ثلاثة من وقوع الاشتباك في (بو سعادة). وكان الحراس يتناقلون همسا بأن (سي عميروش) قد استشهد. ولكن لم يظهر عليهم أي تخوف من عواقب الحادث، بل كانوا يرددون بأنه (مكتوب). وفي ١١ أيار - مايو- جاءنا القائد الذي تولى قيادة الولاية الثالثة بعد (عميروش). وقال لنا: إني أحمل لكم خبرا سعيدا فإننا سنطلق سراحكم يوم ١٨ أيار - مايو - جميعا، من مدنيين وعسكريين. فقد وصلتنا أوامر من حكومتنا بإطلاق سراحكم. ثم زارنا الطبيب في يوم ١٦ أيار - مايو - وسلم لنا ملابس نظيفة، وقبل ذهابنا قال لنا أمين سر الولاية الثالثة - سكرتيرها -: إننا لا نطلق سراحكم من أجل الدعاية في الخارج، ولكننا نرجع إليكم حريتكم بدافع إنساني محض. وعند توديعنا صافحنا جنود (جيش التحرير الوطني) بود خالص وقالوا لنا: إنهم مسرورون من أجل إطلاق سراحنا، واسعادتنا لحريتنا.
لقد أثارت هذه المقولات عاصفة قوية في غير مصلحة فرنسا، لا سيما وأنها أثارت مجال المقارنة بين هذه المعاملة الإنسانية السمحاء، وبين ما يلقاه مجاهدو جيش التحرير الوطني، ومناضلو جبهة التحرير الوطني، على أيدي الجلادين الفرنسيين عندما يقعون في قبضتهم، لا في الجزائر وحدها، وإنما في فرنسا أيضا. وكان من المفروض أن تتعلم (فرنسا الحضارة) من (جزائر الثورة) أساليب التعامل الإنساني. غير أن الحضارة المجردة من إنسانيتها مضت في وحشيتها، ويكفي التوقف عندما جاء في (نشرة جزائرية) بعد ذلك بمدة سنتين تقريبا، حيث ورد ما يلي (١):
стр. 2347
(صوتت هيئة الأمم المتحدة أخيرا على توصية طلبت فيها إلى الحكومة الفرنسية احترام الأنظمة العالمية، بمنح المعتقلين السياسيين حقوقهم، ويلاحظ أن مظاهرات فرنسية مرت من أمام السجون الفرنسية، فبعد النساء الفرنسيات، طالب جمع من الشبان يقدر بعشرين ألف متظاهر، بوضع حد للظروف المهينة التي يعيشها المعتقلون الجزائريون في سجون فرنسا. ومن الملاحظ عجز فرنسا عن تحقيق التطابق بين أقوالها وأفعالها، فبينما تتحدث الحكومة الفرنسية (الديغولية) عن رغبتها في السلم بواسطة التفاوض مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. تتابع - هذه الحكومة - سياستها المجردة من كل المعاني الانسانية، فتخضع المعتقلين لأقسى أنواع القمع والقهر، وليس ذلك فحسب، بل إن القمع المنظم قد اتسع نطاقه حتى بات يشمل كل الجزائريين المهاجرين في فرنسا، بحيث بالت من الصعب وصف العمل الفرنسي ضد الجزائريين بغير كلمات الوحشية والفظاعة والعنصرية. وبات لا يمضي يوم من الأيام، إلا ويتم فيه التقاط جثث الأخوان الجزائريين الذين عذبوا، واستشهدوا ; وقذف بهم في نهر السين، ولا يمر يوم إلا يتم فيه اكتشاف جثث جديدة، فالشرطة الفرنسية (البوليس) تقتل، وتبيد، وتنهب، وتخفي جرائمها، ولقد التقطت ستين جثة من نهر السين، واكتشفت أيضا ثلاثين جثة في (غابة بولوني). واليوم يعترف القتلة بجرائمهم.
ولقد وزع منشور - غير موقع - يحمل عنوان (جمع من رجال الشرطة - البوليس - الجمهوريين) وجاء في هذا المنشور: (من بين آلاف الجزائريين الذين اقتيدوا إلى ساحة المعارض في باب فرساي، قتل عشرات بمؤخرات البنادق - أعقابها - وبالعصي -
стр. 2348
الهراوات) فهشمت أعناقهم، أو حطمت أعضاؤهم، أو فتت أكبادهم، وسحقت أجسامهم وديست على مرأى المراقب العام المحترم (السيد باريس). في حين اقتلعت أصابع أو أظافر بعضهم من قبل رجال الأمن والدرك - الجندرمة - المتجولين الذين أطلق عليهم تجاوزا، ظلما وعدوانا، اسم: لجنة الاستقبال. وبالاضافة الى ذلك، فإن ميليشيا (المنظمة السرية المسلحة) تقتل وتنهب في طمأنينة كاملة تحت حماية (ميشيل دوبريه) الذي يشاركهم جرائمهم ويحميهم من المثول أمام العدالة. أما نحن - الثوار - فمثلنا اليوم مثل ما كنا بالأمس، وإن إرادتنا في تحرير بلادنا لن تضعف، لا بالإغراق في مياه السين، ولا في اعتقال إخواننا وإخضاعهم لظروف عنصرية وغير إنسانية - لقد عاهدنا على ذلك، وسنستمر حتى تتحقق تطلعاتنا الوطنية).
стр. 2349
٧ - مواقف لا تنسى (*)
تعتبر العدالة الفرنسية في الجزائر، أن كل جزائري هو إنسان (مشبوه) وأن كل مشبوه يجب أن يكون (مجرما). وأن كل مجرم يجب أن (يحاكم) وكل من يحاكم يجب أن (يعدم). وهذه هي المعادلة البسيطة التي سار على نهجها القضاء الفرنسي في الجزائر، طوال ليل الاستعمار عامة، وخلال مرحلة الثورة التحريرية منه بصورة خاصة.
كل جزائري مشبوه، هكذا بكل بساطة، ومن ثم فكان شيئا ملازما لهذا المنطق أن يرى أبناء الجزائر في كل يوم أعمال الاعتقالات الجماعية التي لا تفرق بين كبير أو صغير، بين رجل أو امرأة، بين غني وفقير، فكلهم جزائريون. وبمجرد أن يتم اعتقال المشبوه فإنه يقتل فورا، بتهمة محاولة الفرار، وهو إن لم يقتل في الحين، تسلط عليه عمليات التعذيب التي تنتهي (بالانتحار) أو (بالإعدام).
هكذا، اخترع رجال الشرطة (البوليس) ورجال الجيش من الفرنسيين ما عرف باسم (الاستجواب الانتحاري) ولم يكن من
стр. 2350
الغريب بعدها أن تسفر تلك التحقيقات - أو الاستنطاقات - عن اكتشاف قتل أربعة أو خمسة من المتهمين بارتكاب حادثة واحدة قام بتنفيذها رجل واحد وعندما يخرج المتهم - حيا - من أيدي المحققين (الشرطة أو الجيش) يحال إلى القضاة الفرنسيين، وقد يتخيل الإنسان أن المظالم قد انتهت عند هذا الحد، غير أن من يعرف (من هم القضاة؟) يدرك أن للقصة بقية.
إن القضاة هم فرنسيون قبل كل شيء، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، واجبهم الأول هو الدفاع عن النظام الاستعماري الفرنسي، أو ما يسمونه (الجزائر الفرنسية). فالقضاة يحاربون بأسلوبهم الخاص ضد المجاهدين الجزائريين. وليس هناك أي فارق عملي، من هذه الناحية، بين القاضي الفرنسي والجندي الفرنسي، إنهم جميعا يشكلون ما كان معروفا باسم (الجهاز الاستعماري). وإن الذين يتولون محاكمة الجزائريين (مجاهدين أو
مواطنين مدنيين) هم من الفرنسيين الذين ينظرون الى الجزائري نظرتهم إلى عدو قبل كل شيء، لا نظرتهم الى متهم بريء لا تجوز إدانته قبل ثبات التهمة عليه. ويكتفي معظم أولئك القضاة بالتصديق على تقارير تحقيقات الشرطة (البوليس) غير ملتفتين إلى أي احتجاج يصدر عن الجزائريين الأبرياء.
وبتطبيق قرار ١٧ آذار - مارس - ١٩٥٦، بات من المحال على القاضي إجراء تحقيق أو بحث حقيقي، لأنه لم يعد أمام المتهم فرصة زمنية كافية لتكليف محام من أجل الدفاع عنه. أما في المحاكم العسكرية، فإن ضباط الجيش الفرنسي هم القضاة، أي ذات الضباط الذين يرتكبون الجرائم في كل يوم خلال (عمليات التطهير والتهدئة) حيث يقتلون كل يوم من يقع تحت نظرهم من
стр. 2351
دم الثوار تعرفه فرنسا وتعرف أنه نور وحق
стр. 2352
النساء والأطفال. وهؤلاء الضباط القضاة يعتبرون عملهم في المحاكم العسكرية - عندما يحاكمون أسراهم - هو استمرار لما يقومون به من أعمال الإبادة والتقتيل في البوادي والجبال والمدن.
إن القاضي الذي يحترم إنسانيته، يطلب الأدلة والبراهين، أما قضاة فرنسا فيكتفون باعترافات انتزعت تحت ظروف التعذيب الوحشي، أو بشهادات تفتقر كثيرا إلى الدقة والموضوعية وهي أقرب إلى الشك منها إلى اليقين. ولهذا تراهم يلفظون أحكامهم كأنها طلقات نارية يقذف بها رجل معتوه: (الأشغال الشاقة) (الإعدام) ...
لقد تعاون رجال فرنسا وقوانينها على أن يبرزوا محاكمة الجزائريين على شكل انتقام ساقط يغذيه حقد أعمى. وأمام انتشار الجهاد الوطني، صار قانون العقوبات الفرنسي غير كاف. فصدرت قوانين أخرى - خاصة - بهدف القضاء على الكفاح الوطني الجبار. وكانت أبرز ظاهرة تميزت بها التشريعات الفرنسية الصادرة هي (ظاهرة العنصرية البغيضة). فقد حرم شعب كامل من الحرية الفردية، ومن جميع وسائل الدفاع، لأن هدف التشريع الفرنسي لم يكن لمعاقبة المجرمين، وإنما من أجل اعتقال المواطنين وتعذيبهم وإبادتهم بوتيرة متصاعدة يوما بعد يوم. ولهذا وجدنا مشرعي فرنسا قد أصدروا القوانين التي يمكن لأجهزتهم الاستعمارية في الجزائر الاعتماد عليها، والاستناد اليها، لزيادة المظالم، لا من أجل إنقاصها.
هكذا، استمرت أحكام الإعدام في الصدور على الوطنيين الجزائريين المسلمين، وهكذا، كان ينفذ فيهم حكم الإعدام ضمن ساحات سجون الجزائر. وإن الذين شاهدوا أولئك الأبطال، وهم
стр. 2353
يجاهدون في صفوف جيش التحرير الوطني، وفي تشكيلات الفدائيين، لن ينسوا ما شاهدوه أبدا، إذ احتفظ الأبطال ببطولتهم حتى وهم في سجونهم، وتحت رحمة جلاديهم في مجالس محاكماتهم.
لم يكن أولئك الأبطال يفكرون بالدفاع عن أنفسهم، عندما يقعوا أسرى في قبضة عدوهم، بل إنهم كانوا يقفون بكل إباء الثوار، وشمم الأبطال، فيوجهون التهم لأعدائهم، تعبيرا عن إيمانهم العميق بعدالة قضيتهم، ومثال ذلك، موقف المجاهد (ببوش) الذي قدم إلى محكمة القوات المسلحة في عاصمة الجزائر - في شهر آب - اغسطس - ١٩٥٥. فوجه إلى أعضاء المحكمة الكلمة التالية:
(إنني لست متمردا، ولست خارجا على القانون. إنني جزائري، حمل السلاح لتحرير بلاده وتحرير إخوانه من السيطرة ومن الاستعمار الذي أثقل كاهلهم منذ أكثر من قرن، أما الخارجون على القانون، وأما المجرمون، فهم أولئك الذين يضطهدون ويقتلون شعبا يعد عشرة ملايين نسمة، يريد حريته واستقلاله. إن أعداء الشعب هم الذين تحاربهم جهة التحرير الوطني ويحاربهم جيش التحرير الوطني. وبصفتي جنديا في جيش التحرير الوطني فإنني أشعر أن واجبي هو في الجهاد من أجل تحرير الوطن واستقلاله).
لقد كانت تلك اللهجة النبيلة والصريحة، هي الطابع الثابت في مواقف جميع الأبطال الذين أعدموا.
ومقابل ذلك، كان الطابع الذي اتسم به القضاة الفرنيسون في
стр. 2354
مواجهة المجاهدين، لتجسيم الجريمة ضدهم، فهو ترديد تلك النغمة البائسة: (إن فرنسا قد شيدت المدارس وشقت الطرقات، وأقامت المستشفيات الخ ...).
ولكن (ببوش) وجميع إخوانه، ممن حكم عليهم بالاعدام في (وهران) وفي العاصمة (الجزائر) وفي (قسنطينة) كانوا يجيبون على تلك النغمة البائسة بذكر الوقائع الثابتة، فيقولون بأن الجزائريين كانوا منذ سنة (١٨٣٠) يعيشون تحت حكم المظالم والاضطهاد والإرهاب، وينكرون جميع أنواع المهانة التي تسلطها الإدارة الفرنسية على ملايين الرجال - مع الإشارة إلى أن كل ما تزعمه فرنسا من إنجازات لم يكن إلا لمصلحة الاستعماريين (الكولون) ومستوطنيهم، وقلة قليلة من أتباعهم ومأجوريهم -. وفي بعض الأحيان، كان أحد أولئك القضاة، ينهض ليستخدم لغة الوعيد والتهديد، وأعصابه تغلي من الغضب، فيقابله بطل المقاومة، بهدوء واتزان، ويشير اليه بإصبع الاتهام الثابت ضد جهاز الحكم المسلط على الوطن الجزائري بأكمله. وعندما يعجز القاضي عن مقارعة الحجة بالحجة، والرد على البرهان بالبرهان، يضيق صدره، فلا يجد ما يعبر به عن مأزقه إلا بأن يسرع فيصدر حكم الإعدام.
لقد كانت أحكام الإعدام تصدر على شكل قائمة، وقائمة في إثر قائمة، وكانت الصحافة الاستعمارية تتباهى وهي تصدر على صفحاتها الأولى تلك القوائم، ومنها على سبيل المثال تلك التي نشرتها (صحيفة فرنسية) (١). والتي تم فيها الإعلان عن إعدام
стр. 2355
(١٦) جزائريا خلال أسبوع واحد. وضمت تلك القائمه (قائمة الشرف) التالية أسماؤهم:
اسم الشهيد .......... تاريخ إعدامه .......... مركز إعدامه
١ - أحمد ناصر الدين .......... ١٣/ ١٢/ ١٩٥٦ .......... قسنطينة
٢ - حجاج بشير بن شريف .......... ٣/ ١/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
٣ - محمد سعايديه .......... ٣/ ١/ ١٩٥٧... .......... قسنطينة
٤ - حميدة طرفاية .......... ٤/ ٢/ ١٩٥٧... .......... قسنطينة
٥ - السعيد لعوبي .......... ٤/ ٢/ ١٩٥٧... .......... قسنطينة
٦ - حميد بن محمد .......... ٤/ ٢/ ١٩٥٧... .......... قسنطينة
٧ - محمدالأخنش .......... ١٢/ ٢/ ١٩٥٧... .......... الجزائر
٨ - محمد النوري .......... ١٢/ ٢/ ١٩٥٧... .......... الجزائر
٩ - محمد الصالح العياشي .......... ١٤/ ٢/ ١٩٥٧ ......... قسنطينة
١٠ - عمر بن الزائدي .......... ١٤/ ٢/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
١١ - فرحات بن بلقاسم عريف .......... ١٤/ ٢/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
١٢ - علاوة بومليحة .......... ١٤/ ٢/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
١٣ - أحمد عمور .......... ١٥/ ٢/ ١٩٥٧... .......... وهران
١٤ - محمد بن الرزقي مزيرع .......... ٢٠/ ٣/ ١٩٥٧ .......... الجزائر
١٥ - صالح بو الكروة .......... ٢٢/ ٣/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
١٦ - بلقاسم مارد .......... ٢٢/ ٣/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
١٧ - محمد الشوقي .......... ٤/ ٣/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
١٨ - بدجار فرحات بن بلقاسم .......... ١٢/ ٤/ ١٩٥٧ .......... قسنطينة
وبذلك، بقيت السجون المأهولة في الجزائر وفي فرنسا من أكثر مناطق العالم نشاطا وحيوية. ولا يكون المعتقل في هذه السجون وحده أبدا، وإنما يبقى على اتصال دائم بالثورة. وها هي الأخت
стр. 2356
المجاهدة (زهراء ظريف) (١) المحكوم عليها بعشرين سنة من الأشغال الشاقة، تدلي بشهادة خالدة تصف فيها أعمال الإعدام في سجن (بربروس) فتقول: (إنك لا تسمع في حي المحكوم عليهم بالاعدام إلا نداءات: (الله أكبر) و (النشيد الوطني) و (التضحية من أجل الوطن هي خير من الحياة). وتصدر هذه النداءات عن الذين يقادون الى الموت. كما تصدر عن بقية المعتقلين، فتنتقل من مكان قريب إلى مكان أبعد منه، حتى تعم جميع الأحياء في الساعة الرابعة صباحا. وترافق أصوات النساء في الحي الأقرب، وحتى مكان التضحية، إخواننا الذين يقادون الى الموت. وتستمر هذه الأصوات في مرافقتهم حتى مدافنهم. وفي الوقت الذي يحتل فيه الحرس الجمهوري المعابر والدروب، تتعلق النسوة المعتقلات بحديد النوافذ وترفضن إلا أن تنشدن الأناشيد الوطنية التي نموت من أجلها، وتأبين إلا تسمعنها لضحايا العدوان الاستعماري. وكانت رغبتنا كلها هي إشعار إخواننا بأننا نعيش معهم حتى النهاية - إننا نعيش في (سجن بربروس) ونحن في حالة من الفزع الدائم بنتيجة هذه الإعدامات المتجددة في ليلتين أو ثلاثة من كل شهر، حيث تهوي المقصلة لتبتر أعناق إخواننا، تلك المقصلة التي انتشرت في الجزائر كلها: من العاصمة إلى قسنطينة وإلى وهران - ونحن نحصي برهبة تواريخ عودة استخدام المقصلة في السجن الذي نحن فيه ولم يتغير شيء، على الرغم من الوعود الكثيرة. فإخواننا ما زالوا يستشهدون دائما، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا كرامتنا).
стр. 2357
٨ - الثورة ومسؤولية القيادة
لقد انطلقت الثورة منذ البداية على أساس القيادة الجماعية، تنكرا لمبدأ عبادة الفرد من جهة، واستجابة لمتطلبات الحرب الثورية وظروفها من جهة ثانية؛ غير أن ذلك لم يكن ليتناقض أبدا مع أهمية القائد ودوره الحاسم في إدارة الحرب الثورية وتوجيهها، ومن هنا فقد احتل الرواد التاريخيون الذين اتخذوا قرارهم التاريخي بتفجير الثورة وإدارة عملياتها في أصعب ظروف الجهاد وأقساها، مرتبتهم الخالدة؛ ومن هنا أيضا برزت أهمية النسق الثاني والأنساق التالية التي تتابعت على قيادة الجهاد طوال فترة الحرب الثورية، حيث اضطلع جيل القادة بدور تاريخي لا ينكر. وقد يعجب المرء لتلك الطاقات القيادية، وتلك الكفاءات العالية التي فجرتها الثورة، ما تكاد فئة منها تمضي للقاء ربها بعد أن تكون قد أدت واجبها، حتى تخلفها فئة ثانية، بمثل كفاءتها وبمثل صلابتها، وبمثل تصميمها وعنادها. وأكد الشعب الجزائري بذلك غناه بالكفاءات القيادية. والمهم في الأمر، هو أن هذه القيادات التي تصدت لدور الريادة، قد عملت منذ البداية على إعداد أجيال القادة وتأهيلها، إيمانا منها بأهمية الدور القيادي في الثورة من جهة، وإخلاصا منها لفكرة الثورة
стр. 2358
التي يجب لها أن تنمو وأن تتعاظم فوق كل الأفراد الزائلون حتى تبقى جذوة الثورة متأججة ومتقدة ومستمرة، ومتطورة. وهذا هو بدقة ما عبر عنه (توجيه للقيادة) (١) حفظته وثائق الثورة وتضمن ما يلي:
(إن المسألة التي نتناولها اليوم تهم أفضل - سير وتطور وتقدم - منظمتنا الثورية، ويجب أن تكون هذه الخصائص الثلاثة دائمة. وإن كل منظمة وكل تجمع ينسق نشاطه نحو هدف معين يجب أن يكون لهم مسؤولون يقودونهم ويسيرونهم. فمثلا: إن للجيش إطاراته - كادراته - وهم الضباط وصف الضباط. والباخرة يسيرها ربانها يعاونه في ذلك مساعدوه. وللمؤسسة مديرها وإطاراتها ومراقبوها الخ .. ومنظمتنا لها مسؤولوها. فالشخص أو مجموع الأشخاص الذين يكلفون بالإدارة والتسيير يتحملون مسؤولية القيادة.
إن المسؤول في منظمة جبهة التحرير الوطني هو قبل كل شيء مجاهد من أجل القضية الجزائرية، تم تعيينه في المستوى الذي هو فيه، وذلك للاضطلاع بمهام مختلفة ومعقدة، فإذا اختير لهذا المركز فليس ذلك تبعا لهذا الظرف العرضي - الطارىء - أو ذاك، ولا تبعا لهذه التوصية أو تلك، ولا لكونه قد أفاد من هذه العلاقة أو تلك، وإنما يتم اختيار المسؤول فقط لأن جهاده وكفاءته تؤهلانه لهذا التعيين، وتمكنانه من الاضطلاع بمسؤوليته. ومهما تكن مرتبة المسؤول في سلم التسلسل التصاعدي، فإنه يجب أن يكون قائدا جماهيريا ومنظما ومربيا. يقوم بواجبه مثله كمثل بقية مجاهدي
стр. 2359
الجبهة. وهو مسؤول عن أعماله مثله كمثل جميع مجاهدي الجبهة. وزيادة على ذلك، يجب عليه باعتباره مسؤولا أن يتصدى لحمل مسؤولية كافة الأعمال التي يقوم بتنفيذها جميع العاملين تحت قيادته.
وهكذا، فكلما ارتفع مستوى مسؤوليته في السلم التصاعدي، كلما زادت أعباء الواجبات التي يضطلع بها، وكلما اتسع نطاق عمله أكثر من عمل المجاهد العادي. فإذا كان مجاهد القاعدة لا يقوم إلا بالعمل الذي يطلب إليه تنفيذه. فإنه يجب على المسؤول أن يسهر على تنفيذ التعليمات وشرحها بوضوح كامل. ويبقى من واجبه السهر الدائم حتى تصل التعليمات إلى أهدافها، وحتى تحقق النتائج المرجوة منها. ثم يجب عليه أن يراقب ويوجه وينسق نشاط كل المجاهدين العاملين معه.
يجب على كل مسؤول أن يفكر باستمرار في المبادرات التي يتخذها لتوجيه المجاهدين في القاعدة، ويجب عليه الاهتمام بتشكيل منظمته وتكوينها، وإعداد هيكلها حتى يجعل منها أداة مستعدة دائما للقيام بدورها في الثورة، وعليه ألا يضع في نظرياته، أو أن يحلق في الخيال، يعني فوق العناصر التي هي تحت مسؤوليته، بل على العكس، يجب عليه أن يعيش وهو على اتصال مستمر بالقاعدة، حتى يلمس الواقع ويدرك أبعاده ومن الواضح، بأنه من المحال على المسؤول أن يتمكن من الاضطلاع بدوره بنجاح، إلا إذا جمع مع المعرفة فصائل الإخلاص وروح المبادرة، ولكن مهما يكن اتساع معارفه، فيجب أن يحذر من الوقوع تحت سيطرة مشاعر التفوق التي تقوده للغرور، ففي ذلك السم القاتل الذي يشكل خطرا على تضامن المنظمة. وعندنا مثل يقول: (إن الإنسان
стр. 2360
الشعب والجيش في خندق واحد
стр. 2361
الحكيم لا يهمل النصيحة مهما بلغت درجة معارفه).
تعترض المسؤول عادة بعض الصعوبات الخاصة التي يجب عليه حسمها بنفسه، إذا كان يمتلك الكفاءة لذلك، أو أن يساعد مرؤوسيه، العاملين تحت قيادته، على إيجاد الحلول المناسبة لها. ويجب عليه ألا يفرض أبدا هذا الحل أو ذاك، إذا لم يحدد مسبقا الضرر، أو الأضرار، المحتملة والمتوقعة. وأن يستعين بوجهات نظر مساعديه المباشرين وآراءهم، في علاج الموقف، ووضع الحلول التي يتطلبها الوضع. وإن وظيفة المسؤول لا تتنافى مع الإدارة الجماعية، فهذا المبدأ الذي وضعته جبهة التحرير الوطني قاعدة لهيكلها التنظيمي هو مبدأ صحيح، سواء كان ذلك على مستوى القسم والناحية أو حتى على أرفع المستويات في قيادة الثورة، وأعلاها مرتبة.
ليس المسؤول ممثلا للقاعدة أمام القيادة، ولا هو مندوب نقابي لدى المسؤولين الذين هم أعلى منه رتبة. بل إنه انعكاس القاعدة لدى كبار المسؤولين، ويجب أن يستخلص المسؤولون من تقاريره صورة صحيحة ودقيقة لما هو عليه موقف القاعدة وحالتها فالمسؤول إذن هو الذي يبين لمن هو أعلى منه في المسؤولية حقيقة الموقف على مستواه، وبصورة موضوعية. ويوضح بدقة مقترحات وطلبات القاعدة واحتياجاتها وما تجابهه من صعوبات وما تمارسه من أعمال، وردود فعلها أمام المشاكل التي تجابهها الخ.
وعلى هذا، فالمسؤول ليس موزع بريد ولا رجل اتصال، مهما كان موقعه في المسؤولية ما بين القمة والقاعدة. وعلى المسؤول، في الحالات كلها، أن يعمل قبل كل شيء لمصلحة الثورة. وإذن، فإننا نرى أن المسؤول هو أيضا العقل المفكر الذي يهيء في مستواه
стр. 2362
التعليمات التي يراها ضرورية في هذا المستوى، ويوضح التعليمات التي تلقاها من المستوى الأعلى. وعلى ضوء البيانات بشأن دور المسؤول، فإننا نعتبر أن المسؤولية في جبهة التحرير الوطني هي وعي الدور الذي يمارسه كل إطار في المستوى الذي هو فيه.
من المؤكد، بعد ذلك، أن المسؤولية ثقيلة، غير أن ثقل هذه المسؤولية، وما تتضمنه من مناظر تجعل من الاضطلاع بها شرفا أسمى، إذا ما اعتبرنا أن الأطر (الكادرات) في جميع المستويات هم الذين لهم الشرف الأعظم في قيادة ثورتنا. فالمسؤولية لذلك لا تسند إلا للرجال الذين هم أهل لها، وللوطنيين المخلصين المتجردين الذين لا يرجون جزاء ولا شكورا، وللذين أقروا العزم على التضحية بأعز ما لديهم من أجل انتصار مثلنا العليا في التحرير الوطني.
***
стр. 2363
٩ - الفلاح والثورة
يبقى هناك سؤال، في جملة الأسئلة، التي لا بد لها وأن تصدم بقوة كل باحث في عمق الثورة الجزائرية، ويتلخص هذا السؤال بالتالي: لقد انطلقت شرارة الثورة في المدينة، فلم تلبث حتى ألهبت السهل والجبل، فهل كان ذلك لأن العشب الجاف، والوقود الصلب، في السهل والجبل، كان أكثر استعدادا للاحتراق بنار الثورة؟. لقد انسحب الرواد التاريخيون بعد أن أيقظوا شعب الجزائر بتظاهرتهم العنيفة، ليستقروا - كالعقبان - في صياصي الجبال، فهل كان ذلك لمجرد الإفادة من منعة الطبيعة الجبلية في الأوراس ومنطقة القبائل، وما توفره هذه المناطق من الحماية الطبيعية؟ ولقد ألقت فرنسا بثقل قواتها لقمع الثورة منذ بداياتها المبكرة، واحتمل سكان السهول والجبال من الضيم والعسف ما لا تحتمله إلا الجبال الراسيات، فلم تضعف لأبناء السهول والجبال قناة، ولم تلن لهم إرادة. وأتعبوا أقوى جيوش الاستعمار ولم يتعبوا، فهل كان ذلك بسبب طبيعة أبناء هذه المناطق؟ ولقد تشكلت المناطق المحررة، أول ما تشكلت، في مناطق الأوراس والقبائل الكبرى، فما هو السر في ذلك؟ إن السر كامن في ذلك التلاحم الخالد بين المواطن الجزائري والأرض الجزائرية، وهو التلاحم الأبدي بين المواطن والوطن - وقد
стр. 2364
صدرت أبحاث كثيرة عالجت هذه النقطة بالذات وقد يكون من الأفضل الامتناع عن كل تعليق، وإفساح المجال أمام بحث عن (دور الفلاح الجزائري في الثورة) (١) صدر في المراحل الأخيرة من هذه الثورة.
(إن أبرز سمات الثورة العربية بالجزائر، ارتباطها بالأرض. فالأرض هي الإطار الذي أبرز النضال، والأرض هي منبع مقاومة جيوش الاحتلال، وهي المصدر لكل الانتفاضات التي تطورت إلى ثورة اعتبرت معجزة في تاريخ نضال الشعوب ضد الاستعمار).
وإذا تفحصنا تاريخ الجزائر، بمجهر النزاهة العلمية، والإنصاف الموضوعي. وجدنا أن الفلاح هو العنصر المحرك - الدينامي - الفعال الذي مارس دورا رئيسيا في المقاومة والثورات. فالفلاح هو الذي قاد المقاومة ضد جيوش الاحتلال الفرنسي، والتي استمرت من سنة (١٨٣٠) حتى سنة (١٩٠٣). ومن الفلاحين شكل الأمير عبد القادر جيشه الذي قاد المقاومة مدة سبعة عشر عاما (من سنة ١٨٣٠ حتى سنة ١٨٤٧). والفلاحون هم الذين قاموا بثورة (أبي بغلة) سنة (١٨٥١) وهم قاموا بثورة (بني سناسن) سنة (١٨٥٩) وهم الذين قاموا بثورة (أولاد سيدي الشيخ الأولى سنة ١٨٦٤) والفلاحون هم الذين كون منهم البطلان (الشيخ الحداد والمقراني) جيشا ثوريا (سنة ١٨٧١) اضطر فرنسا إلى إرسال ربع مليون جندي لإخماد هذه الثورة بعد أن خسرت فيها (٦٠) ألف جندي. والفلاحون هم الذين قاموا بثور أولاد سيدي الشيخ الثانية (سنة ١٨٨١) عقب احتلال فرنسا
стр. 2365
لتونس مباشرة. والفلاحون مع البدو، هم الذين حاربوا جيوش فرنسا بصحراء الجزائر من سنة (١٨٨٩) حتى سنة (١٨٩٢) والفلاحون هم الذين قاموا بثورة (أوراس - سنة ١٩١٧).
لكن لماذا كان الفلاح بالجزائر عنيفا في مقاومته للاحتلال الفرنسي؟ إن الأرض هي السبب الرئيسي في عنف مقاومة الفلاح بالجزائر للاحتلال. فتوزيع الأرض بالجزائر يكاد يشكل نموذجا فريدا في نوعه، في تاريخ الأقطار الحديث. وإذا ما عدنا إلى العهد التركي فإننا نجد أن إدارة الحكم قد اكتفت بممارسة سلطتها على المدن الكبرى والمناطق القريبة التي لا تتجاوز سدس القطر الجزائري. وتركت للجزائريين حرية إدارة بلادهم. فتشكلت في كل منطقة إدارة أشبه ما تكون (بجمهوريات قبلية) وهكذا فعندما احتلت فرنسا الجزائر وجدت أربعة أنواع من الملكيات العقارية التي تشغل خمسة أسداس الجزائر، وكانت هذه الملكيات كالتالي:
١ - ملكية الدولة (البايليك).
٢ - أراضي (الأحباس) الموقوفة للمساجد والجمعيات الخيرية والهيئات الدينية.
٣ - أراضي القبيلة أو القرية (أراضي العرش) وهي عبارة عن ملكية جماعية.
٤ - أراضي الملاك الأفراد.
وتكاد الملكية الفردية تنعدم تماما بالمقارنة مع انتشار الملكية الجماعية. حتى أن القبائل بالجزائر لم تعرف الملكية الفردية إلا بعد دخول الفرنسيين. وقد كان لكل قرية أرضها الخاصة بها، يستثمرها سكانها استثمارا جماعيا. ويعين شيخ القرية في كل سنة، جزءا من الأرض لكل أسرة، وتضم مجموعات من الأسر الأراضي المخصصة لها
стр. 2366
بعضها الى بعض، ثم تزرعها، وتتعاون في العناية بها وحصاد محصولها. وللفرد والأسرة حق استثمار الأرض وليس لهما حق الملكية.
لم تكن القبائل تعرف بيع الأرض قبل دخول الفرنسيين للجزائر. ولهذا فإن النظام الزراعي الذي كان قائما في العهد التركي لم يسمح بظهور الإقطاعية. وخلق نوعا من الحياة الديمقراطية التي تتخذ العدالة الاجتماعية قاعدة لها. فالأرض ملك للجميع، والفرص متاحة أمام الجميع للعمل. وما على الفرد إلا أن يكد ويعمل حتى يحصل على الانتاج الذي يحفظ لا كرامته الإنسانية. وقد شهد بذلك القادة العسكريون الفرنسيون ذاتهم عندما دخلوا الجزائر، ووجدوا بها حياة ديمقراطية أفضل من الحياة التي كانت سائدة في فرنسا ذاتها - مثل الكونت دي هيرسون - الذي كتب يقول:
(إنني أشك في أمر احتلالنا لهذه البلاد. فإن للقبائل حق الأولوية - الذي لا جدال فيه - من العيش بين منازلها على نحو ما كان عليه حالها منذ أجيال مضت. ويبدو لي أن العرب لم يسيؤوا التصرف في معيشتهم، ما داموا يحكمون أنفسهم بقوانين ديمقراطية صالحة ... ونحن نقسو عليهم لا لشيء إلا لأننا أقوى منهم ...).
ويقول العقيد - الكولونيل فوري - في ذلك ما يلي: (لم أر قط، ولم أكن أتوقع مثل هذه الكثافة من السكان، ومن ضخامة المراكز التي تجمعهم كما رأيت في جبال - بني بوعايش - وبني مالك - فهنا تجد المساكن المنعزلة كثيرة. ولكن تجد أيضا مداشر وقرى، شبيهة بالتي عندنا في فرنسا، وفوق أحسن وأجمل ما تكون من المواقع. كلها محاطة بالبساتين والجبال المشجرة العالية العظيمة بأشجار الزيتون فيها. ولقد وقفنا كلنا ونحن في دهشة وذهول أمام هذا المجال الطبيعي الذي لا يكاد يحد. ولكن الأوامر هي الأوامر .. وقد كان اعتقادي
стр. 2367
أنني أقوم بواجبي كأكمل ما يكون، عندما لا أترك قرية واحدة قائمة، ولا شجرة واقفة على ساقها، ولا حقلا عامرا. وإن الشرور التي اقترفها جنودي كانت لا تعد ولا تحصى. ولكن هل ذلك شر؟ أم هو خير؟ إنني أعتقد أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لحمل السكان على الاستسلام والهجرة).
كان من نتيجة هذه الحياة الجماعية العادلة، أن عاش الفلاح الجزائري بمستوى حياتي جيد ترك أثره في بنيته وصحته. وها هو الجنرال - فالازيه - يشهد بذلك في أحد تقاريره: (كان هؤلاء البدو والسكان في القرى والمداشر، يمارسون بعض الألعاب الرياضة البدنية، التي جعلت منهم، مع ما كانوا يتمتعون به من الهواء الطلق والرخاء الحقيقي في المعيشة، رجالا كاملي الرجولة).
لقد جعلت الحياة الديمقراطية، ورخاء العيش، وسلامة البنية، من الفلاح بالجرائر، نموذجا كاملا للاسان الثائر، فهو لا يعرف سوى الحرية، ويجهل كل أنواع العبودية وأشكالها - إلا العبودية لله الواحد القهار - له نفس تأبى الضيم وتعاف الذل، جبار إذا ما شعر أن كرامته قد أهينت، أسد إذا اعتدي عليه. وإذا ثار فهو صامد لا تلين له قناة، له إصرار على الوصول إلى الهدف يبلغ إلى حد العناد. وهذا النموذج الكامل للإنسان الثائر في شخصية الفلاح العربي المسلم بالجزائر هو الذي جعل مؤسس الإستعمار الفرنسي بالجزائر، (الجنرال بوجو) يصيح صيحة ملؤها الإعجاب فيقول:
(آه! لو لم يكن هناك عرب في الجزائر، أو لو كان العرب يشبهون تلك الشعوب المائعة التي في الهند ... لما نصحت بلادي جلب جالية لنقيم إلى جانب العنصر العسكري. ولكن وجود هذه الأمة التي بلغت من شدة المراس والاستعداد للحرب حدا أرفع بكثير
стр. 2368
مما هو عند الجماهير الأوروبية، يضطرنا اضطرارا إلى أن نضع أمامها وحولها وفي وسطها سكانا يكونون على أوفر ما يمكن من القوة).
هذه الصلابة، وهذا الثبات، وهذا الإصرار، وهذه البطولة الأسطورية التي امتاز بها الفلاح الجزائري هي التي دفعت ضابطا فرنسيا آخر (اسمه فيستي) يصرح بإعجاب وهو يروي لقائده -الجنرال - في أحد التقارير حادثة رجلين اتهما بقتل ضابط تركي يعمل في الجيش الفرنسي، وحكمت عليهما السلطة الفرنسية بقطع يديهما. قال الضابط الفرنسي: (حزم ذراع كل منهما عند الزند، وشد على شرايينهما بحبل، ثم وقع جز اليد بتمهل وبطء. ثم رميت اليدان على وجهيهما. ولكن يا سيدي الجنرال، لقد رأيت هذا بعيني؛ إنه لم يظهر على الرجلين أثناء العملية أي شعور بالألم. لقد بقي وجه كل واحد منهما طبيعيا، لا أثر فيه للتوتر أو الانفعال. ثم تناول كل منهما يده الملقاة على الأرض بيده السليمة. وسار الرجلان جنبا إلى جنب وهما يتحادثان بهدوء عجيب إن رجالا من هذا النموذج قادرون على أن يفعلوا شيئا عظيما ورائعا).
لقد استخدم جيش الاحتلال كل وسائل الرعب والإبادة والتقتيل الجماعي والتعذيب، وعلى الرغم من ذلك كله، فقد صمد الفلاحون صمودا عجيبا، ولم يستسلموا أبدا. وهذا ما أكده ضابط فرنسي يدعى - كاروبير - في تقرير له: (تجولنا طويلا ونحن نحرق ونتلف ونسحق القبائل بين - البليدة - و - الشلف، وفي ضواحي - شرشال، وبالرغم من أن الرعب الذي نشرناه كان عظيما، فإن الهدف الذي كنا نريد تحقيقه وهو حملهم على الاستسلام، لم يتحقق).
стр. 2369
وثورات هؤلاء الفلاحين العزل، الذين أحرقت مزارعهم وقراهم، وقتلت مواشيهم، وهدمت منازلهم، هي التي بقيت مصدر تهديد للجيش الفرنسي ذو الماضي العريق بالأمجاد العسكرية، والتاريخ الطويل بأعمال الإبادة. قال الدوق دورليان - وهو من طليعة الاستعماريين في فترة احتلال الجزائر: (إن هؤلاء الرجال، ذوي الحمية والبأس، أذاقوا الفرنسيين متاعب لم يعرفوها في كامل حروبهم الامبراطورية، وساهموا - أكثر من أي جيش
نظامي آخر - في تدمير الجيش الفرنسي ... لقد كانوا يمنعون الجيش الفرنسي أن يذوق للنوم طعما، فكانوا يضطرونه للبقاء على قدم التحفز الذي لا يهدأ ..).
لقد فشلت كل الوسائل التي استخدمها الفرنسيون زمن الاحتلال، لإخماد ثورات الفلاحين بالقوة. إذن، فما هو الحل الناجح لإيقاف هذه المقاومة الجبارة؟ لقد توصل الفرسيون أخيرا إلى الحل الذي وصفه - لاموريسيير - وهو من أوائل رجال الاستعمار في الجزائر أيضا - بقوله: (لكي نحقق تلك الغاية، فإنه يجب علينا استيراد مزارعين أوروبيين، لأنه ليس باستطاعتنا أبدا أن نثق بالأهالي ثقة تامة، ذلك أنهم على استعداد دائم للقيام بالثورة عند سماع أول كلمة بإعلان الحرب. فبين الغزو والاحتلال الحقيقي، يكون استسلام العربي مجرد استسلام مرحلي لا بد منه. إن السكان المسيحيين المزارعين - الفرنسيين - هم وحدهم الكفيلون بتحقيق أملنا في الاستقرار يوما من الأيام في الجزائر. يجب علينا إحضار أكبر عدد ممكن من المزارعين المعمرين، ونشجعهم بأن نقتطع لهم الأرض ونملكهم إياها حتى تتزايد أعدادهم). وهكذا، فإن الحل الذي توصل إليه الفرنسيون للقضاء على مقاومة الفلاحين هو في
стр. 2370
تجريدهم من مصدر هذه القوة الجبارة. وهذا اللباس السحري هو في حرمانهم من الأرض التي كيفت شخصيتهم وأبرزتها إلى الوجود كشحنات من الطاقات الثورية الرهيبة. وصار العقاب الذي يسلط على القبائل الثائرة من بعد ذلك، هو انتزاع أرض هذه القبائل وطردهم منها، فمثلا فرضت على القبائل التي قامت بثورة سنة (١٨٧١) غرامة قدرها (٣٦) مليونا من الفرنكات مع تجريدهم من أملاكهم التي قدرها المؤرخون الفرنسيون بنصف مليون هكتار (والهكتار يساوي فدانين ونصف الفدان في الجزائر).
لجأ القادة الفرنسيون أيضا إلى إغراء المجندين في جيش الاحتلال، بمنح كل جندي أو ضابط حصته من أرض القرية المقهورة. وهكذا صارت أرض القرية تقتطع للضباط الذين يخمدون ثورتها، ويجلون أهلها عن ترابها. أما السكان، فكانوا يطردون إلى المناطق النائية عن العمران. وفي ذلك قال أحد الضباط الفرنسيين: (أما وقد عجزنا عن إخضاع الجزائريين، فلنقذف بهم بعيدا كالوحوش الضارية التي تطرد من الأماكن المأهولة. علينا أن ندفع بهم أمامنا مع تقدم العمران حتى نرميهم في الصحراء. ونبقيهم هناك إلى الأبد).
انتشرت على أثر ذلك المضاربة بأراضي القبائل السليبة، لا سيما بين الضباط الفرنسيين. قالت زوجة الجنرال (برو) في خطاب أرسلته إلى أحد أصدقائها سنة ١٨٣٤ ما يلي: (تسألني أيها الصديق عما وصلت إليه أعمال الاستعمار هنا، والحق أنها اقتصرت حتى الآن على الاستيلاء والمضاربة بالممتلكات. الناس يضاربون على الأراضي كما يضاربون في الأسواق على النبيذ واللبن. وقد تدهش إذا قلت لك أن أراضي - بليدة - قد بيعت إلى آلاف من الأفراد قبل
стр. 2371
استيلاء جيشنا عليها. ويجد المشترون متعة في تركيب نظاراتهم المقربة، والوقوف على أعلى الهضاب التي تبعد مسافة ثلاثة فراسخ من - بليدة - لتنعم أعينهم بمشاهدة الأراضي التي دفعوا ثمنها، ولما يستولي عليها الجيش بعد. ويتوجه الكثيرون إلى مكان - التوثيق - لشراء مساحات من الأرض على أساس الوعود فقط. وهكذا نجد أن سهل متيجة - أو متوجة - وهو عبارة عن مستنقع - يبلغ طوله خمسة وعشرون فرسخا وعرضه نحو اثني عشر فرسخا، قد بيع عن آخره مقدما، ولم يبق على المشترين الجدد إلا أن يدفعونا للتقدم نحوه، فنقتل أونقتل في سبيل الحصول عليه).
اكتشف الفرنسيون بعد مدة أن هذه الوسيلة لم تجد نفعا، مع صلابة الفلاحين، مع هذا العنصر المنتج والفعال - الدينامي - إذ أخذ الفلاحون بعد طردهم من أرضهم، يتجهون إلى مناطق أخرى، يستقرون بها، ويستصلحون بورها، ويستثمرونها بطريقتهم الجماعية التعاونية، ثم سرعان ما يتخذونها قاعدة للهجوم على جيش الاحتلال من جديد. ولقد تحدث (مالارمي) عن جماعات في شرق محافظة (قسنطينة) فرضت عليهم العقوبات من قبل. ثم أعاد (أولاد يحيى) تنظيمهم وجمع شملهم. وقال هذا (المالارمي): (لكننا سنعمل على إفقارهم. ففي ذلك الضمانة الوحيدة للمستقبل).
لجأ الفرنسيون إلى حل ثان من أجل القضاء على ثورات الفلاحين وإخمادها. وهذا الحل هو استعمال التشريع (القانون سلاحا يدعم عمليات اغتصاب الأرض من الفلاحين. ففي ٣١ تموز - يوليو - ١٨٧٢، صدر أمر بأن يضم إلى أملاك الدولة مجموع الأرض الخالية من العمران، والتي لا يستطيع أصحابها تقديم
стр. 2372
سندات تثبت ملكيتهم لها قبل تموز - يوليو - سنة ١٨٣٠. (السنة التي وقع فيها احتلال فرنسا للجزائر). وبطبيعة الحال، كانت الملكية الجماعية هي السائدة آنذاك، وهي لا تحتاج إلى سندات يحصل عليها الفلاحون لتثبت ملكيتهم للأرض. وما دامت الأرض ملكا للقبيلة، وللفرد حق الاستثمار فقط، وليس له حق البيع، وهو نظام تعاوني يخلق جوا من الانسجام والتعاون بين أفراد القبيلة، ويجعل منهم كتلة قوية متماسكة، ما دام هذا النظام هو السبب الرئيسي في قوة جبهة الفلاحين وصلابتها، فلتصدر القوانين التي تهدف إلى تفتيت هذا النظام الاجتماعي، وتؤدي إلى تمزيق هذا التجمع المتماسك، وتقلب كتلة القبيلة أو القبائل المتلاحمة إلى مجموعة أسر وأفراد متخاصمين متشاحنين، بالقضاء على الملكية الجماعية، وبتوزيع أرض القبائل بين أسرها وأفرادها، ثم إجازة بيعها. وكان نص قانون الاستيلاء على الأرض الجماعية هو التالي: (أليست الأراضي الشائعة التي تملكها القبيلة هي ملكية جماعية، وهي شيء ملك الله قبل كل شيء، وإذن فهي ملك للبايليك أي للدولة، فهي التي تمثل الله على الأرض، أليست القبائل تملك الأرض هذه ملكية جماعية لاستيلاء العرب عليها بالقوة من قبل؟ ومن جهة أخرى، ألا يجب أن تنتج أكثر من انتاجها وهي على هذه الحال؟ إذن، فلتعبر القبائل مستأجرة لهذه الأراضي من الدولة، وليس هناك ما يمنع الدولة من أن تقسمها وتديرها إدارة حسنة، وتصدر فيها سندات ملكية).
لقد كان قانون سنة (١٨٧٢) هو أخطر قانون دمر جبهة الفلاحين، وتظهر فظاعة هذا القانون من خلال تصريح أحد فلاحي قبيله (أولاد أرشاش) عندما قال معلقا على هذا القانون (لقد
стр. 2373
تغلب الفرنسيون علينا في حقول السبيخه - وهي الأراضي التي كانت تمتلكها القبيلة التي طردت منها - وقتلوا شبابنا، وفرضوا علينا غرامات ثقيلة وضرائب فادحة، لكن كل هذا هين ولا يعد شيئا، والجراح لا بد لها من أن تلتئم ... لكن إنشاء الممتلكات الفردية الخاصة، والترخيص لكل فرد ببيع الأراضي التي تكون من نصيبه بعد اقتسامها، معناه إصدار قانون بإعدام القبيلة. فبعد عشرين عاما من بدء تنفيذ هذا القانون، سيكون أولاد أرشاش قد انقرصوا عن آخرهم).
لم يكن قائل هذه المقولة خبيرا اقتصاديا، ولا باحثا أو فيلسوفا اجتماعيا، وإنما هو فلاح بسيط في الجزائر، عاش حياة الجماعة، وعرف أنها النمط الوحيد الذي يحافظ على وجود الفلاحين ويحميه من الانقراض أمام سياسة الإبادة المنظمة وأساليب الإفقار والتجويع التي اتبعتها فرنسا، وهي وحدها التي تضمن لهم القدرة لاستعادة قواهم، ثم استرجاع أراضيهم من أيدي المغتصبين الفرنسيين وما دام الفرنسيون قد أدركوا سر قوة القبيلة، عملوا على حلها، فقبيلته ستنقرض بعد عشرين سنة، وفقا لتوقعاته.
وصل الفرنسيون إلى هدفهم، فحلوا الملكية الجماعية، وبحلهم لهذا النوع من الملكية، توصلوا إلى تفتيت جبهة الفلاحين، وخلقوا منازعات بينهم تطورت إلى حروب بين القبائل من أجل رسم الحدود الفاصلة بين الملكيات. وقد حفظ لنا الأجداد قصصا عن فظاعة تلك الحروب التي وقف الفرنسيون الاستعماريون وراءها، وعملوا على تغذيتها وزيادة عمق الخصومات فيها. وما لبثت مقاومة الفلاح لجيوش الاحتلال أن أخذت في الانحدار والتناقص (بعد ثورة سنة ١٨٧١). ولم يكد يحل العقد الأخير من
стр. 2374
القرن التاسع عشر حتى كانت هذه المقاومة الإيجابية قد وصلت إلى نهاياتها. ثم جاءت فترة صمت، لم يسمع خلالها صوت يرتفع بالاحتجاج أو يطالب بحق. وقد يتبادر للذهن هذا السؤال: كيف حافظ الفلاح على ثوريته، بعد الضربات المتوالية التي وجهتها السلطات الاستعمارية الى كيانه الاجتماعي ونظامه الاقتصادي؟ .. وكيف يمكن للفلاح أن يبقى ثوريا بعد أن افتكت أرضه منه؟ أليست الأرض هي مصدر هذه الطاقات الثورية المتفجرة؟ .. والجواب هو أن الفلاح الذي تفتت كيانه الاجتماعي على أيدي قادة الاحتلال الفرنسي، لم يعدم بقية من آثار هذا الكيان المرتبط بالأرض، نقلت له في إطار تقاليد توارثها أبا عن جد، من خلال حلقات السلسلة التاريخية التي تربط عهد قيام كيانه الاجتماعي بتاريخه الحديث.
إن الفلاح إذا ارتبط بالأرض ارتباطا وثيقا وسليما، وإذا دام هذا الارتباط مدة تمكنه من الإثمار، فقد حمل في نفسه آثارا عميقة لا يمحوها الزمن، ولا يزيلها تعاقب الأحداث. وكانت هذه الآثار شبيهة بما تركته الأشجار الباسقة من آثار في طول عنق الزرافة - بحسب نظرية داروين في النشوء والارتقاء وإن كنا لا نؤمن بها والا نعتقد بصحتها -. وإن الذي يعيش في قرية من قرى الجزائر، ثم تتاح له فرصة التأمل في بنائها الاجتماعي من الخارج، وفي العادات المتوارثة في هذا البناء، سرعان ما يدرك وجود بقية من تقاليد وعادات ترجع إلى عهد الحياة الجماعية للفلاحين. فبالرغم من أن كل فلاح له أرضه التي تفصلها عن أرض جاره حدود معينة، فإن مضمون العلاقات التي تربط بين الفلاحين بقي جماعيا.
فنظام (الخماسة والقطاعة والجيارة والمزارعة والتويزة) كلها أنواع من التعاون والتكامل الاجتماعي في مجتمع القرية.
стр. 2375
فنظام (الخماسة) يتيح لمن لا يملك أرضا يستثمرها، أن يشارك من يمتلكون أرضا في القرية بجهده، وبتطوعه للعمل فقط، ويسمى الخماس، ويحسب له صاحب الأرض هذا العمل كطرف في شركة. فيقوم الخماس بعملية الحراثة ورعاية الحقول طوال السنة. أما جمع المحصول، فإن طبيعة موسم الحصاد تقتضي التعجيل به. ولهذا فإن جمع المحصول لا يقوم به الخماس وحده، بل يشارك فيه صاحب الأرض. وإذا احتاج الخماس إلى مواد غذائية لأسرته، قبل حلول موسم الحصاد، قدمها له صاحب الأرض. ويتقاضى الخماس حمس المحصول مقابل عمله.
ونظام (القطاعة) عبارة عن قيام صاحب العمل بجمع محصول الملاك، مقابل نسبة يتفق عليها الطرفان، وتتراوح بين سبع وثمن المحصول يدفعه صاحب الزرع (للمقاطعي) مقابل عمله.
ونظام (الجيارة) عبارة عن علاقة تربط بين صاحب الحقل والعمال الزراعيين، وفي أغلب الأحيان يكون هؤلاء العمال غرباء عن القرية، جاؤوا إليها من مناطق أصيبت بالجفاف. ويقوم (الجيار) بعملية الحصاد فقط، أي حصد الزرع وتكديسه في الحقل، ويأخذ في مقابل هذا العمل عشر الأكداس التي جمعها. ولا تعتبر هذه النظم الثلاثة بأن العامل أجيرا يعمل ليبيع عمله نقدا، وإنما تدخله شبه ثشريك في محصول صاحب الأرض، وتمنحه نسبة معينة من هذا المحصول.
أما نظام (التويزة) فإنها نوع من التعاون بين سكان القرية على حرث الحقول أو جمع المحصود. ويدعو الفلاح إلى (تويزة) ويحدد الجميع يوما معينا لذلك. ويتعاون كل سكان القرية على جمع المحصول. أما الفلاح الداعي إلى (التويزة) فيقوم بإحضار
стр. 2376
الفطور إلى الحصادين في الصباح بالحقل. ثم يأخذهم إلى منزله عند الظهيرة ليتناولوا وجبة الغداء عنده. ومن شروط (التويزة) أن يتم جمع المحصول على أنغام المزمار، وتوجد ألحان خاصة (بالتويزة) تساعد على تنشيط الحصادين، وخلق جو التنافس بينهم. وقد أجري بحث في إحدى (التوائز) فتبين أن عامل الحصاد في التويزة ينتج أربعة أمثال ما ينتجه في يوم من أيام عمله العادية. وتتكفل القرية أيضا بحرث أراضي الأرامل واليتامى، وأراضي الأوقاف، وجمع محصولها. بل إن التعاون بين الفلاحين امتد حتى شمل الزواج والختان. فالشاب يستطيع أن يختار الفتاة التي تروقه، وإذا وقع الاتفاق بينه وبين ولي أمرها، فإن مسألة المهر لا تقف عائقا في طريقه. فسكان القرية يقومون بجمع المهر وتقديمه لولي أمر العروسة.
إن هذه العلاقات التي تربط بين سكان القرية، تعتبر امتدادا للحياة الجماعية التي كان يحياها الفلاحون قبل دخول الفرنسيين للجزائر، وتفتيتهم لهذا النظام الجماعي، وهذه العلاقات الجماعية هي التي مارست دورها الرئيسي والحاسم في إنجاح ثورة الجزائر.
وإلى جانب هذه العلاقات الاجتمامعية - وجدت بعض الخصال الأخرى - المتممة لها والناتجة عنها - في نفسية الفلاح، ساعدت على إنجاحه للثورة. وأهم هذه الخصال (الثقة بالنفس) فالمعروف عن الفلاحين في كل أنحاء العالم أنهم مصابون بعقدة (الشعور بالنقص) إزاء ابن المدينة، ينظرون إليه نظرتهم إلى إنسان حصل على مميزات لم تتوافر لهم فرصة الحصول عليها، كالثقافة والمدنية والثروة المستقرة. إلا أن الفلاحين بالجزائر شذوا عن هذه القاعدة، فهم يحتقرون ساكن المدينة، ويسمونه (البلدي).
стр. 2377
ومضمون كلمة (البلدي) في ذهن الفلاح هو خليط من الميوعة والبخل والانحلال وضعف الشخصية. لقد كان الفلاحون يحبون الاستماع إلى كلمة (الاستقلال) من هؤلاء (البلديين). ولكنهم كانوا في الوقت ذاته يسخرون من وسائلهم للحصول على هذا الاستقلال، ويؤمنون إيمانا راسخا بأن الاستقلال يأتي على أيدي الفلاحين. والفلاحون وحدهم هم الذين يملكون الوسائل التي تمكنهم من طرد فرنسا وجيشها وشرطتها - بوليسها - من الجزائر.
كنت - قبل الثورة - أوزع في إحدى الجولات الانتخابية على الفلاحين، نشرات الدعاية لمرشح وطني، وكنت ألاقي من الفلاحين - في معظم الأحيان - سخرية من الانتخابات، واحتقارا للأحزاب التي شاركت فيها. إلا أنني لن أنسى أبدا حادثة وقعت لي مع فلاح عجوز:١ (ناولته الورقة، وشرحت له كيف يضع هذه الورقة في الظرف ثم يلقيها في صندوق الاقتراع. ثم ألقيت عليه خطبة حول إخلاص المرشح ووطنيته، وكيف سلخ سنوات من عمره في السجن، وعن مواهبه الخارقة وجدارته في تحقيق الاستقلال بسرعة). واستمع إلي الفلاح العجوز في هدوء. لم تتحرك أثناءه عضلة واحدة من عضلات تقاسيم وجهه. ثم رفع إلي عينيه الخضراوين، وقال وهو يضع التبغ في الورقة التي أعطيتها له قبل قليل، ويلفها، ويقول: (إن هذه الورقة لا تصلح إلا للف الشعرة - التبغ -) وأردت أن أثور في وجه هذا الفلاح الذي أهان مرشحي البطل .. لكن الفلاح العجوز أوقفني بإشارة من يده، وقال وهو ينفخ أول خيط دخان من فمه، ويتابعه بنظراته، ويشير إلي بسبابته الخشنة: (إن كل مجهوداتكم هذه تتلاشى مع خيوط هذا الدخان الأزرق في الفضاء الواسع .. إذا أردت الاستقلال،
стр. 2378
فأعطني بندقية، وأنا كفيل بأن أحضر لك هذا الاستقلال، وأطرد الفرنسيين من الوطن). ثم انطلق الفلاح العجوز وتركني جامدا في مكاني أتابع ببصري خيوط الدخان المتلاشي في الفضاء الواسع، وأضغط على رزمة المنشورات في يدي بعصبية.
إن شهامة الفلاح جعلته ينظر إلى فشل أول جولة في الانتخابات، كصفعة وجهها إليه ساكن المدينة (البلدي). لقد صدق أسطورة الانتخابات في أول الأمر. ولكن سرعان ما تركها واعتبر دعوة ساكن المدينة المستمرة لها سلسلة من العبث غير المجدي والسخرية.
وثارت تونس في سنة ١٩٥٢، أي قبل ثورة الجزائر بسنتين، وتبادرت إلى أسماع الفلاحين حوادثها محاطة بهالة من الأسطورة المحببة لدى الجماهير البسيطة، فانطلقت أفواج هؤلاء الفلاحين تخترق حدود تونس إلى معاقل جيش التحرير التونسي، لتحارب جيش الاستعمار. ويكفي أن نعرف أن (الأزهر شريط) أحد أبطال (معارك الجرف) الخالدة، وقائد منطقة الجبل الأبيض، كان يحارب في صفوف جيش التحرير التونسي قبل غرة نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤. واعتبر الفلاحون بالجزائر تقاعس شعبهم، في الوقت الذي تثور فيه تونس ومراكش - المغرب - لطخة من العار. وكثيرا ما كان الفلاح يصرخ عند سماعه إذاعة (صوت العرب) عن أنباء تونس والمغرب (ألسنا رجالا؟ هل التونسيون والمراكشيون أرجل منا؟).
بدأ شباب جيش التحرير الوطني في الإعداد للثورة، منذ بداية سنة ١٩٥٤، وانطلقوا في عملهم إلى القرى، فوجدوا الفلاحين يتقدون حماسة للثورة، ويهتاجون كالبراكين، ويترقبوا شارة
стр. 2379
الانطلاق ليثبتوا للعالم أن الجزائر ستبقى غنية بأبطالها ومجاهديها. وما إن أعلنت ساعة الصفر حتى انطلق هذا الفلاح البسيط يمنح الفعالية والقوة، لا لثورة الجزائر فحسب، بل وللثورة العربية في كل بقاع العالم العربي. وراح الفلاح يفتح الجبهات الجديدة، من غير أن ينتظر تكليفا أو أمرا من القيادة، وما هي إلا شهور قليلة حتى كانت جبال الأوراس والنمامشة وشمال قسنطينة وجرجرة تنطلق بحسم الثورة ممتزجة بألحان الحرية.
ويبقى للفلاح الجزائري الفضل في استمرار الثورة وتجاوزها للصعوبات والعراقيل، واختراقها للستار الحديدي الذي فرضه الاستعمار على الثورة الجزائرية. فلقد صمد الفلاح لسياسة التجويع والتشريد والإبادة. وكانت الروح التعاونية السائدة بين الفلاحين هي التي كفت جيش التحرير الوطني مؤونة البحث عن الملجأ والطعام واللباس. ولم يكن غريبا أن تتعرض المناطق لنقص في التموين والمواد الغذائية، حيث كانت المناطق التي تجتاحها القوات الفرنسية تستيقظ فجأة فتجد أن ما تمتلكه من المواد الغذائية قد نفذ في لحظة واحدة. وهنا كان يسرع الأغنياء، ومن تمكنوا من الحفاظ على احتياطي من الحبوب أو النقود، لتقديم العون، فيتقاسمون مع بقية سكان العربية لقمة العيش، إلى أن طلع عليهم يوم، وأكياس سكان القرية، كل قرية، غنيهم وفقيرهم، ملاكهم ومعدمهم، وهي خالية من الزاد، فارغة من التموين.
كان الفلاحون، في الوقت الذي يشاهدون فيه فلذات أكبادهم يتضررون جوعا، يرسلون الوفود إلى قادة جيش التحرير، ليقولوا لهم بالحرف الواحد: (إياكم أن تتوهموا ضعف معنوياتنا فتراودكم نفوسكم على التنازل، استمروا في الكفاح، اثبتوا على الاستقلال
стр. 2380
الكامل. والله معنا).
حكى أحد الزعماء الجزائريين القصة التالية: (قابلت مرة أحد الفلاحين، وشكا لي حاله، وكيف قتل الفرنسيون كل أبنائه، ودمعت عيناه. فسألته رأيه في الاستقلال الداخلي. فأجابني والدموع تنهمر من عينيه: إن الدموع لا تجففها سوى راية الاستقلال التام).
لقد أدى شعب الجزائر واجبه كاملا في ثورة العرب المسلمين بالجزائر. وأبيد منه أكثر من مليون مواطن، ودمرت قراه، وأتلفت ثرواته، واعتدي على شرف بناته، ومثل به أشنع تمثيل، وعلى الرغم من ذلك كله، فإنه لم يضعف، ولم يهن، ولم يتراجع، حتى حقق هدفه (في الاستقلال).
...
يبقى هناك تعليق لا بد منه، إن الفلاح الجزائري، مثله كمثل كل فلاح في الوطن العربي - الإسلامي، يمثل أصالة الإنسان العربي المسلم. فالفلاح، بطبيعته المحافظة، وبفضائله التي يمتلكها (كالشرف والإخلاص وصفاء النفس والوفاء) علاوة على ما سبقت الإشارة إليه من فضائل معروفة (الإباء والنزوع إلى الحرية والأخذ بالثأر ورفض الذل والخضوع إلا لله وحده)،كل ذلك مما أسهم في حفاظ الفلاح على أصالته. ولم يكن من الغريب أن تحتفظ (قسنطينة - قاعدة ابن باديس) و (الأغواط) في قلب الصحراء وعلى تخومها، ومناطق القبائل الكبرى، بكل أصالة الإنسان المسلم. وهي الأصالة التي أعطت للثورة زخمها واندفاعتها رغم كل المحاولات لتشويه هذه الحقيقة والتنكر لها.
стр. 2381
لقد استطاع الفلاح الجزائري الصمود في وجه التحديات الثقيلة بفضل تمسكه بفضائله الإسلامية، وهي الفضائل التي يحتل (حب الأرض) والدفاع عن (بلاد المسلمين) في طليعتها، وبغير ذلك، لا يمكن فهم اندفاع الفلاح الجزائري لمساندة أخيه المجاهد في تونس والمغرب، وبغير ذلك أيضا، يصبح من المحال فهم الدعم المتبادل الذي استمر طوال الثورة ما بين الجزائر وجارتيها المغرب وتونس، والذي بقي الفلاح هو سدى هذا التعاون ولحمته، وهو العامل الذي سيبقى أبدا وسيلته وغايته.
***
стр. 2382
١٠ - الطفل الجزائري ضحية الاستعمار (*)
تعرض آلاف الأطفال الجزائريين لآلام مدمرة، من جراء الحرب الاستعمارية القذرة التي فرضتها فرنسا على الجزائر. وكان الطفل أبرأ ضحية أصابتها الوحشية الاستعمارية التي طالما مارسها جيش المجرمين والجلادين الفرنسيين بالجزائر. وكثيرا ما أصبح يتامى هذه الحرب وهم مشردون يجوبون طرقات المدن والقرى الجزائرية على غير هدى. وقد جاء في تقرير نشرته لجنة الدفاع الوطني لمجلس الشيوخ الفرنسي، تحقيقات عن مآسي مرعبه عاشها هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين فقدوا المأوى والملجأ، ورأوا بأعينهم آباءهم يعدمون، فحفرت تلك المناظر المفزعة في مخيلاتهم وقلوبهم، فهم لن ينسوها أبدا. وقد فرت آلاف عديدة من هؤلاء الأطفال مخترقين الحدود التونسية والمغربية؛ هاربين من وحشية الاستعمار الفرنسي. فاهتم الاتحاد العام للعمال الجزائريين بمصيرهم، وأسس دارين بالمغرب تضمان مائتي يتيما، ودارين بالمرسى (تونس) تضمان نحوا من مائتين وستين يتيما وهو مشروع
стр. 2383
جيش التحرير يحارب بيد ويبني بيد أخرى تعليم اللغة العربية لأبناء المستقبل
стр. 2384
اجتماعي إنساني عظيم استحق التشجيع المعنوي والدعم المادي. لأن معظم هؤلاء الأطفال هم أبناء الشهداء الأبرار: شهداء الحرية والاستقلال، وأعمارهم تتراوح بين الرابعة والسابعة عشر. وقد عمل الاتحاد بعد ذلك على إعداد دارين للبنات إحداهما بتونس والأخرى بطنجة. وقامت هذه المدارس بإعداد الأطفال من الناحية التعليمية، باللغتين العربية والفرنسية، وفقا لمنهج التعليم الابتدائي الشامل لجميع المواد: الدين، والحساب، والجغرافيا، والتاريخ، والتربية البدنية والرياضة، والتعليم المهني: البناء والكهرباء والنجارة والدهن والخياطة والفلاحة.
كان الأطفال يمارسون تطبيق هذه المهن في المدرسة ذاتها، أو في الحديقة الواسعة المحيطة بها، يشرف عليهم معلمون ومدربون أكفياء. وكان هناك مرشدون - موجهون - يشرفون على توجيه الأطفال وتدريبهم على الحياة العملية حتى أصبحوا يباشرون بأنفسهم العناية بتنظيف دار - المدرمة - وحفظ الأثاث والطبخ والتموين، ويسهر على صحة الأطفال طبيب خاص يساعده ممرض.
وفي ميدان الشباب، فإن المكتب العام لاتحاد العمال، عمل على تنظيم جمهرة من الشبان، ووزعهم بحسب إمكاناتهم ومؤهلاتهم على عدد من العواصم الأوروبية لتكوينهم وإعدادهم إعدادا يلبي احتياجات مرحلة ما بعد الثورة، مثل العمل في الخطوط الحديدية والبريد والصحة والطيران المدني والسينما، وتدريب الفتيات على أعمال الخياطة والأعمال الإدارية والكتابة على الآلة الراقنة - الكاتبة - ونحوها.
وأظهر الاتحاد حرصه الكامل على إعداد نخبة من الشباب للإطارات النقابية إعدادا تتوافر فيه الصفات الفكرية والنضالية
стр. 2385
والمعلومات الواسعة عن الحقائق التاريخية والاقتصادية والاجتماعية للوطن الجزائري وللعالم المعاصر. من ذلك أنه أقام ندوة دراسية ثانية بمركز (بئر الباي) من ١٩ تموز - يوليو - حتى ٢ آب - أغسطس - ١٩٥٩ حضرها وزير الأخبار للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وكان من أهم موضوعات البرنامج الدراسي لهذه الندوة: (التكوين النقابي الأساسي للنقابات في المغرب العربي، وتاريخ الحركة العمالية الإفريقية، والحركة العمالية الفرنسية وكفاح الطبقة العاملة في العالم، والنظريات الاقتصادية: الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وكذلك أنظمة التأمين الاجتماعي وحالة العامل الزراعي الجزائري، والتجارب المصرية والصينية واليوغوسلافية للإصلاح الزراعي. وعرضت على المشتركين في الندوة أشرطة سينمائية ثقافية. وبالجملة فإن الاتحاد العام للعمال الجزائريين قد سار من نجاح إلى نجاح بفضل نشاطه لدى المنظمات النقابية في العالم، والتي أمدته - باستمرار - بالاعلانات المختلفة لتحقيق مشاريعه الكثيرة، القريبة منها والبعيدة.