← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وضعت أمام المركز خمسة مدافع (بازوكا) على بعد خمسة عشر مترا من منارة (مركز الساس) ومدفعي هاون عيار (٥٠) ومدفعين عيار (٥٧) على بعد مائة وخمسين مترا. ووضعت النسق الأول من قوات الهجوم على بعد خمسة وعشرين متر وراء البازوكا، والنسق الثاني على بعد خمسين مترا والصف أو النسق الثالث على بعد مائة وخمسين مترا لمواجهة أي طارىء قد يظهر من الخلف. وبقيت أنتظر الأمر ببدء الهجوم. وعلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بالضبط أعطيت الإشارة. فبدأت المدافع الرشاشة تقذف نيرانها طوال عشر دقائق، ثم بدأ الهجوم يتقدمه (حاملو الرشاشات - الرماة). كان أول رد فعل صدر عن العدو، هو إطلاق النار من رشاش (هوتشكيس) ومدفعين (عيار ٢٤) مع قذف القنابل اليدوية وإطلاق نار البنادق، واستمر تبادل إطلاق النار حتى الساعة الثالثة إلا الربع، وإذ ذاك قمنا بالانقضاض عليهم، وكنا نفجر قنابلنا اليدوية في وجوههم. وأمكن لنا تدمير دفاع العدو بواسطة قذائف (البازوكا) ولم يبق إلا مدفع واحد (نموذج هوتشكيس) كان الرامي عليه مختفيا وراء نافذة، كان لا بد من تدمير الرشاش قبل كل شيء، ويقول قائد الكتيبة وهو يتابع حديثه: أصدرت أمري إلى أحد المجاهدين (واسمه علي) بحماية جنبي بمدفعه الرشاش، بينما أقوم أنا بمهاجمته، وأعطيت الأمر إلى الجنود بالإنبطاح أرضا، ثم تقدمت نحو النافذة، وأخرجت قنبلة يدوية، ونزعت عنها مسمار الأمان، وقذفتها عليه، فانفجرت في صدره. ثم قلت لجندي آخر (واسمه مسعود) أن يقتحم بناء المركز- من الباب - بينما كنت أنا أنظر من النافذة، وأفتش داخل

стр. 1962

الغرف مستضيئا بمصباح يدوي - ولما تأكد لي عدم وجود أية مقاومة، أصدرت الأمر إلى النسق الثاني بأن يقطع السلك، ويتقدم زحفا نحو المركز، إلى أن يحتله، ودخلت أنا، ثم لحق بي المجاهدون الذين حاصروا المبنى من جميع الجهات، ووقفوا عند جميع نوافذ المركز، فطلبت أن يتبعني ثلاثة ويبقى الآخرون في الحراسة. في حين يبقى النسق الأول متمركزا في مواقعه. انتهت عملية احتلال المركز في الساعة (٣,١٠) صباحا. وبدأت عملية جمع الوثائق، وحمل الذخيرة والعتاد. فحمل المجاهدون من مركز المنارة الصغيرة (الميرادور) التابعة لمركز (الساس) مدفع رشاش (هوتشكيس) وصندوق ذخيرة وثماني سلاسل من ذخيرة رشاشات (٢٤).وعثر على مدفع ٢٤ إلا أنه كان مدمرا بقذيفة بازوكا. كما كانت جميع الأسلحة وقد صهرت بتأثير الحرارة الشديدة الارتفاع. وحصل المجاهدون من مكتب ضابط (الساس) على وثائق هامة وبكمية جيدة. كما حصلوا على جهاز راديو ومسدس وبندقيتين حربيتين وكمية كبيرة من الألبسة. وكانت الأشلاء الممزقة في كل مكان كثيرا ما تعيق عملية البحث والتفتيش عبر الأنقاض المتهدمة، وقبل أن يغادر المجاهدون المبنى، أنزلوا العلم الإفرنسي، ورفعوا مكانه علم الجزائر، كما عملوا على إحراق سيارتين (ج. م. س) وسيارة جيب) .. ... بقيت بعد ذلك قصة الهجوم على مركز القيادة التي تتلخص بالتالي: (عندما أطلقت مجموعة المجاهدين المكلفة بالهجوم على هذا

стр. 1963

المركز نيرانها وقنابل أسلحتها، التهمت النار مبنى القيادة، فلم يتمكن المجاهدون من اقتحامه , كما لم يقم العدو بأي رد فعل مباشر، واغتنم المجاهدون الفرصة، فعملوا على تدمير الملاجىء الأرضية المحصنة، ودمروا مدرعتين نصف مزنجرتين (هاف تراك) مسلحة كل واحدة فيها ثمانية مدافع رشاشة. كما التهمت النار مستودعات الذخيرة والوقود، مع تدمير مدفع هاون (١٢٠) مم. وكان عدد أفراد العدو في هذا المركز (٦٢٠) جنديا تمت إبادتهم عن آخرهم. ... كان المواطنون الجزائريون - المدنيون - في قرية (عين الزانة) يتابعون باهتمام كبير المعركة. وما أن شاهدوا المركز وقد تحول إلى أنقاض وأكوام من التراب والحجارة والرماد حتى أقبلوا على مجاهدي جيش التحرير الوطني، يساعدونهم، ويعملون على إخلاء الجرحى والعناية بهم وعلاجهم، فأقاموا لهم المآدب في جو من الفرحة، بل أن فلاحا لا يملك إلا بقرتين، أبى إلا أن يذبحهما تكريما للمجاهدين في سبيل الله والوطن. لقد كلل الهجوم على (عين الزانة) بهذا النجاح الرائع، لأن قيادة جيش التحرير نظمت في الوقت ذاته مجموعة من الهجمات المنسقة على جميع المراكز القريبة منه: مثل (بوحجار) و (بوسردوك) و (عين كرمة) و (الساقية) و (لاكروا) و (غيران) الخ ... وبهذه الطريقة لم تتمكن هذه المراكز من التدخل أو دعم مركز (عين الزانة) الذي كان هو الهدف الأساسي من عملية هجوم يوم (١٤ - جويليه - تموز - ١٩٥٩).

стр. 1964

برهن مجاهدو جيش التحرير في عملية (عين الزانة) على حسن استيعابهم لتقنيات الأسلحة الجديدة واستخدامها بفاعلية ومهارة عالية، أما شجاعتهم في الهجوم فإنها لم تكن بالأمر الجديد عليهم، ولو أن سلوكهم الرائع في القتال، انتزع إعجاب قادتهم الذين أثنوا على مجاهديهم بما هم أهل له. ولقد بوغت الإفرنسيون مباغتة تامة لظهور الأسلحة الحديثة في قبضة الثوار وكانت المباغتة الأكبر لهم هي في استخدام هذه الأسلحة بمثل تلك الكفاءة. وقد ظهر ذهول المباغتة فورا على الافرنسيين الذي كانوا قد نشروا عشر دبابات على طول عشرة كيلومترات بالقرب من عين الزانة. وقد حاولت هذه الدبابات التدخل في بداية الأمر، لكنها ما أن سمعت أنواع الأسلحة المستخدمة، حتى أطفأت أنوارها، ولازمت جانب الصمت. كانت القيادة الإفرنسية تعرف أن مجاهدي جيش التحرير الوطني قد حصلوا على أسلحة حديثة، غير أن هذه القيادة لم تعترف بقدرة المجاهدين على استيعابها وحتى استخدامها، وجاءت عملية (عين الزانة) لتنذر القيادة الإفرنسية بالتطور الجديد، لا في مجال التسلح فقط، وإنما في مجال التخطيط للعمليات وتنفيذها وإدارة الحرب بصورة عامة. وشعرت القيادة الإفرنسية بخطورة التحول الذي ظهر في (عين الزانة) والتي تم تنفيذ عملياتها في منتصف فصل الصيف، حيث يقصر الليل، وحيث تكون كل الظروف الجوية والبرية مناسبة لتحرك القوات الإفرسية بأكثر مما تسمح به ظروف فصل الشتاء، حيث تقف الدبابات والمركبات عاجزة عن التحرك في المناطق الصعبة. لقد كانت معركة (عين الزانة) أكثر من مجرد هجوم ناجح:

стр. 1965

إنها بداية مرحلة جديدة في حرب التحرير الجزائرية. فعلى مجال العمليات، تم استخدام طريقة (الحرب التشتيتية) وذلك بشن مجموعة من الهجمات الثانوية لعزل الهدف الذي يشكل (الهجوم الرئيسي) وحرمانه من كل دعم خارجي - وعلى المستوى التكتيكي، أظهر المجاهدون كفاءة عالية في استخدام الأسلحة والتعامل مع الأهداف المناسبة في الوقت المناسب وتحقيق التناسق بين حركة القوات، وعمل الأسلحة. وكان لا بد لفرنسا من أن تضع كل ذلك في تقديرها للمواقف الجديدة.

стр. 1966

٨ - معركة الحوض (*) ١٩٥٩ كانت مجموعة المجاهدين تسير في طريقها إلى (جبل الحوض) تحت سيل المطر المنهمر بغزارة، والليل مظلم موحش، وشعر المجاهدون بالتعب وهم يخوضون في الوحل الكثيف، ويحملون فوق أعبائهم ثقل ثيابهم المبللة. ولاح لهم أن موعد الفجر بات قريبا عندما وصلوا إلى مكان في الجبل، تغطيه الأشجار الكثيفة. فنظموا الحراسة من كل جانب، وعلى كل اتجاه، وانصرف من لا عمل لهم لأخذ قسط من الراحة والنوم. غير أنه لم تمض أكثر من فترة وجيزة حتى ارتفع صوت مجاهد من الحرس وهو يعطي أمره بالوقوف لرجل ظهر أمامه. وأسرع قائد المجموعة نحو مصدر الصوت ليستوضح جلية الأمر. فإذا به أمام رجل الحرس وقد أصدر هذا أوامره إلى رجل يقف أمامه: قف، ارفع يديك! وامتثل الرجل للأمر، وعاد رجل الحرس ينادي طالبا رئيس الحرس الذي قدم بدوره مسرعا. وتقدم قائد المجموعة ورئيس الحرس من الرجل الغريب، فوجدوه مدنيا - مواطنا جزائريا -

стр. 1967

وعرفوه ... إنه أيضا من مجاهدي الناحية، وممن يعملون في عمل إداري في صفوف جبهة التحرير الوطني. وكان مع (الرجل الغريب) صبي يحمل في يده إبريقا من القهوة، وسلة (قفة) صغيرة يغطيها منديل. وسرعان ما اكتشف (الرجل الغريب) أنه يعرف رئيس مجموعة المجاهدين، فأقبل عليه يعانقه بدفء وحرارة، ومضى رئيس المجموعة وبرففته (الرجل الغريب) والصبي حامل القهوة إلى حيث ينتشر المجاهدون. طلع النهار، وجلس الجميع تحت شجرة كثيفة، يرتشفون جرعات القهوة الساخنة. ووجه رئيس المجموعة سؤاله إلى هذا الغريب - الذي لم يعد غريبا - وقال له: كيف حال الأخوان هنا؟ وأجابه الرجل: إننا والحمد لله بأحسن حال! وسكت قليلا، ثم أردف قائلا: لقد لمحتكم وأنتم تجتازون السهل الذي بجانبنا، فعرفتكم. وأظن أن حرس المراكز المجاورة لناحيتنا (دوارنا) من الناحية الشرقية قد شعر بكم أيضا، لأن هذا الحرس قد أسرع بالتحول عن مراكزه، واتجه نحو مركز (يوكس الحمامات). ولهذا فقد أسرعت أنا بدوري للقدوم عليكم وإعلامكم بذلك لتكونوا على استعداد للطوارىء. فشكره رئيس المجموعة على يقظته وحزمه. ثم استدعى على الفور ثلاثة جنود وجندي أول، وشكل منهم دورية أمرها بالتوجه إلى الناحية المشرفة على مركز (يوكس الحمامات). ثم أرسل دورية ثانية إلى ناحية (مسكيانة). وأتبع ذلك بإصدار مجموعة من التعليمات لتشديد الحراسة في عدد من النقاط الأخرى. وكان هذا المجاهد - المدني - ينظر بإعجاب إلى الجنود وهم ينفذون الأوامر بسرعة، رغم ما هم عليه من التعب الذي

стр. 1968

حل بهم بعد عناء المسير الشاق، فالتفت نحو الصبي الذي كان يرافقه، وقال له: أرأيت يا بني! ما رأيك؟ قد تصبح جنديا، تدافع عن وطنك مع أبطال جيش التحرير الوطني؟ لا بأس. أنه عندما يكبر سيصبح جنديا يدافع عن حرية الجزائر. وهنا تدخل قائد المجاهدين وقال للرجل: (والآن يا أخى، يجب أن تذهب - مع الصبي - لأن المكان سيصبح هنا خطيرا. ولا ندري ما ستتمخض عنه الأحداث) وانصرف الرجل وابنه بعد وداع حار ومؤثر حمل كل صفاء المجاهدين وإخلاص الثوار الأحرار. لم تمض فترة طويلة على ذلك حتى عادت الدورية الأولى لتعلم القائد بأنها شاهدت أضواء خافتة لرتل طويل من المركبات يسير على طريق (يوكس الحمامات) وهو يتجه إلى حيث موقع المجاهدين. ولم يكن من الصعب عندها رؤية أضواء المركبات على البعد وهي تسير في وسط الضباب. وأسرع القائد، فأصدر أمره إلى المجاهدين باحتلال مواقعهم على القمم الأمامية المشرفة على الطريق، ولم يكن عدد المجاهدين يزيد على سبعين رجلا. احتل المجاهدون مواقعهم على الشكل التالي: رشاش خفيف (٢٤) في الجناح الأيمن ومعه رشاشتان قصيرتان وخمس بنادق (موزير). وفي الجناح الأيسر احتل مجاهدو الفصيلة الثالثة مواقعهم بمثل هذا الترتيب. وتمركز الرشاش الثقيل (هوتشكيس) في الوسط. استمرت القوات الافرنسية في تقدمها تحت مراقبة المجاهدين الذين يتابعون تحرك أعدادهم بهدوء وصمت، فيما كان الضباط يتنقلون بين المجاهدين يزودوهم بأوامرهم وتوجيهاتهم وأهمها: عدم التحرك من المواقع إلا إذا صدرت أوامر مضادة، وعدم إطلاق النار إلا عند صدور الأمر بذلك.

стр. 1969

أرسلت الشمس خيوطها الدقيقة من خلال سحب الضباب الرقيقة. وظهرت في الوقت ذاته ثلاث طائرات استطلاع قامت بالتحليق فوق رؤوس المجاهدين مرات متتالية، ويظهر أنها اكتشفت وجود بعض المجاهدين فأرسلت الشهب الدخانية نحوهم، موجهة بذلك رتل القوات الاستعمارية الذي كان يمعن في توغله مهتديا بتوجيه الطائرات له. حافظ المجاهدون على هدوئهم، ومكثوا في صمت تام ينتظرون الأمر بإطلاق النار. هذا فيما كانت قوات الإفرنسيين تتابع تقدمها نحو المجاهدين بحذر كبير حتى إذا لم يبق من مسافة تفصل بين المجاهدين وأعدائهم تزيد على عشرات الأمتار، صدر الأمر بفتح النار، وانطلقت النار دفعة واحدة من كل الأسلحة، وبوغت العدو بكثافة النار العالية الموجهة إليه، فبدأ بالتقهقر إلى الوراء تاركا فوق أرض المعركة عددا من القتلى والجرحى. وكان المجاهدون يتوقعون أن يعود العدو للهجوم بعد أن يعيد تنظيم قواته، غير أنه ذهب بعيدا في انسحابه، فأدرك المجاهدون على الفور بأن العدو يريد من انسحابه إفساح المجال أمام مدفعيته لتدمير قوة المجاهدين، بعد أن تأكد أن خسائره ستكون كبيرة إذا ما عاد إلى الهجوم وذلك بفضل الأسلحة الحديثة التي ظهرت مع المجاهدين، والتي لم يكن العدو يتوقع وجودها معهم. وهكذا، وبينما كانت قوات الافرنسيين تسرع في انسحابها، كان المجاهدون يسرعون بدورهم أيضا لتبديل مواقعهم. ولم تمض أكثر من دقائق قليلة حتى شرعت المدفعية فعلا في قصف المواقع التي كان يحتلها المجاهدون قبل قليل. ثم عادت القوات الافرنسية الى التقدم والزحف من جديد تحت حماية المدفعية، حتى كادت تقتحم على

стр. 1970

المجاهدين مواقعهم. وهنا أصدر القائد أمره الى الجناح الأيسر بالتحرك إلى الناحية الغربية، كما أمر الجناح الأيمن بالتحرك الى الناحية الشرقية، ثم أصدر أمره إلى الفصيلة الوسطى بالتقدم قليلا نحو الأمام، وبذلك أصبحت قوات العدو مطوقة بشبه دائرة. وفي هذه اللحظة توقفت المدفعية الإفرنسية حتى لا تصيب بقذائفها جنود مشاتها. واقترب جند الطرفين بعضهم من بعض. وعاد المجاهدون ففتحوا نيرانهم الكثيفة بصورة مباغتة من الجناح الأيمن، فحاول الجنود الافرنسيون التراجع قليلا نحو اليسار فاسقبلتهم نار الفصيلة التي كانت تنتظرهم. وعندما حاولوا التقدم نحو الأمام، صدمتهم نيران فصيلة قلب الدفاع التي كانت لهم بالمرصاد. واستمر إطلاق النار من الجناحين ومن قلب الدفاع في وقت واحد. وأظهر المجاهدون خلال ذلك مهارة رائعة في تنقلهم، وسرعة مذهلة في تحركهم، وهم يقومون بحركات الالتفاف والانقضاض على أعدائهم. وأصيب الجنود الافرنسيون بالذعر لكثافة النار التي تنصب عليهم من كل جانب، فهيمنت الفوضى على تحركاتهم، وسيطرت الفوضى على مواقفهم وتنقلهم. إلا أن نجدات أخرى للعدو أخذت في التدفق من عدة جهات، (وخاصة من مسكيانة والعاتر وتبسه) واستطاعت هذه القوات الضخمة ضرب نطاق محكم من الحصار حول ميدان المعركة، فأصدر قائد المجاهدين أمره بتقسيم قوة المجاهدين إلى مجموعتين، تتولى مجموعة منهما الاضطلاع بواجب مجابهة النجدات وإعاقة تقدمها نحو مواقع المجاهدين، بينما تتابع المجموعة الثانية معركتها ضد قوات العدو التي تشتبك معها، واتسعت رقعة القتال، وامتد زمن المعركة على هذا المنوال

стр. 1971

حتى أشرفت الشمس على المغيب وعندئذ بدأ المجاهدون في التخفيف من قواتهم المهاجمة لدعم القوات المدافعة والتي باتت محاصرة. وما إن أطبق الظلام حتى كانت قوة المجاهدين بكاملها موجهة نحو هدف واحد، هو فك الحصار المضروب على بعض المجاهدين، والخروج من أرض المعركة. وللوصول إلى هذا الهدف، دفع المجاهدون الرشاشات أمامهم، وانتشروا خلفها، ثم انطلقوا بانقضاض مباغت على العدو الذي كان يحكم الحصار، وكان الصدام دمويا عنيفا بحيث كان لهيب المعركة يزيد في قوته على كل الاشتباكات التي استمرت النهار بطوله. وبعد ساعة كاملة استطاع المجاهدون شق طريقهم بنيرانهم وبقوة حرابهم، وكبدوا العدو خلال ذلك خسائر فادحة لم يتمكنوا من إجراء إحصاء لها، بسبب الظلام الشديد. ما إن ابتعد المجاهدون عن خط النار حتى توجهوا إلى (جبل بو خضرة) الذي لم يبلغوه إلا عندما طلع النهار. وارتفع قرص الشمس في السماء حتى إذا ما بلغ وقت الضحى، أقبل المواطنون - المدنيون - يحملون إلى المجاهدين الطعام والماء، ويعملون على مساعدتهم في تضميد جراح الذين أصيبوا بها - خاصة - أثناء فك الحصار. وهنا واجهت المجاهدين مشكلة كان من الصعب عليهم حلها، فقد حملوا معهم أثناء انسحابهم الأسلحة التي غنموها، وكانوا يرغبون في توزيعها على هؤلاء - المدنيين - الذين كانوا يطلبون بإلحاح تجنيدهم وتسليحهم إلا أن عدد المتطوعين كان أكبر من عدد الأسلحة. وكان من يحرم من السلاح يشعر بأن مجاهدي جيش التحرير يفضلون عليه من يقبلون تطوعه لقد كانوا جميعا بشوق لحمل السلاح، وكلهم تملؤه الحماسة للجهاد، غير أن قلة

стр. 1972

الأسلحة لا زالت مشكلة تعيق تطور جيش التحرير الوطني. جلس الجميع لتناول الطعام. وقال القائد لمجاهديه: (أرأيتم أيها الإخوان؟ إن الشعب كله يريد التطوع، وهو يغبطكم على شرف حمل هذا السلاح الذي تمسكونه بأيديكم. وهذا هو والله -النصر الحقيقي!).

стр. 1973

٩ - معركة عنابة (*) ١٩٥٩ وقعت معركة عنابة يوم (٢٤ جوان - حزيران - ١٩٥٩) وما إن ظهرت تفاصيلها الأولى حتى تناقلتها وكالات الأنباء العالمية، واطلع عليها العالم أجمع في دهشة وإعجاب. ولم تتمكن القيادة الإفرنسية، هذه المرة، أن تتستر على هذه المعركة لأنها وقعت في ضاحية من ضواحي (عنابة) ولأن المدنيين من جزائريين وإفرنسيين، كانوا يتابعون بأبصارهم نيران اللهب والطائرات المتساقطة والفوضى التي هيمنت على القوات الإفرنسية بسبب ما أصابها من ذعر. كما كانوا يسمعون ضجيج المعركة الصاخب طوال اثنتي عشرة ساعة وكان من بين الذين شاهدوا المعركة من ميناء (عنابة) ضابط بحرية بريطاني، ولما شاهد عنف المعركة، ووفرة عدد الجنود الإفرنسيين، والاستعدادات الضخمة سأل شخصا كان بجانبه: كم عدد الثوار الذين تحاربونهم الآن؟ فأجابه الآخر: يقال أن عددهم حوالي السبعين، فابتسم الضابط البريطاني ابتسامة سخرية، وقال معلقا: إذن فإن باستطاعة حلف شمال الأطلسي

стр. 1974

الاعتماد على الجيش الإفرنسي - ضد الاتحاد السوفييتي. وتلك هي بعض ملامح المعركة كما وردت في تقرير أحد الأبطال الذين عاشوا تجربتها: (هي فرقة من مغاوير (كوماندوس) جيش التحرير الوطني، لا يزيد عدد أفرادها على الستين رجلا، كلفتها قيادة جيش التحرير بتنفيذ مهمة في (عنابة)، غير أن العدو اكتشفها قبل أن تصل إلى هدفها، وذلك عندما وصلت إلى مسافة تبعد ثلاثين كيلومترا عن مدينة (عنابة) وكانت الساعة (١٠ , ١٩) مساء وما أن اكتشف الافرنسيون أمر هذه القوة حتى أخذوا في تنظيم حصار محكم حولها، ودفعوا لهذه الغاية (فرق القوم والحركة) و (فرق اللفيف الأجنبي) و (فرق المظليين - أصحاب القبعات الحمر والخضر) و (الفرقة الرابعة عشر للمصفحات) و (وحدات أخرى مختلفة من الشرطة - البوليس) و (س. ر. س) وقد اسقدمت هذه الفرق من (قالمة) و (سوق السبت) و (قسنطينة) و (سطيف) و (سكيكده) و (واد العنف)، بل إن بعضها استقدم من جنوب ولاية وهران بواسطة الطائرات. وقد عمل الإفرنسيون طوال الليل من أجل إعداد هذه القوات وزجها بأعدادها الضخمة والتي بلغ مجموعها ثلاثة وعشرين ألف جندي تقريبا، كل ذلك لتنظيم حصار حول ستين رجلا. لم تبق فرقة المغاوير - الكوماندوس - متوقفة عن كل نشاط طوال الليل، فواصلت سيرها داخل دائرة الحصار المضروب حولها، متوجهة إلى مدينة (عنابة) وكلها عزم وتصميم على تنفيذ واجبها مهما كان الثمن، ولم تحاول الرجوع إلى الوراء بالرغم من أنه كان باستطاعتها الإفادة من ظلمة الليل لاختراق الحصار والعودة إلى

стр. 1975

قواعدها. وفي الساعة الرابعة من صباح يوم ٢٤ جوان - حزيران - وصلت إلى ضاحية (سيدي سالم) من ضواحي مدينة (عنابة) وأشرقت عليها الشمس قبل أن تدخل المدينة، فتمركزت في مزرعة مشجرة محصنة يقع (وادي سيبوس) من ورائها. ثم نظمت مواقعها الدفاعية، ووضعت خطة خروجها من الميدان، وحفرت الخنادق لأنها كانت تعرف جيدا ما - يواجهها من عتاد حربي وتنوع، ومن أسلحة مختلفة (طيران، مدفعية ثقيلة، مدرعات، الخ ...) واستعدت فرقة المغاوير - الكوماندوس - لمواجهة العدو استعدادا كاملا. انصرف العدو، بعد شروق الشمس، الى البحث عن آثار فرقة المغاوير - الكوماندوس - حتى أمكن له تحديد موقعها في الساعة السادسة صباحا. وحدث أول اشتباك بالنيران، وسقط النسق الأول من القوات الإفرنسية، ومعظم أفراده قتلوا، ثم تراجع الباقون على أعقابهم. وتأكدت القيادة الافرنسية من مكان تمركز المغاوير، فراحت تقذفه بقنابل المدفعية الثقيلة طوال ساعتين (من الثامنة حتى العاشرة) توقف القصف بعدها. وشرعت القيادة الإفرنسية في توجيه الهجوم ضد مواقع المغاوير الجزائريين. وكانت القوات الإفرنسية المهاجمة قد انتظمت على شكل أنساق متتالية: النسق الأول ويضم (فرق القوم والحركة). والنسق الثاني ويضم (فرق اللفيف الأجنبي). ثم النسق الثالث، ويضم (جنود المظلات). وبعدها تأتي أنساق بقية القوى. كانت فرقة مغاوير جيش التحرير الوطني تملك من الأسلحة ما يساعدها على مواجهة مثل هذا الهجوم بقوة وفاعلية، فقد كان معها

стр. 1976

(٢٤) رشاشة. ومدفع هاون وبازوكا و (٤) مدافع رشاشة، والباقي بنادق حديثة. وكانت القيادة الافرنسية تعرف أن جنودها قد يترددون في مواجهة نيران جيش التحرير، ولهذا راحت تضرب مؤخرتهم بقنابل المدفعية الثقيلة حتى تجبرهم على التقدم والهجوم، وحتى لا يجدوا أمامهم مجالا للفرار. وكان كلما تقدم نسق من أنساق القوات الافرنسية حصدته نيران مغاوير جيش التحرير، وأبادت معظم أفراده. فتناثرت جثث القتلى في كل مكان. ولم يجد الجنود القلائل الذين نجوا من الموت في أنفسهم ما يكفي من الجرأة لمتابعة الهجوم، فانبطحوا أرضا، وتظاهروا بالموت، لأنهم لم يكونوا قادرين على الانسحاب نحو الخلف حيث كانت قنابل المدفعية الإفرنسية تحاصرهم وتمنعهم من التراجع. واستمرت موجات الهجوم في التتابع طوال ساعتين كاملتين، وتأكدت القيادة الإفرنسية عندها من عقم الهجوم، وعدم الفائدة من متابعته أو تطويره. فأخذوا في الإعداد لقصف موقع المغاوير الجزائريين بقنابل الطائرات، ولكنهم عملوا قبل زج الطيران، على إرغام المدنيين الجزائريين على إخلاء قتلى الإفرنسيين وجرحاهم وذلك حتى لا تضربهم نيران المغاوير الجزائريين. تدخل الطيران بعد ذلك، وراحت قنابله الثقيلة تدق الأرض دقا عنيفا، ومع ذلك، استطاع المغاوير إسقاط ثلاث طائرات (واحدة من نوع ب - ٢٦ والثانية من نوع ت - ٦ والثالثة طائرة استطلاع) وقد شاهد جميع المدنيين - جزائريين وإفرنسيين - الطائرات الافرنسية وهي تتهاوى طعمة للنيران. وبعد هذه الموجة من الهجوم الجوي، عادت القيادة الافرنسية الى تنظيم هجوم جديد بقواتها البرية. لكن

стр. 1977

جنود اللفيف الأجنبي التابعين للفيلق الأجنبي المتمركز في (شابو جاندارم) رفضوا القتال، وألقوا بأسلحتهم أرضا، فقتل قادتهم الإفرنسيون أربعة منهم لإرغامهم على القتال. وبالرغم من ذلك فقد أصروا على الرفض، ولما تأكدت القيادة الإفرنسية أن الفشل قد نزل بقواتها، وأن الذعر قد هيمن على جنودها، وأنها لم تعد قادرة على إرغامهم - بأي حال من الأحوال - على خوض المعركة من جديد، قررت استئناف عملية القصف الجوي، إلا أنها استخدمت في هذه المرة الغازات الخانقة، فبلغ مجموع من استشهد من مغاوير جيش التحرير ثلاثة وثلاثون مجاهدا. أما الباقون، فقد تمكنوا من الانسحاب بعد أن عم الاضطراب صفوف القوات الإفرنسية. كان من الصعب جدا إحصاء خسائر الإفرنسيين ومعرفة عدد قتلاهم بدقة، وقد أكد المدنيون الجزائريون الذين أرغموا على نقل جثث القتلى أن عدد هؤلاء يزيد على بضع مئات (ما بين قتلى وجرحى). ولعل ما يؤكد الحجم الكبير للخسائر الإفرنسية في الأرواح، هو إقدام القيادة الإفرنسية على تخصيص أربع عشرة سيارة من سيارات الاسعاف لاخلاء الجرحى (عشر منها عسكرية وأربع مدنية) بالإضافة إلى تخصيص ثلاث طائرات عمودية (هيليكوبتر) لإخلاء الجرحى. وكذلك تخصيص ست مركبات كبيرة (من نوع ج. م. س) لإخلاء القتلى. أما في مجال الخسائر المادية، فبالإضافة إلى الطائرات الثلاث التي أسقطت محترقة، تمكن المغاوير من تدمير دبابة بنيران البازوكا - في بداية المعركة. ***

стр. 1978

تلك هي بعض ملامح معركة (عنابة). وقد كانت هذه المعركة البطولية الرائعة، مناسبة جديدة، أكد فيها جيش التحرير الوطني الجزائري تفوقه في ميدان الصراع المسلح، كما برهن فيها المجاهدون على قدرتهم في استيعاب الأسلحة الحديثة وكفاءتهم العالية في استخدامها. واكتسبت معركة عنابة أهمية خاصة بسبب وقوعها في فترة كانت أجهزة الجمهورية الخامسة (حكومة ديغول) العسكرية منها والإعلامية والسياسية تزعم أنها في سبيلها إلى (تهدئة البلاد). فظهر للعالم أجمع أن الجزائر الثائرة هي أبعد ما تكون عن التهدئة بالوسائل القمعية. واكتسبت معركة عنابة أهمية خاصة أيضا لأنها وقعت في فترة حرجة كانت فيها حكومة ديغول تحاول الاعتماد على مراكز قوى تبادلية يمكن لفرنسا الاستعمارية أن تتفاهم معها - ضد جبهة التحرير الوطني - المتصلبة - على حد زعم الافرنسيين، فجاءت معركة عنابة لتبرهن للجميع بأن جبهة التحرير الوطني (وجيش التحرير الوطني - الجهاز التنفيذي للجبهة) هي القوة الوحيدة التي يمكن لها تقرير حق الجزائر في مستقبلها - بالحرب أوبالسلام -. وكان لمعركة عنابة أهميتها الخاصة أيضا لأنها جاءت في فترة، حاولت فيها حكومة ديغول التنكر لكل العوامل التي أدت الى الثورة، ودفعت شعب الجزائر المجاهد لحمل السلاح، فظن ديغول - وحكومته - أنه يستطيع عن (طريق إقامة بعض المشاريع الصناعية والاقصادية) امتصاص نقمة الشعب الجزائري، فراح يشجع رؤوس الأموال الإيطالية على المساهمة في إقامة (معمل عنابة)، وانصرف إلى وضع مشروع (قسنطينة) لتطوير الولاية التي كانت

стр. 1979

مهدا للثورة. وجاءت معركة عنابة لتحبط كل المشاريع الوهمية، ولتسقطها دفعة واحدة. وكان المدنيون الإفرنسيون - المستوطنون - وسواهم من الأوروبيين - يعتقدون حتى ذلك اليوم أن باستطاعة الجيش الافرنسي فرض وجوده والسيطرة على الموقف - إذا ما أراد ذلك - ولكن هؤلاء شاهدوا بأعينهم البرهان على ضعف الجيش الافرنسي المتفوق ماديا بالقوى والوسائط، وتأكدوا من تفوق جيش التحرير الوطني معنويا والذي بات يمتلك من الوسائط ما يؤهله ليكون متفوقا ماديا أيضا. وباتت قضية حسم الصراع لمصلحة الثائر الجزائري قضية زمن لا أكثر. وكانت معركة عنابة نقطة من نقاط الانعطاف الحاسمة في تطور (جيش التحرير الوطني الجزائري).

стр. 1980

١٠ - عام الانتصارات (١٩٦٠) (*) مضت خمسة أعوام على بداية الثورة وهي تسير قدما، بتصميم وثبات، نحو النماء والتعاظم، حتى إذا ما بدأت السنة السادسة من عمر الثورة، مع بداية سنة ١٩٦٠، أصبح باستطاعة جبهة التحرير الوطني وجهازها التنفيذي (جيش التحرير الوطني) السير بخطوات أوسع نحو النهاية الحتمية لخط الثورة. فكانت سنة (١٩٦٠) بحق (سنة الانتصارات) على كل الصعد والمستويات. وبصورة خاصة منها صعيد (الصراع المسلح). وقد يكون من العسير رسم لوحة شاملة لهذا التطور. إلا أنه ليس من الصعب تكوين فكرة عامة من خلال استقراء ملامح بعض المعارك الذي جرت في ناحية محدودة (من نواحي بني صالح) خلال مدة وجيزة لا تزيد على الشهر وبضعة أيام. ... في صبيحة يوم ٣١ - اكتوبر - تشرين الأول - ١٩٥٩. قامت

стр. 1981

كتيبة من كتائب جيش التحرير كانت مقيمة بنواحي (بني صالح) بإرسال دورية استطلاع، وعندما عادت الدورية أفادت بأن هناك وحدة من الجيش الافرنسي تضم ثلاثين جنديا تقريبا، قد توقفت في الجبل المقابل، فسار مجاهدو الكتيبة على الفور، سالكين الشعاب الضيقة والدروب الصعبة حتى لا يشعر العدو بحركتهم. وعندما وصلوا إلى مسافة قريبة من العدو، نظموا قوتهم، وضربوا نطاقا حوله. ويظهر أن العدو لم يكن يتوقع ظهور المجاهدين في تلك الناحية، ولهذا أهمل ترتيبات الأمن، وانتشر أفراده فوق الأرض وقد ربطوا خيولهم إلى جانبهم. وبعد أن أحكم المجاهدون الحصار حول أعدائهم. أطلقوا نيرانهم كلها دفعة واحدة، فلم يتمكن الجنود الافرنسيون من إبداء أية مقاومة، وحاول بعضهم الفرار فصرعتهم رصاصات المجاهدين المحكمة. وما هي إلا ربع ساعة حتى كان المجاهدون يغادرون أرض المعركة التي امتلأت بجثث المرتزقة الاستعماريين، ومعهم خيول العدو وأسلحته. وبعد فترة قصيرة، بدأت نجدات العدو بتطويق الناحية من كل جانب، وامتلأت السماء بالطائرات المتعددة الأشكال (من ب ٢٦ وموران والطائرات المطاردة وطائرات الاستطلاع) كما أخذت (١٨) طائرة عمودية (هيليكوبتر) بإنزال قوات إفرنسية فوق قمم الجبال، في حين كانت الأرض تهتز بالقنابل المتساقطة من كل مكان، واشتعلت الغابة بقنابل النابالم التي كانت الطائرات تلقيها من غير توقف حتى أصبح الجبل كله مشعلا من اللهب الحارق، ولكن المجاهدين الذين كانوا يعرفون شعاب الجبل الخفية ودروبه السرية، لم يعبأوا كثيرا بما يحيط بهم، وأمكن لهم الخروج من دائرة الحصار بعد أن خاضوا اشتباكا رهيبا مع إحدى وحدات العدو كبدوها فيه (٦٥) قتيلا، بحسب اعتراف

стр. 1982

الضباط الافرنسيين ذاتهم. واستطاع المجاهدون فتح الثغرة، والمرور بين قوات العدو، واستشهد منهم (٧) مجاهدين خلال عملية فتح الثغرة كما أصيب خمسة آخرون بجروح مختلفة. ... وفي يوم ٦ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩. وقعت معركة أخرى في (بوغنبوز) حيث كانت فرقة من فدائيي جيش التحرير الوطني مدعم بفوج من المجاهدين - جند جيش التحرير - ومعهم م فع هاون ومدفع رشاش ثقيل، وهم يتمركزون جميعا في المنطقة. ولاحظت عناصر استطلاع هذه القوة أن هناك دورية استعمارية تنتقل في المنطقة دون أن تلاحظ هذه وجود قوة جيش التحرير. فانتظر المجاهدون حتى الساعة السادسة مساء (١٨٠٠) وبدأوا تحركهم في اقتفاء أثر الدورية الافرنسية. وكان تحرك المجاهدين بصمت تام وحذر شديد حتى وصلوا إلى منطقة مكشوفة (عارية من الأشجار) يحيط بها الجبل من كل جهاتها، وفيها بركة ماء توقفت عندها الدورية الإفرنسية، وانصرف أفرادها للراحة من عناء السير المستمر طوال النهار، وأخذ جند الدورية بغسل وجوههم، دون الالتفات إلى ما حولهم، حيث كان المجاهدون يتابعون تقدمهم حتى وصلوا إلى مسافة لا تبعد عن أفراد الدورية بأكثر من ثمانين مترا تقريبا. وفجأة، فتحوا عليهم نار أسلحتهم الآلية - الأوتوماتيكية، وقذفوهم بقنابل الهاون والقنابل اليدوية، فأصيب أفراد الدورية الإفرنسية بالهلع، وتعالت صرخاتهم مختلطة بدوي الانفجارات ولعلعة الرصاص وأنين الجرحى واستغاثات المصابين، وكان الجرحى يتوسلون إلى رفاقهم بألا يتخلوا عنهم، أو يهربوا ويتركوهم. وعندما حاولت المدفعية الإفرنسية التدخل لدعمهم، وقعت قنابلها على القوات الإفرنسية

стр. 1983

دراسة مخطط المعركة - تصميم وفكر وعمل.

стр. 1984

التي كانت قادمة لنجدة الدورية المحاصرة. وتابع المجاهدون مهمتهم، وحملوا الأسلحة الكبيرة التي غنموها من معركتهم، وانسحبوا بعد أن كبدوا العدو (٢٣) قتيلا و (١٢) جريحا. ولم يصب أحد منهم بأذى، وأمكن لهم النجاة سالمين بالرغم من وفرة قوات العدو التي أخدت في البحث عنهم. ... وفي يوم ٢٣ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩. خاض المجاهدون معركتين (في عين القصبة) و (تافر) وكان النصر حليفهم في المعركتين. سارت قوة من المجاهدين متوجهة نحو هدفها حتى وصلت الى مرتفع (القروم الأكحل) وصعد مراقب من هذه القوة إلى صخرة مرتفعة عالية تشرف على المنطقة كلها، وأخذ ينظر باحثا من خلال عدسات منظاره المقرب على أمل العثور على ضالته المنشودة، والتي أخبرته عن وجودها في المنطقة مصلحة الاستعلامات في قيادته، ولم يطل البحث به كثيرا فقد كشف له المنظار عن وجود تحركات للعدو فوق مرتفع (عين القصة) والذي كان يبعد عن نقطة مراقبته مسافة لا تزيد على الميلين فقط. ولما كان وجود العدو فوق هذا المرتفع يعيق مجموعة المجاهدين عن تنفيذ المهمة المحددة لها. فقد عمل قائد قوة المجاهدين على تقسيم قوته إلى وحدتين وكلفهما السير على اتجاهين مختلفين للوصول إلى المرتفع وعند الاقتراب منه، تابع المجاهدون تقربهم زحفا وبوثبات قصيرة، حتى لا تكتشف وجودهم وحدة معادية أخرى، كانوا قد مروا بها في طريقهم قبل ذلك. وكان الوقت ظهرا عندما وقع الاشتباك القصير والحاسم، والذي أسفر عن قتل ثمانية جنود للعدو، وجرح أربعة

стр. 1985

آخرين، وأصيب مجاهد بجرح بسيط. وانسحبت قوة المجاهدين بسرعة قبل قدوم النجدات الإفرنسية التي لم تكن بعيدة عن موقع الاشتباك (في عين القصبة). وسار المجاهدون على الطريق المؤدي إلى (تافر). وقبل الوصول إلى مفترق الطرق هناك، لاحظ المجاهدون آثارأ تشير إلى وجود قوة إفرنسية، وأدرك المجاهدون على الفور أن هذه القوة قد نصبت لهم كمينا عند مفترق الطرق. وأفاد المجاهدون من معرفتهم الدقيقة لكل شبر من الأرض بقدر ما أفادوا أيضا من معلوماتهم الدقيقة عن قوات العدو في المنطقة وتحركاتها، ولهذا انسحبت قوة المجاهدين إلى الخلف قليلا، تحت حماية الرشاشات التي اختارت مواقع مناسبة لها للعمل ضد قوات الكمين فيما إذا حاولت التدخل. وأقام المجاهدون بدورهم كمينا غير بعيد عن المنطقة، ولم يطل بهم الانتظار فقد أقبلت قوة إفرنسية من الاتجاه المقابل نحو موقع الكمين وفتح عليهم المجاهدون نيرانهم الكثيفة والمركزة، فأسقطوا الأنساق الأولى منهم وأرغموهم على التراجع بعد أن دمروا بنيرانهم أيضا قوة الكمين الإفرنسي. وانسحب المجاهدون تاركين وراءهم عشرات القتلى والجرحى، وعادوا الى مركزهم الأصلي من غير أن يصاب أحدهم بأذى .. ... وكانت قد وقعت معركة كبيرة في أوائل شهر تشرين الثاني - نوفمبر- ١٩٥٩ عند الجهة الغربية من (واد - سودان) وقد يكون من المناسب الإشارة إليها باعتبارها من أهم المعارك التي وقعت في هذه الناحية خلال تلك الفترة. وقد اشتركت في المعركة فرق متعددة من جيش التحرير وكانت بداية المعركة عندما نصبت كتيبة من

стр. 1986

كتائب جيش التحرير كمينا لقوة إفرنسية، وأسفر الكمين عن قتل أربعين جنديا إفرنسيا، ثم بدأت القوات الإفرنسية في التدفق من كل مكان حتى بلغ عدد أفرادها نحوا من أربعة آلاف جندي، تدعمهم الدبابات ونيران المدفعية الثقيلة وتحميهم الطائرات. وقد استطاعت فرق جيش التحرير تجنب الاشتباك في معارك كبرى مع قوات العدو الضخمة، كما أمكن لها تفادي قنابل المدفعية وضربات الطيران بفضل ما توافر لها من الخبرة في تعاملها مع العدو وأساليبه، واكتفت فرق جيش التحرير بتوجيه ضرباتها إلى الجوانب الضعيفة من تنظيم العدو، ونصب الكمائن لوحداته المنعزلة، ثم الاختفاء بسرعة مذهلة عند قدوم نجدات كبيرة من قوات الافرنسيين. واستطاعت بذلك قتل خمسين جنديا افرنسيا - آخرين - من بينهم ضابط برتبة نقيب (كابتن). هذا ولم تتجاوز خسائر المجاهدين حدود استشهاد مجاهد واحد، وإصابة أربعة مجاهدين آخرين بجراح متفاوتة. ونجحت كافة فرق المجاهدين في التسلل من بين قوات العدو التي اندفعت كلها نحو جبل (واد - سودان) ولشد ما كان ذهولها عندما وجدت أنها وقعت على (فراغ) فلم تعثر على أحد من المجاهدين الذين ما كان لهم أن ينجزوا ما حققوه من انتصارات، وأن يبلغوا ما حصلوا عليه من نجاح، لولا ذلك الدعم الذي كان يقدمه لهم الشعب، وهو يرافقهم في كل خطوة من خطواتهم، ويقدم لهم المساعدة في كل أمر كانوا يحتاجون فيه للمساعدة. وبذلك استطاع المجاهدون العودة إلى مراكزهم المحصنة وقواعدهم المأمونة، سالمين ومحملين بالغنائم.

стр. 1987

ومن المعارك التي تجدر الإشارة إليها - في هذا المجال - معركة جبل (بوزيد) التي وقعت في يوم ١٢/ ١٢ / ١٩٥٩.ففي فجر هذا اليوم، أفاقت قوة من مجاهدي جيش التحرير كانت تقيم في (جبل بوزيد) وقد أقبل إليها المواطنون ينذرونها بتقدم قوات افرنسية كبيرة نحو الجبل. وأسرع المجاهدون فاحتلوا مواقعهم الحصينة ومراكزهم المموهة باتقان ورابطوا هناك وهم على استعداد كامل لإبادة قوات العدو التي قد تقترب من مواقعهم، غير أن القوات الافرنسية كانت تتحرك بحذر فلم تتوغل كثيرا في تقدمها ولم تقترب من مواقع المجاهدين الذين مكثوا ينتظرون طوال اليوم وقد أتعبهم الانتظار بأكثر مما تتعبهم المعارك والاشتباكات، ومع اقتراب المساء، تم توزيع قوة المجاهدين، وتقسيمها إلى زمر صغيرة مهمتها نصب الكمائن لقوات العدو. وهنا أيضا أفاد المجاهدون من ظلمة الليل ومن معرفتهم لشعاب الجبال ودروبها؛ فمضوا نحو أهدافهم. وتوجه الفوج الأول على المسالك الوعرة المؤدية الى الطريق العام من جانب مستور (خفي) لا يتوقعه العدو. وأمكن لهذا الفوج أن يباغت دورية افرنسية كانت على جانب الطريق ولم تشعر باقتراب المجاهدين من خلفها إلا عندما فتح المجاهدون نيرانهم وقذفوا قنابلهم اليدوية. وعندما حاول بعض أفراد الدورية الفرار، طاردتهم نيران المسدسات الرشاشة واستولى المجاهدون على أسلحة الدورية التي أبيد أفرادها، وانسحبوا آمنين. أعقب ذلك اشتباك آخر، في ناحية تغطيها الصخور المنيعة التي احتمى بها المجاهدون وراحوا يوجهون إلى العدو نيرانهم الكثيفة من أسلحتهم الحديثة، وأفاد المجاهدون من وجود العدو في منطقة مكشوفة، فأوقعوا به خسائر فادمحة لا تقل عن خمسين قتيلا

стр. 1988

وجريحا، واستشهد من المجاهدين رجل واحد، وأصيب ثلاثة بجراح خفيفة. وقبل أن ينسحب المجاهدون، قاموا بزرع لغم مضاد للدبابات فوق أرض الطريق العام، ثم انسحبوا إلى ملاجئهم المأمونة. وفي صباح اليوم التالي جاءت قافلة كبيرة من سيارات العدو متجهة نحو مكان الاشتباك، فانفجر اللغم تحت سيارة نقل عسكرية كبيرة (ج ٠ م. س) كانت تحمل عشرين جنديا. وتطايرات أجزاؤها مع أشلاء الجنود الأعداء فوق مساحة تبعد عشرات الأمتار عن الطريق. وتوقفت القافلة بكاملها لمدة تزيد على الثلاث يساعات. ولشد ما كانت فرحة مجاهدي جيش التحرير والمواطنين الذين وقفوا معهم وهم يتابعون العدو من خلال عدسات المناظير المقربة. ولقد انطلق المواطنون والحماسة تملأ نفوسهم، يعانقون هؤلاء المجاهدين الذين انتقموا لهم عما أنزلته بهم القوات الاستعمارية من ضربات وحشية. خلال هذه الفترة ذاتها، كان الفدائيون يعملون على تصعيد عملياتهم في المدن حتى بلغ معدل هذه العمليات حدود (٣٦) عملية في كل (٢٤) ساعة. وارتفع صوت المتطرفين الاستعماريين مطالبا بفرض حالة الحصار الكامل على المسلمين. وأعلن (المعمرون) سخطهم على السلطة الإفرنسية التي لم تتمكن من حمايتهم - من ضربات الفدائيين - وشكلوا وفدا لمقابلة قائد المظليين- سفاح مدينة الجزائر الجنرال ماسو - لبحث هذا الموضوع. أما القيادة الإفرنسية فقد كان لديها ما يكفيها من المتاعب بسبب وفرة الكمائن التي ينصبها الفدائيون ضد القوات

стр. 1989

الإفرنسية، وزاد من حيرة القيادة الافرنسية واضطرابها كثرة ضربات الفدائيين للأجهزة الاقتصادية والعسكرية الإفرنسية. الأمر الذي دفع الناطق الرسمي باسم القيادة الإفرنسية للاعتراف بأن معدل العمليات الفدائية قد بلغ في الأشهر الثلاث الأخيرة - من سنة ١٩٥٩ - ما يقارب (٣٢٤٠) عملية. هذا مع العلم أن القيادة الافرنسية لم تكن تعترف في بلاغاتها الرسمية بوقوع أكثر من خمس أو ست عمليات في اليوم. تلك هي الوضعية التي كانت عليها الجزائر يوم كان الجنرال شال: (يحدد موعدا قريبا للانتصار النهائي على ثورة الجزائر). وقد يكون من المناسب هنا العودة لمتابعة شريط الأحداث: ... عقدت المنظمة الإفرنسية التي كانت تحمل اسم (لجنة الدفاع عن التجار والصناع) اجتماعا لها في مدينة الجزائر يوم ٢٦ ديسمبر - كانون الأول - ١٩٥٩. صادقت فيه على بيان يعترف بتفاقم خطورة الاضطرابات، وانعدام الأمن الذي بات مهيمنا على المدن الجزائرية. وكثرة عمليات الفدائيين، ووجهت المنظمة المذكورة في بيانها احتجاجا شديد اللهجة الى السلطات العامة بسبب ما وصفته: فقدان التدابير الحاسمة التي عادة ما تطبق في كل بلد يعيش حالة (الحرب الثورية). وطالبت: بفرض حالة الحصار، وقتل كل شخص يثبت أنه قام بعمل إرهابي، أو شارك فيه، وإعدامه فورا مع عرض جثته على العموم. وفي يوم (٤ جانفي - كانون الثاني - ١٩٦٠) صادق أربعون معمرا من معمري (المتيجة - أو المتوجة) على بيان (استنكروا فيه تهاون السلطات الحكومية وعدم اهتمام البرلمانيين، وطالبوا:

стр. 1990

(بتعزيز الجهاز الدفاعي - وتطبيق تدابير ناجحة، وأكثر فاعلية ضد الارهاب) وهي تدابير معروفة للجميع وتقضي (بالعقاب الفوري - لكل مشتبه به) وقرروا (بأن يجتمع كل المزارعين في منظمة واحدة تقدم للسلطات المسؤولة التدابير اللازمة - لضمان حياتنا). وبعد ثلاثة أيام (في ٧ جانفي - كانون الثاني - ١٩٦٠) اجتمع أربعمائه معمر (*) تقريبا في (الحراش). وقرروا الاستعاثة - بالجنرال ماسو - وأكدوا ما جاء في بيان ٤ جانفي). لقد جاءت هذه البيانات الصادرة عن أوروبيي الجزائر، لتؤكد حقيقة واحدة وهي: وقوع المعمرين تحت هيمنة الرعب. وإذن، فأين ذهبت أفراح الأوروبيين وابتهاجهم قبل سنة عندما أعلن عن برنامج (شال) للقضاء على الثورة؟. وأين ذهبت تلك الآمال الضخمة التي علقها الأوروبيون على مشجب (عملية جوميل) لتهدئة البلاد؟ وأين هي الانتصارات التي طالما بشر بها وأعلنها القادة العسكريون من أمثال: (شال) و (ماسو) و (غامبير) وسواهم؟ ثم أين هي التأكيدات الرسمية التي تقول أن (برنامج شال) قد نجح في تطهير المناطق الجبلية من الثوار، وقضى على الخلايا الإرهابية في المدن؟ ... لقدظهر فشل (برنامج شال) بوضوح تام، وأكثر من أي يوم مضى، فالاشتباكات المظفرة، والكمائن الناجحة، وتدمير

стр. 1991

الخطوط الحديدية، وإغارات الفدائيين الرائعة والمثيرة، باتت تجتاح جميع المناطق التي طبق فيها (برنامج شال). بل إن الاشتباكات والكمائن والمعارك لم تعد محجوزة في حدود المناطق الجبلية البعيدة عن العمران، بل إنها صارت تقتحم أبواب المدن الكبرى، وتمتد الى سهول متيجة (متوجة) وإلى ضواحي العاصمة (الجزائر). هذا بالإضافة إلى العمليات الكبرى التي تصطدم بها الفرق الافرنسية في الجبال، وبالإضافة أيضا إلى ما كان يقوم به الفدائيون داخل المدن الكبرى - بما فيها العاصمة ذاتها -من مضاعفة لنشاطاتهم، وزيادة في حجم عملياتهم وعددها. وقد اعترفت المصادر الإفرنسية ذاتها بهذا النشاط العسكري الكثيف، ونشرت وكالات الأنباء الأجنبية تفاصيل وقائعه. وكان ذلك اعترافا رسميا بفشل (برنامج شال) الذي علقت عليه القيادة الافرنسية أكبر الآمال في القضاء على الثورة، حتى أن الجنرال (ديغول) نفسه، اعتز به، فكان أن وجه في افريل -نيسان - ١٩٥٩ رسالة الى (شال) يهنئه فيها على نجاح المرحلة الأولى من برنامجه في تهدئة (جبال الونشريس). والراقع أن الجنرال (شال) جاء بأسلوب جديد، وغير تكتيكي معروف، لكنه لم يتمكن من التغلب على المصاعب التي كانت تواجه أسلافه وما انفكت تواجهه، لقد كانت الوضعية قبل (برنامج شال) تتمثل في اللوحة التالية: كانت الوحدات الكبرى من جيش التحرير الوطني متجمعة في مناطق محصنة، وكان الجيش الافرنسي موزعا على مراكز الكادرياج - المربعات - أما شال فقد أراد تجميع قوات افرنسية ضخمة ليضرب بها مراكز جيش التحرير الوطني ويقضي عليها،

стр. 1992

لكنه لم يحسب حسابا للسرعة التي يتكيف بها جيش التحرير مع المواقف المستجدة على ساحة الصراع. وكانت النتيجة أن أصبحت القوات الافرنسية متجمعة في جهات معينة بعد أن جلت عن مناطق شاسعة، وأصبح جيش التحرير الوطني منتشرا على شكل فرق صغيرة حتى يسهل عليها الاختفاء من جهة، ويسهل عليها في الوقت نفسه مهاجمة المراكز المنزلة، وتوجيه الضربات الخاطفة الى الدوريات والقوافل الافرنسية. وهكذا انعكست الوضعية، فأصبح الجيش الافرنسي هو المتجمع في وحدات ضخمة، وجيش التحرير هو المتوزع في كل مكان، مع فارق أساسي، وهو أن جيوش الاحتلال المتجمعة تجد نفسها أمام ثلاثة أعداء الأرض والمكان وجيش التحرير، بينما يجد جيش التحرير، أينما اتجه، وحيثما حل، تأييدا حارا من المواطنين، ودعما حقيقيا وفعالا باستمرار. وقد اعترف (الجنرال -ديكورنو) المشرف على تنفيذ عمليات (الأحجار الكريمة) في الشمال القسنطيني، بهذه الحقيقة، فقال: (إن مكان هذه المناطق صورة عن الأرض التي يقيمون عليها: إنهم شديدو المراس، غلاظ الطباع، غير متشربين لأفكار فرنسا. لقد كنا في الأوراس نواجه عدوين: الجبال الصعبة والغابات، وكنا في بلاد القبائل نواجه عدوين أيضا وهما: الجبال الصعبة والسكان أما هنا فإننا نواجه ثلاثة أعداء في آن واحد: الجبال الصعبة والغابات والسكان). لقد تطورت أساليب جيش التحرير بسرعة مذهلة، وهو مما ضاعف من عوامل الفشل العسكري الافرنسي، فما أن اصطدم جيش التحرير بالتكتيك الافرنسي الجديد في ناحية (الونشريس) الواقعة في الولاية الخامسة حتى أسرعت قيادة الولاية الخامسة بإعلام

стр. 1993

القيادة العامة عن التكتيك الإفرنسي الجديد، وبادرت القيادة العامة فوجهت تعليمات عسكرية جديدة إلى مجالس جميع الولايات حتى تعمل بمقتضاها، وتستعد على ضوئها لمواجهة البرنامج الافرنسي الجديد. وأفاد جيش التحرير من تجربة الولاية الخامسة في مواجهة (برنامج شال)، ولما انتقل هذا البرنامج إلى الولاية الرابعة ثم الثالثة، كان جيش التحرير في كل مرحلة من تلك المراحل يزيد من إحكام أساليبه وتطويرها وإتقانها، بحيث لم يصل (برنامج شال) الى نهايته - وهي عمليات الشمال القسنطيني - حتى بات جيش التحرير وهو على استعداد كامل لمواجهته. وهذا ما يفسر مقدرة جيش التحرير في هذه المنطقة على توجيه ضربات حاسمة الى القوات الاستعمارية، في الوقت الذي ظهر فيه عجز الاستعماريين الإفرنسيين عن إلحاق خسائر حقيقية بقوات جيش التحرير الوطني. وهذا ما عبرت عنه عمليات جيش التحرير الناجحة في المعارك والاشتباكات والكمائن التي كان مسرحها (مليلة) و (القل) و (جيجل) و (تاكسانة) و (سيدي زروق) و (تامسقيدة) و (فح مزالة) وهذا أيضا ما يفسر ارتباك القيادة الإفرنسية واضطرابها في إدارة عمليات الشمال القسنطيني. المهم في الأمر، هو أن (برنامج شال) لم يتمكن من القضاء على المصاعب القديمة بقدر ما عمل على زيادة شدتها وتعقيدها، فبات الجيش الافرنسي وهو يواجه في آن واحد ثلاث جبهات: جبهة (بلاد القبائل) حيث فرضت عليه (عملية جوفيل) التمركز هناك. وجبهة (الخطوط المكهربة) في شرق الجزائر وغربها. وجبهة عملية (الأحجار الكريمة) التي بدأت القوات الافرنسية في تنفيذها مع بداية شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩ - في الشمال القسنطيني.

стр. 1994

وكان لا بد من أن يضاف الى ذلك صعوبة جديدة نجمت عن تمديد أنبوب البترول (من حاسي مسعود) الى (بجاية) وقد أدركت القيادة الافرنسية أن هذا الأنبوب معرض لهجمات (فرق التدمير) التابعة لجيش التحرير، وخصوصا في المناطق الجبلية التي يمر بها مثل (جبال الحضنة) و (جهة البيبان). واعتبرت أن أي تدمير للأنبوب في أي نقطة هو ضربة قاصية، ليس فقط للجيش الافرنسي، وإنما للاقتصاد الاستعماري بكامله والسياسة الديغولية بمجموعها، ولا سيما المشروع القسنطيني الذي اعتبر أن بترول الصحراء وغازها هو عموده الفقري. وقد توقح قائد افرنسي كبير المصاعب الناتجة عن الموقف الجديد. فقال لجنوده - قبل الانتهاء من تمديد الأنبوب - ما يلي: ................... (ستصبحون عما قريب حراسا للأنابيب) وقد تأكدت هذه الحقيقة في التعليمات التي وجهها وزير الجيوش الافرنسية (غيوما) الى (الجنرال شال) والتي جاء فيها: (وبما أن البترول قد وصل الى بجاية، فيجب ألا يتوقف عن التدفق مهما كانت الظروف. إن حماية البترول أمر أساسي نظرا للأهمية السياسية والنفسية التي تعلقها فرنسا على استثماره، وهو أمر ضروري أيضا لأن التزاماتنا أمام الشركات البترولية يقضي بضمان وصول البترول). وهكذا بات لزاما على الجيش الإفرنسي أن يحتمل عبئا جديدا هو حماية أنبوب يمتد على طول (٦٦٠) كيلومترا. وقد تم توزيع قوات هذا الجيش فكان منها (٥٠) ألف جندي لممارسة الأعمال الإدارية، و (٦٠) ألفا على المدارس. و (٥٠) ألفا لحماية الخطوط المكهربة - هذا عدا الامتدادات التي تستنجد بها هذه القوة كلما شدد جيش التحرير هجماته على هذه الخطوط المكهربة، لا سيما في الفترة التي بدأت في ٢٦ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩. وهناك

стр. 1995

(٣٠) ألفا لحراسة الجسور والمعامل الخ .. و (١٣٠) ألفا في مراكز التربيعات (الكادرياج). ويبقى هناك (٢٠٠) ألف وهو عدد لا يكفي للتمركز في المناطق التي يمر بها أنبوب البترول. ويظهر ذلك سبب عجز (برنامج شال) عن بلوغ أهدافه. فقد اضطر الجيش الافرنسي للجلاء عن معظم الولايات، مما أتاح لجيش التحرير الفرصة للعمل بحرية من أجل تنظيم أمور الولايات وتجنيد المتطوعين، وإقامة الأجهزة الأدارية الخ .. لقد خاض جيش التحرير حروبه بطرائقه وأساليبه، وخاض الجيش الافرنسي حروبه بطرائقه وأساليبه، فكان لا بد من انتصار جيش التحرير على جيش الاستعمار في عصر (زوال الاستعمار).

стр. 1996

إحدى عمليات رصد العدو وتحركاته

стр. 1997

١١ - الصراع في قلب مراكز العدو - ١٩٦٠ - (*) قامت وحدات من جيش التحرير الوطني الجزائرى بشن هجوم عام على المراكز العسكرية الافرنسية القريبة من الحدود الجزائرية - التونسية في ليل ٢٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٦٠. وتميز الهجوم بقوته وعنفه فأمكن له تدمير عدد من المراكز العسكرية الافرنسية واحتلال بعضها والسيطرة عليها سيطرة كاملة. وقد حاولت القيادة الافرنسية - كعادتها - أن تنتقص من أهمية هذا الهجوم. غير أن الوثائق والصور والمقابلات - مع الأسرى والمواطنين الذين تم تحريرهم - دحضت المزاعم الافرنسية وأكدت حقيقة باتت ثابتة وأكيدة: صدق أجهزة إعلام جيش التحرير، وكذب أجهزة إعلام الاستعمار الافرنسي ولقد كان من بين أبرز المراكز التي تعرضت لهجوم مجاهدي جيش التحرير (مركز برج أمراو) و (مركز القوارد) و (مركز عين الزرقة). وتلك هي الملامح العامة لعملية الهجوم. ...

стр. 1998

يقع مركز الحمدي (أو برج أمراو) فوق أرض منبسطة، عارية من كل الأشجار، ومكشوفة من كل جهاتها، ما عدا جهة الشمال التي تتخللها شعاب صغيرة تنبت فيها نباتات (الدفلة) وتجري فيها بعض الجداول الصغيرة. وعلى بعد كيلومترين في اتجاه الشرق، ترتفع الجبال التي تكسوها غابات البلوط والصنوبر، ويضم المركز مجموعة من الأبنية وأبراج الحراسة - المراقبة - والملاجىء المحصنة، بالإضافة إلى ثكنة كبيرة، ومجموعة من الأكواخ التي أقيمت في وسط المركز من أجل حشر المدنيين الجزائريين المسلمين ممن أرغموا على الإقامة في المركز، والعيش فيه، وراء سياج من الأسلاك الشائكة المحيطة بالمركز من كل جهاته. كانت قوة من مجاهدي جيش التحرير تسير تحت ضوء القمر في ليل ٢٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٦٠. وهي متجهة نحو هدفها، فوصلت في الساعة الواحدة صباحا الى مسافة قريبة من المركز، وتابعت زحفها بصمت حتى وصلت إلى سياج الأسلاك الشائكة والبالغ من العمق - العرض - عشرة أمتار تقريبا. وأعطيت شارة الانقضاض، ففتحت الأسلحة نيرانها من كل جهة نحو المركز، وفجرت الحشوات المستطيلة (البنغالور) تحت سياج الأسلاك الشائكة، فانفتحت الثغرات، واندفع المجاهدون بحماسة وهم يرددون صيحة الحرب: (الله أكبر! الجهاد! الجهاد!) وبلغت الحماسة ببعض المجاهدين أشدها فدفعتهم لاجتياز الأسلاك الشائكة التي لم تمزقها المتفجرات بصدمة أجسامهم، دون أن يحاولوا التمهل لقطعها بالمقصات التي كانوا يحملونها. وهدفهم الوصول بسرعة والقضاء على العدو قبل أن يستفيق من هول الصدمة، وقبل أن يلتقط أنفاسه من ذهول المباغتة. وقد حاول

стр. 1999

بعض أفراد العدو إبداء بعض المقاومة، فوجهوا نار مدفع رشاش كان متمركزا في أحد الملاجىء المحصنة. غير أن مدافع البازوكا للمجاهدين أسكتته بسرعة ودمرت الملجأ الحصين. كانت المدفعية الثقيلة للمجاهدين قد دمرت الثكنة العسكرية وبرج المراقبة (الحراسة) وكثيرا من الأبنية العسكرية التي اشتعلت فيها النيران، وتوالت بداخلها الانفجارات التي اختلطت بأصوات الجنود الافرنسيين وهم يتصايحون ويتركون مواقعهم للالتجاء إلى الملاجىء السرية. وعلى الرغم من تقدم المجاهدين من الاتجاه المكشوف نسبيا، فقد كان رد فعل العدو ضعيفا نسبيا، وفي الواقع فقد اكتشف حارس برج المراقبة (الميرادور) حركة المجاهدين، وحاول إطلاق شارة الإنذار، غير أنه لشدة هلعه وجه شهاب الإنذار نحو الأرض عوضا عن توجيهه نحو السماء. فاحترق الشهاب من غير أن يشعر به أحد. دمر المجاهدون مراكز الحراسة، وانطلقوا بعدها في هجوم عاصف على الثكنة وبقية المنشآت العسكرية المجاورة لها. وكانت قد تهدمت كثيرا من جوانبها، فدخلها المجاهدون، فتعثرت خطواتهم بجثث القتلى من الجنود الافرنسيين المتناثرة في كل مكان. ولما حاول بعض من بقي حيا الفرار، عاجلته نيران رشاشات المجاهدين فصرعته فورا. وفي هذه الأثناء، اتجهت إحدى وحدات المجاهدين نحو الأكواخ التي حشر فيها الجزائريون المسلمون وتحدث إليهم قائد الوحدة بقوله: (يا أبناء الجزائر! اخرجوا ولا تبقوا تحت ذل الاستعمار الافرنسي).

стр. 2000

وتدافع المواطنون - المدنيون - نحو جيش التحرير بحماسة مثيرة، وعواطف متفجرة طالما تم كبتها وجاءت فرصتها لتنطلق من عقالها، فكانت صيحات هؤلاء المواطنين تتردد في جنبات المركز قوية مجلجلة: (عاش جيش التحرير الوطني! ولتحيا جمهورية الجزائر حرة كريمة!) - ومر شيخ كهل وهو يحمل على كتفيه شقاء السنين فيحدث صاحبه، وتلتقط أذن أحد المجاهدين ما يقوله: (هل رأيت؟ لقد أمرنا ضابط الشؤون الأهلية - الساس - ابن الكلب - بألا نفتح الأبواب غدا قبل الساعة التاسعة صباحا. وها هم إخواننا الأبطال وقد جاءوا يفتحوا لنا أبواب الحرية والعزة على مصراعيها). وخرجت النساء من معتقلاتهن، وهن يزغردن - اليويو - ويهتفن بحياة جيش التحرير ومجاهديه. وانقلبت المعركة إلى عرس التقى فيه أبناء الشعب بجيش الشعب وارتفع صوت امرأة وهي تتحدث إلى صاحبتها (لقد تركت أربعين ألف فرنك، فهل أعود لجلبها؟) وتجيبها المرأة الثانية (أتركيها، إن الوقت يستعجلنا، غدا، عندما تستقل الجزائر سيكون لديك الملاين لا الآلاف). وأقبل طفل صغير راكضا وهو يجر كلبه الصغير، وسأل قائد المكلفة بتحرير المعتقلين بكل براءة الطفولة: أين طريق الحرية؟ ووجهه قائد الوحدة الى الاتجاه الذي يجب عليه أن يسلكه. ثم أقبل طفل آخر مسرعا وهو يحمل على كتفيه دثاره. وسأل أيضا عن الطريق الذي يجب عليه أن يسير فيه، غير أنه رفض متابعة السير قبل أن يقبل مجاهدي جيش التحرير الذين أطلقوه من معتقله، وأعادوا إليه حريته المسلوبة. وجاءت مجموعة من النسوة إلى قائد الوحدة، فقالت له إحداهن: (إن زوجي مجاهد في جيش التحرير، وقد حررتموني لأعود وألتقي
следующие страницы →