← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

لقد استطاع الفلاح الجزائري الصمود في وجه التحديات الثقيلة بفضل تمسكه بفضائله الإسلامية، وهي الفضائل التي يحتل (حب الأرض) والدفاع عن (بلاد المسلمين) في طليعتها، وبغير ذلك، لا يمكن فهم اندفاع الفلاح الجزائري لمساندة أخيه المجاهد في تونس والمغرب، وبغير ذلك أيضا، يصبح من المحال فهم الدعم المتبادل الذي استمر طوال الثورة ما بين الجزائر وجارتيها المغرب وتونس، والذي بقي الفلاح هو سدى هذا التعاون ولحمته، وهو العامل الذي سيبقى أبدا وسيلته وغايته. ***

стр. 2382

١٠ - الطفل الجزائري ضحية الاستعمار (*) تعرض آلاف الأطفال الجزائريين لآلام مدمرة، من جراء الحرب الاستعمارية القذرة التي فرضتها فرنسا على الجزائر. وكان الطفل أبرأ ضحية أصابتها الوحشية الاستعمارية التي طالما مارسها جيش المجرمين والجلادين الفرنسيين بالجزائر. وكثيرا ما أصبح يتامى هذه الحرب وهم مشردون يجوبون طرقات المدن والقرى الجزائرية على غير هدى. وقد جاء في تقرير نشرته لجنة الدفاع الوطني لمجلس الشيوخ الفرنسي، تحقيقات عن مآسي مرعبه عاشها هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين فقدوا المأوى والملجأ، ورأوا بأعينهم آباءهم يعدمون، فحفرت تلك المناظر المفزعة في مخيلاتهم وقلوبهم، فهم لن ينسوها أبدا. وقد فرت آلاف عديدة من هؤلاء الأطفال مخترقين الحدود التونسية والمغربية؛ هاربين من وحشية الاستعمار الفرنسي. فاهتم الاتحاد العام للعمال الجزائريين بمصيرهم، وأسس دارين بالمغرب تضمان مائتي يتيما، ودارين بالمرسى (تونس) تضمان نحوا من مائتين وستين يتيما وهو مشروع

стр. 2383

جيش التحرير يحارب بيد ويبني بيد أخرى تعليم اللغة العربية لأبناء المستقبل

стр. 2384

اجتماعي إنساني عظيم استحق التشجيع المعنوي والدعم المادي. لأن معظم هؤلاء الأطفال هم أبناء الشهداء الأبرار: شهداء الحرية والاستقلال، وأعمارهم تتراوح بين الرابعة والسابعة عشر. وقد عمل الاتحاد بعد ذلك على إعداد دارين للبنات إحداهما بتونس والأخرى بطنجة. وقامت هذه المدارس بإعداد الأطفال من الناحية التعليمية، باللغتين العربية والفرنسية، وفقا لمنهج التعليم الابتدائي الشامل لجميع المواد: الدين، والحساب، والجغرافيا، والتاريخ، والتربية البدنية والرياضة، والتعليم المهني: البناء والكهرباء والنجارة والدهن والخياطة والفلاحة. كان الأطفال يمارسون تطبيق هذه المهن في المدرسة ذاتها، أو في الحديقة الواسعة المحيطة بها، يشرف عليهم معلمون ومدربون أكفياء. وكان هناك مرشدون - موجهون - يشرفون على توجيه الأطفال وتدريبهم على الحياة العملية حتى أصبحوا يباشرون بأنفسهم العناية بتنظيف دار - المدرمة - وحفظ الأثاث والطبخ والتموين، ويسهر على صحة الأطفال طبيب خاص يساعده ممرض. وفي ميدان الشباب، فإن المكتب العام لاتحاد العمال، عمل على تنظيم جمهرة من الشبان، ووزعهم بحسب إمكاناتهم ومؤهلاتهم على عدد من العواصم الأوروبية لتكوينهم وإعدادهم إعدادا يلبي احتياجات مرحلة ما بعد الثورة، مثل العمل في الخطوط الحديدية والبريد والصحة والطيران المدني والسينما، وتدريب الفتيات على أعمال الخياطة والأعمال الإدارية والكتابة على الآلة الراقنة - الكاتبة - ونحوها. وأظهر الاتحاد حرصه الكامل على إعداد نخبة من الشباب للإطارات النقابية إعدادا تتوافر فيه الصفات الفكرية والنضالية

стр. 2385

والمعلومات الواسعة عن الحقائق التاريخية والاقتصادية والاجتماعية للوطن الجزائري وللعالم المعاصر. من ذلك أنه أقام ندوة دراسية ثانية بمركز (بئر الباي) من ١٩ تموز - يوليو - حتى ٢ آب - أغسطس - ١٩٥٩ حضرها وزير الأخبار للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وكان من أهم موضوعات البرنامج الدراسي لهذه الندوة: (التكوين النقابي الأساسي للنقابات في المغرب العربي، وتاريخ الحركة العمالية الإفريقية، والحركة العمالية الفرنسية وكفاح الطبقة العاملة في العالم، والنظريات الاقتصادية: الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وكذلك أنظمة التأمين الاجتماعي وحالة العامل الزراعي الجزائري، والتجارب المصرية والصينية واليوغوسلافية للإصلاح الزراعي. وعرضت على المشتركين في الندوة أشرطة سينمائية ثقافية. وبالجملة فإن الاتحاد العام للعمال الجزائريين قد سار من نجاح إلى نجاح بفضل نشاطه لدى المنظمات النقابية في العالم، والتي أمدته - باستمرار - بالاعلانات المختلفة لتحقيق مشاريعه الكثيرة، القريبة منها والبعيدة.

стр. 2386

المجاهدون - يتعاملون مع العدو

стр. 2387

الفصل الثاني ١ - أعمال قتالية في الولاية السادسة. ٢ - معركة في أكفادو. الولاية الثالثة. ٣ - الحرب في الولاية الثانية. ٤ - مهمة على موجات الأثير. ٥ - مهمة في الأغوار. ٦ - بطل من الأبطال

стр. 2388

١ - أعمال قتالية في الولاية السادسة تضمنت الكتيبات السابقة من هذه المجموعة تقارير وجيزة عن مسيرة الأعمال القتالية وتطورها. ولعله من المناسب هنا عرض وجيز يشير إلى تطور الأعمال القتالية في مرحلة متقدمة من الثورة (سنة ١٩٦٠) وفي ولاية من ولايات الكفاح (هي الولاية السادسة -أو عمالة الجنوب) (١). وتجدر الإشارة إلى أن هذا الوجيز يضم بعض ملامح العمليات - لا كلها - وهي تمثل نموذجا لتطور الصراع في تلك الحقبة التاريخية: ١٩/ ١٢/ ١٩٥٩: التحق أربعة جنود جزائريين كانوا مكلفين بحراسة محطة قطار (الجلفة) بجيش التحرير الوطني، حاملين معهم الأسلحة التالية بندقية رشاشة ٢٤ - ٢٩ ومعها عشرون مخزنا مملوءا و٩٥٠ طلقة عيار (٧،٥) مم وكذلك (٧) مسدسات رشاشة نوع (ماط - ٤٩) و١٤٠٠ طلقة عيار ٩ مم، و (٥) بنادق (ماص ٥١) وألبسة وأدوية. ١٨/ ١/ ١٩٦٠: فر جنديان جزائريان من مركز العدو في

стр. 2389

(حجر الملح) شمال (الجلفة) وانضما الى جيش التحرير الوطني، حاملين معهما بندقية (ماص - ٤٩) و (كاربين أمريكية) وذخيرتهما. ٢٧/ ٢/ ١٩٦٠: فر حركي من مركز العدو في (سليم) شرقي (الجلفة) والتحق بجيش التحرير الوطني حاملا معه بندقية (أخماس ألمان) وذخيرة. ٢٠/ ٣/ ١٩٦٠: فر جنديان جزائريان من جيش العدو في ناحية (المغير) قرب (تقرت) والتحقا بجيش التحرير الوطني، وصحبا معهما رشاشتين نوع (ماط - ٤٩). ١٠/ ٤/ ١٩٦٠: حصل اشتباك عنيف بين وحداتنا وقوات العدو في (جبل أبو - كحيل) وقد بوغت العدو، وداخله الرعب من المجاهدين الذين لم يتمكن من اكتشاف مواقعهم، فلم يتمكن من القيام بأي رد فعل، وقد قتل من العدو أكثر من أربعين جنديا، وجرح عدد كبير، وأسقطت طائرتان. وفي هذا الاشتباك الذي استمر من الساعة (١٣٤٥) حتى السابعة (١٩٠٠) وبمشاركة قوة هائلة للعدو، سقط مجاهدان في ميدان العز والشرف وجرح ثلاثة آخرون. ١٧/ ٤/ ١٩٦٠: نصت وحدة من الفدائيين كمينا في قلب مدينة (أبو سعادة) قتل أثناءه أربعة من جنود العدو، وثلاثة ضباط برتبة ملازم (ليوتنان) أحدهم فطلي كان يعمل في الاستنطاق (التحقيق) المدني والعسكري. وثانيهم من المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية) وانسحب المجاهدون سالمين. وفي المدينة ذاتها قام فدائي بإعدام ضابط من ضباط (مكتب الشؤون

стр. 2390

الأهلية) برتبة نقيب - كابتن -. ١٨/ ٤/ ١٩٦٠: هاجمت وحدة من جيشنا عصابة للعدو - قتل واحد وأسر واحد - وبعد استجوابه تمكنا من غنم (٤٣) بندقية حربية وكمية من الذخيرة. ٢٠/ ٤/ ١٩٦٠: في (جبل تفارة) شرقي (الجلفة) اشتبك العدو بأربعة من جنودنا كانوا في طريقهم الى مقر قيادتهم حاملين معهم كمية من الأسلحة والذخيرة والأجهزة اللاسلكية. وسقط مجاهد في الميدان، ونجا اثنان. أما الرابع - وهو المجاهد العيد خير الله - فقد انتحر بآخر طلقة كانت معه، بعد مقاومة بطولية عنيدة، ذلك أنه كان قد وعد رئيسه - مسؤوله - بأنه سينتحر إذا رأى أن هذه الغنيمة مهددة. وفي الواقع، فقد عمل على تخزين هذه الغنيمة هو وأحد الجنديين السالمين، وبذلك تمكن هذا البطل من انقاذ هذه الغنيمة بفضل تضحيته. ١٤/ ٥/ ١٩٦٠: انضم إلينا ستة جنود جزائريين بعد أن فروا من مركز العدو في (ورقة) قرب (منعة) وحملوا معهم (٦ - ماص ٤٩) و (١٢٠٠) طلقة عيار ٥, ٧ مم وكمية من القنابل اليدوية. ٢٦/ ٥/ ١٩٦٠: قامت قوة من جيشنا بقذف أكبر مركز للعدو في مدينة (أبو سعادة) بمدفع الهاون ٨١ مم، فكانت خسائر العدو مؤكدة. وفي اليوم ذاته والمكان ذاته، نصبت فرقة من الفدائيين كمينا لقافلة معادية وكبدتها خسائر مؤكدة. ٢٩/ ٥/ ١٩٦٠: رمى فدائي من الأنصار (المسبلين) قنبلة يدوية على صندوق الانتخاب في مركز (عين أغراب) ناحية (أبو سعادة) فقتل جنديان للعدو وإثنان من الخونة. وفي موجة من الرعب

стр. 2391

والحقد، حاول جند العدو قتل عدد من المدنيين الذين أجبروا على الحضور. وآنذاك برز الفدائي عبد القادر عميد بن أحمد بن الحاج من عرش أولاد أفرج، البالغ من العمر ستة عشر عاما، وصرخ في وجه الأعداء قائلا: أنا الذي رميت القنبلة. وقد ألقى المستعمرون عليه القبض، ولكنه أنقذ بشجاعته وتضحيته عددا من الأبرياء. ٣/ ١٢/ ١٩٦٠: اصطدمت سيارة (ج. م. س.) معادية بلغم على طريق (جبل اقعيقع) قرب (الجلفة) فدمرت السيارة وقتل جميع ركابها. ١٩/ ١٢/ ١٩٦٠: نصب المجاهدون كمينا لقافلة معادية في مدينة (أولاد جلال) فقتل للعدو سبعة جنود. ٢٠/ ١٢/ ١٩٦٠: التحق جندي جزائري بصفوفنا، بعد أن فر من مركز العدو في (أبو سعادة) وحمل معه بارودة (ماط ٤٩٠) و (١٩٤) طلقة. ٢٢/ ١٢/ ١٩٦٠: نصبت وحدة من جيشنا كمينا لقافلة معادية في مدينة (أبوسعادة) وقتلت سبعة جنود للعدو. ٢٤/ ١٢/ ١٩٦٠: قام فدائي بإلقاء قنبلة في (بسكرة) فقتل ثلاثة جنود للعدو وجرح ستة. ٢٦/ ١٢/ ١٩٦٠: انفجر لغمان بين (الهامل - و - أبو سعادة) فدمرا عربة نصف مجنزرة (هاف تراك) و (سيارة ج. م. س). ٣٠/ ١٢/ ١٩٦٠: نصب المجاهدون كمينا للعدو بين (ولتام - وبين اسرور) قرب (أبو سعادة) في الساعة (١٢٠٠) تم نصب كمين ثان في الساعة (١٦٠٠) وتكبد العدو خسائر فادحة

стр. 2392

في الكمينين. ٣/ ١/ ١٩٦١: فر جندي جزائري من مركز العدو فى (الجلفة) وانضم إلى صفوفنا حاملا معه بندقية (قاران) و (٤٨) طلقة. ٧/ ١/ ١٩٦١: هاجم فوج من المجاهدين قرية (بحبح) قرب (الجلفة) فأسر رقيبا من القوم (سرجان شيف) وغنم المسدس الذي كان يحمله. ١٠/ ١/ ١٩٦٠: أسقطت طائرتان للعدو في جبل (أم ساعد) بينما كانتا تقومان بالاستطلاع. ١٧/ ١/ ١٩٦١: اصطدمت سيارة عسكرية معادية بلغم على طريق (أبو ملال - وادي الشعير) فدمرت السيارة. وخسائر العدو البشرية محققة. ١٩/ ١/ ١٩٦١: أقام فوج من الفدائيين كمينا لقافلة من اللفيف الأجنبي في مدينة (أبو سعادة). وأوقعوا بها خسائر فادحة. وأثناء انسحاب الفدائيين، اصطدموا بدورية معادية أخرى، فتبادلوا معها إطلاق النار، وقتلوا ضابطا برتبة نقيب. ١/ ٢/ ١٩٦١: خاضت وحدات من جيشنا معركة عنيفة ضد قوات العدو في (جبل أبو كحيل) واستمر الاشتباك من الساعة (١٢٠٠) حتى الساعة (٣٠٠) من فجر اليوم التالي. وقتل للعدو مائة وعشرة جنود، وجرح عدد كبير آخر. وغنمنا بارودتين (ماص - ٤٩) و ٣ مخازن رشيشات (٢٤ - ٢٩) معبأة و ٨٠٠ طلقة ومنظارين. وكان بين قتلى العدو ضابط من القناصة (ليوتنان

стр. 2393

شاسوري) غنمت كل وثائقه مع أعتدة كثيرة، علاوة على ما أحرق منها. ١٢/ ٢/ ١٩٦١: قتل الفدائيون اثنين من جند العدو في (أبو سعادة) وغنموا سلاحهما (بارودتين ماط ٤٩). ٢٢/ ٢/ ١٩٦١: هاجم فوج من المجاهدين قرية (زنينة) قرب (الجلف) فقتلوا سبعة من قوات (القوم) وجرحوا خمسة منهم وأسروا واحدا وغنموا ثمانية بواريد (ماص ٥١) و ٨٥ طلقة. ولم تقع إصابة في قواتنا. ٢٨/ ٢/ ١٩٦١: هاجم المجاهدون قوة من (القوم) فقتلوا ثلاثة منهم، وغنموا ثلاثة بنادق (موسكيتو) وذلك بين (وارو) و (الجلفة). ١٨/ ٣/ ١٩٦١: اشتبك أربعة من مجاهدينا مع وحدة للعدو في (جبل أبو كحيل) فقتل جنودنا عددا من أفراد العدو، وأصابوا عددا آخر بجراح، وأسقطوا طائرة استطلاع وقتلوا ملاحيها الأربعة، واستشهد لنا مجاهدان. ٢/ ٣/ ١٩٦١: قام جيش الاحتلال بتطويق خمسة من مجاهدينا في (جبل أحمر خدو) بناحية (أمشونش) واستمر الاشتباك خمس ساعات تكبد العدو خلاله عددا من الخسائر في الأرواح بين قتيل وجريح. أما من جانبنا فقد استشهد ثلاثة من المجاهدين، ونجا واحد، أما الخامس وهو البطل - سي علي قاله - مسؤول مكتب المنطقة الرابعة فقد انتحر بعد أن أيقن أنه سيصير في قبضة العدو، وذلك محافظة على الأسرار.

стр. 2394

١٠/ ٤/ ١٩٦١: قامت وحدة من جيشنا بنصب كمين بنواحي (وادي الشعير) ثم شنت هجوما على مركز للعدو في (أبو ملال) ناحية (أبوسعادة) وقتل للعدو ثلاثة جنود، وجرح أربعة. ١٨/ ٤/ ١٩٦١: نصب الفدائيون كمينا لثلاث سيارات عسكرية في (أبو سعادة) فقتلوا خمسة من جند العدو، وأصابوا أربعة منهم بجراح مختلفة. ١٣/ ٥/ ١٩٦١: انفجر لغم تحت سيارة للعدو نموذج (ج. م. س) بين (سليم) و (عين مجدل) قرب (الجلفة) وتحطمت السيارة وقتل عدد من ركابها. ١٩/ ٥/ ١٩٦١: خاضت قواتنا معركة عنيفة ضد قوات الاحتلال في (جبل أبو كحيل). وقد بدأت المعركة في الساعة (٨٣٠) صباحا واستمرت حتى الساعة (٢٤٠٠) في منتصف الليل. واشتركت فيها (٤٥) طائرة ومئات الدبابات والسيارات المختلفة، وقتل للعدو ثمانين جنديا وجرح عدد آخر. وغنمت وحداتنا جهازا لاسلكيا صغيرا وبارودة (ماص ٥٦) و (ماط - ٤٩) ومسدسا آليا - أوتوماتيكيا. وكمية من الأدوية والأعتدة التي فر الجنود الأعداء وتركوها فوق أرض المعركة، وأخرق للعدو جهاز لاسلكي آخر. واستشهد عدد من مجاهدينا. وانضم لقواتنا في شهر نيسان - ابريل - ١٩٦١ ثلاثة جنود جزائريين من صفوف العدو، أحدهم من مركز (أبو سعادة) والآخران من مركز في مدينة (بسكرة) وحملوا معهم من الأسلحة: (ماط ٤٩) و (ا - ب. ٣٨) و (٣ ماص ٥٦) ومسدسا أوتوماتيكيا. ٢٤/ ٥/ ١٩٦١: ألقيت قنبلة يدوية في مقهى أوروبي في مدينة

стр. 2395

(ورقلة) وقتل رجل وجرح ثلاثة عشر آخرين. ٢٧/ ٥/ ١٩٦١: ألقيت قنبلة يدوية على مركز للعدو في (ورقلة) فقتل ثلاثة جنود للعدو وجرح (٢٠) جنديا. ٢٧/ ٥/ ١٩٦١: انفجر لغم قرب (ابن سرور) شرقي (أبو سعادة) فتحطمت سيارة عسكرية للعدو. ٢٩/ ٥/ ١٩٦١: أقامت وحدة من مقاتلينا كمينا لقافلة من قوات العدو على الطريق بين (عين الملح) و (وادي الشعير) فقتلت خمسة من جنود العدو وأصابت ثلاثة منهم بجراح. ٣٠/ ٥/ ١٩٦١: نصب فدائيونا كمينا للعدو في قلب مدينة (أبو سعادة) وقتلوا أربعة وجرحوا أربعة من جند العدو. ٣/ ٦/ ١٩٦١: سقطت سيارتان للعدو في خندقين كان قد أعدهما المجاهدون، ودمرت السيارتان، وقتل وجرح عدد من ركابهما وذلك في جبل (أم ساعد). وفي الوقت ذاته، إشتبكت دورية من جنودنا مع قوات العدو، ولم تضبط خسائر العدو. واستشهد أربعة من مجاهدينا. ١٠/ ٦/ ١٩٦١:اشتبك مجاهدونا مع العدو على بعد عشرة كيلومترات شمال (المغير) ناحية (تقرت) واستمر الاشتباك أربعة ساعات ونصف. وخسر العدو (٣٥) قتيلا، وجرح من جنوده (١٨) جنديا. واستشهد من جانبنا ثلاثة مجاهدين من بينهم اثنان من رجال الدرك، ووقع في أسر العدو اثنان آخران من الدرك. ١٨/ ٧/ ١٩٦١: انضم إلى صفوفنا ثلاثة جنود جزائريين، كانوا في مركز العدو (بحد الصحارى) قرب (الجلفة) وحملوا

стр. 2396

معهم أربعة أسرى من العدو، ورشيشا (٢٤ - ٢٩) وبارودة (ماص ٥٦) وبارودة (ماص ٤٩) وبارودة (ماص ٣٦) وبارودتي (ماط ٤٩) وكمية من الذخائر. ١٩/ ٧/ ١٩٦١: وقع اشتباك بين المجاهدين وقوات العدو في (العطف) قرب (غرداية) في الصحراء المجاهدة وتكبد العدو خسائر فادحة، لم نتمكن من ضبطها، واستشهد عدد من المجاهدين. ١٢/ ٨/ ١٩٦١: انضم إلى صفوفنا ثلاثة من الجنود الجزائريين الذين جندهم العدو، من مركز (مسعد) وحملوا معهم ثلاثة بواريد (ألمانية) و٣ بواريد (ماط ٤٩) وألف طلقة ووثائق هامة وألبسة. ... إن استعراض الوجيز السابق يظهر مجموعة من الحقائق التي التصقت باستراتيجية الثورة الجزائرية، ولازمتها خلال مراحلها المختلفة وأهمها: ١ - استنزاف قدرة العدو الاستعماري بصورة مستمرة، وتدميره ماديا ومعنويا عن طريق مجموعة كبيرة من العمليات الصغرى. ووضع قواته مستنفرة تحت ضغط الخوف من الضربة المباغتة. ٢ - تجنب الالتحام مع العدو، قدر المستطاع، بعمليات كبرى، وعدم تمكينه من استثمار تفوقه الساحق بالقوى والوسائط من أجل سحق قوات الثورة وتدميرها. ٣ - استثمار عاملي (الطبيعة الجغرافية) و (التكوين السكاني) لمعادلة التفوق الذي كان يمتلكه العدو الفرنسي بالقوى والوسائط.

стр. 2397

٤ - الاستمرار في عزل العدو عن السكان (المسلمين) الأمر الذي يظهر واضحا من خلال التركيز على ضرب القوات التي استطاع العدو تجنيدها في صفوفه من الجزائريين (جماعات القوم والحركة) وإقناع هذه القوات في الوقت ذاته بالانضمام الى ثورة الشعب الجزائري. ٥ - التزود بالسلاح والتموين على حساب العدو - الغنائم -. ٦ - حماية قوات الثورة بمجموعة من التدابير الأمنية - الاستطلاع والجاسوسية - وبتجنب الاشتباك في الوقت ذاته مع قوات متفوقة للعدو.

стр. 2398

٢ - معركة في أكفادو الولاية الثالثة (*) تقرر عقد مؤتمر للقادة في غابة أكفادو يوم ٢٥ تشرين الأول -أكتوبر - ١٩٥٨ ليضم (العقيد سي عميروش) والمقدم (فاضل حميمي) و (سي الحسين) قائد المنطقة الأولى (القبائل الكبرى) والنقيب (سي مهند السيد) والملازم (سي عبد الحفيظ) الخ .. وغيرهم من قادة الولاية الثالثة. وقد وصل هؤلاء المسؤولين في عشية اليوم المقرر للاجتماع. ما إن ظهرت شمس هذا اليوم على الأفق، في الصباح، حتى أخذت طائرة استطلاع في التحليق فوق الغابة، وتبعتها طائرة ثانية، فثالثة، وكانت كلها تحلق جيئة وذهابا فوق غابة أكفادو والدواوير المحيطة بها مثل: (طفرا) و (عيط منصور) و (بني أوغليس). وكان أحد الأفواج بقيادة (سي عميرا) قد اصطدم منذ الصباح المبكر بعناصر من القوات الفرنسية. ووصلت أسماعنا بضعة رشات من نيران المسدسات الرشاشة، فأصدر (سي عميروش) أوامره، وانتشرت السرايا في الغابة على شكل مجموعات صغرى لاحتلال

стр. 2399

كافة النقاط الاستراتيجية. ونشر الفرنسيون كافة قواتهم، غير أنهم عجزوا عن اختراق غابة (أكفادو). كان القتال قد أصبح محتدما في (طفرا). فتوجهت سرية على الفور إلى أماكن الاشتباك بهدف تحرير إحدى سرايانا التي وجدت نفسها مطوقة، ومحاصرة، في قرية مجاورة. وكانت هذه السرية تضم الملازم (طاهر عميروش) أمين سر الولاية الثالثة والملقب (بالشوارب) وكذلك المقدم (حمامي - أو حميمي) التي جاء عوضا عن (عزرور تاغات). وكانت القمة العليا في الإقليم تهيمن على (وادي الصومام) وتهيمن على كافة تحركات قوات العدو. وكانت الطائرات القاذفة تمزق حجب السماء، وهي تقذف (النابالم) في كل مكان. وكان لا بد من إخلاء غابة (أكفادو) في الليل، إذ أن المعلومات المتوافرة والتي أمكن الحصول عليها في النهار، قد أكدت أن العدو يتابع دعم قواته وتعزيز مواقعه، حيث استمرت القوات الفرنسية في التدفق على (أديكار) و (تاوريرت - إيغيل) و (أسيف الحمام) و (عيط إيدجر) إلخ .. وهكذا، فما إن هبط الليل، حتى تجمع جنودنا، وانتظموا في رتل أحادي، مع ترك مسافة كافية ما بين الجندي والجندي الذي يليه، وأخلينا الغابة، وأخذنا في اختراق مواقع العدو، ونحن متجهين إلى (بورت غويدون). غير أننا لم نكد نسير مسافة كيلومترين فقط داحل الغابة، حتى انطلقت أصوات رشتين من مسدس رشاش، وسقط الثلاثة جنود الذين كانوا يسيرون في المقدمة وهم يزمجرون لما أصابهم من جراح. وأصيب آخرون بجراح غير قاتلة، غير أنهم باتوا عاجزين عن التقدم بسرعة. واستمر جند الأعداء الفرنسيين في إطلاق نيران مسدساتهم الرشاشة، فكانت

стр. 2400

رصاصاتهم تضيء كالشرر وسط ظلمة الغابة. واستخدم المجاهدون الأربطة الفردية لتضميد جراحهم وإيقاف نزفها. وتقدم المجاهدون لمساعدة إخوانهم الجرحى، فحملوهم إلى مكان مأمون، وتركوا معهم ممرضا للعناية بهم في ملجئهم، وأقام هؤلاء الجرحى ثلاثة أيام بلياليها في هذا الملجأ وهم محرومين تقريبا من الطعام والماء، حتى إذا ما جاء اليوم الرابع، وهو يوم ٢٨ تشرين الأول - أكتوبر - انتهى الفرنسيون من عملية (المسح) أو (التمشيط) وكان من حسن حظ الجرحى أن العدو لم يتمكن من اكتشاف ملجئهم. وعاد المجاهدون فحملوا إخوانهم الجرحى إلى مركز قيادة الولاية الثالثة، حيث تجمع ستون من الجرحى تقريبا، وفي الليل نقل هؤلاء جميعا إلى مناطق مأمونة جدا، بهدف تقديم العناية الطبية اللازمة لهم، حتى تندمل جراحهم، ويستعيدوا قوتهم ويستأنفوا جهادهم. بدأت عملية نقل رتل الجرحى في الليل، غير أن هذا الرتل لما يبلغ الطريق العام حتى أنذره المراقبون ورجال الاستطلاع عن وجود كمين أقامه الفرنسيون. وبات لزاما إعادة هؤلاء الجرحى إلى القاعدة التي انطلقوا بهم منها. واستؤنفت محاولة الابتعاد بالجرحى في الليلة التالية، حيث استمر المسير لمدة ست ساعات أمكن الوصول في نهايتها إلى قرية تقع بعد (أسيف الحمام). وأمضى الجرحى الستون يوما في هذه القرية، أشرف خلاله الطبيب (سي أحمد بن عبيد) على العناية بأمر الجرحى ومعالجتهم. وصلت معلومات إلى القرية في الساعة الثانية من فجر اليوم التالي، تؤكد أن القوات الفرنسية في المنطقة قد تلقت المزيد من الدعم. وأنها في سبيلها لإجراء عملية مسح (تمشيط) ثانية. وهذا يعني بأن العدو قد اكتشف بأن جميع الإخوة المجاهدين قد انسحبوا

стр. 2401

إلى هذه المنطقة وتجمعوا فيها. وصدر الأمر الإنذاري عن قيادة المجاهدين بالاستعداد لاستئناف التحرك. وعمل المجاهدون قبل كل شيء على إخلاء الجرحى ونقلهم إلى ملاجىء في الغابة. وقد تمت هذه العملية بينما كانت الطائرات العمودية (الهيليكوبتر) تحلق فوق الغابة، الأمر الذي أرغم الجنود في مرات عديدة، على وضع الجرحى أرضا، فوق الدرب الضيق الذي يسير على حافة جرف سحيق، من أجل تجنب المراقبة الجوية. وهكذا إلى أن تم نقل الجرحى، في حين كانت قوات الاستعماريين تضرب في السهول وتكنس المنطقة كنسا طوال ثلاثة أيام، انتهت بعدها (عملية المسح - التمشيط). وانسحب الجنود الأعداء مرة أخرى، ولم يعثروا على أحد من الجرحى أو المجاهدين. تطلبت العناية بالجرحى، وخاصة المصابين بالكسور منهم، إعادتهم إلى الطبيب المختص بالعظام (الطبيب سي أحمد بن عبيد) وذلك في اليوم الثاني مباشرة. ثم جرى بعد ذلك نقل الجرحى إلى ملجأ أمين جدا في قاع أحد الأودية، وكان يعمل فيه الطبيب (سي طيب) الاختصاصي بالعظام وقد أمضى بعض الجرحى في هذا الملجأ مدة ثلاثة أشهر (من شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨ وحتى كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩). استرد خلالها المصابون والجرحى قوتهم والتحق الذين برئوا منهم من جراحهم بمركز قيادة الولاية الثالثة في إقليم (بو نمال) من (أسيف الحمام). وبعد شهرين من ذلك استشهد قائد الولاية (سي عميروش) أثناء توجهه إلى (تونس) (وكان ذلك في آذار - مارس - ١٩٥٩) حيث لقي البطل مصرعه مع بعض المجاهدين في إقليم (بوسعده). وظنت القيادة الاستعمارية أن باستطاعتها استثمار هذا النصر للقضاء على

стр. 2402

الثورة في الولاية الثالثة، فشجعت جنودها للقيام بحملة واسعة النطاق، وزجت قواتها فيها مع بداية شهر تموز - يوليو - ١٩٥٩. حيث أرسلت بعض طائرات الاستطلاع لاكتشاف مواقع الثوار في غابة (أكفادوا). وما هي إلا نصف ساعة حتى وصلت الطائرات القاذفة، وجاءت على أثر ذلك ثلاث طائرات قامت بإنزال المظليين في منطقة جرداء داخل غابة (أكفادو) فوق قرية (بني أوغليس). وما إن وصل المظليون الأرض حتى استقبلهم سيل من النيران أحاط بهم من كل جانب. وابتعدت طائرات المظليين لتفسح المجال أمام الطائرات القاذفة التي جاءت لتحرث الأرض بنيرانها. وتفرق المجاهدون بسرعة بعد أن دمروا قوة العدو. مضى شهر تموز - يوليو - ١٩٥٩ والمجاهدون يشتبكون مع قوات العدو في كل مكان، في الجبال والسهول، في القرى والأودية. لقد عملت قوات الاستعماريين على فرض حصار محكم حول الولاية الثالثة بكاملها. وكان المجاهدون بالمقابل يسيطرون سيطرة تامة على كافة النقاط الاستراتيجية. وتلقى المجاهدون أمرا من القيادة العليا: الانتقال إلى (وادي الصومام) والتمركز على مقربة من الطريق العام والمواقع الحصينة المتاخمة له. وتم تنفيذ هذا الأمر على الفور. وبذلك بقي الجنود الفرنسيون في الجبل، واستقر المجاهدون في الوادي. ما إن مضت أيام قليلة على التمركز الجديد حتى أصدرت القيادة العليا أوامر جديدة طلبت فيها إلى المجاهدين التفرق بمجموعات صغرى وتجنب أي اشتباك مع قوات العدو التي باتت تحتل كل الجبال، وتنتشر في كل القرى، وهي تنشر الرعب والدمار في أوساط المدنيين العزل من السلاح، والمجردين من كل وسائل المقاومة.

стр. 2403

أحد ضحايا النابالم المدنيين

стр. 2404

ومضت صحافة العدو وهي تعلن في كل يوم أنه قد تم قتل (كذا) من الثوار، وأسر عدد (كذا) منهم، وأنه قد تم تطهير الجبال من المقاومة. وقد عانى المجاهدون خلال هذه الفترة كل أنواع المشاق، وتعرضوا لكل أشكال المصاعب، حتى أن بعضهم اضطر لأكل الضفادع التي كان يصطادها من الأنهار (ومنهم على سبيل المثال المعروف بلقب - باش آغا - واسمه سي العرب من توجا - ظهرة بجاية). وفقد المجاهدون كل ما كانوا يختزنونه من المواد التموينية، واستنزفت قدرتهم. وأخيرا، وصلتهم أوامر أكيادة بالتوجه إلى قرى معينة لتأمين إمداداتهم وموادهم التموينية وكان لا بد من تنفيذ هذه المهمة مع غروب الشمس. وقد قامت إحدى الزمر بالتوجه إلى قرية في دوار (غيط منصو) في سفح (جبل أكفادو). وتوجهت إلى منزل اتخذته ملجأ لها، وأرسلت أحد أفرادها (علي مزعورة) للاتصال برئيس القرية، ووضع آخر للحراسة والمراقبة، وما هي إلا لحظات حتى دخل المراقب (الحارس) وقال لأفراد الزمرة بأن أخوهم (علي مزعورة) قد وقع أسيرا في قبضة الجنود الفرنسيين، وأن عليهم مغادرة المنزل فورا، إذ أن القوات الفرنسية لا تبعد عن الملجأ بأكثر من عشرين حتى ثلاثين مترا. وما إن غادر أفراد الزمرة القرية، حتى انطلق شهاب في اتجاههم أضاء السماء فوقهم، وتبعته شهب أخرى. وتبع ذلك أيضا إطلاق النار من رشيش (٢٤ - ٢٩). ولم يخرج المجاهدون من مهمتهم بنتيجة تزيد على فقدهم لأخيهم (علي مزعورة) الذي أخذه الفرنسيون للتحقيق معه، حيث تعرض لشتى أنواع التعذيب طوال أسبوع كامل. حملوه بعده إلى غابة (أكفادو) وقتلوه بواسطة قنبلة يدوية .

стр. 2405

ظنت القوات الفرنسية أنها أنجزت مهمتها، وقضت على الثوار في الولاية الثالثة، وأخذت في الانسحاب منها مع نهاية شهر تموز - يوليو - ١٩٥٩. وأصدرت القيادة في جيش التحرير أوامرها إلى المجاهدين بالعودة إلى نصب الكمائن. فتمركز فوج بين (أقبو) و (بجاية) غير بعيد عن الطريق العام، وفي ضواحي (أغز - أمقران). ووصلت قافلة فرنسية إلى موقع الكمين، فغمرتها نيران المجاهدين، وقتل عدد كبير من الجنود الفرنسيين، وجرح آخرون. واستشهد مجاهدان على أرض ساحة الشرف - واستمر الصراع. وعرف العدو والصديق أن الولاية الثالثة ما زالت ثائرة، وأن عمليات (التمشيط والتطهير) لم تنل من صمودها.

стр. 2406

٣ - الحرب في الولاية الثالثة (*) لا تمثل هذه الفقرة تقريرا رسميا عن الحرب في الولاية الثانية، وإنما هي مجرد عرض لمجموعة من الأحداث اشترك فيها أحد قدامى مجاهدي جيش التحرير الوطني (واسمه إبراهيم بربيج). غير أنها كافية لإعطاء فكرة واضحة عن طبيعة الحرب في هذه الولاية من (ولايات الكفاح). وقد ذكر المجاهد: إبراهيم بربيج قصة علاقته بالثورة فقال: تعود علاقتي بجيش التحرير الوطني الجزائري، إلى تطوعي في الناحية الأولى من المنطقة الثالثة في الولاية الثانية. يوم (١٠ أيار - مايو - ١٩٥٥). وجاء يوم الخميس، الأول من رمضان - سنة ١٩٥٦ - حيث وجدنا أنفسنا في دوار (ولد جمعة) ناحية (كولو) فتناولنا طعام السحور، وكان عدد مجاهدينا في هذه الناحية يناهز الأربعين مجاهدا يتولى قيادتهم الأخ (رباح اليوسف) من مواليد (ود زيناتي). وقررنا في الساعة التاسعة من صباح هذا اليوم (الخميس) أن ننتقل إلى دوار (سيدي عاشور) في ناحية (كولو)

стр. 2407

ذاتها. وشرعنا بالمسير على الفور، حتى وصلنا حدود قريتين تحملان اسمي (التاراس - و- أنمعة). وأردنا اجتياز الطريق. وعندئذ وصلنا ضجيج صاخب، فعرفنا فيه ضجيج العدو وصخبه، فتوقفنا على الفور، وأخدنا في نصب كمين. وما هي إلا فترة وجيزة حتى وصلت ثلاث عربات من عربات نقل الجند (كميونات) وانطلقت نيران الأسلحة طوال عشر دقائق تمت خلالها إبادة القوة الفرنسية إبادة كاملة. وقام المجاهدون بجمع الغنائم التي ضمت أربعة أسلحة أمريكية آلية (أوتوماتيكية) وجهازا لاسلكيا. بالإضافة إلى أسر جندي فرنسي، كما حصل المجاهدون على كميات من الأعتدة التي كانت محمولة في عربات النقل. ورجع المجاهدون سالمين غانمين ولما يصب أحد منهم بأذى. وكان فرج المجاهدين كبيرا لنجاحهم في تنفيذ مهمة لم يسبقها أي إعداد أو تحصير، وإنما كانت عملية ساقتها إليهم الصدفة فقط. وما إن ابتعد مجاهدونا عن موقع الكمين حتى ظهرت الطائرات القاذفة، وأخذت في التحليق فوق المنطقة، وتوزيع قنابلها هنا، هناك على غير هدى، ودونما هدف محدد. أما بالنسبة للأسير الذي تم أخذه، فقد اقتيد إلى حد (بني تليلان)، حيث كان يعقد في هذه اللحظة بالذات مؤتمر على مستوى الولاية، في مكان يحمل اسم (مزرعة بو الأقمار) من ناحية (المليا) فسلمنا الأسير إلى المسؤولين الذين قرروا إطلاق سراحه، حتى يعود إلى وطنه (فرنسا). وحتى يؤكد لمواطنيه ما شاهده من تصميم الثوار على متابعة الجهاد واستعدادهم لذلك. توافرت لنا فرصة في نهاية شهر تموز - يوليو - وبداية شهر آب - أغسطس - ١٩٥٦ لعقد اجتماع على مستوى الولاية الثانية، وتم عقد

стр. 2408

هذا الاجتماع في (دوار زبابرة) من مشتى (شكايل). وتقرر في هذا الاجتماع اختيار قطاع من القطاعات للقيام بعملية. وأسندت مهمة الاختيار للأخ المجاهد (حسين بوحاج) من (كولو). وعلى هذا الأساس، توجه المجاهدون إلى (الزيتونة) بهدف نصب كمين للعدو على الطريق ما بين (الزيتونة) و (الشريعة) - وقد عرف المجاهدون بأمر مرور ثلاث عربات نقل للجند إلى (كولو) فقرروا نصب كمين لها على طريق عودتها. غير أنه لم ترجع إلا عربتان من عربات النقل، أما العربة الثالثة (الكميون) والعربة الخفيفة (الجيب) فقد بقيتا في (كولو). فقرر أفراد الكمين عدم التعرض لمركبتي النقل (الكميونين)، وما إن حان موعد الظهيرة، حتى ظهرت عربة النقل (الكميون) والعربة الخفيقة (الجيب). وعندما وصلت المركبتان إلى منطقة الكمين، فتح المجاهدون نيرانهم، وتمكنت عربة النقل الكبرى من الفرار، بينما تمكنت نيران قوة الكمين من قتل ثلاثة ركاب كانوا يمتطون العربة وأخذ الرابع أسيرا، وكان هذا هو قائد القافلة والمسؤول عنها. غنم المجاهدون بنتيجة هذا الكمين غنيمة هامة شملت كيسين (حقيبتين كبيرتين) تحتويان على وثائق ورسائل وحوالات، بالإضافة إلى مبلغ نقدي قدره (١١٧) ألف فرنك - قديم -. واستولى المجاهدون أيضا على أربعة أسلحة آلية - أوتوماتيكية - (أمريكية). وانسحب المجاهدون ومعهم أسيرهم. غير أن الطيران الذي استنفرته القيادة الفرنسية أخذ في مطاردة قوة الكمين، ولكن من دون جدوى. وظن المجاهدون أن باستطاعتهم الابتعاد عن منطقة العملية، ولكن العدو قام بإقفال الطريق، وشرعت (١٧) طائرة قاذفه بإلقاء قنابلها لإعاقة المجاهدين ومنعهم من عبور النهر،

стр. 2409

ولما كان الوادي الكبير في حالة فيضان، فقد أغرق بعض المجاهدين. وظهر واضحا أن الاشتباك مع العدو بات أمرا حتميا لا مفر منه. واستشهد أربعة من المجاهدين، وتكبد العدو بدوره بعض الخسائر، غير أن الحظ لم يبتسم للمجاهدين. - عموما - في هذه العملية. لم تتمكن قوة المجاهدين من إعادة التجمع إلا في (بوزبوغ) حيث انطلقت منها إلى قرية (طاهر) بعد استراحة قصيرة، وأقامت في (بني حبيب). وقد أراد المجاهدون نصب كمين جديد في (الشقفة). غير أن وجود (٩) وحدات من قوى البحرية حمل المجاهدين على تغيير خطتهم، والعدول عن رغبتهم. وتابع المجاهدون تنقلهم بين مشتى (ولد بوفيحا) ودوار (الولجة -كولو). وكان المجاهدون يجدون لأنفسهم فترة من الراحة عندما يستقرون في (جبال القطة) و (تازروت). لينتقلوا بعدها إلى (أحجار مفروه) و (دوار زكار). وكان تكتيك المجاهدين كله قائما على التحرك الدائم، وعدم الاستقرار، لتضليل العدو باسمرار. أثناء إقامة المجاهدين في (دوار زكار) توافرت لهم المعلومات، عن طريق شبكة استخباراتهم، بأن قافلة فرنسية من عربات النقل، قد خرجت من قرية (عين كشرة) متجهة نحو (كولو) أو (سكيكدة) بهدف نقل مواد تموينية وإمدادات على ما يعتقد. فقام المجاهدون بنصب كمين في (دوار زكار) واستخدموا أغصان الأشجار للتمويه، وساروا مسافة تسعة كيلومترات حتى وصلوا الموقع الذي تم اختياره للكمين فيما بين (عين قشرة) و (دراع الأشهب). وفي الساعة (١٦٤٠) ظهرت القافلة الفرنسية وهي في طريق عودتها. وكان عددها (٣١) عربة نقل - كميون - بالإضافة إلى عشرة عربات كانت

стр. 2410

تحمل مواطنين جزائريين. وما إن وصلت القافلة إلى موقع الكمين حتى غمرتها نيران المجاهدين، ولم يكن من الغريب على هؤلاء المجاهدين تدمير عربات القافلة كلها في دقائق قليلة، ولم تتمكن من النجاة إلا العربة الخفيفة (الجيب) والمدرعة التي كانت ترافق القافلة للحراسة. وحصل المجاهدون على غنيمة كبيرة شملت (٢٢) مسدسا و (٧) أجهزة لاسلكية، ومواد تموينية منها كميات من السكاكر والشوكولا. وعلى الأثر ظهرت ثمان طائرات قاذفة، لم تتأخر عن إلقاء حممها لتدمير المنازل المحيطة بالمنطقة وإحراق الغابات. وخشي المجاهدون من مطاردة العدو لهم، فتفرقوا على الفور، وتوجهت كل كتيبة إلى الإقليم الذي جاءت منه. زج العدو بثقل قواته لمطاردة المجاهدين، فحشد (٤٥) ألف جندي لتطويقهم، مع ما توافر لهؤلاء الجنود من دعم هائل كالطيران والمدرعات والمدفعية، غير أن العدو لم ينجح في الانتقام لقتلاه، فتوجه بانتقامه إلى المدنيين، ولم يكفه ذلك فأخذ في إحراق الغابات، وتدمير المنازل والبيوت وقتل الحيوانات (البهائم) وإتلاف الحدائق والممتلكات واستمر ذلك طوال خمسة عشر يوما. وكان انتقام العدو من المواطنين، ثقيلا، ومرهقا. برهن فيه المواطنون العزل من السلاح أنهم على العهد بهم، أقوياء بأنفسهم، تملؤهم ثقة لا تتزعزع بقدراتهم وبقوة جيشهم - جيش التحرير الوطني -. تكونت قناعة لدى العدو بأن الثوار (العصاة أو الفلاقة) منتشرون في كل زاوية من زوايا المنازل، وعلى كل غصن من أغصان الأشجار، وفي مجرى كل نهر من الأنهار، وهكذا انطلق بعملية قصف مرعبة حيث أخدت طائراته بقصف كل الأقليم قصفا

стр. 2411

وحشيا أصاب بصورة خاصة قرى (الملية) و (كولو) و (عين قشرة). أصدرت القيادة أمرها في يوم ١٦ آب - أغسطس - ١٩٥٧ إلى ناحية (سكيكدة) بتكليف (إبراهيم بربيج) بقيادة كتيبة من مائة وعشرة جنود يعاونه قادة الفصائل (سيد سعود من شكيكدة) و (محمود ناطور من بني زايد) و (بن عاشية) من (زبابرة - كولو). وذلك للاضطلاع بمهمة التوجه الى الشرق لجلب الأسلحة والإمدادات. وانطلقت الكتيبة من (بني زايد - ناحية كولو) واتجهت نحو (سكيكدة) حيث أجرت اتصالا مع المسؤول (محمد ناموس) الذي جهز الكتيبة باثنين من الأدلاء - الكشافة - كانا يعرفان الطريق معرفة جيدة. ومغادرت الكتيبة (سكيكدة) على طريق (بالو) متجاوزة قمم ومرتفعات جبل (لاليا) حتى وصلت مشتى (واديا). وقد استطاع العدو تقصي أثر هذه الكتيبة ومتابعتها على الرغم من كل تدابير الحيطة التي اتخذتها، وعلى الرغم من تحركها في الليل باستمرار. وقام المسؤول في (مشتى واديا) بإمداد الكتيبة بالأغذية والمواد التموينية، فاستأنقت الكتيبة مسيرها في الساعة (٢١٠٠) من يون ٢٣ آب - أغسطس - ١٩٥٧.غير أنها ما لبثت أن اشتبكت بقوات العدو، فأمرها قائدها بالتفرق واللجوء إلى الغابة القريبة. غير أنها ما لبثت أن اشتبكت بقوات العدو، فأمرها قائدها بالتفرق واللجوء إلى الغابة القريبة. وفي اليوم التالي جاءت طائرات عمودية - هيليكوبتر - وهبطت في المكان الذي وقع فيه الاشتباك. وعرف المجاهدون عندئذ أنه سقط للعدو في منطقة الاشتباك أحد عشر قتيلا. ولما لم يعد هناك أثر للمجاهدين، فقد اقتنع العدو بأنهم قد غادروا الإقليم. فقام - كعادته - بعملية انتقامية من الدواوير

стр. 2412

المجاورة. وفقد العدو كل أثر للكتيبة، ولم يتمكن من اكتشافهم على الرغم من استخدامه لطيران الاستطلاع. تابعت الكتيبة طريقها نحو (تانغوت) متبعة دروب جبل (دباغ). ودخلت في المنطقة الرابعة لدى وصولها الى قرية (الهوارة). فتابعت سيرها نحو (لاغرين) ثم سلكت الطريق ما بين (سوق أهراس) و (عين ساطور). وكانت القوات الفرنسية تعمل خلال هذه المرحلة على إقامة الحط العازل الشهير - على الحدود التونسية - والمعروف باسم (خط موريس). وسارت الكتيبة من (سوق أهراس) إلى (حمام أوشات) حيث عمل المجاهد - المسؤول - (عبد الرحمن بن سالم) فجهز الكتيبة بدليل آخر - كشاف - لمرافقه الكتيبة. ووصلت الكتيبة إلى (غارديماو) في يوم ٥ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٧ حيث تم الاتصال عن المسؤول لتزويد الولاية الثانية بالسلاح والعتاد. وتسلمت الكتيبة الأسلحة المقررة، وكيسين من المواد الطبية، ثم شرعت في السير على طريق العودة في اليوم الأول من تشرين الأول - أكتوبر - وذلك بعد أن انضمت كتيبة أخرى إلى الكتيبة السابقة كانت تحت قيادة (عز الدين) وكانت مقيمة في (تونس). ومعها (٤٠) جنديا من منطقة (ساونا - المنطقة الرابعة من ناحية غلمة). وكان هؤلاء الأربعين جنديا هم بقايا كتيبة عملت تحت قيادة (جابوربي) وتكبدت خسائر فادحة حتى لم يبق إلا عشر قوتها. وهكذا بات تحت قيادة (إبراهيم بربيج) قوة كتيبتين وأربعين جنديا - أو ما يقارب مائتين وثمانين مجاهدا - كلهم مسلحون ومعهم (٤٥) بغلا لحمل الأسلحة والذخائر. وتوجهت هذه القافلة

стр. 2413

نحو (عين سلطان) ثم إلى (كف أغراب - بني صلاح). ولم يكن في هذه الجبال إلا كتيبة واحدة من كتائب جيش التحرير الوطني تعمل تحت قيادة المجاهد (عمر شكاي) يساعده المجاهد (عوفي). ولم يكن لدى هذه الكتيبة من الأغذية والمواد التموينية ما تستطيع أن تقدمه لأفراد القافلة. وكان لا بد من الاكتفاء بشراء ما هو متوافر في القرية من الكعك. وقام المجاهد (عمر شكاي) بتكليف خمسة من المجاهدين لمرافقه القافلة وتوجيهها حتى الوصول بها إلى (خط موريس) وبات من السهل على القافلة بعد ذلك اجتياز هذا الخط والوصول إلى (لاغرين). عير أن العدو استطاع اكتشاف أمر القافلة، فوجه طيرانه لمطاردتها ومتابعة تحركها ونجحت القافلة في الوصول إلى غابة، واللجوء إليها. وانتقلت منها إلى (الهوارة) ثم إلى (الدباغ) و (دوار بو طيب) حيث وجدت الراحة فيه لمدة ثلاثة أيام، كان المطر يهطل خلالها من غير توقف. وما إن اعتدل المناخ، وتوقفت العاصفة، حتى استأنفت القافلة تحركها حتى وصلت (الغدير) مخترقة المنطقة بين (كاستونفيل) و (الهاروش) ثم وصلت إلى (كالو) بدون أن تتعرض لأية خسارة. وكان هذا النجاح سببا في تكليف قائد القافلة (إبراهيم بربيج) بالعودة لتنفيذ مهمة مماثلة. ... غادرت الكتيبة مجددا مقرها في (عين تايا) يوم ٣ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٧ وتوجهت نحو جبل (دباغ) حيث اتصل قائدها بالمسؤول عن المنطقة الرابعة (محمد روح) الذي قدم لقائد الكتيبة عرضا بالمعلومات المتوافرة لديه عن حالة الطرق ومحاور

стр. 2414

في الطريق نحو الهدف - المدفعية الثقيلة لدعم المجاهدين

стр. 2415

المرور التي تصل إلى الشرق. كما وضع أربعة من الجنود الأدلاء الذين وجهوا الكتيبة حتى وصولها إلى (خط موريس) حيث وصلت الكتيبة إليه يوم ٧ تشرين الثاني - نوفمبر -. وأقامت في جبل مجاور لمدة أربعة أيام، حيث انضم إليها ثلاثون جنديا - أرسلهم (محمد روح) وكلفه باصطحابهم إلى تونس. قرر قائد الكتيبة عبور خط (موريس) يوم ١١ تشرين الثاني - نوفمبر - وتجهزت الكتيبة لهذه الغاية برفش ومعول، ومقصين لقطع الأسلاك الشائكة ومجرفة. وكانت الساعة (٢٣٠٠) عندما وصلت الكتيبة إلى موضع يضم طريقا يستخدمه العدو للوصول إلى الجبال والتوغل فيها. وكان يتم إقفال هذا الطريق ليلا بسياج شائك يشبه زوجا من الأبواب. وتم قص الأسلاك عند الباب الأول، ثم أمكن اجتياز حقل الألغام، والوصول إلى الباب الثاني، وقص الحلقة الكبيرة التي توصده، وجاء بعد ذلك دور الخط المكهرب. حيث اجتاز المجاهدون الطريق زحفا من تحت الأسلاك الشائكة حتى تم الوصول إلى الطرف الثاني من (خط موريس). ووجد المجاهدون أنفسهم أمام واد كبير، تحيط به الحدائق المزروعة بأشجار التين. وشعرت القوات الفرنسية بوجود المجاهدين، واكتشفت أمر الثغرة التي مروا منها، فشرعت مدفعيتهم بالقصف على طرق مرور كتيبة المجاهدين، غير أن هؤلاء نجحوا في اللجوء إلى منطقة من جبال (بني صلاح) كانت متميزة بوعورتها الشديدة، وبصعوبة وصول العدو إليها. قام قائد الكتيبة بعد يومين اثنين بإرسال مجاهدين بمهمة استطلاع المنطقة، ولكنهما لم يبتعد كثيرا حتى باغتهما العدو بالرمي

стр. 2416

عليهما. فرجعا على الفور سالمين ولما يصابا بأذى. وظهر أنه لا بد من السير في الليل للإفادة من الظلمة بهدف الوصول إلى تونس. لا سيما وأن الوحدات الفرنسية قد انتشرت منذ خمسة عشر يوما في كل ناحية من نواحي الإقليم. وفي الوقت ذاته. كانت قدرة افراد الكتيبة قد استنزفت لبقائهم بتسعة أيام من غير طعام. ووصلت الكتيبة بعد يومين الى خط (شال) في قطاع (دار البيضا) غير بعيد عن (بوحجار). وحاولت الكتيبة في يومي ٢٠ و٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - القيام بعدد من المحاولات لعبور خط (شال) غير أن القوات الفرنسية تمكنت في كل مرة من إحباط المحاولة. وفي يوم ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - توجه قائد الكتيبة للقيام باستطلاع شخصي للمنطقة، وصعد إلى إحدى الهضاب المرتفعة حيث أمكن مشاهدة أحد الدواوير. وعندها، قرر التوجه إلى (الدوار) وأمكن له إجراء اتصالات مع الأهلين، بعد صعاب كثيرة وبعد تجاوز عقبات صعبة. وعندما تم اكتساب ثقة الأهلين الذين تأكدوا من شخصيات المجاهدين، عملوا على تعريفهم بمجاهد كان قد وصل إلى الإقليم منذ أيام قليلة. وجاء هذا المجاهد إلى قائد الكتيبة الذي طلب إليه تأمين الطعام لأفراد الكتيبة الجياع والذين مضى عليهم اثني عشر يوما لم يذوقوا فيها أي نوع من أنواع الطعام. وجاء المجاهد بالطعام إلى هؤلاء الذين اصفرت وجوههم وباتوا وهم عاجزين حتى من الكلام. فتناول المجاهدون ما سدوا به رمقهم، واستراحوا قليلا، وبعدها جلس قائد الكتيبة إلى المجاهد - ابن الإقليم - يستوضحه عن الموقف في الإقليم، وعن المعلومات المتوافرة في موضوع تشكيلات القوات الفرنسية وانتشارها في المنطقة. وأفاد المجاهد

стр. 2417

بأن قوات العدو منتشرة في كل مكان، ونتيجة لذلك فإنه من المحال عبور الخط المكهرب (خط شال) غير أن هناك بعض الأمل بتحقيق النجاح في العبور من جهة (الدوار) ولو أن هذا العبور سيتم قريبا من مواقع العدو. وقررت قيادة الكتيبة بذل المحاولة في مساء اليوم ذاته لإجراء العبور. ولكن ما إن وصلت الكتيبة إلى جوار خط الأسلاك الشائكة حتى واجهت دبابتين معاديتين كانتا تقفان على بعد عشرين مترا فقط من النقطة التي وصل إليها أفراد الكتيبة، والذين التصقوا بالأرض، منبطحين على ثراها. وما هي إلا فترة قصيرة حتى سارت إحدى الدبابتين متخذة طريقها نحو الدوار، في حين أطفأت الدبابة الثانية أضواءها، وبقيت متمركزة في موقعها، ومحركها مستمر في دورانه. ومكث مجاهدو الكتيبة في مواقعهم ينتظرون انصراف الدبابة الثانية وابتعادها حتى أزفت الساعة الثالثة صباحا، وعندها قرر قائد الكتيبة الإقدام على احتمال مخاطر المجازفة، فتقدم إلى السلك المكهرب، وأمكن له قطعه، وتبعه أفراد الكتيبة الذين شقوا طريقهم زحفا عبر حقول الألغام. وأمكن للمجاهدين عبور المنطقة الخطرة من غير أن يثيروا انتباه سدنة الدبابة. غير أن العدو أخذ في إطلاق الشهب المضيئة ولما يبتعد المجاهدون بأكثر من خمسمائة متر، وأخذت المدفعية في إطلاق قنابلها على الموضع الذي كان يتمركز فيه أفراد الكتيبة قبل قليل، والذي اضطروا إلى أن يتركوا فيه بعض ثيابهم. وتابع المجاهدون طريقهم حتى وصلوا إلى (واشتاتا) حيث التقوا بالمجاهد (وارثي الأخضر) والذي استقبلهم، وقدم لهم

стр. 2418

القهوة، وأمن العناية للمجاهدين الذين أصيبوا بجراح أثناء عبور منطقة الأسلاك الشائكة ... وأخيرا وصلت الكتيبة إلى المنطقة التي كان يتولى قيادتها المجاهد (عبد الرحمن بن سالم) وذلك في ظهر يوم ٢٣ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨، وكان قد مضى على الكتيبة أحد عشر شهرا من المسير. وكانت المنطقة تضم أربعة آلاف جندي مجاهد استقبلوا إخوانهم أفراد الكتيبة استقبالا حارا أنساهم كل المشاق والمتاعب والمعاناة مما تعرضوا له في رحلتهم الصعبة. وعمل القائد (عبد الرحمن بن سالم) فورا على تخصيص مكان منعزل للكتيبة، وأوصى قائدها بتجنب الحديث عن الصعوبات التي جابهتها الكتيبة أثناء عبورها للحواجز المختلفة، حفاظا على الروح المعنوية لبقية الجنود المجاهدين الموجودين في المنطقة (داخل الحدود التونسية). وأمضت الكتيبة فترة من الراحة، تم بعدها استدعاء قائد الكتيبة لمقابلة مسؤول المنطقة من أجل الحصول عن المعلومات الضرورية المتعلقة بخطوط الفرنسيين. وقد أبدى مسؤول المنطقة إعجابه برجال الكتيبة، وما تحلوا به من الفضائل الحربية، وما أظهروه من الصبر والتصميم. انتقلت الكتيبة بعد أيام قليلة إلى (أمليز) بهدف ممارسة التدريب على الأسلحة الحديثة. واستمر تدريب الكتيبة طوال أربعة أشهر (من كانون الثاني - ديسمبر - وحتى آذار - مارس ١٩٥٩) حيث ضمت الكتيبة إلى كتائب أخرى في إطار تنظيم (فوج) يحمل اسم (الفوج الحادي عشر) - ونقل الفوج إلى (عين دراهم) حيث تمركز في (العيون) وكلف بمهمة العمل على تدمير خطوط الأسلاك الشائكة التي كانت فرنسا قد أقامتها على الحدود التونسية. والتعرض للحامية المدافعة عنها.

стр. 2419

ويمكن بعد ذلك التعرض لنماذج من بعض هذه العمليات. مثل تلك المعروفة (بعملية العامري) والتي نفذتها مجموعة انطلقت من (عين دارهم) مستخدمة عربات النقل الكبرى - الكميونات - حتى حدود (غار ديماو) حيث ترجل المجاهدون، وتابعوا طريقهم سيرا على الأقدام حتى وصلوا (ودزين) حيث (مقر الفوج ٣٩). وتولى عندها قائد الفوج (عبد الرحمن بن سالم) إدارة العملية. فجمع المجاهدين جميعا، وشرح لهم طبيعة المهمة، والهدف من تنفيذها ممثلا (بتحرير مواطني منطقة العامري من ضغوط العدو). وقام المجاهدون بتنفيذ المهمة بدقة وإحكام، ولم يتمكن العدو من الصمود أو المقاومة، وقتل عدد كبير من أفراد العدو، وهرب الآخرون. وتم تدمير المعسكر القائم في (العامري) وتحرير المحتجزين فيه والاستيلاء على كمية من الأسلحة والأموال. ولقد تميز القتال بضراوته وشدته الأمر الذي أدى إلى استشهاد عدد من المجاهدين وأصيب آخرون بجراح. ونقل سكان قرية (العامري) إلى قرية (دشرات المجاهد) والتي لا زالت قائمة حتى اليوم. وقد استخدمت في هذه المعركة بعض الأسلحة الثقيلة، مثل الصواريخ، ومدافع الهاون. ... ويمكن أيضا الاشارة إلى (الفوج ١٧) الذي تمركز في (عين الزانة) التي تعرضت لقصف كثيف قامت به ست طائرات قاذفة (ب ٢٦) اعتبارا من الساعة (٥٣٠) يوم ١٠ تموز - يوليو - ١٩٦٠ وأدى الى استشهاد بعض المجاهدين. وكذلك ما قام به (الفوج ٥٦) الذي نظم هجوما على (عين الكرمة - بوجيلات صنهاجة) خلال شهر شباط - فبراير - ١٩٦٢ وبدأ

стр. 2420

تنفيذه يوم ٦ آذار - مارس - ١٩٦٢ حيث تم الانقضاض على مجموعة القرى المنتشرة على امتداد الحدود الجزائرية - التونسية وقد استمرت هذه المعركة من مساء يوم ٦ - آذار - مارس - وحتى يوم ١٧ منه، وتلقى فيها العدو درسا قاسيا لا ينسى من قبل مجاهدي جيش التحرير الذي استخدم كل الأسلحة الحديثة، بما فيها المدفعية والصواريخ ومدافع البازوكا. وتلقت قوات المجاهدين أمرا يوم ١٧ آذار - مارس - بفك الاشتباك، وإيقاف إطلاق النار. وفي يوم ١٨ آذار - مارس - ١٩٦٢، تلقى المجاهدون أمرا بحفر الحفر لوضع الصواري (جمع صاري) والتي سترتفع عليها أعلام الجزائر عالية خفاقة. ونفذ المجاهدون ذلك، وفي الساعة (١٢٠٠) من يوم ١٩ آذار - مارس - قام المجاهدون بتنظيم عرض لقواتهم استمر نصف ساعة، تحت سمع العدو وبصره (بعد أن دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لدى الجانبين). دخل المجاهدون (عين الكرمة) يوم ٦ تموز - يوليو - واحتفلوا فيها بعيد الاستقلال. وكان هذا العيد مناسبة لإحياء ذكرى شهداء المجاهدين الأبرار الذين مهروا راية البلاد بدمهم الطاهر. ***
следующие страницы →