الإهداء
إلى روح كل مجاهد في سبيل الله.
إلى كل من ضحى ابتغاء مرضاة الله.
وإلى كل من كان جهاده خالصا
من أجل رفعة الإسلام وعز
المسلمين فوق ثرى الجزائر الطهور
وفي كل أرض من ديار المسلمين
بسام
стр. 2032
عودة إلى الأصالة العربية التعليم والتوجيه في خدمة المعركة
стр. 2033
المقدمة
إنها أيام جزائرية خالدة، والخلود لله وحده، ولكن في حياة الأفراد كما في حياة الشعوب أحداث تترك أثرا عميقا يبقى ثابتا ما دامت الحياة متدفقة في مسيرتها التي لا تتوقف، إلا أن يشاء الله ويبقى ذلك الأثر الثابت قويا، حيا، نابضا، لأنه يمثل ذروة الصراع في الحياة الإنسانية حيث تلتقي الحياة والموت عند نقطة المصير. تلك هي أحداث الثورة الجزائرية بكل ما حفلت به أيامها ولياليها طوال السنوات التي فصلت بين ليل الاستعمار وفجر الجزائر الجديد -فجر الاستقلال.
و (الأيام) كلمة استخدمها العرب منذ القديم للدلالة على أحداث بارزة في حياتهم، كان لها دورها في حياتهم، فكان (يوم الفجار) و (يوم ذي قار) و (يوم داحس والغبراء)، وجاء الإسلام فحافظ العرب المسلمون على تراثهم وتقاليدهم، فكات لهم: أيام العراق، وأيام القادسية، ويوم الجسر (المروحة)، ويوم نهاوند (فتح الفتوح)، ويوم اليرموك. وتمضي الأيام، ويسجل العرب المسلمون تاريخهم على صفحة التاريخ، لا يمضي جيل إلا ويضيف يوما جديدا إلى سجل المجد والخلود، حتى لتكاد صفحات التاريخ تفيق بما تحتويه. ويأتي على الأمة العربية والإسلام حين من
стр. 2034
الدهر، تكاد تنسى فيه - لشدة ما أصابها ولقوة ما نزل بها - أيامها الخالدات، لكن ذاكرة الشعوب تبقى قوية، جبارة، متعاظمة، ترتفع على الأحداث مهما عظمت، وتكبر على النوائب مهما قست واشتدت.
هكذا كان شعب الجزائر المجاهد، ومن قلب المحن، ظهرت الأيام التي ربطت بين صفحات الماضي بصفحات المستقبل، فكان الأجداد الصيد من أمثال: الأمير عبد القادر، والحداد، والمقراني، وبو معزة، ولالا فاطمة، وآخرون لا زالت أيامهم ذكرا على شفة التاريخ ولسان الأجيال.
ثم تأتي الثورة الحاسمة، فتكون أيامها ولياليها، ساعاتها ودقائقها، كلها نسيج متصل من البطولات الخارقة والأعمال الرائعة حتى لتكاد تشكل بمجموعها يوما واحدا، غير أنه يوم لا يقاس بعمر الزمان.
لقد تمثلت (أيام الجزائر الخالدة) بما قام به رجال جيش التحرير الوطني الجزائري، من مجاهدين ومسبلين وفدائيين، وبما اضطلعوا بتنفيذه من جلائل الأعمال. وسبق في الكتاب رقم (١٠) من هذ٥ المجموعة، التعرض لأعمال الجيش وتطوره، غير أن البحث أوسع من أن يأخذ حقه في كتاب أو عدد من الكتب، وإذن فلا بد من التعرض للحد الأدنى والضروري حتى تكون الفكرة أكثر وضوحا، وحتى يكون البحث أكثر شمولا واتساعا.
وقد يظهر من غير المهم - للحظة من اللحظات - الإسهاب في بحث حادثة معينة، أو تضمين الكتاب وثيقة من الوثائق، تجاوزها الزمن، وحدث عليها كثير أو قليل من التغيير، غير أن قضية البحث
стр. 2035
هنا هي قضية تسجيل تاريخي لمرحلة معينة قد يكون من الضروري جدا - لأمانة البحث من جهة، ولإجراء المقارنة مع التطور اللاحق من جهة ثانية، عدم إسقاط تلك الأحداث أو إجمال تلك الوثائق - وهنا أيضا، وإذا كان من المحال ذكر كل ما هو متوافر من الوثاثق فلا أقل من التعرض لبعضها وتحقيق نوع من التوازن الذي يحقق الهدف، وهو: لا إيجاز يخل بالموضوع ولا إسهاب يبتعد بالبحث عن غرضه. تبقى هناك نقطة لا بد من ذكرها:
لقد سقط في حرب التحرير مليون ونصف المليون من الشهداء الأبرا ر، ولكل شهيد قصة تستحق التسجيل، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد تعرضت كل قرية وكل ضاحية وكل مدينة لأحداث لا يمكن حصرها وكلها تستحق النسجيل، لأنها تراث تاريخي وتجارب هامة تشكل بمجموعها قصة التجربة التاريخية للجزائر في معاناتها مع الاستعمار. غير أن الإحاطة بكل تلك الأحداث هي من الأمور التي يصعب بلوغها وهنا أيضا كان لا بد من الاختيار والانتقاء. وهذا الاختيار والانتقاء لا يعني أهمية هذه الأحداث أكثر من سواها. ولا يعني إعطاءها الأفضلية على غيرها.
ولعل من المناسب الإشارة إلى أن المتحف الوطني للمجاهد - مركز الوثائق - والمركز التاريخي للبحوث في الجزائر، يعكف حاليا على جمع ما يستطيع جمعه من (قصص المجاهدين) وقد تكون لدى هذه المراكز نتاج ضخم - وقد يفتقر إلى الوثائقية الدقيقة، غير أنه يضم يقينا تراثا ضخما قد يظهر في المستقبل صورة أكمل وفكرة أفضل عن دور المجاهدين في الثورة، ويساعد على إغناء مادة (البحث التاريخي).
стр. 2036
وبعد، وعلى الرغم من كل ما كتب، وكل ما سيكتب عن (أضخم ثورة عربية إسلامية في العصر الحديث)، فإن تراث الثورة وأمجادها لا زالا في حاجة للمزيد من البحث والدراسة حتى تأخذ هذه الثورة الرائدة حجمها الطبيعي في الإطار التاريخي. وحتى يتم الإفادة من التجربة التاريخية للجزائر، لا في الحدود الجغرافية للجزائر فحسب، وإنما في كل أرجاء العالم العربي - الإسلامي. والله أسأله التوفيق.
بسام العسلي
стр. 2037
الفصل الأول
١ - قصة الثورة الجزائرية.
آ - المخاض العسير.
ب - البداية الشاقة.
ج - التوازن الإستراتيجي - (١٩٥٦ - ١٩٦٠).
د - من التوازن إلى الهجوم الإستراتيجي.
٢ - لاكوست - والثورة المضادة للثورة -.
٣ - شال - على خطى (نافار).
٤ - ذريعة (أوروبيي) الجزائر.
آ - دراسة عن الأقليات الأوروبية في الجزائر.
ب - رسالة جبهة التحرير الوطني إلى الفرنسيين.
ج - رسالة جبهة التحرير الوطني إلى اليهود.
٥ - ثورة الجزائر تنتقل إلى فرسا.
آ - تقرير الصحافة عن الحرب في فرنسا.
ب - قصة المعركة في كتابة الثوار.
٦ - مع المجاهدين في معاقلهم.
٧ - ومع قائد من المجاهدين.
стр. 2038
حضارة فرنسية تتحدث عن نفسها
стр. 2039
١ - قصة الثورة الجزائرية
يتفق الشعب الجزائري المجاهد، على حقيقة ثابتة، وهي أن ثورته التي فجرها في الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤ - لم تكن وليدة ظروف عابرة أو طارئة، ولا هي صراع مع الاستعماريين من أجل مصالح مادية أو مكاسب اقتصادية ومنافع مالية - على نحو ما يميز الصراعات المتفجرة في عالمنا المعاصر، وإلا لما اكتسبت صفتها (الثورية الأصيلة). وعلى هذا، فإن هذه الثورة هي امتداد متطور لمقاومة الشعب الجزائري التي لم تتوقف أو تنقطع طوال فترة الحكم الاستعماري الجائر. وهي تعبير جديد لما يشعر به الشعب الجزائري منذ حلول الفرنسيين في بلده، من امتهان لكرامته، وجرح لعزته القومية، وهضم لحقه في حياته الحرة الكريمة على أرض آبائه وأجداده.
فجاءت الثورة لتفجر في الشعب طاقته المكبوتة للتعبير عن أصالته الذاتية، ولتضمن له انطلاقته نحو آفاق التطور ومسايرة ركب الإنسانية المتقدمة دوما نحو الأمام. وإذا كان الشعب الجزائري المجاهد لم يتوقف أبدا عن مقاومة الاستعمار وسيطرته بمختلف الوسائل الحربية والسلمية، فإن عوامل كثيرة منعت مقاومته من بلوغ ذروتها في الاتساع والشمول والارتفاع، على نحو ما بلغتها في ثورة
стр. 2040
الفاتح من نوفمبر، منها الشدة المتناهية لأساليب القمع الاستعماري، ومنها مجموعة الظروف العربية والإسلامية والدولية - القريبة والبعيدة - والتي لم تكن مساعدة. فجاءت ثورة الفاتح من نوفمبر، فغيرت بحكم تنظيمها وعمقها بعض هذه الظروف، وجاءت الظروف الأخرى فساعدت على نجاح الثورة وتطورها والوصول بها إلى أهدافها.
وقد يكون من المحال، إعطاء هذه الثورة العظيمة حقها من البحث التاريخي بالرغم من كل ما كتب وسيكتب عنها، إلا أن ذلك لا يمنع من التعرض باستمرار إلى مقدماتها ومراحل تطورها وما حققته من منجزات ضخمة على جميع المستويات والصعد خلال مسيرتها الشاقة الطويلة. وقد جرت محاولات كثيرة لتقسيم الثورة - زمنيا - إلى مراحل مميزة، غير أن الاختلاف على حدود هذه المراحل بقي ظاهرا ومتباينا. ذلك أن النسيج التاريخي للثورة هو نسيج شديد التلاحم مما يجعل من الصعب وضع حدود مميزة عند مراحل معينة. وإذا اجتهد المجتهدون، وبحث الباحثون على حدود واضحة يمكن الإستناد إليها بهدف الدراسة - لا أكثر ولا أقل - فإن ذلك لا يعني أن الحدود المفروضة هي حدود لها وجود. ولو بصورة نظرية. وتبقى شدة تماسك نسيج الثورة أقوى من كل القيود أو الحدود.
أ - المخاض العسير
عرفت الجزار في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية (١٩١٩ - ١٩٤٥) نهضة فكرية تفتحت عن وعي ثوري حقيقي، حيث انطلقت النخبة المتعلمة لدراسة التجربة الثورية الجزائرية منذ بداية استعمار فرنسا للجزائر (٥ - تموز - يوليو - ١٨٣٠) مع ربط ذلك بظروف العالم العربي - الإسلامي والظروف
стр. 2041
الأولية، وما حدث في العالم العربي - خاصة - من ثورات واضطرابات ضد القمع الاستعماري وتأسست في الجزائر الجمعيات الثقافية والنوادي، وصدرت الصحف التي باتت منابر لمناقشات المثقفين بشأن واقع الجزائر وحاضرها ومستقبلها. وكانت أصداء هذه المناقشات تصل إلى قلوب الشعب فتهزها بعنف، وتوقظ فيها كوامن الغضب ضد الممارسات الاستعمارية من كبت للحريات واضطهاد للوطنيين وإلقائهم في السجون والمعتقلات، وانتهاك للحرمات والمقدسات. وانتهى ذلك إلى تحقيق نتيجتين أساسيتين: أولاهما: دعم الروابط الدينية والقومية والوطنية بين فئات الشعب المختلفة. وثانيتهما: اكتساب القدرة التنظيمية في الأحزاب والمنظمات والهيئات المختلفة، وتطوير العمل السياسي العلني منه والسري.
انتهت الحرب العالمية الثانية، وجاءت مذبحة (٨ - أيار - مايو - ١٩٤٥) لتفرض على الجزائر المجاهدة موقفا جديدا. فقد سقط في هذه المذبحة (٤٥) ألفا من شهداء الجزائر الأبرياء. وكان ذلك تحولا حاسما، إذ أدرك الجزائريون أنه من المحال عليهم بلوغ أهدافهم إلا بوسائط الصراع المسلح. وجاءت أحداث القمع التالية لتؤكد هذا المفهوم ولتترجمه إلى قناعة ثابتة، وأظهرت الأحزاب السياسية عجزها وقصورها، فكان البديل الطبيعي هو تطوير التنظيم السري من خلال (المنظمة الخاصة) في حزب الشعب الجزائري. وانصرف الجهد إلى جمع الأسلحة وإعداد الخلايا الثورية حتى يحين الوقت المناسب لتفجير الصراع المسلح. ورغم أن السلطات الاستعمارية قد اكتشفت بعض خلايا الجهاز السري، وألقت بقادته وموجهيه في السجون والمعتقلات، وحكمت على بعضهم
стр. 2042
بالإعدام. غير أن عملية القمع هذه لم تدمر قاعدة التنظيم على ما يظهر، ولو أنها أخرت من موعد تفجير الثورة.
فتابع بعض القادة والموجهين نشاطهم السري، واعتصموا بالجبال، وابتعدوا عن الحياة المدنية منذ سنة ١٩٤٨. وأمكن لبعض الرواد الثائرين الهرب من معتقلات العدو، واللجوء إلى الجبال، أو الانتقال للعمل خارج البلاد. وفي صيف سنة ١٩٥٤، ظهر للرواد التاريخيين أن موعد فجر الثورة بات قريبا. ففي الخارج كانت حركات التحرر الوطني تحقق النصر تلو النصر، وفي الحدود الشرقية والغربية كانت ثورة القطرين الشقيقين (تونس) و (المغرب) تلهب مشاعر جماهير الشعب الجزائري، وتدفعها لحمل السلاح والسير على طريق الثورة المسلحة. وفي داخل الجزائر، كانت الممارسات الاستعمارية تزيد من احتمالات تفجير (برميل البارود). وكان الاجتماع التاريخي في (١٠ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٤) في العاصمة الجزائر. حيث تقرر إطلاق رصاصة الثورة، ووضعت اللمسات الأخيرة على مخططات انطلاقة الثورة. ونظمت (اللجنة الثورية للوحدة والعمل). وانطلقت ثورة الفاتح من نوفمبر (في ليل عيد جميع القديسين).
ب - البداية الشاقة:
فوجئت السلطات الاستعمارية، وبوغت العالم كله، بوقوع سلسلة من الهجمات المسلحة التي شنها المجاهدون الجزائريون على المنشآت والمراكز العسكرية الإفرنسية في كامل أنحاء الجزائر، وعلى الأخص في جبال الأوراس، والشمال القسنطيني، والقبائل الكبرى، ونواحي الجزائر وتلمسان. وكان ذلك إيذانا ببداية الحرب طويلة الأمد والتي استغرقت مدة سبع سنوات ونصف.
стр. 2043
كان رد الفعل الأولي لفرنسا ممثلا بموقف رئيس الوزراء الفرسي آنذاك (مانديس فراس) الذي أعلن: (بأن جواب فرنسا على هذه العمليات التمردية هو الحرب) وبادر بإرسال قوات المظليين في ٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤. وكان هذا الإجراء هو بداية تاريخ المظليين الفرنسيين في الجزائر، وهو التاريبخ الذي يشكل صفحة سوداء في جملة صفحات الاستعمار الإفرنسي المميز بجرائمه القذرة، وأساليبه الوحشية الشائنة: فقد بدأ هؤلاء - أصحاب القبعات الحمر - على إجلاء المواطنين المسلمين بناحية أوريس، ودمروا القرى والمداشر بقنابل الطائرات. ومارسوا أعمال الإبادة الإجماعية والتعذيب اللاإنساني، والاعتقالات الرهيبة. وبدأت المعارك الطاحنة بين القوات الإفرنسية ومجاهدي جيش التحرير الوطني الذين أظهروا في صراعهم المرير وغير المتكافيء بطولات أثارت إعجاب العالم.
كانت ردود فعل الجماهير الجزائرية مختلفة، متباينة - كما كان متوقعا - إذ أنه من المحال تدمير هيبة الاستعمار بضربة واحدة بعد تلك الهيمنة الطويلة التي رافقت عمر الاستعمار. وكان لا بد من إقناع الجماهير بمجموعة من الحقائق لإجراء التحول المطلوب، وأبرز هذه الحقائق:
أولا - قدرة الإنسان الجزائري المسلم، على تحدي الإنسان الأوروبي - الإفرنسي - الذي شكل عقدة (تفوق الرجل الأبيض) وذلك بصرف النظر عن التشابه باللون إن كان هناك ثمة تفوق عنصري - أو عرقي - يرتبط بلون البشرة.
ثانيا - قدرة الإنسان الجزائري المسلم، على خوض الصراع المسلح في حرب طويلة الأمد. إذ كان صمود الثورة واستمرارها
стр. 2044
شرطا أساسيا لإجراء التحويلات المطلوبة في وسط الشعب الجزائري:
وعلى هذا، فقد كانت فئات الشعب فى الريف والجبال، أكثر استعدادا لاحتضان الثورة منذ بداياتها المبكرة، بحكم عمق مشاعرها الدينية، وبحكم ظروفها الاجتماعية السيئة، فلم يكن لهذه الفئات ما تخافه أو تخشاه، وهي المؤمنة بمفهوم الجهاد، كما لم يكن لديها ما تخاف عليه وهي لا تمتلك من حطام الدنيا إلا قيودها وأغلالها التي كبلها بها الاستعماريون.
أما سكان المدن، والمثقفون فيهم بصورة خاصة، والمحافظون التقليديون من أتباع السلطة (بني وي وي - الإمعات) فقد أيدوا - في معظمهم انطلاقة الثورة في بداياتها الأولى، غير أنه كان من المحال عليهم التخلص من رواسبهم دفعة واحدة، ولهذا أظهروا ترددا أمام منح الثقة لقدرة الثورة على الصمود والاستمرار. ولكن تعاظم قدرة الثورة، وظهور تنظيمات المهجاهدين والفدائيين والمسبلين (الأنصار) وما كانت تحققه هذه التنظيمات من أعمال مثيرة وبطولات رائعة، أقنعت المتشككين والمترددين بطرح ترددهم، وهكذا فعندما طرح رئيس الوزراء الإفرنسي - إدغارفور - والذي خلف منديس فرانس بسبب حرب الجزائر - طرح قضيه الدمج. اصطدم بالنواب الجزائريين الذين كانت تعتبرهم فرنسا (ورقتها المضمونة) وشكل هؤلاء (جماعة الواحد والستين) الرافضة للدمج.
سجلت هذه المرحلة (من العام ١٩٥٥) تطورا كبيرا في نشاط الثورة التي امتد لهيبها إلى كل أنحاء الجزائر. فلم تصل هذه السنة إلى نهايتها حتى تم تأمين الاتصال بين كل (ولايات الكفاح) - بما
стр. 2045
في ذلك وهران. وشهد صيف ١٩٥٥ معارك طاحنة في أوراس والشمال القسنطيني؛ حيث شن جيش التحرير الوطني هجوما شاملا - في يوم ٢٠ آب - أغسطس - أعدم أثناءه مئات من الإفرنسيين - الاستعماريين والمستوطنين - وأعوانهم من الخونة والعملاء. وكثرت أعمال القتل والإبادة الجماعية من قبل الاستعماريين، الأمر الذي ساعد على خلق جدار قوي من العزلة بين قوى الاستعمار والقوى الوطنية. وخلال هذه الفترة كانت جبهة التحرير الوطني تتابع تطوير تنظيمها (داخليا وعربيا ودوليا). وعلى سبيل المثال: فقد أمكن لها في الفترة (١٩٥٥ - ١٩٥٨) تنظيم الطلاب والشباب في جامعات فرنسا ومدنها ضمن إطار (جبهة التحرير الوطني) وقد أثمرت هذه الجهود التنظيمية في آب - أغسطس - ١٩٥٨، عندما أخذت الجبهة في نقل الصراع إلى فرنسا حيث قامت الفرق المسلحة الجزائرية بتدمير عدد من المنشآت الاقتصادية في فرنسا.
وعلى المستوى الدولي - اكتسبت الثورة تأييدا متعاظما انطلق من العالم العربي - الإسلامي وامتد إلى عواصم العالم. وبرز ذلك في مقررات (مؤتمر باندونغ - ١٩٥٦) وفي هيئة الأمم المتحدة حيث طرحت للمرة الأولى قضية (حق الشعب الجزائري في تقرير المصير.
ج - التوازن الاستراتيجي (١٩٥٦ - ١٩٦٠) .
بدأت الثورة الجزائرية بمجموعة قليلة من الثوار التاريخيين، لا يمتلكون من وسائط الصراع إلا القليل، وكان التوازن في القوى مفقودا على ساحات الصراع، وزاد الأمر سوءا. عندما أخدت فرنسا بإرسال موجات متتالية من قوات الدعم المجهزة بأحدث وسائط
стр. 2046
الصراع. ومقابل ذلك أخذت الثورة في زيادة رصدها بفضل ما كان يقدمه لها خزان الشعب الهائل من دعم مادي ومعنوي. غير أن ميزان القوى بقي مضطربا في غير مصلحة الثورة. وبدأ الصراع في استنزاف قدرة العدو المادية والمعنوية، ومع هذا الاستنزاف كانت قوات الثورة تتعاظم باستمرار - ماديا ومعنويا-. وفي نهاية السنة الخامسة للثورة (١٩٥٩) ظهر بوضوح أن فرنسا قد استنزفت كل إمكاناتها للصراع. في حين ظهر أن الثورة لا زالت قادرة على حشد المزيد من القدرات (في القوى والوسائط) حيث انتظمت جماهير الشعب الجزائري في أعمال الصراع المختلفة، وحيث ظهر أن تأمين التمويل للثورة وإمدادها باحتياجاتها من الأسلحة لم تعد مشكلة على طريق الثورة. ووصلت الثورة بذلك إلى مرحلة (التوازن الاستراتيجي). غير أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلا ولا يسيرا.
كان الثوار - القادة التاريخيون - قد تواعدوا عندما أطلقوا شرارة الثورة، على الالتقاء بعد ستة أشهر من انطلاقة الثورة بهدف إعادة تقويم المرحلة السابقة، والإعداد لمتطلبات المرحلة التالية. ولكن سرعة تطور الأحداث، وعنف المد الثوري الجارف، وإنهماك القادة في العمل لم تسمح بعقد هذا اللقاء إلا بعد سنة وعشرة أشهر. وهكذا انعقد مؤتمر الصومام يوم ٢٠ آب - أغسطس - ١٩٥٦. الذي يعتبر - إلى حد ما - نقطة تحول حاسمة على طريق الثورة.
لقد حضر هذا المؤتمر - لأول مرة - مندوبون عن مناطق الكفاح المختلفة، وتخلف عنه بعض القادة الذين استشهدوا أو اعتقلوا مثل المرحومين (ديدوش مراد) و (مصطفى بن بو العيد) اللذين استشهدا قبل انعقاد المؤتمر و (رابح بيطاط) الذي اعتقل يوم
стр. 2047
(٢٣ - أيار - مايو - ١٩٥٥) ولم يتمكن من الحضور أيضا (أحمد بن بيللا) ورفاقه الذين كانوا يمثلون الثورة في الخارج. وقد أسفرت اجتماعات المؤتمر عن نتائح هامة، مثل شرح وتأكيد المبادىء الأساسية التي عبر عنها منشور الثورة الأول، وتنسيق التعاون بين مختلف (ولايات الكفاح)، وتنظيم جيش التحرير، وتوحيد ظواهره وأساليبه وطرائق إدارته، وتعزيز قوته. وإنشاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي يعتبر بمثابة السلطة العليا للثورة، ثم لجنة التنسيق والتنفيذ التي هي بمثابة السلطة التنفيذية.
امتازت هذه الفترة بزيادة أعداد جيش التحرير الوطني وتعزيز إطاراته بالشباب المثقف الذي ترك الدراسة والتحق بصفوف الثوار في الجبال، بعد إعلان الإضراب العام من طرف (الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين)، ولقد حل هذا الاتحاد الذي كان في إضراب منذ أيار - مايو - ١٩٥٦ من قبل الإدارة الإفرنسية سنة ١٩٥٨. كما كانت قد حلت من قبل (الاتحاد العام للعمال الجزائريين) و (الاتحاد العام للتجار الجزائريين) سنة ١٩٥٧ وحينذاك إنضم عدد من أجهزة هذه التنظيمات إلى (جبهة التحرير الوطني) و (جيش التحرير الوطني) فدعموا قدراته بالعناصر القيادية والمقاتلين، كما إنضم عدد كبير إلى صفوف المجاهدين بصورة سرية (داخل البلاد أو خارجها).
تطورت في هذه الفترة الوسائط القتالية لجيش التحرير الوطني عن طريق الغنائم الضخمة التي كان ينتزعها المجاهدون من أعدائهم، وعن طريق الإمدادات التي أخذت في الوصول إلى القواعد المحررة من الخارج - عن طريق تونس بالدرجة الأولى وامتازت هذه الفترة من جهة أخرى بتعاظم أعمال الفدائيين في المدن
стр. 2048
ضد الاستعماريين والخونة. وكذلك تخريب مرافق العدو ووسائل مواصلاته، وبرز تضامن الشعب الجزائري مع مجاهديه بشكل مثير وواضح عبر تلك الإضرابات والتظاهرات التي كانت تدعو إليها جبهة التحرير الوطني، ومنها على سبيل المثال: إضراب ٥ تموز - يوليو - ١٩٥٦، بمناسبة ذكرى إحتلال فرنسا للجزائر العاصمة (*) وكذلك في إضراب غرة نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٦ إحياء للذكرى الثانية لاندلاع الثورة، والتي نشر (المجاهد) بمناسبتها القانون الأساسي الذي تمخض عنه مؤتمر (وادي الصومام) وكذلك أيضا الاضراب الوطني الكبير الذي إستمر لمدة ثمانية أيام (من ٢٨ كانون الثاني - يناير - حتى ٤ شباط - فبراير - ١٩٥٧) وهو عبارة عن تضامن وطني لا عنف فيه، في وقت مناقشة القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة
...
أساءت فرنسا لنفسها عندما رفضت (وهي الدولة العقلانية - العلمانية على ما تزعم) الإصغاء لصوت العقل، فتابعت عنادها الأحمق، متنكرة لكل ما كان يقع تحت بصرها من تطورات، وعلى الرغم من أن الاشتراكيين (غي موليه) و (لا كوست) قد خاضا المعركة الانتخابية تحت شعار السلم في الجزائر، فإن (غي موليه) سرعان ما تنكر (لشعاره) وطرح ثلاثيته المعروفة (إيقاف القتال، فالانتخابات، فالمفاوضات). وقد قيل كثيرا أن سبب هذا
стр. 2049
(التنكر) هو ما تعرض له (غي موليه) من مقاومة ضارية نظمها المستوطنون الأوروبيون في الجزائر، حتى أنهم رموه بالطماطم الفاسدة (البندورة) عند زيارته الأولى للجزائر، غير أن مقاومة هؤلاء المستوطنين لم تكن أكثر من لعبة إستعماريه لمتابعة النهج الاستعماري. وقد كان (غي موليه) في حاجة لمثل هذه الذرائعيه لتعطية انحرافه. المهم في الأمر هو أن (غي موليه) أقال (كاترو) المعتدل من وجهة نظر الاستعماريين، وعين زميله السفاح المشهور (روبير لاكوست) صاحب (الأرباع الساعة الأخيرة التي لا تنتهي). وأخذت فرنسا في إرسال قوات الأمم حتى بلغ عدد أفراد الجيش الاستعماري في الجزائر أكثر من نصف مليود مقاتل، علاوة على (الميليشيات المحلية)، وعلاوة على قوات الدرك (الجندرمة) وتبع ذلك أعمال قمع وحشية لم تفلح في قمع الثورة، الأمر الذي أدى إلى سقوط حكومة (غي موليه) وقيام الجمهورية الخامسة برئاسة (ديغول). وقد حاول هذا بدوره قمع الثورة وهو يطرح (سلم الأبطال). فبرزت للوجود مجموعة من المخططات العسكرية، عرفت بأسماء اصطلاحية - من أبرزها:
١ - عملية (لوبروميير) في منطقة القبائل الكبرى (اكتوبر - نوفمبر = تشرين الأول والثاني ١٩٥٨).
٢ - عملية (التاج) في جبال القبائل والأكفاد (جويليه - نوفمبر - تموز - تشرين الثاني ١٩٥٩).
٣ - عملية (كوروا - وايتانسيل) شمال قسنطينة والقبائل الصغرى بداية من نوفمبر (تشرين الثاني - ١٩٥٩).
٤ - عملية (جوميل) التي امتدت حتى جبال الجزائري في (الحضنة) في تموز - يوليو - ١٩٥٩.
стр. 2050
٥ - عملية (برنامج شال) (*) التي حشد لها من (٥٠) إلى (١٠٠) ألف جندي. وطبق البرنامج في البداية في جبال (الونشريس) من شباط - فبراير - حتى تموز - يوليو - ١٩٥٩. ثم استأنف (شال) هجماته الكبرى في النصف الثاني من عام ١٩٥٩ وطوال عام ١٩٦٠.
٦ - عملية (تونتاكيل) في ولاية (وهران) وبالقرب من (السد الغربي) وفي جبل دايه (نيسان - أيار = افريل - ماي) ١٩٦٠.
٧ - عملية (بروقيتي) جنوب (وهران) من أيار (مايو) إلى أيلول (سبتمر) ١٩٦٠.
٨ - عملية (سيغال) في (الونشريس) تموز (يوليو) إلى آب (أغسطس) ١٩٦٠.
٩ - عملية (جوميل) وعملية (الأحجار الكريمة) - للمرة الثانية في منطقة القبائل والشمال القسنطيني. في سنة ١٩٦٠.
١٠ - عملية (آربييج) بداية من ربيع ١٩٦٠ وحتى تشرين الأول - اكتوبر - وتشرين الثاني - نوفمبر ١٩٦٠ - وشملت المناطق المحيطة بالأوراس.
стр. 2051
١١ - عملية (ماراتون) لدعم السد الشرقي (خط موريس) في محاولة للقضاء على جيش التحرير في نيسان - إبريل - ١٩٦٠.
...
أحد عشر هجوما واسع النطاق بها أسماؤها الضخمة، وبعضها أعيد مرات. عديدة، ومثلها أضعافا من الهجمات التي لم تحمل أسماء إصطلاحية، وكلها فشلت على صخرة صمود المجاهدين وتحطمت. فماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك ببساطة أن مرحلة التوازن الاستراتيجي على مستوى العمليات قد تحققت بالرغم من كل العناد الافرنسي. ومضى جيش التحرير الوطني وسط العقبات والمصاعب، وهو يزيد من قوته، حتى بلغ عدد أفراده (١٢٠ ألفا). وأنشئت المدارس العسكرية، وأرسلت البعثات إلى الخارج لتكوين الإطارات (الكادرات) الفنية، وتغيرت خطط المقاومة للإفلات بنجاح من عمليات (مشروع شال)، وامتدت العمليات الحربية إلى أقصى الصحراء بل وإلى فرنسا ذاتها، حيث تم تدمير مستودعات بترولية ضخمة، وأعيد تنظيم المقاومة في المدن، وتعرضت الثورة في هذه الأثناء إلى خطرين جسيمين، قدم الشعب المجاهد في مواجهتهما أعدادا كبيرة من الضحايا البريئة أولهما: معركة العاصمة (سنة ١٩٥٧) حيث أسندت إدارة الأمن في العاصمة وضواحيها إلى قائد المظليين (الجنرال ماسو) الذي أخذ على عاتقه تدمير منظمات الفدائيين في (الجزائر) فأطلق جنوده، يرتكبون أفظع أعمال التقتيل وأبشع طرائق التعذيب والسلب.
وقد ذهب ضحية التعذيب والاغتيال كثير من الشهداء الأبرار، منهم بصورة خاصة (الشهيد العربي بن المهيدي) عضو لجنة التنسيق والتنفيذ، و (علي بومنجل) المحامي، اللذان اغتيلا في
стр. 2052
السجن بطريقة قذرة. كما ظهررت قضايا التعذيب (جميلة بوحيرد) فثار الرأي العام العربي - الإسلامي والعالمي، وتعاظمت موجة السخط والاحتجاج. وقد وقعت عمليات مماثلة في كافة المدن الجزائرية، مما أفقد الثورة كثيرا من إطاراتها النشيطة، وأضعف الحركة الفدائية في المدن. واضطر الأحياء من أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ إلى مغادرة الوطن، بعد أن كانوا قد جعلوا من العاصمة (الجزائر) مقرا لهم.
أما الخطر الثاني، فيتجسم في تلك الفتنة التي أثارها عميل فرنسا (بن لونيس) والذي جمع حوله بعض البسطاء المغرورين، وقد شغلت هذه الفتنة جانبا غير قليل من جهود جيش التحرير الوطني. وذهب ضحيتها كثير من الشهداء إلى أن أمكن القضاء عليها (في نيسان - إبريل - ١٩٥٨) بعد إعدام رأس الحركة والتحاق جنوده بمجاهدي جيش التحرير الوطني. وقد أمكن التغلب على كل هذه الصعوبات بفضل التنظيم المحكم للثورة، والكفاءة العالية في سرعة تبديل الخطط حتى تتكيف مع أساليب العدو المتبدلة، ومع ظروف الصراع المتحولة. كما أن التفاف الشعب حول الثورة ودعمه لها، قد ضمن لها الحماية من كل خطر.
رافق ذلك تطور على مستوى القيادة، فقد اجتمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية في دورته الثانية من (٢٠) إلى (٢٨) آب - أغسطس - ١٩٥٧ في القاهرة. وغيرت لجنة التنسيق والتنفيذ، ووسع نطاقها، فأصبحت تضم (٧) أعضاء نشرت أسماؤهم للمرة الأولى كما أصبح المجلس الوطني يضم (٥٤) عضوا. واتخذ عدة مقررات سياسية هامة، ففوض بالخصوص جزءا من سلطته إلى لجنة التنسيق والتنفيذ. وفي السنة التالية تقرر تشكيل الحكومة
стр. 2053
المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وأعلن عن تشكيلها يوم (١٩ - أيلول سبتمبر - ١٩٥٨) فاكتمل بذلك الكيان الرسمي للدولة الجزائرية، بوجود حكومة، وجيش وأجهزة إدارية لإدارة البلاد.
أصبحت (القضية الجزائرية) معضلة من أضخم المشكلات الدولية ولقد سجلت وبوقشت في دورات الأمم المتحدة المتتالية، وكانت في كل مرة تكتسب المزيد من الدعم والتأييد الدولي. وبات مصير السكان المدنيين الجزائريين (مليونا نسمه من المرحلين) يقلق العالم بأكمله. وأثار التعذيب والاغتيالات، واستمرار فرنسا في ممارساتها الوحشية - ومنها اغتيال عيسى ايدير - استنكارا عالميا. وباتت فرنسا في حاله مفزعة من العزلة الدولية، حيث أخد حلفاؤها في انتهاج سياسة مستقلة عنها (وظهر ذلك في أزمة ساقية سيدق يوسف عند ما اعتدت فرنسا على الحدود التونسية، الأمر الذي مهد لسقوط الجمهورية الرابعة وقيام جمهورية (ديغول) الخامسة.
ومقابل هذا التآكل (والاهتراء) في (الهيبة الإفرنسية) عسكريا وسياسيا واقتصاديا، كانت حكومة الثورة وجيش الثورة، وشعب الثورة، تكتسب هيبة متعاظمة، أبرزها التأييد المتزايد لشرعية الحكومية الجزائرية، بقدر ما أبرزتها الزيارات الرسمية التي قام بها القادة الجزائريون لبعض دول العالم (زيارة ابن خدة لأمريكا اللاتينية - آب - أغسطس - ١٩٦٠) وزيارة نائب رئيس الحكومة المؤقتة (كريم بلقاسم) لهيئة الأمم المتحدة وكذلك زيارة الرئيس فرحات عباس إلى بكين وموسكو في تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٦٠. هذا بالإطافة إلى التأييد المتعاظم في المؤتمرات الإقليمية (الشعوب الإفريقية - الآسيوية). لقضية (الثورة الجزائرية).
стр. 2054
د - من التوازن إلى الهجوم الاستراتيجي:
عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية دورته الثالثة في طرابلس - ليبيا - من ١٦ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٩ إلى ٢٠ كانون الثاني - يناير ١٩٦٠. وسجل الاعتراف بحق تقرير المصير، وأكد ثقته بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية لفتح باب المفاوضات مع فرنسا. وحدث تعديل في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كما حدث تعديل في قيادة جيش التحرير الوطني، حيث أسندت القيادة العليا العامة إلى (العقيد - الكولونيل - هواري بومدين) (*) يعاونه ثلاثة من القادة.
وخلال هذه الفترة، كانت إدارة العمليات قد أخذت شكلها الثابت - تقريبا -. فقد تفرقت الوحدات الكبرى، ونقلت الفرق المسلحة المتنقلة حرب العصابات إلى جميع القطاعات، وكانت هذه الفرق مدربة أحسن تدريب. وكان نشاطها مسلطا ضد القوات الافرنسية التي تقوم بعملياتها الكبرى فكانت قوات جيش التحرير توجه ضرباتها المحكمة إلى مؤخرة القوات الافرنسية وأرتال إمدادها وتموينها، ومفارزها المنعزلة، وكان جيش التحرير حاضرا في كل مكان، في المدن والبوادي وحتى في أمكنة عمليات التفتيش (التمشيط والكادرياج). وكان ينظم الكمائن الناجحة.
وفرض جيش التحرير سيطرته على الأطلس الصحراوي، بالإضافة إلى تمركزه على الحدود الجزائرية - المغربية وعلى الحدود الجزائرية - التونسية، حيث ساعدت الدولتان الشقيقتان على دعم
стр. 2055
جيش التحرير الوطني، وزيادة قوته، ورفع مستوى تدريبه على الأسلحة الحديثة والأساليب التعبوية - التكتيكية -. وكانت السدود التي أقامتها فرنسا (خط موريس) تحطم جزئيا وفي مرات متعددة، أثناء مرور وحدات كاملة، أو بمناسبة الهجمات العامة المنظمة التي كانت توجهها القيادة العليا وتوطدت هذه الانتصارات العسكرية، بظهور عامل جديد، وهو تعاظم دور جماهير الشعب المجاهد، وبروز الإرادة الشعبية الموحدة في تلك التظاهرات التي بدأت منذ (١١ - كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠) في المدن الجزائرية الكبرى. حيث عبرت جماهير الشعب عن إيمانها (بالجزائر المستقلة) وثقتها (بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية).
ففي الجزائر العاصمة ووهران والبليدة ومستغانم وجيجل، رفع العلم الجزائري، وهتفت له حناجر عشرات الآلاف من المتظاهرين. وبداية من اليوم ذاته، شرع (١٥) ألف معتقل جزائري في سجون فرنسا في إضراب الجوع غير المحدد، حتى يعترف لهم بالنظام السياسي، واعتبارهم (أسرى حرب). ودعم الرأي العام الجزائري هذا الإضراب، كما سانده الرأي العام العالمي، وحقق هذا الإضراب انتصارا كاملا يوم (٢٢ - تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٦١).
كانت المفاوصات والاتصالات التي بدأت منذ عام ١٩٥٦، تسير بتعثر. ولكن السياسة الإفرنسية نحو الجزائر أخذت في التطور بصورة حاسمة تحت تأثير محصلة الصراع العسكري والسياسي، ولو أن هذا التطور سار بخطوات بطيئة استمرت أربع سنوات - منذ وصول الجنرال (ديغول) إلى الحكم، وذلك بسبب المقاومة الضارية التي كانت تقودها وتوجهها الدوائر الاستعمارية في الجزائر، وقوات
стр. 2056
الجيش الفرنسي لإحباط أي محاولة لحل القضية الجزائرية. وهكذا بدأت مجموعة من العروض الغامضة، ثم التراجع والمراوغة. فكان أن عرض - ديغول - ما أطلق عليه (اسم سلم الأبطال) في (٢٣ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٨) الذي رفضته الحكومة الجزائرية بسبب غموضه، وبسبب رفض الحكومة الإفرنسية التفاوض مع الزعماء الجزائريين المعتقلين في فرنسا (ابن بيللا ورفاقه). وجاءت بعد ذلك المحاولة الفاشلة التي قامت بها حكومة ديغول لإجراء انتخابات وتشكيل مجلس للنواب الجزائريين بهدف خلق بديل للتفاوض عوضا عن (جبهة التحرير الوطني). وأخذت فرنسا - ديغول - في التهديد بفصل الصحراء عن الجزائر إذا ما أصرت الجبهة على قضية (حق تقرير المصير - والاستقلال) وجرى اتصال مع الجبهة في (مولان) بتاريخ ٢٠ حزيران - يونيو - ١٩٦٠. أكدت فيه فرنسا اسمرارها بأساليب الخداع والتضليل ومحاولة كسب الوقت، ففشلت محاولة المفاوضات من جديد. وهنا حداث التطور الخطير الذي كان له التأثير الحاسم في وضع حد لعملية الخداع الإفرنسي.
فقد اندلعت التظاهرات العنيفة في مدن الجزائر (في كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠) وسقط فيها مئات الشهداء. ويظهر أن فرنا قد استخلصت العبرة. فكانت مفاوضات (ايفيان) الأولى، ومفاوضات (لوغران) في صيف (١٩٦١). ولكن ظهر أن باريس لا تزال متمسكة بالصحراء) ففشلت المفاوضات واستمرت المظاهرات الجماهيرية التي برهنت على أنه ليس هناك حل للمشكل إلا بالتفاهم مع الحكومة الجزائرية. ثم اجتمع المجلس الوطني للمرة الرابعة، وشكل حكومة جديدة (هي حكومة السيد يوسف بن خدة) والتي أعلن رئيسها يوم ٢٤ - تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٦١ أنه يفتح
стр. 2057
الباب الواسع أمام المفاوضات. واقترح طريقا أكثر واقعية للوصول إلى نهاية الحرب وتحقيق الاستقلال عبر أقصر الطرق. واستمرت الاتصالات السرية طوال أربعة أشهر، وأسفرت عن المفاوضات الأخيرة التي جرت على الحدود السويسرية - الإفرنسية (من ١١ إلى ٢١ شباط - فبراير - ١٩٦٢) وبعد مصادقة المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ومجلس الوزراء الفرنسي، تم التوقيع على معاهدة (إيفيان) بتاريخ ١٨ آذار - مارس - ١٩٦٢ وتوقف القتال في منتصف نهار ١٩ - آذار - مارس. على أساس الاستقلال وضمانات تقرير المصير الذي سوف يجري في فترة لا تتجاوز ستة شهور، وبذلك تستقل الجزائر استقلالا ناجرا كاملا (*).
...
وجلت القوات الاستعمارية عن تراب الجزائر المجاهدة، وعاد الثرى طهورا بما ارتوى من دماء الشهداء الأبرار. غير أن العرض السابق يتطلب وقفة قصيرة عند بعض المواقف التي مر العرض عليها بسرعة، مثل (موقف لاكوست من محاولة تنظيم قوة جزائرية لمجابهة الثورة) ومثل (مضمون برنامج شال - من وجهة نظر الجزائريين). وكذلك (إحدى ظواهر نقل الصراع إلى فرنسا) و (فضائل الثوار - المجاهدين) وذلك قبل استقراء بعض ملامح الأعمال القتالية التي تكمل صورة الموقف، وتلونها، - وفقا للمصطلحات الأدبية الحديثة -.
стр. 2058
٢ - لاكوست - والثورة المضادة للثورة -
وصف الشعب الجزائري الاشتراكي (روبير لاكوست) - الحاكم العام للجزائر - بصفة (سفاح الجزائر). نظرا لما ارتكبه بحق الشعب الجزائري من جرائم وآثام، ونظرا لما طبق في عهد إدارته من أساليب وحشية وطرائق خبيثة شريرة. وكان في جملة وسائله محاولة إثارة الاقتتال بين الجزائريين من خلال تكوين قوات جزائرية تعمل تحت قيادة ضباط أفرنسيين (أو تنظيم ثورة مضادة للثورة) وتعرض كاتب جزائري لمعالجة هذا الموقف تحت عنوان (كيف اهتدى روبير لاكوست إلى تسليح الثوار) وتضمن البحث ما يلي:
(لكل عاقل أن يتساءل عن الأمر الذي يبعث لاكوست على التفاؤل إزاء تطور الحالة في الجزائر. لقد توالت على أذنيه أخبار العمليات، وما تتركه في صفوفا الجيش الفرنسي ومسيري الاستعمار من فراغ، وتعاقب انتصارات جبهة التحرير الوطني، حتى أصبحت الصحف عاجزة عن عدها وإحصائها. وظهر عجز (٦٠٠) ألف جندي مسلح بأقوى الأسلحة وأحدثها، حتى اضطر الوزير المفوض إلى الكذب والاحتيال على طريقة (المكتب النفساني) والتصريحات الكاذبة. ولكن الأمر يفتضح اليوم، فقد كان (سوستيل) خلف له (سلاحا سريا) يقضي به على الثورة
стр. 2059
الجزائرية - على ما يزعم -.وقد تعاون على اكتشاف هذا السلاح كل من السادة: لاكوست وسوستيل وموليه واوليه ولوجون اولي وبانتال ولونشان، وغيرهم من الدواهي السياسية والعسكرية والبوليسية.
لقد وقع الاختيار لتنفيذ هذا المشروع السري على ثلاثة من رجال جبهة التحرير كانت إدارة (سوستيل) تعتبرهم من الموالين لها، والأوفياء في خدمتها، وهؤلاء الثلاثة هم: (أحمد زيدات) و (الطاهر عشيش) و (محمد يازورن). فكلفوا بتجنيد أفراد من (القبائل الخلص) في جماعات تضم خمسة عشر إلى عشرين شخصا (وهو نفس الأسلوب الجاري في جيش التحرير الوطني)، وكانت تريد أن تجعل على رأسهم ضباطا استعماريين لتحارب بهم الثوار. وقد جاء الاخوان المذكورون. إلى (كريم بلقاسم) و (سعيد محمدي) بالخبر، فأمرهم بتلبية دعوة الولاية العامة، وهكذا تم التجنيد، وتم تسليح الرجال بأسرع ما يمكن، ومن الملاحظ أن الاختيار كان يقع على أحسن العاملين في جبهة التحرير الوطني، وعندما تسلم (لاكوست) الحكم من سابقه (سوستيل) همس له هذا الأخير بالخطة التي سماها إذ ذاك (القضبة الهامة) وفي الاجتماع الأخير الذي عقده قادة الثورة الجزائرية لمناطق (وهران) و (الجزائر) وفسنطينة) تقرر أن تدرج هذه الجماعات المسلحة في صفوف جيش التحرير الوطني، وأن تشارك في هجوم الخريف العام الذي نفذ في كافة أنحاء القطر الجزائري، مساء يوم ٣٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٦.
...
ليست القضية الجزائرية (يا مسيو لاكوسمت) هي قضية خيال. إنك بعيد كل البعد عن الحقيقة وعن الكفاءة معا. إن القضية
стр. 2060
الجزائرية تتطلب معرفة الشعب الجزائري معرفة حقيقية. وهذا الشعب نحن نعرفه لأننا نحن الشعب. ولقد كان ينقصك لإنجاز هذه التمثيلية التي هيأتها شيء واحد: هو معرفة المسرح والممثلين، وذلك قبل الشروع في العمل. لكن المسرح هو بلادنا، والممثلون نحن. إنك سلحت مجاهدين حقيقيين لجبهة التحرير الوطني. فكيف تبلغ الغفلة بالإنسان أن يصدق هذا الحلم؟
آكنت تعتقد أننا من البلاهة والغرور بحيث تعيب أنظارنا عما تصنعه؟ ها هو الواقع يخبرك، ولعلك ستدرك أخيرا ما هي ثورتنا، وتشعر بعقم أساليبك. ولا شك أنك ستستخلص الدرس الكافي من هذه التجربة. وهو درس يساوي ما قدمته لنا مجانا من مئات الأسلحة. وكن على يقين أننا سنقدر هذه الهدية حق قدرها. وسنعرف كيف نستخدمها أفضل استخدام لدعم قضيتنا الوطنية.
ولعل الشعب الفرنسي الذي يقتل أبناؤه كل يوم، سيقدر صنيعك بدوره. ولعله يطالبك بمحاسبة يعسر عليك شرحها بعدما خدعته بثباتك المصطنع. وهذه تفاصيل لا تهمنا. أما ما يهمنا نحن، فإن التجربة واضحة بالنسبة لنا، إن بلاد القبائل (الولاية الثالثة - أو العمالة الثالثة) ستكون مثالا لباقي البلاد. وسيبوء (نشر السلام) في كل ناحية منها بنفس الفشل، وإذا ما أرادت الحكومة الفرنسية أن تجد الحل للمشكلة الجزائرية - في يوم من الأيام؛ فعليها أن تختار لها طريقا آخر.
...
ولمزيد من التعريف بهذا الاستعماري (روبير لاكوست) قد يكون من المناسب العودة إلى بعض تصريحاته، التي يجب لها أن تبقى معروفة، لأنها تمثل مرحلة تاريخية من مراحل الإستعمار الإفرنسي
стр. 2061
للجزائر. فقد جاء في تصريح له: (لا مفاوضات مع الجزائريين، ولا استقلال للجزائر. وإن رئيس الوزراء - غي موليه - مثلي في هذا الصدد - إذ أدرك أن مسألة المفاوضات مع العصاة لا يمكن أن تخطر على بال أحد، إذا كانت تستهدف اعتبار الفرنسيين الذين يعيشون في الجزائر - أجانب - إن مثل هذه الفكرة لا يمكن أن يكتب لها الوجود) (١).
وفي تصريح آخر له جاء ما يلي: (إن سياستنا في الجزائر هي سياسة تهدئة عامة - بالوسائل العسكرية - وسنعمل كل جهدنا لإعادة الطمأنينة لنفوس الجميع، ولملأ الفجوة السحيقة التي تفصل الآن بين عناصر المجتمع الجزائري، ولتحقيق المفاوضات اللازمة التي تفكر بها الحكومة بعد إجراءات الإنتخابات الحرة لوضع نظام الجزائر في المستقبل على أن هذه السياسة تتطلب أسسا عسكرية ثابتة. وبالرغم من أن المسألة ليست مسألة (إعادة فتح الجزائر) أو (القيام بأعمال العنف؟) ولكنني رأيت من الضروري أن أطلب إلى الحكومة الفرنسية إرسال قوات إضافية عسكرية للجزائر، وأسلحة جوية جديدة ... الخ ... بالإضافة إلى ضرورة إعادة النظر في وسائل وتنظيم الوحدات المسلحة، للاستفادة من أحسن إمكانياتها للقتال في الجزائر. ولتكييف قوانا المتوافرة وفق الأحوال الخاصة المحيطة بذلك البلد.
كذلك فإنه من مستلزمات سياسة التهدئة العامة، الاحتكام إلى وسيط عادل بين العناصر الفرنسية التي تنحدر من أصول أوروبية - المعمرين - والعناصر الفرنسية من المسلمين؟. كذلك تقضي السياسة المذكورة المبادرة إلى تطبيق الإصلاحات الأساسية في
стр. 2062
الميادين الزراعية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية، لمنح العنصر الإسلامي الثقة واليقين بأننا عازمون حقا على الاستجابة لرغبته في التحرر. إن جميع ذلك يتطلب سلطة ثابتة وقوية وعادلة. ولهذا السبب ذاته، طلبت منح الحكومة - سلطات مهمة وواسعة (حسب نص المادة الخامسة من المشروع القانوني المقدم، والقاضي بمنح الحكومة أوسع السلطات المختلفة، واتخاذ أي إجراء استثنائي نراه ضروريا. وليس يخفى عليكم بأن الحاكم العام في الجزائر هو شخصية مدنية وعسكرية في وقت واحد. وسيطبق النص المذكور على العصاة وغيرهم من مثيري الاضطرابات على السواء) (٢).
стр. 2063
٣ - شاب - على خطى (نافار) (*)
نشرت صحيفة صدى الجزائر (ليكودالجي) الاستعمارية المعروفة، في عددها الصادر يوم ١٧ نيسان - أفريل - ١٩٥٩ عنوانا ضخما بالأحرف الغليظة في الصفحة الأولى: (الجنرال ديغول يهنىء القادة العسكريين وفرقهم على عملياتهم الأخيرة في ولاية وهران). وكتبت تحت هذا العنوان ما يلي (وجه الجنرال ديغول إلى الجنرال (شال) الرسالة التالية: إن العمليات العسكرية الأخيرة التي جرت في وهران تحت إشرافكم، قد سارت سيرا حسنا، ونفذت تنفيذا رائعا، وأرجو أن تبلغوا - الجنرال غامبيز - وبقية القادة والفرق الموجودة تحت قيادته ابتهاجي بعملهم. أما فيما يخص التطورات القادمة لبرنامجكم الذي سطرتموه لتحقيق التهدئة، فأرجو أن تتأكدوا من ثقني الكاملة بكم).
ثم أوردت صحيفة (ليكودالجي) ما قاله المسيو (ديلوفري) للجنرال (شال) وهو يسلمه رسالة التهنئة التي حمله إياها الجنرال - ديغول -: (إنني أسلم لكم بابتهاج عظيم رسالة رئيس الجمهورية وأقدم تهاني لكم ولجميع القوات العسكرية بالجزائر التي تمكنت
стр. 2064
بفضل نشاطها خلال هذين الشهرين من اجتياز مرحلة جديدة على طريق التهدئة). وبعد هذا أدلى الجنرال (شال) إلى صحيفة إسبانية بتصريح، أعقبه بتصريح ثان إلى صحيفة - لوموند - الفرنسية أكد فيه: (بأن الانتصار العسكري على الثورة هو أمر ممكن. وأنه آخد بزمام الموقف).
ليس المجال هنا هو مجال التعرض بالتحليل للأسباب والعوامل التي حملت - الجنرال ديغول - على توجيه تهانيه إلى الجنرال شال والقادة العسكريين الفرنسيين بالجزائر - مغتنما من أجل ذلك كل مناسبة وأحيانا من غير مناسبة -. والمهم في الأمر - بالنسبة للثورة - هو تقديم البرهان على أن برنامج شال الجديد، لن ينجح، ولا يمكن له أن ينجح في القضاء على الثورة الجزائرية، كما لم تنجح جميع البرامج التي سطرها الفرنسيون منذ بداية الثورة في سنة ١٩٥٤.
...
إن القيادة الفرنسية - في الحقيقة - رغم انتصاراتها المزعومة التي تزخر بها بلاغاتها في كل يوم، ورغم تظاهرها بأن البرنامج الجديد سيقودها حتما إلى الانتصار العسكري، لم تعرف أي طريق تسلك للقضاء على فرق جيش التحرير الوطني، فقد جربت القيادة العسكرية الفرنسية مجموعة من الطرائق والأساليب، ووضعت جملة برامج، فشلت كلها أمام تصميم جيش التحرير الوطني وإرادته الصلبة.
لقد عمد العسكريون الفرنسيون في بداية الأمر إلى سلوك الطريقة التقليدية المعهودة في الحروب، وهي محاولة القضاء على العدو بقتله أو بأسره. لكن هذه الطريقة فشلت. وظن الفرنسيون
стр. 2065
أول ما لمسوا فشلهم أن المسألة هي مسألة زيادة في عدد الجنود والعتاد، فتواردت الإمدادات الضخمة والأجهزة الحربية العصرية على الجزائر، طوال أربع سنوات، ولكن من غير فائدة ولا جدوى. وقد اعترفت مجلة (الدفاع الوطني الفرنسي) في عدد لها: (بأن البارود لم يكن كافيا للقضاء على جيش التحرير الوطني). وبعد هذا الفشل، توهم بعض قادة الجيش وأجهزته (إطاراته) أن الفشل يرجع فقط إلى أسلوب الحرب لا إلى طبيعتها، والذي عزز هذا الشعور عند أولئك الضباط هو تجربتهم في الهند الصينية: فقد شاهدوا هناك كيف انهزم الجيش الفرنسي هزيمة نكراء، لكنهم عوض أن يستخلصوا العبرة من تلك الهزيمة، وعوض أن يفهموا أن هزيمتهم كانت أمرا حتميا يقتضيه التطور الطبيعي للشعوب، ويفرضه منطق الأشياء وطبيعتها، وعوض أن يبنوا على أساس هذا الفهم سلوكهم في الجزائر عوض ذلك كله، توهموا أن انتصار شعب الهند الصينية، إنما يرجع إلى أساليب الحرب الثورية. والدعاية النفسية التي طبقها (هوشي مينه) بعد أن اقتبسها من (ماوتسي تونغ). وبنوا على هذا الوهم أنهم لو طبقوا بدورهم ذلك الأسلوب، لكانوا قد نجحوا في الهند الصينية. وأن تطبيقه في الجزائر سيمكنهم من الانتصار على الثورة. وكان أصحاب هذه النظرية هم الذين مهدوا فيما بعد لانقلاب ٢٣ - أيار - مايو - وهم الذين نظموا مظاهرات التآخي، وعمليات رفع الحجاب، وهم الذين تزعموا دعوة دمج الجزائر بفرنسا الخ ....
وظنوا أن هذه السلسلة فن العمليات (النفسية) هي التي ستقضي على الثورة، وتمكنهم من الانتصار بالجزائر، إلا أن عدم تصور العسكريين الفرنسيين لمجموع العوامل التي أدت الى انتصار
стр. 2066
(ماوتسي تونغ) و (هوشي مينه) من جهة. وفصلهم بين الهدف الذي عمل له (ماوتسي تونغ) وبين الأسلوب الذي استعمله لتحقيق ذلك الهدف من جهة أخرى. وجهلهم بطبيعة وضرورات التيار التحرري الذي غمر البلدان المستعمرة، وجهلهم بعقلية الشعب الجزائري من جهة ثالثة، إن كل هذا جعل مخيلة العسكريين الفرنسيين تتفتق عن أساليب مضحكة قد تصلح لكل شيء، إلا أن تكون ذات فائدة لأهدافهم الاستعمارية ودعايتهم. وقد يكون من المناسب التعرض لبعض عينات (نماذج) تلك الأساليب النفسية التي يتوهم أصحابها من العسكريين الفرنسيين بأنها هي التي تقودهم إلى النصر.
...
كان هناك ضابط كبير يشغل منصبا هاما في مكتب الحرب النفسية، يفتخر بأنه وفق أثناء انتخابات تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨ إلى إيجاد طريقة رائعة لدعوة الجزائريين إلى الانتخابات وترغيبهم في المساهمة فيها وهي نشر لافتات فيها صورة فلاح وحمار وصندوق الانتخاب، وقد كتب تحت الصورة (أنت تصوت وحمارك لا يصوت). وفي المحتشدات، من بين الأساليب التي يستعملها ضباط الحرب النفسية لجعل الجرائريين يؤمنون بأنهم فرنسيون، أنهم يأمرون الموقوفين الجزائريين بأن يستديروا على شكل حلقة، ويدورون - كالأطفال - وهم يرددون: (إني فرنسي! إني فرنسي!) لمدة ساعات طويلة.
ومن هذين المثالين، وغيرهما من عديد الأمثلة، يتبين أن الفرنسيين أخذوا أساليب الحرب النفسية، لكن هذه الأساليب صارت بين أيديهم أساليب فارغة جوفاء، ليس فيها أي محتوى
стр. 2067
سياسي يجذب إليها الجماهير الجزائرية ويستميلها. إن الجماهير تستجيب لقياداتها الثورية لأنها تعمل معها من أجل التحرر من الاستعمار الكريه، ولأنها تسير على طريق الحرية والاستقلال. فكيف يطمع الافرنسيون أن يجتذبوا إليهم الجزائريين بدعوتهم إلى الادماج و (التفرنس). وهو بالضبط ما ثاروا لمحاربته.
لقد أدى فشل المخططات الفرنسية إلى ظهور اختلاف حاد بين القادة العسكريين بشأن أنجح الوسائل للقضاء على الثورة الجزائرية فهناك أنصار مدرسة (الحرب التقليدية) التي يتزعمها (بيجار). وهناك أنصار مدرسة (الحرب النفسية) وفي مقدمتهم (لاشو روا). وبين هذين الجناحين يجري خلاف عنيف، وتبادل للانتقادات والاتهامات، الأمر الذي زاد من ارتباك القيادة الافرنسية. وجاء الجنرال (شال) فوضع برنامجه على أساس (الحرب التقليدية، وحاول أن يعزز ذلك بقادة اكفاء لهم شهرتهم وخبراتهم (مثل بيجار). ونظم وحدات خاصة مهمتها مطاردة قوات جيش التحرير في الجبال. وتبع ذلك بالضرورة، اختفاء الحديث عن أساليب (الحرب النفسية) في الولاية العامة - الجزائر - وكثر الحديث عن (تطوير وسائل الحرب التقليدية ومخططاتها) غير أن هذا الحديث لم يتجنب توجيه النقد لبرنامح (شال) منذ بداية ظهوره، وقد يكون من الضروري التعرض لبعض ما قاله العسكريون الفرنسيون أنفسهم بهذا الشأن، مما أكد فشل (برنامج شال) حتى من قبل أن يبدأ تطبيقه.
لقد قال عقيد افرنسي - في قسنطينة - ما يلي: (إن المسألة بسيطة، فنحن نسير بمعدل أربعة كيلومترات في الساعة، والجزائريون يسيرون بمعدل سبعة كيلومترات في الساعة، فكيف يمكن أن نلحق بهم إن دامت الحال على هذا؟). وقال - بيجار -:
стр. 2068
(يوجد في الجيش الفرنسي من الجنرالات أكثر من اللازم، مع أن المعارك تربح في الميدان لا في مكاتب القادة - الجنرالات - ثم إن كثرة السيارات والدبابات تعرقل الجيش عن خفة الحركة وتعوقه عن سرعة التنقل).
ويؤكد ضابط آخر: (من بين أربعمائة ألف جندي، يوجد ثمانون ألفا مخصصون لحراسة السيارات العسكرية) وهذا عقيد آخر - كولونيل - يصرخ يائسا: (ما فائدة الطائرات والدبابات في محاربة مقاومين مدربين على حرب العصابات، ويختفون في الحراج ووراء الصخور في الجبال؟ هذا مع العلم أن الطيران الفرنسي يقوم في كل يوم بثلاثمائة عملية). وإلى هذا يجب أن يضاف بأن معدل عمر الضباط الفرنسيين برتبة نقيب - كابتن - هو (٤٢) سنة، وهو عمر لا يسمح لصاحبه بأن يجري في الجبال، في حين أن أغلب إطارات جيش التحرير الوطني من الشباب الناشط.
هذه بعض العوامل التي تبرهن - وبرهنت فيما بعد - على أن الجيش الفرنسي عاجز عن أن يواجه جيش التحرير مواجهة منتصرة، وهي عوامل لا تستطيع قوات فرنسا إزالتها لأنها تحمل في مضمونها الأصالة الثورية التي تضرب جذورها في أعماق المجتمع الجزائري لأكثر من عشرات الذين كما لا تستطيع فرنسا تقليدها، حتى لو أمكن للحكومة الفرنسية تغيير هذ االواقع ودعم قواتها بإطارات (كادرات) من الشباب، إذ أن تنفيذ مثل هذا الإجراء يتطلب سنوات كثيرة. هذا مع ملاحظة أن حرب الجزائر قد جعلت الإطارات الفرنسية ناقصة جدا، وما تزال في كل يوم تزيد في فداحة هذا النقص، وهذا كله يدل دلالة قاطعة على أن برنامج شال - لن يكون مصيره أحسن من مصير البرامج السابقة
стр. 2069
أما الجنرال (شال) فيكفي تذكيره، بأن (الجنرال نافار) كان هو الآخر قد أعد برنامجا عسكريا، وكان هو الآخر مقتنعا بأنه: سيقضي على ثورة الهند الصينية (فييتنام فيما بعد) بوسائطه العسكرية، وأنه (ماسك بزمام الموقف). ولا حاجة إلى التذكير بنهاية نافار في الهند الصينية - حيث اقتحم عليه الثوار أمنع حصونه في (ديان - بيان - فو).
...
جاءت الأحداث بعد ذلك فأكدت صحة تحليل الثوار، وبرهنت على حتمية انتصار الثورة، وسقط (شال) ودهاقنة الاستعمار ومخططوه ومنفذوه ومستمروه. والقصة بعد ذلك وقبله ليست قضية نبوءة أو تكهن بقدر ما هي تحليل سليم لمسيرة تيار التاريخ الذي التقى في موعد التاريخ مع الثوار التاريخيين، فكان في ذلك انتصار (الحدث التاريخي). وكانت مسيرة الاستعمار مضادة للتاريخ وقد حاول الاستعماريون التشبث بالماضي وإيقاف عجلة الزمن، فسحقهم تيار التاريخ، وقذف بهم إلى ركام الماضي المهمل، والذي ليس له نصيب من الذكر في صنع التاريخ وتلك هي الحقيقة الخالدة التي يمكن التوقف عندها.
стр. 2070
٤ - ذريعة (أوروبيي) الجزائر
طرحت فرنسا منذ انفجار ثورة التحرير (في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤) قضية الأقليات الأوروبية في الجزائر. واعتبرت فرنسا أن هذه الأقليات هي (الجزائر). وانطلاقا من هذه الفرضية الاستعمارية عممت فرنسا قضية (الجزائر الافرنسية). وقد سبقت الإشارة إلى هذه القضية في العرض السابق، باعتبارها ذريعة تذرعت بها السياسة الافرنسية (لرفض أي اتصال مع جبهة التحرير الوطني). وعلى هذا الأساس أيضا تعاملت فرنسا مع مجاهدي جيش التحرير باعتبارهم (عصاة - فلاقة). ولم تكن هذه الذريعة هي السلاح الوحيد في (ترسانة الاستعماريين)؛ فقد كان لديها مجموعة من الأسلحة الذرائعية المختلفة مثل:
١ - قضية الاختلاف بين البربر والعرب. باعتبار أن الأولين - من وجهة نظر الاستعمار - هم أصحاب البلاد الأصليون، وأنهم يتصلون مع الغاليين القدامى - أصل الافرنسيين - في لغتهم ودينهم. وانتصر العرب والبربر - بوحدة الاسلام - على هذه الحجة الذرائعية.
٢ - قضية الصحراء، التي اعتبرتها فرنسا جزءا لا يرتبط (جغرافيا) بالجزائر، وكانت هذه الحجة الذرائعية محاولة يائسة لإبقاء النفوذ الإفرنسي في المنطقة التي تعاظمت أهميتها بعد اكتشاف آبار البترول فيها.