← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- يوليو - سنة ١٧١١م. واضطر إلى إخلاء (آزوف) (١) واعادتها إلى العثمانيين. مع التزامه بدك حصون طيغان (تاغانروغ) (٢) وإزالتها من الوجود. ولقد وافق الباب العالي على هذه المعاهدة من أجل التفرغ لاستعادة ما فقده من مقاطعات فرضتها عليه معاهدة (كارلوويج). وفي سنة (١٧١٤ م) أفاد الباب العالي من الثورة التي نشبت في الجبل الأسود فأعلن الحرب على (البندقية) ولم تمض أكثر من فترة قصيرة حتى أضاعت البندقية كل ممتلكاتها في (المورة) وجزر الأرخبيل. وعاد الإمبراطور النمساوي للتدخل في الحرب. وأحرز الأمير أوجين نصرا على القوات العثمانية في بتروارادين - أو وارادين) في ٤ آب أغسطس - سنة ١٧١٦. ولم يلبث أن فتح (طمشوار) في تشرين الأول - أكتوبر - وهي آخر الحصون العثمانية في الأرض الهنغارية، ليستولي في السنة التالية على (بلغراد) ذاتها. ولكن السياسة الإسبانية في إيطاليا ما عتمت أن اعترضت سبيله الظافر. فاضطر الإمبراطور النمساوي إلى قبول عروض الصلح العثمانية، وفي المعاهدة المعقودة في بازارو ويج يوم ٢١ تموز - يوليو - سنة ١٧١٨، تنازل الباب العالي للإمبراطور عن بلغراد وعن كامل منطقتها إلى مصب نهر الآلوته في الطونة (الدانوب) في حين كان على البنادقة أن يتخلوا عن المورة. كانت روسيا قد أخذت في توسيع حدودها عبر (بلاد الأفغان) و (فارس - إيران) وأدى ذلك إلى الصدام مه الإمبراطورية العثمانية في مرات عديدة. وعند وفاة بطرس الكبير، تولت زوجته (حنه - أو

стр. 247

كاترين) (١) عرش الإمبراطورية الروسية. فوطدت العزم على مواصلة التقدم نحو البحر الأسود وبحر قزوين متبعة في ذلك سياسة زوجها. غير أن الدول البحرية - إنكلترا خاصة - حالت دون هجوم روسيا على الإمبراطورية العثمانية، لأن مصالح تلك الدول تعارضت مع حصول روسيا على توسع جديد. حتى إذا انقضت الاضطرابات البولونية، هاجم الروس العثمانيين في تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٧٣٥م. ولكنهم لم ينتهوا بادىء الأمر إلى أبعد من (آزوف). وحاول الإمبراطور الألماني الذي كان مقيدا بمعاهدة تفرض عليه مساعدة روسيا، أن يتوسط في البداية بين الطرفين المتصارعين، فلم يشارك في القتال إلا في سنة (١٧٣٧ م). ولكن جيوشه منيت بالهزيمة تلو الهزيمة، حتى إذا كانت سنة (١٧٣٩م)، أسلمت (بلغراد) إلى العثمانيين بعد فترة قصيرة من الحصار. وعقدت بعد ذلك مباشرة معاهدة تنازل فيها الإمبراطور النمساوي عن كل المغانم التي ضمنتها له معاهدة صلح (بازاروويج). ومن ثم اضطرت (روسيا) أن توقع معاهدة مع الإمبراطورية العثمانية، غنمت بواسطتها مدينة (آزوف) التي كانت مدمرة تدميرا تاما. وفي سنة (١٧٤٠ م) جدد الباب العالي اعترافه بالحماية الإفرنسية على نصارى الشرق - من الكاثوليكيين - مقابل تأييد فرنسا الديبلوماسي له في هذه الحرب. وكانت هذه هي الثغرة التي أتاحت بعد ذلك الفرصة لكل الدول لبسط حمايتها على المشرق الإسلامي بحجة حماية رعايا النصارى من المذاهب المختلفة. كانت أوروبا خلال هذه الفترة تعيش فترة تشكلها الوطني

стр. 248

والقومي، فوقعت مجموعة من الحروب بين الدول الأوروبية بعضها ضد بعض، وظهر في تلك الفترة بصورة خاصة إمبراطور روسيا (بطرس الكبير) في روسيا و (فريدريك الكبير) (١) في بروسيا الذي خاض حروبه ضد النمسا، ونظرا لأن الإمبراطورية النمساوية كانت تتزعم الدول الكاثوليكية في حربها الصليبية ضد المسلمين، ونظرا أيضا لأن بروسيا كانت تعتبر نفسها (حامية البروتستانتية) فقد حاول فريدريك التحالف مع الإمبراطورية العثمانية ضد العدو المشترك (النمسا)، وإقناع الباب العالي بشن حرب على النمسا أثناء حرب السبع سنوات (المرحلة الثالثة من الحروب السيليزية). وأمكن عقد معاهدة صداقة بين (بروسيا والإمبراطورية العثمانية) في ٢٩ آذار - مارس - سنة ١٧٦١.غير أن السلطان رفض الإشتراك في هذه الحرب التي لم يكن له مصلحة فيها، والتي أفتى العلماء بعدم تأييدها انطلاقا من قاعدة (عدم الانتصار لكافر ضد كافر - طالما أنه لا مصلحة للمسلمين فيها). إن تجنب الإمبراطورية العثمانية الإشتراك في الحرورب الأوروبية، لم يكن ليمنعها من المشاركة في صنع أحداث السياسة الأوروبية، بسبب نشوء المسألة البولونية والتي اصطنعتها روسيا لضمان مطامعها في التوسع نحو أوروبا. وبرزت المسألة البولونية

стр. 249

بصورة خاصة في عهد الإمبراطورة (كاترين الثانية) (١) حيث حاولت هذه الإمبراطورة إضعاف بولونيا، وأظهرت الإمبراطورية العثمانية عدم اهتمام كبير في بداية الأمر، على الرغم من إقدام روسيا على مساعدة الكرج للقيام بالثورة ضد العثمانيين المسلمين، وعلى الرغم أيضا من قيام روسيا بخلق المتاعب والمشكلات في وجه حاكم القرم (خان التتار). وأثناء ذلك بذل حزب الإئتلاف البولوني كل جهوده حتى نجح في إقناع السلطان بضرورة الدفاع عن نفوذه في الشمال الشرقي من بلاده. حتى إذا ما قامت القوات الرومية بتدمير مدينة (يالطة) على حدود (سارابيا) (٢) سارع المفتي إلى الإفتاء بضرورة شن الحرب ضد (روسيا) على الرغم من تعلقه وزملائه رجال الإفتاء بأهداب السلام. بدأت روسيا عملياتها ضد التتار في القرم والذين تولى قيادتهم خان القرم (كراي). واستطاعت القوات الروسية أن تلحق بهم الهزيمة، ثم استولت على (خوتين) بينما كان الجيش العثماني مرابطا في (دوبريجة). وفي سنة (١٧٧٠م) تابعت القوات الروسية تقدمها عبر

стр. 250

(البغدان والافلاق) إلى أن وصلت نهر الدانوب (الطوانه) واحتلت كيليا وبندر وابرائيل، بعد أن أخذت من النبلاء الرومانيين يمين الولاء للإمبراطورة الروسية (كاترينا) وفي هذه الأثناء ظهر في بحر - إيجة - لأول مرة - أسطول روسي عهد إليه مهمة إشعال الثورة في اليونان ودعم الثوار ضد العثمانيين. وهكذا احتل القرصان الإيجيون عددا من المواقع الحصينة في المورة، ولكنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها. وقام الروس بعد ذلك بإضرام النار في الأسطول العثماني (في خليج جشمة) وذلك في شهر تموز يوليو (١٧٧٠م). غير أن الروس لم يستغلوا انتصارهم هذا. فكان أثر هذا العمل العدواني المباغت محدودا. وقامت القوات الروسية بهجوم جديد في سنة (١٧٧١م) فأمكن لها تحقيق نصر كبير باستيلائها على (برقوب) وإخضاع شبه جزيرة القرم. وقامت (بروسيا والنمسا) بالوساطة وتم عقد هدنة بين الطرفين تنازل السلطان العثماني مصطفى الثالث (١٧٥٧ - ١٧٧٣م) عن جميع مطالبه في بولونيا. غير أنه لم يتم الاتفاق بين الطرفين بشأن موضوع الحصون القائمة على البحر الأسود. وأعاد العثمانيون في هذه الفترة تنظيم قواتهم، وأمكن لهم صد القوات الروسية في البلقان. وأرغموا الروس على رفع الحصار عن (سلسترة) و (فارنا) والانسحاب في أواخر سنة ١٧٧٣ عبر الدانوب. ثم توفي السلطان مصطفى عندما كان يعتزم قيادة الجيش بنفسه لتدمير جيش روسيا. وخلفه أخوه عبد الحميد الأول (١٧٧٣ - ١٧٨٩). فوجه القوات بقيادة الصدر الأعظم (محسن زاده) الذي وقع في كمين نصبه له الروس عند (شملا) وفرقوا جيشه، فاضطر إلى طلب الهدنة. وتم التوقيع على معاهدة للصلح بين الفريقين في (كوجك قينارجه - جنوبي سلسترة) بتاريخ ٢٢ تموز - يوليو - ١٧٧٤م.

стр. 251

فرضت هذه المعاهدة على السلطان العثماني التنازل لروسيا عن أعظم القلاع شأنا على البحر الأسود، كما تخلى لروسيا عن (قبرطة - أو قبرطاي) الكبرى والصغرى في بلاد القوقاز (القبق). ومنح الأسطول الروسي حق المرور في الدردنيل، ليس ذلك فحسب، بل لقد أكره فوق ذلك على الاعتراف باستقلال التتار في شبه جزيرة القرم. وعلى منح العفو العام وحرية العبادة لسكان البغدان والافلاق. وتدهورت بنتيجة ذلك هيبة الأتراك المسلمين في أوروبا بحيث ظهر أن إخراجهم من أوروبا لم يعد بأكثر من قضية وقت. ووجدت النمسا في ذلك فرصة سانحة، فعملت على سلخ (بوقووينة - أو - بوكوفينا) وضمتها إليها بعد عقد الصلح مباشرة، متذرعة بحجة واهية، فلم يستطع السلطان لها دفعا. وفي سنة (١٧٨٣م) أخضعت كاترينا التتار، فقضت بذلك نهائيا على استقلال شبه جزيرة القرم. ثم إن السلطان أكره على ذلك أيضا في معاهدة (آيينه لوقواق) سنة (١٧٨٤م). سنحت الفرصة للقوات العثمانية بعد ذلك للتعويض عما فقدته في حربها مع روسيا وذلك عندما قام أهل القوقاز (القبق) بالثورة على أمير الكرج (هرقل) الذي كان يحكم بحماية الإمبراطورة كاترين. وحاولت القوات العثمانية استرجاع شبه جزيرة القرم. غير أن القائد الروسي (سوفوروف) (١) أحبط هذه المحاولة، ثم لم يلبث أن استولى على أجاقوف في كانون الأول - ديسمبر - ١٧٨٨. بعد أن تم تحطيم الأسطول العثماني في الصيف المنصرم على شواطىء القرم.

стр. 252

وفي شهر شباط - فبراير - من السنة ذاتها أعلن إمبراطور النمسا (جوزيف الثاني) الحرب على العثمانيين، وتقدمت جيوشه في الصرب وتراسلفانيا. وتدخلت من جديد (بروسيا) والدول البحرية للوساطة، وتم عقد صلح (زشتوى) في ٤ آب أغسطس سنة ١٧٩١، وبموجبه احتفظت الإمبراطورية العثمانية بإمارات الدانوب حتى (أرسورة). وتابعت روسيا الحرب بضراوة في بسارابيا والقرم والدانوب، ثم وقعت صلحا مع الإمبراطورية العثمانية (عند ياش) في ٩ كانون الثاني - يناير - سنة (١٧٩٢ م) وقضى هذا الصلح بجعل نهر الدنيستر هو الحد الفاصل بين الدولتين، وتنازل الأتراك لروسيا عن شبه جزيرة القرم بصورة نهائية. كان ذلك عرضا سريعا للصراع المرير الذي خاضته الإمبراطورية العثمانية ضد أعداء الخارج. وكانت مرغمة على خوض مجموعة من الصراعات الداخلية أيضا، كان من أبرزها الصراع مع المتمردين من قادة الجيوش (الإنكشارية) ومع الشيعة في (فارس) ومع المتمردين في سوريا ولبنان. ولم تكن أعمال هذا التمرد وتلك الثورات بعيدة عن التحريض الخارجي وهو ما تبرزه بصورة خاصة (ثورة جنبلاط) في الشام وثورة (فخر الدين المعني) في جبل لبنان (١). ونظرا لارتباط هذه الأحداث بما كان يحدث على جهة المغرب الغربي الإسلامي والمشرق العربي الإسلامى فقد يكون من المناسب التوقف عندها قليلا.

стр. 253

ج - تمرد جبلاط وثورة المعني: كان (جان بولاط - أوجانبولاط) حاكما على (كلس) قرب مدينة حلب، حلما وراثيا من قبل الأتراك العثمانيين، وفي سنة (١٦٠٣م) قامت حامية (تبريز) بالتمرد على الحكم العثماني، وظن (جان بولاط) في نفسه القوة، فأعلن الثورة بدوره، وانضم إليه أبناء عشيرته الأكراد. وكانت الدولة مشغولة بقتال المجر. وعندما انتهت معركة (بودا) بانتصار العثمانيين، بات باستطاعتهم التحول لقمع الثورات. وأمكن القضاء على ثورة (جان بولاط). فما كان من هذا إلا أن فر ليحتمي بأخطر الزعماء الثائرين في آسية الصغرى وهو (الأمير الدرزي فخر الدين المعني) الذي كان قد أعلن الثورة في جبل لبنان بالتنسيق والتعاون مع (جان بولاط). ولم تتمكن الدولة العثمانية من التعرض له بسبب انصرافها إلى حروبها الخارجية - حتى بعد هزيمة جان بولاط - بل تركت إليه حكم البلاد الواقعة في حوزته، لقاء جزية سنوية يدفعها لبيت مال المسلمين. وما لبث (فرديناند الأول) (١) الذي غمرت نفسه روح المغامرة، أن اتصل به ابتغاء فتح أسواق جديدة لتجارة فلورنسا، في حين كان فخر الدين يرغب في الاستعانه بفرديناند وبالبابا وبإسبانية أيضا على فتح فلسطين، ثم إن فخر الدين استولى على بعلبك سنة (١٦١٠م) وهدد دمشق ذاتها بالاحتلال. ولكن أسطولا تركيا إسلاميا ما لبث أن ظهر على الشاطىء سنة (١٦١٣) فاضطر الأمر فخر الدين إلى الفرار إلى (ليفورنو) - وكان (كوزموس الأول - ابن فرديناند) قد

стр. 254

تولى مقاليد الحكم في (توسكانيا) فتقدم إليه (فخر الدين) وعرض عليه تجريد حملة صليبية جديدة، غير أن كوزموس كان أعقل من أن يفكر في مثل ذلك. وقضى فخر الدين خمس سنوات في البندقية (فلورنسا) استطاعت خلالها أمه (نسب) أن تدافع عن بلاده باسم حفيدها (أحمد علي) ضد والي دمشق. حتى إذا رجع (فخر الدين) من إيطاليا. اضطر إلى الاعتراف بابنه أميرا على البلاد. ولكنه قاد بالنيابة عن ابنه الحرب ضد العثمانيين. وأفاد من انصراف العثمانيين لقتال الشيعة في بلاد فارس (ايران) فعمل على بسط نفوذه على الساحل الشامي حتى أنطاكية. وفي سنة (١٦٣١م) نشأ بينه وبين الباب العالي نزاع بسبب من رفضه السماح لجيش من جيوش السلطان، حشد لحرب الفرس، أن يقضي فصل الشتاء في البلاد التي يحكمها، وطرده لهذا الجيش بقوة السلاح. وبعد سنتين اثنتين، وجهت الدولة ردا على هذا النقض لإحكام السلم، أسطولا آخر إلى الساحل الشامي فاحتل المرافىء جميعا، في حين هاجم الولاة المسلمون (الدروز) في البر، وفي ١٠ تشرين الأول - أكتوبر - استدرج علي بن فخر الدين، إلى خوض معركة فاصلة دارت رحاها في السهول، فهزم هزيمة شنعاء ولقي حتفه هو وعمه. وهكذا اضطر (فخر الدين) إلى أن يستسلم في مفزعه الأخير في ١٢ تشرين الثاني -نوفمبر - فحمل إلى استانبول، حيث حز رأسه في ١٣ نيسان - أبريل - سنة (١٦٣٥م) بعد أن قام ابن أخيه (ملحم) بمحاولة فاشلة للثأر لشرف أسرته عن طريق الثورة المسلحة. كانت الدول الغربية تتابع باهتمام كبير ثورة (جان بولاط) و (فخر الدين المعني) فبدأت الاتصال بالدروز والموارنة. وعندما احتل إبراهيم باشا فيما بعد (سنة ١٨٣١) بلاد الشام، قام الموارنة بدور

стр. 255

كبير، حيث تلقوا الأسلحة من الحلفاء لمحاربة الحكم المصري. وأبرز ذلك ظهور أسر التنوخيين والمعنيين والشهابيين. وبدأت فرنسا بممارسة دور فعلي في أحداث الشرق الإسلامي من خلال ما زعمته حقا لها في حماية (نصارى الشرق) - والموارنة منهم بصورة خاصة في حين أخذت روسيا منافسة فرنسا في هذا المجال من خلال الزعم بحقها في حماية رعاياها من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية. ولم تقف إنكلترا مكتوفة الأيدي، فبسطت حمايتها على الدروز، وأدى ذلك إلى تنافس هذه الطوائف واستفحال أمرها، مما أدى فيما بعد إلى حدوث صدامات دموية (أشهرها مذابح سنة ١٨٦٠) وبروز المسألة الشرقية.

стр. 256

٣ - الموقف على جبهة الأندلس سقطت مملكة غرناطة تحت حكم (فرديناند وإيزابيللا) سنة ١٤٩٢، غير أنه كان من المحال القضاء على الوجود الإسلامي في الأندلس دفعة واحدة. وفي الوقت ذاته أدت الحرب المنظمة ضد المسلمين إلى تعرض إسبانيا لأزمة حادة في إدارتها، وإلى اضطراب في أمورها المالية حتى أشرفت على الإفلاس. فالتفتت إلى الفتح، وظنت أن نهب العالم الجديد سيضمن لها الموارد الكافية، غير أن القرصنة الإسلامية من جهة والمنافسة مع الدول الغربية من جهة ثانية حرمتا إسبانيا من هذه الموارد. وزاد موقف إسبانيا سوءا بسبب المظالم وحكم الإرهاب وارتكاب الفظائع ضد المسلمين - تحت إدارة محاكم التفتيش - وبإدارة الملك الإسباني فيليب الثاني (١٥٢٧ - ١٥٩٨ م) الذي ورث عن أبيه (شارل الخامس - شارلكان) كل الحقد والكراهية ضد المسلمين، فجمع في شخصه كل الصفات السيئة كالظلم والشراسة وفساد الأخلاق، حتى استوجب وصف أحد المؤرخين له: (قليل من الرجال الذين عرفهم التاريخ، قد استطاعوا بجهودهم الخاصة، أن يأتوا بمثل هذا المقدار الضخم من الشر الذي جاء به هذا الملك ... وإذا كانت هناك عيوب قد برىء منها، فسبب ذلك هو أنه غير مسموح للطبيعة الإنسانية بأن تبلغ الكمال، حتى في الشر) (١).

стр. 257

وكان من الطبيعي أن تتعاظم النقمة في نفوس المسلمين الذين لجؤوا إلى جنوب الأندلس، سواء منهم من حافظ على دينه، أو من أعلن تنصره ظاهريا بسبب عجزه عن احتمال الضغوط. وأن يؤدي ذلك إلى استعداد هؤلاء للثورة على الحكم الإسباني. واتصل هؤلاء بوالي الجرائر (قلج علي - أو علج علي) يطلبون إليه دعمهم وإمدادهم. وأعلموه أنهم قرروا إعلان الثورة في الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر - المصادف لعيد (جميع القديسين) (١٥٦٨م) ولم يكن باستطاعة (قلج علي) تجاهل صرخة استغاثة المسلمين الأندلسيين. فحشد في الجزائر جيشا يضم (١٤) ألف مقاتل من المشاة - رماة البنادق - بالإضافة إلى (٦٠) ألفا من أبناء المغرب الإسلامى المجاهدين في سبيل الله ... وأرسل بهم إلى مدينتي (مستغانم ومازغران) استعدادا للإغارة على وهران، ثم الإنزال في الموانىء الأندلسية. وأرسل مع الرجال المذكورين عددا كبيرا من المدافع، مع (١٤٠٠) بعير محملة بالبارود. ويوم الأربعاء، المتفق عليه، أي يوم عيد جميع القديسين، كانت أربعون سفينة من الأسطول الجزائري تقف أمام مرسى (المرية) الأندلسي لدعم الثورة ساعة اندلاعها. غير أن العملية أخفقت يومئذ بسوء تصرف أحد رجال الثورة، مما أدى إلى اكتشاف أمره، فداهمه الإسبان. وضبطوا ما كان يخفيه في منزله من السلاح. واطلعوا عل مخطط الثورة، فلم تقع في اليوم المعين، وضاعت بذلك فرصة المبادأة. ولكن الثورة لم تلبث أن تفجرت بعد ذلك، ويصف (مؤرخ عربي (١) نقلا عن المصادر الأندلسية ما حدث خلال هذه الفترة بالتالي: لما صار الأمر إلى فيليب الثاني، شدد في إنفاذ الأوامر بحق

стр. 258

الموريسك - المسلمين - وسنة ١٥٦٧، عزز الأمر الصادر بهذا الشأن والمتعلق بتغيير الزي واللغة باستيثاق غريب لأجل منع النظافة - الطهارة - التي هي من سنن الإسلام - حيث كان من عادة الشعوب اللاتينية التقزز من الطهارة والاستحمام وكانوا ينفرون من المسلم بقولهم (الذي يدخل الحمام) وكان الإسبانيون يهدمون الحمامات بالحماسة التي يهدمون بها المساجد - وانطلق جند فيليب لهدم الحمامات. وكانت الأساليب التي اتبعت للقضاء على تلك الأمة البائسة، أكبر من أن يحتملها أي إنسان، فكيف الأمر بالنسبة لأحفاد المنصور وعبد الرحمن وأبناء سراج، ولذلك لم يطل الأمر حتى استطار الشر واشتعلت الفتنة وثار (فرج بن فرج من نسل بني سراج) ومعه جماعة من ذوي الحمية من غرناطة، وقصدوا الجبال قبل أن تتمكن الحامية - الإسبانية - من مطاردتهم، ونودي (بهرناندو - دوفلرر) من نسل خلفاء قرطبة ملكا على الأندلس تحت اسم (محمد بن أمية) وعمت الثورة في أسبوع واحد جميع جبال البشرات. ووقع ذلك في سنة - ١٥٦٨م -.ولما كانت هذه الجبال من أصعب تضاريس الأرض مرتقى، وأوعرها مسلكا، كان تدويخ سكانها من أصعب الأمور منالا وكانت الفتنة فيها بعيدة المدى، فاستمرت هذه المرة حولين كاملين، حافلا تاريخها بحوادث لا تحصى من القتل والغدر والتعذيب والاستباحة والاحتيال، وذلك من الجانبين لا من جانب واحد، لكنه حافل أيضا بوقائع يندر في تاريخ الفروسة وكتب الحماسة الظفر بمثلها، وتبقى على صفحات السير فخرا للقرون والأمم. وكان المغاربة هناك في موطنهم الأخير، والموقف الذي يحاولون فيه إدراك الثأر عن نحو من مائة سنة قضوها في البلاء العظيم، والهون الذي ليس له نظير، فهبوا جميعا منادين بأخذ الثأر، واقتضاء الأوتار،

стр. 259

قرية بعد قرية، وهدموا الكنائس، وأهانوا ما فيها، وفتكوا بالقسس، وعذبوا النصارى الذين وقعوا في أيديهم، واعتصم الذين نجوا بالمعاقل والأبراج. ودافعوا دفاعا شديدا. وكان المركيز (مونتيجارة) قائدا في غرناطة فعمد إلى المسالمة، وأخذ بالملاينة، وكادت الوقدة تنطفىء لولا ما أعاد الشرر من ذبح مائة وعشرة سجناء من المغاربة في حبس البيازين - ضاحية غرناطة - قيل إن ذبحهم وقع بغير علم المركيز، لكن الموريسك - المسلمين - لم يقبلوا العذر، ونشروا لواء الثورة. وصار (ابن أمية) أميرا بالفعل على جميع جهات (البشرات) إلا أنه لم يكن ممن يحسن السياسة، فقام بعض أعوانه وقتلوه، وبويع لرجل آخر موصوف بالنجدة والحماسة (اسمه عبد الله بن أبوه). فأرسلت دولة إسبانية الدون (جون الاوستري) أخا الملك - وهو شاب في الثانية والعشرين من العمر - بمهمة القضاء على الثوار. فباشر القتال في شتاء سنة ١٥٦٩ إلى سنة ١٥٧٠وأتى من الفظائع ما بخلت بأنداده كتب الوقاقع، فذبح النساء والأطفال أمام عينيه، وأحرق المساكن، ودمر البلاد، وكان شعاره (لا هوادة). وانتهى الأمر بإذعان الموريسك. لكنه لم يطل، واستأنف (مولاي عبد الله بن أبوه) الكرة، فاحتال الإسبان حتى قتلوه غيلة، وبقي رأسه منصوبا فوق أحد أبواب غرناطة ثلاثين سنة. وأفحش الإسانيون في قمع الثورة، بما أقدموا عليه من الذبح والحريق والخنق بالدخان، حتى أهلكوا من بقية العرب خلقا كثيرا، وخنع الذين نجوا من الموت، لكنهم وقعوا في الرق، وسيقوا مماليك وعبدانا، ونفي منهم جملة، فأخذ عددهم يتناقص، ولما كان اليوم المشهود والمذكور في التواريخ، وهو عيد جميع القديسين سنة (١٥٧٠م) بلغ عدد من ذهب منهم عشرون ألفا، والذين أخذوا منهم في معمعة

стр. 260

الفتنة صاروا إلى الاستعباد. وأخرج الباقون من البلاد مخفورين، فمات كثير منهم على الطرق تعبا. ومنهم من أجاز إلى (بر العدوة) في المغرب. وطافوا هناك سائلين - متسولين - لأجل قوتهم الضروري. ومنهم من لجأ إلى البلاد الإفرنسية، حيث استقبلوهم برا وترحيبا، واحتاج إليهم هنري الرابع لأجل دسائسه في مملكة إسبانيا. والحقيقة أن (هنري الرابع) أصدر أمرا بقبولهم في فرنسة لكن على شرط أن يتحولوا إلى كاثوليكيين. وقد نفذ الأمر، وأرغموا على التنصر، وبقي الأمر على ذلك حتى بلغ السلطان العثماني، فأرسل إلى (هنري الرابع) يطلب إليه إخراجهم إلى بلاد الإسلام، فخرج أكثرهم. وبقي من اختار الإقامة بفرنسا مع النصرانية. ولما ظهر مذهب (البروتستانت) وكان منهم من اختار هذا المذهب، أصدر لويس الرابع عشر أمره بطرد البروتستانت، فهاجر قسم من هؤلاء إلى سويسرا. وبينهم العالم الشهير (أبو زيد) الذي كان من أعلم علماء عصره في كل فن، وكان صديقا لفولتير وروسو ونيوتن ولايبينتز. وكان فولتر يقول عنه (صديقنا العربي). وطالما كان فولتير يستفتيه في عويص المسائل، كما كانت بينه وبين روسو مراسلات كثيرة جمعت في كتاب. المهم في الأمر، هو أن الإسبانيين لم يتمكنوا من إخراج المسلمين دفعة واحدة. ولم ينته إخراجهم إلا في سنة (١٦١٠م) حيث وقع الجلاء الأخير ولم يبق في تلك البلاد مسلم واحد بعد أن وليها الإسلام ثمانية قرون. ويقال أن عدد من خرج منهم منذ اليوم الذي سقطت فيه مملكة غرناطة إلى السنة العاشرة بعد الألف والستمائة يبلغ ثلاثة ملايين وأن الذين خرجوا لآخر مرة يبلغ نصف مليون. وأما الإسبانيون المساكين، فلم يعرفوا ماذا يصنعون ولا فهموا أنهم كانوا

стр. 261

يخربون بيوتهم بأيديهم بل كانوا فرحين مسرورين بطرد المغاربة الذين كانت بهم إسانيا مركزا للمدنية، ومبعثا لأشعة العلم طوال قرون عديدة. وقلما استفادت بقعة أوروبية من حضارة الإسلام بمقدار ما استفادته هذه البلاد. فلما غادرها الإسلام، انكسفت شمسها وتسلط نحسها، وإن فضل مسلمي الأندلس ليظهر في همجية هؤلاء القوم وتأخرهم في الحضارة، وسقوط هذه الأمة في مكانتها الاجتماعية بعد أن خلت ديارها من الإسلام. يمكن بعد ذلك العودة إلى دور الجزائر الفتية في دعم هذه الثورة، ففي شهر كانون الثاني - يناير - من سنة (١٥٦٩م) أرسل والي الجزائر (كلج علي) الأسطول الجزائري لدعم الثائرين، وحاول هذا الأسطول إحباط عملية الإنزال. وبلغت الثورة عنفوانها، عندما وصلت زواح الشتاء أوج قوتها في البحر، ولكن ذلك لم يمنع المجاهدين في البحر من بذل كل الجهود لمقاومة الأعاصير من أجل الوصول إلى أماكن أخرى على الساحل لإنزال الأمداد والدعم. غير أن الزوابع والأعاصير أغرقت (٣٢) سفينة جزائرية كانت تحمل الرجال والسلاح. ولم تتمكن إلا ست سفن فقط من إنزال شحنتها فوق سواحل الأندلس، وكان فيها المدافع والبارود والمتطوعون الجزائريون. ولم يأبه والي الجزائر (كلج علي) لهذه الكارثة فصمم على إرسال مدد جديد لمسلمي الأندلس، وتمكن من إنزال أربعة آلاف من مجاهدي الجزائر، خلال شهر تشرين الأول - أكتوبر - من سنة (١٥٧٠م) من رماة البنادق النارية، مع كمية كبيرة من الذخائر، علاوة على بعض قدماء المجاهدين العثمانيين للعمل في مراكز قيادة الثورة. وعاد الجزائريون، فأرسلوا دعما جديدا من الرجال والسلاح، وعزم (كلج علي) على قيادة الحملة بنفسه للجهاد هناك - فوق الأرض

стр. 262

الأندلسة - غير أن ما أشيع عن تجمع أسطول صليبي بهدف خوض معركة حاسمة مع المسلمين، وتوجيه السلطان العثماني له بالاستعداد لمجابهة هذه الملحمة، جعله مضطرا للبقاء في الجزائر، وانتظار تطورات الأحداث. غير أن الأسطول الجزائري لم يوقف نشاطه، واستمر الجزائريون في غزواتهم البحرية. وهدفهم تدمير كل ما يجدونه في طريقهم، وكل ما يعترض سبيلهم من السفن الإسبانية - تجارية أو حربية -. وما زادتهم نكبة الأندلس الأخيرة، وفشل الثورة فيها، إلا شعورا بالمرارة والظلم، الأمر الذي أدى إلى تصعيد الصراع المسلح - وتوجيهه بصورة خاصة ضد الأعداء الإسبانيين في حاميتي (وهران والمرسى الكبير) وفي شهر نيسان - أبريل - سنة ١٥٧٨، هاجم الأسطول الجزائري بقوة وجرأة سواحل إسبانيا الشرقية والجنوبية، فحطم منشآتها، وغنم ما بها، وأسر وسبى من أهلها جمعا كبيرا، انتقاما من الموبقات التي ارتكبها الإسبان بحق المسلمين. وفي تلك السنة أيضا هاجم الأسطول الجزائري جزائر الباليئار من جديد فحطم ما فيها وغنم ما بها. وفي سنة (١٥٨٢م) جهز والي الجزائر أسطوله لمحاربة إسبانيا فوق ترابها، وما تحتله من بلاد أوروبا. ونزل المجاهدون المسلمون في (برشلونه) فأعطوا فيها تدميرا، ثم قاموا بعد ذلك بعبور مضيق جبل طارق، وهاجموا (الجزائر الخالدات - أو جزر الكناري) التي تحتلها إسبانيا. فدمروا المراكز الإسبانية وغنموا ما فيها. ورجع القبطان (مراد رايس - أحد أمراء البحر الجزائريين المشهورين) بغنائم عظيمة (١). ولم يكن الأسطول الجزائري يذهب للأندلس، لمجرد

стр. 263

التنكيل بالإسبانين، ولتدمير منشآتهم، وأخذ الأسلاب والأسرى منهم، بل كان يهدف بالدرجة الأولى إنقاذ المسلمين من نكبتهم. وتعرض الأسطول الجزائري أثناء ذلك لمعارك قاسية، وللهزائم أحيانا، ومنها موقعة سنة (١٥٨٥ م) حيث اصطدم الأسطول الجزائري بأسطول إسباني كبير - من أسطول جنوه - ووقعت معركة أسفرت عن أسر (١٨) سفينة جزائرية. ونجحت الجهود في هذه الفترة بإنقاذ أكثر من عشرة آلاف مسلم أندلسي. بقيت جذوة الثورة الإسلامية متوقدة فوق أرض الأندلس، ولم تتمكن لا محاكم التفتيش، ولا أعمال القمع الوحشية للثورات المتتالية من إخمادها أو القضاء عليها. ولم يفقد بقايا الأندلسيين الذين نجوا من المذابح، وآثروا البقاء في موطن الأجداد، الأمل في إنقاذ جزء من وطنهم، يقيمون فوقه بحرية، ويمارسون عباداتهم بدون قهر على ثراه، ويرجعون إليه من شاء الرجوع من أبناء عمومتهم وإخوانهم الذين شردوا وراء البحار. وكان هؤلاء (الموريسكو) كما يدعوهم الإسبان، أهل همة ونجدة ونخوة، وأهل صناعة وفن ومال، لم ينسوا دولتهم، ولم يتخلوا عن دينهم، ولم يفقدوا ثقتهم بأنفسهم على الرغم من إنقضاء فترة مائة وعشرين سنة من تحطيم الإسبان لدولة غرناطة، وبعدما لحقهم من طغيان وظلم وإرهاق، وإرغام على اعتناق المسيحية ظاهرا، وهم يكتمون الإيمان الشديد، وينقلون لأولادهم سرا، عظمة الإسلام وحب العرب. وأفاد هؤلاء من ضعف إسبانيا ووهنها، واضطرارها لعقد معاهدة لاهاي (سنة ١٦٠٩م) مع الثائرين عليها من رجال الفلانور بشمال أوروبا، وقرروا إعلان الثورة، وكانت هذه الثورة على اتصال بفرنسا - عدوة إسبانيا التقليدية - والتي كانت آنذاك

стр. 264

تحت حكم (الملك هنري الرابع) (١) كما كانت على اتصال بوالي الجزائر في تلك الفترة (رضوان باشا). ونظمت عملية الثورة لتكون على النحو التالي: ١ - يتحرك الأسطول الإفرنسي، حاملا جيشا إفرنسيا قويا إلى إسبانيا، وينزل بمدينة (دانية). ٢ - يتحرك الأسطول الجزائري في الوقت ذاته، ويتحرك نحو (دانيه) لحماية عملية إنزال القوات الإفرنسية إلى البر، ثم يقوم الأسطول الجزائري بإنزال قواته بعد ذلك - بحماية الأسطول الإفرنسي. ٣ - في الوقت ذاته، يقوم مائة ألف رجل من بقايا مسلمي الأندلس، بثورة عامة داخل البلاد، مما يضع الجيش الإسباني أمام تهديد مزدوج، تهديد قوات المسلمين على مؤخراته، وتهديد قوات الغزو في مواجهته. غير أن التحرك الواسع، والاتصالات لإعداد الثورة لم تكن

стр. 265

خافية على مراقبة الحكم الإسباني، فأصدر الملك (هنري الثالث) ملك إسبانيا أمرا يوم ٢٢ أيلول (ستمبر) ١٦٠٩م بإبعاد كل موريسكي - مغربي مسلم - من أرض إسبانيا، وأعطاهم لذلك أجلا لا يتعدى ثلاثة أيام كي يتجمعوا في الموانىء المعينة لهم من أجل ركوب البحر وهكذا خرج من إسبانيا آخر فوج من بقايا مسلميها الذين اعتنقوا النصرانية مرغمين، وكانت أغلبيتهم العظمى من العرب المسلمين، وقامت سفن الأسطول الجزائري فنقلت معظهم إلى عاصمة الجزائر، فمنهم من توجه بعد ذلك إلى تونس أو تطوان (تيطوان) ومنهم من أقام في سهل متيجة (متوجة) بالقرب من الجزائر. ترى هل كان من الأفضل استكانة هؤلاء (الموريسك) وعدم القيام بالثورات المتتاية الأمر الذي أدى إلى إخراجهم من الأندلس؟ قد يكون من المحال محاكمة ذلك الحدث التاريخي بأي مقياس من المقاييس التي تخرج عن الحدود المكانية والزمانية التي أحاطت بالحدث، غير أن مجموعة الشواهد التاريخية المتوافرة تؤكد أنه لم يكن أمام مسلمي الأندلس خيار (غير الثورة) مهما كانت نتائجها، إذ أنها لن تبلغ في أسوأ تلك النتائج مقدار ما كان يجابهه هؤلاء المسلمون من سوء المعاملة. ومن المحتمل القول أنها كانت (ثورة يأس) غير أنها لم تكن كذلك فعلا، إذ كان تصميم الثوار كبيرا، وإيمانهم بالنصر عظيما - بدلالة بقاء ثورة البشرات مدة سنتين كاملتين - وبالإضافة إلى ذلك، فإن هدف الثورة لم يكن من أجل منازعة الإسبانيين خلال تلك الفترة ملكهم، وإنما كان الحصول على كيان ذاتي يضمن لهم ما سبق أن تم الاتفاق عليه يوم استسلام ملك غرناطة للملك فرديناند، من شروط تضمن للمسلمين (حريتهم). وهكذا كان التعصب الصليبي مرة أخرى هو الحافز للتعصب الإسلامي الذي أوقد نار الثورة وأدى إلى

стр. 266

ذلك العداء المستحكم الذي لم يتوقف عند حدود إخراج المسلمين من الأندلس وإنما تطور إلى صراع مستمر أخذ شكل حملات صليبية متتالية ضد المغرب العربي الإسلامي عامة، وضد الجزائر المجاهدة منها بصورة خاصة.

стр. 267

﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاغلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾ (سورة الأنفال - ٣٩ و ٤٠) الفصل الثاني ١ - الجزائر، وبناء القدرة الذاتية. آ - تحرير بجاية. (١٥٥٥م). ب - انتصار المسلمين في مستغانم (١٥٥٨م). ج - معركة المرسى الكبير (١٥٧٣م). د - تحرير تونس (١٥٧٣ م). هـ - إنتصار المجاهدين في أصيلا (المغرب) (١٥٧٥م). ٢ - إنكلترا تشن الحرب على الجزائر (١٦٢٠م). ٣ - الأعمال العدوانية الإفرنسية (١٦٦٤ و ١٦٨٢م). ٤ - القتال حول وهران وتحريرها (١٧٠٥ - ١٧٠٨ م). ٥ - الإسبانيون يعودون إلى وهران (١٧٣٢م). ٦ - تبادل الأمرى، والمعركة البحرية أمام الجزائر (١٧٧٣م). ٧ - الجزائر تدمر الحملة الإسبانية الكبرى (١٧٧٥م). ٨ - معركة بحرية جديدة أمام الجزائر (١٧٨٤م). ٩ - وأخيرا - تحرير وهران (١٧٩١ م).

стр. 268

١ - الجزائر وبناء القدرة الذاتية أصبحت الدولة الجزائرية مكتملة البنيان، لها حدودها المعترف بها من قبل جوارها، ولها جهاز حكمها المستقل والتابع إسميا للإمبراطررية العثمانية الإسلامية، ولها جيشها المنظم وأسطولها القوي، والأهم من ذلك كله هو توافر الإدارة الصلبة لدى الشعب المجاهد في الجزائر للاضطلاع بدوره الكبير في بناء مستقبله ودعم قدراته الذاتية وممارسة دور أساسي وحاسم في قيادة الجهاد في سبيل الله ومجابهة الحملات الصليبية الشرسة، وقد استطاع (عروج وخير الدين وابنه حسان) تجسيد طموحات شعب الجزائر وأهدافه، ومن هنا كان الدعم الكبير الذي لقيه (ذوي اللحى الشقراء) من أبناء الجزائر للمضي قدما على طريق الجهاد. وقد تم استدعاء (حسان خير الدين) إلى عاصمة الإمبراطورية العثمانية، في سنة ١٥٥٢م، نتيجة مناهضته للسياسة الإفرنسية التي كانت تستثمر الصراع الإسلامي - الإسباني، لتدعم نفوذها في العالم الإسلامي، ولتمضي في تحقيق هدف الصليبية ذاته ولكن بطريقة متطورة. ومن داخل العالم الإسلامي لا من خارجه، وتم تعيين (المجاهد صالح رايس) لولاية الجزائر برتبة حاكم عام (باي لرباي) أثناء فترة غياب (حسان خير الدين) التي امتدت أربع سنوات (١٥٥٢ - ١٠٥٦).

стр. 269

مدفع جزائري ذو تسع فوهات (متحف الانفاليد)

стр. 270

لقد عرف الشعب الجزائرى (المجاهد صالح رايس) من خلال جهاده الصبور في البحر، برفقة أصحاب (اللحى الشقراء). وعرف فيه الكفاءة القيادية العالية، والشجاعة في مواجهة مواطن الخطر في البر والبحر، وقدرته غير المحدودة على العمل، وإخلاصه الكبير لقضية (الجهاد وبناء القدرة الذاتية) ولهذا لم يكن من الغريب أن يبادل الشعب الجزائري هذا القائد إخلاصا بإخلاص ووفاء بوفاء. فمضى صالح رايس بعزيمة صادقه لتحقيق أهداف شعبه والتي تمثلت بطموحين أساسيين أولها: تحقيق الوحدة الكاملة بين مختلف أقاليم الدولة الجزائرية، وتوثيق عرى وحدة شعبها. وثانيها: إدخال بقية أجزاء الصحراء الجزائرية (فيما يلي الزيبان) ضمن إطار هذه الوحدة. ولم تكن أهداف (بناء القدرة الذاتية) من خلال وحدة التراب والشعب، عند الجزائريين وحكامهم إلا الوسيلة لتحقيق طموح أكبر، وهون طرد الإسبانيين وإخراجهم من مواقعهم التي احتلوها فوق الأرض الجزائرية ووضع حد نهائي وحاسم لعمليات الصراع الداخلي والذي يجد محرضا له في (الدولة المغربية السعدية). والانطلاق بعد ذلك للجهاد في مجابهة العدوان الخارجي الممثل بصورة خاصة بالعدوان الإسباني الذي أخذ على عاتقه قيادة الصراع ضد المسلمين. وبدأ (صالح رايس) بالعمل قبل كل شيء لتحقيق الوحدة الداخلية، وكانت في الجنوب الجزائري إمارتان مستقلتان (إمارة توقرت) التي كان يتولى أمرها ملوك بني جلاب يتوارثونها كابرا عن كابر، وإمارة (بني وارجلان) - أو (ورقله) ويتولى أمرها الشيوخ الأباضيون ورثة دولة بني رستم، ويمتد سلطانها إلى قرى وادي ميزاب غربا وإلى المنيعة جنوبا. وكانت الإمارتان قد دخلتا أيام (خير الدين باشا) ضمن الوحدة الجزائرية، وتعهدتا بدفع مقدار معين لخزانة

стр. 271

الدولة بمدينة الجزائر. لكن ابتعاد خير الدين عن إدارة المملكة فعليا أواخر أيام حياته، وانصراف الدولة الجزائرية إلى معالجة أحداث (تلمسان) وأحداث (المغرب) جعل الإمارتين تقلعان عن دفع ما يترتب عليها، وتعلنان استقلالها عن إدارة الجزائر. وحاول (صالح رايس) إعادة الإمارتين بالطرائق الديبلوماسية غير أن الاتصالات والمراسلات فشلت في الوصول إلى التسوية المطلوبة، فتقرر اللجوء إلى السلاح إذا ما تطلب الأمر. وتحرك الجيش الجزائري من مدينة الجزائر تحت قيادة (صالح رايس) وذلك في شهر تشرين الأول (أكتوبر) ١٥٥٢م. متوجها إلى الجنوب، وانضم له في (مجانة) سلطان قلعة بني عباس (عبد العزيز) ومعه نحوا من ثمانية آلاف مقاتل من رجال القبائل الجبلية، وسار الجميع نحو (توقرت)، حيث تمت مهاجمة (واحات توقرت) وكانت قوة الصدمة أكبر من أن يحتملها ملك توقرت وجيشه، وبعد معركة قصيرة وحاسمة - أزهقت فيها أرواح كثيرة من الطرفين المسلمين - أمكن تصفية المقاومة في (توقرت) والقضاء على حكم (بني جلاب) وضم توقرت نهائيا إلى السلطة المركزية وتوجه جيش الجزائر بعدها إلى (بني وارجلان) واجتمع هنا شيوخ (ورقله) وأعلنوا رفضهم لقتال إخوتهم المسلمين، وانضمامهم للدولة الجزائرية وأصبحوا منذ تلك الفترة جزءا لا ينفصل - وإلى الأبد - عن دولتهم الجزائرية، وتعهدت لهم الدولة بالمقابل، احترام مذهبهم (الإباضي) وحرية ممارستهم له، والاحتكام بمقتضاه بالنسبة لكل من يعتنقونه. غير أنه ما لبث أن ظهر الخلاف بين (صالح رايس) وبين سلطان قلعة بني عباس ومجانة (عبد العزيز). فبينما كان (صالح رايس) يرى توحيد البلاد في إدارة مركزية قوية، كان (عبد العزيز) يرى ضرورة الاستقلال بإدارة مملكته على أن يمد الدعم لحكومة الجزائر باعتباره

стр. 272

حليفا لها. وأن يقدم هذا الدعم عندما يرى ذلك ضروريا، بدون أي خضوع من قبله للإدارة المركزية. فكان لا بد من الصدام الذي أدى إلى صراعات مسلحة دموية، قتل أثناءها (الفاضل) أخو عبد العزيز ودارت الدائرة على جيش الجزائر في (بوغني) وذلك في شهر كانون الأول - ديسمبر - ١٥٥٢م (٩٥٩ هـ) وتلقى جيش الجزائر هزيمة أخرى بعد ذلك، على الرغم من انضمام بلاد كوكو إلى الجزائريين (باعتبار كوكو من الأعداء التقليديين لقبائل قلعة بني عباس). واضطر (صالح رايس) إلى التخلي عن الصراع مع (عبد العزيز) لفرصة أخرى. وعاد من جديد إلى غزو الإسبان في البحر تمهيدا للأمر العظيم الذي كان هدفه الأسمى وهو غزو الإسبان في البر. فألقى بأسطوله الضخم على جزائر الباليئار، وعلم (صالح رايس) بخروج سفن برتغالية تحمل رجالا وعتادا، وأنها تجتاز مضيق جبل طارق، فأسرع للتصدي لها، وداهمها واستولى عليها. وعند ذلك تبين أن الأسطول الذي يشمل ستا من سفن النقل، كان يحمل سلطان فاس السابق (أبا الحسن علي بن محمد الوطاسي - المعروف بأبي حسون) والذي كان قد نجا من قبضة الشريف السعدي عندما بطش بالوطاسيين في فاس، وكان هذا الأسطول متوجها إلى فرصة باريس على ساحل الريف المغربي، والتي يدعوها الإسبان (فاليس) من أجل محاربة السعديين، وإعادة حكم الوطاسيين تحت إشراف البرتغاليين وحمايتهم. واتفق (صالح رايس) بسرعة مع (أبي حسون) على أن يدعمه لاستعادة ملكه مقابل اعتراف (أبو حسون) بالتبعية للسلطان العثماني (سليمان القانوني) والدعاء له على المنابر. والاستعداد لتجهيز الجيوش لمباشرة غزو إسبانيا مع (صالح رايس). وجهز هذا قوة بحرية تضم (٢٢) سفينة تحمل الرجال ووسائط القتال

стр. 273

في شهر أيلول (سبتمبر) ١٥٥٣م. وسيرها بحرا نحو مليلة، بينما خرج هو بنفسه على رأس جيش جزائري يضم (٨) آلاف مقاتل فمر بتلسان، وعزز جنده بالحامية التي كانت فيها، ودخل حدود المغرب الأقصى، بينما كان (أبو حسون) يجمع حوله الأنصار من بني مرين وأعداء الأشراف المديين. ثم اجتمع الجيشان ودخل صالح رايس مدينة (فاس) في يوم ٨ كانون الثاني (يناير) ١٥٥٤م (الموافق ٣ صفر ٩٦١ هـ) ونصب بها السلطان أبا حسون، تحت حماية الدولة العثمانية، وذلك بعد مصادمات وعدة معارك دارت بين أنصار الدولتين (المرينية والسعدية) سالت فيها الدماء الغزيرة. ومكث (صالح رايس) بمدينة (فاس) لمدة أربعة أشهر، ضمن خلالها استقرار الأمر لأبي حسون، وإخلاص الدولة المرينية الجديدة للخلافة العثمانية. وخلال ذلك، لم يتوقف (صالح رايس) عن متابعة الجهاد ضد الإسبانيين، فأرسل قوة من جيشه إلى (بلاد الريف) فاسترجع من الإسبانيين (معقل باديس الكبير) - أو صخرة فاليس - ثم رجع إلى الجزائر تاركا لأبي حسون حامية تركية، لدعمه من جهة، وضمان وفائه بالتزاماته من جهة ثانية. لكن الأمر لم يستقر طويلا لأبي حسون. فما كاد صالح رايس يرجع إلى الجزائر، حتى جمع الشريف السعدي جيشا كثيفا، وهاجم فاس، والتحم في معركة قاسية مع أبي حسون الذي قتل أثناءها، ودخل الشريف فاس من جديد، لكنه وجد أن معظم سكانها يميلون إلى (بني مرين) فكان من الصعب عليه الاعتماد عليها وجعلها عاصمة لملكه، فقرر الانتقال إلى (مراكش) وجعلها عاصمة لمملكته الجديدة (١).

стр. 274

اغتنم (صالح رايس) فرصة وجوده بتلمسان، فجمع مجلس العلماء فيها بعدما بلغه من كثرة تذمر أهل المدينة وشكواهم من (الملك حسن) الذي اشتهر بالانحراف عن الدين - الخلاعة والمجون - وأفتى العلماء بخلع (الملك حسن) فتم ذلك - وضمت تلمسان نهائيا للإدارة المركزية في الجزائر سنة (١٥٥٤م) على نحوما سبق عرضه. آ - تحرير بجاية (١٥٥٥م) كان (صالح رايس) يتابع خلال ذلك كله جمع المعلومات عن موقف الحاميات الإسبانية، وعما يقوم به المواطنون الجزائريون من مقاطعة لها وتضييق عليها، حتى وصل بها الأمر إلى حالة كبيرة من الضعف وعندها قرر توجيه ضربته الحاسمة إلى (بجاية). فحشد جيشا من (٣٠) ألف مقاتل وتولى قيادته، وسار به من الجزائر إلى بجاية في شهر حزيران (يونيو ١٥٥٥م. وانضمت إليه أثناء التقدم قوات المجاهدين من (زواوة) من (إمارة كوكو). ووصلت الجيوش الجزائرية، فضربت حصارا على المدينة، ووصل الأسطول الجزائري وهو يحمل المدفعية ووسائط القتال الثقيلة. ووجه المجاهدون نيران

стр. 275

مدافعهم إلى القلعة بعد أن تم تشديد الحصار عليها. كان حاكم بجاية الإسباني (دون الونزو كاديلو) قد عرف مسبقا بتحرك القوات الجزائرية، فأرسل إلى إسبانيا يطلب الدعم، وعمل في الوقت ذاته على (تخزين) المواد التموينية بكميات تكفي لحصار طويل. وأثناء ذلك، هطلت أمطار الخريف المبكرة بكميات وفيرة، فارتفع مستوى المياه في (وادي الصومام) وأصبح باستطاعة السفن الجزائرية الإفادة منه واستخدامه من أجل اجتياز المصب والوصول إلى ما وراء المدينة بمسافة خمسة كيلومترات تقريبا. وأمكن بذلك الوصول إلى المرتفعات المواجهة للقلعة والتحصينات الدفاعية، واحتلت المدفعية مرابضها في المواقع المناسة للرمي المباشر. وبدأت المعركة بتبادل القذف المدفعي. ثم هاجم الجزائريون حصن (القصر الإمبراطوري) واستولوا عليه عنوة. وكانت المدفعية قد دمرته تدميرا كاملا وحولته إلى أنقاض. ولهذا بدأت القوات الجزائرية على الفور بإقامة التحصينات من جديد وإعادة بناء الجدران. والإفادة من موقع الحصن لتأمين مرابض جديدة للمدفعية، مع تأمين مراقبة أفضل للحامية الإسبانية التي شرعت في إعادة تنظيم قواتها لدعم مواقعها الدفاعية في المعقل (القلعة). ورأى القائد الإسباني صعوبة الاستمرار في المقاومة بدون دعم خارجي، فأرسل رسالة إلى ملكة إسانيا (خوانة) (١) يستنجد فيها، ويشرح موقف الحامية المدافعة عن (بجاية).

стр. 276

غير أن القوات الجزائرية لم تمهل الحامية الإسبانية فوجهت نيران مدافعها إلى معقل (باب البحر) واستمر قصفها له خمسة أيام متوالية، ودافعت الحامية عن مواقعها بثبات وعناد، ونجح المجاهدون في تحديد مكان (مخزن البارود) ووجهوا إليه نيرانهم المحكمة، مما أدى إلى انفجار المخزن بقوة دمرت جدران الحصن، فاندفع المجاهدون بعنف وقوة، وتحولت المعركة إلى اشتباك دموي - بالسلاح الأبيض - وأمكن إبادة القسم الأكبر من الحامية الإسبانية وأسر الباقين منها. وبقيت هناك عقبة كبرى، دون فتح المدينة، هي قلعة (القصر الكبير) الذي كانت تدافع عنه حامية قوية، وكان (القصر الكبير) يشكل في حد ذاته معقلا هائلا مميزا بجدرانه القوية مما جعله المركز الأساسي للمقاومة الإسبانية. وانصرف رجال الحامية الإسبانية ونساؤها وحتى أطفالها وما فيها من عبيد للعمل في الليل والنهار من أجل إقامة جدار دفاعي جديد، لحماية (القصر الكبير) الذي بلغ ارتفاعه (١٥) قدما. وكان

стр. 277

أفراد الحامية، يرممون بالليل كل ثلمة تحدثها مدفعية الجزائريين في النهار. أراد (صالح رايس) الاقتصاد في الجهد، فأرسل رسالة إلى حاكم (بجاية) يطلب إليه الاستسلام (١)، غير أن هذا رفض الإنذار الجزائري. واستمرت المقاومة خمسة أيام أخرى، أخذ بعدها المجاهدون الجزائريون في تسلق جدران الحصن بعد أن ردموا الخنادق المحفورة حوله، وحاولوا اقتحامه بينما كانت المدفعية الجزائرية تتابع قصف الأهداف المعادية. وعندها جمع حاكم (بجاية) وقائد حاميتها الرجال حوله، وتشاور معهم، فأشاروا كلهم بوجوب الاستسلام، ولم يكن عددهم عندئذ يزيد على مائة وعشرين مقاتلا. فأرسلوا إلى (صالح رايس) يعلمونه بقرارهم، فقبل استسلامهم، وبر لهم بوعده السالف رغم أنهم استمروا في القتال ورفضوا الإنذار. وسمح لهم جميعا بالعودة إلى إبسانيا. ودخل الجزائريون المدينة، وقد ارتفع فيها التهليل والتكبير، وأخذوا على الفور بتطهير المساجد وإزالة ما وضعه فيها

стр. 278

الغزاة من الصلبان، وأعادوها إلى سابق عهدها، مساجد لعبادة الله وحده الذي صدق وعده ونصر عبده. وأخذ النازحون عن (بجاية) بالعودة إليها. وشرعوا في إعادة بناء مدينتهم وترميمها وتضميد جراحها، ولم تمض أكثر من فترة قصيرة حتى زال كل أثر للاسعمار الصليبي الذي جثم على صدر بجاية لمدة نصف قرن. ما أن ترددت أصداء انتصار المسلمين في بجاية، حتى اجتاحت إسبانيا بصورة خاصة موجة من الهياج والثورة التي وجدت أصداء قوية لها في وسط الأمم الأوروبية الصليبية ودوائر البابا في روما، وكان لا بد من تهدئة هذه الجائحة الثائرة بضحية يتم تحميلها المسؤولية، ووقع اختيار الحكومة الإسبانية على قائد حامية بجاية، الذي لم يكن باستطاعته، أو باستطاعة غيره - الصمود والمقاومة بأكثر مما تم بذله. وشكلت محكمة عسكرية أصدرت حكمها بإعدامه. واقتيد إلى ساحة عامة بعد أن تم تعذيبه وتجريده، وأقبل الجلاد فهوى بفأسه على الضحية، وفصل الرأس عن الجسد، ثم رفع الرأس ليردد ما تم تلقينه له، حيث أطلقت المقولة المشهورة: (أيها الشعب، هذا رأس رجل نذل فقده صاحبه، بعدما فقد شرفه). انطلقت القوات الجزائرية لاستثمار هذا الظفر الرائع. فمضت لتحرير الساحل الشرقي للجزائر، من كل آثار الاحتلال الإسباني، ومنها مدينة القل (التي يعود تاريخ استعمارها إلى سنة ١٢٨٢م). والتي كانت قصة احتلالها مأساة في جملة المآسي التي تعرض لها المغرب العربي الإسلامي خلال تلك الحقبة التاريخية. أصبح باستطاعة (صالح رايس) التفرغ لتطهير غرب الجزائر

стр. 279

مدفع هاون جزائري (متحف الانفاليد)

стр. 280

من الاحتلال الإسباني، والتركيز على وهران بصورة خاصة، غير أن مجموعة من العوائق اعترضت سبيل التحرير. واستشهد صالح رايس (بمرض الطاعون في رجب ٩٦٣ هـ - ١٥٥٦) ثم استشهد بعد ذلك حسان قورصو، فأصدر (الباب العالي) قراره بإعادة (حسان خير الدين) واليا على الجزائر، لتبدأ صفحة جديدة من الجهاد. ب - انتصار المسلمين في مستغانم - (١٥٥٨م). تعرضت الجزائر لمجموعة من الانتكاسات بعد انتصارها الكبير في (بجاية). وتوافقت ظروف بعضها طبيعي وبعضها غير طبيعي، لتشكل ما يمكن تسميته بالإصطلاح الحديث (الهجمة المضادة) والتي كان من أبرز أحداثها قيام قوات الأشراف السعديين في المغرب باحتلال (تلمسان) وإخضاعها لهم. وفي هذه الفترة، وصل حسان خير الدين إلى الجزائر (في شهر شعبان ٩٦٤ هـ = حزيران - يونيو - ١٥٠٧ م).فكان لذلك أصداء قوية فرح لها أهل الجزائر على اختلاف نزعاتهم ومشاربهم، وعادت الثقة للمجاهدين. ومضى حسان لإصلاح جهاز الإدارة قبل كل شيء، وإلى إعادة تنظيم القوات المقاتلة. ومضى بعد ذلك بجيشه إلى الغرب الجزائري، لإرجاع جماعة (الشريف السعدي) إلى ما وراء حدوده المتفق عليها، ولإنقاذ الحامية الجزائرية التي بقيت صامدة تحت قيادة الأمير صفطه (في المشور) وهي تقاوم قوات السعديين. وعندما وصل الجيش الجزائري (تلمسان) انسحبت قوات السعديين إلى ما وراء نهر الملوية، ولم تحدث سوى بعض الاشتباكات الثانوية. ولكن حسان أراد الإفادة من هذه الفرصة للقضاء على دولة السعديين المستقلة (لا سيما بعد مقتل الشريف وقيام ابنه عبد الله الغالب بالله

стр. 281

مقامه). فمضى بجيشه حتى وصل إلى قرب مدينة (فاس). والتقى الجيشان على (وادي اللبن) ودارت معركة قاسية وغير حاسمة، وهنا وصلت معلومات إلى حسان تفيد بتحرك القوات الإسبانية من وهران، وخشي أن يوثر هذا التحرك على خطوط مواصلاته، وأن يعزله عن قاعدته في الجزائر، فقرر فك الاشتباك، وعاد بجيشه إلى مرفأ (قصاصة) في الشمال. وأركب قواته ومدفعيته وعتاده السفن. وفي الوقت ذاته عاد القائد (صفطه) القائم باسمه على مدينة تلمسان، ومعه حاميته إلى قاعدته. وما أن وصل حسان بجيشه إلى الجزائر، حتى حشد أكبر قوة متوافرة له بهدف مهاجمة الإسبانيين في وهران وأرسل إلى جموع المجاهدين في النواحي يطلب إليهم الانضمام إلى قوته عند مجرى (نهر الشلف). كان حاكم وهران (د. الكوديت) يتحرك في الوقت ذاته على رأس القوى التي أمكن له حشدها نحو الشرق قاصدا مدينة (مستغانم). وقد ضم جيشه (١٢) ألف مقاتل إسباني بالإضافة إلى جماعات كبيرة من الأعراب المرتزقة (القائد المنصور بن بوغانم) ومن معه من بني عامر وبني راشد وسواهم بالإصافة إلى مدفعية ضخمة وكميات وافرة من الذخائر وعدة سفن محاذية للجيش تحمل المؤن ووسائط القتال الثقيلة. كان (حسان خير الدين) يتابع تحرك القوات الإسبانية بيقظة وحذر، وكان الأسطول الجزائري مستعدا لمجابهة كافة الاحتمالات الخطرة. فما كادت السفن الإسبانية تغادر مياه (أرزيو) وهي مثقلة بحمولتها حتى انقضت عليها السفن الجزائرية، واستولت عليها جميعا، وانتقل كل ما كانت تحمله إلى قبضة المسلمين، فتقووا به على

стр. 282

أعدادهم. وكان الكونت (د. الكوديت) وجنوده يتابعون المعركة البحرية، دون أن يكون باستطاعتهم التدخل فيها أو دعم قواتهم، فلما شهدوا انتقالها إلى قبضة المسلمين أصيبوا بخيبة أمل مريرة، وفت ذلك من روحهم المعنوية. كان مخطط تحرك قوات المسلمين يقضي بتوجه جيش المجاهدين من الجزائر إلى مستغانم. وفي الوقت ذاته تخرج حامية تلمسان ومن ينضم إليها من جموع المجاهدين بقيادة (الحاج علي - أو قلش علي) لتسير في الاتجاه المعاكس - على الطرق الداخلية - وهي متجهة من الغرب إلى الشرق بهدف منع القوات الإسبانية من أي محاولة للتسلل نحو الداخل، أو القيام بمهاجة القرى (الدواوير) للاستيلاء على ما فيها من المواد التموينية. ودخلت القوات الإسبانية مدينة (مازغران) بدون مقاومة، وحطمت بوابتها الضخمة - الأثرية - لتنحت من حجارتها مقذوفات لمدفعيتها. ثم أسرعت في تحركها للوصول إلى (مستغانم) والتحصن فيها قبل وصول جيش الجزائر. ووصلت فعلا وهي بكامل قوتها إلى أبواب المدينة يوم ٢٢ آب - أغطس - ١٥٥٨م. فاشبكت على الفور في معركة ضارية مع قوات المجاهدين من عرب الضاحية الذين وصلوا دعما للمدينة قبل وصول الجيش الجزائري، وتمكنوا من دخول منطقة الدفاع على الرغم من الحصار الإسباني. أعلن الكونت (د. الكوديت) النفير العام عند مطلع فجر يوم ٢٣ آب - أغطس -. وتقدم بكل قواته والقوات الموالية له من الأسوار التي لم تصمد لثقل هذه الهجمة، فتحطمت الأبواب، غير أن المقاومة في الداخل لم تتأثر فمضت تلتحم مع الإسبانيين وحلفائهم، وتحولت

стр. 283

المدينة كلها ميدانا للحرب، وأصبح كل حي وكل طريق وكل منزل معقلا يدافع عنه رجال الحامية وأهل المدينة والمتطوعون. ولم تتمكن القوات الإسبانية من فرض سيطرتها، على الرغم من تفوقها الساحق، على أية منطقة أو موقع وتكبدت القوات المشتبكة خسائر فادحة في الأرواح. ووصل القتال إلى مرحلة حرجة بالنسبة للمجاهدين عندما ترددت أصداء وصول جيش الجزائر بقيادة (حسان خير الدين) إلى شرقي المدينة وجنوبها (وكان جيش حسان يضم (٥) آلاف من المشاة رماة البنادق وألف فارس) وقد انضم إليه من المجاهدين الجزائريين أثناء التحرك (١٥) ألف مجاهد تقريبا وهم يحملون أسلحة مختلفة. واقتحم جيش الجزائر بمجرد وصوله المعركة، ودخل المدينة فورا، وكان الصدام عنيفا وقاسيا، غير أن كفة النصر رجحت لمصلحة المسلمين، فما غربت شمس ذلك اليوم حتى تم إبعاد الإسبانيين وقذفهم إلى ما وراء أسوار المدينة تاركين بين جدرانها عددا ضخما من القتلى والجرحى. وقضى الجانبان المتصارعان تلك الليلة وهما يضمدان جراحاتها ويعيدان تنظيم قواتهما. حتى إذا ما أشرقت شمس يوم ٢٤ آب أغسطس - وجدت القوات الإسبانية والقوات المتحالفة معها من المسلمين أنها تقف أمام مأزق صعب جدا. حيث أحاطت قوات المسلمين بميدان المعركة من كل جهاته، فقد وقف جيش الجزائر ومعه مقاتلي مستغانم والمجاهدين من العرب المسلمين في مواجهة القوات الإسبانية. في حين وقف إلى يمين القوات الإسبانية جيش تلمسان بقيادة (الحاج علي). أما على يسار القوات الإسبانية فقد انتشر رجال البحر الذين غادروا سفنهم ونظموا قواتهم للاشتراك في حسم الصراع. في حين كانت مدفعية الأسطول الجزائري ترمي القوات الإسبانية بقذائفها المحكمة. وشدد المجاهدون قبضتهم على الإسبانيين وكانت أصوات التهليل والتكبير (صيحة الحرب) تثير فزع

стр. 284

الإسبانيين بمثل ما تثيره سيوف المجاهدين في سبيل الله. وهزت الحماسة نفوس المسلمين الذين كانوا يقاتلون إلى جانب الإسبانيين فتخلوا عن مواقعهم وانضموا إلى إخوانهم في الدين، في حين بقيت هناك فئة رفضت التخلي عن الإسبانيين، غير أنها رفضت في الوقت ذاته إشهار سيوفها في وجه إخوان الدين، فمضت إلى خيامها واعتزلت القتال ولم تبق أكثر من فئة قليلة صممت على مساندة الإسبانيين حتى النهاية. غير أن هذه الفئة لم تعد قادرة على دعم الإسبانيين الذين لم يبق لهم من أمل إلا التخلص من المعركة، وتأمين طريق للانسحاب، ولكن قوات المسلمين أمسكت بكل محاور التحرك، وأحدقت بميدان المعركة، وشددت قبضتها على العدو، وبات من المحال تأمين الانسحاب المنظم وحاول الجنود الإسبانيون عندئذ الفرار بصورة افرادية، غير أن قوات المجاهدين لم تترك لهم الفرصة، فمضت في مطاردتهم حتى بلدة (مازغران) وقتل القائد الإسباني (د. الكوديت) تحت أقدام جنوده وهم يتدافعون للوصول إلى أبواب مازغران. أما ابنه فكان في عداد الأسرى. واحتل المسلمون (مازغران) وأمروا كل من التجأ إليها. فكان عدد القتلى والأسرى من الإسبانيين يزيد على (١٢) ألف. وانتهت المعركة مع غروب شمس يوم الجمعة (١٢ ذي القاعدة ٩٦٥ هـ الموافق ٢٦ آب - أغسطس - ١٥٥٨). ج - معركة المرسى الكبير (١٥٦٣م) لم يبق للإسبانيين فوق أرض الجزائر غير قاعدتين أساسيتين هما (وهران والمرسى الكبير) ولهذا فقد عملت الإدارة الإسبانية على دعم القاعدتين بقوة ونظمتها دفاعيا. وضمنت لهما القدرة على الصمود

стр. 285

والمقاومة. وفي الوقت ذاته مضت الإدارة الجزائرية (بقيادة حسان خير الدين) لإكمال استعدادها من أجل تحرير القاعدتين المذكورتين واغتنام كل فرصة للتضييق على الحاميتين الإسبانيتين المدافعتين عنهما، حتى إذا ما كان يوم الخامس من شباط (فبراير) سنة ١٥٦٣ خرج من مدينة الجزائر جيش كبير يضم (١٥) ألفا من رماة البنادق وألف فارس من الصباحية يقودهم أحمد أمقران الزواوي و (١٢) ألفا من المشاة من قبائل (زواوة وبني عباس) وقام الأسطول الجزائري بنقل الأعتدة الثقيلة والمواد التموينية من الجزائر إلى (مستغانم) التي أعدت لتكون قاعدة للعمليات. وصل (حسان خير الدين) على رأس جيش الجزائر إلى أمام مدينة (وهران) ومرساها الكبير يوم ٣ نيسان (أبريل) وأقام معسكره قريبا منها، واتخذ مقر قيادته في (راس العين) واختار مرابض مدفعيته لتكون في مواجهة (حصن القديسين). وكان الإسبانيون في (وهران) قد أنهوا استعداداتهم الدفاعية ودعموا تحصيناتهم وقلاعهم. وتولى قيادة الحامية (دون الونزو دي قرطبة). ولم تكن الاستعدادات الإسبانية في (المرسى الكبير) أقل مما كانت عليه في وهران وقد تولى قيادة الحامية المدافعة عن (المرسى الكبير) شقيق قائد وهران (المركيز دون مارتان) وهو ابن الكونت (د. الكوديت). وقد عمل القائدان بمجرد علمها بتحرك المسلمين على طلب الدعم من إسبانيا التي أمدتهما على الفور بأربعة آلاف مقاتل تحت قيادة (دون خوان دي ماندوزا) لكن عاصفة بحرية قوية أعاقت تحرك هذا الدعم، وأغرقت ثلاثة أرباع الأسطول فلم يصل إلى وهران أكثر من ألف مقاتل (وكان قائد الأسطول الإسباني ذاته بين الغرقى). وأثناء ذلك، كان (حسان خير الدين) قد انتهى من تنظيم قواته للمعركة. وبدأت المدفعية الجزائرية
следующие страницы →