← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

دراسة المنشآت وأجهزتها بصورة تفصيلية ودقيقة. غير أن تفكيري الآن قد امتد إلى أفق العمليات الأخرى في: (بير) و (لافيرا) و (اليس) و (بوردو) و (ليون) و (بيربينيان) و (تولوز) و (كاب - بينيد) و (ليزا يغلادس) ... وهنا وصلت حافلة نقل (أوتوكار) متوجهة إلى (مارسيليا). فقفزت من مكاني، وأشرت إليها ملوحا بكلتا يدي. فتوقفت، وتسلقت درجتي الباب، واشتريت بطاقة الرحلة. وكان هناك أربعة من الركاب قد احتلوا المقاعد الأولى من الحافلة، فتطلعوا إلي جميعا بنظرات فضولية، غريبة، فتعمدت أن أتجاهل نظراتهم. وتوجهت للجلوس على مقعد بعيد الى الخلف منهم، بحيث أضعهم باستمرار تحت مراقبتي. ولقد تمكنت حتى الآن من الاضطلاع بدوري بجدية تامة، مما عزز قناعتي وثقتي: بكل ما قمت بتنفيذه. ولكن ها أنا وقد أخذت أشك بكل من حولي، فأقف موقف الحذر من ركاب الحافلة، وأراقب كل حركة من حركاتهم. إنني أشعر بالقلق، بل إن هذا القلق قد وصل إلى حد الخوف، ووصل بي الأمر في لحظة من اللحظات إلى حد بروز رغبة للتقدم من سائق الحافلة والطلب إليه برجاء أن يتوقف حتى أغادر المركبة. غير أنني سرعان ما استعدت في ذهني ذكريات المخاطر التي سبق لي أن تعرضت لها، والمجازفات التي اقتحمتها، والعقبات التي أمكن لي التغلب عليها وتجاوزها ... دخلنا المدينة، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولم أكن أفكر بأنني سأجد الشوارع مكتظة بحشود الناس في مثل هذا الوقت. ويظهر أن معظم هؤلاء قد فروا من مساكنهم الخانقة. بحثا عن نسمات من الهواء العليل المنعش. وكانت المقاهي عند الميناء

стр. 2102

القديم حافلة بروادها. وهنا اخترت النزول من الحافلة. كان هواء الريف قد اعتصرني، فشعرت بالجوع، وأخذت في البحث على مكان لي في المقهى. لقد كان اقتحام هذا المكان مغامرة حقيقية، فالناس يتدافعون في هذه المقاهي والمطاعم التي تنتشر على امتداد جبهة البحر. ثم ما حاجتي لاقتحام هذا المكان وكل ما أحتاجه هو قطعة من الجبن وقطعتان أو ثلاث قطع من (البسكويت) وقدح من الحليب البارد، وهذا متوافر في منزلي الذي لم يعد بعيدا؟ ... كانت (ناديا) تنتظرني أمام المبنى، وكانت مباغتة لي أن أجدها واقفة في انتظاري، وقالت لي بأن عربتهم - مركبتهم - قد توقفت بسبب نفاد الوقود. وأن (عمارا) قد أرسلها لتصل بسرعة وتعلمني بجلية الأمر. وضحكت، فذهلت (ناديا) لهذا الضحك - في وقت غير مناسب - وإذ ذاك أعلمتها بأن عربتي قد توقفت بدورها، وأنني اضطررت إلى تركها على قارعة الطريق، عند نقطة لا تبعد كثيرا عن المزرعة، وصعدنا إلى شقتي، وعقارب الساعة لم تصل بعد إلى منتصف الليل. أعددت لنفسي بعض الشرائح (ساندويتشات) وقدحا من الحليب، وكذلك فعلت (ناديا). وفتحت باب الشرفة، وخرجت إليها. وكان القمر قد ارتفع عاليا في قبة السماء. وأرسل أشعته لترسم لوحات رائعة الجمال فوق سطح البحر الذي يمتد منبسطا أمامي حتى الأفق وفي هذه اللحظة، قرع جرس الباب. وفتحت (ناديا) الباب، فدخلت عميلتنا الثانية المسؤولة بدورها عن الاتصالات (واسمها حليمة). وكان وجهها يضج بابتسامة عريضة، تفضح ما كان يعتمل في نفسها من سعادة غامرة. وكانت ملامح وجهها، ومزاجها المرح يعبران أصدق تعبير عما تشعره من الرضى

стр. 2103

عن الذات. وكان ذلك يعني أن الأمور تسير - في الجهة الأخرى - على خير ما يرام. وانطلقت (حليمة) لتعلمنا بأن جميع الفدائيين قد غادروا مراكزهم، واتجهوا لتنفيذ واجباتهم المحددة لهم. وتابعت حديثها في ذكر تفاصيل لم تكن تهمني، إذ لم تكن بي رغبة لا للحديث ولا للاصغاء. فابتلعت ما تبقى من الحليب في الكوب، وخرجت من المنزل متعجلا، تاركا فيه الحرية للفتاتين حتى تتبادلا الحديث كما تشاءان مضيت متسكعا في الأزقة والطرقات، مستلما إلى حيث تقودني قدماي. كانت (مرسيليا) تذكرني في بعض أماكنها ببلدتي (عنابة). وفكرت بأمر هذه المدينة التي يجب لها أن تنام نوما قلقا، مضطربا. فهناك تبدأ الليالي مبكرة، وتنتهي متأخرة. ثم إن الليالي وفترات النهار تتعاقب هناك مختلطة بعضها ببعض بسبب ما يعانيه أهل المدينة (عنابة) من الضغوط والإرهاب والظلم. هناك يوجد أناس أيضا، ولكن لا توجد حياة. ... الناس هنا، من حولي، يعيشون في يسر، من غير قلق ولا هموم أو مخاوف. وشعرت بالغيرة وأحاسيس العنف تجتاحني: فلتحترق (موريبيان، وبير، وبوردو، وليون، وبيربينيان، وتولوز) إنها ليست أفضل أبدا من عشرات القرى التي أحرقتها قنابل النابالم وأزالتها من عالم الوجود. ولتدمر (مرسيليا)! إنها لا تساوي أبدا حياة مئات الآلاف من ضحايا الاستعمار الفرنسي. وهذه الحرية التي تزيل كل الهموم والمخاوف، هذه الحرية التي تغلف حياة الآخرين وتحيط بها، هي الحرية التي حرم منها الشعب

стр. 2104

الجزائري منذ أكثر من قرن. ومن هنا، فإنه يجب على الشعب الفرنسي، سواء شاء أو أبى، أن يدرك ذلك، وسيدركه غدا عندما تعلن له صحافته، وبالعناوين العريضة، توسع أعمال الإرهاب وانتقالها إلى فرنسا. وعندئذ سيعيش كل فرنسي على هاجس احتمال وقوعه ضحية الصراع التحرري التي يخوضه الجزائر وعندئذ أيضا سيضطرب مناخ الحرية الذي يعيشه كل فرنسي وسيشعر كل فرنسي بالمعاناة التي يعيشها أقرانه في الجزائر. لقد مضت بي هذه الأفكار والتأملات إلى اتجاه لا أريده ولا أرغب في السير إليه، إنني أحب منطقة (الميناء القديم) وكنت أريد التوجه إليها، غير أني وصلت إلى الاتجاه المعاكس تماما من المدينة، وهو المكان المقابل للبحر والبعيد عنه واستدرت على عقبي، وعدت من حيث أتيت لقد كانت الحرارة اللاهبة تخنق الأنفاس. وانتابتني رغبة في خلع حذائي والسير وأنا عاري القدمين. وأخيرا، قررت التوقف عن التسكع وقد وصلت في سيري إلى أمام المبنى الذي أسكن فيه. فلماذا لا أدخل إلى المنزل وأنام على سريري؟ ولكن هل سأتمكن من النوم؟ إن هناك شيئا في داخلي أكثر قوة مما أصابني من التعب هو الذي يدفعني إلى البقاء خارج المنزل. ودقت ساعة محطة القطار معلنة الثانية صباحا. ولما لم يبق إلا ساعة من الزمن حتى يبرز الحدث العظيم، فقد شجعني ذلك على الانتظار، والمضي في التسكع. بدأت منطقة (الميناء القديم) في الإقفار من روادها. وأخذت المقاهي في إسدال ستائرها وإقفال أبوابها تباعا. وكان هناك زوجان يجلسان على الأرض، يستمعان إلى المذياع الصغير - الترانزيستور- ويتناقشان بحدة في موضوع الحرائق التي اندلعت في المساء. ويظهر

стр. 2105

أن كل وحدات المطافىء في الأقليم قد تحركت للصراع ضد النيران المندلعة في الغابات. ومضيت في تسكعي جيئة وذهابا، وكنت أبطىء الخطى عندما أصل إلى جوار أحد التجمعات حتى أسترق السمع إلى ما يدور بين أفرادها من أحاديث وتعليقات على ما كان يذيعه المذياع المحلي (محطة البث الداخلية). وكنت أشعر بالبهجة والعادة وأنا أتابع انفعالاتهم وهياجهم لما حدث، وتصورت ما سيدور في رؤوسهم بعد هنيهة عندما .. ووصلت حتى نهاية الشارع وأنا أسحب قدماي سحبا، ثم رجعت على (وقع الخطى ذاتها. وهنا رأيت الزوجين اللذين كانا جالسين أرضا وهما يقفان ويستعدان للمضي نحو منزلهما. وهنا دوى انفجار مرعب بلغت قوته حدا أشعرنا أنه وقع إلى جوارنا تماما. وشعرت بأنفاسي وقد توقفت، ورفعت رأسي فشاهدت على البعد وهجا متصاعدا كأنه البركان لقد ارتفعت ألسنة اللهيب عاليا، لقد مرت (مور يبيان) وكانت عقارب ساعتي تشير إلى الثالثة وعشر دقائق صباحا (١٠، ٣) لقد حانت ساعة النوم، لا سيما وقد أصبحت في حاجة ملحة للاستراحة والنوم. ... دخلت شقتي محاولا قدر استطاعتي ألا أثير شيئا من الضجيج. كانت (حليمة) و (ناديا) تنامان في غرفة النوم ذات الباب الموصد، فتمددت على أريكة (ديوان) في الردهة وأنا أرتدي كامل ثيابي، ورحت في نوم عميق لم أستيقظ منه إلا بعد ساعات، حيث أيقظني (عمار) من سبات خيل إلي أنه استمر عدة ليال متتالية وكانت نظرات (عمار) الباردة لا تشير إلى أي شيء. واستدعيت (ناديا) حتى أكلفها الذهاب وشراء بعض الصحف الصباحية. غير أن (عمار)

стр. 2106

سرعان ما أعلمني بأن صحافة الصباح لم تحمل على صفحاتها أي نبأ هام يتعلق بالعملية. واكتفيت بهذا الوجيز من الأخبار، وأرسلت (ناديا) لإعداد شيء من الطعام. وبعد الإفطار، تعجلت بمغادرة الشقة حتى أرى على الطبيعة نتائج العملية التي نفذت في الليل. كان الشارع يضيق بسابلته وعابريه، خلافا لما هو معهود، حيث كان المارة يتحلقون، وأجهزة الالتقاط الإذاعية - الترانزيسور - تتأرجح على سواعدهم. لم يكن سلوك الناس عاديا هذا اليوم أو طبيعيا: فالضيق والقلق يرتسم على تصرفاتهم وتعابيرهم، بعضهم حزين، وبعضهم متصلب مشدود الأعصاب بقسوة، وجميعهم في هياج. اشتريت صحيفة على كل حال، ونبأ صغير يبرز على الصفحة الأولى يصور ما حدث عند آخر دقيقة قبل صدور الصحيفة وإلى جواره صور العارضات الجميلات لأزياء فصل الشتاء سنة (١٩٥٨ - ١٩٥٩). وهي تمثل آخر صرعات الثياب (المودة). ولم يكن في الصحيفة ما يجيب بصورة كافية على التساؤلات التي كان يتناقلها أهل مرسيليا) في موضوع الحرائق والانفجارات التي هزت المدينة ولهذا لم يكن هناك من يعرف ما حدث بدقة، فتوجه اهتمام الناس إلى أجهزة الالتقاط الصغيرة (الترايزيستور). غير أن محطات البث - الإذاعة - لم تكن تذيع غير النداءات التي كانت تطلب إلى السكان الالتزام (بالهدوء) ما بين فترة وأخرى، مع التزام الصمت التام تجاه ما حدث، ولم يكن ذلك كافيا لإرواء تعطش الأهلين لمعرفة الحقيقة. بل إن الأمر على النقيض من ذلك، فقد واجه رجل الشارع ما هو أسوأ، إذ باتت رياح الرعب هي المهيمنة على المدينة وسكانها. كانت ملامح وجهي وتكويني تتشابه مع الأوروبيين، وكانت أوراق

стр. 2107

إثبات شخصيتي المزورة (الهوية) تحمل اسم (ديدييه - جان - لويس) وكان ذلك يسهل مروري من نقاط المراقبة التي أقامها رجمال الشرطة , ولم أكن أشعر بالخوف أو القلق من الاشتراك مع الجمهور في مناقشة رجال الشرطة بشأن ما حدث. وكان هؤلاء يعترضون كل شخص أسمر اللون تحمل ملامحه طابع الإنسان العربي في الشمال الافريقي، ويطلبون أوراق إثبات الشخصية لاعتقال كل (مسلم فرنسي؟). وقد رأيتهم بعيني وهم يعتقلون إخواني الجزاريين، ويعاملونهم بقوة وهم يدفعونهم لركوب الشاحنات الكبيرة (سيارات النقل العسكرية). وقلت في نفسي: لا بأس، فكلما زاد الضغط والظلم، كلما زادت جبهة التحرير الوطني قوة، وتعاظمت قدرة وعددا. كان هناك حشد كبير من الناس الذين تجمعوا عند موقف حافلات النقل في (كانوبيير) وصعدت أول حافلة (باص) تتجه نحو الغرب. وكان الطريق إلى الميناء مغلقا بنطاق من رجال الشرطة، الذين حولوا خط سير الحافلات نحو الشمال - الغربي. ونزلت عند أول موقف. وتوغلت في الشارع الذي ينتهي بساحة تطل على الميناء. واختلطت بالجموع التي كانت تتدافع بالمناكب لرؤية ما كان يحدث في الجهة المقابلة. وعلمت أنه حدثت انفجارات جديدة في هذا الصباح. وعلى كل حال، فقد كانت ألسنة اللهيب تتصاعد عاليا لأكثر من مائتي متر أو حتى ثلاثمائة متر، حتى أنها كانت تظهر واضحة من على بعد كيلومترات عديدة. وقد تم إخلاء المساكن المحيطة بالمنطقة كلها، وأرغم عشرات الآلاف من سكان مرسيليا على الجلاء عن المنطقة المعرضة لخطر الانفجارات. وأوقفت كافة المعامل القريبة من المنطقة إنتاجها، وصرفت عمالها.

стр. 2108

وحظر المرور من شوارع الساحل ضمن دائرة تزيد على أربعمائة متر. استمرت الحرائق في (موريبيان) طوال عشرة أيام، وذلك على الرغم من كل الوسائط الضخمة التي تم حشدها للحد من الخسائر، والسيطرة على الحريق. صدرت صحف المساء وهي تحمل على صفحاتها الأولى، وبالعناوين البارزة، أنباء الهجوم الذي شنته جبهة التحرير الوطني الجزائري في فرنسا. وتحت هذه العناوين كانت تندرج التعليقات اللاذعة التي تختلف في شدتها وقسوتها تبعا لما تمثله تلك الصحافة من اتجاهات. فكان في جملة العناوين المثيرة - على سبيل المثال (الليلة الحمراء) أو (الكارثة الوطنية). ومضت التعليقات وهي تعالج (الحدث) وفقا لمنطلقاتها (الايديولوجية) أو وجهات نظرها السياسية. وحتى الصحافة اليسارية - الشيوعية - لم تحاول المحافظة على الحد الأدنى من التعاطف مع (الحركة الوطنية الجزائرية)، فوصفت أحداث يوم ٢٥ آب - أغسطس - ١٩٥٨ بأنها (ضرب من اليأس). أصدرت جبهة التحرير الوطني الجزائري في مساء ذلك اليوم بيانا، أوردت فيه الأهداف التي يخوض من أجلها الشعب الجزائري صراعه، منذ أربعة أعوام.

стр. 2109

٦ - مع المجاهدين في معاقلهم (*) مضت سنوات الخوف على الثورة، وأصبحت القواعد المحررة حصونا منيعة للثوار، تجتذب إليها الباحثين ورجال الصحافة والأحرار من كل العالم. لقد أذهلت (فصائل الثوار الجزائريين) كل المفكرين والأحرار - لا سيما في العالم العربي - الاسلامي، وكانت بطولات ثوار الأوراس والقبائل مصدرا لإطلاق كل الخيالات الفروسية التي اندثرت منذ القرون الوسطى، أي منذ تراجع نفوذ المسلمين وتغلبت عليه (الحضارة الغربية) ثم جاءت الثورة العملاقة لتبعث فضائل الفروسية من مرقدها. وأقبلت وفود الباحثين والفضوليين وهي تحاول استطلاع أبعاد هذه الظاهرة المثيرة. وقد يكون من الصعب حصر كافة التحقيقات والأبحاث التي تعرضت لمختلف الجوانب التي حفلت بها حياة الثورة. وقد يكون من المناسب هنا التعرض لواحد منها، وفقا لما أورده مراسل عسكري عربي:

стр. 2110

لقد شهدت محاكمة الأسرى الفرنسيين الأربعة، وحصلت على خطابات بخط يدهم. رأيت المعاملة الكريمة التي عاملهم بها جيش التحرير في الوقت الذي تعذب فيه فرنسا المجاهدين الجزائريين وتشردهم. إنه درس في الإنسانية من أبطال جيش التحرير، درس في الأخلاق والشرف لفرنسا وللعالم الغربي الاستعماري، في الوقت الذي كان فيه زبانية فرنسا يحطمون أضلاع المجاهدة (جميلة) وأخواتها، وفي هذا الوقت، حيث يتساقط عدد من جنود فرنسا بين يدي الأبطال الجزائريين. فما الذي حدث للأسرى الفرنسيين في أيدي جيش التحرير؟ والذين اعتبرناهم أسرى مع أنهم قتلة في مذبحة، وسفاحون بلا شرف؟ أبدلوا ثيابهم الممزقة بثياب جديدة، وكانوا يرتجفون - كالفئران المذعورة، لشعورهم بأشباح ضحاياهم الجزائريين تحيط بهم. لم يصدق الأسرى الفرنسيون ما تراه عيونهم، وهم يجدون مقاعد لجلوسهم في مكان ما من الجزائر. لم يحطم أحد ضلوعهم، ولم يبصق أحد في وجوههم، ولم يفقأ أحد عيونهم، ولم يكوهم أحد بالنار، ولم يقتلع أحد أظافرهم. كل الذي حدث هو أنهم قوبلوا بإنسانية. وقدم لهم الطعام والكاء، وحوكموا في محكمة عسكرية جزائرية منظمة. وأكثر من هذا إن ضابطا جزائريا من أعضاء المحكمة شاهد أحد الأسرى أمامه وهو يرتجف من البرد، فنهض من مكانه، وخلع معطفه، وذهب بنفسه إلى الأسير الفرنسي وألبسه إياه. هل شهد أحد مثل هذه الإنسانية؟ ومع من؟ مع الفرنسيين الذين ينتهكون كل المحرمات، ولا يتورعون عن تعذيب النساء والشيوخ والأطفال. واستمرت المحاكمة. القضاة من ضباط جيش التحرير الوطني الجزائري، وأمامهم

стр. 2111

جلس أربعة من الأسرى الفرنسيين، والتهمة الموجهة إليهم هي قتل الأبرياء من أهل الجزائر، واستخدام أساليب وحشية في تعذيب المواطنين الجزائريين، وتدمير البيوت وسفك الدماء بلا سبب ولا دافع إلا التنكيل والارهاب. وقبل أن تبدأ المحاكمة، سأل الضابط الجزائري الذي يرأس المحكمة، الأسرى عن طلباتهم، فطلب بعضهم قهوة، وبعضهم لفافات تبغ (سكائر). فأجيبت طلباتهم فورا وأمر الضابط الجزائري بتغيير ثيابهم الممزقة بثياب جديدة من ملابس جيش التحرير الوطني، وكان حذاء أحد الأسرى الفرنسيين باليا بشكل واضح، فأعطوه بدلا منه حذاء جديدا. وأكثر من هذا، ففي أثناء الطريق، لم يقو (جاكوب) وهو أحد الأسرى الأربعة على السير في الطريق الصاعد إلى واحد من الجبال المرتفعة، فساعده جنديان من جيش التحرير حتى كادا أن يحملاه حملا لمعاونته. أقبل الرائد - الكومندان - (سي موسى) على الأسرى الأربعة يسألهم عن نوع الطعام الذي يفضلونه، فردوا عليه في صوت واحد، وهم لا يصدقون أنفسهم: (أي شيء تسمحون به!). وعاد بعض المجاهدين من جيش التحرير وهم يحملون معهم (خبز - عيش - فينو، ولحم مقلي، وجبنة نستله، وبرتقال) فاختطفها الأسرى، وجلسوا يأكلون بشراهة، وينظر بعضهم إلى بعض، وإلى الطعام، وإلى المجاهدين المحيطين بهم، وهم لا يصدقون أنهم أحياء، وأن هذه المعاملة قد صدرت عن الجزائريين الذين تسومهم فرنسا سوء العذاب. وبعد أن انتهى الأسرى من طعامهم، ودخنوا لفافات التبغ (السكائر) التي قدمت لهم، دعوا إلى فناء واسع، وضعت في وسطه طاولة، وحولها كراسي لأعضاء المحكمة العسكرية ولهم. وبوغت الأسرى الفرنسيون بدعوة قائد المعسكر

стр. 2112

لهم بالجلوس. وكانت مباغتتهم أكبر، عندما أخذ رئيس المحكمة يوجه إليهم الأسئلة بطريقة مؤدبة، وبكلمات مهذبة غير نابية، وكانت إجاباتهم تسجل كما هي - بدقة وأمانة وأمام عيونهم. كان الأسرى طوال الوقت يتبادلون النظرات المتسائلة عن هذه المعاملة الإنسانية، حتى أن واحدا منهم سأل رئيس المحكمة: هل ستتركونا أحياء ولن تقتلونا؟ فرد الضابط الجزائري: (إن ذبح الأسرى وتعذيبهم وتشويه أجسادهم مهمة نتنازل عنها لجيش فرنسا!) فرد عليه أحد الأسرى: (لقد أفهمونا في الجيش الفرنسي أن أي أسير يقع في أيدي الجزائريين سيذبح فورا). وبعد انتهاء التحقيق تحدث الأسرى: * - قال الأسير (فيالاروف - جان) في ألم والدموع تملأ عينيه (أتمنى أن تنتهي الحرب في أقرب فرصة. فأنا متزوج ولي طفل صغير وأم عجوز. وقد مضت ثلاث سنوات لم أزهم خلالها إلا مرة واحدة). * - واعترف الأسير (مورالي فالو) بأنه لم يصدق أنه سيعيش، لأن الحصار كان من كل جانب، وكان الهجوم عنيفا، والنيران مركزة ودقيقة التصويب. ورأى قائده وزملاءه وهم يتساقطون من حوله، والنار تحيط به من كل جانب، فلم يشعر إلا ويداه مرفوعتان في الهواء - إشارة التسليم - وكان مما قاله: (عندما أسرت، كان طيف خطيبتي التي عاهدتها على الزواج منذ عامين، يلوح, أمامي، لقد اتفقنا على إتمام الزواج في أول إجازة أعود فيها إلى بلادي ..). * - أما الأسير (ريليا - هني) فقال: (أنا لم أسمع إلا صوت ضابط جزائري، وهو يأمرنا بالاستسلام، وشعرت بأنني لا أقوى

стр. 2113

على مقاومة اللهجة الحازمة لهذا الصوت فألقيت سلاحي، واستسلمت). * - وأبدى الأسير (جاكوب - جان) دهشته الشديدة من حسن المعاملة التي لقوها من مجاهدي جيش التحرير. وقال لقد خجلنا من أنفسنا ونحن الذين نسمي أنفسنا جيشا نظاميا، ومع هذا فلا نتورع عن تعذيب الأهالي، والتنكيل بهم. لقد علمنا الجزائريون بطريقة معاملتهم هذه، درسا كبيرا في الأخلاق. ... ويرافق (المراسل العسكري العربي) وحدات جيش التحرير الوطني، فيقول: شهدت بيوت الجزائريين وهي تنساب نسفا بالقنابل الفرنسية، وشهدت أرتال اللاجئين الجزائريين الذين طردوا من دورهم وأرضهم. شهدت الزوجة العجوز وطفلتها جالستين تبكيان في حزن وصمت إلى جوار جثة الزوج الذي قتله الفرنسيون أمامهما وتحت بصرهما. شهدت الأسرى الفرنسيين يقعون مذعورين في قبضة مجاهدي جيش التحرير شهدت الشعب يخوض معركة (تحرير ورأيت قوات العدوان وهي تندحر في حالة من الرعب، رغم ما يتوافر لها من دعم الدبابات والطائرات والقوات الضخمة ... إنك إذا دخلت الجزائر مع قوات جيش التحرير، فلن تستخدم في تحركاتك إلا قدميك مهما كانت المسافة بعيدة، وستصعد عشرات الجبال وتهبط منها، وكل هذا طوال الليل حتى لا يكشف العدو مكان وجودك. ولن تستطيع أن تشعل لفافة تبغ واحدة (سيكارة) وإلا دفعت حياتك ثمنا لها. إن أعصاب الفرنسيين متوترة باستمرار، وهم: طلقون النار على أي محصدر للصوت أو الضوء ينم عن وجود حركة ما ...

стр. 2114

بدأنا الرحلة من على الحدود، وانضممت إلى إحدى كتائب جيش التحرير، وارتديت ثيابهم العسكرية. ولم يمر الأمر بسهولة، ذلك أن ثلاثة من قادة كتائب جيش التحرير، رفضوا أن يسمحوا لأحد بالدخول معهم إلى قلب الجزائر، حرصا منهم على حياته - وتدخل القائد (سي عماره)، وأخيرا! وافق قائد إحدى الكتائب أن يصحبني معه، غير أنه حذرني بقوله: إن طريقنا خطر جدا، وسنمر بأخطر منطقة في الجزائر كلها إنها قد تكلفك حياتك وأجبته: (حياتي ليست أفضل من حياتك!). بدأنا سيرنا في الساعة الخامسة مساء، حيث بدأت ظلمة الليل، وصعدنا جبالا، وهبطنا أودية، لم يحاول أحد خلال ذلك كله أن ينطق ولو بكلمة واحدة، أو يحدث صوتا، حتى انقضى معظم الليل، ونال منا التعب مبلغا لا يوصف حتى شعرنا بأننا فقدنا أقدامنا، وأن عظامنا تكاد تخرج عن مواضعها. وهنا صدر الأمر إلينا بالتوقف في غابة كثيفة، تأتي بعدها منطقة مكشوفة يتطلب السير فيها وقتا طويلا ولذا كان لا بد من إرجاء السير حتى أول الليلة التالية. كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية والنصف صباحا. وانتشر المجاهدون يفترشون الثرى ويلتحفون السماء، بالرغم من قسوة البرد وشدته. ولما كنا قد خضنا خلال مسيرنا عشرات السواقي والقنوات، وابتلت ثيابنا حتى نصف أجسامنا، فقد أخدت هذه الثياب في التجلد. وبدأت أرتجف من البرد، وخلعت حذائي لأفرغ ما به من الماء وأجففه، وباغتني أحد المجاهدين بقوله: (ماذا تصنع يا سيد؟ هل سيكون لديك متسع من الوقت للبس حذائك إذا فاجأنا العدو بالهجوم؟ لا تخلعه مهما كانت الأسباب!) وحذرني من القيام بأية حركة لأن معسكرات الإفرنسيين

стр. 2115

تحيط بنا. قال هذا، وأسند ظهره إلى جذع شجرة، واحتضن بندقيته، وراح في إغفاءة عميقة. أما أنا، فقد جفاني النوم من شدة التوتر والبرد. وكان حولي مجاهدو جيش التحرير، وقد نام معظمهم، وحولهم الحراسة متنبهة يقظة. وعندما طلع الصباح، أخذ المجاهدون يستيقظون تباعا. وكان أول ما يفعله كل واحد منهم، هو أن يتفقد سلاحه، وينظفه، ثم يخفيه بين الأشجار. وتلفت حولي، فلم أجد إلا غابة كثيفة، وقد انتشر فيها مجاهدو جيش التحرير. ومضى وقت طويل، حضر بعده عدد من الجزائريين المقيمين في القرية القريبة منا، وهم يحملون (الكسرة) واللحوم والشاي الساخن. كيف عرفوا بوجودنا؟ وكيف أمكن لهم التسلل إلى مركزنا وهم يحملون الطعام لإخوانهم المجاهدين؟ إن هذا يحدث في كل مكان من أرض الجزائر. أبطال جيش التحرير يجاهدون، والشعب الأعزل يضطلع بأعباء تأمين الإمداد والتموين، وإعداد المسكن والعلاج، وتحذير المجاهدين وإنذارهم من كل خطر يتهددهم، وتقديم المعلومات لهم عن قوات العدو، وعن الوحدات الصديقية إن وجدت. قضينا النهار كله في الغابة، وقد تخللته فترات من التوجيه والتدريب وإعطاء بعض المعلومات، ونام البعض استعدادا لاستئناف الرحلة الشاقة في الليل. وقبل الغروب بقليل، حضرت بعض نساء القرية تتقدمهن سيدة عجوز قتل ابنها منذ سنتين في إحدى معارك جيش التحرير، وهن يحملن الطعام (من اللحم) وقبل أن يفرغ المجاهدون من طعامهم، تردد صوت الضابط المسؤول عن المجموعة، وهو يقول:

стр. 2116

(أتقعد؟ أتقعد؟) وفي ثانية واحدة، انتظم المجاهدون صفا واحدا. وقال لهم الضابط: (سنهاجم الليلة معسكر الهميس، وسندقه بالهاونات والمدافع الرشاشة). كنت أعتقد أن هذا المعسكر قريب منا، ولكننا سرنا وسط الجبال أكثر من ساعتين. وتوقفنا عندما تقدم منا أحد جنود الاستطلاع - الكشافين - ليعلمنا بأنه لم يبق بيننا وبين المعسكر أكثر من مائتي متر. وصعدنا فوق ربوة مرتفعة، ونظر القائد (سي بن علالة) إلى الأفق، وأشار بيده إلى حيث ينبعث نور ضعيف، وقال: (هذا هو معسكر الهميس، إن أبطال جيش التحرير يعرفون كل شبر من أرض بلادهم، ويميزونه سواء بالليل أو النهار). واقتربنا بحذر من كل ناحية. وتمركزت مدافع الهاون في مرابض تم انتقاؤها بعناية ومهارة. ونصب المجاهدون مدافعهم الرشاشة، وانتشر الباقون خلف الصخور والأشجار. وران صمت رهيب. لقد أحاط المجاهدون بالمعسكر الفرنسي إحاطة محكمة وفجأة، أضاءت السماء بطلقة إشارة حمراء اللون. وأعقبتها مباشرة انفجارات قنابل مدافع الهاون وأزيز آلاف الطلقات، وغمرت النيران معسكر الأعداء. ويظهر أن المباغتة كانت كاملة، فلم يصدر عن العدو أي رد فعل منظم، ولم يرتفع في المعسكر إلا صوت العويل والصراخ والصخب - واشتعلت النار في أركان المعسكر، ومضت فترة سبع دقائق، ولم يرد الفرنيسون بشيء، كما هي عادتهم التي بات يعرفها المجاهدون جيدا. كما باتوا يعرفون أن الفرنسيين المذعورين في الليل، ينتقمون لرعبهم وفزعهم من المدنيين العزل في النهار.

стр. 2117

أمر القائد بعودة المهاجمين بسرعة، وحرك الجنود مدافعهم وصناديق ذخيرتهم الفارغة، وانسحبوا سالمين، لم يصب أحد منهم بأذى. لأن من عادة الفرنسيين ألا يحاربوا إلا في وضح النهار، وتحت حماية طائراتهم ودباباتهم. تجمع المجاهدون، وأخذوا في اقتحام الغابة القريبة، ومضى ربع ساعة عندما أخذت المدفعية الفرنسية في ممارسة دورها، حيث أخذت في إطلاق قذائفها أكثر من نصف ساعة، على غير هدى، وفي كل اتجاه. أقبل المراقبون في صباح اليوم التالي وهم يحملون للمجاهدين نتائج إغارتهم: تدمير مهجع نوم الجنود تدميرا كاملا. وتدمير جزء من مخزن التموين، وقتل (١٣) جنديا، وإصابة (١٨) جنديا آخرين بجراح مختلفة، نقلوا على أثرها إلى المستشفى المركزي. لم يعد الارهاب يرعب الجزائريين الأحرار

стр. 2118

٧ - مع قائد من المجاهدين وفي معاقل الثوار، تم لقاء بين الصحفي المصري - إلهامي حسين - والقائد (عمران) في أواخر سنة (١٩٥٦) حيث قام (إلهامي حسين) بتحقيق داخل خطوط النار في الجزائر، وتعرض خلال الاثني عشر يوما التي أمضاها هناك لأخطار كادت تؤدي بحياته. وفي تلك الفترة، كان (القائد عمران) قد حل محل (بن بللا) الذي اختطفته فرنسا مع أربعة من رفاقه المجاهدين. وطرح (إلهامي حسين) على القائد مجموعة من الأسئلة، كانت إجاباتها صادقة وواضحة وصريحة، وهي تمثل الموقف العسكري خلال تلك الفترة التاريخية: * - ما هي حقيقة الموقف الآن في الجزائر؟ - تتعاظم قوة جيش التحرير الجزائري يوما بعد يوم، وإن تنظيمنا وجهادنا يحققان الانتصار العسكري على العدو. وقد أصبح الشعب الجزائري اليوم كله مجندا للقيام بواجبه العسكري. وفي الوقت نفسه، يتأكد جند الاستعمار الفرنسي من عدم جدوى تلك الحرب التي يشنونها علينا بدون وجه حق. ويتأكد المسؤولون الفرنسيون أيضا من فداحة الخسائر المالية والمادية التي يبذلونها من غير أمل بتحقيق نصر حاسم على الثورة.

стр. 2119

* - باعتبارك مسؤولا عسكريا، ما هي المناطق التي يسيطر عليها جيش التحرير الوطني الجزائري؟ - للإجابة على هذا السؤال أعطيك مثلا قدمه الفرنسيون أنفسهم، لقد استطاعت المخابرات الجزائرية أن تحصل على خريطة وزعتها القيادة الفرنسية على ضباطها، وفيها توضح مناطق الجزائر وتقسها بحسب درجة خطورتها على الفرنسيين. وقد اتضح أن نصف الجزائر مناطق خطيرة جدا، غير مسموح للفرنسيين بارتيادها إلا في مجموعات مدعمة بالدبابات والطائرات. والربع في الجبال، وهو ممنوع ارتياده نهائيا. وأما الربع الباقي فهو المدن ذاتها، والنشاط فيها متروك للمقاومة السرية، ويسيطر جيش التحرير الوطني الجزائري سيطرة تامة على مناطق بأكملها: وهي منطقة: وهران، وشمال قسنطينة كلها، ومنطقة جبال وارسنيس، وجبال بوزجرة، والأوراس، وسيدي ناجي، ومنطقة وادي الصومام، وجبال جرجره. وكل هذه المناطق يسيطر عليها جيش التحرير الجزائري سيطرة تامة، حيث يقوم جيش التحرير بأعمال الشؤون الصحية والإجتماعية وجباية الضرائب، ورعاية الأهالي، وشؤون الزراعة والتموين. * - تردد الصحافة الفرنسية في هذه الأيام بأنكم ستقومون بهجوم عام وشامل، فما هي الحقيقة؟ إن فرنسا تقول ذلك حتى تثبت للعالم أننا لا نحارب إلا قبل انعقاد الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. ولكنني أقول للعالم: أننا في حرب دائمة منذ الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني (١٩٥٤) وحتى اليوم. حقيقة أن الحرب بدأت على نطاق محدود، ولكنها بلغت من التنظيم والدقة من ناحيتنا الآن حدا جعل الفرنسيين

стр. 2120

يعتقدون أن كل هجوم قوي يقوم به جيش التحرير إنما هو هجوم هائل عام، المقصود به التأثير على الجمعية العامة لهيئة الأمم. ومن ناحية أخرى، تأمر السلطات الفرنسية بنشر هذه الشائعات، حتى ترغم جنودها على البقاء في مرحلة استعداد دائم للقتال، لا سيما بعد أن أظهر هؤلاء الجنود في مرات عديدة تمردهم على قياداتهم، وأعلنوا رغبتهم في العودة إلى وطنهم - فرنسا - بنتيجة الهلع والذعر الذي بات مهيمنا عليهم. وأقولها صريحة: لقد بلغ تنظيم الجيش الجزائري مرحلة متقدمة، وأصبحت لدينا الوسائل الهائلة التي تمكننا من نيل استقلالنا بدماء شهدائنا وأقول للفرنسيين: لا تنتظروا هجوما واحدا، وعليكم أن تتوقعوا دائما هجماتنا المتكررة. * - أنت قائد عسكري، تعرف قوة الفرنسيين قدر معرفتك لقوة جيش التحرير، فما هو رأيك في هذا الصراع، وهل تستطيع تحديد مدة استمرار القتال؟ - هذا شيء يعلمه الله وحده، غير أنني أستطيع القول، جازما، بأننا سوف نحارب حتى ننال حريتنا. وإننا لن نضيق بالاستشهاد في سبيل الجزائر أبدا، بل سنحارب، وسنحارب حتى الاستقلال. ولديا كل الإمكانات. * - ما هي الخطة العسكرية الفرنسية في الجزائر؟ - لقد تطورت الخطة الفرنسية الآن بعد تقوية الجيش الجزائري. فحشدت فرنسا قواتها كلها والمكونة من (٦٠٠) ألف جندي و (١٧٥) ألف شرطي - بوليس - و (٦٠) ألف من (ميليشيات المعمرين) الذين جندتهم فرنسا، أي أنها حشدت مليون مقاتل تقريبا ليضغطوا على الشعب الجزائري، حتى يوقف جيش التحرير عملياته، وحتى يقف الشعب ضد جيشه. ولكن

стр. 2121

الشعب الذي ذاق مرارة الاستعمار وعرف وحشية قواته يعمل معا حتى النساء والشيوخ والأطفال. وكل له دوره الذي لن يتزحزح عنه حتى نخرج الفرنسيين من بلادنا. لقد اشتشهد حتى الآن (٥٠٠) ألف جزائري خلال ثلاث سنوات. استشهدوا وهم يحاربون في سبيل الاستقلال. وبعد كل هذا يظن الفرنسيون أننا سنتوقف عن القتال. ليس هناك جزائري واحد، لم ينله شرف استشهاد أخ له أو أخت أو أب أو أم أو ابن. ثم قال: إن الجرح عميق .. عميق جدا. لن يغسله إلا الدم ثم الاستقلال (*). ... وكانت (دمشق) على موعد مع القائد (عمر عمران) في ربيع سنة (١٩٥٨) حيث جرى لقاء صحفي آخر دار فيه الحوار التالي: * - ما هي قوة جيش التحرير الوطني الجزائري حاليا؟ - ارتفع عدد أفراد جيشنا الآن حتى (١٥٠) ألف جندي، مزودين بأحدث أنواع الأسلحة الحديثة، الخفيفة منها والثقيلة، فعندنا المدافع، ومدافع الهاون والمدافع المضادة للطائرات، والمدافع المضادة للدبابات، والمدافع الرشاشة إلخ .. * - تردد الصحافة الأمريكية أن حماسة جيش التحرير الجزائري قد (فترت) هذا العام كثيرا إذا ما قورنت بما كانت عليه حماسته في العام الماضي. فما هو نصيب هذه المقولة من الصحة؟

стр. 2122

- إن هذا الكلام تدحضه وتكذبه الأرقام في سلسلة المعارك الناشبة في مختلف أنحاء الجزائر في هذه الأيام. * - وتزعم الصحافة الأمريكية أيضا أن بعض قادة الثورة الجزائرية قد اجتمعوا ببعض المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية بهدف إيجاد حل للثورة الجزائرية - فما هي الحقيقة؟ - لم تعهد قيادة جيش التحرير الوطني لأحد بالتفاوض مع رجال وزارة الخارجية الأمريكية وليس في نيتها إطلاقا إجراء أي نوع من المفاوضات، أو الاتصال معهم مستقبلا. فلقد كفرنا بالغرب، ولا يمكن أن نأمن جانبه، أو نمد يدنا إليه. في هذه الأثناء، دخل أحد أقطاب جبهة التحرير الجزائري - التي تقود الصراع السياسي في ثورة الجزائر. وهو السيد (محمد الغسيري) وكان يحمل في يده كشفا دفع به الى القائد (عمر عمران). وقرأ القائد الكشف، ثم قال: هل تعرف خسائر فرنسا في الأسبوع الماضي؟ * - (٢١٩) قتيلا، و (٣٠٢) جريحا، وطائرتان، ومجموعة ضخمة من الأسلحة، وكميات كبيرة من الذخيرة. * - ما هي المدة المتوقعة لنجاح الثورة الجزائرية وانتصارها؟ وأجاب (عمران): إن الثورة الجزائرية المؤيدة من الشعب الجزائري جميعه، تستطيع أن تثبت عشر سنوات كاملة، هذا إذا كانت فرنسا قادرة على مواصلة هذه الحرب الإجرامية. وسننتصر في النهاية بإدن الله (*).

стр. 2123

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: (سورة الأنفال - ٢٦). الفصل الثاني ١ - ولادة سرية ومصرعها. ٢ - ضباب الفجر. ٣ - المهمة الأولى. ٤ - معارك (تيغرين) في (جبل منصور). ٥ - معركة جبل (منون). ٦ - المقاومة في (بوهتدس). ٧ - معركة (الأوراس). ٨ - معركة في الجنوب. ٩ - إعدام (فروجي).

стр. 2124

١ - ولادة سرية ومصرعها (*) كانت كتائب جيش التحرير الوطني، كثيرا ما تتعرض للموت والإبادة، فطريق الجهاد شاق عسير، والعدو خصم شديد الضراوة، قوي البأس. غير أنه ما كانت كتيبة تموت إلا لتبعث من جديد. فالمتطوعون أكثر من قدرة جيش التحرير على استيعابهم، فكان لا بد من اللجوء إلى الاختيار والانتقاء. وظهرت الصعوبة في انتقاء المتطوعين وضمهم إلى تلك الكتائب لمنحها الحياة بصورة مستمرة وبات على المتطوع اجتياز اختبار عسير حتى يكتسب شرف الانضمام إلى جيش التحرير. وقصص هؤلاء المتطوعين أكثر من أن تعد أو تحصى، وهذه واحدة منها. كنا أحد عشر مجاهدا يوم ٢٤ - تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٦ وكنا نقيم في (ولد حمود) على بعد (٣٥) كيلو مترا من (تلمسان) ما بين (ترني) و (صبره). ويظهر أن القوات الإفرنسية اكتشفت وجودنا

стр. 2125

فبدأت بمطاردتنا طوال ثلاثة أيام، ولما جاء اليوم الرابع، اتخذنا قرارنا بمغادرة الجبل، والهبوط إلى السهل، وشرعنا بتنفيذ القرار على الفور. فتجاوزنا الطريق العام (تلمسان - مغنيا) في الساعة الواحدة صباحا. وأمضينا الليل في (بني ميستير). وحوالي الساعة السادسة صباحا وصلتنا صرخات امرأة وهي ترسل نداء الاستغاثة، فأصابنا نوع من القلق، غير أن مضيفنا، صاحب البيت الذي قبل إيواءنا، طمأننا بقوله إن هذه المرأة هي قريبة له، أصابها مس من الجنون - لما عاينته من الأهوال التي لم تقدر على احتمالها -. وفي اليوم التالي، أخبرنا عامل الاتصال بأن كافة المسؤولين عن المنطقة الأولى قد اسشتهدوا، أو وقعوا في الأسر - وباتوا في قبضة العدو -. ولم يبق على قيد الحياة أحد ممن اشتركوا في عملية حي (شعبة اليهودي) الواقع على بعد عشرة كيلومترات من (تلمسان). وإذن، فقد انتهت المنطقة الأولى، وانتهينا نحن معها، وبتنا ونحن في عزلة تامة عن كل اتصال، ولم يعد هناك مسؤول نرجع إليه. وبقي علينا الاعتماد على أنفسنا وعلى ما بقي في قبضتنا من ذخيرة قليلة. وقررنا على الفور القيام بمحاولة لتأمين الاتصال مع الجنود المعزولين - مثلنا - وإعادة تنظيم شبكة الاتصالات مع خلايا الناحية (الدوار). فتوجهنا في الساعة الثامنة من مساء يوم (٢ - كانون الأول - ديسمبر) نحو دوار يقع على بعد خمسة أو ستة كيلومترات من (ضايا). وأعد لنا رجال الدوار القهوة، وقبلوا استضافتنا لتلك الليلة. وفي الساعة السادسة صباحا، ذهبنا للاختباء في ملجأ يقع تحت الأرض (قبو). وقام الرجال في الساعة الثامنة بإخفاء كان أثر لنا عن طريق استخدام جرار (تراكتور) كما سدوا كافة الثقوب والفتحات، ومن هنا بدأت محنتنا، إذ لم تكد تأزف

стр. 2126

الساعة (١٦٠٠) حتى شعرنا بأنفاسنا تضيق حتى نكاد نختنق، وقررنا الخروج مفضلين الاشتباك في معركة مع العدو، والموت في القتال، من أن نموت مختنقين في قبو مظلم. وفي الساعة (١٨٠٠) جاء رجال الدوار للبحث عنا وإخراجنا، وفي الساعة (٢٠٠٠) كنا نسير على طريق (تلمسان) وأمضينا الليل في مسير شاق، ولكن لم يحدث شيء بفضل الله وعونه، فوصلنا في الفجر إلى دوار (فحولة) سالمين. ولما لم يكن أهل هذا الدوار قد تعرفوا من قبل على (المجاهدين) أو اتصلوا بهم اتصالا مباشرا، فقد أظهروا فرحتهم لرؤيتنا، واستقبلونا كما لو كنا ملائكة هبطت عليهم من السماء. وأقمنا بينهم أسبوعا، عملنا خلاله على تنظيم الدوار (الناحية) وتم اختيار شاب تميز بنشاطه وحماسته وخلقه القويم، وذلك ليكون مسؤولا عن تأمين الإتصالات بالخلايا التي تم تنظيمها، فكان يجمع لنا المعلومات عن العدو. وأعلمنا بعد ستة أيام عن قيام المجاهدين بإحراق أربع مزارع للإفرنسيين وأعوانهم، تقع بين (لامور يسير) و (الجسر الأيسر). وكم كانت سعادتنا لا توصف ونحن نعلم بوجود إخوان لنا في المنطقة. قام المسؤول عن الاتصال مع المجاهدين (السيد الفلاح) بمرافقتنا بناء على طلبنا، إلى دوار يبتعد عن تلك المزارع الأربع التي تم إحراقها في الليل. ووصلنا إلى (الزقاق) وهو دوار هادىء وجميل، لم يصل إليه الجنود الفرنسيون أبدا. وابتهجنا إذ عرفنا هناك بوجود زمرة أخرى من المجاهدين، هي زمرة زيتونة المسؤول عن العمل في المنطقة). وتقابلنا في المساء حيث أمضينا الليل في مناقشة زمرتينا وموقفهما بعد مركة (شعبة اليهودي) التي دمرت الكتلة الرئيسية من قوتنا في المنطقة.

стр. 2127

وفي الصباح، جمعنا زمريتنا، وشكلنا الفصيل الأول الذي ضم (٢٤) مجاهدا. وفي اليوم التالي، سلكنا طريق (اوزيدان) و (عين الحوت) حيث أمضينا شهرا في تطويع المجاهدين وتنظيمهم وتدريبهم بالإضافة إلى جمع الأسلحة والذخائر وصنع زجاجات (كوكتيل مولوتوف). ونجحنا في ضم (١٢) مجاهدا ممن هجروا (تلمسان) بسبب مطاردة الشرطة الفرنسية لهم. وأصبح تنظيم قوتنا يضم ثلاث جماعات تتكون من (٣٥) مجاهدا. وكنا نقوم بالتدريب النظري في ملجأ تحت الأرض (قبو) يقع عند مدخل (وادي عين الحوت). وانطلقنا للعمل بعد ذلك بشهر، فهاجمنا مراكز الشرطة الفرنسية، وأحرقنا المزارع، ودمرنا مجرى الماء الذي يصل إلى (بني بهدل) و (وهران). وتزايد عدد أفراد جماعاتنا باستمرار، بفضل انضمام الفارين من الجيش الفرنسي، والتحاق المدنيين ممن كانت تطاردهم الشرطة الفرنسية وتبحث عنهم فأصبحت قوتنا تضم (٥٦) مجاهدا. وتشكلت بذلك سريتنا، وأخذت هيئة أركان الولاية بتجهيزنا وإرسال الثياب العسكرية وخوذ الرأس والأسلحة. وتم تعميد السرية في كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨ في قرية (الزقاق) حيث تمت تسمية (زيتونة) قائدا للسرية - برتبة رتيب أول ثم مساعد - كما تمت تسمية رقيبين لقيادة الفصائل، يعاونهم أربعة من العرفاء، مع تعيين (محمد بوشاور) ليعمل معاونا لقائد السرية. وتعيين (روستان) ممرضا للسرية. وأصبح باستطاعة السرية تطوير عملياتها، والقيام بعدد أكبر من الإغارات والكمائن. وبات مسرح عمليات السرية يشمل (تلمسان) و (ضايا) و (الزفاف) و (بني الوزان) و (سيدي العبدلي) و (قصر

стр. 2128

حنون) و (وغابة بن ديمريد). وقد تم اتخاذ (اوزيدان) قاعدة لعمليات السرية، ومركزا لاستراحتها، ومقرا للرعاية الطبية التي كان يشرف عليها (الطبيب غوار). أعلمنا أحد المتطوعين الجدد في يوم من أيام رمضان (سنة ١٩٥٨) بإعادة تنظيم المنطقة الأولى، وتعيين عناصر جديدة من القادة والموجهين. وأعلمنا أيضا بأن القائد المسؤول (النقيب سي جبور) سيأتي لزيارتنا وتفقد أمورا. وفرحنا لهذا التطور، فقررا القيام بإغارة على (تلمان) احتفالا بهذه المناسة. وتم تحديد يوم ٢٧ رمضان المكرم موعدا لتنفيذ العملية. وكانت عملية ناجحة جاء (سي جبور) لزيارتنا بعد شهر رمضان المبارك. والتقطت السرية الصور التذكارية. وأقيم حفل استقبال بسيط في (غابة بن ديمريد) وعلمنا عندها بتفاصيل إعادة تنظيم المنطقة الأولى، وتقسيمها إلى قطاعات، وتكليف سريتنا بالعمل في حدود القطاع الرابع. وأصبح (زيتونة) هو قائد القطاع، وتم تعيين قائد جديد لقيادة السرية. ومضت فترة شهرين على ذلك، أمكن خلالها تنظيم أول فصيل في (الزقاق) - وذلك في حزيران - يونيو - ١٩٥٨. ولم نكن نعرف ونحن نحتفل بولادة الفصيلة في (الزقاق) أن هذا المكان ذاته سيشهد عما قريب مصرع السرية في المعركة المعروفة (بمعركة الزقاق). ذهب قائد سريتنا بمهمة إلى (قصر حنون) وكان علينا الالتحاق به غير أنه وصلنا أمر إنذاري في الساعة الرابعة صباحا عن تحرك رتل ضخم من الآليات والمركبات العسكرية للقوات الإفرنسية، على محرر (تلمسان) و (جسر الأيسر) و (رمشي). وهي قادمة من تلمسان بمهمة إجراء عملية مسح كبرى للمنطقة (تمشيطها).

стр. 2129

وإذن، فقد وقعنا في شرك محكم. وأسرعنا إلى العمل، فقسمنا قوتنا إلى أربع مجموعات، وتفرقنا مبتعدين عن الناحية (الدوار). حتى إذا ما أزفت الساعة السادسة، وصلتنا أصوات الطلقات الأولى لتعلن عن أول اشتباك مكشوف تخوضه قوتنا في السهل، وفي وضح النهار. وانطلقت النيران الغزيرة من كل مكان. وشاركت في المعركة كل أنواع الأسلحة؛ من عربات مدرعة ودبابات وطائرات عمودية (هيليكوبتر) وطائرات مقاتلة، حتى المدفعية ومدفعية الهاون التي كان لها دورها الكبير في المعركة. وانتشرت سحب الدخان الكثيف، لقد التهب الدوار بكامله. ولم يطل أمد المعركة بسبب عدم التكافؤ في القوى والوسائط، وأطبق الصمت على ميدان المعركة في الساعة (١٠٠٠) وبعد اشتباك استمر ساعتين فقط. ونتج عن الاشتباك سقوط طائرة إفرنسية واحتراق دبابتين بالقنابل الحارقة (كوكتيل مولوتوف) علاوة على سقوط عدد من أفراد قوات العدو بين قتيل وجريح. وخسر مجاهدونا سبعة شهداء وعشرة جرحى. لقد ساد الاعتقاد بأن المعركة قد انتهت، غير أن الطائرات عاودت هجومها في الساعة (١١٣٠) واستمرت أعمال القصف بالصواريخ وقنابل الغاز والمدافع الرشاشة لمدة ساعتين كاملتين. وفي الساعة (١٣٠٠) لم يكن قد بقي على قيد الحياة من قوة السرية، سوى ثلاثة من المجاهدين. أما بقية أفرادها فكانوا قد استشهدوا في ميدان الشرف. أما الثلاثة الذين فاتهم شرف الشهادة فهم (الأخضر) و (مولود) و (محمد بوشاور) فتوجهوا إلى (ودسكيكة) واختفوا في غدير من الماء تغطيه أعواد القصب الكثيف. وكمنوا هناك حتى الساعة (٢٠٠٠) وهو الوقت الذي كان يصل فيه المدنيون

стр. 2130

لنجدة الدوار، وتقديم المساعدة للمجاهدين. ووصل قائد القطاع (زيتونة). وشرع الجميع في حفر القبور لمواراة الشهداء ووداعهم، بعد معانقتهم واحدا بعد الآخر. لقد ماتت السرية. غير أنها لن تلبث حتى تعود للحياة مرة أخرى، بدم جديد .. استراحة في الغابة. لقاء الشعب مع جيشه وقادته

стр. 2131

٢ - ضباب الفجر (*) أقبل الشتاء قاسيا على بلاد القبائل، وبدأ المطر يتدفق بغزارة، ومن غير توقف أو انقطاع، منذ ساعات الفجر المبكر، ففاضت السواقي الكثيرة بما تحمله، واجتاحتها السيول التي فاضت مسرعة لتجتاح الطريق، وتصدم السدود بصوت هادر يصم الآذان، هذا فيما كان صخب المياه يتردد قويا وهو يتساقط كالشلال ليغمر الحقول ويكنسها، حتى لم يعد يظهر منها إلا تلك التلال المسودة التي تفصل فيما بين حقول السهل الفسيح. وباتت هذه التلال مطوقة بدوامات طينية مما حمله السيل الجارف وقذف به نحو النهر ليزيد من فيضانه. وكانت الأشجار العارية تنتصب قائمة، بلونها البني، فوق الأرض المغمورة بالمياه. فتشكل رسما نموذجيا للطبيعة الجامدة جمود الموت. حتى أنه ما من طائر وجد في نفسه الجرأة للطيران، واقتحام العاصفة، من أجل البحث عن ملجأ أكثر أمنا، بالرغم من المخاوف التي تكون قد انتابته من برودة الهواء الجليدي، ومن الضباب

стр. 2132

المحيط به. وكانت ريح عاصفة تجتاح السهل المقفر، غير حاملة ولو لورقة ميتة واحدة من أوراق الأشجار. لقد عجزت الريح عن التقاط ورقة تعزف عليها لحن الشتاء، فلم يكن هناك إلا الأغصان العارية التي تنتصب كالأذرع السود ترفع أصابعها نحو السماء، أو هي كالهياكل المشوهة الممزقة. فهنا وهناك، تظهر جذوع الأشجار المبتورة. وإلى جانبها القذائف الصدئة، تذكر كل من يمر بها أنه يعبر منطقة حربية. ولعل يد الطبيعة لم تكن كافية وحدها لتشويه هذا المنظر الطبيعي - الشتوي - فجاءت يد الانسان لتزيد في قسوتها على قسوة الطبيعة، ولتبرز معالم التشوه في الحياة الميتة. وفي هذه المرة حمل الإنسان بنفسه قدرة التشويه بقذف قنابله المدمرة. ... ارتسم شبح أسود، كان يسير على الطريق الرئيسي الواصل من (بورت - غويدون) إلى (غيط شفة) على بعد كيلومتر واحد من وادي (سيدي خليفة) وذلك في الساعة الواحدة من بعد الظهر. ولم يكن ذلك الشبح سوى خيال رجل يسير متمهلا وهو يصارع الريح، غير مهتم بأمر السيول المتدفقة من السماء والتي كانت تتمزق على ثيابه الملتصقة بجسده. ولم تكن الثياب في حقيقتها أكثر من ملابس خلقة تنم عن بؤس صاحبها. وكانت المياه التي تسيل متصلة فوق أرض الطريق، تمر عبر الحذاء الممزق المهتريء، تدخل إليه وتخرج منه، مع كل خطوة يخطوها الرجل الشاب، وهو يتقدم على الطريق المقفر. وكان الرجل الشاب، يلبس بنطالا من نسيج أزرق اللون، يلتصق بصورة ضيقة على ساقيه، مع سترة سوداء مهترئة عند مرفقيها (جاكيت). أما الوجه الذي لم يعرف الحلاقة منذ مدة على ما يظهر، فإنه لم يكن هناك ما يحميه من لسعات المطر القاسية. المحيط به. وكانت ريح عاصفة تجتاح السهل المقفر، غير حاملة ولو لورقة ميتة واحدة من أوراق الأشجار. لقد عجزت الريح عن التقاط ورقة تعزف عليها لحن الشتاء، فلم يكن هناك إلا الأغصان العارية التي تنتصب كالأذرع السود ترفع أصابعها نحو السماء، أو هي كالهياكل المشوهة الممزقة. فهنا وهناك، تظهر جذوع الأشجار المبتورة. وإلى جانبها القذائف الصدئة، تذكر كل من يمر بها أنه يعبر منطقة حربية. ولعل يد الطبيعة لم تكن كافية وحدها لتشويه هذا المنظر الطبيعي - الشتوي - فجاءت يد الانسان لتزيد في قسوتها على قسوة الطبيعة، ولتبرز معالم التشوه في الحياة الميتة. وفي هذه المرة حمل الإنسان بنفسه قدرة التشويه بقذف قنابله المدمرة. ... ارتسم شبح أسود، كان يسير على الطريق الرئيسي الواصل من (بورت - غويدون) إلى (غيط شفة) على بعد كيلومتر واحد من وادي (سيدي خليفة) وذلك في الساعة الواحدة من بعد الظهر. ولم يكن ذلك الشبح سوى خيال رجل يسير متمهلا وهو يصارع الريح، غير مهتم بأمر السيول المتدفقة من السماء والتي كانت تتمزق على ثيابه الملتصقة بجسده. ولم تكن الثياب في حقيقتها أكثر من ملابس خلقة تنم عن بؤس صاحبها. وكانت المياه التي تسيل متصلة فوق أرض الطريق، تمر عبر الحذاء الممزق المهتريء، تدخل إليه وتخرج منه، مع كل خطوة يخطوها الرجل الشاب، وهو يتقدم على الطريق المقفر. وكان الرجل الشاب، يلبس بنطالا من نسيج أزرق اللون، يلتصق بصورة ضيقة على ساقيه، مع سترة سوداء مهترئة عند مرفقيها (جاكيت). أما الوجه الذي لم يعرف الحلاقة منذ مدة على ما يظهر، فإنه لم يكن هناك ما يحميه من لسعات المطر القاسية.

стр. 2133

وبالرغم من ذلك كله، فقد تابع - الرجل الشاب - سيره باستمرار، وبخطوات هادئة متزنة؛ وكان كل ما يفعله عندما تشتد المطر قوة وعنفا، هو أن يضم إليه أطراف سترته، ويثبتها بالشد عليها بمرفقيه. كانت هناك بعض الشجيرات دائمة الخضرة، تقف بأغصانها المرنة الضعيفة، ثم تنحني وتنهض على التتابع، وتترنح يمنة ويسرة، حتى كأنها ترقص على نغمات الريح العاصفة. وأثناء ذلك، كانت سيول الأمطار المتدفقة بقوة، قد حملت معها المزيد من الكتل الطينية، وقذفت بها على أرض الطريق. مما زاد من عناء المسير ومشقته، فلم يصل - الفتى الشاب إلى وادي (سيدي خليفة) إلا وقد استنزفت قوته، فمضى يستريح تحت أغصان شجرة زيتون هرمة، وأمله هو أن تتيح له هذه الاستراحة القصيرة فرصة لاستعادة أنفاسه، واستعادة بعض ما فقده من قوته، استعدادا للحظة اللقاء الذي سينسيه ما تعرض له من معاناة، وما احتمله جسده من سياط العدو اللاهبة. نظر الرجل الشاب فيما حوله بعين حذرة، وهو يستعيد صور هذه المشاهد الطبيعية، فأنكرها، حتى كأنه لم يشاهدها منذ وقت بعيد، أو حتى كأنه لم يرها من قبل أبدا. وفي الحقيقة، فإن هذا - الرجل الشاب - لم يطأ بقدميه أرض منطقته، ومسقط رأسه، منذ أربعة أعوام. لقد تم اعتقاله في كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٤ ومعه خمسة رجال من قريته (ولكحو) بالإضافة إلى عدد من شبان القرى المجاورة. وأعدم الافرنسيون شابين من المعتقلين في اليوم التالي لاعتقالهما (في معسكر غيط شفة). بينما تم إلقاء الآخرين في معتقل (بورت غويدون).

стр. 2134

بقايا قنابل النابالم

стр. 2135

أما الرجل الشاب (واسمه سليمان عرودكي) فقد تم نقله بعد سنة من اعتقاله إلى سجن (تيزي - اوزو) ليقضي فيه ثلاث سنوات أخرى. وفي النهاية، قرروا إطلاق سراحه، فنقلوه صباح هذا اليوم مع قافلة عسكرية إلى (بورت - غويدون) وأنزلوه هناك، وبقي عليه أن يسير على قدميه، تحت هذه الأمطار الغزيرة، حتى يصل إلى قريته (ولكحو). خلال هذه الفترة، أخذت سيول الأمطار في التخفيف من حدة هبوطها الجامح، وها هي الآن قطرات المياه تتساقط بحبات صغيرة، أشبه ما تكون بالرذاذ، محدثة موجات خفيفة تتلاطم على جنبات الحاجزين القائمين على طرفي الطريق. ونهض (سليمان) وقد التصقت ثيابه بجسمه، واستأنف سيره على طريق الوادي الذي تضخم تحت بصره بطريقة عجيبة. وبقيت المياه الطينية تتدفق بهدير صاخب وهي تتكسر على أقواس الجسر المعدني، الذي ما كاد (سليمان) يعبره حتى سار على الطريق الرئيسي الذي يصل إلى قريته. وأحنى رأسه مطرقا وهو يتأمل بنظرة مشفقة أصابع قدميه الحمراء وقد برزت من فتحات حذائه المطاطي الممزق، المهترىء. غير أنه لم يلبث أن رفع رأسه بصورة آلية، وركز نظره على كوخ مجاور كانت تفوح منه رائحة الشواء المدخن. وشعر (سليمان) بغتة بحاجة مسلحة للدفء، واهتز جسده كله إذ اجتاحته رعدة طويلة. وقال في نفسه: (إنهم، لا بد، يطهون الطعام هناك!) ثم انتقل بنظره إلى سحب الدخان المتصاعدة من مداخن المنازل وشعر عندها بتقلص حاد في معدته، وتذكر أنه جائع، فهو لم يطعم شيئا هذا النهار، غير أن اقترابه من قريته صرف عنه الشعور بالجوع ليحل محله شعور بالهيجان، وأخذ وجيب قلبه

стр. 2136

يتردد في أذنيه بدقات متسارعة. فزاد من نشاط خطوه، وتركز نظره على المعسكر القائم فوق القمة، والذي كان لا بد من المرور فيه، قبل التوجه إلى القرية. عادت الأمطار إلى التدفق بمثل معدلها السابق. وأسرع (سليمان) في سيره مدفوعا بحافزين: أولهما - المطر المنهمر، وثانيهما - الشوق للقاء الأهل. وعلى هذا فما أن غادر الثكنة العسكرية - المعسكر - وابتعد مائة خطوة، حتى انبسطت القرية أمام بصره بوضوح تام. ... وقف (سليمان) ذاهلا، وقد فغر فاه لهول ما يرى، فلشد ما تغيرت قريته التي كان يعرفها، وبات لزاما عليه بذل جهد كبير لقراءة ملامح المشهد الذي يقابله. لقد تحولت معظم المنازل التي كان (سليمان) يتوقع رؤيتها، وأصبحت كومة من الأنقاض، أو اختفت بصورة تامة من ظهر الوجود، لتترك في مكانها أشرطة أرضية ضيقة، كما برزت منازل أخرى، معظمها من التوتياء، قامت على مقربة من أنقاض المنازل القديمة، أو فوق الأماكن التي كانت بيوتا وزالت. وقادته قدماه غريزيا إلى حيث مسقط رأسه ومرتع صباه، فلم يجد إلا كومة من الأنقاض. وجمد في مكانه، ووقف برهة طويلة ينظر بعين غاضبة إلى هذه الحجارة التي طالما سحرته، ولم يعد يشعر بالأمطار المنسابة على وجهه. غير أن صوت رجل كهل انتزعه من شروده، وهو يخاطبه بقوله: (ألست أنت ابن سليمان ايدير؟!) وأقبل الكهل على معانقة (سليمان) من غير أن ينتظر الإجابة على سؤاله - ثم قال له: (حمدا لله على عودتك سالما - إنك تجهل يقينا السكن الجديد لأهلك! هيا

стр. 2137

اتبعني وسأرشدك إليه). سار (سليمان) عشرات الخطوات، وقف بعدها أمام كوخ خشبي، وابتعد الرجل الكهل، ووقف (سليمان) برهة تحت المطر، أقدم بعدها على دفع الباب المهتز دفعا يسيرا، وبرفق. كانت أمه جالسة بالقرب من الموقد، وما أن سمعت صرير الباب حتى استدارت، وندت عنها صرخة اختلط فيها الذعر بالفرح. إنه حلم وقد تحول إلى حقيقة، فها هو ابنها يقف أمامها. أما (سليمان) فقد وقف برهة، زائغ النظرات، باسط الذراعين، ثم لم يلبث أن طرح عنه ثوب الجمود وهو يرى أمه تسير مندفعة نحوه لتعانقه وهي تجهش بالبكاء، وتدمدم بكلمات الشكر لله. وفي الوقت ذاته، كان والد سليمان وأخته يندفعان نحوه، وعانقه الثلاثة في وقت واحد. وجلس (سليمان) بعد هذا اللقاء العاطفي المثير يتأمل والديه. كانت والدته شديدة الشحوب، وقد أحاطت بعينيها هالة زرقاء. وفزع (سليمان) وهو يرى وجه أمه على مثل هذا الشحوب الذي يحاكي شحوب وجوه الموتى. وسألها: (ما بك يا أماه؟ هل تشكين مرضا؟) وانتزعت المرأة العجوز ابتسامة في محاولة منها لتطمئن من قلق ابنها غير أن هذه الابتسامة لم تلبث أن ماتت على شفتيها وهي تهمس بكلمات لم تصل سمع ابنها الذي أخد يتجول بنظره دوريا وهو يتأمل وجوه أبيه وأخته وأمه. وها هو يثبت نظرته على وجه والده الذي لم يبق منه إلا جلد يلتصق بالعظم. أما أخته فقد تركها وليس لها من العمر إلا ثلاثة عشر عاما، وها هي أمامه الآن وقد نضجت وأصبحت صبية حلوة، غير أنه لم يكن يستر جسدها الغض أكثر من خرق بالية وأثمال عتيقة. وشعر (سليمان) بألم يعتصر كيانه، وضيق شديد في صدره، وهو يرى

стр. 2138

بؤس الحياة من خلال رؤيته لثياب أخته، ونسي أن ثيابه لم تكن أفضل من ثياب أخته. ومضى (سليمان) في صمت عميق. كما لو كان ينتظر أحدا، وأخيرا عيل صبره، فسأل أمه: (وأين هو أخي - عقلي -؟). وتبدلت ملامح الأم بغتة، فارتسمت إمارات الذعر على وجهها، وتقلص فمها، وأجهشت بالبكاء، ولحقت بها ابنتها فشاركتها بكاءها ونحيبها. وشعر (سليمان) وكأن خنجرا حادا يمزق صدره، وأحس بعبء ثقيل وقد سقط فوقه وسحق جسده، وتطلع ببصره إلى الوجوه حوله، متسائلا، مستعطفا، ملحا على إجابة لم يجدها إلا على شفتي أبيه، اللتين ارتجفتا وهما تنطقان صوتا مخنوقا: (أجل! استشهد! لقد قتلوه!). وانتاب (سليمان) إحساس بالضياع، ووجد نفسه ذاهلا، وسقط رأسه بين يديه عاد المطر إلى تدفقه الصاخب، وأخذت قطرات من المياه بالتسلل عبر ثقوب السقف. وهبت ريح عاصفة مزمجرة وهي تصدم الأغصان، لتنساب بعد ذلك على شكل نسمات حلوة رقيقة، انتعشت لها نفوس من في الكوخ، وكأنها الصوت الوحيد الذي أراد أن يشارك في ذكرى البائس (عقلي) بعزف تعبيرات حزينة شجية. كان مصباح البترول (الفانوس) يرسل أشعة متراقصة ضعيفة، ترتسم على الجدران في أشكال أشباح ميتة. ونظرا لشدة البرد، فقد التف أفراد العائلة حول نار الموقد، بينما كانت ريح الإعصار في الخارج تعزف باستمرار (اللحن الحزين). وهيمن الصمت الجنائزي على الجميع. لم تكن بهم حاجة للحديث، إذ كان كل واحد منهم يعرف ما يفكر به الآخرون. وتركز المنزل جميعه، وبمن

стр. 2139

فيه على ذكرى الراحل الذي لا زال قبره رطبا نديا، وجاءت الأمطار الآن لترويه. ولعل روح (عقلي) كانت ترفرف في تلك اللحظة فوق المنزل المهتز، وخرق (سليمان) جدار الصمت، وهو يقول بلهجة حازمة: (أبتاه! أريد أن أخرج أنا أيضا). كان الأب يعرف يقينا ما تعنيه كلمة (الخروج). ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد جاءت هذه الجملة بمثابة ضربة مباغتة أذهلته، ونظر في وجه ابنه مستوضحا متسائلا، ولم يتركه (سليمان) في حيرته، فعاد يلفظ كلماته بلهجة أكثر تصميما، وأكثر ثباتا، وهو يقول: (نعم! سأخرج لألتحق بالثوار - الماكي -). كانت الأم منطوية على ذاتها وهي أقرب ما تكون إلى الموقد، فانتفضت من غفوتها، وكأن صاعقة نزلت على رأسها لدى سماع الكلمات التي لفظها ابنها (الثوار - الماكي). فهل أراد لها الله أن تفجع بإبنها هذا أيضا، والذي سيلقى ذات المصير الذي نزل بإبنها الآخر؟ لا! إنها لن تسمح بأن يأخذوا منها هذا! كلا، إنها لن تسمح له بالخروج. هل يجب عليها أن تجاهد وحدها ضد هذا العالم؟ غير أن هذا الهيجان لم يلبث أن تلاشى بغتة - كما ظهر -. فلماذا تعترض سبيل ابنها وتمنعه من الخروج؟ قد يكون الخطر الذي يتهدد القرية، ويجتاحها باستمرار، أكبر من ذلك الخطر الذي يتعرض له الثوار. وعند هذه الفكرة، تركت رأسها يسقط بين يديها، وعادت إلى غفوتها، وما لبثت أن راحت في نوم عميق. وتبعها ابنها (سليمان) الذي ما لبث طويلا حتى راح غارقا في نوم عميق. غير أن حلما مفزعا هز كيانه: (لقد رأى فيما يراه النائم، بأنه يسير في غابة كبيرة - إنها الغابة التي عرفها جيدا منذ أيام مراهقته - يرعى فيها الماعز، عندما ظهر له أخوه (عقلي) بغتة وهو يقترب

стр. 2140

منه، بوجه أصفر، وبصدر تنزف منه الدماء. ورأى (سليمان) بأنه أسرع إلى إخيه يسأله عما به بإلحاح. غير أن هذا لم ينظر إليه، وبقي صامتا كعادته، وهو ينظر إلى الأفق البعيد. واحتفظ بصمته متجاهلا إلحاح أخيه وتوسلاته. وبغتة حرك شفتيه لينطق بكلمة، غير أنه لم يقلها، وترك جسده يتهاوى على قدمي أخيه (سليمان). وعند هذه النهاية، استيقظ سليمان من نومه، وقفز من مضجعه) نظر (سليمان) فيما حوله، فرأى أن مصباح البترول (الفانوس) لا يزال يرسل أشعته ورأى على ضوء المصباح أن أباه هو الوحيد الذي لا زال يقاوم النعاس، فقال لابنه بصوته الجبلي الخشن وهو يراه ينهض مذعورا: (هل انتابك هاجس؟ كابوس؟). تردد (سليمان) قليلا قبل أن يجيب، ثم قال بصوت متعب - كلا -! غير أن صوته اكتسب بغتة لهجة التصميم والحزم. وهو يقول: سأخرج. ثم تابع حديثه، من غير أن يتوقف لسماع كلمات والده، فقال: (من المحال الاستمرار في مثل هذه الحياة: احتقار في النهار، وخجل في الليل، وتوقع الموت في كل دقيقة، والوقوف موقف العجز ونحن نرى جند الافرنسيين ينتزعون منا زوجاتنا وأخواتنا. ما هذا العيش كأنصاف الرجال؟ وما هذه الحياة التي سيزهقها الافرنسيون إن عاجلا أو آجلا. يجب أن يعيش الانسان حياة السجن حتى يعرف قدر ما يعانيه شعبنا من صنوف الاذلال والاهانات والتحقير والحرمان والضرب والتعذيب والتشويه. هناك، عندما يطلب المرء أن يشرب، يضعون رأسه في طبق يطفح بالبولة ... تعذيب .. وتشويه وحشي.
следующие страницы →