحرير). وتحدث الزعيم الجزائري عن الشيوعية، فقال: (لن يشترك الشيوعيون كحزب في الحرب التحررية. أما إذا أراد شيوعي أن يشترك في جبهة التحرير كأي مناضل سياسي، فعليه أن يستقيل من حزبه أولا، وأن يتبنى برنامج الجبهة) وسيتعرض أنصار (مصالي الحاج) وحدهم للهجوم المباشر، أما الوطنيون المعتدلون، فلن يساء إليهم ما داموا يسهمون في النضال ضد الاستعمار، على الرغم من استخدامهم وسائل غير صالحة. وأشار الزعيم الجزائري إلى أبطال الجزائر في الماضي (كالشيخ الحداد والمقراني في ثورة عام ١٨٧١ وقال عنهم: إنهم مصدر إيحاء للثورة). ثم رسم خطا يفصل بين ثورتي الصين والجزائر فقال:

стр. 1878

(إن المشكلة التي تواجهنا ليست مشابهة للمشكلة التي واجهت الصين، فقد حمل الصينيون لواء المقاومة الوطنية والثورة الاشتراكية معا أما نحن فنقف في نصف الطريق بالنسبة إليهم. فالمشكلة الثانية لا تعرض لنا في الوقت الحاضر. لقد حملنا السلاح لتحقيق غرض محدد بدقة وهو: التحرر الوطني). ... لا ريب أن هذا الاعتدال الذي يظهر في موقف جبهة التحرير من خلال الحديثين الصحفيين، هو أمر مدهش للغاية. لا سيما وأن موقفها العسكري في سبتمبر - أيلول - عام ١٩٥٥. كان لا يزال في منتهى الضعف. فأين تكمن القدرة على إجراء تسوية سياسية؟ إنها في مكان ما بين الدمج والتكامل، وهما أمران مرفوضان رفضا كاملا من قبل الثوار الجزائريين. ومقابل ذلك فقد اشترطت الجبهة لمثل هذه التسوية (إعلان الحكومة الإفرنسية اعترافها بمبدإ - حق تقرير المصير واستقلال الشعب الجزائري) وهو الأمر الذي كانت ترفضه السياسة الإفرنسية. ولقد كان الوضع - إذا ما تم استثناء هذا الشرط (بالإعلان) الذي لم تحدد مدته - قابلا للتفاوض بين الحكومة الإفرنسية وبين حكومة جزائرية تنبثق عن انتخابات حرة تجري في ظل الحكم الإفرنسي. ولا شك في أن هذا الاعتدال مذهل أيضا، عند تذكر مضمونه الدولي. فقد كانت تونس والمغرب على وشك الاستقلال الذي تحقق فعلا بعد بضعة أشهر. ويظهر أن (عمارنة) قد شعر بأن جبهة التحرير لم تكن آنذاك على ثقة تامة من قدرتها على رفض السيادة إذا ما قررت فرنسا منحها لها. لكن هذه هي المرة الأخيرة التي قبلت فيها جبهة التحرير إجراء انتخابات تحت الإشراف الإفرنسي، وكانت المرة الأخيرة أيضا التي أظهرت فيها الجبهة

стр. 1879

تفاؤلا بصدد التفاهم مع فرنسا. وقد بلغ هذا الأمل في الاتفاق مع فرنسا ذروته عند زعماء جبهة التحرير من ذوي الإدراك السياسي، إبان الحملة الانتخابية الإفرنسية في جانفي (كانون الثاني) ١٩٥٦، عندما تكاتف الاشتراكيون الإفرنسيون والراديكاليون في الدعوة إلى برنامج (لإقامة السلام في الجزائر). ولكن ما إن وصل زعيم الاشتراكيين (غي موليه) إلى السلطة، وأخذ في ممارسة دوره على المسرح السياسي، حتى انهارت كل احتمالات التسويات السلمية

стр. 1880

٥ - صراع مسلح في وهران وصراع سياسي في الأمم المتحدة اقترن الصراع المسلح للثورة الجزائرية بالصراع السياسي، وبطريقة مثيرة ومدهشة، وقد ظهر ذلك واضحا تماما في أعقاب انتصار (أوت - اغسطس -١٩٥٥) حيث وظفت قيادة جبهة التحرير هذا النصر لدعم صراعها السياسي في هيئة الأمم المتحدة. ونجحت في الثلاثين من (سبتمبر - أيلول) بإحراز أول انتصار لها على (مستوى تدويل قضيتها)، إذ رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة التوصية السلبية التي قدمتها لجنتها التوجيهية، وقررت إدراج موضوع الجزائر في جدول أعمالها - ولو كان ذلك بأغلبية ضئيلة -. ثم قامت الجبهة في شهر (أكتوبر - تشرين الأول) وبعد أشهر من الإعداد الدقيق، بفتح جبهة جديدة لها في (وهران). وقد تولى القيادة في هذه الولاية التي تعتبر أكبر الولايات الشمالية الخمس، القائد (محمد العربي بن مهيدي) في بداية الأمر، ثم خلفه القائد (عبد الحفيظ بوصوف). وقد قام هذان القائدان بتنظيم الكثير من جنودهما، وتزويدهما بالعتاد في (ناضور) في المغرب (الذي كانت تحتله اسبانيا، حيث تكون فيه أيضا جيش التحرير المغربي - المراكشي). وانتقلت القيادة بعد ذلك الى (أوغده - أو وجده) في ولاية وهران، حيث ظلت جبهة التحرير

стр. 1881

تفيد من طبيعة المنطقة الجبلية، ومن حصانة الحدود المغربية (المراكشية) وقد بدأ الهجوم في أواخر سبتمبر - أيلول - ومطلع شهر تشرين الأول - اكتوبر - في منطقة (تلمسان) أولا. وبامتداد القتال الى جبهة وهران، بقيت منطقة الجزائر الوسطى والجنوبية فقط، خالية من النشاط الثوري الواسع النطاق. أدى اتساع النشاط القتالي وتعاظمه (في شهر أكتوبر - تشرين الثاني) إلى إضفاء الكثير من المرارة على مناقشات الأمم المتحدة للقضية الجزائرية. فقد رفض الوفد الإفرنسي الاشتراك في المناقشات، وغادر قاعة الجمعية العامة. وتمسكت الحكومة الإفرنسية بزعمها الذي طرحته من قبل وهو (أن المشكلة الجزائرية قضية داخلية صرفة). وبعد أن رفضت الجمعية العامة مشروع القرار الذي تقدمت به دول أمريكا الجنوبية، والذي كان من المقدر له لو قبل أن يحذف القضية من جدول الأعمال كلية، أمكن الوصول إلى قرار وسط، قبل بالإجماع، وينص على أن الجمعية العامة: (تقرر عدم الاستمرار في مناقشة هذا البند في جدول أعمالها، ولهذا فهي تتوقف عن مناقشته) وقد شعر الجزائريون الذين كانوا قد أوفدوا أحد أعضاء بعثتهم الخارجية الى نيويورك، للاشتراك في المناقشات وعرض وجهة نظرهم بالكثير من خيبة الأمل لهذا التطور، ولكنهم أعربوا عن أملهم في أن تؤدي هذه المهلة المعطاة الى فرنسا إلى تسوية سلمية، ولا سيما على ضوء نتائج الانتخابات الإفرنسية القادمة. شهدت نهاية العام الأول من الثورة الجزائرية، تفوق القضايا العسكرية على السياسية، كما شهدت تزايد قوة وأهمية زعماء الداخل على أعضاء البعثة الخارجية. إذ لم تكن هذه البعثة قد

стр. 1882

تمكنت بعد من توسيع برنامج عملها السياسي، كما لم تتمكن من تذليل العقبات الكثيرة التي واجهتها للحصول على الأسلحة، وتزويد الداخل بها. جرت الانتخابات للجمعية الوطنية الإفرنسبة - البرلمان - في جانفي (كانون الثاني) ١٩٥٦ وجاءت نتائج هذه الانتخابات لتشكل نقطة أخرى في تحول العلاقات الإفرنسية - الجزائرية. فقد فاز في الانتخابات - على نحو ما سبق ذكره - الاشتراكيون والراديكاليون الذين أعلنوا في برنامجهم الانتخابي المشترك: (أنهم يؤيدون تسوية سلمية للجزائر). وقد عين رئيس الوزارة - غي موليه - (الجنرال كاترو) ليكون مقيما عاما في الجزائر. وقرر - غي موليه - أن يذهب شخصيا الى الجزائر ليعالج هناك المشكلة بنفسه - وعلى الطبيعة -. وقد ظهر عجز غى موليه وقصوره في إدراك أبعاد القضية، الأمر الذي دفع قيادة جبهة التحرير لتعدل موقفها أيضا، وفي مقابلة صحافية جرت مع جبهة التحرير (يوم ٣ فيفري - شباط - ١٩٥٦) مع مراسل صحيفة (لوموند) الإفرنسية، برز هذا التحول من قضية التسوية مع فرنسا. حيث أدخلت تعديلات عكست نوعا من التصلب في آراء الجبهة وموقفها. فعندما طرح على الناطق باسم الجبهة سؤال: (عما إذا كان موقفها السابق لا يزال على حاله؟) حدد الشروط التي تضعها الجبهة لوقف إطلاق النار على النحو التالي: أ - أن تصدر الحكومة الإفرنسية إعلانا رسميا باعترافها باستقلال الجزائر. ب - إطلاق سراح المسجونين والمعتقلين والمحكوم عليهم بجرائم سياسية منذ العام ١٩٣٠، وإعادة المبعدين السياسيين، ووقف العمليات الحربية من جانب الجيش الإفرنسي، وإيقاف

стр. 1883

الإجراءات المتخذة ضد الوطنيين الجزائريين، وإصدار عفو عام عن جميع الأحكام الغيابية التي صدرت تحت اسم - الجرائم والجنح السياسية. ج - تأليف حكومة جزائرية للتفاوض. وأضاف: (إن قضية الانتخابات هي مسألة جزائرية صرفة. وإن من شأن الحكومة الجزائرية وحدها أن تقرر موعد الانتخابات ووسائلها). ثم انتهى الى القول: (وسيكون من واجب الحكومة الجزائرية التي يجب أن تتشكل قبل وقف إطلاق النار، تقرير نوع الادارة، وجهاز الشرطة على الأرض الجزائرية). إن شروط جبهة التحرير هذه المرة لوقف إطلاق النار، تحتل جانبا كبيرا من الأهمية. ذلك لأنها تؤكد على (وجوب اعتراف فرنسا باستقلال الجزائر) بدلا من (مبدأ الاستقلال) أو (حق تقرير المصير) أو (الحق في الاستقلال). وقد بدت جبهة التحرير في هذه المرة، بعد أن دعمت موقفها بانتصاراتها العسكرية، وهي أكثر تصميما على أن تنتزع من فرنسا - بالقوة - حق السيادة المباشرة على بلادها. قام (غي موليه) بزيارته للجزائر في (٦ فيفري - شباط - ١٩٥٦). فعزل (كاترو) بضغط من المستوطنين، وعين مكانه الاشتراكي (روبير لاكوست) وأعلن في (١٦ فيفري - شباط) عن (التحديد بلا مواربة للشكل التنظيمي الذي سيقوم عليه كيان الجزائر المقبل، على أساس علاقات لا تنفصم مع فرنسا، مع الاعتراف بالشخصية الجزائرية). وكان - غي موليه - قد أعلن قبل أيام: (بأن الحكومة ستناضل في سبيل البقاء في الجزائر، وستبقى فيها، فلا مستقبل للجزائر إلا بالبقاء مع فرنسا). وكان رد فعل جبهة التحرير -

стр. 1884

واضحا في تصريحها التالي: (إن إعلان - غي موليه - لا يخرج عن نطاق السياسة الاستعمارية الإفرنسية التقليدية) وقد أكد الناطق باسم جبهة التحرير، بأن (جبهة التحرير تمثل الآن جميع الوطنيين الصادقين والمخلصين - وأن الحكومة الجزائرية المقبلة ستتألف من جبهة التحرير ليس إلا).

стр. 1885

٦ - الفدائيون في المدن وحل مشكلة التسلح من واجب الثورات أن تسير قدما، وإلى الأمام دائما، وإلا فإنها تبدو في طريق التخاذل والضعف، فعلى الصعيد العسكري، كان من الضروري أن يتسع نطاق الصراع في العام ١٩٥٦ على غرار الهجمات التي وقعت في العشرين من أوت - آب - ١٩٥٥. والتي تركت بعض الآثار النفسية الرائعة. وكان النشاط العسكري قد استمر في جميع الولايات طوال الأشهر التي سبقت مؤتمر (وادي الصومام) وتلته، ولكنه لم يترك أثرا ملحوظا في فرنسا نفسها. وفكرت الجبهة بأنها لو تمكنت من القيام بنوع من العمل في قلب المدينة (العاصمة) فإن تبدلا ملحوظا قد يطرأ على الرأي العام الإفرنسي والسلطات العسكرية بالنسبة إلى تقديراتها لقوة جبهة التحرير. وترى الجبهة أن الثورة الجزائرية، حققت أكبر انتصار لها، كما منيت بأكبر هزيمة في - معركة مدينة الجزائر، ولعل من أروع ما قامت به الجبهة من أعمال تنظيمية، هو أنها جعلت من العاصمة منطقة مستقلة، تضم بالإضافة إلى الضباط العاديين المختصين بالنشاط السياسي والعسكري والاعلامي وتأمين الارتباط، جهازا خاصا لإلقاء القنابل، ولجانا للمثقفين والتجار والعمال الفنيين. وكانت هذه اللجان تتولى

стр. 1886

بالإضافة إلى أعمالها الخاصة جمع الضرائب للجبهة التي بلغت أحيانا (٣٠٠) ألف دولار في الشهر الواحد. ولم يكن تنظيم الجبهة في نطاقه الخارجي في العاصمة يضم أكثر من (٤٥٠٠) شخص في مدينة يسكنها نحو من أربعمائة ألف من الجزائريين وثلاثمائة ألف من الأوروبيين. ولم يكن الجهاز العسكري الفعال وجماعات قاذفي القنابل، تضم أكثر من مائتي شخص، بينما كان مجموع الجهاز العامل في مختلف الحقول والميادين لا يزيد على الألف والخمسمائة. ولعل من أبرز مظاهر الثورة، أن هذا العدد الضئيل تمكن من أن يستمر في إلقاء الرعب في العاصمة أكثر من سنة كاملة. وقد استخدمت جبهة التحرير في الهجمات التي شنتها في مدينة الجزائر كل طريق ممكن، وكان الاتحاد العمالي، التابع للجبهة، يتولى تأمين التأييد السياسي والدعم المالي. وقد بدأت المعركة في (٢٠ سبتمبر - أيلول - ١٩٥٦) بانفجار قنبلة في مشرب، وأخرى في مطعم في شارع (ميشيليه) مما أدى الى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة وأربعين بجراح. وفي هذه الأثناء سيطرت الجبهة على (حي القصبة)؛ وأقامت مصنعا صغيرا للقنابل اليدوية والقنابل الحارقة. استمرت عمليات إلقاء القنابل في العاصمة عدة أشهر، وخلقت جوا من الرعب وعدم الاطمئنان فيها. وفزعت السلطابت الإفرنسية من الحالة المرعبة، فأوفدت (الجنرال جاك ماسو) على رأس قواته من فرقة المظليين العاشرة إلى المدينة في جانفي - كانون الثاني - ١٩٥٧. وأسفرت المعركة أخيرا عن سيطرة القوات الإفرنسية. فقد عثرت على مخابيء القنابل في العاصمة، واعتقلت المجاهدين، وبينهم عدد من القادة الاكفاء، (من أمثال محمد العربي بن مهيدي -

стр. 1887

عضو لجنة التنسيق والتنفيذ) الذي حوكم وأعدم. وعلى الرغم من عدم وجود أي خلاف منذ البداية على موضوع ممارسة أعمال الإرهاب في المدن، واستخدام هذا الإرهاب سلاحا مضادا للارهاب الاستعماري بهدف دعم الثورة. إلا أن مفعول هذا السلاح ينتهي عادة عندما تبدأ الثورة الحقيقية ولقد اعتبر بعض زعماء الجبهة بأن (عملية الجزائر) هي خطيئة عسكرية. فقد تمكن الإفرنسيون في الأشهر الأخيرة من المعركة، من عزل (حي القصبة) تماما عن بقية المدينة بالأسلاك الشائكة. وفرض دوريات نهارية وليلية عليه. وكان الثمن الذي تكبدته الجبهة في الأرواح البشرية باهظا للغاية، فقد وجدت أنه ليس بإمكانها تأمين الدفاع عن السكان المدنيين أمام إجراءات الإفرنسيين الانتقامية العنيفة، ولكن مما لا شك فيه أيضا أن معركة مدينة الجزائر، قد لفتت أنظار العالم الى الثورة الجزائرية بصورة بارزة الى أبعد الحدود. وأدت عمليات إلقاء القنابل في كل مكان الى وقوع أعداد كبيرة من المدنيين بين الضحايا، مما زاد في أرقام الاصابات، وبرهن على قوة جبهة التحرير. كما أن أعمال التعذيب التي لجأ اليها المظليون الإفرنسيون للحصول على المعلومات، عن نشاط الجبهة في المدينة، أثارت أزمة أخلاقية في فرنسا ذاتها. ولا ريب في أن نقمة الجيش الإفرنسي التي تبدت في شهر (ماي - أيار - ١٩٥٨) لم تنجم فقط عن اضطرار لخوض معارك مضنية مع المجاهدين الجزائريين وفقا للأوضاع التي يقررونها هم، وعن قيامه بأعمال حقيرة، وممارسته لواجبات الشرطة العادية فحسب، بل نجمت أيضا عن الشعور الضمني بالذنب، وعذاب الضمير من الأساليب الوحشية التي لجأ اليها في محاولاته للقضاء على الثورة. ***

стр. 1888

التدريب على السلاح في كل مكان

стр. 1889

أدى تطوير الصراع وتصعيده مع توسيع دوائره الى ظهور أزمة حادة تتعلق بالتسلح وذلك مع نهاية السنة الثانية للثورة (١٩٥٦). وزاد الأمر سوءا بسبب الفوضى النسبية التي سيطرت على شريط الحدود الجزائري - التونسي. فقد أسفر اعتقال زعماء البعثة الخارجية (ابن بيللا ورفاقه) عن ضياع التنظيم السابق في عملية تأمين الأسلحة والمواد التموينية من الخارج. وأصدرت لجنة التنسيق والتنفيذ أمرها الى (محمد الأمين دباغين) بالتوجه من القاهرة الى تونس بمهمة علاج الموقف، ووضع حد لهذا الاضطراب. وفي الوقت ذاته، انتقل (عمارنة) من الداخل الى (تونس) على نحو ما فعل (ابن بيللا) من قبل، من أجل تنظيم عملية نقل الأسلحة الى داخل البلاد. ولم يكن قد مضى على استقلال الحكومة التونسية التي يرأسها (الحبيب بورقيبة) أكثر - من ستة أشهر، وكانت لا تزال تجاهد لحل بعض المشاكل الداخلية، عندما رأت هذا السيل الكبير من اللاجئين والمحاربين وهو يتدفق عبر الحدود مطالبا دعمه ومساعدته. ولم يكن باستطاعة تونس رغم كل أوضاعها الحرجة التقصير في واجها تجاه أخوتها. وكان من مصلحتها ومن مصلحة جهة التحرير أيضا الوصول الى نوع من الاتفاق لتنسيق التعاون. وقد تم هذا الاتفاق فعلا في شهر (فيفري - شباط - ١٩٧٥) بين الرئيس الحبيب بورقيبة وممثل جبهة التحرير (*) أدى هذا الاتفاق مع بعض

стр. 1890

الاجراءات العسكرية الى عودة فرض السيطرة المباشرة للجبهة، عن طريق لجنة التنسيق والتنفيذ على مناطق الحدود المهمة للغاية وعينت الجبهة في مطلع العام (١٩٥٧) المجاهد (محمود شريف) ليكون قائدا لجبهة الأوراس، وهي من الولايات التي كانت الفوضى لا تزال تعمها. وأخذ (عمارنة) يعمل جادا في سبيل الحصول على السلاح من الخارج. وكان (ابن بللا) قد بعث برسالة إلى لجنة (التنسيق والتنفيذ) ضمنها قائمة بشحنات الأسلحة التي تم التعاقد عليها حتى وقت اعتقاله. وكان هناك نحو من ثمانية آلاف قطعة سلاح، قد نقلت، أو أنها في طريق النقل، إلى المجاهدين، ولا تزال إما في (ليبيا) أو في (تونس) أو في (وهران). والتقط (عمارنة) خيوط شبكة الإمداد التي كان (ابن بيللا) قد نظمها، وتابع السير فيها، فانتقل من تونس إلى بعض بلاد الشرق الأوسط الأخرى وأوروبا. ويبدو أنه تعامل في هذه الفترة بموازنة تبلغ عدة مليارات من الفرنكات، كما أنه تلقى في فترة من الفترات، أثناء أزمة السويس وبعدها، العون من بعض الجماعات الاسلامية في المغربي العربي الاسلامي. ... تجدر الاشارة إلى أن نشاط الفدائيين داخل المدن - وخارجها - لم يتوقف، بالرغم من الظروف العسيرة التي مرت بها قضية (الامداد بالسلاح). فقد آلى المجاهدون الفدائيون على أنفسهم الاستمرار في العمل - في الليل والنهار - لارهاق القوات الاستعمارية،

стр. 1891

ووضعها باستمرار في حالة من الاستنفار المرهق للأعصاب، في انتظار ضربة لا يمكن توقع مصدرها أو وقتها. وفي هذا المناخ، نشطت زمر التدمير التابعة لجيش التحرير، فأحرقت مستودعات النفط التابعة للجيش الافرنسي قرب مدينة (تلمسان) والتي كانت تضم (١٥٠) ألف صفيحة بنزين. كما هاجمت قوات جيش التحرير مصنعا للمتفجرات قرب (لافونتين) غربي منطقة القبائل، واشتبكت مع حراس المصنع في معركة دموية رهيبة. وما كاد يحل شهر (ماي - أيار - ١٩٥٦) حاملا معه ذكرى مذبحة سنة ١٩٤٥، والتي ذبح الافرسيون فيها (٤٥) ألف مسلم جزائري، حتى أظهر الثوار تصميمهم للانتقام ثأرا لتلك الضحايا البريئة. فوضعوا خطة لحصار (تلمسان) و (الغزوات). وأخذت القوات تتحرك بمجموعات صغيرة لتلتقي عند حدود مدينتي (تلمسان -و -الغزوات) بقوة تزيد على خمسة آلاف مقاتل. وقد حاول الافرنسيون فك الحصار، فتكبدوا خسائر فادحة. ثم تفرقت قوة المجاهدين بعد أن نفذت مهمتها بنجاح. وتابعت عملها في نصب الكمائن، والاغارات، التي غنم فيها الثوار المجاهدون كميات كبرى من الأسلحة والذخائر التي عوضت لهم بعض ما كانوا يحتاجونه في تلك الفترة الحرجة وهكذا، وبينما كانت هذه العمليات تجري في منطقة وهران، كانت مناطق الجزائر وشمالي قسنطينة والأوراس مسرحا لاشتباكات عنيفة وحوادث تدميرية. فكانت قوات الثورة تجد في عملياتها بعض ما يساعدها على تأمين متطلباتها، وتعمل في الوقت ذاته على حرمان قوات العدو من موارده الحياتية (بإحراق الحقول والمزارع التي يمتلكها الأجانب) ومن موارده القتالية، فتتزايد قوة على حساب ضعفه.

стр. 1892

٧ - هجوم الخريف وجبهة الصحراء (١٩٥٧) كان من المتوقع أن تبدأ السنة الثالثة للثورة (١٩٥٧) بتحولات سياسية وعسكرية. وفي الواقع، فقد أخذت الصحافة الأجنبية -والافرنسية منها بصورة خاصة - بالاكثار من الحديث عن حملة سيشنها جيش التحرير خلال فصل الربيع واتخذت الصحافة من عمليات (تلمسان) و (الغزوات) برهانا للتأكيد على ما كانت تتوقعه. ولم يكن جيش التحرير يعتزم في الحقيقة شن حملة شاملة على المواقع الإفرنسية في وقت محدد ومعين، وإنما كان يخطط للقيام بهجمات كثيفة ومركزة على بعض المواقع والأهداف التي تم اختيارها بدقة، لا سيما وأن فصل الربيع لم يكن يتيح للمجاهدين فرص العمل التي يقدمها فصل الشتاء باعتباره الفصل المناسب لحرب العصابات. وكان الأمر الواضح - لقادة الثورة - أن تركيز أجهزة الاعلام المعادية على موضوع (حملة الربيع المزعومة) هو وسيلة لاغراء جيش التحرير على شن هجوم عام في فصل تكون فيه جميع أسلحة الجيش الإفرنسي على استعداد للعمل، الأمر الذي يساعد السلطة الاستعمارية على ضرب الكتلة الرئيسية لقوات جيش التحرير وتدميرها. ولهذا لم يؤخذ جيش التحرير بأساليب الدعاية الإفرنسية

стр. 1893

المنظمة، وظل يعمل وفقا لمخططاته وفي حدود إمكاناته لتوجيه الضربات في الزمان والمكان اللذين يختارهما. على كل حال، فقد وقعت في فصل الربيع مجموعة من العمليات الهامة التي يمكن وصفها (بحملة ربيعية) إلا أنها لم تتخذ طابع الهجوم العام، وإن اتسمت ببعض الهجمات الجريئة، على مناطق لم تكن القيادة الإفرنسية تتوقع إمكانية مهاجمتها من قبل قوات جيش التحرير. ومن تلك الهجمات - على سبيل المثال - ذلك الهجوم الصاعق الذي شنته القوات الجزائرية يوم (١٠ ماي - أيار) على مدينة قسنطينة، واحتلت بعده ضواحي المدينة والقسم الشرقي منها، وحاصرت الحي الأوروبي مدة ست ساعات، وجرت بين المجاهدين الجزائريين والإفرنسيين معارك في الشوارع، أدت الى قتل مائة إفرنسي، واسشتهد من الجزائريين ثلاثون مجاهدا. ثم انسحبت قوات جيش التحرير من المواقع التي كانته تحتلها في المدينة، مدمرة وراءها المراكز الإفرنسية، وحاملة معها ما أمكن الاستيلاء عليه من كميات الأسلحة الكبيرة والذخائر. يمكن الاشارة بعد ذلك إلى تلك المحاولة التي قامت بها قوات الافرسنيين لتطويق فرقتين من فرق جيش التحرير على بعد (١٤ كيلومترا من العاصمة (الجزائر) في يوم (١١ ماي - أيار) غير أن المجاهدين تمكنوا من خرق الحصار، وقاموا بهجوم مضاد على قوات الإفرنسيين التي أخذت في الفرار تحت ثقل ضربات المجاهدين المحكمة والقوية. ولم يلبث المجاهدون أن انطلقوا في مطاردة فلول القوات الممزقة، وأوغلوا في مطاردتهم حتى ضواحي العاصمة.

стр. 1894

لم تكن هذه العمليات إلا صورة عن الأعمال البطولية الرائعة التي ساعدت جيش التحرير على فرض سيطرته التامة في كل المناطق العسكرية الست. ولم يبق أمام جيش التحرير إلا أن يفتح المدن التي تعتصم فيها قوات العدو وراء تحصيناتها المنيعة. ثم يزحف على الصحراء الكبرى لاكمال عملية تحرير البلاد، وهذا ما فعله فيما يطلق عليه اسم (حملة الخريف). كان من نتيجة تطور عمليات المجاهدين حدوث هياج في الأوساط الاستعمارية، فأسرعت القيادة الافرنسية في طلب النجدات من حلفائها. وأخذت قوات الدعم ووسائط القتال في التدفق من فرنسا وأمريكا وحلف شمال الأطلسي إلى الجزائر. وكان من بين هذه النجدات (٣٧٩) مدرعة خفيفة مسلحة بمدفع من عيار (٢٧ مم) - من عربات الاستطلاع المدرعة - التي برهنت على فاعليتها في الحرب ضد الثوار بسبب مرونتها وخفة حركتها وتسطيحها الجيد وقوة تصفيحها. جابهت قيادة جيش التحرير هذا الموقف بالمزيد من التصميم والعناد، فأعلنت التعبئة العامة (في ١٩ افريل - نيسان - ١٩٥٧) ووجهت الدعوة الى الشبان من سن ١٨ الى من ٢٠ عاما. من أجل حمل السلاح. وحملت الدعوة طابع الفورية والإجبارية، وتعرض من يخالفها للعقاب القانوني. وفي الواقع، فإن قيادة جبهة التحرير لم تجد حاجة لفرض العقوبات، فقد وجد هذا النداء صداه العميق في نفوس المواطنين الذين أقبلوا على التطوع بحماسة، والإلحاق بمراكز التدريب. وصلت كتلة الإمدادات الأمريكية للجيش الافرنسي في الجزائر خلال شهر (جوان - حزيران - ١٩٥٧) وجابه جيش التحرير ذلك بتصعيد أعماله القتالية، وأمكن له إحراز النصر تلو النصر، وما فتئت

стр. 1895

في الثلج، في الليل، وفي كل وقت حركة دائمة وقتال مستمر
следующие страницы →