← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

(ماوتسي تونغ) و (هوشي مينه) من جهة. وفصلهم بين الهدف الذي عمل له (ماوتسي تونغ) وبين الأسلوب الذي استعمله لتحقيق ذلك الهدف من جهة أخرى. وجهلهم بطبيعة وضرورات التيار التحرري الذي غمر البلدان المستعمرة، وجهلهم بعقلية الشعب الجزائري من جهة ثالثة، إن كل هذا جعل مخيلة العسكريين الفرنسيين تتفتق عن أساليب مضحكة قد تصلح لكل شيء، إلا أن تكون ذات فائدة لأهدافهم الاستعمارية ودعايتهم. وقد يكون من المناسب التعرض لبعض عينات (نماذج) تلك الأساليب النفسية التي يتوهم أصحابها من العسكريين الفرنسيين بأنها هي التي تقودهم إلى النصر. ... كان هناك ضابط كبير يشغل منصبا هاما في مكتب الحرب النفسية، يفتخر بأنه وفق أثناء انتخابات تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨ إلى إيجاد طريقة رائعة لدعوة الجزائريين إلى الانتخابات وترغيبهم في المساهمة فيها وهي نشر لافتات فيها صورة فلاح وحمار وصندوق الانتخاب، وقد كتب تحت الصورة (أنت تصوت وحمارك لا يصوت). وفي المحتشدات، من بين الأساليب التي يستعملها ضباط الحرب النفسية لجعل الجرائريين يؤمنون بأنهم فرنسيون، أنهم يأمرون الموقوفين الجزائريين بأن يستديروا على شكل حلقة، ويدورون - كالأطفال - وهم يرددون: (إني فرنسي! إني فرنسي!) لمدة ساعات طويلة. ومن هذين المثالين، وغيرهما من عديد الأمثلة، يتبين أن الفرنسيين أخذوا أساليب الحرب النفسية، لكن هذه الأساليب صارت بين أيديهم أساليب فارغة جوفاء، ليس فيها أي محتوى

стр. 2067

سياسي يجذب إليها الجماهير الجزائرية ويستميلها. إن الجماهير تستجيب لقياداتها الثورية لأنها تعمل معها من أجل التحرر من الاستعمار الكريه، ولأنها تسير على طريق الحرية والاستقلال. فكيف يطمع الافرنسيون أن يجتذبوا إليهم الجزائريين بدعوتهم إلى الادماج و (التفرنس). وهو بالضبط ما ثاروا لمحاربته. لقد أدى فشل المخططات الفرنسية إلى ظهور اختلاف حاد بين القادة العسكريين بشأن أنجح الوسائل للقضاء على الثورة الجزائرية فهناك أنصار مدرسة (الحرب التقليدية) التي يتزعمها (بيجار). وهناك أنصار مدرسة (الحرب النفسية) وفي مقدمتهم (لاشو روا). وبين هذين الجناحين يجري خلاف عنيف، وتبادل للانتقادات والاتهامات، الأمر الذي زاد من ارتباك القيادة الافرنسية. وجاء الجنرال (شال) فوضع برنامجه على أساس (الحرب التقليدية، وحاول أن يعزز ذلك بقادة اكفاء لهم شهرتهم وخبراتهم (مثل بيجار). ونظم وحدات خاصة مهمتها مطاردة قوات جيش التحرير في الجبال. وتبع ذلك بالضرورة، اختفاء الحديث عن أساليب (الحرب النفسية) في الولاية العامة - الجزائر - وكثر الحديث عن (تطوير وسائل الحرب التقليدية ومخططاتها) غير أن هذا الحديث لم يتجنب توجيه النقد لبرنامح (شال) منذ بداية ظهوره، وقد يكون من الضروري التعرض لبعض ما قاله العسكريون الفرنسيون أنفسهم بهذا الشأن، مما أكد فشل (برنامج شال) حتى من قبل أن يبدأ تطبيقه. لقد قال عقيد افرنسي - في قسنطينة - ما يلي: (إن المسألة بسيطة، فنحن نسير بمعدل أربعة كيلومترات في الساعة، والجزائريون يسيرون بمعدل سبعة كيلومترات في الساعة، فكيف يمكن أن نلحق بهم إن دامت الحال على هذا؟). وقال - بيجار -:

стр. 2068

(يوجد في الجيش الفرنسي من الجنرالات أكثر من اللازم، مع أن المعارك تربح في الميدان لا في مكاتب القادة - الجنرالات - ثم إن كثرة السيارات والدبابات تعرقل الجيش عن خفة الحركة وتعوقه عن سرعة التنقل). ويؤكد ضابط آخر: (من بين أربعمائة ألف جندي، يوجد ثمانون ألفا مخصصون لحراسة السيارات العسكرية) وهذا عقيد آخر - كولونيل - يصرخ يائسا: (ما فائدة الطائرات والدبابات في محاربة مقاومين مدربين على حرب العصابات، ويختفون في الحراج ووراء الصخور في الجبال؟ هذا مع العلم أن الطيران الفرنسي يقوم في كل يوم بثلاثمائة عملية). وإلى هذا يجب أن يضاف بأن معدل عمر الضباط الفرنسيين برتبة نقيب - كابتن - هو (٤٢) سنة، وهو عمر لا يسمح لصاحبه بأن يجري في الجبال، في حين أن أغلب إطارات جيش التحرير الوطني من الشباب الناشط. هذه بعض العوامل التي تبرهن - وبرهنت فيما بعد - على أن الجيش الفرنسي عاجز عن أن يواجه جيش التحرير مواجهة منتصرة، وهي عوامل لا تستطيع قوات فرنسا إزالتها لأنها تحمل في مضمونها الأصالة الثورية التي تضرب جذورها في أعماق المجتمع الجزائري لأكثر من عشرات الذين كما لا تستطيع فرنسا تقليدها، حتى لو أمكن للحكومة الفرنسية تغيير هذ االواقع ودعم قواتها بإطارات (كادرات) من الشباب، إذ أن تنفيذ مثل هذا الإجراء يتطلب سنوات كثيرة. هذا مع ملاحظة أن حرب الجزائر قد جعلت الإطارات الفرنسية ناقصة جدا، وما تزال في كل يوم تزيد في فداحة هذا النقص، وهذا كله يدل دلالة قاطعة على أن برنامج شال - لن يكون مصيره أحسن من مصير البرامج السابقة

стр. 2069

أما الجنرال (شال) فيكفي تذكيره، بأن (الجنرال نافار) كان هو الآخر قد أعد برنامجا عسكريا، وكان هو الآخر مقتنعا بأنه: سيقضي على ثورة الهند الصينية (فييتنام فيما بعد) بوسائطه العسكرية، وأنه (ماسك بزمام الموقف). ولا حاجة إلى التذكير بنهاية نافار في الهند الصينية - حيث اقتحم عليه الثوار أمنع حصونه في (ديان - بيان - فو). ... جاءت الأحداث بعد ذلك فأكدت صحة تحليل الثوار، وبرهنت على حتمية انتصار الثورة، وسقط (شال) ودهاقنة الاستعمار ومخططوه ومنفذوه ومستمروه. والقصة بعد ذلك وقبله ليست قضية نبوءة أو تكهن بقدر ما هي تحليل سليم لمسيرة تيار التاريخ الذي التقى في موعد التاريخ مع الثوار التاريخيين، فكان في ذلك انتصار (الحدث التاريخي). وكانت مسيرة الاستعمار مضادة للتاريخ وقد حاول الاستعماريون التشبث بالماضي وإيقاف عجلة الزمن، فسحقهم تيار التاريخ، وقذف بهم إلى ركام الماضي المهمل، والذي ليس له نصيب من الذكر في صنع التاريخ وتلك هي الحقيقة الخالدة التي يمكن التوقف عندها.

стр. 2070

٤ - ذريعة (أوروبيي) الجزائر طرحت فرنسا منذ انفجار ثورة التحرير (في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤) قضية الأقليات الأوروبية في الجزائر. واعتبرت فرنسا أن هذه الأقليات هي (الجزائر). وانطلاقا من هذه الفرضية الاستعمارية عممت فرنسا قضية (الجزائر الافرنسية). وقد سبقت الإشارة إلى هذه القضية في العرض السابق، باعتبارها ذريعة تذرعت بها السياسة الافرنسية (لرفض أي اتصال مع جبهة التحرير الوطني). وعلى هذا الأساس أيضا تعاملت فرنسا مع مجاهدي جيش التحرير باعتبارهم (عصاة - فلاقة). ولم تكن هذه الذريعة هي السلاح الوحيد في (ترسانة الاستعماريين)؛ فقد كان لديها مجموعة من الأسلحة الذرائعية المختلفة مثل: ١ - قضية الاختلاف بين البربر والعرب. باعتبار أن الأولين - من وجهة نظر الاستعمار - هم أصحاب البلاد الأصليون، وأنهم يتصلون مع الغاليين القدامى - أصل الافرنسيين - في لغتهم ودينهم. وانتصر العرب والبربر - بوحدة الاسلام - على هذه الحجة الذرائعية. ٢ - قضية الصحراء، التي اعتبرتها فرنسا جزءا لا يرتبط (جغرافيا) بالجزائر، وكانت هذه الحجة الذرائعية محاولة يائسة لإبقاء النفوذ الإفرنسي في المنطقة التي تعاظمت أهميتها بعد اكتشاف آبار البترول فيها.

стр. 2071

٣ - قضية التمثيل - إذ اعتبرت فرنسا أن لها مراكز القوى التابعة لها، والتي لها الحق بالتمثيل (من وجهة نظر فرنسا) ومن هذه المراكز (حزب الشعب) و (الجزائريون المقيمون في فرنسا - العمال والطلبة -) و (بعض مراكز القوى التي حاولت فرنسا تجميعها مثل بن لونيس)، وكذلك الاتصال مع بعض زعماء القبائل لتكوين قوات مضادة للثورة (أحمد زيدات ورفاقه)، وفشلت ذرائعية الاستعمار الافرنسي عبر هذه المحاولات كلها. لم تقف (جبهة التحرير الوطني) وما وقف (جيش التحرير الوطني) صامتين أمام ذرائعية الاستعمار إذ لم يكن السلاح الذي حمله الثوار التاريخيون إلا إحدى وسائلهم في الصراع ضد الاستعمار وأجهزته ووسائطه، واستخدمت القيادة الثورية ذات السلاح ولكن بمنطق الثوار وتعقل الأحرار، وكان لا بد (للذرائعية الضعيفة المخادعة) من السقوط أمام وهج المنطق السليم المدعم بالايمان وبقوة السلاح. وقد يكون من المناسب التوقف عند ثلاث ظواهر - تشكل مواقف مبدئية - من قضية الذرائعية الفرنسية: آ - الأقليات الأوروية في الجزائر: نشرت وزارة الأخبار - في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية - دراسة عن الأقليات الأوروبية في نشرتها الصادرة بالفرنسية. وتضمنت هذه الدراسة ما يلي: ليست هناك أقلية واحدة بل عدة أقليات. وقد اعتادت الاحصائيات والنصوص الادارية الفرنسية حشرهم في عبارة (الفرنسيون من الأصل الأوروبي) أو (غير المسلمين) وقابل (الفرنسيين المسلمين) - على حد زعمها -. والحقيقة أنه يجب اعتبار ثلاث أقليات أوروبية عنلى الأقل في الجزائر، نشأت بسببها

стр. 2072

مشاكل سياسية واقتصادية مختلفة. ففي سنة ١٩٥٤، كان عدد أوروبي الجزائر الذين يسمون (بغير المسلمين) هو: مليون وثلاثة وثلاثون ألفا (١،٠٣٣،٠٠٠) خلافا لما يزعمه ويردده (سوستيل) وغيره أمثال (فوستردالس - وزير الخارجية الأمريكى آنذاك) فقد ادعى الأول، أن عدد الطبقة الأوروبية التي تعيش في الجزائر يبلغ مليونا ومائتي ألف (١،٢٠٠،٠٠٠)، وادعى الثاني أن مليونا ونصف المليون هو عدد الطبقة الأوروبية التي تعيش في الجزائر. ومن بين هذه الأقليات، يجب اعتبار الأقسام الآتية: أ - الأجانب الذين يرجعون إلى قناصلهم الخاصة. ومن هؤلاء الايطاليون والاسبان والمالطيون غير المتجنسين، وبعض اليونانيين والسويسريين والألمان والاسكندينافيين، ويبلغ مجموع هؤلاء ستين ألف شخص (٦٠ - ألف). ب - اليهود الجزائريون: وقد اختلطوا نظريا بالفرنسيين وبالأوروبيين بصفة عامة منذ صدور قانون كريميو (سنة ١٨٧١) لكنهم ليسوا من فرنسيين في الحقيقة، ولا هم من الأوروبيين بل هم من سكان الجزائر الأصليين. ويرجعون في الغالب إلى العنصر البربري. إنهم من المجتمع الجزائري، ورغم مواقفهم السياسية والعنصرية المؤيدة لأوروبيي الجزائر. وهذا من العوامل منحت للأقلية اليهودية مكانة ممتازة. فهم أقلية على حدة، لا يمكن عدها من بين الأقليات الأوروبية. وكان عدد أفراد هذه الأقلية اليهودية في الجزائر سنة (١٩٥٤) حوالي مائة وخمسين ألفا (١٥٠ - ألفا)، وهي تعيش في المدن، وتشتغل بالصناعات التقليدية وفي الوظائف العامة. ويحتل إلى جانب ذلك اليهود في الجزائر مكانا مرموقا في ميداني المهن الحرة والتجارة، وإذا كانت هناك طبقة بورجوازية

стр. 2073

محظوظة من اليهود، سكان (تلمسان) و (الجزائر) العاصمة، وجهة (الشلف) فإن هناك كذلك طبقة تعيش في مستوى منحط. كما هو حال يهود (قسنطينة) والجنوب (الجزائري) فهؤلاء يشاطرون المسلمين عيشهم المميز بالبؤس والفقر والحرمان. ماذا بقي من العدد الذي تردده الإحصائيات الافرنسية؟ لم يبق إلا ثمانمائة ألف (٨٠٠ - ألف) نسمة التي تؤلف ما يعرف بفرنسيي الجزائر. وحتى بالنسبة لهذا العدد فمن المبالغة في التقدير أن يتكلم عنهم بصفتهم فرنسيين لأن نسبة خمسين بالمائة إلى ستين بالمائة من تلك المجموعة تتألف من عناصر أوروبية غير فرنسية الأصل ولكن اكتسبت الجنسية الفرنسية بالولادة في الجزائر على مقتضى قانون (١٨٨٩)، وفي هذا الصدد تجدر الملاحظة بأن الأوروبيين المنحدرين من أصل فرنسي لا يتجاوز عددهم أربعمائة ألف (٤٠٠ ألف) في الجزائر، ينحدرون من المغامرين والمضاربين الذين نزحوا مع الاحتلال، ومن هؤلاء الذين أبعدوا عن منطقة باريس لأسباب سياسية في سني الاضطراب (ما بين ١٨٤٨ و١٨٥٢)، ومن مقاطعتي (الالزاس واللورين) اللتين احتلهما الألمان في الحرب الألمانية - الافرنسية (١٨٧١) حيث نزح عدد كبير من المقاطعتين المذكورتين إلى الجزائر، على أن أكبر عدد هاجر إلى الجزائر هو ذلك الذي جاء في فترات الأزمات الاقتصادية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين - بالاصافة إلى أولئك الذين هاجروا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. هؤلاء الأربعمائة ألف (أو حتى الثمانمائة ألف) هم الذين أرادت فرنسا استخدامهم ذريعة للاحتفاظ (بالجزائر الفرنسية) التي كان عدد سكانها المسلمين يزيدون على تسعة ملايين. ويذكر أنه كان في

стр. 2074

فرنسا (٢٠٠) ألف جزائري خلال تلك الفترة - من العمال - وعلى كل حال - فقد كان رد (الثورة) على ذرائعية الاستعمار الفرنسي، واضحا في البيان التالي: ب - رسالة من جبهة التحرير الوطني إلى الفرنسيين: رغم التحديات والمراهنات المتتالية للسيدين (غي موليه) و (لاكوست). ورغم انتصار واقعية الرأي العام الفرنسي وانضمامه إلى جانب الشعب الجزائري، فإن حرب الجزائر تزداد تأزما. ونحن الآن على عتبة اللامفهوم، وقبيل حدوث ما لا تحمد عقباه ولذا فإن الذين يحاربون باسمكم - الذين ضدهم تسفك دماء أوليائكم وأقاربكم - هؤلاء الناطقون باسم شعب واع بأنه مضطهد، واضطهاده ثمن خديعة أنتم ضحيتها، هؤلاء الرجال يريدون اليوم أن يتوجهوا إليكم رسميا من أجل أن تكف هذه الفضيحة، فضيحة القلب والعقل. وما من شك أن أبشع شيء في هذه المأساة الدامية هو هذا الجو من اللامعقول، واللاشعور الذي تجري فيه، لماذا هذه المجازر؟ كيف تم الوصول إلى ذلك؟ ما هي القيم الحقيقية والعميقة التي هي موضوع الخلاف؟ إلى أين هم متجهون؟ إن هذا الجهل الذي تعانيه أغلبية الرأي العام الفرنسي وعدم قدرتها على إعطاء معنى للمغامرة الجزائرية، تلك هي نتيجة دعاية طويلة أبرزها تلك الكذبة التي ترمي إلى وصف الثورة الحالية كعاصغفة في يوم صحو أو كحدث غير متوقع، واللامعقول في تاريخ هذه المقاطعات الثلاث، وظاهرة لا تمت للواقع بأية صلة. إنه يجدر بكم رفض هذا الكذب، فإن ما يدفع للضحك اليوم وإلى السخرية هو إنكار اندفاع الشعب الجزائري بكامله في هذه

стр. 2075

الثورة التحريرية. إن الجزائر، قمة وقاعدة، لم تقبل في أي وقت كان السياسة التي فرضتها عليها الحكومات الفرنسية المتتالية منذ الاحتلال وحتى اليوم. وكانت طلباتها الأساسية تجد تعبيرا لها في المنظمات السياسية، تلك المنظمات التي كانت تحلها الإدارة الفرنسية الواحدة تلو الأخرى، لأنها كانت الصوت المتجدد باستمرار على أشكال مختلفة لأنه الصوت العميق لشعب بكامله من أجل الكرامة والحرية. فتاريخ الحوار الديموقراطي الذي حاول الشعب الجزائري إقامته مع فرنسا، في إطار الأنظمة التي فرضتها هذه الأخيرة عليه، لم تكن سوى سلسلة طويلة من الرفض المهيمن والاضطهاد العنيف. إنكم لن تستطيعوا تصور الشعور الذي تركه في نفوس الجزائريين منذ سنة (١٩٤٨). بتزوير الانتخابات كان شعورا بالكرامة المداسة المسحوقة - فكانت تلك الحرية المزعومة أمر وأقسى في كثير من الحالات من الحرمان من الحرية. إن أبواب الثورة تفتح تدريجيا عند عدم احترام إرادة الشعب، وهكذا عزم الشعب الجزائري على حمل السلام بعد أن فشلت جميع الوسائل التي استعملها للتعبير عن مطامحه. لقد فهم أن كل ثقة لم تكن إلا خدعة فالثورة التي أشعل نارها في الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٤ حزبه - وهو جبهة التحرير الوطني - التي كانت الوسيلة الأخيرة لفرض الحوار، ولإسماع صوته للرأي العام العالمي. إن الثورة الجزائرية تندرج في إطار الحركة العالمية من أجل رقي جميع الأمم الواعية بشخصيتها، والواعية كذلك بأنه لا كرامة بدون استقلال. لا! إن الثورة الجزائرية التي عجز عن خنقها ما يقرب من نصف مليون جندي من جيش عصري، لا يمكن أن تكون من صنع بعض

стр. 2076

قطاع الطرق، لا يتمتعون بثقة الشعب، سلاحهم الوحيد هو الإرهاب، كما أرادوا أن يوهموا الناس بذلك، إنها ثورة لا تمت بأية صلة للصورة القبيحة التي أعطوها إياها. والتي يكون التعصب الديني الاسلامي البحت قد ازداد شدة بحكم حب القوة، والأمل في أن تخرج الجزائر من تحت السيطرة الغربية، واندماجها في امبراطورة عربية غازية. لا! إن الثورة الجزائرية ليست حربا دينية، بل ثورة تحريرية. إنها ليست مبنية على الحقد، بل هي كفاح ضد نظام تعسفي، وهذا هو ما يريدون أن يجعلوكم تجهلونه. كما أنهم نجحوا جزئيا في جعلكم تنسون أن الاعتداءات الموجهة ضد المدنيين الأوروبيين، والتي عرفت المقاومة الجزائرية كيف تتجنبها منذ الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤ وحتى غاية ٢٠ أوت - آب - ١٩٥٥. لم تبدأ إلا بعد عمليات الإبادة التي ذهب ضحيتها الآلاف من المدنيين الجزائريين، هناك حقا منطق الحرب، غير أنه يجب الاعتراف هنا بأن تزايد الاعتداءات كان النتيجة الحتمية والمباشرة لشراسة عمليات التهدئة. وإذا كانت هناك اعتداءات فإنها لم تكن إلا بعد أن سقطت النساء والأطفال والشيوخ تحت الرصاص والقنابل الفرنسية، بعد أن أحرقت بيوت وقرى بكاملها، وبعد أن أصبح العديد من الأبرياء يقتلون. هؤلاء الذين يعلنون لكم عن موتهم يوميا والذين يسمونهم المتمردين. أنتم الذين لازلتم تتذكرون ضحايا (أورادور سورغلين) (*). إعلموا أن

стр. 2077

الشعب الجزائري عاش ألف (أورادور). إنه لأمر ضروري معرفة هذه الحقائق، وترويجها، وعدم التأثر بأكاذيب أغلبية الصحافة، والبحث عن معرفة ما يكمن وراء كلمتي (الأمن) و (التهدئة). ويجدر بكم أن تنظروا إلى حقيقة الوضع في الجزائر، وألا تنخدعوا باسم الواجب الوطني فهل حقيقة يقاتل الشعب الفرنسي ويموت في الجزائر من أجل مصلحة وطنه وسمعته؟ أم من أجل المحافظة على الامتيازات الهائلة التي يتمنع بها (بورجو) و (بلاشين) وأمثالهم؟ وهل يقبل الشعب الفرنسي التضحيات الجسيمة التي تتطلبها هذه الحرب الجائرة والتي سيخسرها مسبقا؟. إننا نعلم بأننا لن نغلب، وهذا لا يعني أن جيشا مكون من خمسمائة ألف أو مليون جندي كالذي تستطيع فرنسا حشده، لا يستطيع أن يخنق بالحديد والنار التعبير الحالي عن إرادة الشعب الجزائري، غير أن التحدث بالنسبة للجزائر عن حل عسكري يعتبر تلاعبا بالألفاظ، لأنه ليس هناك حل عسكري إلا لقضية عسكرية، فتحرير شعب يعد عشرة ملايين نسمة ليس مسألة عسكرية. جزائر مخربة، وفرنسا مخنوقة، في الوقت الذي تتطلب فيه الظروف، وأغلبية شعبها العمل على النهوض: تلكم هي الآفاق التي يعملون يوميا على جعلكم تقبلونها باستعمال أبشع الأكاذيب. أما سمعة فرنسا فإنها ليست في انتصار عسكري، أو في سياسة الإبادة لشعب بكامله، على نحو ما يطبقها المسؤولون الفرنسيون. إن هذه الأعمال - بالعكس - تضر به، ففي نظر شعوب أفريقيا وآسيا، وفي نظر جميع الشعوب الحرة والمسالمة، فإن هذه المجازر الجماعية، وهذه الأحزان، وهذه الدماء التي تهدر، وباختصار

стр. 2078

مؤسسة التهدئة، هذه التي لم تجرأ بعد على تسمية نفسها باسم مدرسة (إعادة الاحتلال) أو مدرسة (حرب تجديد الاحتلال). وهي تدفع كل يوم الى الشك في القيم الأكثر رسوخا في القارة القديمة وخاصة في فرنسا. إن سمعة فرنسا تكمن في مبادىء الحرية والمساواة والأخوة التي تعلمنا حبها، إنها تكمن في تقاليد تنكر لها اليوم أولئك الذين بين أيديهم مصير بلدكم. إن سمعة فرنسا ستزداد قوة بإيجاب حل عاجل عن طريق المفاوضات للقضية الجزائرية، لأنها بذلك تؤكد وفاءها لمبادئها الثورية والديموقراطية. كما سيسمح لها ذلك بالمحافظة - في العالم الإسلامي - على سمعة قد تفقدها نهائيا من جراء سياسة القوة التي تطبقها في الجزائر. لقد تضاعف عدد الجنود الفرنسيون في الجزائر منذ أن أخذ زمام السلطة رجال انتخبتموهم من أجل إحلال السلام، وتوسعت رقعة المناطق المراقبة من طرف جبهة التحرير الوطني، وتزايد (انعدام الأمن). والتحقت آخر العناصر الموصوفة (بالمعتدلة) من الرأي العام الجزائري بصفوف (جبهة التحرير الوطني). فبأي انتفاضة للضمير الفرنسي - ليس باسم تعلقه التقليدي بالحرية فحسب، ولكن باسم الواقعية أيضا - وبأي ضغط من طرف الرأي العام أيضا ستجد حكومة الجبهة الجمهورية نفسها مضطرة لفتح عيونها للسير في طريق التسوية الواضحة والنزيهة بواسطة المفاوضات؟ وعلى عكس ما تزعمه بعض الأكاذيب الفاضحة، فإن الثورة الجزائرية ليست موجهة ضد الشعب الفرنسي الذي تريد الجزائر أن ترتبط معه بأحسن العلاقات، وذلك في نفس الوقت الذي تطمح فيه

стр. 2079

إلى الحرية والاستقلال وتعمل لتحقيقهما بكل ما أوتيت من قوة. كما أنه يمكن الاحتفاظ بروابط صداقة وتعاون نزيه خصوصا في الميادين الاقتصادية والثقافية بين بلدينا ذوي السيادة. إن الجزائر - وهي الأمة الفتية والمسالمة - مهتمة أساسا بتجهيزها عندما تكون قد عادت إلى نفسها، ستضمن الممارسة الحرة لحقوق المواطنة وواجباتها لكل الفرنسيين الذين سيختارون الجنسية الجزائرية ويتخلون عن وضع الأجنبي، الذي سيكون على كل حال متمتعا بنفس الوضع الذي تضمنه كل الديموقراطيات لضيوفها. والجزائر الواعية لوجهتها الاقتصادية والثقافية والسياسية، ستكون دولة ديموقراطية، تقبل ضمنها وفي صفوفها تنوع الأجناس والأديان والآراء. ولا يمكنها بالتالي إلا أن تقيم علاقات ودية مع القطرين الأخوين في المغرب العربي، وبلدان المشرق الشقيقة للشعب الجزائري في تقاليد. العربية - الاسلامية. إن من واجب الأمة الفرنسية ألا تخاف من ذلك، وعليها أن تدرك الدور الذي يمكنها أن تمارسه بفضل تعاونها مع شمال أفريقيا، في هذا العالم الذي يعيش أوج ازدهاره وتنميته، وذلك بأن تنضم قبل فوات الأوان إلى سياسة الصداقة والتعاون الحر. ذلك أنه انطلاقا من هنا يجب أن تنطلق شرارة الاتصال بين حضارتين، وهذا بكل وضوح، وبعيدا عن كل لبس وغموض. هو ما يتطلع إليه المغرب العربي كهمزة وصل بين ثقافتين، وبين عالمين. ولتحقيق ذلك، لا بد من وقف هذه المجزرة التي لا مبرر لها قبل أن يصبح الجرح أعمق، وقبل أن تصبح القضية لا رجعة فيها. إن حرب الجزائر (علاوة على الدم الذي يراق كل يوم) هي هذان العالمان اللذان يرفضان الحوار، رغم ما يحمله هذا الحوار من آمال عريضة. إنكم

стр. 2080

إلى جانب كل الوطنيين، وكل الشعوب المحبة للحرية، ونحن كذلك (*). ٢٠ ماي - أيار - ١٩٥٦. ج - رسالة جبهة التحرير الوطني إلى اليهود: إلى السيد الحاخام إلى السادة أعضاء المجلس الديني الأعلى للاسرائيليين. إلى جميع النواب والمسؤولين عن طائفة الاسرائيليين بالجزائر. سيدي الحاخام، معشر السادة والمواطنين الأعزاء. إن جبهة التحرير الوطني التي تتحمل عبء قيادة الثورة ضد الاستعمار منذ سنتين بقصد تحرير الوطن الجزائري لترى أنه قد حان الوقت على كل جزائري إسرائيلي ليفرض على نفسه، وبناء على ضوء تجربته الخاصة، تحديد موقفه دون غموض أو إبهام في هذه المعركة التاريخية العظيمة. إنه من المعلوم اليوم أن حرب (تجديد الاحتلال) التي أرغم عليها الشعب الجزائري، قد أتت نهائيا بفشل مزدوج في الميدانين العسكري والسياسي. ويعترف القادة الفرنسيون اليوم، وعلى رأسهم (الماريشال جوان) بعدم إمكانية القضاء على الثورة الجزائرية الظافرة. وإن الحكومة الفرنسية الآن في بحثها عن حل سياسي لا مفر

стр. 2081

منه، لتريد الاستسلام إلى أمانيها في سلب الشعب الجزائري انتصاره بتماديها في الأعمال السفيهة والمناورات الدنيئة التي لن يكون نصيبها، ومنذ الآن، إلا الفشل الذريع. وأهم ما في هذه المناورات أنها تحاول عزل جبهة التحرير الوطني عن الشعب، ولو بكيفية جزئية، وذلك بحملها على إجماع الوطن إجماعا حصينا في قيامه ضد الاستعمار. إنكم لا تجهلون يا معشر المواطنين الأعزاء أن جبهة التحرير الوطني التي جعلت رائدها إيمانا وطنيا رفيعا بينا، قد قضت على السياسة الشيطانية التي كانت تحاول بث التفرقة؛ إذ برزت أخيرا في مقاطعة إخواننا التجار (الميزابيين) التي كادت تتعداهم إلى كافة التجار الإسرائيليين - ان هذه المحاولة التي قضينا عليها قبل استفحالها، كانت كأخواتها السابقات من صنع الإدارة الافرنسية العليا، وقد قامت بتطبيقها شرذمة من المغامرين والمخادعين التابعين لمصلحة البوليس. - إن رجال الشرطة والخونة والوشاة ورجال الإرهاب السفاكين - قد قتل من قتل منهم لا باعتبار ملته ودينه، ولكن قتلوا باعتبارهم أعداء للشعب. إن جبهة التحرير الوطني التي هي الممثل الحقيقي الوحيد للشعب الجزائري لترى اليوم أنه من الواجب عليها أن تتوجه رأسا إلى جماعة الإسرائيليين؛ لتطلب منهم أن يصرحوا علنا بانتمائهم إلى الأمة الجزائرية، وإن هذا الاختيار إن وقع التعبير عنه بكل وضوح لمما يبيد الشكوك والخلافات وينتزع بذور الحقد التي غرسها الاستعمار الفرنسي في القلوب. وإنه من ناحية أخرى لخير معين على خلق الأخوة الجزائرية خلقا جديدا، بعد أن حطمها الاستعمار الفرنسي يوم أن فجعنا به. إن جماعة الإسرائيليين بالجزائر في

стр. 2082

تخوفها من سوء مصيرها ومستقبلها كانت منذ ثورة فاتح نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤ محل اضطرابات وتغييرات سياسية مختلفة. إن المندوبين الجزائريين في المؤتمر اليهودي العالمي الأخير، الذي انعقد بلندن، قد أظهروا تعلقهم بالجنسية الفرنسية خلافا لإخوانهم التونسيين والمغاربة ونحن على هذا الموقف متأسفون. ولم تتجه الجماعة الاسرائيلية نحو اتخاذ موقف محايد إلا بعد أن ظهرت قلاقل السادس من فبراير - شباط - ذات الصبغة الاستعمارية الفاشستية. وظهرت فيها من جديد تلك العبارات المعادية لليهود ثم ظهرت من بعد جماعة من الإسرائيليين تنتمي إلى جميع الطبقات، وظهرت خصوصا بعاصمة الجزائر، وأدت بها شجاعتها إلى القيام بعمل مضاد للاستعمار. بكيفية واضحة، إذ صرحت باختيارها الحكيم النهائي للجنسية الجزائرية إن هؤلاء لم ينسوا تلك القلاقل المعادية لليهود سواء منها الاستعمارية والعنصرية. إذ تتابعت بكيفية طاحنة سفاكة إلى نظام (فيشي) الدنيء. فعلى الجماعة الإسرائيلية أن تفكر في الحظ القاسي الذي حازه إليها (بيتان) وكبار المستعمرين من نزع للجنسية الفرنسية، وإصدار قوانين وقرارات استثنائية، واغتصاب وإذلال واعتقال ورمي في النيران. وبعدما ظهرت حركة (بوجاد) وظهر انبعاث الفاشستية، فإنه يمكن اليهود أن يعرفوا من جديد رغم جنسيتهم الفرنسية ذلك الحظ الذي عرفوه أثناء نظام (فيشي). إننا لا نريد تتبع مجرى التاريخ القديم، ولكنه يجدينا نفعا أن نذكر بالعهد الذي كان فيه اليهود بفرنسا أقل اعتبارا من الحيوان. وكان ممنوعا عليهم دفن موتاهم، وكانوا يضعون الأموات تحت

стр. 2083

التراب اختلاسا في الليل، في أي مكان، لأنه كان ممنوعا عليهم منعا كليا أن يملكوا أدنى مقبرة من المقابر. وقد كانت الجزائر في ذلك الوقت - ذاته - مأوى لجميع الإسرائيليين، وأرض حرية لهم يفرون إليها من القمع والاضطهاد الديني. وهذا ما جعل الجماعة الاسرائيلية تفخر بأن تقدم إلى وطنها الجزائري الشعراء والفنانين والتجار وأهل القانون بل حتى القناصل والوزراء. إن يكن الشعب الجزائري قد أبدى أسفه لسكوتكم وصمتكم، فإنه أخذ بعين الاعتبار أيضا الموقف المعادي للاستعمار الذي أبداه الرهبان الكاثوليكيون، مثل أولئك الذين كانوا في مناطق الحرب (كالرمشي) و (سوف اهراس). وإنه ليرى بعين الاعتبار حتى موقف كبير الأساقفة الآن؛ رغم أنه كان في الماضي القريب يتصف بصفات القمع الاستعماري. إن جبهة التحرير الوطني لترجو من قادة الجماعة اليهودية (الطائفة) أن تؤدي بهم الحكمة إلى المشاركة في بناء الجزائر الحرة ذات الإخاء الحقيقي، وما هذا الرجاء منها إلا لأنها تعتبر الاسرائيليين الجزائريين من أبناء وطنها. إن جبهة التحرير الوطني واثقة من أن المسؤولين سيفهمون أن من واجبهم، ومن المصلحة الرشيدة لجماعتهم الإسرائيلية، أن لا تبقى بعيدة عن الغوغاء، وأن تحكم بدون تحفظ على النظام الاستعماري المحتضر، وأن تصرح باعتناقها الجنسية الجزائرية. وتقبلوا تحياتنا الوطنية. حرر بمكان ما بالجزائر - في فاتح اكتوبر - بتشرين الأول ١٩٥٦ جبهة التحرير الوطني

стр. 2084

٥ - ثورة الجزائر تنتقل إلى فرنسا استيقظ العالم صباح يوم (٢٠ - اب - أغسطس - ١٩٥٨) على أخبار مثيرة. فقد تناقلت وكالات الأنباء، وصدرت الصحافة، وهي تستنفر المشاعر، وتشد الأعصاب بما حدث من تطورات جديدة على ساحة الصراع الجزائري - الفرنسي. فكانت معظم صحافة العالم تبرز على صفحاتها الأولى - بالألوان المختلفة - وبالأحرف الكبيرة، عناوين ضخمة مثل: (الجزائر تنقل الحرب إلى فرنسا) و (الجزائر تدمر مصافي البترول في فرنسا) و (الثوار الجزائريون يهاجمون قيادة الشرطة - البوليس - في قلب باريس) و (الحرائق تشتعل بكل مكان من فرنسا) و (المقاومة الجزائرية تدمر نصف مخزون البترول الفرنسي) و (مصرع عشرين قتيلا من رجال الإطفاء بمرسيليا أثناء انفجار مصفاتها) و (رجال الشرطة - البوليس - في باريس، يصابون بالذعر) و (قوات البوليس تجوب شوارع باريس بخوذها الفولاذية). وإلخ ... كان ذلك تطورا مثيرا في الصراع الجزائري الفرنسي، غير أنه لم يكن تطورا مباغتا، فقد ردد قادة الثورة والمسؤولون فيها، مرات عديدة من قبل، إنذارهم إلى الحكومة الإفرنسية بنقل رحى الحرب

стр. 2085

إلى فرنسا ذاتها إن هي تابعت قمعها الوحشي واستمرت في أساليبها اللاإنسانية في التعامل مع الجزائر (ثورة وشعبا) غير أن فرنسا لم تحمل إنذار الثورة الجزائرية على محمل الجد، فمضت في التعرض لمدنيي الجزائر، لا تمييز بين شيوخ ونساء وأطفال، ولا تفريق بين مجاهدين يحملون السلاح ومواطنين عزل لا يملكون الوسائط للدفاع عن أنفسهم، أو حماية حياتهم. ولقد تطلب هذا التطور في الواقع جهدا كبيرا من قادة الثورة الذين عكفوا على دراسة قرارهم مرات عديدة قبل نقل الحرب من أرض الجزائر الطيبة إلى قلب فرنسا، وكانوا يرون أن فتح هذه الجبهة هو أمر ممكن، وأن نتائجه ستكون بعيدة المدى، ولكنهم لم ينفذوا خطتهم قبل ذلك لأنهم رغبوا تجنب إستثارة الاستعماريين والرجعيين في فرنسا للشعب الفرنسي، وحشده ضد الجزائر المجاهدة بحجة أن الثورة الجزائرية تتحدى القدرة الفرنسية في وطنها وأرضها، بعد أن تحدت فرنسا وشعبها - من المستوطنين - على أرض الجزائر ذاتها. وأن الثورة الجزائرية استهترت بالدم الفرنسي، فأخذت في إزهاق أرواح الفرنسيين في فرنسا. ولكن عندما تألبت الرجعية الفرنسية في فرنسا ذاتها وفي الجزائر، وأوصلت ديغول إلى الحكم ليتابع المحاولات الفرنسية في قمع ثورة الجزائر، وإعاقة شعبها عن بلوغ أهدافه في الحرية والاستقلال، لم يبق أمام الثورة الجزائرية من خيار إلا تطوير الصراع ونقل الحرب إلى فرنسا. ولكن، حتى في هذه الحالة، فإن ضربات الثورة الجزائرية لم تستهدف (المدنيين الفرنسيين) وإنما تركزت على (آلة الحرب الفرنسية) والموارد الاقتصادية التي تغذي (آلة الحرب) وترفدها بالقدرة والقوة.

стр. 2086

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن قيادة الثورة لم تسقط من حسابها ما قد يتعرض له الفدائيون في فرنسا من التنكيل والتعذيب وهم تحت رحمة العدو، غير أنها أدركت أن تضحية هؤلاء لن تتجاوز في كل الأحوال ما كان يتعرض له أهلهم وذووهم في معتقلات العدو وسجونه في الجزائر ذاتها. كما أنه ليس باستطاعة فرنسا حجز الجزائريين في فرنسا وهم الذين يضطلعون بالخدمات وتقديم اليد العاملة الرخيصة للصناعة الفرنسية، إذ أن مثل هذا الإجراء سيدمر الصناعة الفرنسية وسيصيبها بالشلل. يظهر من خلال ذلك، أن قيادة الثورة الجزائرية لم تسقط من حسابها أي عامل من العوامل وهي تعد مخططاتها لتطوير الصراع الشامل. وجاءت بعد ذلك مرحلة التحضير لتنفيذ العمليات التدميرية بحيث تأخذ شكل تظاهرة عنيفة وقوية تستنفر الرأي العام الإفرنسي خاصة والرأي العام العالمي بصورة عامة للحصول على تأثير معنوي معادل للتأثير المادي، ولهذا تم اختيار عدد من الأهداف في أنحاء مختلفة، وليس هدفا واحدا في منطقة واحدة. وكان لا بد في مرحلة التحضير هذه من اختيار العناصر المنفذة (الفدائيين) اختيارا دقيقا، ثم تجهيز هذه العناصر بما تحتاجه من أسلحة ومتفجرات، وإذا لم يكن من الصعب اختيار العناصر المنفذة وسط جمهور الجزائريين المقيمين في فرنسا - وكلهم ثوار مجاهدون على استعداد لتنفيذ أصعب الواجبات وأخطرها، إلا أن تجهيز هؤلاء بما تحتاجه عملياتهم لم يكن من الأمور السهلة. غير أن التصميم العنيد والإرادة الصلبة، استطاعت تذليل كافة العقبات، فأمكن تطوير الصراع في الوقت المناسب، والانتقال من مرحلة الإنذار والتهديد، إلى مرحلة التنفيذ العملي

стр. 2087

أ - تقرير الصحافة عن الحرب في فرنسا: لقد تشابهت التقارير الصحافية - في شكلها ومضمونها - وهي تنقل للعالم خبر الحدث المثير. وإذن، فإنه يكفي اختيار ما ذكرته (وكالة اليونايتد برس) (*) في تقريرها الذي جاء فيه: قام الوطنيون الجزائريون بحملة شاملة في فرنسا - للمرة الأولى -منذ أن بدأت الثورة الجزائرية قبل أربعة أعوام. وقد وجه الوطنيون الجزائريون ضربات منسقة ساحقة في باريس وفي جنوب فرنسا حيث أشعلوا النيران في ثلاثة مخازن ضخمة للبترول وقتلوا أربعة من رجال الشرطة الفرنسية. وتجدر الإشارة إلى أن الوطنيين الجزائريين لم يقوموا من قبل بتوجيه مثل هذه الضربات البالغة العنف داخل فرنسا. وتخشى الشرطة الفردية أن يكون هذا العمل هو البداية لحملة من الإرهاب المتعاظم باستمرار، حتى يوم ٢٨ أيلول - سبتمبر - القادم حين يجري (ديغول) استفتاءه على الدستور الفرنسي الجديد. ومن المعروف أن الوطنيين الجزائريين يعارضون بشدة هذا الدستور. وقد وقعت الحرائق الهائلة الثلاث في آن واحد في مدن (تولوز) و (فريون) و (مرسيليا) في أعقاب انفجارات قوية وقعت بالمصافي والخزانات البترولية. ووصفت وكالتا (رويتر) و (الصحافة الفرنسية) حريق (مرسيليا) بأن انفجارا سريعا وقع في أحد الخزانات التي تشكل مستودعا للبترول في (موربيان) قرب (مرسيليا). وقد امتدت ألسنة النيران فورا إلى أربعة خزانات أخرى. وقام رجال إطفاء البحرية

стр. 2088

باستخدام أجهزة قوية للغاية من أجل السيطرة على الحريق. ولم تمض سوى فترة قصيرة جدا حتى أصيب (١٥) منهم بجراح مختلفة، ومن بينهم أربعة فدائيين تعتبر حالتهم خطرة، ثم جاءت أنباء بعد منتصف الليل؛ فأكدت أن فرنسا فقدت عشرين آخرين من رجال مطافئها في (مرسيليا)، وذلك عندما وقع انفجار في مصفاة البترول أثناء مكافحة حرائق الخزانات المحيطة بالمصفاة. وفي تمام الساعة الثالثة من صباح ٢٥ آب - أغسطس - اندلعت ألسنة اللهيب في خزان آخر، وقد أسفر هذا الحريق - حتى تلك الساعة عن تخريب خزانين تخريبا كاملا واندلاع النيران في أربعة خزانات أخرى. وقد تركزت جهود رجال الإطفاء على منع النار من الامتداد إلى (١٤) صهريجا - خزانا - في المنطقة. وفي الوقت ذاته يخوض رجال الإطفاء الفرنسيون، صراعا ضد النيران التي زاد ارتفاعها على مائة متر بعد حدوث انفجار في مستودعين للبترول قرب (تولون). ويحتوي أحد المستودعين على (٩٠٠) ألف ليتر من البنزين، بينما يحتوي الآخر على (٣٠٠) ألف ليتر، وتقدر الخسائر بنحو (١٥٠) مليون فرنك. وذكرت سلطات الشرطة - البوليس - أنها اكتشفت قنبلة بلاستيكية في مستودع (مارتيغ - لاميزا) بالقرب من (مرسيليا). ولم يكتف الثوار الجزائريون بتوجيه هذه الضربات الحاسمة التي وجهوها إلى المصافي والخزانات البترولية الفرنسية؛ بل إنهم هاجموا أيضا مراكز الشرطة الفرنسية - البوليس - في وسط العاصمة الفرنسية. ووصفت وكالة (رويتر) الهجوم فقالت: توجهت جماعة من الجزائريين بالسيارة إلى كراج للشرطة - البوليس - وما كاد أفرادها يصلون إليه، حتى قفزوا من السيارة، وأصلوا رجال الشرطة الذين

стр. 2089

يقفون أمام المرآب - الكراج - بنيران مدافعهم الرشاشة ومسدساتهم، فقتلوا ثلاثة منهم، وأصابوا رابعا بجراح. ثم عمدوا إلى إلقاء زجاجات من البنزين المشتعل أدت إلى نشوب حريق. وقد تمكن المهاجمون من الفرار. وفي منطقة (فانسين) أطلقت جماعة من الجزائريين النار على شرطي فيما كان يخرج من سيارة للشرطة في كراج آخر، فأصيب بجروح ونقل إلى المستشفى حيث ما لبث أن فارق الحياة. وعلى الأثر قامت قوات الشرطة بحملة إرهاب عنيفة على الجزائريين في فرنسا، وقد قتل ثلاثة منهم برصاص الشرطة عندما احتجوا على اعتقالهم وتعذيبهم. وذكر مراسل الإذاعة البريطانية في - لندن - بأن إحدى هذه الهجمات حدثت على المقر الرئيسي لإدارة الشرطة في باريس، وأضاف - المراسل - أن دوريات من الشرطة المسلحين قد انطلقت إلى الشوارع. ولبس أفرادها خوذهم الفولاذية على رؤوسهم، وأقيمت المتاريس عند مداخل باريس. وقد ارتبطت حملة الإرهاب ضد الجزائريين في فرنسا بحملة الإرهاب في الجزائر داتها، حيث أفادت أنباء الجزائر بأن القوات الفرنسية تمارس عملياتها الإرهابية في مختلف مناطق الجزائر، وخاصة في المدن، وذلك بهدف إرغام الجزائريين على تسجيل أسمائهم في قوائم الانتخاب، وبالتالي الإشتراك في الاستفتاء على دستور (الجنرال ديغول) الجديد. وتفيد هذه التقارير بأن السلطات الفرنسية قد لجأت من أجل تنفيذ أغراضها، إلى تعذيب المعارضين، وتجويع قرى بأسرها حتى ترغم المواطنين على الإدلاء برأيهم في هذا الاستفتاء. وصرح السيد (أحمد توفيق المدني) مدير مكتب جبهة التحرير

стр. 2090

الوطني في القاهرة، بأن الشعب الجزائري كله مجمع على رفض الاشتراك في الاستفتاء، ولذلك يلجأ الفرنسيون إلى عمليات القمع والإرهاب بصورة لم يسبق لها مثيل. فهل يستطيع (ديغول أن يعلن أن الجزائر هي جزء من فرنسا بدليل استغتاء الجزائر؟ .. وقال (الأستاذ المدني): إن جبهة التحرير الوطني أبلغت الأمم المتحدة، وكذلك جميع ممثلي الدول في نيويورك بما تقوم به فرنسا من أعمال إرهابية. وأضاف: إن الجبهة لا تعترف بهذا الاستفتاء، كما ترفض الاعتراف بكل ما يسفر عنه من نتائج، نظرا لما تتسم به عملية الاقتراع - التصويت - من تهديد وإرهاب. وذكر في معرض التعليق على حملة الإرهاب الجديدة، أنه قد تم بالأمس تنفيذ حكم الإعدام في اثنين من الجزائريين في السجن المدني في مدينة الجزائر، وهذا أول حكم إعدام ينفذ في الجزائر منذ ثلاثة أشهر ونصف الشهر. وجاء في نبأ (لوكالة اليونايتد برس) أن الجنرال ديغول رئيس وزراء فرنسا الذي يقوم حاليا بجولة في المناطق الإفريقية التي تستعمرها فرنسا بغية الدعوة للدستور الفرنسي الذي سيجري الاستفتاء عليه في الشهر القادم قد أخفق فيما أراد أن يحققه من وراء هذه الجولة. وتقول الوكالة: إن (ديغول) الذي يمكن أن يكون قد حقق نصرا سياسيا شخصيا في جولته، لم ينجح في إقناع زعماء المناطق الإفريقية التي تحكمها فرنسا بالبقاء تحت الحكم الفرنسي، لأن معظمهم أصر على الإستقلال التام، ومعنى ذلك أن هؤلاء الزعماء سيطلبون من مؤيديهم أن يصوتوا ضد الدستور الفرنسي الجديد عندما يجري الاستفتاء عليه في الثامن والعشرين من أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.

стр. 2091

يظهر ذلك أن قيادة جبهة التحرير الوطني قد ربطت بين تطوير الصراع المسلح ونقل الحرب إلى فرنسا، بالصراع السياسي مع الحكومة الفرنسية، وكان من أبرز نتائج هذا التطوير: ١ - إحداث انفجار هز مرسيليا التي تقع قريبا من معمل تكرير البترول. وقد ساد الرعب على الأماكن المجاورة لهذا الانفجار، حيث ارتفعت ألسنة اللهب وسحب الدخان قاتمة في سماء هذه لمدينة، حتى أنها كادت تخنق أنفاس السكان في منطقة تبعد خمسة أميال عن مركز الانفجار. ٢ - إن فرنسا خسرت نصف مخزونها على الأقل من الوقود الاحتياطي. ٣ - إن هذه التظاهرة (السياسية - العسكرية) لم تكن إلا البداية لصراع متطور باستمرار، فقد استمر الصراع في فرنسا، الأمر الذي أقلق السلطة الفرنسية، وأحدث شرخا في الرأي العام الفرنسي. وتجدر الإشارة إلى أن أعمال الفدائيين الجزائريين قد تركزت باستمرار على الموارد الاقتصادية والعسكرية، وتجنبت بذكاء حاد إلحاق الأذى بالمواطنين الفرنسيين - قدر المستطاع - ومن ذلك - - على سبيل المثال - ما أعلن فيما بعد: (من أن رجال الشرطة الفرنسية قد اعتقلوا خمسة من المغاربة، وصادروا منهم مدفعا رشاشا وسبعة مسدسات وكمية كبيرة من مواد صنع القنابل وذكرت السلطة الفرنسية بأن المعتقلين قد نجحوا في تدمير محطة للبنزين ومخزنا للذخيرة في مدينة - غرونوبل) (*).

стр. 2092

ب - قصة المعركة في كتابة الثوار (*): مضت أيام ثلاثة، والسيارات الثلاث التي وضعتها المنظمة السياسية - الإدارية لجبهة التحرير الوطني في إقليم (مارسيليا) هذه السيارات الثلاث متوقفة في ساحة (البورصة). لم أكن قد عاينت هذه السيارات أو رأيتها، وكنت أشعر بالقلق عندما تنتابني فكرة ألا تكون قوة دفع المحرك الميكانيكية كافية وصلبة، أو الأخطر من ذلك: ألا يكون المحرك عاملا وبحالة جيدة. وكنت أتأكد - ما بين فترة وأخرى - من الرقم الخاص بعمال المناجم الذي بحوزتي، والمسجل على البطاقة الرمادية - الميكانيك - للسيارة التي خصصت لي. وعلى كل حال، فالسيارتان الباقيتان قد غادرتا المرآب. وهذا يعني أن الأخوين اللذين سيستخدمانهما قد انطلاقا لتنفيذ المهام الموكولة إليهما في هذه الليلة. وكانت أوراق السيارة مطابقة تماما لأوصافها وأرقامها ولم تكن هناك مشكلة أو تعقيد في هذا الأمر. كانت عقارب ساعتي تشير إلى الثامنة مساء (٢٠). وامتطيت السيارة، ووضع مفتاح المحرك في مكانه (التماس) وأقلعت بالسيارة بعد قليل من التردد، وسرت بها بصورة بطيئة. ولم أكن في حاجة للسير بالسيارة أكثر من مئات الأمتار حتى أتكيف معها وأتعرف عليها، وعندئد اندفعت في طريق (ميليير) وهي مزرعة صغيرة استأجرناها، لنقيم فيها (مقر قيادة) مؤقت. وكانت هذه المزرعة مريحة، تصلح في غير هذه الظروف لقضاء الإجازات، والاستراحة، والصيد وإطلاق الخيال للأحلام الجميلة. وما هي إلا

стр. 2093

ربع ساعة حتى وصلت مزرعة (ميليير) حيث شاهدت للوهلة الأولى سيارة سوداء تقف أمام المدخل. فأوقفت السيارة على بعد مسافة كافية، وإلى جوار الرصيف، ثم ترجلت منها، وتوجهت إلى المزرعة سيرا على الأقدام. وقد شاهدت في وسط الظلمة شبح رجل يجلس وراء مقود سيارته، وتملكني شعور بالخوف، غير أنني حاولت التظاهر بالهدوء، فتقدمت مباشرة نحو باب القضبان الحديدي الذي يحرس المدخل، ودفعته بقوة. وناداني صوت أعرفه وهو يقول لي (أهذا أنت يا عليوه؟) وأطلقت زفرة عميقة بددت فيها ما كنت أشعره من الخوف. ودعوت (عمار) إلى دخول المزرعة. وتبادلنا بعض الكلمات عن حرارة هذا اليوم القائظ من أيام شهر آب - أغسطس - ونحن نخترق الممر الذي يقودنا إلى الكوخ الصغير (الشاليه) حيث أقامت فيه طوال ثلاثة أيام زمرة الفدائيين التي ستقوم بتنفيذ عملية هذه الليلة. كان باب المدخل يتصل مباشرة بالغرفة الرئيسية للمبنى. وهنا كان يجتمع سبعة من الفدائيين الشجعان حول (محمد أوزناني). وغمز لي (عمار) بعينه ففهمت من نظرته كل ما كان يريد قوله بشأن الحالة النفسية والروح المعنوية التي يتمتع بها هؤلاء المتطوعين الفدائيين. وفي الحقيقة، فإنه ما من أحد تنبه إلى دخولنا الحجرة، فقد كان انتباه الفدائيين السبعة مشدودا بكليته لدراسة الأجهزة المتفجرة التي صنعها وأعدها (محمد أوزناني) وذلك من أجل معرفة طريقة التعامل معها، واستخدامها، وأسلوب تفجيرها. وأرسلت سعالا انتزع الفدائيين من استغراقهم، فأداروا جميعهم برؤوسهم نحوي. وصدمتني نظراتهم الباردة، وتعبيرات وجوههم الساكنة، الهادئة. وأمكن لنا أن نستنتج من مواقفهم بأنهم لم ينتهوا بعد من

стр. 2094

إعداد المواد المطلوبة لتنفيذ أعمالهم. غير أنه كان يكفي عد الأجهزة الموضوعة في الزاوية والتي انتهى (أوزناني) من تجهيزها لنعرف أنهم كانوا على وشك الانتهاء من عملهم، وأنهم في سبيلهم لتصنيع القنبلة الأخيرة. وكنت أجد صعوبة في إيجاد أية كلمة مناسبة للبدء بالحديث. فالتزمت بالصمت. كنت أعيش منذ حين على هاجس الانفجارات وأعمال التدمير التي سنقوم بتنفيذها الآن. ولم تكن أفكاري تفسح المجال للعواطف الإنسانية. وكنت، وأنا في موقفي هذا أطمئن نفسي بأن الساعة التي تم تحديدها لإعداد العملية وتنفيذها، ستكون في وقت متأخر جدا، بحيث لن يكون هناك خطر كبير في تعريض حياة عدد من المخلوقات البشرية للكارثة وبهذه المناسبة، فقد كانت تعليمات قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية واضحة ودقيقة: اختيار أهداف في فرنسا وتدميرها على أن تكون هذه الأهداف عسكرية أو صناعية بحيث يؤدي تدميرها طبيعيا لإضعاف القدرة القتالية للعدو. وكان هذا العدو من وجهة نظر قيادة جبهة التحرير الوطني ومن وجهة نظر الشعب الجزائري ممثلا بهذه الأجهزة الصناعية الضخمة، والأجهزة العسكرية، والتي يجب تدميرها لأنها هي التي مكنت الاستعماريين الفرنسيين من إحكام قبضتهم على وطننا الجزائري منذ النصف الأول للقرن التاسع عشر. أما عمليات التصفيات الجسدية ضد الأشخاص والأفراد فإنها لم تقرر، ولم تنفذ، إلا في الحالات التي كان فيها هؤلاء الأفراد يشكلون خطرا حقيقيا على شعبنا الذي كان يخوض صراعه المرير من أجل تحرره الوطني واستقلاله. وكان الأمر يزداد دقة في فرنسا حيث كانت كتلة العمال الفرنسيين تتعاطف تعاطفا واضحا مع جبهة التحرير الوطني وأهدافها.

стр. 2095

كانت مجموعتنا تشكل فرعا خاصا من فروع جبهة التحرير الوطني العاملة في فرنسا. وكانت هذه الفروع هي (منظمات خاصة) واجبها العمل في فرنسا لتنفيذ كافة الأعمال والواجبات التي يضطلع بتنفيذها (جنود جيش التحرير الوطني الجزائري ومجاهديه) على ثرى الجزائر المجاهدة. وكانت (تنظيمات الوحدات الخاصة) وتكوينها، تتشابه مع تنظيمات جيش التحرير الوطني تشابها كبيرا، وكانت تحمل أيضا فصائل مجاهدي جيش التحرير الوطني، وأبرزها: الانضباط وروح التضحية. وهكذا كان (التنظيم الخاص) يشكل جيشا من المتطوعين الفدائيين الذين قبلوا التضحية بحياتهم عن رغبة ثابتة من أجل قضة وطنهم، والذين أخذوا في العيش بصورة سرية، وفي عزلة عن بقية فروع (التنظيم الخاص) التابعة لجبهة التحرير الوطني والعاملة في فرنسا. كان السكون المطبق يخيم على مزرعة (ميليير) في هذا المساء. ولما كان لا بد من الانتظار قليلا حتى نتسلم المتفجرات، فقد خرجت إلى فناء المزرعة، وتبعني (عمار) مباشرة، وسرنا معا من غير أن نتبادل الحديث ولو بكلمة واحدة، وقام بيننا جدار سميك من الصمت. لقد ناقشنا كل متطلبات التحضير والإعداد وطريقة التنفيذ مرات عديدة، حتى تحقق العملية نجاحها الكامل. غير أنه كانت هناك رغبة تدفعني للتفكير في إعداد التعليمات والتوصيات الأخيرة - وإعادتها - قبل الانطلاق للتنفيذ. وسرت مع (عمار) جنبا إلى جنب، حتى وصلنا إلى باب القضبان الحديدي الذي يحرس المدخل، وكان (عمار) يشابك يديه وراء ظهره، أما أنا فكنت أدس يداي في جيبي البنطال. واستدرنا على أعقابنا في وقت واحد، وكلانا سابح في صمته وتأملاته.

стр. 2096

ثم ... انطلقنا في وقت واحد، ونحن نتحدث في موضوع (المناورة التشتيتية) التي يجب أن تضطلع بتنفيذها زمرة الحماية حتى تضمن لنا العمل بحرية تامة، ومن غير خوف أو قلق. وقال لي (عمار) بأن عقارب الساعة قد أشارت إلى التاسعة مساة (٢١،٠٠) وهذا هو الموعد المحدد لإشعال الحرائق في (غابات ايستريل). ولم أجبه بأية كلمة، غير أنني كنت أحاول إقناع نفسي بأن المغاوير - الكوماندو - هم الآن على وشك البدء بتنفيذ مهمتهم، وأن النجاح سيكون حليفهم، لا سيما وأن الحرارة اللاهبة في هذه الأيام القائظة. والجفاف الذي سيطر على (منطقة الميدي) في الفترة الأخيرة سيساعدهم كثيرا في تنفيذ المهمة. وانفرج الباب قليلا بقدر ما يسمح للفدائي (عبد القادر) بالخروج من الغرفة، وأعلمنا بأن (أوزناني) قد فرغ للتو من عمله. قال ذلك بلهجة طبيعية تماما، واستدار فورا، من غير انتظار، ليلحق بالآخرين. وانتظرت قليلا حتى يتخذ (عمار) قراره، غير أنه لم يفعل شيئا، فدعوته عندها للدخول. وقد جرت العادة في مثل هذه الظروف الخطيرة والحرجة، أن يقول المسؤول بضع كلمات ليذكر المنفذين بهدف هذا الاجتماع، وأهميته، ويشجعهم على المضي في تنفيذ مهمتهم المقدسة والخطيرة، ويضع القطار على الخط الحديدي - كما يقولون -. وكان الرجال جميعهم على أهبة العمل، غير أنه ما من حركة صدرت عن أحدهم تنم عن التوتر أو العصبية. كان من طبيعتي الإقلال من الحديث، إذ كنت - كما يقولون - رجل عمل. وقد أرغمت على ممارسة دور (الموجه السياسي) فكنت أجد صعوبة كبرى في العثور على تعبيرات تتجاوز كلمات (إفعل هذا) أو (قم بتلك المهمة)، أو (تعال إلى هنا)، أو

стр. 2097

(إذهب إلى هناك). وألقى علي (عمار) نظرة متسائلة - استفهامية - عما ساقوله أو أفعله. والوقت يمضي سراعا، وأنا لم أتمكن بعد من السيطرة على أفكاري - ومضت ثوان وذهني خاضع لحالة من الاضطراب والتشتت. وكان لا بد من مجابهة الموقف السلبي - الجامد - الذي وقفناه جميعا، فطلبت إلى (أوزناني) أن يقوم بمراجعة عامة للحركات الذي يجب تنفيذها لإكمال سير عمل الأجهزة المتفجرة (آلية التفجير) وذلك عندما سنطلق كل فدائي وحده لتنفيذ مهمته على الهدف المحدد له. وكانت هذه العملية بالنسبة لي (مناورة تأخيرية) تسمح لي بفسحة من الوقت لإعادة تنظيم أفكاري. نفذ (محمد أوزناني) ما طلبته إليه بسرعة، وانصرف الفدائيون - بصمت كصمت المتعبدين في صلواتهم - وهم يتابعون بكل يقظتهم وانتباههم ما كان (أوزناني) يقوله من إيضاحات وتوجيهات وتحذيرات. ولما كان هؤلاء الفدائيون جميعا ممن نفذوا مهمات مختلفة، فإنه لم تكن بهم حاجة لمثل هذه البيانات التفصيلية من أجل وضع قنبلة فى مكان محدد. وعلى الرغم من ذلك، فقد أظهروا اهتماما كبيرا بما يتم تقديمه لهم من بيانات، ولعل مرجع ذلك إلى ما عرف عنهم من الانضباط الصارم في تنفيذ كل ما يطلب إليهم تنفيذه، أو لعله الحافز للتذكير بما هو معروف من معلومات. دق جرس باب المدخل في هذه اللحظة، فذهبت بنفسي لفتحه. وعندئذ شاهدت عميلتنا المسؤولة عن تأمين الاتصالات (ناديا) التي وصلت لاهثة؛ لقد جاءت راكضة من الطريق العام إلى المزرعة، بعد أن أوصلتها شاحنة عامة (باص) إلى الموقف الكائن على الطريق العام. وأخذت (ناديا) في الحديث بكلمات متقطعة، فطلب إليها التزام الصمت حتى تستعيد أنفاسها ورافقتها إلى

стр. 2098

الحجرة حيث طالعتها وجوه لم تكن قد تعرفت عليها من قبل. غير أنها لم تشعر بضيق أو حرج وهي تشهد مناخ القتال الذي كان مخيما على المزرعة. ثم أخذت في الحديث وهي تقتحم الموضوع مباشرة بشأن (المناورة التشتيتية) فذكرت بأن الحريق قد أندلع في (غابات ايستريل) من كل جهاتها. وأن عربات إطفاء الحريق قد انطلقت في هذه اللحظة عبر شوارع (مارسيليا) كلها وهي متجهة لإخماد الحريق الهائل. ظهر لي بأن (أوزناني) قد مضى سريعا في شرحه وبياناته، أو لعلي لم أشعر بمضي الوقت إذ فقدت الإحساس بانقضائه. وقد جاءت الأخبار الجيدة التي حملتها معها (ناديا) فاستشارتني، وأهاجت انفعالاتي، وبت متفائلا، وحاولت نقل هذا الإحساس بالتفاؤل إلى إخوتي الفدائيين، فألقت بنكتة ساخرة انفجر لها الجميع ضاحكين. واغتنمت هذه اللحظة من المرح لأعلن بلهجة جادة، صارمة، بأن عملية (العاصمة) قد أخذت طريقها إلى التنفيذ. وأوضحت أن الاسم الاصطلاحي (لعملية العاصفة) يشمل كل العمليات التي سيتم تنفيذها في هذه الليلة، فوق الأرض الفرنسية، وفقا للتعليمات التي أصدرتها القيادة العامة لعمليات جبهة التحرير الوطني. وقلت لهم بأنهم لن يكونوا الوحيدين الذين سينفذون في هذه الساعة الأعمال التدميرية، بل إن هناك زمرا أخرى من الفدائيين التابعين (للمنظمة الخاصة) ينتشرون في كل أنحاء فرنسا، وهم يستعدون مثلنا للهجوم على الأهداف المعادية وتدميرها. وعلى هذا فإن عملياتنا ليست منعزلة بعضها عن بعض. وغدا! سيستيقظ الشعب الفرنسي ليجد نفسه أنه بات مضطرا للعيش في

стр. 2099

مناخ الحرب. غدا! سيردد الرأي العام العالمي، ويقول: بأن الشعب الجزائري قد نقل الحرب إلى قلب بلاد العدو. غدا! .. وخرج (عمار) وتبعته (ناديا) وقلت للفدائي (أوزناني) بأن ينطلق معهما، وأشرت إليه: (بأن - ناديا - سترشدك إلى مكان التقائنا في المدينة). وتملكني مباغتة شعور إنسان متهم يقف أمام قضاته أو حكامه، أو بالأحرى شعور محكوم أمام جلاديه. غير أنني تمالكت نفسي بسرعة، وأنا أردد في سري بأنها ليست اللحظة المناسبة الآن - للاستسلام لمثل هذا النوع من العواطف ... فغدا! ستصدر الجزائر حكمها علينا جميعا. ولا يهمني أبدا أن أفكر بحقوقي وواجباتي. إن كل ما يهمني هو أن أنفذ واجبي، وأن أحمل الآخرين على تنفيذه. وسلمت كل واحد من الفدائيين السبعة مبلغا من المال حتى يتدبر به أمره، ويضمن به الوصول إلى ملجأ أمين يختاره بنفسه، وذلك بعد الانتهاء من تنفيذ عمله. على أن يتم الاجتماع في اليوم التالي عند (كريبي). ثم وزعت الأسلحة، وأوصيت الفدائيين بعدم اللجوء إلى استخدامها، الا في حالة الضرورة القصوى. وكانت تدابير الأمن والحيطة تفرض علينا إخفاء المتفجرات المصنعة في خزانات الحليب الصغرى (بيدونات) يتسع الواحد منها الى خمسة أو عشرة كيلوغرامات. وأخذ كل واحد من الفدائيين خزانا - بحسب مهمته المكلف بتنفيذها - وخرج أفراد زمرة - موريبيان - المكونة من (مصباح) و (كريبي) و (عبد القادر) قبل سواهم - وبعد خمس دقائق لحق بهم (حنش) و (ملياني) ومعهما حمولتهما من المتفجر ات المخصصة للعمل في (آيغلادس). وغادرت المزرعة في آخر الجميع ومعي (مختار) و (قطوش). وانفصلت عنهما لدى الوصول إلى باب مدخل المزرعة، حيث كان

стр. 2100

لزاما عليهما التوجه إلى (كاب - بينيد). ونظرت إليهما وهما يبتعدان وسط الظلمة وأنا أفكر بأنه من المحتمل ألا يكتب لي رؤيتهما مرة ثانية. وأصابتني رعدة وقشعريرة عندما راودتني هذه الفكرة. واتجهت إلى عربتي - سيارتي - ووضعت مفتاح التماس - كونتاك - في موضعه. وانطلقت بالعربة مسافة لا تتجاوز ثلاثمائة متر أو حتى أربعمائة متر، وهنا وقع عطل مباغت قبل أن أصل إلى الطريق العام. ولم أحاول معرفة سبب العطل أو أجرب إصلاحه. فوضعت العربة إلى جانب الطريق، وتابعت طريقي سيرا على الأقدام حتى وصلت الطريق العام - الرئيسي -. وهنا، وأثناء سيري، عاودني الشعور بثقل الحرارة الخارجية، فالمناخ لم يعتدل في الليل عما كان عليه أمر القيظ الشديد في النهار، بل إن ما حدث هو القيض تماما، فقد شعرت بالحرارة تتزايد وطأة، وبالمناخ يتزايد ثقلا، وكان ذلك أمرا طبيعيا بعد أن أخذ نطاق النيران يحيط بمدينة (مرسيليا) من كل اتجاه. مضت ربع ساعة وأنا أركض خببا، وأشارت عقارب الساعة إلى الحادية عشرة ليلا (٢٣،٠٠) ولا زالت حافلات النقل العامة (الباصات) التي تصل إلى الضواحي مستمرة في عملها الآن. وجلست على قارعة الطريق وأنا أنتظر وصول الحافلة بصبر نافذ، مستغرقا في تفكيري بعملية (موريبيان). ولا أدري بدقة السبب الذي حملني على الاهتمام بتدمير هذا المستودع الضخم من مستودعات الوقود، أكثر من كل العمليات الأخرى التي سيتم تنفيذها في هذه الليلة. لقد استأثر هذا الهدف بأكبر قسط من اهتمامي، واستحوذ على أكبر قدر من وقني، خلال مرحلة التحضير للعملية، فعملت على

стр. 2101

دراسة المنشآت وأجهزتها بصورة تفصيلية ودقيقة. غير أن تفكيري الآن قد امتد إلى أفق العمليات الأخرى في: (بير) و (لافيرا) و (اليس) و (بوردو) و (ليون) و (بيربينيان) و (تولوز) و (كاب - بينيد) و (ليزا يغلادس) ... وهنا وصلت حافلة نقل (أوتوكار) متوجهة إلى (مارسيليا). فقفزت من مكاني، وأشرت إليها ملوحا بكلتا يدي. فتوقفت، وتسلقت درجتي الباب، واشتريت بطاقة الرحلة. وكان هناك أربعة من الركاب قد احتلوا المقاعد الأولى من الحافلة، فتطلعوا إلي جميعا بنظرات فضولية، غريبة، فتعمدت أن أتجاهل نظراتهم. وتوجهت للجلوس على مقعد بعيد الى الخلف منهم، بحيث أضعهم باستمرار تحت مراقبتي. ولقد تمكنت حتى الآن من الاضطلاع بدوري بجدية تامة، مما عزز قناعتي وثقتي: بكل ما قمت بتنفيذه. ولكن ها أنا وقد أخذت أشك بكل من حولي، فأقف موقف الحذر من ركاب الحافلة، وأراقب كل حركة من حركاتهم. إنني أشعر بالقلق، بل إن هذا القلق قد وصل إلى حد الخوف، ووصل بي الأمر في لحظة من اللحظات إلى حد بروز رغبة للتقدم من سائق الحافلة والطلب إليه برجاء أن يتوقف حتى أغادر المركبة. غير أنني سرعان ما استعدت في ذهني ذكريات المخاطر التي سبق لي أن تعرضت لها، والمجازفات التي اقتحمتها، والعقبات التي أمكن لي التغلب عليها وتجاوزها ... دخلنا المدينة، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولم أكن أفكر بأنني سأجد الشوارع مكتظة بحشود الناس في مثل هذا الوقت. ويظهر أن معظم هؤلاء قد فروا من مساكنهم الخانقة. بحثا عن نسمات من الهواء العليل المنعش. وكانت المقاهي عند الميناء

стр. 2102

القديم حافلة بروادها. وهنا اخترت النزول من الحافلة. كان هواء الريف قد اعتصرني، فشعرت بالجوع، وأخذت في البحث على مكان لي في المقهى. لقد كان اقتحام هذا المكان مغامرة حقيقية، فالناس يتدافعون في هذه المقاهي والمطاعم التي تنتشر على امتداد جبهة البحر. ثم ما حاجتي لاقتحام هذا المكان وكل ما أحتاجه هو قطعة من الجبن وقطعتان أو ثلاث قطع من (البسكويت) وقدح من الحليب البارد، وهذا متوافر في منزلي الذي لم يعد بعيدا؟ ... كانت (ناديا) تنتظرني أمام المبنى، وكانت مباغتة لي أن أجدها واقفة في انتظاري، وقالت لي بأن عربتهم - مركبتهم - قد توقفت بسبب نفاد الوقود. وأن (عمارا) قد أرسلها لتصل بسرعة وتعلمني بجلية الأمر. وضحكت، فذهلت (ناديا) لهذا الضحك - في وقت غير مناسب - وإذ ذاك أعلمتها بأن عربتي قد توقفت بدورها، وأنني اضطررت إلى تركها على قارعة الطريق، عند نقطة لا تبعد كثيرا عن المزرعة، وصعدنا إلى شقتي، وعقارب الساعة لم تصل بعد إلى منتصف الليل. أعددت لنفسي بعض الشرائح (ساندويتشات) وقدحا من الحليب، وكذلك فعلت (ناديا). وفتحت باب الشرفة، وخرجت إليها. وكان القمر قد ارتفع عاليا في قبة السماء. وأرسل أشعته لترسم لوحات رائعة الجمال فوق سطح البحر الذي يمتد منبسطا أمامي حتى الأفق وفي هذه اللحظة، قرع جرس الباب. وفتحت (ناديا) الباب، فدخلت عميلتنا الثانية المسؤولة بدورها عن الاتصالات (واسمها حليمة). وكان وجهها يضج بابتسامة عريضة، تفضح ما كان يعتمل في نفسها من سعادة غامرة. وكانت ملامح وجهها، ومزاجها المرح يعبران أصدق تعبير عما تشعره من الرضى

стр. 2103

عن الذات. وكان ذلك يعني أن الأمور تسير - في الجهة الأخرى - على خير ما يرام. وانطلقت (حليمة) لتعلمنا بأن جميع الفدائيين قد غادروا مراكزهم، واتجهوا لتنفيذ واجباتهم المحددة لهم. وتابعت حديثها في ذكر تفاصيل لم تكن تهمني، إذ لم تكن بي رغبة لا للحديث ولا للاصغاء. فابتلعت ما تبقى من الحليب في الكوب، وخرجت من المنزل متعجلا، تاركا فيه الحرية للفتاتين حتى تتبادلا الحديث كما تشاءان مضيت متسكعا في الأزقة والطرقات، مستلما إلى حيث تقودني قدماي. كانت (مرسيليا) تذكرني في بعض أماكنها ببلدتي (عنابة). وفكرت بأمر هذه المدينة التي يجب لها أن تنام نوما قلقا، مضطربا. فهناك تبدأ الليالي مبكرة، وتنتهي متأخرة. ثم إن الليالي وفترات النهار تتعاقب هناك مختلطة بعضها ببعض بسبب ما يعانيه أهل المدينة (عنابة) من الضغوط والإرهاب والظلم. هناك يوجد أناس أيضا، ولكن لا توجد حياة. ... الناس هنا، من حولي، يعيشون في يسر، من غير قلق ولا هموم أو مخاوف. وشعرت بالغيرة وأحاسيس العنف تجتاحني: فلتحترق (موريبيان، وبير، وبوردو، وليون، وبيربينيان، وتولوز) إنها ليست أفضل أبدا من عشرات القرى التي أحرقتها قنابل النابالم وأزالتها من عالم الوجود. ولتدمر (مرسيليا)! إنها لا تساوي أبدا حياة مئات الآلاف من ضحايا الاستعمار الفرنسي. وهذه الحرية التي تزيل كل الهموم والمخاوف، هذه الحرية التي تغلف حياة الآخرين وتحيط بها، هي الحرية التي حرم منها الشعب

стр. 2104

الجزائري منذ أكثر من قرن. ومن هنا، فإنه يجب على الشعب الفرنسي، سواء شاء أو أبى، أن يدرك ذلك، وسيدركه غدا عندما تعلن له صحافته، وبالعناوين العريضة، توسع أعمال الإرهاب وانتقالها إلى فرنسا. وعندئذ سيعيش كل فرنسي على هاجس احتمال وقوعه ضحية الصراع التحرري التي يخوضه الجزائر وعندئذ أيضا سيضطرب مناخ الحرية الذي يعيشه كل فرنسي وسيشعر كل فرنسي بالمعاناة التي يعيشها أقرانه في الجزائر. لقد مضت بي هذه الأفكار والتأملات إلى اتجاه لا أريده ولا أرغب في السير إليه، إنني أحب منطقة (الميناء القديم) وكنت أريد التوجه إليها، غير أني وصلت إلى الاتجاه المعاكس تماما من المدينة، وهو المكان المقابل للبحر والبعيد عنه واستدرت على عقبي، وعدت من حيث أتيت لقد كانت الحرارة اللاهبة تخنق الأنفاس. وانتابتني رغبة في خلع حذائي والسير وأنا عاري القدمين. وأخيرا، قررت التوقف عن التسكع وقد وصلت في سيري إلى أمام المبنى الذي أسكن فيه. فلماذا لا أدخل إلى المنزل وأنام على سريري؟ ولكن هل سأتمكن من النوم؟ إن هناك شيئا في داخلي أكثر قوة مما أصابني من التعب هو الذي يدفعني إلى البقاء خارج المنزل. ودقت ساعة محطة القطار معلنة الثانية صباحا. ولما لم يبق إلا ساعة من الزمن حتى يبرز الحدث العظيم، فقد شجعني ذلك على الانتظار، والمضي في التسكع. بدأت منطقة (الميناء القديم) في الإقفار من روادها. وأخذت المقاهي في إسدال ستائرها وإقفال أبوابها تباعا. وكان هناك زوجان يجلسان على الأرض، يستمعان إلى المذياع الصغير - الترانزيستور- ويتناقشان بحدة في موضوع الحرائق التي اندلعت في المساء. ويظهر

стр. 2105

أن كل وحدات المطافىء في الأقليم قد تحركت للصراع ضد النيران المندلعة في الغابات. ومضيت في تسكعي جيئة وذهابا، وكنت أبطىء الخطى عندما أصل إلى جوار أحد التجمعات حتى أسترق السمع إلى ما يدور بين أفرادها من أحاديث وتعليقات على ما كان يذيعه المذياع المحلي (محطة البث الداخلية). وكنت أشعر بالبهجة والعادة وأنا أتابع انفعالاتهم وهياجهم لما حدث، وتصورت ما سيدور في رؤوسهم بعد هنيهة عندما .. ووصلت حتى نهاية الشارع وأنا أسحب قدماي سحبا، ثم رجعت على (وقع الخطى ذاتها. وهنا رأيت الزوجين اللذين كانا جالسين أرضا وهما يقفان ويستعدان للمضي نحو منزلهما. وهنا دوى انفجار مرعب بلغت قوته حدا أشعرنا أنه وقع إلى جوارنا تماما. وشعرت بأنفاسي وقد توقفت، ورفعت رأسي فشاهدت على البعد وهجا متصاعدا كأنه البركان لقد ارتفعت ألسنة اللهيب عاليا، لقد مرت (مور يبيان) وكانت عقارب ساعتي تشير إلى الثالثة وعشر دقائق صباحا (١٠، ٣) لقد حانت ساعة النوم، لا سيما وقد أصبحت في حاجة ملحة للاستراحة والنوم. ... دخلت شقتي محاولا قدر استطاعتي ألا أثير شيئا من الضجيج. كانت (حليمة) و (ناديا) تنامان في غرفة النوم ذات الباب الموصد، فتمددت على أريكة (ديوان) في الردهة وأنا أرتدي كامل ثيابي، ورحت في نوم عميق لم أستيقظ منه إلا بعد ساعات، حيث أيقظني (عمار) من سبات خيل إلي أنه استمر عدة ليال متتالية وكانت نظرات (عمار) الباردة لا تشير إلى أي شيء. واستدعيت (ناديا) حتى أكلفها الذهاب وشراء بعض الصحف الصباحية. غير أن (عمار)
следующие страницы →