← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ونذالة، وهل هناك من بات يجهل قصص (فظائع التهدئة) التي عمت الجزائر؟ ... وهل من الناس من لم يعرف ما نظمته فرنسا في سنة (١٩٥٦) من إحراق للغابات، مع من يقيم فيها من المواطنين، وبما فيها من خيرات؟ وهل في الناس من يجهل اليوم (أخبار المشوهين) الذين يموتون تحب التعذيب، لا لسبب إلا بسبب حظهم العاثر الذي جعلهم يصادفون جنديا إفرنسيا في الطريق؟ ومن يجهل أيضا حوادث الإعدام بدون ذنب ومن غير محاكمة؟ ومن من الناس يجهل حوادث المشبوهين الذين تقذف بهم الطائرات الإفرنسية، فيقضون أجلهم في الفضاء قبل أن يتحطموا على الأرض كتلا آدمية، وقطعا متداخلة من لحم وعظام؟ وهل هناك من لم يعرف بتلك المجازر الاجماعية التي لم يتردد الافرنسيون المتحضرون في أن يستعملوا الفؤوس لتهشيم الرؤوس وقطع الرقاب، ليصدق الناس - حسب توهمهم - أنها من فعل الثوار؟ ... لم يقف جند فرنسا - المتحضرة - عند حدود تقتيل المدنيين والأبرياء، بل تجاوزوا ذلك الى ذبح النساء والشيوخ والأطفال، وبقر بطون الحوامل ليروا ما تحمله من ذكر أو أنثى، بعد أن يكونوا قد قامروا عليها فيما بينهم بزجاجة خمر أو حتى علبة لفافات تبغ (سجاير). وكأن ذلك كله لم يكف السلطة الاستعمارية الإفرنسية، فراحت تقتل في وضح النهار باسم القانون، وتعلن للدنيا قاطبة، وكأنها تتحدى العالم أجمع، تقتيلاتها تلك، فنصبت المقصلة تقطع رؤوس المجاهدين الجزائريين الذين يعتبرون في نظر الاتفاقيات الدولية أسرى حرب، لا حق لفرنسا في أن تحاكمهم، فضلا عن أن تنفذ فيهم أحكام الإعدام.

стр. 1927

إن الافرنسيين، لما توالت هزائمهم في البوادي أثناء الاشتباكات والمكامن يوقعهم فيها (جيش التحرير الوطني) ولما فشلوا في المدن أمام أعمال الفدائيين، لم يسلكوا طريق الحرب وقوانينها. وإنما لجأوا إلى الأساليب التي تعبر عن الجبن والنذالة، وأملهم في ذلك قمع الثورة، وتدمير الروح المعنوية للشعب الجزائري حتى يتراجع عن طريق الجهاد. غير أن ذلك ما نال شيئا من إيمان الشعب، وما أضعف أبدا من الروح المعنوية للمجاهدين الجزائريين الذين تعاظم تصميمهم، وتزايد عنادهم - لدى رؤيتهم لتلك المجازر الوحشية. فمضوا على طريق الجهاد للقضاء على ذلك الوجه الاستعماري الذي ما كانوا يعرفون عنه إلا القليل. ذلك هو أسلوب المستعمرين الذي قادهم إلى الهزيمة، وذلك هو أسلوب الثوار الذي قادهم إلى النصر.

стр. 1928

٤ - مع يوميات القتال في سنة ١٩٥٧ (*) سبقت الاشارة إلى تطور الأعمال القتالية في سنة ١٩٥٧ وكانت قيادة (جيش التحرير الوطني) تصدر، بلاغاتها على شكل نشرة يتم تعميمها في كافة (ولايات الكفاح) حتى يتعرف المجاهدون على ما يقوم به إخوانهم في الولايات الأخرى. وقد حملت إحدى النشرات (المقاومة) في مقدمتها ما يلي: (معارك رهيبة منيت فيها قوات الاحتلال بخسائر ذريعة في الأروح والعتاد الحربي: (٧٤٨) قتلى و (٥٤ ١) جرحى و (٦) أسرى و (٣٦) ينضمون إلى جيش التحرير بأسلحتهم. وإسقاط (٧) طائرات، وإحراق (٣) سيارات، وغنم (١٥) رشاشة و (٥) مدافع هاون و (١) قنبلة) وقد يكون من المناسب الوقوف لحظة عند مضمون تلك البلاغات ونصوصها بمثل ما ظهرت فيها - عبر لهيب الثورة -. ولاية الشمال (القاعدة الشرقية) ١ - في يوم ٢٧ مارس - آذار- قامت قوات الاحتلال الإفرنسية

стр. 1929

التي يبلغ عدد أفرادها خمسة آلاف جندي بتطويق إحدى كتائبنا في المكان المسمى (العلمة) على بعد سبعة كيلومترات شرقي قرية (فاستو). واستمر تبادل إطلاق النار بين الجانبين حتى الساعة الثانية عشرة ليلا. وبلغت خسائر العدو في الأرواح واحدا وخمسين قتيلا. ولم يعرف عدد الجرحى. واستشهد جندي واحد من جند جيش التحرير وجرح أربعة آخرون. ٢ - في يوم ٢٨ مارس - آذار - صباحا، وعلى بعد (٤ كيلومترات) من (هنشير السعيدي - قالياني) اصطدم أحد أفواجنا بدورية استعمارية تتألف من (١٥) جنديا إفرنسيا، فتبادلوا إطلاق النار طوال ما يقارب من نصف ساعة. ثم فرت الدورية تاركة وراءها (٥) من القتلى وجريحين استطاعا اللحاق بهما، وسلم المجاهدون من كل أذى. ٣ - وفي يوم ٣ أفريل - نيسان - ١٩٥٧ - وقعت قافلة عسكرية مؤلفة من (٤) سيارات حربية وسيارة خفيفة (جيب) في كمين نصبه لها المجاهدون في الطريق الواصل بين (القالة) و (عنابة)، وألحقت بالعدو خسائر جسيمة، فقد انقلبت سيارتان على حافة الطريق وتحطمتا وألحقت أيضا خسائر بالسيارتين الباقيتين وبسيارة - الجيب - وقد قتل من قوات العدو (١٥) جنديا وجرح أكثر من (١٥) جنديا آخر، هذا ولم تلحق بقواتنا أية خسارة. ٤ - وفي يوم ٦ أريل - نيسان - ١٩٥٧ - هاجم فوج من المجاهدين في الساعة الخامسة مساء مركزا عسكريا للعدو على بعد (١٠ كيلومترات) من (هنشير السعيدي) بالمكان المسمى (قلعة سيدي السعيد). واستمر تبادل إطلاق النار لمدة ساعة، وأسفر عن

стр. 1930

قتل (١٥) جنديا إفرنسيا - منهم الحارس - وانسحب جنودنا سالمين. ٥ - وفي ليلة ٨/ ٤/ ١٩٥٤ - احرقت فرقة من رجالنا مدرسة (بني خيار) الإفرنسية التي استخدمها العدو مقرا لفرقة له حتى يشن منها غاراته على المدنيين العزل. ولاية الأوراس (ناحية بريكة) ١ - في يوم ١٩٥٧/ ٣/١٢. وقع اشتباك بين الجنود الافرنسيين وفرق من رجال جيش التحرير الوطني في الساعة الرابعة بعد الظهر بجبل (أولاد سلطان - ضواحي بريش) قتل أثناءه (٨٧) جنديا إفرنسيا وجرح عدد كبير كما أصيب أحد المجاهدين بجراح خفيفة هذا وقد استولى المجاهدون على صندوق كبير فيه (٥٠) قنبلة من قنابل مدافع الهاوين ورشاشة وكمية من الأدوية تقدر قيمتها بمبلغ (٦٠) ألف فرنك تقريبا. ٢ - في ١٣/ ٣/ ١٩٥٧. هاجم المجاهدون مركزا عسكريا ببلدة (بريكة) فقتلوا (٣) جنود إفرنسيين، وجرحوا (٧) آخرين ورجعوا سالمين. ٣ - في ليلة ١٩٥٧/ ٣/٢٣. قام رجال جيش التحرير الوطني بتطويق بلدة (بريكة) ووجهوا نيران بنادقهم الرشاشة الى المراكز العسكرية، فقتلوا (٦) افرنسيين وجرحوا (١١) آخرين بجراح مختلفة، واختطفوا من وسط القرية دورية عسكرية افرنسية تتكون من (٦) جنود حاملين أربعة بنادق حربية من نوع (ماس) ورشاشتين من نوع (ماط) ثم انسحبوا بسرعة سالمين غانمين. ٤ - في ١٩٥٧/ ٣/٢٤ - ليلا - هوجمت المراكز العسكرية

стр. 1931

الافرنسية التالية: (بوطالب - أولاد نجاح - مقاوس - روس العيون). ونجحت فرقنا المسلحة في قتل حارس مركز (روس العيون العسكري) و (١٥) جنديا من جند اللفيف الأجنبي، وإتلاف جميع أسلاك الكهرباء التي تمد بلدة (بريكة) بالقدرة الكهربائية. فعاشت المدينةكلها ليلة من الظلام الدامس. وأصيب مجاهدان اثنان بجراح خفيفة (ناحية سطيف). ١ - في ١٩٥٧/ ٣/٢٥ - وقع اشتباك في جبل (المعاضيد) قتل أثناءه (٢٠) جنديا افرنسيا من بينهم ضابطان (أحدهم برتبة نقيب - كابتن - والآخر برتبة ملازم أول - ليوتنان). وجرح عدد كبير من الجنود الإفرنسيين. وغنم المجاهدون رشاشتين وبندقية حربية (نوع كارابين). ٢ - في ١٩٥٧/ ٣/٢٦. انضم الى صفوف جيشنا (٣٠) جنديا إفرنسيا كانوا قد فروا من أحد المراكز العسكرية المجاورة لمدينة (سطيف) مزودين بأسلحتهم الآلية (الأوتوماتيكية) الحديثة. من بينها (٣) مدافع هاون (عيار ٦٠ مم). ٣ - في يوم ٢٧/ ٣/ ١٩٥٧. اشتبكت فرق من جيش التحرير الوطني مع قوات الاحتلال بجبل (المعاضيد) واستمر القتال في شدة وعنف مدة (٩) ساعات، وأسفر عن مقتل (١٥٠) جنديا افرنسيا وجرح عدد كبير. ومقابل ذلك، استشهد (٧) مجاهدين وجرح أربعة آخرون بجراح بالغة. ٤ - في يوم ٢٨/ ٣/ ١٩٥٧. نصبت دورية من جيش التحرير الوطني كمينا لسيارة عسكرية من نوع (جيب) على بعد ثلاثة أميال من

стр. 1932

قرية (راس الوادي - توكفيل) فقتلت جميع ركابها ومن بينهم ضابطان (الأول برتبة نقيب - كابتن - والثاني برتبة رائد - كومندان - يعمل في شركة الطيران الافرنسية - ايرفرانس). وأخذت جميع أسلحتهم، وأحرقت السيارة. ٥ - في يوم ١٩٥٧/ ٣/٢٩. هرب ثلاثة جنود إفرنسيين من اللفيف الأجنبي من مركز (برج الغدير) بناحية (سطيف) والتحقوا بصفوف جيش التحرير، وقد حملوا معهم أسلحتهم ومدفعين رشاشين انتزعوهما من سيارة نصف مدرعة (هاف تراك) كانوا قد استخدموها عند فرارهم وأحرقوها على بعد عشرة كيلومترات من (برج الغدير). ٦ - في يوم ٣٠/ ٣ / ١٩٥٧ - وقعت بناحية (بوسعادة) بجبل (أم حارقة) معركة عنيفة لمدة عشرين ساعة، نجح المجاهدون فيها بقتل (٣٢٠) جنديا افرنسيا، وجرحوا (٥٠) آخرين كما أسقطوا طائرة مقاتلة، وأحرقوا عربة مدرعة، وغنموا (٤ - مدافع هاون) و (٨ - بنادق رشاشة من نوع ٢٤) و (٣٥ بندقية حربية) وكمية كبيرة من الطلقات والأدوية. ٧ - في ١٢/ ٤ / ١٩٥٧ - إشتبكت كتيبة من كتائب جيش التحرير الوطني المرابطة (بجبل سويلان) الواقع بالقرب من (سوق أهراس) مع القوات الإفرنسية المدعمة بنيران المدفعية الثقيلة، والعربات المدرعة والطائرات المقاتلة. واستمرت المعركة لمدة ثلاث ساعات أسفرت عن إسقاط طائرتين (من نوع ت- ٢٦) وإصابة طائرة استطلاع أخرى مع تدمير عربتين مدرعتين وعربة خفيفة (جيب) - وقد أصيب ستة من رجالنا بجراح خفيفة.

стр. 1933

ولاية الشمال. ١ - في ١٧/ ٣/ ١٩٥٧. وقع اشتباك بين قواتنا وبين ثلاث فرق للعدو، دام ساعتين، وقتل أثناءه للعدو (٤) قتلى وجرح (٧) جنود، وغنمت قواتنا كمية من القنابل ولم يصب أحد منها. ٢ - في ١٩٥٧/ ٣/١٨. قامت قوات العدو بعملية (تطهيرية) في الجهات الواقعة على بعد عشرة كيلومترات من (قالمة) واصطدمت بإحدى فرقنا فوقع اشتباك لمدة عشر ساعات ونصف بصورة مستمرة، وشاركت فيه مدفعية العدو وثماني طائرات - من بينها طائرتان نفاثتان - وأسفر الاشتباك في النهاية عن قتل (٣٤) وجرح (٤٠) من جند العدو، وإسقاط طائرة وإصابة ثانية، كما غنمنا جهازا لاسلكيا (للاذاعة بقوة ٣٠٠) وناقلتين استعملناهما لنقل الأسلحة الثقيلة التي غنمناها من العدو ومعها كمية كبيرة من الذخائر الحربية. وكان من بين قتلى العدو ضابطان برتبة ملازم (ليوتنان) ورقيب أول (سرجان شيف). واستشهد من المجاهدين رجلان وجرح ثالث. ٣ - في ١٩٥٧/ ٣/٢١. اشتبكت دورية عسكرية افرنسية مع إحدى فرقنا في المكان المسمى (وادي العار) على بعد ثلاثين كيلومترا إلى الجنوب - الشرقي من (وادي الزناتي) فقتل من قوة العدو - (٨) جنود وجرح ثلاثة، ولم يصب أحد من المجاهدين بأذى. ٤ - في ٢٤/ ٣/ ١٩٥٧. وقع اشتباك في (دوار عزابة) مع فرقة من العدو ويبلغ عدد أفرادها (٢٥٠) جنديا، وشاركت في هذا الاشتباك ثلاث طائرات، واستمر تبادل إطلاق النار لفترة خمس ساعات، أسفر عن قتل (١٠) جنديا للعدو من بينهم ضابط برتبة ملازم، كما جرح للعدو (٨) جنود. وغنم المجاهدون (٤) قنابل

стр. 1934

مسيلة للدموع وقنبلة مضيئة. واستشهد اثنان من المجاهدين وأصيب مجاهد ثالث بجرح خفيفة. ٥ - في ١٩٥٧/ ٣/٣١ - هاجم الفدائيون قرية (روبيرتسو) الواقعة على بعد عشرة كيلومترات الى الجنوب من (عزابة) وقتلوا الخائن (معطى الله رجم - القائد). ولاية الجزائر. آ - معارك واشتبكات. ١ - وقعت معركة دامية بين القوات الوطنية وقوات إفرنسية ضخمة بناحية (تابلاط) واستمر القتال لمدة (٦) ساعات متواصلة استخدم فيها الافرنسيون سلاح الطيران والمدفعية الثقيلة والغازات، وأسفرت المعركة عن قتل (٣٧) جنديا افرنسيا وجرح (٢٠) آخرين - ثم أسر بعضهم. وغنم المجاهدون كمية كبيرة من الطلقات (الخرطوش) واستشهد مجاهد وجرح مجاهد آخر. ٢ - هجمت مجموعة من المقاومين على معسكر افرنسي بناحية (سور الغزلان) فقتلوا فيه حارسا، وجرحوا (٣) آخرين، وأضرموا النار في سيارة نقل كبيرة (شاحنة) وقتلوا سائقها الافرنسي، وأصابوا رئيس الحظيرة (المرآب) بجراح بالغة. ٣ - وقع اشتباك عنيف بشمال (ماسكارى) بجنوب (مهلمة) ولم تذكر خسائر الافرنسيين. ٤ - وقعت قافلة عسكرية افرنسية في كمين نصبه لها رجال المقاومة بناحية (بالسترو) فقتل (١١) جنديا افرنسيا، وجرح عدد كبير من بينهم ضباط. واستولى رجال المقاومة على كمية وافرة من الأسلحة الآلية - الأوتوماتيكية - وأحرقوا سيارة من نوع (ج. م. س) وأخرى من نوع (جيب).

стр. 1935

ب - أعمال الفدائيين: - أطلق فدائي النار على موظف أوروبي، فأصابه بجراح قاتلة، وتمكن الفدائي من النجاة. ٢ - ألقى فدائي قنبلة يدوية على مقهى أوروبي بمدينة الجزائر، فأحدنث القنبلة أضرارا جسيمة. ٣ - أطلق فدائي النار على موظف أوروبي بمدينة (البليدة) فأصابه بجراح قاتلة. ج - إتلاف وتخريب: أضرم رجال المقاومة النار في (٣) مزارع أوروبية بين (البليدة) و (المليانة) ودمروا فيها كل آلات الحراثة. ولاية القبائل أ - معارك واشتباكات. ١ - هاجم فريق من مجاهدي جيش التحرير مركز حراسة المطار بمدينة (بجاية) واستمر اطلاق النار عدة ساعات، ولم تذكر وكالة الأنباء شيئا عن خسائر الجنود الإفرنسيين. ٢ - اصطدمت قوة من مجاهدي جيش التحرير مع دورية عسكرية افرنسية في (سيدي عيش) فألحقوا بها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. ٣ - وقعت دورية عسكرية في كمين نصبه لها رجال المقاومة بمكان يدعى ﴿لعزيب آيو) قرب (تيزي - أوزو) فقتل (١٣) جنديا وأسر ثلاثة. ٤ - اشتبكت قوة من المجاهدين مع قوات الأحتلال بناحية

стр. 1936

(تيزي - غنيف) واستمر الاشتباك بعنف وقوة عدة ساعات، تكبدت القوات الإفرنسية فيه خسائر فادحة. ب - أعمال الفدائيين: ١ - أطلق فدائي النار على سيارة مدنية قرب (تيزي - أوزو) فأصاب موظفا افرنسيا بجراح بالغة. ٢ - أطلق فدائي النار على ضابط من الشرطة (كومسير) في (تيزي - أوزو) فأرداه قتيلا. ولاية شمال قسنطينة. آ - معارك واشتباكات: ١ - وقع اشتباك عنيف بناحية (طاهر) وجنوب (جيجل) خسرت فيه قوات الاستعمار قتيلا، وغنم المجاهدون كمية ضخمة من الأسلحة والذخائر الحربية. ٢ - وقعت قوة من (الجنود السنيغاليين) في كمين نصبه لها رجال المقاومة بناحية (القالة) فقتل (٥١٥) جنديا، ودمرت سيارة مدرعة. ب - أعمال الفدائيين: ألقى فدائي قنبلة يدوية داخل مركز عسكري ببلدة (فج مزالة) فأصيب ستة من الجنود الإفرنسيين بجراح بالغة. كما قتل فدائي أوروبيا بمدينة (عنابة) وتمكن من النجاة. ولاية أوراس آ - معارك واشتباكات: ١ - هاجم فريق من مجاهدي جيش التحرير معسكرا لقوات

стр. 1937

الاحتلال قرب (الجبل الأبيض) واستمر القتال طوال الليل، وأسفر عن مقتل (٤٥) جنديا فرنسيا وجرح (٥) منهم. وغنم المجاهدون رشاشا ثقيلا (عيار ٢٤) وكذلك غنموا (٣٧) بندقية حربية وكمية كبيرة من الذخائر، واستشهد مجاهد وجرح خمسة. ٢ - وقع اشتباك عنيف بين قوة من مجاهدي جيش التحرير والقوات الإفرنسية المدعومة بنيران المدافع الثقيلة والطائرات - بجبال أوراس - تكبدت فيه القوات الافرنسية خسائر كبيرة، وغنم المجاهدون (٣٠) بندقية. ٣ - وقعت معركة (بدوار المائدة - شرقي مدينة سدراته) واستمرت طوال ثلاثة أيام بين فريق من مجاهدي جيش التحرير وقوات كبيرة من الافرنسيين المدعومين بالمدفعية والطائرات، وأسفرت المعركة عن قتل (٢٥) جنديا إفرنسيا وإصابة عدد كبير بجراح مختلفة، وأسقطت (٤) طائرات إثنتان منها من نوع (موران) واثنتان من نوع (ب - ٢٦). وأرغمت ثلاث طائرات أخرى على الهبوط اضطراريا في الملعب البلدي لمدينة (سدراته) وغنم رجال جيش التحرير كمية من المواد الطبية. ٤ - وقعت قافلة عسكرية في كمين نصبه لها المجاهدون بمكان يدعى (الزيتونة) فقتل (٢٥ جنديا إفرنسيا ودمرت (٣) سيارات). ٥ - وقع اشتباك قرب (بقرزة) إحدى نواحي (باتنة) فقتل فيه (٧) جنود إفرنسيين وجرح (١٥) جنديا. ودمرت (٣) سيارات نقل كبيرة (ج. م. س). ٦ - نصب المجاهدون كمينا لدورية عساكرية تحملها (٣)

стр. 1938

سيارات بين (وادي الطاقة) و (تازملت) فدمرت السيارات وقتل كل من كان فيها. ب - أعمال الفدائيين: ١ - خرج قطار عن الخط الحديدي بين (سوق هراس) و (تبسة) بسبب تخريب قام به رجال المقاومة الذين لم يلبثوا أن أمطروا القطار بنيران رشاثاتهم لمدة (٤٠) دقيقة، ولم تذكر الخسائر. ٢ - هاجمت قوة من الفدائيين قرية (مسكيانة) واختطفوا (٥) من جنود (القوم). ولاية وهران أ - معارك واشتباكات: ١ - نشبت معركة طاحنة بناحية (ندرومة) دامت ساعتين وأسفرت عن مقتل (٢٥) جنديا إفرنسيا وجرح (٥) آخرين. وغنم رجال جيش التحرير (٣) بنادق رشاشة و (١٣) بندقية حربية (نوع ٢٤). ٢ - أخبرت محطة (طنجة) عن معركة دامية وقعت (بجبال تلمسان) دام فيها القتال عدة ساعات وقتل فيها (٥) من الجنود الإفرسنيين، وجرح (٣٠). ٣ - وقع إشتباك بين مجاهدي جيش التحرير، وقوة عسكرية إفرنسية، بالقرب من قرية (فم الحصان) على حدود (موريتانيا) فقتل أثناءه عدد كبير من الجنود الافرنسيين. ٤ - نشبت معركة قاسية بجبال (أولاد ميمون) بين قوات من مجاهدي جيش التحرير، وبين قوة إفرنسية كبرى مدعومة بالمدفعية

стр. 1939

الثقيلة والطائرات. ونجح المجاهدون في إسقاط طائرة عمودية (هيليكوبتر) مات فيها (١٢) جنديا من جنود المظلات. ٥ - وقع إشتباكان عنيفان غربي مدينة (تلمسان) قتل فيهما (٨) جنود إفرنسيين، وأسر ثلاثة آخرون، وتحطمت لهم سيارة نقل كبيرة. ب - أعمال الفدائيين: ١ - ألقى الفدائيون قنابل يدوية داخل مقهى أوروبى بمدينة تلمسان، فقتل (٢٧) أوروبيا، وجرح (٢٤). ٢ - هاجمت قوة من الفدائيين قرية (المشرية) وأضرموا النار في عدد من المتاجر الإفرنسية الكبيرة كما أحرقوا محطة لتوزيع البترول. وألقوا قنبلتين أمام (برج الحاكم العسكري). كما قذفوا داخل منزل موظف إفرنسي كبير، بقارورة من النفط، فتسبب كل ذلك بخسائر فادحة جدا لم يتم تقديرها. ٣ - اختفى بعض الفدائيين في مزرعة أوروبية في إحدى ضواحي (وهران) بهدف إغتيال صاحب المزرعة، وعندما أقبل بصحبة الإفرنسيين، أطلقوا عليهم النار فقتل إثنان وجرح ثالث. ٤ - ألقى فدائي قنبلة يدوية أمام صيدلية أوروبية (بوهران) فقتل الصيدلي وجرح ستة من الأوروبيين. وفي (وهران) أيضا قام فدائي بقتل جندي إفرنسي وجرح آخر. ٥ - أطلق الفدائيون النار على (٣) سيارات أوروبية قرب مدينة (بيريقو) فقتل معمران أوروبيان، وأصيب ثالث بجراح بالغة. كما قام فدائي بإطلاق النار على أوروبي في مدينة (وهران) فأصابه بجراح بالغة.

стр. 1940

ج - إتلاف وتخريب: أضرم رجال المقاومة النار في ثلاث مزارع (بوهران) وفي مستودع (للحلفا) يميناء الغزوات فكانت الخسائر فادحة. كما أحرقوا مزارع أوروبية قرب (سيدي بلعباس). تبرز الصفحات القليلة السابقة إستراتيجية (المجاهدين الجزائريين) بكل أبعادها، فالعمليات التي تم عرض لمحة عنها تمثل نشاطا عاما، يمتد على الصفحة الجزائية للقطر الجزائري بكامله. وهي عمليات صغرى في معظم الأحيان، غير أن كثرتها كافية لإرهاق العدو، ووضعه تحت الحذر الدائم (إنها إستراتيجية وخز الإبر) التي تستنزف من قدرة العدو وروحه المعنوية بأكثر مما تحدثه العمليات الكبرى، وهي على صغرها أيضا تستنزف قوة العدو المادية، فقتل جندي أو عشرة جنود لا يشكل شيئا بالنسبة لحجم القوات الإفرنسية المضخمة، غير أن قتل جندي في كل مكان يشكل في المجموع العام رقما كبيرا لا يستهان به. وبهذه الإستراتيجيات المتداخلة والمعقدة (وخز الإبر) و (الاستنزاف) و (العزل) وقع (الثور الجريح) في حالة من الهياج، فراح يضرب ضرب عشراء، والأمر الذي زاد من موقفه سوءا. فعندما يتساوى الموت مع الحياة، يهرب الإنسان من الموت الأدنى إلى الموت الأعلى، من الموت من دون غاية أو هدف إلى السعي للموت من أجل غاية نبيلة وهدف شريف. وكان جيش التحرير (يمثل بمجاهديه وفدائيه ومسبليه) الغاية النبيلة والهدف الشريف فلا غرابة في أن تتعاظم قوات جيش التحرير الوطني باستمرار. وقد كان لهياج الثور الجريح (الإستعمار الإفرنسي) دور لا ينكر في دعم هذا التطور (على غير إرادة من الإستعماريين دونما شك أو ريبة).

стр. 1941

٥ - معركة القلاب (١٩٥٨) (*) كان يوما من أيام شهر (أوت - آب - ١٩٥٨)، وفي مكان يدعى (القلاب) على مقربة من مدينة (باتنة) حيث نصب المجاهدون كمينا لقافلة تموين عسكرية تحرسها دبابتان ونصف مزنجرة - هاف تراك - وقد إحتل كل مجاهد موقعه المحدد له وفقا للمخطط الموضوع: المدفع الرشاش (٢٤) لإقتناص الدبابة الأمامية وقد تم تمركزه في موقع مرتفع يهيمن على الطريق الذي تسلكه القافلة، كما تمركز مجاهدان مسلحان ببندقيتين من نوع (قاران) لإقتناص الدبابة الخلفية. وانتشرت بقية قوة المجاهدين على حافتي الطريق، ومعظمهم يحمل الرشاشات القصيرة، وبما أن القوافل الإفرنسية لم تكن تتحرك إلا تحت حماية الطائرات، فقد أتقن المجاهدون تمركزهم، في الخنادق، ووراء الأشجار، وأجادوا عملية التمويه حتى كان من الصعب على أي مراقب ملاحظة أي شيء غير عادي في منطقة الكمين. وبينما المجاهدون في صمتهم وتحفزهم، دوى من فوقهم هدير

стр. 1942

طائرات الاستطلاع التي كانت تسبق دائما القوافل، واختلط ذلك بزمجرة محركات السيارات مؤذنة باقتراب قافلة العدو من موقع المجاهدين. وتوترت أعصاب الرجال الذين وضعوا أصابعهم على الزناد، وحبسوا أنفاسهم بانتظار اللحظة الحاسمة التي تنطلق فيها طلقات الأسلحة الآلية (الأوتوماتيكية) المكلفة بعزل الدبابتين الأمامية والخلفية. وفجأة، ارتفع صوت رامي الرشاش مجلجلا في وسط السكون المطبق (الله أكبر) وفي الوقت ذاته، انطلقت الطلقات من الرشاش (٢٤) وهي تصفر بصوت حاد، وتنفست الرشاشات الصامتة الصعداء بعد طول انتظار ورافقتها كل الأسلحة مشكلة جوقة موسيقية متكاملة: نيران البنادق المختلفة، والقنابل اليدوية وهي تنهمر على سيارات العدو. وبوغت الجنود الإفرنسيون مباغتة كاملة، فارتفعت منهم صرخات الرعب وصيحات الاستغاثة بينما كانت سياراتهم قد تحولت إلى مشاعل ملتهبة. تقدم المجاهدون بعد ذلك فجمعوا الأسلحة التي رميت على الأرض، أو رقدت فوق جثث القتلى، وكانت دهشة المجاهدين مذهلة عندما بوغتوا وهم يجمعون الأسلحة بظهور أربع فتيات إفرنسيات خرجن من خندق وراء الطريق، لقد كن في القافلة، وليس هناك من يعرف كيف نجون من الرصاص والحريق. وتقدمت إثنتان منهن مرتعشات وصاحتا (لا تقتلونا! نحن نسوة! ..) وأجابهن مجاهد: (لا عليكن! نحن ثرنا لنحارب الرجال لا النساء!) هذا فيما كان مجاهد آخر يأخذ منهن السلاح الذي كن يحملنه عندها، وعندها فقط، لاحظ المجاهدون أن الدبابتين اللتين كانتا في مقدمة القافلة قد لاذتا بالفرار، متوجهتين إلى بلدة - سريانة - فحمل المجاهدون غنائمهم وانسحبوا مسرعين.

стр. 1943

ولم تمض ساعة أو بضع ساعة، حتى زحفت إلى مكان الحادث قوات برية ضخمة تدعمها القوات الجوية واكتفت من المعركة بالانسحاب حاملة معها جثث القتلى الإفرنسيين الذين شوههم الحريق، واختلط رماد بعضهم بحطام السيارات. وأفسح المجال للطيران والمدفعية الثقيلة للانتقام، فصبت هذه الأسلحة حممها على الجبال والمداشر (القرى) القريبة من (القلاب). وقذفت عليها آلاف القنابل طوال ساعات من غير توقف. وترددت أصداء الإنفجارات بقوة حتى حسب المجاهدون أن كثيرا من القرى قد أبيدت وسكانها من عالم الوجود ولشد دهشتهم عندما اكتشفوا أن أضرار القصف لم تتجاوز حدود قتل بعض الحيوانات. تجمعت فئة من معمري بلدة (سريانة) في صباح اليوم التالي، وقامت بتظاهرة أمام مركز ضابط الناحية احتجاجا على مقتل جنودهم، ومقتل بعض المعمرين في الكمين (ولم يكن المجاهدون يعرفون حتى تلك اللحظة بأن القافلة كانت تحمل معها بعض المعمرين). وطالب المتظاهرون بالانتقام من المدنيين، فأذن لهم الضابط في أخذ الثأر من المدنيين الجزائريين العزل. ووعدهم بأنه سيعمل وجنوده على مطاردة (فرقة الفلاقة) التي تتجول في الناحية، وإلقاء القبض عليهم. أما المجاهدون، فقد ساروا طوال الليل حتى نزلوا بجبل (مستوى) الواقع إلى جنوب (باتنة) حيث توجد مواقعهم الحصينة وقواعدهم القوية. ومن هناك أرسل المجاهدون دورية إلى إحدى القرى المجاورة للاتصال هناك مع (موزع البريد) واستلام الرسائل التي كان من بينها رسالة بعث بها المسؤول في قسم الاتصال والأخبار

стр. 1944

بتلك الناحية، يقول فيها: (علمت من مصدر مشتبه فيه بأن القوات الاستعمارية تستعد للقيام بعملية تفتيش واسعة النطاق بجبل -كاسرو - ويظهر لي أن هذه خدعة استعمارية قصد بها تضليلنا حتى لا نكون على استعداد، خذوا حذركم وكونوا على أهبة ...). شرع المجاهدون من فورهم بالعمل، فتزودوا بالماء والمواد التموينية وتنظيف الأسلحة وإعداد الذخائر، وكانت الريح في تلك الليلة شديدة عاصفة حتى كان من العسير أن يتحدث المجاهدون بعضهم إلى بعض، إلا بالصراخ وبالصوت المرتفع. وما أن أزفت الساعة الثالثة صباحا حتى كان كل مجاهد قد احتل مكانه، ونظمت الحراسة. وانصرف الآخرون لأخذ قسط من النوم والراحة. فكانوا يرقدون كالذئاب - عين مغمضة وعين ساهرة - واستلقى بعضهم على التربة الكريمة الطيبة وقد ضموا أسلحتهم الغالية إلى صدورهم. في تلك الليلة ذاتها، جمع الإفرنسيون كل ما قدروا على حشده من القوى والوسائط القتالية. فحشدوا عشرة آلاف جندي أرسلوهم تباعا بفرق صغيرة إلى الجبل لتنظيم حصار محكم حول (جبل مستوى) الذي اعتصم فيه المجاهدون. ولكن، وفي الوقت ذاته، قامت قيادة العدو بتنفيذ عملية خداعية، حيث أرسلت عشر دبابات نحو جبل (كاسرو) وتحركت هذه الدبابات بشكل علني مثيرة الكثير من الضجيح حتى تخدع المجاهدين وتقنعهم أن الإفرنسيين يوجهون حملتهم إلى جبل (كاسرو). وإمعانا في الخداع، فقد أرسلت القيادة الإفرنسية رتلا طويلا من عربات النقل الكبيرة التي سارت على طريق الدبابات ذاته، وأحصى مراقب المجاهدين عددها فكان (ثلاثمائة سيارة). غير أن المجاهدين اكتشفوا بسرعة أن تلك العربات كانت خالية فارغة، إلا

стр. 1945

من سائقيها. وتأكد المجاهدون من حقيقة مناورة العدو الخداعية .... لقد كان من الصعب على العبقرية الافرنسية خداع هؤلاء المجاهدين الذين عمر الإيمان قلوبهم، وملأت الخبرة بأساليب العدو عقولهم. جمع قائد المجاهدين في (جبل مستوى) لمناقشة الموقف، وتم الاتفاق على خطة الدفاع، وعين لكل مجموعة من المجاهدين مواقعها، وأصدر للمجاهدين توصياته وتعليماته الأخيرة: (الاقتصاد بالذخيرة) ثم أعطاهم كلمة السر لليلة القادمة. بدأت خيوط الفجر الأولى في ملامسة رؤوس الجبال. وكانت أفواج المجاهدين الأربعة قد أنهت تمركزها. ولم تأزف الساعة السادسة صباحا حتى أقبلت الطائرات المقاتلة وهي تحلق فوق المجاهدين على ارتفاع منخفض حتى لتكاد تلامس رؤوس الأشجار، واستمرت طائرات الاستطلاع في جولاتها فيما كانت القوات الإفرسية تتابع تقدمها نحو المجاهدين وقد اتخذت تشكيل القتال: رماة الرشاشات القصيرة في النسق الأول، وخلفهم المشاة يحملون بنادقهم المتنوعة، ويأتي في النسق الثالث زمر المدافع الرشاشة وإلى جانبها زمر مدافع الهاون. كان لزاما على المجاهدين الامتناع عن إطلاق رصاصهم حتى اقتراب أعدائهم منهم لمسافة لا تزيد على الخمسين مترا. وكانت القوات الإفرنسية تتقدم بوجل وخطوات مترددة، تدفعها كالسياط أصوات القادة الإفرنسيين - إلى الأمام، تقدم (آفانس) وذلك بالرغم من حجم القوة الإفرنسية الكبير الذي ضم أكثر من عشرة آلاف مقاتل تدعمهم الدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المقاتلة الحديثة.

стр. 1946

وكان المجاهدون وهم في صياصيهم، يحبسون أنفاسهم في متابعة المشهد الذي يرتسم على الأرض، تحت سمعهم وبصرهم، وينتظرون اللحظة المناسبة .. ولم يكن من الصعب عليهم ملاحظة الحالة النفسية المتدهورة لقوات العدو، والتي عبرت عنها تحركاتهم المضطربة وأيديهم المرتعشة التي كادت تفلت الأسلحة وتتركها لتسقط على الأرض. دقت لحظة فتح النار، وانطلقت أصوات المجاهدين بالتهليل والتكبير (الله أكبر) و (العزة لله والمسلمين) و (لتحيا الجزائر) واختلطت أصوات المجاهدين بأزيز رصاصهم ودوي إنفجار قنابلهم، وسقط النسق الأول من القوات الإفرنسية بين قتلى وجرحى - وهم حملة الرشاشات القصيرة، وهيمن الذعر على الآخرين، فانبطحوا أرضا، حاول أحد الضباط تحريض جنوده على الصمود، ودفعهم إلى الزحف. فأردته رصاصة من رصاصات المجاهدين قتيلا على الفور. وكان في مواجهة أحد المجاهدين جندي من جنود اللفيف الأجنبي ومعه جندي آخر من أصل جزائري يعمل (ملقما - شارجور) وقد ألح هذا الجندي بإطلاق النار على المجاهدين، فكان لا بد لهؤلاء من الإهتمام بأمره. فعمل مجاهد على مشاغلته بالنار. بينما زحف مجاهد ثان من وراء الأشجار لتحديد موقع هذا الرامي، ولم يكن من الصعب إكتشاف مكانه بفضل النار المتدفقة من فوهة رشاشته، وما أن خر جندي اللفيف صريعا مقطع الحشى، حتى أخذ معاونه الجزائري (الملقم) في رفع يديه والتلويح بهما طالبا الإستسلام. ومنحه المجاهدون ما يريده من الأمان. وساد السكون بضع دقائق، حمل

стр. 1947

أثناءها الجندي الجزائري سلاح رفيقه (الرشاش) وما تبقى من مخازن الذخيرة ومضى نحو إخوانه المجاهدين. غير أنه لم يكد يمضي لمنتصف المسافة القصيرة التي تفصله عن المواقع الحصينة للثوار المجاهدين، حتى إرتفعت أصوات بعض جنود اللفيف الأجنبي الكامنين قريبا منه وهم يصيحون به: (قف! قف! - آديت). وإلتفت الجندي الجزائري إلى مصدر الصوت، وأفرغ رصاصه، فعاد السكون من جديد، وصمتت الأصوات. ولكن لم يكد الجندي الجزائري يفرغ من عمله، حتى كانت طائرة استطلاع تمر من فوق رأسه، فرماها برصاص خزان كامل من رشاشه. إلا أنها قذفته بقنبلة - روكيت - مزقت جسمه وحطمت الرشاش الذي كان في يده. رأى المجاهدون قطع السلاح المتناثرة على الأرض، أو الراقدة على جثث قتلى الإفرسيين. فخرجوا من مكامنهم، وأسرعوا نحوها لالتقاطها، وكانوا خمسة من المجاهدين رغبوا في استبدال بنادقهم القديمة، بأسلحة حديثة، غير أنهم لقوا مصرعهم جميعا، وكانوا يعرفون مدى الخطر الذي سيتعرضون له عندما يغادرون تحصيناتهم، ويتقدمون إلى منطقة باتت حتما تحت مراقبة العدو، وتحت رحمة نيرانه. غير أن الرغبة في الحصول على سلاح أحدث وأقوى دفعتهم إلى التضحية بوجودهم في محاولتهم الخطيرة. وساد السكون بعد ذلك برهة من الزمن، أخذت بعدها قوات العدو في الإنسحاب، وإعادة تنظيم صفوفها، مفسحة المجال أمام الطيران والمدفعية الثقيلة الإفرنسية للاضطلاع بدورها في تدمير قوات المجاهدين وإنصب على الجبل سيل منهمر من القنابل المتنوعة.

стр. 1948

قنابل محرقة وأخرى متفجرة وقنابل الغازات. فكان لا بد من الإنسحاب، وأخذ المجاهدون في الإستعداد لمغادرة هذا الجو الجهنمي، لاسيما بعد أن نفد الماء من المجاهدين، وتناقصت كمية الذخائر من بين أيديهم. وكان المجاهدون يعرفون أن قوات العدو قد شكلت سياجا أحاط بمنطقة القتال كلها. فكان لزاما تنظيم عملية إختراق لفتح ثغرة بين قوات العدو، والمرور منها. كلف الفوج الثاني بقيادة (سي بلخير) ليكون رأس الحربة في عملية إختراق خط النار، واصطدم الفوج بوحدة إفرنسية كانت تحرس الجهة التي إختارها (سي بلخير) للمرور منها. وجاءت بعد ذلك قوة الفوج الأول الذي كلف بنقل الجرحى وإخلائهم من أرض المعركة، وجاءت بعدهم بقية قوة المجاهدين الذين كثيرا ما اضطروا للاشتباك مع جند العدو بالسلاح الأبيض. وقد ذهل المجاهدون لحجم الخسائر التي تكبدها العدو، إذ كانت كل خطوة من خطواتهم تصطدم بجثة قتيل من قتلى الأعداء. ولما أظلم الليل، تجمعت أفواج المجاهدين في نقطة الازدلاف (مكان الإتصال) الذي تم الإتفاق عليه في الليلة الماضية. أخذ المجاهدون قسطا قليلا من الراحة، ثم عادوا أدراجهم إلى ميدان المعركة، للتعرف على الشهداء الأبرار، وأداء الواجب تجاههم بمواراتهم التراب. مضت على المعركة تسعة أيام عندما وصل إلى مقر قيادة مجموعة المجاهدين إثنان من المجاهدين وهما يحملان بندقيتين (من نوع ماص) وبارودة أمريكية (كارابين)، وأخبرا القائد بأن طائرة عمودية (هيليكوبتر) قد سقطت محترقة غربي جبل (مستون)

стр. 1949

وأن ربانها - قائدها - ما زال حيا. فتوجهت دورية على الفور نحو المكان، ووجدت الطيار الإفرنسي وهو في حالة غيبوبة بعد أن نزفت دماؤه. وأركبه أحد المجاهدين بغلا، وقفل به راجعا، ولكن لم يبلغ الطيار مركز المجاهدين إلا وفارقته الحياة. ***

стр. 1950

٦ - ماذا وقع بعد الكمين ... (*) وقع اشتباك عنيف بين ثلاث فصائل من جيش التحرير الوطني، وبين قوة صخمة من الوحدات الافرنسية المدعمة بالدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات قاذفات القنابل والطائرات العمودية (الهيليكوبر) وذلك على قمم جبال (ميمونة) غير بعيد من (بو سعادة). وعلى الرغم من إشتعال الأرض بنيران القنابل البكتريولوجية (الميكروبية) السامة التي لم يتورع أعداء الإنسانية عن إلقائها على المجاهدين، فقد إستطاعت قوات جيش التحرير أن تتفادى ضربات العدو، وأن تنزل به أفدح الخسائر، حيث سقط في ميدان المعركة مئات من جنود الإستعمار بين قتلى وجرحى، وفيهم عدد كبير من الضباط على رأسهم النقيب - الكابتن - (سينكا) كما تحطمت ثلاث قاذفات قنابل وطائرتان عموديتان، واحترقت جميعها في الجو بمن فيها. وقد استمرت هذه المعركة الرهيبة من طلوع الشمس إلى الساعة التاسعة مساء، حيث عاد الهدوء إلى ميدان المعركة، وساد

стр. 1951

الصمت، إلا من الصراخ والأنين والأصوات الحزينة الشاكية تنبعث من جرحى الأعداء وهي تائهة مختنقة، وبينما كانت قوات المجاهدين تنسحب مبتعدة عن ميدان المعركة ظهرت الطائرات وهي تدوي بهديرها في وحشة الليل لترسل أنوارها الكشافة فتضيء السماء، وتساعد قوات العدو على إخلاء جرحاه وإحصاء قتلاه. وكان منظرا مثيرا قيام قادة الوحدات الاستعمارية بصب النفط على الجثث المبعثرة والرؤوس المتناثرة لقتلاهم ثم إشعال النار فيها، وكان باستطاعة المراقب البعيد أن يرى سفوح جبال (ميمونة) وهي تحترق بجثث الأعداء، في محاولة لإخفاء آثار الهزيمة المنكرة التي نزلت بهم. ... لم تقف قصة الكمين عند هذه النهاية، فإذا ما عجزت قوات الاستعمار عن مجابهة المجاهدين المسلحين فلا أقل من أن تنتقم من المدنيين العزل. وهكذا إتجهت وحدات العدو للبحث عن ضحايا بريئة تصب عليها نقمتها، وتثأر منها لهزيمتها، فوصلت عند العاشرة مساء إلى مضارب بعض البدو الرحل من قبيلة (أولاد سليمان) وهناك، جمع الرجال الموجودون في الخيام، وكانوا تسعة عشر رجلا، بينهم شيوخ عجز لا يستطيعون رفع أيديهم في الهواء، وبعض الشبان ثم طفلان عمرهما (١٤) و (١٥) عاما. وأراد جند الإستعمار أن يظهروا أمام هؤلاء المدنيين العزل شجاعتهم التي فقدوها في ميدان المعركة، فأخذوا يضربونهم بمقدم بنادقهم ويصيحون فيهم (أنتم فلاقة - عصاة) ثم أجبروهم على المبيت عراة طوال الليل، والبرد القارص يعضهم بنابه، ثم إقتادوهم

стр. 1952

في الصباح إلى المركز العسكري في (دوسان) وهناك قسموهم إلى فئتين: فئة تضم الشبان الأقوياء وعدد أفرادها ستة شبان، وفئة تضم الباقين وعددهم أحد عشر رجلا. وبدأت عملية التعذيب بالوسائل التقليدية، حيث تعرضت الفئة الأولى (فئة الشبان) لكل أنواع التعذيب، من كهرباء وماء مضغوط وجلد وضرب مبرح، إلخ ... ثم أرغموهم على ارتداء الملابس العسكرية التي تظهرهم بمظهر جنود التحرير، وعين أقواهم بنية ليكون رئيسا لهم، ثم أمروهم برفع أيديهم في الهواء، وأخذت لهم الصور (التذكارية) على هذا الوضع. وكان الهدف من ذلك تغذية أجهزة الإعلام والدعاية الإستعمارية، والترفيه عن أرملة (الكابتن سينكا) التي كانت تشهد المنظر لتشفي غليل إنتقامها. ثم أخذوهم بعد ذلك، وطافوا بهم على سكان القرية - إمعانا في الإرهاب ونشر سياسة الرعب - ولم يتمكن مواطنو القرية المسلمون من إخفاء مشاعر السخط والإشمئزاز، لهذه الأساليب القذرة. وفي المساء، جمعوهم في ساحة مركز (دوسان) العسكري، حيث قيدت أيديهم وأرجلهم، وأطلق ثلاثة من الجلادين الإفرنسيين نار رشاشاتهم عليهم، ثم أفرغوا رصاص مسدساتهم في رؤوس هؤلاء الأبرياء. لم ينج أفراد الفئة الثانية (الشيوخ) من وحشية الإستعماريين الذين قذفوا بهم جميعا في حفرة ملؤها الماء الآسن الذي يصل حتى مستوى بطونهم. وراح جند الاستعمار بالترفيه عن أنفسهم وذلك بقذف هؤلاء الشيوخ بالحجارة، أو بغمر رؤوسهم بماء الحفرة، حتى إذا ما أشبعوا رغبة التعذيب الجنونية في نفوسهم المريضة. غيروا طريقتهم، وأخرجوهم إلى شمس الجنوب المحرقة، وأمروهم بجمع المعاول والرفوش المتناثرة في ساحة المركز، وطلبوا

стр. 1953

(ليل الانتقام - كما تظهر في زاوية الصورة- بالافرنسية -)

стр. 1954

إليهم حفر حفرة كبيرة. وكان صوت الحديد المرتطم بالأرض يختلط بأنين الشيوخ العجز الضعفاء، فيشكل لحنا حزينا يثير الأسى ويبعث الألم وعندما تجرأ أحد الشيوخ، وقد خارت قواه، فطلب جرعة ماء، يطفيء بها نار أحشائه، بادره جندي شجاع بلكمة قوية في بطنه قذفت به كالكرة وهو يتدحرج على أقدام إخوانه. وكلما نال الإعياء من هؤلاء الضحايا المعذبين، صاح بهم الجنود يأمرونهم بالإسراع في العمل وهم يوجهون إليهم الكلمات بالأيدي والرفس بالأرجل حتى نال الإعياء أخيرا من هؤلاء الجنود ذاتهم، فذهبوا للراحة، وأسلموا ضحاياهم إلى بعض الجنود (السنيغاليين) الذين أظهروا سخطهم على عمل زملائهم. وأبدوا نحو هؤلاء المستضعفين كثيرا من الرأفة والشفقة - باعتبارهم مسلمين مثلهم، وباعتبارهم خاضعين للاستعمار أيضا، فمكنوهم من الاستراحة، وقدموا لهم بعض الماء، وهذا كل ما كان باستطاعتهم عمله. جاء اليوم التالي، وسلك جنود الاستعمار طريقا جديدة للتعذيب، فحزموا ضحاياهم بأربطة من الأسلاك الشائكة على ظهورهم، وأمروهم بالسير (أمام أرملة - سينكا) وكانت الجراحات العميقة تخطط جلودهم. وقام أحد الجنود بإشعال النار في ذقن (لحية) شيخ وقور فيما وقف رفاقه المجرمون يقهقهون ضحكا على هذا المشهد الغريب ويطلقون تعليقاتهم الساخرة. وأعيد بعد ذلك الشيخ إلى حفرة الماء، حيث إلتهب جراحهم، واستمر تعذيبهم على هذه الصورة طوال خمسة أيام - لم يقدم لهم خلالها أي طعام ولا ماء. ولم تعرف لهذه القصة الحزينة نهاية.

стр. 1955

٧ - معركة (عين الزانة - ١٩٥٩) يقع مركز (عين الزانة) على ارتفاع ألف وأربعمائة متر من سطح البحر. وقد اعتبر، لهذا السبب، أهم مركز على الجهة الشرقية، إذ يشرف على مساحة شاسعة تمتد من سهول (عنابة) إلى الحدود التونسية - الجزائرية. وقد نظم الإفرنسيون هذا المركز وكان يضم أربعة مبان أساسية هي: ١ - مبنى المنارة - الميرادور -. ٢ - مبنى وحدة المغاوير (الكوماندوس) وفيه يقيم معظم الجند الإفرنسي بالمركز. وأغلبهم من اللفيف الأجنبي (الليجيون ايترانجير). ٣ - مبنى القيادة، وهو عبارة عن مكتب قديم أقامه الإفرنسيون. ٤ - مبنى ضباط الشؤون الأهلية (الساس)، وهو مزرعة إفرنسية كان يملكها المعمر (غراسيس) ونظرا لأهمية هذا المركز فقد قررت قيادة جبهة التحرير في المنطقة مهاجمته في الساعة (٢١و٣٠د.)

стр. 1956

من ليل (١٣ جويليه - تموز - ١٩٥٩). ويروي أحد منفذي العملية قصة المعركة بقوله: (ليس بوسعي أن أذكر أكثر من جانب واحد من جوانب العملية وهو الهجوم على المنارة. فقد توجهت إليها، وكان إلى جانبها خيمة فيها جنود إفرنسيون، وكنت أحمل معي مدفعا رشاشا عيار (١٢،٧) وكانت المسافة الفاصلة بيني وبين الميرادور - المنارة - تبلغ نحوا من ثمانين مترا. وما أن حانت الساعة التاسعة والنصف ليلا، حتى كنا قد أخذنا مواقعنا، وكانت زمرة الهجوم تنتشر من أمامي وورائي ومعها مدفعان بازوكا وعلى جنبيهما مدفع عيار (٥٧ مم). وما أن أخذنا مواقعنا حتى كانت بقية زمرنا قد حاصرت بقية المراكز حصارا محكما. وبقينا في مراكزنا ننتظر شارة بدء الهجوم. وما إن صدر الأمر حتى أطلقت نيران مدفعي الرشاش وانطلقت في الوقت ذاته قنابل المدفع (٥٧) لتصب أهدافها في البناء. ولدى انطلاق النار، ظنت دوريات الحراسة الإفرنسية أن الأمر قد لا يكون أكثر من هجوم عابر بأسلحة لا يمكن أن تنال من قوة تحصينات البناء وقوته. وأنه لا يمكن لهذا الهجوم أن يصل إلى الملاجىء المحصنة والتي حفرت تحت الأرض. ودعمت بالجدران السميكة التي أحكم بناؤها بالاسمنت المسلح، وزودت بدفاع متين من المدفعية والدبابات وغيرها. ولذلك سمعنا أحد الجنود الإفرنسيين يقول لنا ساخرا: (تعالوا!! تعالوا!! وتقدمت بعد ذلك في اتجاهي دبابة ضخمة من الدبابات الحديثة والمسلحة بستة مدافع: (إثنان عيار - ١٢،٧، ومدفع أمريكي عيار - ٣٠ - ومدح ٥٧ ومدفع عيار ٧٥) فأشعل سائقها الضوء في وجهي على أمل أن يبهرني. ثم تقدم في اتجاهي حتى لم يبق بينه وبيني إلا خمسون مترا، ثم قال لي

стр. 1957

بصوت تبينته بوضوح: (تعال يا بني، لا تضرب واصعد فوق الدبابة). فكان جوابي الوحيد هو أن أطلقت عليه ٢٥٠ طلقة من مدفعي الرشاش دفعة واحدة - هي كل ما يحتويه شريط التلقيم -. وما أن توققت عن الرمي، حتى شاهدت الحريق يندلع في الدبابة، بسبب انفجار ما فيها من الذخيرة. وجاءت في أثر الدبابة المشتعلة مصفحة، فأحرقها مدفع (٥٧). وأعقبتها سيارة - جيب - فيها أربعة جنود إفرنسيين فروا من فرقة حراسة (المنارة) فرميتها برصاص مدفعي الرشاش، فقتلوا جميعا على الفور، واشتعلت النار في السيارة، وسمعنا صوت سيارة أخرى، تبيناها فإذا هي سيارة (ج م. س) كانت تحاول الخروج من الحصار، فوجه إليها أحد المجاهدين طلقات مدفع عيار (٣٠) وأصاب عجلاتها. ثم وجهت لها طلقات مدفعي الرشاش حتى أصبحت كلها طعمة للنيران، وآنذاك، وجهت الرمي إلى المنارة (الميرادور). فخرج منه جندي إفرنسي حاملا مدفعه الرشاش وهو يبحث عن موقع ممتاز، فبادرته بطلقات مدفعي، وحطمته مع مدفعه. ثم هجمت قواتنا على المخيم، فأسرع الجنود الإفرنسيون إلى التحصين بالملاجىء الأرضية، لكننا طاردناهم إلى تلك الملاجىء ودمرناها فوقهم، وماتوا من آخرهم. وإلى هنا، لم يسجل أي رد فعل من طرف العدو، ولعل قوة المباغتة هي التي شلت قدرتهم. ولكن ذلك لم يمنعنا من متابعة تنفيذ المهمة بحذر، وفي الواقع، فإنه لم تمض فترة طويلة حتى وجهت إلينا نيران مدفع رشاش (من نوع هوتشكيس) من نافذة بالمبنى الواقع فوق مخزن الأسلحة، فهاجمناه بالقنابل اليدوية، وقتلنا الجندي الإفرنسي، واستولينا على

стр. 1958

ما كان معه من الذخيرة، ولما رأى العدو أن الرشاش (هوتشكيس) قد توقف عن الرمي، شرع بضربنا بقذائف مدفع هاون من عيار (٤٠ مم) كان متربصا في أحد الملاجىء الأرضية التي لم نصل إليها بعد، فهاجمه جنودنا بالقنابل اليدوية، ودمروا الملجأ ومدفع الهاون. وعندما أراد مدفع هاون آخر أن يتابع الرمي ضدنا، دمرناه بقذيفة من مدفع (بازوكا). ما أن تم للمجاهدين - في هذا القطاع - تدمير الجهاز الدفاعي للعدو، حتى عثروا على ثلاثة مدافع كبيرة: واحد عيار (١٥٥ مم) وإثنان عيار (١٠٥ مم). ولما لم يكن باستطاعة المجاهدين أخذ هذه المدافع معهم، فقد عملوا على تدميرها بقذائف البازوكا، وبقنابل المدفع (٥٧ مم). وبعد هذا وجهوا قذائف (الانيركا) إلى المخيم، فاشتعلت النار في كل شيء - ما عدا خيمة كان بها عدد كبير من الجنود الإفرنسيين - فأنذرهم المجاهدون بالخروج، ولما رفضوا الامتثال للأمر، قذفهم المجاهدون بقنابل (الإنيركا) أيضا، فاشتعلت فيهم النار مع الخيمة، وانفجرت جميع الذخائر التي كانت هناك. وعلى أثر هذا، أقبلت طائرتان قاذفتان (ب ٢٦) وأطلقت الصواريخ المضيئة، فاغتنم قائد مجاهدي الهجوم على المنارة هذه الفرصة، وأمر بالهجوم العام على المخيم الذي ظهر واضحا كل الوضوح. ودخل المجاهدون إلى المبنى حيث عثروا على جثتي ضابطين (نقيب وملازم أول - كابتن وليوتنان). انتهى تنفيذ العملية في الساعة (٠٠, ٣) من صباح (١٤ جويليه - تموز) واستغرق تنفيذ المهمة فترة ساعتين تقريبا. وقد كان من العسير تقدير الخسائر التي نزلت بهذا القطاع من قطاعات

стр. 1959

الهجوم. ولكن تكفي الإشارة إلى ما تكبده العدو أثناء عرض سير المعركة (تدمير الدبابة والمصفحة والسيارات والأسلحة) لتكوين فكرة عامة عن مبلغ الخسائر. ... عندما كانت زمرة الهجوم على المنارة (الميرادور) تنفذ عمليتها بنجاح، كانت هناك زمرة أخرى تقوم بالهجوم على مركز المغاوير (الكوماندوس). وقد وصف أحد المجاهدين الذين اشتركوا في التنفيذ ما قام به وزمرته بقوله: (أخذنا مواقعنا تجاه مركز المغاوير (الكوماندوس) وانتظرنا حتى تبدأ المدافع والرشاشات، رماياتها لنقوم بدورنا في توجيه نيراننا على أهدافها في معسكر العدو. وكان المركز محاطا بسياج من الأسلاك الشائكة. وما أن بدأت المدافع والرشاشات والبازوكا بضرب أهدافها حتى إشتعلت النيران فى المركز، وزحفنا هاجمين بعد أن فتحنا ثغرات في سياج الأسلاك الشائكة بواسطة الحشوات المتفجرة المستطيلة (البانغالور). وبالقرب من مدخل المركز، وجدنا الجندي الإفرنسي الذي كان يستعد لإطلاق نار المدفع، وهو جثة هامدة. كما وجدنا عددا كبيرا من الجنود القتلى، باغتتهم نيراننا عندما كانوا فارين في طريقهم إلى الملاجيء الأرضية المحصنة. ولم نسجل أي رد فعل من طرف العدو، باستثناء طلقة واحدة من مدفع رشاش، ما أن سمعنا مصدره حتى قضينا عليه فورا ولما اقتربنا من المدخل، أعطينا شارة إلى البازوكا، وانبطحنا أرضا، فهدمت قذائف البازوكا البناء القائم أمامنا. وتابعنا زحفنا وسط الدخان وألسنة اللهب، إلى أن دخلنا المركز. وقد تمكن بعض جند

стр. 1960

العدو من الوصول إلى الملاجيء الأرضية المحصنة، فطاردناهم هناك بالمتفجرات ودمرنا الملاجيء فوقهم بقذائف الإنيركا. وهنا فاجأتنا طلقة من العدو، وجهت لنا من مدفع رشاش كان في أحد الملاجىء. وتمكنا من إسكاته على الفور. ثم حملنا معنا ما وجدناه من العتاد. واستمر تفتيش المركز وتدمير منشآته حتى الساعة الثالثة وعشر دقائق. ولم يغادر المجاهدون المركز - في هذا القطاع أيضا - إلا بعد أن تم لهم تدمير الجهاز الدفاعي للعدو. والقضاء على كل مقاومة فيه). ... وتحدث قائد الكتيبة عن هجوم زمرته على مبنى ضباط الشؤون الأهلية (الساس) بقوله: (في الواقع، إن الهجوم على مركز- الساس - قد كلل بنجاح كبير. ويعود السبب في ذلك - إلى حد ما - إلى أننا استصحبنا معنا أربعة من رجال - القوم - كانوا قد انضموا إلينا بعد أن فروا من هذا المركز بالذات، فهم من ثم يعرفون المركز ومواقعه ونقاط ضعفه بدقة تامة. وقد قالوا لنا، إن قائدهم الإفرنسي سبق أن قال لهم ذات يوم: لئن تمكن الثوار من الوصول إلى الملاجىء الأرضية فما علينا إلا أن نستسلم بدون دفاع. على هذا، بدأت بتنظيم قوة الهجوم منذ الساعة التاسعة مساء، فوضعت الزمر في مواقع مختلفة، وكانت المسافة التي تفصل بين المركز وبين أبعد زمر الانقضاض لا تزيد على الخمسين مترا. وهناك زمرة لم تكن تبعد عن المركز بأكثر من خمسة عشر مترا - حيث منارة المركز وهي غير المنارة التي سبق الحديث عنها -.

стр. 1961

وضعت أمام المركز خمسة مدافع (بازوكا) على بعد خمسة عشر مترا من منارة (مركز الساس) ومدفعي هاون عيار (٥٠) ومدفعين عيار (٥٧) على بعد مائة وخمسين مترا. ووضعت النسق الأول من قوات الهجوم على بعد خمسة وعشرين متر وراء البازوكا، والنسق الثاني على بعد خمسين مترا والصف أو النسق الثالث على بعد مائة وخمسين مترا لمواجهة أي طارىء قد يظهر من الخلف. وبقيت أنتظر الأمر ببدء الهجوم. وعلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بالضبط أعطيت الإشارة. فبدأت المدافع الرشاشة تقذف نيرانها طوال عشر دقائق، ثم بدأ الهجوم يتقدمه (حاملو الرشاشات - الرماة). كان أول رد فعل صدر عن العدو، هو إطلاق النار من رشاش (هوتشكيس) ومدفعين (عيار ٢٤) مع قذف القنابل اليدوية وإطلاق نار البنادق، واستمر تبادل إطلاق النار حتى الساعة الثالثة إلا الربع، وإذ ذاك قمنا بالانقضاض عليهم، وكنا نفجر قنابلنا اليدوية في وجوههم. وأمكن لنا تدمير دفاع العدو بواسطة قذائف (البازوكا) ولم يبق إلا مدفع واحد (نموذج هوتشكيس) كان الرامي عليه مختفيا وراء نافذة، كان لا بد من تدمير الرشاش قبل كل شيء، ويقول قائد الكتيبة وهو يتابع حديثه: أصدرت أمري إلى أحد المجاهدين (واسمه علي) بحماية جنبي بمدفعه الرشاش، بينما أقوم أنا بمهاجمته، وأعطيت الأمر إلى الجنود بالإنبطاح أرضا، ثم تقدمت نحو النافذة، وأخرجت قنبلة يدوية، ونزعت عنها مسمار الأمان، وقذفتها عليه، فانفجرت في صدره. ثم قلت لجندي آخر (واسمه مسعود) أن يقتحم بناء المركز- من الباب - بينما كنت أنا أنظر من النافذة، وأفتش داخل

стр. 1962

الغرف مستضيئا بمصباح يدوي - ولما تأكد لي عدم وجود أية مقاومة، أصدرت الأمر إلى النسق الثاني بأن يقطع السلك، ويتقدم زحفا نحو المركز، إلى أن يحتله، ودخلت أنا، ثم لحق بي المجاهدون الذين حاصروا المبنى من جميع الجهات، ووقفوا عند جميع نوافذ المركز، فطلبت أن يتبعني ثلاثة ويبقى الآخرون في الحراسة. في حين يبقى النسق الأول متمركزا في مواقعه. انتهت عملية احتلال المركز في الساعة (٣,١٠) صباحا. وبدأت عملية جمع الوثائق، وحمل الذخيرة والعتاد. فحمل المجاهدون من مركز المنارة الصغيرة (الميرادور) التابعة لمركز (الساس) مدفع رشاش (هوتشكيس) وصندوق ذخيرة وثماني سلاسل من ذخيرة رشاشات (٢٤).وعثر على مدفع ٢٤ إلا أنه كان مدمرا بقذيفة بازوكا. كما كانت جميع الأسلحة وقد صهرت بتأثير الحرارة الشديدة الارتفاع. وحصل المجاهدون من مكتب ضابط (الساس) على وثائق هامة وبكمية جيدة. كما حصلوا على جهاز راديو ومسدس وبندقيتين حربيتين وكمية كبيرة من الألبسة. وكانت الأشلاء الممزقة في كل مكان كثيرا ما تعيق عملية البحث والتفتيش عبر الأنقاض المتهدمة، وقبل أن يغادر المجاهدون المبنى، أنزلوا العلم الإفرنسي، ورفعوا مكانه علم الجزائر، كما عملوا على إحراق سيارتين (ج. م. س) وسيارة جيب) .. ... بقيت بعد ذلك قصة الهجوم على مركز القيادة التي تتلخص بالتالي: (عندما أطلقت مجموعة المجاهدين المكلفة بالهجوم على هذا

стр. 1963

المركز نيرانها وقنابل أسلحتها، التهمت النار مبنى القيادة، فلم يتمكن المجاهدون من اقتحامه , كما لم يقم العدو بأي رد فعل مباشر، واغتنم المجاهدون الفرصة، فعملوا على تدمير الملاجىء الأرضية المحصنة، ودمروا مدرعتين نصف مزنجرتين (هاف تراك) مسلحة كل واحدة فيها ثمانية مدافع رشاشة. كما التهمت النار مستودعات الذخيرة والوقود، مع تدمير مدفع هاون (١٢٠) مم. وكان عدد أفراد العدو في هذا المركز (٦٢٠) جنديا تمت إبادتهم عن آخرهم. ... كان المواطنون الجزائريون - المدنيون - في قرية (عين الزانة) يتابعون باهتمام كبير المعركة. وما أن شاهدوا المركز وقد تحول إلى أنقاض وأكوام من التراب والحجارة والرماد حتى أقبلوا على مجاهدي جيش التحرير الوطني، يساعدونهم، ويعملون على إخلاء الجرحى والعناية بهم وعلاجهم، فأقاموا لهم المآدب في جو من الفرحة، بل أن فلاحا لا يملك إلا بقرتين، أبى إلا أن يذبحهما تكريما للمجاهدين في سبيل الله والوطن. لقد كلل الهجوم على (عين الزانة) بهذا النجاح الرائع، لأن قيادة جيش التحرير نظمت في الوقت ذاته مجموعة من الهجمات المنسقة على جميع المراكز القريبة منه: مثل (بوحجار) و (بوسردوك) و (عين كرمة) و (الساقية) و (لاكروا) و (غيران) الخ ... وبهذه الطريقة لم تتمكن هذه المراكز من التدخل أو دعم مركز (عين الزانة) الذي كان هو الهدف الأساسي من عملية هجوم يوم (١٤ - جويليه - تموز - ١٩٥٩).

стр. 1964

برهن مجاهدو جيش التحرير في عملية (عين الزانة) على حسن استيعابهم لتقنيات الأسلحة الجديدة واستخدامها بفاعلية ومهارة عالية، أما شجاعتهم في الهجوم فإنها لم تكن بالأمر الجديد عليهم، ولو أن سلوكهم الرائع في القتال، انتزع إعجاب قادتهم الذين أثنوا على مجاهديهم بما هم أهل له. ولقد بوغت الإفرنسيون مباغتة تامة لظهور الأسلحة الحديثة في قبضة الثوار وكانت المباغتة الأكبر لهم هي في استخدام هذه الأسلحة بمثل تلك الكفاءة. وقد ظهر ذهول المباغتة فورا على الافرنسيين الذي كانوا قد نشروا عشر دبابات على طول عشرة كيلومترات بالقرب من عين الزانة. وقد حاولت هذه الدبابات التدخل في بداية الأمر، لكنها ما أن سمعت أنواع الأسلحة المستخدمة، حتى أطفأت أنوارها، ولازمت جانب الصمت. كانت القيادة الإفرنسية تعرف أن مجاهدي جيش التحرير الوطني قد حصلوا على أسلحة حديثة، غير أن هذه القيادة لم تعترف بقدرة المجاهدين على استيعابها وحتى استخدامها، وجاءت عملية (عين الزانة) لتنذر القيادة الإفرنسية بالتطور الجديد، لا في مجال التسلح فقط، وإنما في مجال التخطيط للعمليات وتنفيذها وإدارة الحرب بصورة عامة. وشعرت القيادة الإفرنسية بخطورة التحول الذي ظهر في (عين الزانة) والتي تم تنفيذ عملياتها في منتصف فصل الصيف، حيث يقصر الليل، وحيث تكون كل الظروف الجوية والبرية مناسبة لتحرك القوات الإفرسية بأكثر مما تسمح به ظروف فصل الشتاء، حيث تقف الدبابات والمركبات عاجزة عن التحرك في المناطق الصعبة. لقد كانت معركة (عين الزانة) أكثر من مجرد هجوم ناجح:

стр. 1965

إنها بداية مرحلة جديدة في حرب التحرير الجزائرية. فعلى مجال العمليات، تم استخدام طريقة (الحرب التشتيتية) وذلك بشن مجموعة من الهجمات الثانوية لعزل الهدف الذي يشكل (الهجوم الرئيسي) وحرمانه من كل دعم خارجي - وعلى المستوى التكتيكي، أظهر المجاهدون كفاءة عالية في استخدام الأسلحة والتعامل مع الأهداف المناسبة في الوقت المناسب وتحقيق التناسق بين حركة القوات، وعمل الأسلحة. وكان لا بد لفرنسا من أن تضع كل ذلك في تقديرها للمواقف الجديدة.
следующие страницы →