ووضعها باستمرار في حالة من الاستنفار المرهق للأعصاب، في انتظار ضربة لا يمكن توقع مصدرها أو وقتها. وفي هذا المناخ، نشطت زمر التدمير التابعة لجيش التحرير، فأحرقت مستودعات النفط التابعة للجيش الافرنسي قرب مدينة (تلمسان) والتي كانت تضم (١٥٠) ألف صفيحة بنزين. كما هاجمت قوات جيش التحرير مصنعا للمتفجرات قرب (لافونتين) غربي منطقة القبائل، واشتبكت مع حراس المصنع في معركة دموية رهيبة.
وما كاد يحل شهر (ماي - أيار - ١٩٥٦) حاملا معه ذكرى مذبحة سنة ١٩٤٥، والتي ذبح الافرسيون فيها (٤٥) ألف مسلم جزائري، حتى أظهر الثوار تصميمهم للانتقام ثأرا لتلك الضحايا البريئة. فوضعوا خطة لحصار (تلمسان) و (الغزوات). وأخذت القوات تتحرك بمجموعات صغيرة لتلتقي عند حدود مدينتي (تلمسان -و -الغزوات) بقوة تزيد على خمسة آلاف مقاتل. وقد حاول الافرنسيون فك الحصار، فتكبدوا خسائر فادحة. ثم تفرقت قوة المجاهدين بعد أن نفذت مهمتها بنجاح. وتابعت عملها في نصب الكمائن، والاغارات، التي غنم فيها الثوار المجاهدون كميات كبرى من الأسلحة والذخائر التي عوضت لهم بعض ما كانوا يحتاجونه في تلك الفترة الحرجة وهكذا، وبينما كانت هذه العمليات تجري في منطقة وهران، كانت مناطق الجزائر وشمالي قسنطينة والأوراس مسرحا لاشتباكات عنيفة وحوادث تدميرية. فكانت قوات الثورة تجد في عملياتها بعض ما يساعدها على تأمين متطلباتها، وتعمل في الوقت ذاته على حرمان قوات العدو من موارده الحياتية (بإحراق الحقول والمزارع التي يمتلكها الأجانب) ومن موارده القتالية، فتتزايد قوة على حساب ضعفه.
стр. 1892
٧ - هجوم الخريف وجبهة
الصحراء (١٩٥٧)
كان من المتوقع أن تبدأ السنة الثالثة للثورة (١٩٥٧) بتحولات سياسية وعسكرية. وفي الواقع، فقد أخذت الصحافة الأجنبية -والافرنسية منها بصورة خاصة - بالاكثار من الحديث عن حملة سيشنها جيش التحرير خلال فصل الربيع واتخذت الصحافة من عمليات (تلمسان) و (الغزوات) برهانا للتأكيد على ما كانت تتوقعه.
ولم يكن جيش التحرير يعتزم في الحقيقة شن حملة شاملة على المواقع الإفرنسية في وقت محدد ومعين، وإنما كان يخطط للقيام بهجمات كثيفة ومركزة على بعض المواقع والأهداف التي تم اختيارها بدقة، لا سيما وأن فصل الربيع لم يكن يتيح للمجاهدين فرص العمل التي يقدمها فصل الشتاء باعتباره الفصل المناسب لحرب العصابات. وكان الأمر الواضح - لقادة الثورة - أن تركيز أجهزة الاعلام المعادية على موضوع (حملة الربيع المزعومة) هو وسيلة لاغراء جيش التحرير على شن هجوم عام في فصل تكون فيه جميع أسلحة الجيش الإفرنسي على استعداد للعمل، الأمر الذي يساعد السلطة الاستعمارية على ضرب الكتلة الرئيسية لقوات جيش التحرير وتدميرها. ولهذا لم يؤخذ جيش التحرير بأساليب الدعاية الإفرنسية
стр. 1893
المنظمة، وظل يعمل وفقا لمخططاته وفي حدود إمكاناته لتوجيه الضربات في الزمان والمكان اللذين يختارهما.
على كل حال، فقد وقعت في فصل الربيع مجموعة من العمليات الهامة التي يمكن وصفها (بحملة ربيعية) إلا أنها لم تتخذ طابع الهجوم العام، وإن اتسمت ببعض الهجمات الجريئة، على مناطق لم تكن القيادة الإفرنسية تتوقع إمكانية مهاجمتها من قبل قوات جيش التحرير. ومن تلك الهجمات - على سبيل المثال - ذلك الهجوم الصاعق الذي شنته القوات الجزائرية يوم (١٠ ماي - أيار) على مدينة قسنطينة، واحتلت بعده ضواحي المدينة والقسم الشرقي منها، وحاصرت الحي الأوروبي مدة ست ساعات، وجرت بين المجاهدين الجزائريين والإفرنسيين معارك في الشوارع، أدت الى قتل مائة إفرنسي، واسشتهد من الجزائريين ثلاثون مجاهدا. ثم انسحبت قوات جيش التحرير من المواقع التي كانته تحتلها في المدينة، مدمرة وراءها المراكز الإفرنسية، وحاملة معها ما أمكن الاستيلاء عليه من كميات الأسلحة الكبيرة والذخائر.
يمكن الاشارة بعد ذلك إلى تلك المحاولة التي قامت بها قوات الافرسنيين لتطويق فرقتين من فرق جيش التحرير على بعد (١٤ كيلومترا من العاصمة (الجزائر) في يوم (١١ ماي - أيار) غير أن المجاهدين تمكنوا من خرق الحصار، وقاموا بهجوم مضاد على قوات الإفرنسيين التي أخذت في الفرار تحت ثقل ضربات المجاهدين المحكمة والقوية. ولم يلبث المجاهدون أن انطلقوا في مطاردة فلول القوات الممزقة، وأوغلوا في مطاردتهم حتى ضواحي العاصمة.
стр. 1894
لم تكن هذه العمليات إلا صورة عن الأعمال البطولية الرائعة التي ساعدت جيش التحرير على فرض سيطرته التامة في كل المناطق العسكرية الست. ولم يبق أمام جيش التحرير إلا أن يفتح المدن التي تعتصم فيها قوات العدو وراء تحصيناتها المنيعة. ثم يزحف على الصحراء الكبرى لاكمال عملية تحرير البلاد، وهذا ما فعله فيما يطلق عليه اسم (حملة الخريف).
كان من نتيجة تطور عمليات المجاهدين حدوث هياج في الأوساط الاستعمارية، فأسرعت القيادة الافرنسية في طلب النجدات من حلفائها. وأخذت قوات الدعم ووسائط القتال في التدفق من فرنسا وأمريكا وحلف شمال الأطلسي إلى الجزائر. وكان من بين هذه النجدات (٣٧٩) مدرعة خفيفة مسلحة بمدفع من عيار (٢٧ مم) - من عربات الاستطلاع المدرعة - التي برهنت على فاعليتها في الحرب ضد الثوار بسبب مرونتها وخفة حركتها وتسطيحها الجيد وقوة تصفيحها. جابهت قيادة جيش التحرير هذا الموقف بالمزيد من التصميم والعناد، فأعلنت التعبئة العامة (في ١٩ افريل - نيسان - ١٩٥٧) ووجهت الدعوة الى الشبان من سن ١٨ الى من ٢٠ عاما. من أجل حمل السلاح. وحملت الدعوة طابع الفورية والإجبارية، وتعرض من يخالفها للعقاب القانوني. وفي الواقع، فإن قيادة جبهة التحرير لم تجد حاجة لفرض العقوبات، فقد وجد هذا النداء صداه العميق في نفوس المواطنين الذين أقبلوا على التطوع بحماسة، والإلحاق بمراكز التدريب.
وصلت كتلة الإمدادات الأمريكية للجيش الافرنسي في الجزائر خلال شهر (جوان - حزيران - ١٩٥٧) وجابه جيش التحرير ذلك بتصعيد أعماله القتالية، وأمكن له إحراز النصر تلو النصر، وما فتئت
стр. 1895
في الثلج، في الليل، وفي كل وقت حركة دائمة وقتال مستمر
стр. 1896
الرقع المحررة تتزايد اتساعا، حتى أن اللجنة البرلمانية التي أوفدتها فرنسا للتحقيق في الجزائر، لم يسعها إلا الاقرار بالواقع، وجاء في تقرير لها بتاريخ (٢٢ جوليه - تموز) ما يلي.
(يينما يظهر الثوار الوطنيون وهم أكثر تنظيما وأقوى مما كانوا عليه في العام الماضي، فإن الموقف العسكري للقوات الافرنسية هو أسوأ مما كان عليه ... وتبلغ القوة الحالية للثوار ٢٥ ألف رجل ولديهم من الأسلحة ما يكفي لتجهيز (١٥) ألفا منهم فقط. وقد تحسنت أسلحة الثوار كثيرا بالمقارنة مع ما كانت عليه في السنة الماضية، ويتلقى الثوار ما بين (٧٠٠) و (٨٠٠) قطعة سلاح حديثة في الشهر، منها حوالي ٥٠٠ من تونس والباقي من المغرب - مراكش - ولا تزال تونس تساعد الثوار علنا).
تطلبت هذه التطورات من قيادة جيش التحرير العمل باستمرار من أجل إعادة تنظيم قواتها، بهدف تجاوز الصعوبات التي كانت تجابهها قوات جيش التحرير، ومن أجل تصعيد الصراع للتأكيد على قدرة المجاهدين في مجابهة القوات الافرنسية وما تتلقاه من دعم ومساعدة. وقد انتقلت لجنة التنسيق والتنفيذ في أواسط العام الى تونس بنتيجة معركة العاصمة (الجزائر). وأدى ذلك إلى تعاظم الحاجة للتنسيق وتنظيم الاتصالات. وتضمنت الإجراءات التنظيمية القيام ببعض التبدلات في حجم وحدات الجيش وطريقة تكوينها، وإجراء المزيد من التدريب على أعمال المواصلات. مع التوسع في استخدام مناطق الحدود التونسية والمغربية (المراكشية).
لم تكن هذه الاجراءات بعيدة تماما عن مراقبة الاختصاصيين من الضباط الافرنسيين الذين أخذوا في الاعلان (منذ يوم ٢ أوت -
стр. 1897
آب): (بأن الجزائريين يحشدون قواتهم للقيام بهجوم كبير في الخريف). ولم يكن هذا (الاعلان الافرنسي) بريئا على كل حال، فقد أراد الافرنسيون استثمار الموقف لاقناع الرأي العام العالمي بأن الجزائريين لا يحاربون إلا حين يقترب موعد انعقاد الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، ويتجاهلون أن الصراع المسلح في الجزائر هو حرب حقيقية غير مرتبطة بمكان معين أو وقت محدد. وعلى كل حال، فقد أخذ المجاهدون الجزائريون بتوسيع نطاق عملياتهم اعتبارا من شهر (أوت - آب - ١٩٥٧) بهدف تحرير الجنوب الجزائري والصحراء الكبرى، وقد نفذ المجاهدون في هذا المضمار خطتين متصلتين ومتكاملتين:
الخطة الأولى: القيام بهجوم عام على القوات الإفرنسية في الشمال بهدف محاصرة هذه القوات في قواعدها ومناطق تمركزها، وإرغامها بالتالي على استدعاء قواتها المنتشرة في الجنوب والصحراء. وفي هذا الوقت تشرع قوات جزائرية أخرى في التجمع على حدود الصحراء وفي الجنوب لاجتياح هذه المناطق.
الخطة الثانية: إحراق حقول النفط الاستعمارية في الصحراء، وتدمير مراكز التنقيب عن البترول، والقيام بعمليات إزعاج ضد الافرنسيين يكون من نتيجتها - بصورة حتمية - بسط السيطرة العربية على هذه المناطق. وقد بديء فعلا بتنفيذ الخطة الأولى؛ وجاء تسلسل الأحداث على النحو التالي:
في ١٥ أوت - آب - قام (٨٠٠) مجاهد من رجال جيش التحرير - متنكرين بالزي الافرنسي - بالهجوم على مقر القيادة العامة الإفرنسية الواقع على بعد ثلاثين كيلومترا من مدينة الجزائر. وقد
стр. 1898
أحدثوا في القيادة حرائق كبيرة، وأنزلوا فيها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
في ١٦ أوت - آب - صرح الأستاذ (أحمد توفيق المدني) رئيس وفد جبهة التحرير في القاهرة (بأن جيش التحرير يقوم الآن بهجوم عام على المراكز الإفرنسية) وقال: (إن المستعمرين دهشوا لما رأوا الجيش الجزائري يستخدم الأسلحة الثقيلة).
في ٢٢ أوت - آب - صرح السفاح (لاكوست) بأن (معركة الحدود ستكون المعركة الفاصلة في الجزائر). وأشار السفاح في هذا التصريح إلى المعارك الدامية التي اشتدت في الآونة الأخيرة على الحدود التونسية والمراكشية (المغربية) وعلى امتداد الحدود الصحراوية بين ليبيا والجزائر.
في ٢٣ أوت - آب - عقد القادة الافرنسيون مؤتمرا عسكريا هاما في مدينة (وهران) للبحث في الهجوم الخريفي المتوقع شنه من قبل قوات جيش التحرير. وقد حضر الاجتماع السفاح (روبير لاكوست) ووزير الدفاع الافرنسي (آندريه موريس) والجنرال (ايلي) القائد العام للقوات الإفرنسية، والجنرال (سالان) قائد القوات الاستعمارية في الجزائر.
في ٢٤ أوت - آب - هجوم عنيف للقوات الجزائرية، على المواقع العسكرية والبوليسية في مدينتي (معسكر) و (تيارت - أو تيهرت).
في ٢ سبتمبر - أيلول - هجوم خاطف تقوم به قوات جيش التحرير على ثكنات اللفيف الأجنبي في مدينة (سيدي بلعباس). وقد اعترف الضباط الافرنسيون بدقة مخطط الهجوم وكفاءة
стр. 1899
المجاهدين، مما أدى إلى إصابة عدد كبير من الجنود الافرنسيين بجراح خطيرة.
في ٢١ سبتمبر - أيلول - أعطت الخطة الأولى ثمارها، وأظهرت فائدتها، ودخلت الخطة الثانية في حيز التنفيذ، وسرعان ما بدأت تبشر بنتيجة ناجحة. فقد تمكنت القوات الجزائرية العاملة في الصحراء من إحراق حقول النفط، خاصة في الجهة الغربية من الصحراء. وحررت هذه القوات بلاد (الهقار) (*) وقد صرح مصدر مسؤول في جبهة التحرير الوطني هذا اليوم: (بأن الجزائريين استولوا على مناطق عديدة في (الهقار) ولم يبق للافرنسيين أي نفوذ هناك. وقد دمر الجزائريون كثيرا من آبار البترول الموجودة في الصحراء الغربية، ولم يعد للافرنسيين وجود إلا في بعض المراكز العسكرية).
في ٢٦ سبتمبر - أيلول - هاجم المجاهدون مدينة (قسنطينة) هجوما خاطفا استخدموا فيه الرشاشات.
في ٧ اكتوبر - تشرين الأول - هاجم المجاهدون للمرة الثانية في هذه المرحلة مدينة (بلعباس).
في ١٣ اكتوبر - تشرين الأول - صرحت القيادة الاستعمارية: بأن قوات الجزائريين تتجمع على الحدود الجنوبية، وأن قواتهم تبلغ
стр. 1900
حوالي مائة مجموعة مسلحة. وأضافت القيادة الاستعمارية في تصريحها: (بأن معدل قتلى الافرنسيين قد ارتفع إلى حوالي مائتي جندي في الأسبوع، هذا عدا عن الهجمات الشديدة التي يسقط فيها عادة كثير من الافرنسيين).
كان جيش التحرير في هذه الفترة قد حصل على أسلحة حديثة بكميات كبيرة. منها مدافع رشاشة مضادة للطائرات، ومدافع بازوكا مضادة للمدرعات ومدافع هاون. وقد أمكن الحصول على معظم هذه الأسلحة من المصانع الإفرنسية (*) ومن مخازن الجيش الافرنسي التي كان المجاهدون يستولون عليها في هجماتهم. هذا بالإضافة إلى ما كان المجاهدون يحصلون عليها عن طريق الغنائم، إذ كانت القوات الإفرنسية تترك في ميادين القتال كثيرا من وسائطها القتالية إلى جانب القتلى والأسرى. وتطورت أسلحة جيش التحرير حتى صارت كلها ذات فعالية، وأخذت أجزاؤها في التناسق والتكامل (التوحيد في العيارات والذخائر) بحيث لم يعد من الصعب على المجاهد استخدام أي قطعة منها.
في ٢٠ اكتوبر - تشرين الأول - شرع جيش التحرير مساء هذا اليوم في عمليات واسعة النطاق بمناسبة انتهاء السنة الثالثة لانفجار الثورة، وبدأت العمليات الكبرى في جميع أنحاء الجزائر.
стр. 1901
كما أصبح تحت تصرف قيادة جيش التحرير أسلحة ومعدات ثقيلة (كالدبابات والمصفحات ومدافع الميدان والطائرات النفاثة) غير أن قلة أعداد هذه الأسلحة بالمقارنة مع ما كانت تمتلكه القوات الافرنسية، منع قيادة جيش التحرير من المغامرة بزج كل رصيدها في القتال. وعلاوة على ذلك، فقد كان مخطط عمليات جيش التحرير يفرض على القوات عدم التمركز في منطقة ثابتة تتحول الى بؤرة لالتقاء ثقل قوات العدو عندها، الأمر الذي يساعد العدو على الافادة من تفوقه في القوى والوسائط لسحق الثورة. وهكذا بقيت الأسلحة الثقيلة في مخابئها ومستودعاتها السرية، ولم تظهر الا في المرحلة الأخيرة من الثورة. ويظهر ذلك مقدرة قيادة جيش التحرير على التخطيط بعيد المدى، لا من أجل مجابهة متطلبات الصراع اليومية، وإنما من أجل تأمين القدرة الذاتية وتصعيدها حتى تتمكن من مجابهة كل احتمالات الصراع في المستقبل.
مهما كان عليه الموقف، فقد نقلت قيادة جيش التحرير مسرح عملياتها إلى الصحراء، وعلى الرغم من أن عمليات الصحراء لم تتجاوز حدود بعض الاشتباكات العنيفة، الا أن هذه العمليات كانت ذات أهمية كبرى من الناحية السياسية إذ أكدت تصميم جبهة التحرير على الاحتفاظ بحق الجزائر في صحرائها، وامتلاكها للمناطق التي تم اكتشاف آبار البترول فيها حديثا. وكانت الحكومة الافرنسية، لأسباب سياسية واقتصادية معا، قد عملت على إقامة خط مؤقت للأنابيب يصل ببترول الصحراء إلى السوق الإفرنسية (وقد قطع الخط المذكور سنة ١٩٥٨ - على الرغم من أن الكميات التي وصلت إلى فرنسا عن طريقه كانت محدودة للغاية).
стр. 1902
٨ - مجزرة قرية ميلوزة
تقع في كل حرب من الحروب - التقليدية أو الثورية - بعض الأحداث المثيرة والغريبة، وهي أحداث قد لا تكون ذات أهمية من الناحية العسكرية، إلا أنها تحمل مضمونا كبيرا من حيث تأثيرها في الرأي العام المحلي أو العالمي. وقد وقع مثل هذا الحدث في قرية (ميلوزة) في أواخر (ماي - أيار - ١٩٥٧) حيث زعم أن الذكور من أهل هذه القرية الواقعة في وسط الجزائر، والذين يبلغ عددهم ثلاثمائة وثلاثة أشخاص، قد قتلوا في ليلة واحدة بسبب ولائهم للحركة الوطنية الجزائرية التي كان يتزعمها (مصالي الحاج). وقد أعلن رئيس الجمهورية الافرنسية (كوتي) عن تأثره الشديد لهذا الحادث، فناشد الضمير العالمي أن يحمل على هذا العمل وأن يستنكره.
وقد أحيط الحادث بالكثير من الغموض، ولم تسمح السلطات الإفرنسية لأي مراقب خارجي محايد بإجراء تحقيق في الموضوع، أو إحصاء عدد القتلى، والظاهر أن هذا الحادث لم يقع في قرية (ميلوزة) ذاتها وإنما في قرية مجاورة لها. وأكد الأمين العام للحركة الوطنية الجزائرية بأن للإفرنسيين علاقة بالحادث، وقد اتهمت جبهة
стр. 1903
التحرير الوطني الجزائرية القوات الافرنسية بالحادث، وطلبت إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة أن يطلب من فرنسا الموافقة على إرسال لجنة دولية للتحقيق في القضية. ولكن الحكومة الافرنسية رفضت الطلب، وبعد حوار طويل في الصحافة العالمية، انتهى البحث في موضوع هذه المجزرة.
وسواء أكان الصراع بين جبهة التحرير وبين حركة مصالي الحاج وراء هذه المجزرة أو لم يكن، فإن الوضع في وسط الجزائر، خلال منتصف العام ١٩٥٧، يشرح ما يمكن أن تحدثه أي حرب استعمارية من انقسامات في وسط الشعب الواحد، وما تحدثه من اضطراب في العلاقات الاجتماعية بسبب الاختلاف بين مراكز القوى، وبنتيجة تباين الولاء لها. وكانت هذه المنطقة مركزا (للجنرال بيلونس) وهو عضو سابق في اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات والديموقراطية. وقد عملت الادارة الافرنسية الاستعمارية على دعمه، وإمداده بالقوات والأسلحة، حتى يتصدى لقوات الثورة بحجة (الولاء لمصالي الحاج وحركته الوطنية). ولما شعر (بيلونس) بضعفه، وبعجزه عن مقاومة ضغط جبهة التحرير وقواتها العسكرية، عقد اتفاقا مع الجيش الإفرنسي يقضي بالحصول على السلاح من الإفرنسيين، وترك حرية العمل له من أجل مقاومة نشاط الجبهة وأعمالها وأدى هذا الأسلوب الذي سبق للافرنسيين استخدامه بنجاح في (فييتنام) إلى غضب جبهة التحرير.
ومن المحتمل أن يكون هذا الصراع هو الذي مهد السبيل للاصطدام العنيف بين الجبهة الوطنية الجزائرية، وحركة (مصالي الحاج). وعلى كل حال، فإن الجبهة لم تحاول إلقاء كل ثقلها في هذه المعركة الهامشية المصطنعة، وتركت (للجنرال بيلونس)
стр. 1904
حريته دون أن تعمل على تصفيته. حتى إذا ما جاء عام ١٩٥٨، تقدمت إليه الادارة الاستعمارية الإفرنسية بطلب من أجل الانضمام إلى الحركة التي تبناها الجيش الافرنسي، بالدعوة إلى التعاون بين
الجزائريين والافرنسيين في البلاد (حركة ١٣ أيار - مايو - ١٩٥٨).
ولكن (بيلونس) رفض هذه الدعوة. فوقع صدام بينه وبين جماعة الانقلاب من رجال الجيش الافرنسي والمستوطنين وسقط (بيلونس) قتيلا في الثالث عشر من أيار - مايو - (يوم الانقلاب)، ثم زعم الافرنسون فيما بعد أنهم أعدموه.
ووقع حادث غريب آخر في الصراع الجزائري - الافرنسي، أظهر بوضوح مدى الانقسام الواقع بين الاستعماريين ومسلمي الجزائر، وأكد طبيعة الحرب التي أخذت أبعادها الدينية كرد فعل طبيعي ضد الظاهرة الصليبية التي اتسمت بها حرب الاستعمار منذ بدايتها.
كان جميع الحكام العامين الإفرنسيين في الجزائر، تواقين دائما، ومنذ نشوب الثورة، إلى إظهار وجود تأييد جزائري إسلامي إلى جانبهم، وضمن هذا الإطار عمل الحاكم العام (سوستيل) وهو من دعاة (سياسة التكامل) على تنظيم جماعات مسلحة من مسلمي القبائل (البربر) تحت ستار (الدفاع عن النفس) لتتصدى لمقاومة جيش التحرير (سنة ١٩٥٥) وكان بين الجزائريين الذين طلبت إليهم السلطات الإفرنسية الانضمام الى هذه الجماعات، عدد غير قليل من مجاهدي جيش التحرير، وقد انضموا الى المشروع الجديد بعد أن حصلوا على موافقة قائدهم. وقد ظهرت المشكلة الأولى للجبهة، عندما صدر الأمر لهذه الجماعات، بعد أن اجتازت مرحلة
стр. 1905
من التدريب، بالخروج الى الجبال لقتال جيش التحرير الوطني. وعقد قادة القبائل مؤتمرا سريا لمناقشة الموقف، وقرروا تمثيل معارك صورية مع إخوانهم المجاهدين، وأن يتركوا على أرض المعركة (جثث الخونة) الذين يتم إعدامهم عادة.
وقد طبق هذا النظام بصورة دقيقة بضعة أشهر، كان فيها السلاح والمدافع والذخيرة، تتسرب كلها من هذه المجموعات الى المجاهدين في (منطقة القبائل). ومن السخرية حقا - بالكفاءة الافرنسية - ألا يكتشف القادة الاستعماريون سر هذه العملية، إلا عندما أعلنها مباشرة القائد (عبانة) أبرز قادة منطقة القبائل، ولكن وقبل أن يسمح (عبانة) لنفسه يكشف السر، وقبل أن يتمكن الافرنسيون أيضا من القيام بأية عملية انتقامية ضد هذه الجماعات، كان أفرادها قد قتلوا ضباطهم الافرنسيين، وعادوا إلى الالتحاق بقواعدهم لخوض الصراع مع إخوانهم المجاهدين.
لقد حملت هذه العملية اسم (الطائر الأزرق). وما من أحد يعرف سبب هذه التسمية. غير أن الأمر الثابت والمؤكد هو أن هذه العملية لم تكن الفريدة في نوعها. ويضم التاريخ - غير الرسمي وغير المعلن - للثورة الجزائرية، كثيرا من القصص المماثلة، والأحداث المثيرة وقد عرف عن بعض الضباط الافرنسيين - من رجال الخدمات الادارية الخاصة - أنهم تعاونوا أحيانا مع قادة جبهة التحرير الوطني - المحليين - أحيانا عن قصد، وأحيانا بدون قصد، في مشاريع مفيدة للجانبين. وكثيرا ما كان بعض الأثرياء من المستوطنين يجدون أنفسهم مرغمين على دفع الجزية إلى جبهة التحرير، مقابل سلامة ممتلكاتهم والمحافظة على أرواحهم.
стр. 1906
وكثيرا أيضا ما قيل من أن عددا منهم كان يقدم الملجأ والمأوى لقادة الثورة، ويضمن حمايتهم من الجيش الافرنسي.
...
وتبقى هذه الظاهرة من أبرز الظواهر التي حملت في مضمونها العامل الحاسم لانتصار الثورة. لقد جهدت فرنسا طوال (١٣٠) عاما على خلق هوة بين مسلمي الجزائر (عربهم وبربرهم) وكانت الوحدة الاسلامية تحت راية الجهاد في سبيل الله هي العامل الأقوى من كل محاولات التجزئة.
стр. 1907
٩ - الصراع على الحدود
كان الصراع على الحدود، أهم تطور عسكري وقع في العام (١٩٥٧). وقد نجح (عمارنة) في أن يأتي لتونس بكميات كبيرة من الأسلحة التي اجتازت حدود الجزائر في النصف الأول من العام. وأعلنت الحكومة الإفرنسية في شهر - أوت - آب - حقها في مطاردة الثوار الجزائريين إلى داخل الأراض التونسية، وهو حق زعمت أن القانون الدولي يخونها إياه، لتمنع مرور الأسلحة عبر الحدود. وهكذا شرعت بإقامة حاجز من الأسلاك الشائكة المكهربة (أطلق عليه اسم خط موريس نسبة الى وزير دفاعها) يمتد مائة ميل على طول الحدود التونسية - الجزائرية. وقد أقيمت فيه نقاط مسلحة بالمدفعية وأجهزة الرادار. وهذا الخط المكهرب يشبه ذاك الذي أقيم على الحدود الجزائرية - المغربية أيضا وقد بدأ العمل به في شهر سبتمبر - أيلول - وكان جيش التحرير، يستخدم لقطع هذه الأسلاك الحشوات المستطيلة (بنغالور) لإحداث ثغرات فيها، ثم يقوم رجاله بقطع الأسلاك بواسطة المقصات الخشبية. وكان جنود جيش التحرير يدفعون أمامهم أحيانا قطعانا من الماشية لتفجير الألغام الافرنسية، ويصبح باستطاعة الجنود عندئذ المرور مع البغال
стр. 1908
المحملة بالامدادات من أسلحة وذخائر. وقد تعلم الجيش الإفرنسي مؤخرا اسخدام المحولات الكهربائية لمنع انقطاغ التيار.
وقد كلف (خط موريس) قوات جيش التحرير الوطني الكثير من أيام العمل الإضافية، وخسارة كبيرة في الأرواح. وأدى إلى إبطاء وصول شحنات الأسلحة إلى مجاهدي الداخل، ولكنه لم يمنع وصولها بصورة نهائية. ولعل وجوده هو الذي أدى الى تطور الصراع، والتوسع بالهجمات التي كان يقوم بها المجاهدون في الداخل، للحصول على السلاح من الافرنسيين، وأدى كذلك إلى بقاء كمية أكبر من الوسائط القتالية برفقة المجاهدين المدربين تمام التدرب، على الأرض التونسية، فشكلوا بذلك الاحتياط العام لقوات الثورة الجزائرية.
لقد أرادت القيادة الاستعمارية الافرنسية عزل مسرح العمليات الجزائري عن محيطه الجغرافي والتاريخي، على نحو ما فعلته من قبل عند احتلال الجزائر، وعلى نحو ما فعلته أيضا عند القضاء على الثورات الجزائرية المتتالية. وقد أدرك قادة الجزائر، ومعهم قادة المغرب العربي - الاسلامي (تونس والمغرب) هذه الحقيقة، فتم العمل منذ البداية وحتى انتصار الثورة على تنسيق التعاون فيما بين الأقطار الثلاثة. ولم تكن إقامة (الحواجز) وتكوين (المناطق المحرمة) إلا محاولات لتمزيق وحدة أقطار المغرب العربي - والاسلامي. وفي الواقع، فقد تعرضت عملية تنسيق التعاون بين الأقطار الثلاثة إلى إحباطات كثيرة، تركت مرارة عميقة في نفوس المجاهدين الجزائريين. وكانت تلك الاحباطات من صنع فرنسا، أو ناجمة عن وجود الاستعمار ذاته. ولكن قيادة جبهة التحرير استطاعت تجاوز العقبات المصطنعة. وأمكن لها باستمرار أن تجد طريقة مناسبة لتنسيق التعاون مع جارتيها الشقيقتين ..
стр. 1909
وحدة من جيش التحرير في الحدود التونسية - الجزائرية.
стр. 1910
الفصل الثاني
١ - جيش التحرير في وثائق الثورة.
٢ - معركة الجرف.
٣ - القيم الأخلاقية عند جيش التحرير.
٤ - مع يوميات القتال في سنة (١٩٥٨).
٥ - معركة القلاب (١٩٥٨).
٦ - ماذا وقع بعد الكمين (١٩٥٨).
٧ - معركة (عين الزانة ١٩٥٩).
٨ - معركة الحوض (١٩٥٩).
٩ - معركة عنابة (١٩٥٩).
١٠ - عام الانتصارات (١٩٦٠).
١١ - الصراع في قلب مراكز العدو (١٩٦٠).
стр. 1911
١ - جيش التحرير في وثائق الثورة
قد يكون من الممتع والمفيد في آن واحد، استقراء ملامح جيش التحرير وتطوره وأعماله القتالية من خلال المنشورات والوثائق التي صدرت خلال مرحلة الثورة. ذلك أن هذه الوثائق والمنشورات مميزة بمجموعة من الخصائص، لعل من أبرزها صدقها في تصوير الأحداث، ومعالجتها للمواقف المختلفة بصورة موضوعية هذا علاوة على ما تفيض به من صدق العاطفة. وفي الواقع، فقد اعتمدت قيادة جيش التحرير على النشرات الدورية من أجل شرح حقائق الموقف للمقاتلين، ومعالجة مشكلاتهم، والرد على أساليب الحرب النفسية للقوات الاستعمارية. وكان من بين هذه النشرات الدورية - وفي طليعتها أيضا - (مجلة المجاهد) ثم جريدة (الشباب) وجريدة (المقاومة) التي دمجت فيما بعد بمجلة المجاهد. وكذلك (صدى الجبال). هذا بالإضافة الى تلك النشرات الرسمية التي كانت تصدر عن القيادة العامة، سواء في مجال التنظيم، أو من أجل توجيه مجاهدي جيش التحرير وتثقيفهم في أمور معينة (مثل أعمال الاستطلاع ومحاربة الجاسوسية الخ ..).
وفي الواقع، ربما كان من الصعب إعطاء صورة واضحة وكاملة
стр. 1912
عن كل ما تتضمنه تلك المنشورات والوثائق، إذ من الصعب الإحاطة بها لوفرتها، وإذن فلا بد من انتقاء بعض هذه الوثائق، بقدر ما هو ضروري لإبراز تطور جيش التحرير وأعماله.
وعلى سبيل المثال - لا الحصر - وفي مجال (إقامة السدود) ومحاولة عزل الجزائر، كتبت نشرة جزائرية ما يلي:
(كان الجيش الأفرنسي يحاول عزل الجزائر عن بقية العالم ببناء السد المكهرب الغربي، خلال شتاء ١٩٥٦، والسد الشرقي المسمى بخط موريس، أثناء النصف الثاني من سنة ١٩٥٧. وكانت معركة الحدود هذه تعتمد بالنسبة للقوات الاستعمارية على طرد (٢٨٠) ألف جزائري من ديارهم وقراهم وأرضهم وتكوين سد مجمد على جهتي الحدود. وبلغ عدد اللاجئين الجزائريين حده الأقصى خلال شتاء (١٩٥٧ - ١٩٥٨). ورد جيش التحرير على ذلك بالتمركز في الأماكن الواقعة على حدود البلاد والسد المكهرب الذي أقيم حول الخطوط الحديدية.
لكن هذا السد الذي كان من المقرر أن يستخدم (لخنق الجزائر) لم يكن في الواقع إلا عملا باهظ التكاليف وقليل الفاعلية، جندت فرنسا من أجله جهازا حربيا صخما، وألقى جيش التحرير لتجميد هذا الجهاز بجزء من قواته فقط، كما أفاد من هذه العطالة لتطوير تدريبه وتسلحه، ثم قام بهجمات محلية أو عامة بداية من جويليه - تموز - ١٩٥٨. ولم ينفك جيش التحرير الوطني من متابعة حربه ضد السد المكهرب (في إطار العصابات) مع تأمين إرسال الأسلحة الحديثة وزيادة عدته وعتاده.
стр. 1913
ففي هذه الفترة بالذات تألفت شبكة استعلامات على المستوى الوطني، شملت تأمين الاتصال بين الولايات ولجنة التنسيق والتنفيذ، وبين المناطق في كل ولاية) (*) إن مطالعة النص السابق وحده يبرز مجموعة من الحقائق: أولها - إدراك القيادة الجزائرية لأهداف العدو والكامنة وراء كل إجراء من إجراءاته. وثانيها -مجابهة كل موقف بالحلول المناسبة له، وثالثها - الإفادة من أخطاء العدو لإضعافه وتدميره - ماديا ومعنويا - مع زيادة القدرة الذاتية لقوات الثورة. وهذا ما يبرز أهمية العودة لوثائق الثورة.
стр. 1914
٢ - معركة الجرف
لا جرم أن الاستعمار الافرنسي قد خاب أيما خيبة (بالجرف) واعتبره موقعا مشؤوما عليه ففي شهر سبتمبر (أيلول) سنة ١٩٥٥ هزمت جيوشه المرتزقة في ذلك المكان الموجود في جبال (النمنشة) أشنع هزيمة، حيث استطاع مجاهدو جيش التحرير الوطني قتل أربعمائة جندي وإسقاط ثماني طائرات وإصابة ثلاث مصفحات، وقتل ثمانية عشر بغلا، وغنم مدفعين من نوع (بازوكا) وأربعين بندقية، وجهازا لاسلكيا (مرسل لاقط).
وفي السادس من شهر ابريل (نيسان) ١٩٥٦. وقعت في المكان ذاته معركة أخرى انتصر فيها جيش التحرير انتصارا رائعا على فيالق ضخمة من القوات الاستعمارية، مدعمة بسرب من الطائرات المقاتلة وبعض الطائرات العمودية (الهيليكوبتر) وعدد وافر من رجال المظلات.
وقد روى بعض أبطال هذه الأيام المجيدة تفاصيل المعركة بقولهم:
(تصوروا ناحية كلها جبال شاهقة وصخور عالية ومغاور عميقة
стр. 1915
وشعاب ملتوية يشقها واد بعيد الغور، وبها مكامن يتعذر الوصول إليها. ولقد وردتنا معلومات أكيدة بأن فرقة كبيرة من جيوش الأعداء تضم الجنود الشبان الذين قدموا حديثا من مدينة (نانت) قد كلفت باقامة مراكز للمراقبة فى تلك الناحية (المشكوك فيها). وكانت تلك المعلومات الواردة من مصلحة (استعلاماتنا) دقيقة جدا، إذ مكنتنا من معرفة المسالك التي ستمر بها الفرقة المذكورة، وكذلك أوقات تحركها، ومواعيد توقفها في كل مرحلة من المراحل، وحتى عدد جنودها ونوع أسلحتها وأسماء ضباطها. ولم يبق علينا إلا التهيؤ لاستقبالها والاستعداد للقضاء عليها.
وعلى هذا، فما انبثق فجر يوم ٦ ابريل (نيسان) حتى كان جميع رجالنا على علم بتفاصيل العملية التي سيتم تنفيذها، إذ أن من مبادىء جيشنا الفتي أن يعرف المجاهدون دائما هدفهم، والى أين هم قاصدون، وماذا يريد قادتهم منهم، وكثيرا ما تدرس مخططات العملية، ويتم الاعداد لها بحضورهم ومشاركتهم الفعلية.
قام الضباط والموجهون السياسيون بتزويد المجاهدين بتعليماتهم الأخيرة والتحق كل رجل بمركزه المحدد له، ونصبت الرشاشات الثقيلة منها والخفيفة في المراكز المناسبة، وانتشرت البنادق الرشاشة والمدافع الصغيرة في أماكنها، كما اختار (مهرة الرماة) أفضل المواقع المناسبة لهم بأعلى الجبال وبين الصخور. وكمن الجميع بانتظار العدو الذي بات من المتوقع ظهوره بين فترة وأخرى. ولم يطل الانتظار، فما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأت جنبات الوادي العميق والعاري من كل نبات، في ترديد أصداء هدير المحركات. وأيقن المجاهدون، وهم ينتظرون بصمت وخشوع، أن عددهم بات قريبا منهم، ففيم كانوا يفكرون في تلك
стр. 1916
اللحظة؟ ... هل كانوا يفكرون في وطنهم المكبل بالقيود منذ مائة وخمس وعشرين سنة؟ أم كانوا يفكرون فيما لحق بهم من ضروب الذل والهوان وهم في وطنهم؟ أم كانوا يفكرون في آبائهم ونسائهم وأطفالهم الذين خلفوهم وراءهم في المدن والقرى؟
لقد اعترف الكثيرون من أولئك الأبطال الذين خاضوا المعركة، فيما بعد، بأنهم ما فكروا إلا في إخوانهم المجاهدين الذين تصدوا في القرن الماضي للهجمات الافرنسية، خصوصا وأن أحد المندوبين كان قد حدثهم في الليلة السابقة عن أولئك (المسبلين) الأماجد الذين كبلوا أنفسهم في القيود تأكيدا على تصميمهم على الثبات أمام الجيوش الإفرنسية، ومنعها من احتلال قريتهم أو الموت دونها. هذا بينما كان آخرون يفكرون في أصدقائهم ورفاقهم الذين سبقوهم الى الشهادة في المعارك السابقة.
على كل حال، وبينما المجاهدون في صمتهم وترقبهم، تناهى إلى سمعهم صوت أيقظ انتباههم، ووجه أبصارهم نحو العدو وقد بدت طلائعه. لقد سمعوا آذانا وتكبيرا صادرا عن أعلى الربوة، وأخذوا في انتظار سماع صوت المؤذن وهو يرسل تكبيراته من التل المقابل ليطلقوا نيرانهم. وما هي الا لحظة حتى ترددت صيحة (الله أكبر). ودوت في الجبال طلقات الرماة الأحرار. وانهمر الرصاص على الأعداء، فتوقفت سياراتهم وشبت فيها النيران من كل جانب، وانتشرت الفوضى، وهيمن الاضطراب على قوات العدو، وما هي إلا ربع ساعة حتى تكدست الجثث، ولم ينج من الموت إلا بعض الجرحى، فخرج إذ ذاك المجاهدون من مكامنهم، واستولوا على كميات مذهلة من الأسلحة والذخائر.
стр. 1917
لم يثمل المجاهدون بما أحرزوه من نصر، فقد كانوا على ثقة بأن العدو سيرسل نجدات عاجلة لإنقاذ قواته ودعمها، فكان لزاما عليهم التربص لهذه القوات، وفي الحقيقة، فإنه لم تمض فترة طويلة حتى ظهرت قوات جديدة وهي تقترب من مسالك الجبال، بالإضافة إلى تلك القوات من المظليين التي أخذت في الهبوط من الطائرات العمودية. وكانت الامدادات تتدفق من كل مكان. ولاحظ المجاهدون أن هناك بعض مفارز المظليين (ذوي القبعات الحمراء) قد جاؤوا من (تبسة) ذاتها. واستمر تقاطر القوات طوال فترة المساء، واستؤنف في اليوم التالي. فعرف المجاهدون أن في انتظارهم موقعة ستكون من أقسى المعارك التي دارت رحاها بين المجاهدين وبين قوات الاستعمار الإفرنسي، منذ أن اندلعت نار الثورة.
كان الرماة المجاهدون، وهم في مكامنهم العالية المنيعة، يطلقون النيران الكثيفة من رشاشاتهم على الطائرات المقاتلة والطائرات العمودية حتى يمنعوها من الهبوط وكانت الطائرات المقاتلة مختلفة في نوعها، منها قاذفات القنابل ومنها المطاردة - الاعتراضية .. استمرت الاشتباكات العنيفة طوال الليل، على ضوء الشهب المنيرة التي كانت تطلقها الطائرات الإفرنسية فتحيل ليل المعركة نهارا وتجددت الاشتباكات بوتيرة متصاعدة في الساعة الخامسة والنصف من صباح الغد. وأظهر المجاهدون من الإقدام والثبات بقدر ما أظهروه في معركة اليوم السابق، ما وهن لهم عزم، ولا ضعفت منهم إرادة، ولم يفتر تصميمهم في وقت من الأوقات عن طلب النصر أو الشهادة. ولهذا لم يكن يهمهم الإسراع لملاقاة عدو يتفوق عليهم بكثرة عدده ووفرة عتاده وتفوق أسلحته
стр. 1918
وجدير بالذكر أن المجاهدين أفادوا في معركتهم من الأسلحة والذخائر التي غنموها في معركتهم الأولى، فكبدوا العدو خسائر فادحة، وكانت رمايات المجاهدين مميزة بدقتها وإحكامها، بحيث أنه قلما انطلقت رصاصة إلا وأصابت معتقلا من جند العدو. وأثناء ذلك، كان سيل قوات العدو مستمرا في تدفقه، وقد تمكنت هذه القوات من تشكيل سياج أحاط بميدان المعركة على مساحة قدرها خمسون كيلومترا مربعا. واشتركت في تشكيل السياج ومحاصرة قوات المجاهدين قوة ضمت آلاف الجنود الافرنسيين المدعومين بست طائرات مطاردة، واثنتي عشرة طائرة عمودية (هيليكوبتر) وثلاث طائرات استطلاع (بيبركاب)، وعدد من جنود المغاوير البحرية (ذوي القبعات الخضراء - المظليين أيضا) والذين استمر إنزالهم خلف قوات المجاهدين طوال ساعات عديدة. وظهرت للمجاهدين خطة العدو واضحة تماما: إنه يريد تدميرهم وإبادتهم. غير أن ذلك لم ينل من روحهم المعنوية، فرفعوا أصواتهم بالنشيد الوطني (وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر) ذلك النشيد الذي بات لحنا حلوا على لسان الجزائريين، رجالهم ونسائهم وأطفالهم، والذي باتت تردد أصداءه الجبال والوديان وجدران السجون والمعتقلات والمحتشدات.
قرر المجاهدون الخروج من دائرة الحصار، ووضعوا خطتهم، وأعادوا تنظيم قوتهم، واختاروا النقطة التي سيفتحون فيها ثغرتهم، وقاموا بالانقضاض مستخدمين كل قوة نيرانهم، وأمكن لهم شق طريقهم، وخلفوا العدو وراءهم. غير أنهم لم ينسوا في مأزقهم، وبالرغم من سرعة انسحابهم، أن يحملوا معهم ما غنموه من السلاح، بقدر ما تسمح لهم قدرتهم على الحمل، فكان في
стр. 1919
غنائمهم: (٢٥ رشاشة، و٧ بندقيات رشاشة، ومدفعان من عيار - ٦٠ - و٧ بندقيات من نوع - ماس ٤٩ - و٤ بنادق من نوع - ماس ٣٦ - علاوة على كمية وفيرة من المسدسات والعتاد وأربعة أجهزة لاسلكية (مرسلة آخذة) راديوفون).
لقد تناقضت البلاغات الإفرنسية التي صدرت بصدد هذه المعركة، وحاولت الصحافة الإفرنسية والأجهزة الإعلامية التابعة لها، التخفيف من حجم الخسائر. غير أن أحد كبار الضباط الإفرنسيين ذكر بأن (معركة الجرف) قد أسفرت عن مصرع (٣٧٤) رجلا بينهم عدد من الضباط، هذا بالإضافة إلى مئات الجرحى. وخسر المجاهدون مقابل ذلك ثمانية قتلى و (٢١) جريحا.
وتمكن المجاهدون من إسقاط (٦) طائرات عمودية (نموذج سكورسكي)، وطائرة مطاردة (نموذج تندربلت)، وإصابة طائرة (بيبركاب) مع إحراق (٧) سيارات كبيرة من سيارات نقل الجند، علاوة على تدمير كميات من أعتدة العدو وتجهيزاته القتالية.
***
стр. 1920
٣ - القيم الأخلاقية عند
جيش التحرير (*)
عندما بدأت الثورة الجزائرية زحفها المظفر، بجماعات قليلة من الشباب الثائر، تلقاها الشعب الجزائري كله بالفرح والتأييد، فكثرت فرق المجاهدين، وتوسعت مناطق النفوذ، وبدأت النظم التي كانت حتى الأمس أملا في الصدور، وفكرة في العقول، تبرز حقيقة ساطعة وواقعا حيا.
لقد استطاعت الثورة الجزائرية أن تتقدم نحو النصر، بسبب ذلك التجاوب العميق الذي كان بين الرأس الموجه للثورة، وبين الشعب الذي وجه إليه النداء. وكان ذلك التجاوب نفسه هو الذي أعطى للجماعات المجاهدة من اليوم الأول للثورة، ذلك الطابع القوي من الخلق الفاضل، والسلوك المثالي، لقد تطهر الشعر الجزائري من أدرانه بعد سنوات الاحتلال الافرنسي الغاشم، وبعدما أنزله الاستعمار من محن ونوائب بهذا الشعب الذي عاد للظهور وهو يحمل كل فضائله الدينية والأخلاقية التي بقيت كامنة طوال أكثر من
стр. 1921
قرن من الزمن، تنتظر الفرصة المناسبة وتتحين الظرف الملائم الذي أوجدته ثورة الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤. فكانت هي الإيذان لتلك القيم بالظهور، على طبيعتها، فبهرت الدنيا وأدهشت العالم.
...
كان جيش التحرير الوطني هو التنظيم الذي مكن تلك القيم التي كانت حتى الأمس كامنة، بالظهور. وكان جيش التحرير هو الذي آلت إليه تلك القيم، فأعطاها النظام الملائم. لقد بدأت فرق جيش التحرير، في أول الأمر، قليلة لا تملك إلا التوجيهات العامة، ثم جاء مؤتمر (٢٠ أوت - آب - ١٩٥٦) الذي أعطى بعد ذلك نظاما موحدا لجيش التحرير في كامل ولايات الكفاح في القطر الجزائري، والذي سن قوانين محددة لا يتعداها المجاهد، ويرجع إليها جميع القادة. وهكذا أصدر ذلك المؤتمر قرارا بتحريم الإعدام ذبحا، وتحريم جميع أنواع التمثيل بالشخص أو التشويه بخلقته. كما نص على أن كل من يتعدى على عرض فتاة أو امرأة محكم عليه بالإعدام. وعلى أن تنفيذ الإعدام لا يتم إلا بعد محاكمة شرعية قانونية، يتمكن فيها المتهم من الدفاع عن نفسه، كما أمر بوجوب العناية بالأسرى. وانصرف قادة الجيش بعد المؤتمر إلى مختلف ولاياتهم يطبقون نظاما واحدا، ويرجعون إلى قانون واحد، وتقودهم إلى الهدف الواحد أخلاق واحدة، وسلوك مثالي مشترك. وبذلك تكون الثورة قد أقامت الدليل عل أنها تمثل القيم الأخلاقية للشعب الجزائري.
لم تكن تلك النظم برنامجا من وضع شخص بمفرده، ولكنها كانت
стр. 1922
الإعداد النفسي، محاضرة في معاقل الثوار
стр. 1923
نظاما يتجاوب مع ما يشعر به كل جزائري في أعماقه من إحساس عميق، وما يؤمن به داخل نفسه من سلوك، وما يطبقه في حياته من أخلاق. ولذلك لم يجد قادة جيش التحرير، عندما رجعوا الى مراكز عملهم، صعوبة في تطبيق تلك النظم، ولذلك أيضا لم تبق تلك النظم مجرد عبادة مكتوبة أو قاعدة محفوظة، ولكنها صارت حقيقة ثابتة يعيشها المجاهد في وحدته ويطبقها في حياته اليومية، ويؤيدها الشعب كله، وهذا هو ما مكن جيش التحرير من إحراز انتصاراته بالرغم من قلة عدده. وقد اعترف الأعداء ذاتهم بهذه الحقيقة التي كانت سببا في إحباط جميع الدعايات الاستعمارية التي حاولت أن تبرز مجاهدي الثورة في صورة قطاع الطرق، الذين لا يقيمون وزنا لأي مثل أخلاقي أعلى ولقد شاهد الصحافيون الأجانب بأنفسهم ما يتمتع به المجاهدون الجزائريون من سلوك فاضل وروح عالية وانضباط رائع.
لقد كتب صحافي إفرنسي زار ولاية وهران في السنة الماضية (١٩٥٦) يقول: (ومما لاحظته أثناء مقامي في المناطق التي زرتها، أن جنود جيش التحرير يحترمون بكل دقة قوانين الحرب. وقد شاهدت بعيني أسيرين إفرنسيين يعيشان بين الجنود، ويأكلان مما يأكلون، ويطالعون الصحف، ولسنا في حاجة إلى أن نورد أسماء الأسرى الذين أطلقت قيادة جيش التحرير سراحهم فعادوا الى أهلهم يعيشون في سلام. أولئك الأسرى الذين تعمدت الصحف الإفرنسية أن تصمت عنهم، فلم تشر إليهم بأكثر من إشارة غامضة، إلا أن ذلك لم يمنع الحقيقة من أن تنتصر في النهاية. وها هم اليوم مبعوثو الصحف الكبرى والمجلات الأجنبية، التي لها صدى كبير في العالم أجمع، يزورون معاقل جيش التحرير، في جبال الجزائر، فيرون عن كثب أن ما تنشره قيادة جيش التحرير ليس دعاية مبالغا فيها ولكنه الواقع المحض).
стр. 1924
إن جيش التحرير الوطني هو جيش ثوري تتألف أغلبيته من شبان ملأ الإيمان قلوبهم، ودفعهم الهدف النبيل الى الكفاح الشاق والمرير، ومن ذلك، أن الشباب الطامح يتخرج منه الضباط والمسؤولون العسكريون الذين يشرفون على توجيه الثورة وقيادة فرق جيش التحرير. ولنرجع إلى شهادة الإفرنسي الذي زار ولاية (وهران) فقد كتب يقول: (لقد لمست هذا الإيمان في محادثة أجريتها مع أحد المجاهدين، إذ قال لي: هل يحسب المستعمرون أن أولئك الذين صمدوا إلى الجبال سوف ينزلون منها دون أن يحصلوا على الاستقلال؟ فلو فرضنا أنه لم يبق في الجزائر إلا امرأة عمياء، فإنها لن تتردد في حمل السلاح وفي الكفاح من أجل وطنها. ولو فرضنا أن تلك المرأة تسقط بدورها شهيدة الواجب، فإن الجزائر بأكملها - الجزائر التي أحرقت غاباتها وأبيد أهلها - سوف تثور حجارتها على المستعمر الطاغية).
...
يجمع المجاهدون الجزائريون، إلى هذا الإيمان العميق، إقداما عجيبا على الموت وطلب الشهادة، لا تردهم عن غايتهم رغبة في حياة، أو تعلق بملذة من ملاذ الحياة. إنهم واجهوا العدو، في ثبات منقطع النظر، واستطاعوا أن ينسجوا بتفانيهم في أداء الواجب، أروع قصص البطولة والتضحية. ومن من الناس يجهل اليوم أحاديث تلك المعارك الرهيبة التي خاضها جيشنا في كل مكان. فأظهر من صنوف الإقدام والثبات ما بهر العدو، وزعزع معنوياته، وجعله يتأكد أنه لن ينتصر على جيش التحرير الوطني؟.
إن جيش التحرير في مواجهته للعدو الإفرنسي لا يعتمد إلا على الشعب، ولذلك تراه يعتني بالمدنيين، ويجنبهم هجمات العدو،
стр. 1925
ويبذل قصارى جهده لحماية المدنيين العزل من ضربات (وحوش التهدئة) ليس هذا فقط، بل إن جيش التحرير قد وضع في كامل (ولايات الكفاح) منظمات اجتماعية وصحية للعناية بعلاج المرضى والجرحى. بل كثيرا ما ساهم المجاهد الجزائري في حراثة الأرض، وتقديم العون للفلاح على أداء عمله الشاق. وتلك هي خطوط عامة ولمحات وجيزة عما يمتاز به جيش التحرير من فضائل خلقية، فهو رؤوف بالمدنيين. شجاع في مقابلة العدو، إنسان في احترام قوانين الحرب. ولذلك فليس من تجاوز للحقيقة عندما يوصف جيش التحرير الوطني بأنه الممثل الوحيد للقيم الأخلاقية العليا التي يتصف بها شعب الجزائري.
...
والآن لننظر ما هو نصيب الجيش الافرنسي من الأخذ بتلك الأخلاق والفضائل، وما هو أسلوب الجيش الافرنسي في حربه ضد شعب الجزائر المجاهد؟ - إن الجيش الافرنسي لا يخوض حربا بالمعنى المعهود للكلمة، لأن جنده وقادته وموجهيه تحولوا كلهم الى وحوش تنشر الدمار والخراب، وتحرق الغابات والمنازل، وتقتل الأبرياء والمدنيين، إنهم يحاولون إبادة الشعب الجزائري. إن فرسا في حربها ضد الجزائر المجاهدة قد حشدت جميع قوى البغي والطغيان والشر، وراحت تحاول بشتى الوسائل، في المدن كما في القرى، في الجبال كما في السهول، القضاء على المقاومة المسلحة وتدميرها. وأخبار الفظائع الافرنسية باتت بارزة على صفحات معظم المجالات والصحف في العالم، ولم تعد خافية على أحد. بل ان الافرنسيين ذاتهم قد تعرضوا لبعض صور (حرب الابادة) التي جعلت من الافرنسيين أمة من أكثر أمم الأرض وحشية
стр. 1926
ونذالة، وهل هناك من بات يجهل قصص (فظائع التهدئة) التي عمت الجزائر؟ ...
وهل من الناس من لم يعرف ما نظمته فرنسا في سنة (١٩٥٦) من إحراق للغابات، مع من يقيم فيها من المواطنين، وبما فيها من خيرات؟ وهل في الناس من يجهل اليوم (أخبار المشوهين) الذين يموتون تحب التعذيب، لا لسبب إلا بسبب حظهم العاثر الذي جعلهم يصادفون جنديا إفرنسيا في الطريق؟ ومن يجهل أيضا حوادث الإعدام بدون ذنب ومن غير محاكمة؟ ومن من الناس يجهل حوادث المشبوهين الذين تقذف بهم الطائرات الإفرنسية، فيقضون أجلهم في الفضاء قبل أن يتحطموا على الأرض كتلا آدمية، وقطعا متداخلة من لحم وعظام؟ وهل هناك من لم يعرف بتلك المجازر الاجماعية التي لم يتردد الافرنسيون المتحضرون في أن يستعملوا الفؤوس لتهشيم الرؤوس وقطع الرقاب، ليصدق الناس - حسب توهمهم - أنها من فعل الثوار؟ ...
لم يقف جند فرنسا - المتحضرة - عند حدود تقتيل المدنيين والأبرياء، بل تجاوزوا ذلك الى ذبح النساء والشيوخ والأطفال، وبقر بطون الحوامل ليروا ما تحمله من ذكر أو أنثى، بعد أن يكونوا قد قامروا عليها فيما بينهم بزجاجة خمر أو حتى علبة لفافات تبغ (سجاير). وكأن ذلك كله لم يكف السلطة الاستعمارية الإفرنسية، فراحت تقتل في وضح النهار باسم القانون، وتعلن للدنيا قاطبة، وكأنها تتحدى العالم أجمع، تقتيلاتها تلك، فنصبت المقصلة تقطع رؤوس المجاهدين الجزائريين الذين يعتبرون في نظر الاتفاقيات الدولية أسرى حرب، لا حق لفرنسا في أن تحاكمهم، فضلا عن أن تنفذ فيهم أحكام الإعدام.
стр. 1927
إن الافرنسيين، لما توالت هزائمهم في البوادي أثناء الاشتباكات والمكامن يوقعهم فيها (جيش التحرير الوطني) ولما فشلوا في المدن أمام أعمال الفدائيين، لم يسلكوا طريق الحرب وقوانينها. وإنما لجأوا إلى الأساليب التي تعبر عن الجبن والنذالة، وأملهم في ذلك قمع الثورة، وتدمير الروح المعنوية للشعب الجزائري حتى يتراجع عن طريق الجهاد. غير أن ذلك ما نال شيئا من إيمان الشعب، وما أضعف أبدا من الروح المعنوية للمجاهدين الجزائريين الذين تعاظم تصميمهم، وتزايد عنادهم - لدى رؤيتهم لتلك المجازر الوحشية. فمضوا على طريق الجهاد للقضاء على ذلك الوجه الاستعماري الذي ما كانوا يعرفون عنه إلا القليل.
ذلك هو أسلوب المستعمرين الذي قادهم إلى الهزيمة، وذلك هو أسلوب الثوار الذي قادهم إلى النصر.
стр. 1928
٤ - مع يوميات القتال
في سنة ١٩٥٧ (*)
سبقت الاشارة إلى تطور الأعمال القتالية في سنة ١٩٥٧ وكانت قيادة (جيش التحرير الوطني) تصدر، بلاغاتها على شكل نشرة يتم تعميمها في كافة (ولايات الكفاح) حتى يتعرف المجاهدون على ما يقوم به إخوانهم في الولايات الأخرى. وقد حملت إحدى النشرات (المقاومة) في مقدمتها ما يلي: (معارك رهيبة منيت فيها قوات الاحتلال بخسائر ذريعة في الأروح والعتاد الحربي: (٧٤٨) قتلى و (٥٤ ١) جرحى و (٦) أسرى و (٣٦) ينضمون إلى جيش التحرير بأسلحتهم. وإسقاط (٧) طائرات، وإحراق (٣) سيارات، وغنم (١٥) رشاشة و (٥) مدافع هاون و (١) قنبلة) وقد يكون من المناسب الوقوف لحظة عند مضمون تلك البلاغات ونصوصها بمثل ما ظهرت فيها - عبر لهيب الثورة -.
ولاية الشمال
(القاعدة الشرقية)
١ - في يوم ٢٧ مارس - آذار- قامت قوات الاحتلال الإفرنسية
стр. 1929
التي يبلغ عدد أفرادها خمسة آلاف جندي بتطويق إحدى كتائبنا في المكان المسمى (العلمة) على بعد سبعة كيلومترات شرقي قرية (فاستو). واستمر تبادل إطلاق النار بين الجانبين حتى الساعة الثانية عشرة ليلا. وبلغت خسائر العدو في الأرواح واحدا وخمسين قتيلا. ولم يعرف عدد الجرحى. واستشهد جندي واحد من جند جيش التحرير وجرح أربعة آخرون.
٢ - في يوم ٢٨ مارس - آذار - صباحا، وعلى بعد (٤ كيلومترات) من (هنشير السعيدي - قالياني) اصطدم أحد أفواجنا بدورية استعمارية تتألف من (١٥) جنديا إفرنسيا، فتبادلوا إطلاق النار طوال ما يقارب من نصف ساعة. ثم فرت الدورية تاركة وراءها (٥) من القتلى وجريحين استطاعا اللحاق بهما، وسلم المجاهدون من كل أذى.
٣ - وفي يوم ٣ أفريل - نيسان - ١٩٥٧ - وقعت قافلة عسكرية مؤلفة من (٤) سيارات حربية وسيارة خفيفة (جيب) في كمين نصبه لها المجاهدون في الطريق الواصل بين (القالة) و (عنابة)، وألحقت بالعدو خسائر جسيمة، فقد انقلبت سيارتان على حافة الطريق وتحطمتا وألحقت أيضا خسائر بالسيارتين الباقيتين وبسيارة - الجيب - وقد قتل من قوات العدو (١٥) جنديا وجرح أكثر من (١٥) جنديا آخر، هذا ولم تلحق بقواتنا أية خسارة.
٤ - وفي يوم ٦ أريل - نيسان - ١٩٥٧ - هاجم فوج من المجاهدين في الساعة الخامسة مساء مركزا عسكريا للعدو على بعد (١٠ كيلومترات) من (هنشير السعيدي) بالمكان المسمى (قلعة سيدي السعيد). واستمر تبادل إطلاق النار لمدة ساعة، وأسفر عن
стр. 1930
قتل (١٥) جنديا إفرنسيا - منهم الحارس - وانسحب جنودنا سالمين.
٥ - وفي ليلة ٨/ ٤/ ١٩٥٤ - احرقت فرقة من رجالنا مدرسة (بني خيار) الإفرنسية التي استخدمها العدو مقرا لفرقة له حتى يشن منها غاراته على المدنيين العزل.
ولاية الأوراس
(ناحية بريكة)
١ - في يوم ١٩٥٧/ ٣/١٢. وقع اشتباك بين الجنود الافرنسيين وفرق من رجال جيش التحرير الوطني في الساعة الرابعة بعد الظهر بجبل (أولاد سلطان - ضواحي بريش) قتل أثناءه (٨٧) جنديا إفرنسيا وجرح عدد كبير كما أصيب أحد المجاهدين بجراح خفيفة هذا وقد استولى المجاهدون على صندوق كبير فيه (٥٠) قنبلة من قنابل مدافع الهاوين ورشاشة وكمية من الأدوية تقدر قيمتها بمبلغ (٦٠) ألف فرنك تقريبا.
٢ - في ١٣/ ٣/ ١٩٥٧. هاجم المجاهدون مركزا عسكريا ببلدة (بريكة) فقتلوا (٣) جنود إفرنسيين، وجرحوا (٧) آخرين ورجعوا سالمين.
٣ - في ليلة ١٩٥٧/ ٣/٢٣. قام رجال جيش التحرير الوطني بتطويق بلدة (بريكة) ووجهوا نيران بنادقهم الرشاشة الى المراكز العسكرية، فقتلوا (٦) افرنسيين وجرحوا (١١) آخرين بجراح مختلفة، واختطفوا من وسط القرية دورية عسكرية افرنسية تتكون من (٦) جنود حاملين أربعة بنادق حربية من نوع (ماس) ورشاشتين من نوع (ماط) ثم انسحبوا بسرعة سالمين غانمين.
٤ - في ١٩٥٧/ ٣/٢٤ - ليلا - هوجمت المراكز العسكرية