يتردد في أذنيه بدقات متسارعة. فزاد من نشاط خطوه، وتركز نظره على المعسكر القائم فوق القمة، والذي كان لا بد من المرور فيه، قبل التوجه إلى القرية.
عادت الأمطار إلى التدفق بمثل معدلها السابق. وأسرع (سليمان) في سيره مدفوعا بحافزين: أولهما - المطر المنهمر، وثانيهما - الشوق للقاء الأهل. وعلى هذا فما أن غادر الثكنة العسكرية - المعسكر - وابتعد مائة خطوة، حتى انبسطت القرية أمام بصره بوضوح تام.
...
وقف (سليمان) ذاهلا، وقد فغر فاه لهول ما يرى، فلشد ما تغيرت قريته التي كان يعرفها، وبات لزاما عليه بذل جهد كبير لقراءة ملامح المشهد الذي يقابله. لقد تحولت معظم المنازل التي كان (سليمان) يتوقع رؤيتها، وأصبحت كومة من الأنقاض، أو اختفت بصورة تامة من ظهر الوجود، لتترك في مكانها أشرطة أرضية ضيقة، كما برزت منازل أخرى، معظمها من التوتياء، قامت على مقربة من أنقاض المنازل القديمة، أو فوق الأماكن التي كانت بيوتا وزالت. وقادته قدماه غريزيا إلى حيث مسقط رأسه ومرتع صباه، فلم يجد إلا كومة من الأنقاض. وجمد في مكانه، ووقف برهة طويلة ينظر بعين غاضبة إلى هذه الحجارة التي طالما سحرته، ولم يعد يشعر بالأمطار المنسابة على وجهه.
غير أن صوت رجل كهل انتزعه من شروده، وهو يخاطبه بقوله: (ألست أنت ابن سليمان ايدير؟!) وأقبل الكهل على معانقة (سليمان) من غير أن ينتظر الإجابة على سؤاله - ثم قال له: (حمدا لله على عودتك سالما - إنك تجهل يقينا السكن الجديد لأهلك! هيا
стр. 2137
اتبعني وسأرشدك إليه). سار (سليمان) عشرات الخطوات، وقف بعدها أمام كوخ خشبي، وابتعد الرجل الكهل، ووقف (سليمان) برهة تحت المطر، أقدم بعدها على دفع الباب المهتز دفعا يسيرا، وبرفق. كانت أمه جالسة بالقرب من الموقد، وما أن سمعت صرير الباب حتى استدارت، وندت عنها صرخة اختلط فيها الذعر بالفرح. إنه حلم وقد تحول إلى حقيقة، فها هو ابنها يقف أمامها. أما (سليمان) فقد وقف برهة، زائغ النظرات، باسط الذراعين، ثم لم يلبث أن طرح عنه ثوب الجمود وهو يرى أمه تسير مندفعة نحوه لتعانقه وهي تجهش بالبكاء، وتدمدم بكلمات الشكر لله. وفي الوقت ذاته، كان والد سليمان وأخته يندفعان نحوه، وعانقه الثلاثة في وقت واحد. وجلس (سليمان) بعد هذا اللقاء العاطفي المثير يتأمل والديه.
كانت والدته شديدة الشحوب، وقد أحاطت بعينيها هالة زرقاء. وفزع (سليمان) وهو يرى وجه أمه على مثل هذا الشحوب الذي يحاكي شحوب وجوه الموتى. وسألها: (ما بك يا أماه؟ هل تشكين مرضا؟) وانتزعت المرأة العجوز ابتسامة في محاولة منها لتطمئن من قلق ابنها غير أن هذه الابتسامة لم تلبث أن ماتت على شفتيها وهي تهمس بكلمات لم تصل سمع ابنها الذي أخد يتجول بنظره دوريا وهو يتأمل وجوه أبيه وأخته وأمه.
وها هو يثبت نظرته على وجه والده الذي لم يبق منه إلا جلد يلتصق بالعظم. أما أخته فقد تركها وليس لها من العمر إلا ثلاثة عشر عاما، وها هي أمامه الآن وقد نضجت وأصبحت صبية حلوة، غير أنه لم يكن يستر جسدها الغض أكثر من خرق بالية وأثمال عتيقة. وشعر (سليمان) بألم يعتصر كيانه، وضيق شديد في صدره، وهو يرى
стр. 2138
بؤس الحياة من خلال رؤيته لثياب أخته، ونسي أن ثيابه لم تكن أفضل من ثياب أخته.
ومضى (سليمان) في صمت عميق. كما لو كان ينتظر أحدا، وأخيرا عيل صبره، فسأل أمه: (وأين هو أخي - عقلي -؟). وتبدلت ملامح الأم بغتة، فارتسمت إمارات الذعر على وجهها، وتقلص فمها، وأجهشت بالبكاء، ولحقت بها ابنتها فشاركتها بكاءها ونحيبها. وشعر (سليمان) وكأن خنجرا حادا يمزق صدره، وأحس بعبء ثقيل وقد سقط فوقه وسحق جسده، وتطلع ببصره إلى الوجوه حوله، متسائلا، مستعطفا، ملحا على إجابة لم يجدها إلا على شفتي أبيه، اللتين ارتجفتا وهما تنطقان صوتا مخنوقا:
(أجل! استشهد! لقد قتلوه!).
وانتاب (سليمان) إحساس بالضياع، ووجد نفسه ذاهلا، وسقط رأسه بين يديه عاد المطر إلى تدفقه الصاخب، وأخذت قطرات من المياه بالتسلل عبر ثقوب السقف. وهبت ريح عاصفة مزمجرة وهي تصدم الأغصان، لتنساب بعد ذلك على شكل نسمات حلوة رقيقة، انتعشت لها نفوس من في الكوخ، وكأنها الصوت الوحيد الذي أراد أن يشارك في ذكرى البائس (عقلي) بعزف تعبيرات حزينة شجية.
كان مصباح البترول (الفانوس) يرسل أشعة متراقصة ضعيفة، ترتسم على الجدران في أشكال أشباح ميتة. ونظرا لشدة البرد، فقد التف أفراد العائلة حول نار الموقد، بينما كانت ريح الإعصار في الخارج تعزف باستمرار (اللحن الحزين). وهيمن الصمت الجنائزي على الجميع. لم تكن بهم حاجة للحديث، إذ كان كل واحد منهم يعرف ما يفكر به الآخرون. وتركز المنزل جميعه، وبمن
стр. 2139
فيه على ذكرى الراحل الذي لا زال قبره رطبا نديا، وجاءت الأمطار الآن لترويه. ولعل روح (عقلي) كانت ترفرف في تلك اللحظة فوق المنزل المهتز، وخرق (سليمان) جدار الصمت، وهو يقول بلهجة حازمة: (أبتاه! أريد أن أخرج أنا أيضا).
كان الأب يعرف يقينا ما تعنيه كلمة (الخروج). ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد جاءت هذه الجملة بمثابة ضربة مباغتة أذهلته، ونظر في وجه ابنه مستوضحا متسائلا، ولم يتركه (سليمان) في حيرته، فعاد يلفظ كلماته بلهجة أكثر تصميما، وأكثر ثباتا، وهو يقول: (نعم! سأخرج لألتحق بالثوار - الماكي -).
كانت الأم منطوية على ذاتها وهي أقرب ما تكون إلى الموقد، فانتفضت من غفوتها، وكأن صاعقة نزلت على رأسها لدى سماع الكلمات التي لفظها ابنها (الثوار - الماكي). فهل أراد لها الله أن تفجع بإبنها هذا أيضا، والذي سيلقى ذات المصير الذي نزل بإبنها الآخر؟ لا! إنها لن تسمح بأن يأخذوا منها هذا! كلا، إنها لن تسمح له بالخروج. هل يجب عليها أن تجاهد وحدها ضد هذا العالم؟ غير أن هذا الهيجان لم يلبث أن تلاشى بغتة - كما ظهر -. فلماذا تعترض سبيل ابنها وتمنعه من الخروج؟ قد يكون الخطر الذي يتهدد القرية، ويجتاحها باستمرار، أكبر من ذلك الخطر الذي يتعرض له الثوار. وعند هذه الفكرة، تركت رأسها يسقط بين يديها، وعادت إلى غفوتها، وما لبثت أن راحت في نوم عميق. وتبعها ابنها (سليمان) الذي ما لبث طويلا حتى راح غارقا في نوم عميق. غير أن حلما مفزعا هز كيانه: (لقد رأى فيما يراه النائم، بأنه يسير في غابة كبيرة - إنها الغابة التي عرفها جيدا منذ أيام مراهقته - يرعى فيها الماعز، عندما ظهر له أخوه (عقلي) بغتة وهو يقترب
стр. 2140
منه، بوجه أصفر، وبصدر تنزف منه الدماء. ورأى (سليمان) بأنه أسرع إلى إخيه يسأله عما به بإلحاح. غير أن هذا لم ينظر إليه، وبقي صامتا كعادته، وهو ينظر إلى الأفق البعيد. واحتفظ بصمته متجاهلا إلحاح أخيه وتوسلاته. وبغتة حرك شفتيه لينطق بكلمة، غير أنه لم يقلها، وترك جسده يتهاوى على قدمي أخيه (سليمان). وعند هذه النهاية، استيقظ سليمان من نومه، وقفز من مضجعه) نظر (سليمان) فيما حوله، فرأى أن مصباح البترول (الفانوس) لا يزال يرسل أشعته ورأى على ضوء المصباح أن أباه هو الوحيد الذي لا زال يقاوم النعاس، فقال لابنه بصوته الجبلي الخشن وهو يراه ينهض مذعورا: (هل انتابك هاجس؟ كابوس؟).
تردد (سليمان) قليلا قبل أن يجيب، ثم قال بصوت متعب - كلا -! غير أن صوته اكتسب بغتة لهجة التصميم والحزم. وهو يقول: سأخرج. ثم تابع حديثه، من غير أن يتوقف لسماع كلمات والده، فقال:
(من المحال الاستمرار في مثل هذه الحياة: احتقار في النهار، وخجل في الليل، وتوقع الموت في كل دقيقة، والوقوف موقف العجز ونحن نرى جند الافرنسيين ينتزعون منا زوجاتنا وأخواتنا. ما هذا العيش كأنصاف الرجال؟ وما هذه الحياة التي سيزهقها الافرنسيون إن عاجلا أو آجلا. يجب أن يعيش الانسان حياة السجن حتى يعرف قدر ما يعانيه شعبنا من صنوف الاذلال والاهانات والتحقير والحرمان والضرب والتعذيب والتشويه. هناك، عندما يطلب المرء أن يشرب، يضعون رأسه في طبق يطفح بالبولة ... تعذيب .. وتشويه وحشي.
стр. 2141
لقد تعرفت في بداية فترة اعتقالي على شاب صغير، يفيض رجولة وشجاعة، شعره كستنائي، لا تفارق الابتسامة العذبة وجهه بالرغم من كل ما كان يتعرض له من آلام التعذيب. وفي يوم، أخذه الافرنسيون، وأشبعوه ضربا طوال فترة الصباح، وليس بإمكان أحد أن يعرف كيف تحول هذا الشاب الوديع إلى إنسان شرير يكره العالم كله اعتبارا من تلك اللحظة ... وعاد الافرنسيون فأخذوه مرة أخرى بعد أسبوع لتعذيبه من جديد، واقتلعوا في هذه المرة إحدى عينيه، وقطعوا له نصف أذنه. وفي الغد سمعناه يضحك ويغني وهو في زنزانته بصوت فقد كل الصفات الانسانية. لقد جن المسكين وفقد عقله. وهناك المئات، والآلاف، من أبناء الجزائر الذين يتعرضون لهذا المصير ذاته.
وفي السنة الماضية أراد رجلان - كنت قد تعرفت عليهما -الهرب من السجن، فعملا على حفر دهليز - نفق - من زنزانتهما، واستمرا في الحفر طويلا خلال الليل، أما في النهار فكانا يضعان التراب الذي يستخرجانه تحت الدف الخشبي الذي يستخدمانه فراشا لهما، ويموهان الفتحة بغطاء أيضا. وفي يوم، ظنا أنهما قد أوغلا في الحفر إلى درجة كافية. فدخلا الدهليز - النفق - الذي كان ينتهي لسوء الحظ بفتحة ضيقة (بالوعة). وظن الجميع أنهما تمكنا من الهرب. ولكن لم تمض سوى أيام قليلة، حتى انتشرت في السجن رائحة نتنة لا يمكن احتمالها. وأسرع حرس السجن لتوسيع الدهليز الذي حفره الرجلان بأيديهما، حتى إذا ما وصلوا إليهما، وجدوهما مختنقين، وقد أخذت جثتاهما بالتفسخ والتعفن ...).
توقف (سليمان) عن متابعة حديثه، وارتجف صوته، وانحدرت دموعه سخية على وجنتيه. ولم يعرف والده بماذا يحدثه،
стр. 2142
وقد بلغ منه التأثر غايته. وحرك فكيه كما لو كان يرغب في الحديث، غير أن الكلمات خانته، وأخيرا تمكن من النطق فقال لابنه: (أرى بأن أفضل ما يمكن عمله الآن هو أن تحاول العودة للنوم. إن ضوء الفجر سيبزغ عما قريب، وعليك أن تستريح).
تمدد (سليمان) على الأرض، بعد أن التحف الغطاء. وعاوده الحلم المزعج من جديد. غير أنه رأى نفسه في هذه المرة وهو في السجن، وفي موقف لم يتمكن من فهمه. لقد رأى نفسه وقد خان
إخوانه المعتقلين المجاهدين، وارتبط بالافرنسيين الذين قذفوا به في زنزانة مظلمة، بالرغم من خيانته لقومه. وانصرف عنه إخوانه المعتقلون وهم يشيرون إليه بايماءات الاحتقار، ويتوعدونه بالانتقام. أو ينظرون إليه بعيون غاضبة ملؤها التهديد. ووقع (سليمان) تحت هاجس الرعب، فحاول أن يشرح لهم الذرائع التي دفعته لاتخاذ موقفه. ولكن ما من أحد حاول الاستماع إليه، أو الاهتمام بذرائعه. فاقترب عندها، في ذلة، وعلى مهل من الشاب المجنون - والذي قص حكايته قبل قليل على والده - ووضع يده على كتفه في محاولة للتقرب منه والتحبب إليه. يا لحسن الحظ، لقد وجد أخيرا من يسمعه أو ربما يفهمه. وشرع في الاستعداد للتحدث إليه. غير أنه استيقظ من حلمه - في هذه اللحظة - على صياح ديك من المنزل المجاور. لقد طلع النهار، وتسللت إلى الكوخ بعض أشعة الشمس التي بددت ظلمته. كان أفراد العائلة قد استيقظوا جميعا. وكانوا يتحركون بصمت في محاولة منهم لعدم إيقاظ (سليمان) وتركه نائما حتى يستريح من عناء ما بذله من الجهد في اليوم السابق...غير أن صياح الديك أفسد كل شيء، وشرب (سليمان) قدحا من القهوة، وخرج إلى القرية، وكانت الأمطار
стр. 2143
التي استمرت في تدفقها طوال الليل، قد توقفت الآن. وجاءت أشعة الشمس الضعيفة لتغمر ذرى الجبال.
لم يصادف (سليمان) خلال جولته في القرية إلا ثلاثة من الشبان، وقلة من الكهول يظهر أنهم هربوا بدورهم من الحياة، فلجأوا إلى فناء الجامع (صحن المسجد) يعتصمون به. أما بقية الشبان، فكانوا إما قد أصبحوا مجاهدين في صفوف الثوار، أو قتلوا برصاص الافرنسيين: المنازل مدمرة مهدمة، ومجموعة من الأطفال البؤساء يتعثرون بين الأنقاض، ليؤكدوا أنه لا زال للحياة وجود على أرض هذه القرية. وعاد لسليمان شعوره بالعجز، هذا العجز الذي لازمه مرة وهو في السجن، ويلازمه الآن مرة أخرى وهو إلى جوار والديه وأخته. ومضى صامتا على طريق العودة إلى منزله. ومرت ساعات النهار. ونام (سليمان) بعد أن تناول طعام العشاء المتواضع.
...
استيقظ (سليمان) من نومه في منتصف الليل، وهو يشعر بإرهماق مزعج. لقد كانت قطرات العرق البارد تتصبب غزيرة من جبهته، وارتجف كما لو كان مصابا بالحمى غير أنه لم يلبث طويلا، حتى عاد واستغرق في نوم عميق. وعندما أفاق، كانت الظلمة المحيطة بالمنزل قد تبددت. فرأى والده جالسا في مواجهته، وهو يتأمله بعينيه الكليلتين. فشعر (سليمان) بالضيق لقد كان يفضل مغادرة المنزل، من غير أن يراه أحد. وها هو والده يقترب منه، ويمسك بيديه وهو يقول له:
(إذن! فقد اتخذت قرارك! وهل ستخرج اليوم؟).
وسيطرت على (سليمان) رغبة مباغتة للبكاء، فانحنى على
стр. 2144
رأس أبيه، غير أنه عاد فتجلد فورا، وتحامل على نفسه: إنها ليست اللحظة المناسبة للانفعال وتفجر العاطفة. ووقف، وبقفزة واحدة وصل إلى الباب. كانت الأم لا تزال نائمة، ولم تشعر بخروج إبنها. أفاد (سليمان) من بقايا عتمة الفجر لاجتياز سياج الأسلاك الشائكة الذي أقامه الافرنسيون لتطويق القرية وعزلها. وما هي إلا فترة قصيرة حتى كان في الغابة. وكان وصوله إليها، ووجوده فيها، كافيان لإثارة كل مشاعر البهجة في نفسه.
ثارت في نفس (سليمان) مجموعة من العواطف والانفعالات التي لا يمكن وصفها. وانتابته موجة من الحماسة الدافقة، فأخذت دقات قلبه في التسارع. وتوقف عن السير حتى يفسح لأفكاره الفرصة للانطلاق، فكانت كل حركة في هذا الصمت الرائع كافية لإفساد خلوته مع نفسه، وقطع تسلسل أفكاره. إنه يشعر بقوة جديدة تهز كيانه، قوة كلها رغبة في العمل. إنه يدرك تماما بأنه أصبح رجلا. وها هي نظراته التي يمتزج فيها الغضب والتحدي بالتقزز والنفور، وهي تتجه إلى الثكنة العسكرية التي لا زالت نائمة. وفي وسطها الظلام الحالك.
كان شعوره بالفرحة يتعاظم بصورة نسبية مع تعاظم أفكاره، حتى بلغت البهجة درجة من القوة بات من الصعب عليه البقاء ساكنا، فانطلق يثير الصخب في الغابة الصامتة، يركض تارة، ويتمهل في مشيه مرة أخرى، ويرسل صوته عاليا ليستمع إلى صداه. لقد شعر أنه يستمتع بحريته إلى أبعد الحدود. وملأ رئتيه بهواء الجبال النقي المنعش، فالهواء هنا يعبق بشذي (الراتنج) ورائحة الشجيرات دائمة الخضرة. ومر في خاطره طيف سجن (تيزي - أوزو) كومضة البرق. فأغمض جفنيه، وأخفى عينيه، وكأنهما تعبتا
стр. 2145
من مجرد الذكرى التي جاءت لتفسد عليه متعة الحرية. وانتابه دوار في رأسه، فتركه يستند إلى يديه. واستراح قليلا. وعندما نهض من جديد، كانت نظراته تحمل بريقا جديدا، وشعر بتيار الحياة يحيط به، ويحمله إلى آفاق لا نهاية لها. إنها آفاق تعبق بكل شذى الغابة.
فهنا الحرية، وهنا الانتقام.
الانتقام لأخيه، والانتقام للمعتقلين في سجن (تيزي - أوزو). وارتفعت الشمس فوق ذرى الجبال الشماء، مرسلة الدفء إلى الأرض، وهي تسبح في زرقة السماء الصافية.
هنا، الشمس، والنور، والحياة.
لقد تبدد (ضباب الفجر) ووصل إلى نهايته.
لم يستمتع (سليمان) بهذه الحرية أكثر من يوم واحد، ففي اليوم التالي شعر برصاصات تمزق صدره آثناء أول اشتباك له مع العدو.
وحمله الافرنسيون إلى القرية، ووضعوه في فناء المسجد - الجامع - وقد أحاطت بجثته غلالة أرجوانية قانية تحميه من الخضوع للأعداء. وتكفيه مؤونة الانتقام القريب. وهناك، في جوف كوخ حمل تجاوزا اسم - منزل - انطلقت صرخة حادة طويلة، إنها صرخة انطلقت من قلب خرج عن موضعه وقد انغرست فيه الأظافر. لقد كان ذلك القلب هو قلب امرأة، أم، أصابها الجنون.
стр. 2146
٣ - المهمة الأولى (*)
تقع قرية (بورقيقة) الصغيرة على بعد (٩٠) كيلو مترا من العاصمة (الجزائر) وإلى الغرب منها. وكان يعيش فيها (في شهر شباط - فبراير - سنة ١٩٥٨) مواطنوها الذين كان من بينهم أربعة شبان تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة، والثلاثين عاما وكان هؤلاء - شأنهم شأن بقية سكان القرى - يعملون في زراعة الحقول وتربية المواشي. وكان يظهر للوهلة الأولى، أن الحياة في هذه القرية هادئة، وخالية من كل إثارة، باستثناء ما كان يحدث بين فترة وأخرى من مرور عربات نقل الجند الكبيرة للقوات الافرنسية، وهي تتسلق الدروب الضيقة، والممرات الملتوية المتعرجة، في طريقها إلى الجبال المجاورة: هذا في النهار، أما في الليل، فكان الصراخ والعويل هو مما يعكر صفو سكونه ويمزق هدوءه.
وفي الحقيقة، فقد كانت صرخات النساء وصيحاتهن تتردد في
стр. 2147
كل ليلة. وهي تنطلق من الدواوير (النواحي) المجاورة والقريبة.
وفي الصباح المبكر، تسير الهمسات والوشوشات من بيت إلى بيت لتنقل ما حدث: فهنا تم اعتقال (قدور) عند منتصف الليل، وهناك، تعرض (صلاح) للضرب والتعذيب، أمام زوجته الباكية وأطفاله المنتحبين، ثم اعتقلوه. وفي وسط هذا المناخ، قرر الشبان الأربعة الانضمام إلى المجاهدين، والسير على طريق الثورة. فهل كان حب المغامرة الذي يلازم هذه المرحلة من عمر الشباب هو الحافز الأقوى الذي دفعهم لاتخاذ قرارهم؟ أم هو حب الحرية والتعطش إليها كان حافزهم الأقوى؟
لقد كان الفلاحون في حقولهم يتهامسون بصوت خافت عن إمكانية الاتصال بالمجاهدين الذين ينتشرون في الجبال القريبة جدا. وعلى هذا تم تكليف (أحمد بوفان) بإجراء الاتصال مع الثوار، إذ كان يقطن في دوار منعزل، وكان عمه من مجاهدي جيش التحرير الوطني.
انتظر الشبان الأربعة طوال عشرة أيام، وكانت فترة انتظارهم كئيبة ومديدة. وأخيرا، أقبل اليوم العظيم، فقد أعلمهم (بوفان) أنه تم تحديد مكان الالتقاء - عند النهر الذي كان يحمل اسم، جيرمين -. واستعد الشبان الأربعة لهذا اللقاء، وهم حمدي - أكبرهم سنا، وأحمد مصراوي، وتومي، وأنا - مروان شايب -. وعلمنا أن اللقاء سيتم مع الموجه السياسي (سي جلالي) الذي كان سيقابلنا في كرم زيتون (سيدي بودروه) وذلك في الساعة (٢٣٠٠) تقريبا.
لقد جاء خبر اللقاء ليترك الشبان الأربعة في حالة من الدهشة والذهول، إذ أنهم سيتعرفون على واحد من هؤلاء المجاهدين
стр. 2148
الأسطوريين، وسيكون باستطاعتهم التحدث إليه، ومصافحته، إنه شيء لا يكاد يصدق.
ولما كان الموعد في اليوم الثالث من رمضان، فقد تساءل الشبان عما يجب عليهم عمله: الاستمرار في الصيام أم الإفطار؟ غير أنه ما من أحد منهم تجرأ على اتخاذ القرار بانتهاك حرمة الشهر الفضيل. وأخيرا طرق الموضوع أكبرهم سنا (حمدي) وقال لهم: (تعرفون يا إخوتي أن الطريق شاق وطويل، وستكون مثقلين بما نحمله من المتاع، ولا بد لنا من الإفطار حتى نسد رمقنا بشيء من الطعام والماء). وعاد الجميع إلى منزل (حمدي) ودخلوه واحدا بعد الآخر، بفواصل زمنية، حتى لا يثير دخولهم انتباه أحد من الجوار. وكانت هناك مائدة في غرفة من الغرف، عليها الخبز والسردين وعلبة جبن. ونظر بعضهم إلى بعض بظرات الفزع قبل أن يفطروا. وعند أول لقمة شعر كل واحد منهم بغصة في حلقه، وتضخمت اللقمة حتى كادت تستعصي على البلع. وكانت عقارب الساعة تقترب من الخامسة مساء (١٧٠٠) عندما استعد الشبان الأربعة للخروج. ففي هذه الساعة تقفر الشوارع من السابلة، وعتمة الغروب تكاد تكون مظلمة، وانطلق الشبان واحدا بعد الآخر - من المنزل -. وسلكوا طريق المدينة الذي سيصل بهم إلى الجبل الواقع على بعد سبعة كيلومترات تقريبا. ولدى مرورهم بأحد منازل المدينة، وصلتهم ضحكات عائلة جلس أفرادها إلى طاولة الطعام؛ وأثار ذلك في قلوبهم شيئا من المشاعر المتناقضة - إذ كان سكان منازل المدينة من الأوروبيين -.
باتت الظلمة قاتمة، وهناك، على البعد موعدنا، حيث كتلة الجبل القاتمة، والتي يقع على منحدرها كرم أشجار الزيتون
.
стр. 2149
والتصق كل واحد منا بإخوانه، ونحن نتقدم بخطوات نشطة (والخوف يمسك بقلوبنا). ووصلنا إلى مكان الموعد - تحت الأشجار - وبوغتنا مباغتة لم نكن نتوقعها، فما من أحد ينتظر وصولنا! وكان لزاما أن (يكونوا) هنا. ولم نتمكن من إيجاد تفسير لهذا الحظ العاثر. وكان لا بد من اتخاذ قرار عاجل: ذلك أننا إذا بقينا هنا، فقد نقع في قبضة (الحركيين) الذين يقودهم (مراد) والذين اشتهروا في كل مكان بقوتهم ووحشيتهم. وسرعان ما تسلق كل واحد منا شجرة من الأشجار، ومكثنا ننتظر، ومرت نصف ساعة ونحن على ذلك، عندما ارتسم على خط الذرى، وبصورة مباغتة، هياكل متحركة تحمل بواريدها. وبلغ منا الخوف غايته فهل هؤلاء من المجاهدين الجنود أم هم من الحركيين - الأعداء -؟ وهل يجب أن ننزل إليهم من مخابئنا، أم يجب البقاء على الأشجار؟ .. ماذا نفعل؟ وكان لا بد من اتخاذ قرار فوري. فقفزت من على غصن شجرتي. وطلبت إلى الآخرين بألا يتحركوا عن أماكنهم. واتجهت نحو تلك الهياكل، وتوقفت على بعد خمسين مترا منها، وصحت بصوت قوي:
- من أنتم؟
- تونس، وأنت؟
- القمر!
كانت تلك هي كلمات التعارف المتفق عليها. وقفز قلبي من موضعه. وسمع إخواني الكلمات المتبادلة، فقفزوا على الأرض، وأحيط بنا من كل جانب. وطلب إلينا الجنود المجاهدون إعطاءهم معلومات عن أهلهم وأصدقائهم، وتناقشنا، وضحكنا، وأكلنا الكعك. وأعطانا (سي جلالي) قنبلتين يدويتين ومسدسا. وكلفنا
стр. 2150
بإلقاء قنبلة في (مقهى باريس) وهذه هي المهمة الأولى التي لا بد من تنفيذها - كاختبار - وذلك قبل الانضمام إلى قوات جيش التحرير الوطني.
...
رجعنا على طريق القرية، وكان المطر ينهمر كالسيل، فالتصقت ثيابنا بأجسادنا، وأخذت أقدامنا تغوص في الوحل. وكان الناس لا يزالون نياما. فالساعة لم تتجاوز بعد الرابعة صباحا. وخشيا أن تصادفنا دورية عسكرية افرنسية، فقررنا التوقف، بانتظار صعود شمس النهار، ولجأنا إلى شجرة زيتون كبيرة، نحتمي بها. وأخذ (تومي) على عاتقه القيام بالنوبة الأولى من الحراسة، فصعد إلى الشجرة، بينما جلسنا نحن الثلاثة عند أسفل جذعها. ننتظر موعدنا مع اليوم الجديد، وننظر إلى المطر المنهمر كالطوفان، والبرد يخترق أجسادنا بقوة. وفجأة انبعثت ضجة قوية، وهوى جسم ثقيل على أقدامنا. إنه جسم (تومي) الذي استسلم للنوم وهو على غصن الشجرة، فسقط على الأرض. ومن ذهول المباغتة، وانفجرنا ضاحكين، وأجسادنا تهتز لفرط انفعالنا، حتى أن (تومي) ذاته لم
يتمكن من منع نفسه عن مشاركتنا ضحكنا، بالرغم من سقطته الأليمة. وعلى كل حال، فقد أشرقت شمس النهار، وأمكن لنا الوصول إلى منزل (حمدي) بجهد كبير. فكان أول عمل هو قيام (حمدي) بإخفاء القنابل في مدخنة الموقد. وجاء يوم تنفيذ العملية (يوم - ي) وتقرر إلقاء القنبلة في لحظة الإفطار - أي مع أذان المغرب - ففي هذه اللحظة يقفر الشارع من المارة المسلمين. ولجأنا إلى القرعة حتى لا نختصم على تنفيذ العملية، فجاءت القرعة على (بوفان) لإلقاء القنبلة. وكان على (حمدي)
стр. 2151
و (تومي) تأمين الحماية له. أما أنا، فقد تم تكليفي بالبقاء على مقربة من المكان لمراقبة ما يحدث، ورصد ردود الفعل، والحصول على بعض المواد التموينية، والالتحاق في اليوم التالي بالدوار الماكي -.
وضع (بوفان) على رأسه قبعة تخفي نصف وجهه (بيريه).
ووضع القنبلة اليدوية في جيبه، وأمضى طوال النهار وهو يسير جيئة وذهابا من أمام المقهى، حتى يدرس بصورة دقيقة طريقة تنفيذه لمهمته، وطريق انسحابه بعد ذلك. وفي الساعة (١٧٠٠) تماما. سار بحزم نحو الباب الذي تحميه شبكة القضبان الحديدية، وانتزع مسمار الأمان من القنبلة، وقذف بها إلى الداخل، وبوغت من في المقهى مباغتة كاملة. وتدحرجت القنبلة حتى وصلت إلى أسفل طاولة لعب (البلياردو). الأمر الذي أنقذ رواد المقهى ودوى الانفجار قويا. وتطايرت الطاولة مزقا في الهواء، وأصيب الخباز - ابن راح - ببعض الجراح. وأفاد (بوفان) من فترة الرعب التي أحدثها الانفجار، فاندفع بسرعة نحو الساحة، حيث كان ينتظره (حمدي) وهو يحمل مسدسه (الموزر). وجرت الأمور كما هو مخطط لها، وكما كان متوقعا فقد اندفع العسكريون الافرنسيون في اتجاه الآثار الخداعية، وأخذوا في اعتقال الأشخاص ممن قادهم حظهم العاثر للوقوع في قبضة رجال الجيش! وبقيت أنا وحدي في القرية؛ أستمع إلى الناس وهم يتناقلون الخبر - خبر الانفجار - بسرعة كسرعة البرق، وأصيب المستوطنون الافرسيون بالذعر، فدفعوا رجال الدرك (الجندرمة) للانتقام من العرب المسلمين، وذبحهم.
***
стр. 2152
عندما رجعت إلى المنزل، وجدت أمام بابه سيارة عسكرية خفيفة (جيب). وتجمد الدم في عروقي. فكيف وصلوا إلى هنا؟
وتابعت طريقي، فاتجهت مباشرة إلى مزرعة (سوفتون) حيث يمكن لي القيام بالاتصالات. واختبأت في المزرعة لمدة ثلاثة أيام. ثم جاءت الليلة التالية، وارتفع فيها ضجيج عربات نقل الجند الكبيرة (الكميونات) فملأت الساحة؛ وانتشر رجال الدرك في كل مكان. وحاولت الهرب عبر غيضة من شجيرات الورد الشائكة، الأمر الذي أعاقني عن رؤية الرجل المتوقف هنا للحراسة، وقد أخذ هذا في مطاردتي، وأطلق رصاصة أخطأتني. غير أنني أصبت بالذعر، فلم أعد أعرف إلى أين أتجه، ولا أين أسير، وتم اعتقالي. ونقلت ليلا إلى ثكنة الدرك، وبدأ التحقيق على الفور. ولشد ما كانت دهشتي عندما أطلعني رقيب الدرك - المحقق - على ملف سجلت فيه كافة اجتماعاتنا ولقاءاتنا: (كل شيء - ما عدا شيئا واحدا لم يضمه الملف بالتأكيد، وهو - من الذي قام بتنفيذ عملية إلقاء القنبلة في المقهى؟ وما هو دوري فيها؟) ولما كنت أعرف بأن عقوبة - العدوان على الأماكن العامة - هي العقوبة القصوى، فقد قررت الالتزام بالصمت، مهما كلفني ذلك من مشاق. وأمسك إثنان من رجال الدرك بذراعي، وأثبتاهما خلف ظهري، ووجه الرقيب لكمة قوية بجمع يده إلى بطني، ثم استمر في توجيه ضرباته، وهو يقول لي (أقسم لك، أنك ستنتهي بالاعتراف بكل شيء!) ترى كم استمرت نوبة التعذيب هذه؟ إني لست أدري! غير أنني أذكر ما قاله لي في النهاية: (بما أنك مستمر في عنادك، فسنرسلك إلى مزرعة سانت جان)! وكانت مزرعة (سانت جان) تبعد مسافة عشرة كيلومترات عن (بورقيقة) وقد اشتهرت بغرفها المجهزة للتعذيب،
стр. 2153
وما تحتويه من وسائل التشويه. وتوقفت سيارة خفيفة (جيب) مباغتة أمام مركز الدرك. وقفز رجل (حركي) من داخل السيارة، وفتح الباب، وقال: (أين هو هذا القذر - يا حضرة الرقيب -. لا تزعجوا أنفسكم بأمره، إننا سنحمله على الغناء!) واستدار هذا - الحركي - نحوي، ووجه إلى سيلا من السباب والشتائم - باللغة العربية.
قيدوني في العربة الخفيفة (الجيب) بالرغم من إحاطتي باثنين من رجال الدرك. ووصلنا إلى المزرعة مع هبوط ظلام الليل. فدفعوني إلى غرفة كان أول ما لاحظته فيها وجود بركة من الدم، وشعرت بشعر رأسي وهو ينتصب واقفا لهول هذا المنظر، لقد سبقني إذن موقوف آخر إلى هذه الغرفة! وأصدر إلي (الحركي) أمرا بخلع كل ثيابي. وتم تثبيت القيود والأغلال على رسغي يدي وقدمي، بالإضافة إلى سلسلة ضخمة كانت تصل بين القيود المثبتة على الجدار، فلم يعد باستطاعتي القيام بأي حركة، أما رأسي فترك معلقا على مسند يشبه (البالوعة) في أعلاها صنبور ماء.
وقال لي رقيب: (قد يكون من الأفضل لك، أن تقول لي من قذف القنبلة، قبل أن نبدأ عملنا!) وأجبته: (أنكم تخطئون بحقي يا حضرة الرقيب. إنني لم أكن مع الزمرة التي ذكرتم أنها ألقت القنبلة، ولا أعرف شيئا عن أمرها. كل ما أعرفه أن هناك قنبلة قد انفجرت) وقال الرقيب: (حسنا أيها القذر؛ سنرى صحة قولك خلال لحظة واحدة، هيا يا عمر!) وأقبل الحركي - عمر - فوضع كتلة من الخيش في فمي، وفتح الحنفية حتى آخرها، وتدفق الماء فملأ فمي، وحاولت التنفس، غير أنني لم أتمكن من ذلك، وانقضت ثوان قليلة عندما سمعت بصورة مشوشة الكلمات التالية: (من ألقى القنبلة؟). وبقيت صامتا. فتكررت عملية التعذيب
стр. 2154
بالماء مرات متتالية، وإعادة السؤال ذاته، والتزام الصمت من جانبي باستمرار. ولما أدركوا أن هذه الوسيلة لن تصل بهم الى ما يريدون. قرروا تغيير الأسلوب. وقال لي الرقيب: (قف أيها الخنزير، ستذوق الآن طعم الحلوى التي سنقدمها لك!).
وكان صوت الرقب يصلني وأنا في شبه إغماءة، إذ كان بطني المنتفخ بالماء يؤلمني، وكانت لدي رغبة بالتقيؤ، غير أنني لم أتمكن من ذلك. وكان الماء ينضح من كل مسام جلدي. وتم تثبيت أطراف السلك الكهربائي على رسغي، وفي فتحتي أنفي، وانتابني ألم مرعب وأنا أتلقى الصدمة الأولى من الشحنة الكهربائية، وسالت دموعي غزيرة على غير إرادة مني ... وكان لزاما علي الصمود قليلا في هذه اللحظة، وإلا فإنهم سيسمرون في تعذيبي طوال الليل؛ إنني أعرف طريقتهم؛ تعريض المشتبه به لصدمة عنيفة منذ اللحظات الأولى لتعذيبه حتى يتم تدميره: هكذا كان يقول لنا (سي جلالي) ويكررها على مسامعنا باستمرار. وقال لي الرقيب: - هل تعرف المغربي؟ ذلك الذي يعمل رئيسا للإمداد والتموين في (بورقيقة)؟ ...
وتظاهرت أنني: لا أسمع شيئا، ولا أرى شيئا، ولا أشعر بشيء. وأمام عنادي، قذفوا بي أرضا، وقدماي ويداي مثبتة بالقيود، وأقبل الحركي ليلهب جسدي بسوطه وهو يقول في: (هل تعترف أم لا؟) ودخل جندي ومعه كلب ضخم (بول دوغ). وتحفز الكلب للقفز على ضحيته، ثم قفز علي عندما أعطيت له الشارة بذلك، وشعرت بعظام رسغي تنسحق تحت فكيه، وانتابني ألم جنوني، وسيطر علي الغضب لعجزي عن المقاومة، وحاولت الدفاع عن نفسي، غير أنني لم أتمكن من ذلك، وأمسكني أحد
стр. 2155
رجال الدرك، وثبتني، حتى يتمكن الكلب من الهش في جسمي، بكامل حريته، ومن غير إزعاج. واستمرت اللعبة الجهنمية بوحشية تعجز الكلمات عن وصفها. وبدأ الدم يسيل من رسغي، ومن جراح قدمي حيث نهشني الكلب بأسنانه. ولم يعد يهمني شيء، وانتظرت الموت بفرحة كبيرة ...
وأخيرا، انتهت مرحلة تعذيبي لهذه الليلة، ووصلت آلامي إلى نهايتها. ورأى الرقيب بأن جلسة التعذيب قد استمرت من غير الوصول إلى النتيجة التي يرغبها. فأوقفني وقال لي: (ما عليك إلا الانتظار، غدا سنستأنف محادثتنا، وصدقني بأنك ستبوح بأسماء رفاقك الثوار - الفلاقة - واحدا بعد الآخر).
بذلت جهدا كبيرا حتى أستطيع البقاء واقفا على قدمي، ومضيت أسحب قدماي سحبا وأنا أسير عبر الساحة لأصل إلى زنزانتي. وبات باستطاعتي العيش مع آلامي بصمت، في وسط هذا السجن، ومع ظلمة الليل الحالكة. وقيدوني واقفا وأنا مثبت إلى الجدار. كان أنفي يؤلمني ألما لا يوصف، وكنت أشعر بعطش شديد، وإلى درجة لا تصدق، بالرغم من كل الماء الذي أرغموني على شربه وخلال اجتيازي للساحة. ناداني شاب اسمه (افرنسي) وقال لي: (خذ حذرك، لن نقفل عليك باب زنزانتك بالمفتاح، فلا تحاول الهرب، إذ أن رصاصنا سيصرعك على الفور).
أمضيت الليل واقفا، وأنا مقيد إلى حلق مثبت بالجدار. وكانت رسغاي المنتفختان تؤلماني أشد الألم وأقساه. ولشد ما كانت فرحتي عندما أقبل هذا العسكري ذاته في منتصف الليل، وعمل على فك قيودي، وإرخائها قليلا.
стр. 2156
استأنف الجلادون تعذيبي في الصباح المبكر، ولكن بقسوة تزيد كثيرا على ما عرفته: الماء، والكهرباء، والجلد بالسياط. وحدث شيء لا يمكن تصديقه لقد رفض الكلب الضخم - البول - ذوغ - رفضا قاطعا الانقضاض علي، بالرغم من كل الجهود التي بذلها العسكريون لدفعه نحوي. ويظهر أنه عقد معاهدة صداقة مع الثوار - الفلاقة. وإلا فلماذا امتنع الكلب عن عضي والنهش بلحمي؟ سر غريب! كنت أشعر بالجوع والعطش: وأصدر عميل - حركي - الأمر إلي بالخروج لتناول الطعام في الساحة، حيث كان يتناول الكلب طعامه - وهو نوع من الحساء - في طبق عميق. وقال لي (بما أنك والكلب من عائلة واحدة، فما عليك إلا أن تشاركه طعامه!). ودفعني برفسة من قدمه أوقعتني أرضا. ومددت يدي نحو الطبق، ونبح الكلب نباحا يصم الآذان، ففزعت وسحبت يدي بسرعة.
وعاد الحركي يقول: (أتأكل أم لا؟) وعدت قبسطت يدي المرتجفة من الخوف. وفي هذه المرة، انقضى الكلب الضخم - البول دوغ - فأمسك رصغي بين فكيه، وحاولت استخدام كل قوتي لانتزاع يدي والتخلص منه. وسال الدم غزيرا على يدي. وانفجرت ضحكات الجند من ورائي. ويظهر أن منظري كان كافيا للترفيه عنهم وتسليتهم - فأعادوني إلى زنزانتي - وبقيت في هذا الجحيم طوال ثلاثة عشر يوما. وجاء رقيب الدرك الذي استقبلني في بداية الأمر، فحملني في عربة خفيفة (جيب) إلى معسكر (شينو) في (بليده). وهناك، وجدت بقية الأخوة، وهم على حال مثل حالي.
أطلق الافرنسيون سراحنا في شهر كانون الأول - ديسمبر -
стр. 2157
١٩٦٠. وفرضوا علينا الذهاب في كل يوم إلى (ثكنة الدرك) من أجل التوقيع على (سجل الحضور).
أمكن لي إعادة الاتصال مع (سي جلالي). واستطعت بعد شهر واحد الانضمام إلى قوة جيش التحرير الوطني في الولاية الرابعة وقد التقيت هناك - كما كنت أتوقع - الإخوة (تومي) و (أحمد بوفان). أما (حمدي) فكان قد استشهد على ساحة الشرف. واستمر الصراع.
стр. 2158
٤ - معارك (تيفرين) في (جبل منصور) (*)
وصلنا إلى قرية (تيفرين) في الساعة (٢٢٠٠) - العاشرة ليلا - من يوم (٢٣ - تشرين الأول - اكتوبر - ٥٧ ١٩). وكانت هذه القرية تضم في هذا اليوم كتيبة من كتائب جيش التحرير الوطني الجزائري بقيادة الرقيب (سالم). بالإضافة إلى عدد كبير من المفارز المستقلة والفارين من وجه السلطة الفرنسية والمسبلين. وكانت هناك قرية (بني وحدان) الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشمال من (تيفرين) حيث كانت تتمركز فيها كتيبة ثانية من كتائب جيش التحرير الوطني بقيادة الرقيب (العباسي). كما كانت هناك قرية (حمدة) الواقعة على بعد كيلومترين إلى الجنوب - الغربي من (بني وحدان) والتي كانت بدورها تضم كتيبة من كتائب جيش التحرير الوطني. وكانت هذه القرى الثلاث تحتل مساحة جغرافية تبعد عشرين كيلومترا من (بني منصور) وإلى الشرق منها، وهي تبعد في الوقت ذاته مسافة (٦) إلى (٧) كيلومترات إلى الغرب من (علي ايفيل) المربطة
стр. 2159
إداريا بمركز قيادة (بو جليل) في (ضهرة أقبو) من ولاية (بجاية).
كان المجاهدون رجالا اشتهروا بفضائلهم: إيمان ديني عميق، وحب للوطن لا حدود له، واستعداد دائم للتضحية، وشجاعة لا نظير لها، واحتقار للخطر، وإقدام على اقتحامه؛ ولعل الإسلام لم يعرف مثل هؤلاء الرجال منذ أيام الرسول محمد ﷺ . وهذا ما اتفق عليه، وعرفه، كل من عاش مع المجاهدين خلال أيام حرب التحرير.
انفجرت بعض قنابل المدفعية في الساعة (٢٢٠٠) وقد تساقطت في مقبرة (تيفرين). وتطايرت في الهواء ثم تناثرت في كل مكان كميات من الحجارة، وجذور الأشجار، مختلطة بقطع من الهياكل البشرية. وقال الرقيب: (إنها قنابل مدفعية من عيار - ١٠٥ مم - تطلقها بطاريات العدو المتربصة في معسكر الاستعماريين في ثكنة (علي ايفيل).
توجهت إلى المسجد (الجامع) الواقع في وسط القرية، ومعي (عزوز) رفيق دراستي في السابق، والذي كان يكبرني ثلاثة أعوام، ويعمل مسبلا - نصيرا - لقوات جيش التحرير وقلت وأنا أخاطب (عزوز): (لقد طلب إلي الجرحى تزويدهم بالكتب، لإملاء وقت فراغهم، ذلك لأنهم يعانون كثيرا من الملل والضجر خلال إقامتهم في المستوصف) ووعدني (عزوز) بأن يقدم لي كل ما لديه من
الكتب والمجلات. وفجأة، عاد القصف المدفعي العنيف ليقطع علينا حديثنا، فقفزنا خارجا لنستوضح جلية الأمر. وتبين لنا بأنه ما من قذيفة سقطت على المنازل، وما من أحد أصيب بضرر أو أذى. وكل ما حدث هو سقوط حوالي أربعين قنبلة في المقبرة، حفرت قبور المقبرة حتى الأعماق، وقال لي (عزوز): (يظهر أن الدور قد جاء
стр. 2160
في هذه الليلة على الأموات!) وأجبته: (لعل الأفرنسيين قد أرادوا أن يعرف الأموات بدورهم ما يحدث على سطح الأرض). وسألني (عزوز): (ماذا يعني هذا القصف في اعتقادك؟).
وأجبته: (لعله خطأ فى الرمي!).
- (هل تريد القول بأنهم اكتشفوا شيئا آخر، فوجهوا نيرانهم إليه؟).
- (في رأي - إنه من غير الطبيعي، ومن غير المحتمل، أن يوجه الافرنسيون قنابلهم إلى المقبرة).
- (هذا يعني بأن قواتهم ستأتي غدا لملاقاتنا) قالها (عزوز) بنبرات ثابتة تنم عن ثقته بصحة استنتاجه. وقلت له: (هيا بنا إلى الملجأ لمعرفة ما إذا كانت قد وصلتهم معلومات جديدة).
صادفتنا خلال انتقالنا من المسجد - الجامع - إلى الملجأ، وخلال عبور الشارع الرئيسي للقرية، مجموعة من دوريات المجاهدين المتتالية، وكنا في كل مرة نضطر لتبادل كلمات التعارف.
كان بيت (المجاهدين) يقع عند مدخل القرية. وهو عبارة عن دار ذات جدران حجرية مرتفعة قليلا، مع سقف خشبي يغطيه القرميد، ويعود بناؤه إلى أقدم من مائة سنة. وكانت هذه الدار تتشابه مع بقية دور القرية، والتي تشبه بدورها دور القرى الأخرى المنتشرة في هذا الإقليم. ولدى الوصول إلى أمام باب الدار، اعترضنا الخفير بقوله: (من تكونان؟).
وأجابه (عزوز): الإسلام. ورد عليه الخفير: ديني.
كانت كلمات التعارف لهذه الليلة هي: (الإسلام - ديني).
عندما دخلنا الدار، وجدنا أن المجاهدين كانوا على وشك الخروج إلى جهة ما. وصافحت العريفين (إسماعيل) و (محمد
стр. 2161
عرب) اللذين كنت أعرفهما معرفة جيدة، وقلت للعريف، (إسماعيل):
- (كنت أعتقد بأنكم ستقضون الليل معنا). وأجابني (إسماعيل) بقوله:
- (تعرف بأن البقاء أو الخروج في ظروف الحرب التي نعيشها غير مرتبط برغبتنا، وإنما هو مرتبط بالظروف - ولم يعد حتى الأموات - الآن - على ثقة بأنهم سيبقون في أماكنهم).
كان الاستعماريون مشغولين بالقتال العنيف الذي مضت عليه ثلاثة أيام في منطقة (عز اليقين). وقد أمكن لمجاهدي (تيفرين) في هذا اليوم إحصاء وعد أكثر من ستين طائرة مقاتلة حلقت فوق ميدان المعركة، واشتركت فيها. وقيل لي بأن قواتهم قد اشتبكت مع عدد من كتائب المجاهدين الذين وصلوا حديثا من تونس، والذين كان تدريبهم جيدا وتسليحهم جيدا.
هذا ما قلته للعريف (إسماعيل) والذي أجابني (أجل، هذا صحيح، ويفرض الموقف بصورة حتمية فتح المجال أمام معركة أخرى في أي مكان لتشتيت قوات الاستعماريين المشتبكين في (عز اليقين) وتخفيف الضغط الذي تلقيه القوات الاستعمارية بثقلها على المجاهدين هناك).
كان العريف (سالم) في هذه اللحظة يعقد اجتماعا مع العريف (عياشي) ومع قائد الكتيبة الثالثة. فتابعنا حديثنا. وكان العريف (إسماعيل) يحمل رشاشا خفيفا أمريكي الصنع (تومسون). وقلت له: (إنه سلاح رائع - هذا الرشاش) ثم تابعت مستوضحا وأنا أشير إلى سلاح كان يستريح أرضا مستندا إلى قائمتين - ساقين -
стр. 2162
وقلت له: (وما اسم هذا السلاح؟) وأجابني (محمد عرب) بقوله: (هذا رشاش روسي - ٣٠، وهو يعمل بمخزن أسطواني يتسع لخمسين طلقة. ويمكن بواسطته التعامل مع الطائرات المحلقة على ارتفاع منخفض). وقال (عزوز) متابعا الحديث: (إن التعامل مع الطائرات بات أمرا ضروريا، فلولا الدعم الجوي لما استطاع الاستعماريون الوصول إلى هذه الجبال). وكان (محمد عرب) يحمل رشاشا خفيفا إيطالي الصنع، من نموذج (بريتا). وقلت متسائلا: (وما هو الفارق المميز بين التومسون و - البريتا -؟).
وقال إسماعيل: (إنه كالفارق المميز بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا). وانفجر الجميع ضاحكين لهذه المقارنة. وقال (حسين) معلقا: (أما أنا، فأفضل قتال الافرنسيين بأسلحتهم الخاصة). وسألته: (وما هو نوع البارودة التي تحملها؟) فأجابني: (إنها بارودة - ماس ٤٩ - ٥٦ - أرسلها الاستعماريون إلى الجزائر لقتل الجزائريين. غير أن هذه البارودة انتقلت - مع غيرها من الأسلحة - إلى معسكرنا منذ شهور عديدة. ولكن قل لي: هل جئت للتعرف على أسلحة جيش التحرير الوطني؟، ويظهر لي من أسئلتك أنك جديد على هذه الأمور). وأجبته: (كلا يا أخي! فأنا أعيش مع المجاهدين منذ شهر شباط - فبراير - ١٩٥٥، غير أنني لم أتعرف إلا على أولئك المسلحين ببواريد الصيد، وبعض المسدسات الرشاشة. وكم هو ممتع لنا أن نرى المجموعات الصغرى التي كانت مسلحة ببواريد الصيد وقد تحولت إلى كتائب مسلحة بالبواريد الحربية والأسلحة الحديثة. وهذا هو سبب طرحي أسئلة كثيرة عن أنواع الأسلحة الحربية. وبالمناسة، فهل تفضل أنت هذه البارودة على أي سلاح حربي آخر؟).
стр. 2163
وقال لي: (إنها سلاح رائع، ثم إن هناك شعورا بالارتياح والرضى، وأنا أرمي الاستعماريين الفرنسيين واسقطهم بأسلحتهم وبرصاصهم. ولهذه البارودة بالذات ذكرى عزيزة جدا على نفسي، فلقد التقطتها من فوق جثة ضابط افرنسي، خلال الهجوم العام الذي جرى في ٨ أيار - مايو ١٩٥٧).
كان المجاهدون، خلال حرب التحرير الوطنية، ينظمون هجمات عامة ضد مواقع الأعداء وقواتهم في الذكرى السنوية لبعض الأحداث التاريخية الهامة في حياة الجزائر، مثل: (ذكرى ٥ تموز - يوليو - ١٩٣٠ - احتلال فرنسا للجزائر) و (٨ أيار - مايو ١٩٤٥ ذكرى المذبحة الرهيبة التي نفذها الافرسيون وذهب ضحيتها ٤٥ ألف مواطن جزائري) و (الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني -
١٩٥٤ - ذكرى تفجير حرب التحرير) وكانت كتائب جيش التحرير الثلاث - هنا - قد أعادت تسلحها بأسلحة حديثة وصلتها من تونس. شأنها في ذلك شأن كل كتائب جيش التحرير. ونظرا لتنوع مصادر التسلح، فلم يكن من الغريب أن تجد في أيدي المجاهدين بواريد انكليزية، اصطلحوا على تسميتها (بالاعشاري). وبواريد أمريكية من نوع (غاراس) - وكذلك رشاشات (ف. م. بارت). بالإصافة إلى أسلحة ألمانية من نوع (الموزر) التي كان المجاهدون يستخدمونها على نطاق واسع، ويفضلونها على سواها. وكان لدى كل كتيبة من هذه الكتائب مدفع (هاون ٦٠ مم)، كما كان لدى كل فصيلة رشاش خفيف (ف. م). ولنتذكر أن كل كتيبة من كتائب جيش التحرير كانت مكونة من (١٢٠) مجاهدا - أي ما يعادل سرية من سرايا تنظيمات الجيوش الأخرى -.
انتهى اجتماع قادة الكتائب الثلاث، وتوجه كل واحد منهم إلى
стр. 2164
مركزه. واجتمع الرقيب (سالم) على الفور بمسبلي القرية في (تيفرين) ووجه إليهم نصائحه وتعليماته: (إجمعوا النساء والأطفال في مكان مأمون، وليكن منزلا قوي البنيان من المنازل الواقعة في وسط القرية. وأبلغوا الشبان والرجال ممن تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخمسين سنة بأن يغادروا القطاع قبل الساعة الثانية فجرا. وخذوا معكم مواد تموينية كافية، واخرجوا معهم). وأعطيت هذه التعليمات ذاتها إلى القرويين في قريتي (بني ودان) و (حمدة).
علمنا بعد ذلك بأن منظمات الاستخبارات في جبهة التحرير الوطني، أرسلت إنذارا إلى قادة القوات في جيش التحرير الوطني، أعلمتهم فيه أن القوات الاستعمارية المتمركزة في (علي أيفيل) ستقوم بإحدى عملياتها الرتيبة - الروتينية - لتمشيط (منطقة تيفرين) في يوم ٢٤ - تشرين الأول - أكتوبر -. فأسرع القادة لاتخاذ الترتيبات الضرورية لمجابهة قوات هذه العملية.
قال لي (عزوز) ونحن نخرج من الاجتماع: هل تعرف؟ وأجبته: أعرف ماذا؟ فقال لي: (ستطير الزنابير غدا بالخلايا) وأجبته: (ولكنني لم أفهم شيئا مما قلته). فعاد، وقال لى: (غدا ستفهم كل شيء. أما الآن، فتعال لأعطيك الكتب، فالوقت ضيق، وليس أمامنا متسع لإضاعته).
رافقت (عزوز) إلى منزله، وسلمني الكتب. وكانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحا، فعدت إلى منزلي، فوجدت في انتظاري عمي - والد زوجي، وهو شيخ من خريجي جامع الزيتونة، ويعمل
مسبلا - نصيرا - من مسبلي الثورة. وسألني: أين كنت؟ لقد بحثت عنك في كل مكان؟. فأجبته: لقد كنت فى الملجأ. وعندها
стр. 2165
أعطاني قطعة من الخبز وقليلا من التين المجفف. وزجاجة من زيت الزيتون. وزجاجة من الماء فوضعت الجميع في مزودتي. ومضينا في طريقنا لمغادرة قرية (تيفرين). وفي هذا الوقت ذاته كان المجاهدون يتجهون نحو تلال (تيزي - غمدان). وتسلقنا دربا ضيقا - لا يسلكه إلا الماعز - يصل إلى قمة جبل (برشيش) المرتفع. وكان باستطاعتنا من هذا المكان الاشراف على القطاع بكامله. فإذا ما بقي الموقف هادئا، كان بإمكاننا العودة إلى القرية، أما إذا ما كان الأمر على العكس من ذلك، فإنه باستطاعتنا البحث عن ملجأ مأمون في الغابة يضمن لنا إنقاذ حياتنا. وكان جبل (برشيش) يقع على بعد أربعة كيلومترات تقريبا، إلى الجنوب من (تيزي - غمدان). وكان قادة الكتائب قد تدارسوا أثناء اجتماعهم، ردود فعل العدو المحتملة تجاه كمين (تيزي - عمدان) وفقا للمعطيات التالية:
أ - إذا جاءت قوة الاستعماريين من (علي إيفيل) فإنها ستصطدم بكمين (تيزي - غمدان) وستكون القوة المتمركزة في (بوجليل) هي أول قوة يجب عليها أن تسرع لنجدة القوة الاستعمارية وعلى هذا يجب على كتيبة المجاهدين المتمركزة في (بني وحدان) إقامة كمين لقوات (النجدة) عند أبواب مركز (بو جليل).
ب - إذا جاءت قوة الاستعماريين من (بوجليل) فإنها ستصطدم بقوة الكمين الذي ينتظرها. وستكون أقرب قوة ستهرع لنجدتها هي القوة الافرنسية المتمركزة في محطة (بني منصور). وهنا سيكون من واجب كتيبة المجاهدين المتمركزة في (حمدة) التصدي لها، وإقفال الطريق في وجهها. وذلك بتنظيم كمين على الطريق الممتد بين (بني منصور) و (بو جليل).
стр. 2166
ودارت المعارك طبقا لما تم توقعه، وافتراضه.
تميز موقع (تيزي - غمدان) بطبيعته الصعبة، حيث الأرض المتضرسة والصخرية والمكسوة بالغابات. ويمر الطريق هنا بين هضبة، وبين مجنبة جبل مقابل للهضبة، مما يشكل مضيقا أشبه بالبوابة، ولهذا السبب أطلق عليه اسم (تيزي - غمدان) وكان الطرف الجبلي يرتفع مجاورا للطريق على شكل جدار قائم من الصخور التي استخدمها الفلاحون لإقامة تخم يحمون به حقول التين وكروم الزيتون.
احتل الرقيب (سالم) وجنده المجاهدون مواقعهم القتالية على امتداد هذا الجدار الطويل، وتمركزوا في الحفر، وحول الذرى المجاورة له. وقد تجنبوا التمركز على الهضبة المقابلة لأنها كانت محرومة من المؤخرة المستورة والتي يمكن لها تأمين الانسحاب وحمايته، إذا ما تطلب الأمر ذلك.
بدأت طيور الحجل تغريدها، وهذا يعني أن الموعد مع الفجر بات قريبا. كانت السماء صافية تزينها النجوم المتلالئة، وظلمة الليل لا زالت قاتمة. ونظر أحد المجاهدين الى ميناء ساعته المضيء، فوجد أن عقاربها تشير إلى الرابعة صباحا. وفي هذه اللحظة، تمزق السكون بهدير القافلة الافرنسية التي ضمت عربات نقل الجند الكبيرة (ج. م. س) والعربات نصف المزنجرة (هاف - تراك) والمدرعات، والتي كانت تقترب من (تيزي - غمدان). وكان المجاهدون قد انتهوا من حفر الحفر على أرض الطريق، وزرعها بالألغام. وقد وضعت هذه الألغمام بطريقة تسمح بتدمير عدد من الآليات، والتي يعتبر تدميرها هو الشارة المتفق عليها للبدء بالهجوم. وانفجرت الألغام عندما دخلت آخر مركبة من
стр. 2167
مركبات العدو منطقة الكمين. وعندها فتحت كافة الأسلحة نيرانها - من كل العيارات - على قوات العدو. لقد كان المجاهدون يمسكون بقنابلهم، ويضعون أصابعهم على الزناد، فما إن بدأت المعركة حتى أفرغ المجاهدون كافة ما تحتويه مخازن أسلحتهم، وقذفوا قنابلهم دفعة واحدة على قافلة العدو.
بوغت جند العدو مباغتة كاملة، وأخذوا في القفز من مركباتهم، أو الوقوع منها، والانبطاح أرضا لاستخدام أسلحتهم ضد المجاهدين، وكان بعضهم قد تملكه الرعب، فتوجه على غير هدى نحو الغابة حيث كان ينتظرهم الموت المؤكد. ولجأ عدد من الجنود إلى أسفل عرباتهم يحتمون بها، ومنهم من أخذ في العدو، في كل اتجاه. وكان المجاهدون يسمعون من مواقعهم، الأوامر التي كان يصدرها الرتباء والضباط والتي كان يختلط بعضها ببعض. كما كانوا يسمعون الشتائم البذيئة والقدرة والتي كان يتبادلها جند العدو. وحاول بعض جند العدو، الرجوع على أعقابهم، وأخذوا في العدو والقفز من فوق الجثث المتراكمة فوق أرض الطريق، غير أن رشات جديدة من الأسلحة كانت تسقطهم وتحصدهم حصدا. وساد الذعر والهلع على جند العدو، فأخذوا في البحث عن أي ملجأ يحميهم، ولم يكن هناك غير الغابة طريقا لهم. ولكن الغابة لم تكن في قبضتهم. فكانت مجزرة حقيقية، خيم فيها الموت الزؤام وهرب عدد من جند العدو في اتجاه (علي إيفيل).
دفع المجاهدون مجموعات صغرى لاجتياح ميدان المعركة، بهدف جمع الغنائم، وأمكن جمع كمية ضخمة من الأسلحة والذخائر والتجهيزات العسكرية. وترك الاستعماريون فوق أرض المعركة قتلاهم وجرحاهم الذين باتوا عاجزين عن التحرك، فكانوا
стр. 2168
يصرخون من الألم، ويستعطفون المجاهدين ويتوسلون إليهم حتى لا يجهزوا عليهم. فكان المجاهدون يردون عليهم: (نحن لسنا جبناء حتى نجهز على الجرحى المحرومين من كل وسائل الدفاع. كما أننا نفتقر إلى التجهيزات الطبية التي تمكننا من إجراء الاسعافات الأولية لكم. لكن قوات دعمكم لن تتأخر عن الوصول إليكم لانقاذكم). وصرخ أحد الجرحى: (أبـ ... تاه، أمـ ... ا٥، لا أريد أن أموت). فيما كان جريح آخر يصرخ: (عاش الثوار).
أفاد المجاهدون من فترة الهدوء التي أعقبت المعركة، لإخلاء جرحاهم الثلاثة، ودفن أول شهيد سقط في معركة هذا اليوم.
...
كانت القوات الاستعمارية المتمركزة في (بوجليل) قد غادرت قلاعها الحصينة في هذه الفترة، بهدف الهجوم على مؤخرة المجاهدين في (تيزي - غمدان). غير أن هذه القوات الاستعمارية لم تبتعد عن قاعدتها أكثر من مئات الأمتار حتى وقعت في كمين أكثر عنفا، وأكثر قتلا من كمين (تيزي - غمدان) ولم تكتف كتيبة (العياشي) هنا بجمع الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية فقط وإنما أخذت أيضا ثلاثة أسرى من بينهم ضابط برتبة ملازم يعمل في الاستخبارات - وفي مكتب اشتهر بتعذيب المواطنين الجزائريين والتنكيل بهم هو مكتب بو جليل - وقد قام المجاهدون بعرضه في المساء. وبعد انتهاء القتال، على مواطني الاقليم وهو معصوب العينين، ومقيد اليدين وراء ظهره.
...
تلقت القوات الاستعمارية المتمركزة في محطة (بني منصور)
стр. 2169
أمرا بالتوجه إلى ميدان، فوقعت هذه القوات بدورها في كمين - في ضواحي مقطع الحجارة الكلسية. وكان حظ القوات الاستعمارية هنا أفضل من حظ القوات السابقة، إذ تمكنت من المحافظة على مواقعها، ومنعت المجاهدين من جمع الأسلحة، ولكن خسائرها في الأرواح بقيت، بالرغم من ذلك، كبيرة وفادحة.
...
أصبح الوقت على الحد الفاصل بين الليل والنهار، فكان الشرق أقرب إلى ضوء النهار، في حين بقي الغرب أقرب إلى ظلمة الليل، ووصلت قوات دعم ضخمة من جهة (علي إيفيل) فاستؤنف الرمي في (تيزي - غمدان) بوتيرة متصاعدة. ووصلت في الوقت ذاته أربع طائرات من طراز (ت - ٦) مجهزة بمضخمات للصوت (مكبرات) حتى تثير ضجيجا مرعبا. وقال بعض الجنود من الذين اشتركوا في الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ - ١٩٤٥) بأن طائرة (ت - ٦) تهدر صاخبة مثلها كمثل طائرات (الشتوكا) الألمانية وكان ضوء النهار قد ارتفع ساطعا الآن، وامتد القتال على مسافة خمسة عشر كيلومترا من الشرق إلى الغرب.
كان بعض المدنيين والمسبلين قد انتشروا على قمة جبل (برشيش) وأمامهم، غير بعيد عنهم، تمركزت فصيلة مسلحة برشاش (برن) علاوة على البواريد الفردية. واقترب أحد مجاهدي الفصيلة من المدنيين، ونصحهم بمغادرة مركزهم، وقال لهم: (قد يكون من الأفضل لكم الخروج من هنا، إذ من المحتمل جدا أن يحاول جند العدو احتلال هذه القمة حتى يستطيع تطويق منطقة القتال). وقام هؤلاء المدنيون بتقديم الخبز والتين المجفف والزيت والماء وكل ما يحملونه من الطعام، لمجاهديهم البواسل، وهم
стр. 2170
يبتهلون الله لهم: لينصركم الله، كان الله معكم. وأجابهم المجاهدون: شكرا! شكرا! صحة! صحة!.
قرر المدنيون والمسبلون الانتقال إلى قمة (غارمالا) التي تتربع في أعلى جبل يقع على بعد ثلاثة كيلومترات - خط مستقيم - من (برشيش). وعلى بعد (٧ - ٨) كيلو مترات من (تيزي - غمدان).
زجت القيادة الاستعمارية في هجومها المضاد بقوات صخمة، شاركت فيها (٣) طائرات من نموذج (بوسارد). و (١٢) طائرة من نموذج (ب - ٤٧) و (١٢) طائرة من نموذج (ب - ٢٦) - وقد
وصلت هذه الطائرات كلها في وقت واحد. وكانت طائرات (ب - ٢٦) مسلحة بالرشاشات الثقيلة والقنابل، فأخذت في استخدام رشاشاتها وقذف قنابلها على مواقع المجاهدين المنتشرين
على مقربة من (بو جليل) ومقطع الحجارة الكلسية، ومواقع المجاهدين على مرتفعات (تيزي - غمدان). وبلغ مجموع عدد الطائرات (٣٠) طائرة. بالإضافة إلى عشر طائرات عمودية - هيليكوبتر - منها (٦) طائرات نموذج (بانانا) كانت تعمل جيئة وذهابا بين مواقع القتال، وبين القواعد العسكرية في الاقليم. وكانت (تيزي - غمدان) منيعة على نيران العدو بسبب طبيعة أرضها الصخرية، وبسبب ما يتوافر لها من الغابات.
كانت معركة اليوم من المعارك الصعبة، القاسية.
صعبة، لأنه لم يكن باستطاعة المجاهدين الإسراف في استخدام الذخائر على نحو ما كان يفعل أعداؤهم الذين كانوا ينفقون ذخائرهم دون حدود أو قيود.
стр. 2171
وصعبة، لأنه كان على المجاهدين الذين لا يتجاوز عددهم (٣٥٠) مجاهدا، مجابهة قوات متفوقة بعددها وبوسائطها القتالية تفوقا لا يمكن مقارنته. فمقابل الهاون (٦٠ مم) ورشاش (برن) و (٣٠) رشاشا روسيا. كانت هناك طائرات (ب ٤٧٠) و (ب - ٢٦) ومدرعات ومدفعية، وكل ما كانت تحفل به ترسانة حلف شمال الأطلسي من ضروب الأسلحة المتنوعة ووسائط القتال المتباينة. وبالرغم من ذلك، فقد بقي المجاهدون هم الأقوى، لأنهم يمتلكون الأسلحة الأكثر فاعلية من تلك التي يمتلكها الاستعماريون: كان المجاهدون يحملون سلاح النصر، والإيمان العميق، وحب الوطن. ولذلك كانوا هم الذين يحبطون باستمرار كل المخططات الجهنمية - الشيطانية - التي يضعها دهاقنة الاستعماريين، وأفضل قادتهم الإستراتيجيين.
كان من عادة الاستعماريين الافرنسيين افتتاح عملياتهم بقصف عنيف تقوم به الطائرات ضد مواقع المجاهدين، وذلك قبل زج القوات البرية من مشاة ومدرعات ومدفعية. وقد قال لنا المجاهدون بأن طائرات (ب - ٤٧) وطائرات (الميسترال) لا تميز في قصفها بين الرجال الذين يرتدون الألبسة القاتمة وبين جذوع الأشجار، أو الغياض المتفرقة، وذلك بسبب السرعة الكبيرة التي تحلق بها هذه الطائرات. ولهذا، فقد كان من المحال عليها إجراء قصف دقيق لمواقع المجاهدين المنتشرين فوق أرض شديدة التضاريس، وبمسافات كافية تفصل كل مجاهد عن إخوته بقية المجاهدين، وهو يتمركز في ملجأ تحت الأشجار، أو بين الصخور.
وكانت طائرات (بوسارد) هي التي ترمي الشهب الدخانية لتحدد لتلك الطائرات أهدافها. ولكن طائرات (بوسارد) هذه باتت
стр. 2172
مرغمة على التحليق وهي مرتفعة فوق سطح الأرض بمسافات عالية، منذ أن امتلك المجاهدون الرشاشات (الخفيفة منها والثقيلة) والتي برهنت على فاعليتها في إسقاط هذه الطائرات. ومقابل ذلك كانت طائرات (ب - ٢٦) و (ت - ٦) شديدة التأثير، كبيرة الخطر، على مجاهدي الجيش الذين يفتقرون للأسلحة المضادة للطائرات والقادرة على التعامل مع الطائرات الأقل سرعة، والتي كان باستطاعتها إحكام رماياتها على مجموعات الرجال أثناء تحركهم.
باختصار، استمر دوي القصف كالرعد، واستمر المي برشاشات الطائرات، فشمل كل الإقليم الذي بات يهتز بعنف، حتى وصلت تلك الاهتزازات إلى أولئك الذين وقفوا على جبل (غار - مالا) والذين شعروا بالأرض وهي تميد من تحتهم. وكانت قنابل النابالم الضخمة التي قذفتها طائرات (ب - ٢٦) هي التي أثارت هذا النوع من الاهتزازات القوية.
بلغت الساعة الحادية عشرة صباحا (١١٠٠) ولا زال المجاهدون يحتفظون بمواقعهم على هضاب (تيزي - غمدان) وفي كافة المواقع الأخرى.
وهبط ضباب أبيض كثيف على قمم جبل (جرجرة) فغطى منطقة القتال، وغلفها بحجاب سميك. وكان الواقفون على جبل غار مالا) ينظرون إلى سحب الغيوم التي تهبط من تحت أقدامهم بيضاء كالثلج، وهتف كل سكان الإقليم لقدرة الله التي أرسلت الغيم أمنا وسلاما على المجاهدين، ليحميهم من قصف طيران أعدائهم.
لم يعد باستطاعة طائرات (ب ٤٧) و (ت ٦) متابعة تنفيذ عملياتها، فاضطرت للعودة إلى قواعدها. بينما تابعت طائرات (ب
стр. 2173
٢٦) تحليقها فوق الضباب. واستمرت في قذف قنابلها بصورة عمياء، وعلى غير هدى.
أفاد المجاهدون كثيرا من هذا الضباب، فنظموا هجمات ضد مجموعات العدو المتفرقة والمنعزلة. واستعادوا المبادأة التي كانوا يمسكون بها في الصباح، ثم جاء القصف الجوي فكاد ينتزعها منهم: وخسر العدو كافة المميزات التي حصل عليها بفضل النيران الكثيفة للطائرات. وجال في خاطر الرقيب (محمد) سؤال لم يلبث أن طرحه ببراءة: (لماذا يهرب جند العدو بالرغم من أنهم هم الأكثر عددا، والأفضل تسليحا وتجهيزا؟).
وأجابه الرقيب (العياشي): (لأننا مجاهدون في سبيل الله، نؤمن به وعليه نتوكل، ولأننا نقاتل على أرضنا، ولأننا على استعداد لبذل دمنا عن طيب خاطر، فوق هذه الأرض الطيبة، أرض وطننا الأم. لأننا نقاتل ونحن على قناعة بأنه ليس لحياتنا أية قيمة إلا إذا تحررت بلادنا تحررا كاملا، وخاليا من كل قيد أو شرط. ومقابل ذلك، فإنهم يخوضون معاركهم تنفيذا للأوامر التي يخطها لهم قادتهم العميان. إنهم يعرفون أنهم يقاتلون من أجل قضية خاسرة، محكوم عليها مسبقا بالفشل. ولهذا السبب فإنهم سرعان ما يبحثون عن طريق الفرار. إنهم يختارون باستمرار أضخم الوسائط وأقواها من أجل مجابهتنا، ويزجون ضدنا بالأسلحة التي لا نمتلك الوسائط ضدها .. غير أنهم وهم يفرون من ميادين القتال، يحاولون الظهور بمظهر الأبطال عندما يواجهون المدنيين المحرومين من كل وسائط الدفاع، فيعملون على التضحية بهم، وإبادتهم، في كافة القرى التي يمرون بها. آه يا أخي محمد، كم هو أمر مخجل أن يترك هؤلاء على هواهم ليسحقوا شعبنا طوال (١٢٧) عاما) هيا إلى الأمام!.
стр. 2174
وأصدر الرقيب (العياشي) أمره إلى عدد من الجماعات بالانقضاض على أقرب القوات الاستعمارية إليهم. وأطلق المجاهدون صيحتهم بصوت واحد (الله أكبر). وأسندوا مسدساتهم الرشاشة إلى (الورك) وضغطت أصابعهم على الزناد، فأفرغوا محتوى مخازن أسلحتهم، وهم يوجهون نيرانهم بدقة وإحكام. واختلط الأمر في وسط الضباب، فكان من المحال التمييز بين المجاهد وبين عدوه الإفرنسي. وارتفع صوت المجاهدين وهم ينشدون نشيدهم الوطني (جزائرنا). ورددت الوهاد والمنحدرات، السهول والجبال، مع المجاهدين (جزائرنا). وغنت معهم نشيدهم.
عاد القتال عنيفا، ضاربا، في الساعة (١٤٣٠) - الثانية والنصف من بعد الظهر -. فقد أخذ الضباب في الاضمحلال شيئا فشيئا. وعادت الطائرات وهي تحلق كالعقبان تبحث عن طرائدها. وقد حلت طائرات (الميسترال) في هذه المرة محل طائرات (ب - ٤٧) وهي طائرات مسلحة بالمدافع وبالرشاشات الثقيلة. وكانت قنابل مدافع هذه الطائرات شديدة الحساسية من أي احتكاك، حتى لو كان هذا الاحتكاك بأوراق الأشجار. ولما كانت الوحدات المتصارعة على أرض المعركة قريبة بعضها جدا من بعض. وقد نزلت القنابل على الوحدات الإفرنسية ذاتها. (وعلى سبيل المثال فقد جرح المجاهد ساقي شعبان وهو من قرية - ولاساصي - بينما كان أسيرا في قبضة الإفرنسيين، وقد أصابته شظية في فخذه من إحدى رمايات طائرة ب - ٢٦ أثناء وجوده بين الجنود الإفرنسيين في (تيزي غمدان) وأصابت معه عددا من الإفرنسيين).
شاهد المدنيون والمسبلون. من أماكنهم في قمة (غار مالا)
стр. 2175
شدة القتال وضراوته، فقرروا التوجه إلى (سيدي مسعود) حيث توجد (زاوية) في وسط الغابة. أقيم بجوارها مركز للعناية بالجرحى الذين يتم إخلاؤهم، وذلك لمديد العون، ومساعدة المجاهدين فيما قد يحتاجونه وعلى هذا، غادر المدنيون والمسبلون (غار مالا) وأخذوا في التنقل من شجرة إلى شجرة تنفيذا لتعليمات المجاهدين، وذلك فرارا من طائرات (ت ٦) التي كانت تحلق فوق رؤوسهم، وهي تعرف تماما أن كل هذه الجبال مأهولة بأعدائها. وقد استغرقت الرحلة إلى (سيدي مسعود) زهاء نصف ساعة. وهناك، تم اللقاء بين الجميع.
تمدد عشرات الجرحى تحت الأشجار - على مقربة من الزاوية - بعضهم يئن من الألم، وآخرون يصلون أو يقرؤون القرآن. في حين كان آخرون يصنعون محفات - ناقلات - لحمل الجرحى مستخدمين في ذلك أغصان الأشجار، حتى يتم لهم بواسطتها إخلاء الجرحى وحملهم عندما يهبط ظلام الليل، لنقلهم إلى المستوصفات السرية في الإقليم.
تسلح بعض المواطنين والمجاهدين والمسبلين بأسلحة الصيد، وانتظموا في مجموعات مقاتلة انتشرت على هضاب (ميت شيخ) ووزعوا الحراسة على مؤخرة المجاهدين لإجراء مراقبة حذرة هدفها الحيطة من أي تدخل قد يصدر عن معسكر الاستعماريين في (ولا سيدي إبراهيم) ضد مجاهدي (تيزي - غمدان). غير أن القوات الإفرنسية في هذا المعسكر لم تقم بأي تحرك.
لم يكن في (سيدي مسعود) إلا ممرضان اثنان محرومين من كل الأدوية، باستثناء بعض أنابيب حبوب الأسبيرين وزجاجات صغيرة من مادة الميكروكروم. ولم يكن هناك طبيب في (سيدي