عليهما. فرجعا على الفور سالمين ولما يصابا بأذى. وظهر أنه لا بد من السير في الليل للإفادة من الظلمة بهدف الوصول إلى تونس. لا سيما وأن الوحدات الفرنسية قد انتشرت منذ خمسة عشر يوما في كل ناحية من نواحي الإقليم. وفي الوقت ذاته. كانت قدرة افراد الكتيبة قد استنزفت لبقائهم بتسعة أيام من غير طعام. ووصلت الكتيبة بعد يومين الى خط (شال) في قطاع (دار البيضا) غير بعيد عن (بوحجار). وحاولت الكتيبة في يومي ٢٠ و٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - القيام بعدد من المحاولات لعبور خط (شال) غير أن القوات الفرنسية تمكنت في كل مرة من إحباط المحاولة. وفي يوم ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - توجه قائد الكتيبة للقيام باستطلاع شخصي للمنطقة، وصعد إلى إحدى الهضاب المرتفعة حيث أمكن مشاهدة أحد الدواوير.
وعندها، قرر التوجه إلى (الدوار) وأمكن له إجراء اتصالات مع الأهلين، بعد صعاب كثيرة وبعد تجاوز عقبات صعبة. وعندما تم اكتساب ثقة الأهلين الذين تأكدوا من شخصيات المجاهدين، عملوا على تعريفهم بمجاهد كان قد وصل إلى الإقليم منذ أيام قليلة. وجاء هذا المجاهد إلى قائد الكتيبة الذي طلب إليه تأمين الطعام لأفراد الكتيبة الجياع والذين مضى عليهم اثني عشر يوما لم يذوقوا فيها أي نوع من أنواع الطعام. وجاء المجاهد بالطعام إلى هؤلاء الذين اصفرت وجوههم وباتوا وهم عاجزين حتى من الكلام.
فتناول المجاهدون ما سدوا به رمقهم، واستراحوا قليلا، وبعدها جلس قائد الكتيبة إلى المجاهد - ابن الإقليم - يستوضحه عن الموقف في الإقليم، وعن المعلومات المتوافرة في موضوع تشكيلات القوات الفرنسية وانتشارها في المنطقة. وأفاد المجاهد
стр. 2417
بأن قوات العدو منتشرة في كل مكان، ونتيجة لذلك فإنه من المحال عبور الخط المكهرب (خط شال) غير أن هناك بعض الأمل بتحقيق النجاح في العبور من جهة (الدوار) ولو أن هذا العبور سيتم قريبا من مواقع العدو.
وقررت قيادة الكتيبة بذل المحاولة في مساء اليوم ذاته لإجراء العبور. ولكن ما إن وصلت الكتيبة إلى جوار خط الأسلاك الشائكة حتى واجهت دبابتين معاديتين كانتا تقفان على بعد عشرين مترا فقط من النقطة التي وصل إليها أفراد الكتيبة، والذين التصقوا بالأرض، منبطحين على ثراها. وما هي إلا فترة قصيرة حتى سارت إحدى الدبابتين متخذة طريقها نحو الدوار، في حين أطفأت الدبابة الثانية أضواءها، وبقيت متمركزة في موقعها، ومحركها مستمر في دورانه. ومكث مجاهدو الكتيبة في مواقعهم ينتظرون انصراف الدبابة الثانية وابتعادها حتى أزفت الساعة الثالثة صباحا، وعندها قرر قائد الكتيبة الإقدام على احتمال مخاطر المجازفة، فتقدم إلى السلك المكهرب، وأمكن له قطعه، وتبعه أفراد الكتيبة الذين شقوا طريقهم زحفا عبر حقول الألغام. وأمكن للمجاهدين عبور المنطقة الخطرة من غير أن يثيروا انتباه سدنة الدبابة. غير أن العدو أخذ في إطلاق الشهب المضيئة ولما يبتعد المجاهدون بأكثر من خمسمائة متر، وأخذت المدفعية في إطلاق قنابلها على الموضع الذي كان يتمركز فيه أفراد الكتيبة قبل قليل، والذي اضطروا إلى أن يتركوا فيه بعض ثيابهم.
وتابع المجاهدون طريقهم حتى وصلوا إلى (واشتاتا) حيث التقوا بالمجاهد (وارثي الأخضر) والذي استقبلهم، وقدم لهم
стр. 2418
القهوة، وأمن العناية للمجاهدين الذين أصيبوا بجراح أثناء عبور منطقة الأسلاك الشائكة ... وأخيرا وصلت الكتيبة إلى المنطقة التي كان يتولى قيادتها المجاهد (عبد الرحمن بن سالم) وذلك في ظهر يوم ٢٣ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨، وكان قد مضى على الكتيبة أحد عشر شهرا من المسير. وكانت المنطقة تضم أربعة آلاف جندي مجاهد استقبلوا إخوانهم أفراد الكتيبة استقبالا حارا أنساهم كل المشاق والمتاعب والمعاناة مما تعرضوا له في رحلتهم الصعبة. وعمل القائد (عبد الرحمن بن سالم) فورا على تخصيص مكان منعزل للكتيبة، وأوصى قائدها بتجنب الحديث عن الصعوبات التي جابهتها الكتيبة أثناء عبورها للحواجز المختلفة، حفاظا على الروح المعنوية لبقية الجنود المجاهدين الموجودين في المنطقة (داخل الحدود التونسية). وأمضت الكتيبة فترة من الراحة، تم بعدها استدعاء قائد الكتيبة لمقابلة مسؤول المنطقة من أجل الحصول عن المعلومات الضرورية المتعلقة بخطوط الفرنسيين. وقد أبدى مسؤول المنطقة إعجابه برجال الكتيبة، وما تحلوا به من الفضائل الحربية، وما أظهروه من الصبر والتصميم.
انتقلت الكتيبة بعد أيام قليلة إلى (أمليز) بهدف ممارسة التدريب على الأسلحة الحديثة. واستمر تدريب الكتيبة طوال أربعة أشهر (من كانون الثاني - ديسمبر - وحتى آذار - مارس ١٩٥٩) حيث ضمت الكتيبة إلى كتائب أخرى في إطار تنظيم (فوج) يحمل اسم (الفوج الحادي عشر) - ونقل الفوج إلى (عين دراهم) حيث تمركز في (العيون) وكلف بمهمة العمل على تدمير خطوط الأسلاك الشائكة التي كانت فرنسا قد أقامتها على الحدود التونسية. والتعرض للحامية المدافعة عنها.
стр. 2419
ويمكن بعد ذلك التعرض لنماذج من بعض هذه العمليات. مثل تلك المعروفة (بعملية العامري) والتي نفذتها مجموعة انطلقت من (عين دارهم) مستخدمة عربات النقل الكبرى - الكميونات - حتى حدود (غار ديماو) حيث ترجل المجاهدون، وتابعوا طريقهم سيرا على الأقدام حتى وصلوا (ودزين) حيث (مقر الفوج ٣٩). وتولى
عندها قائد الفوج (عبد الرحمن بن سالم) إدارة العملية. فجمع المجاهدين جميعا، وشرح لهم طبيعة المهمة، والهدف من تنفيذها ممثلا (بتحرير مواطني منطقة العامري من ضغوط العدو). وقام المجاهدون بتنفيذ المهمة بدقة وإحكام، ولم يتمكن العدو من الصمود أو المقاومة، وقتل عدد كبير من أفراد العدو، وهرب الآخرون. وتم تدمير المعسكر القائم في (العامري) وتحرير المحتجزين فيه والاستيلاء على كمية من الأسلحة والأموال. ولقد تميز القتال بضراوته وشدته الأمر الذي أدى إلى استشهاد عدد من المجاهدين وأصيب آخرون بجراح. ونقل سكان قرية (العامري) إلى قرية (دشرات المجاهد) والتي لا زالت قائمة حتى اليوم. وقد استخدمت في هذه المعركة بعض الأسلحة الثقيلة، مثل الصواريخ، ومدافع الهاون.
...
ويمكن أيضا الاشارة إلى (الفوج ١٧) الذي تمركز في (عين الزانة) التي تعرضت لقصف كثيف قامت به ست طائرات قاذفة (ب ٢٦) اعتبارا من الساعة (٥٣٠) يوم ١٠ تموز - يوليو - ١٩٦٠ وأدى الى استشهاد بعض المجاهدين.
وكذلك ما قام به (الفوج ٥٦) الذي نظم هجوما على (عين الكرمة - بوجيلات صنهاجة) خلال شهر شباط - فبراير - ١٩٦٢ وبدأ
стр. 2420
تنفيذه يوم ٦ آذار - مارس - ١٩٦٢ حيث تم الانقضاض على مجموعة القرى المنتشرة على امتداد الحدود الجزائرية - التونسية وقد استمرت هذه المعركة من مساء يوم ٦ - آذار - مارس - وحتى يوم ١٧ منه، وتلقى فيها العدو درسا قاسيا لا ينسى من قبل مجاهدي جيش التحرير الذي استخدم كل الأسلحة الحديثة، بما فيها المدفعية والصواريخ ومدافع البازوكا. وتلقت قوات المجاهدين أمرا يوم ١٧ آذار - مارس - بفك الاشتباك، وإيقاف إطلاق النار. وفي يوم ١٨ آذار - مارس - ١٩٦٢، تلقى المجاهدون أمرا بحفر الحفر لوضع الصواري (جمع صاري) والتي سترتفع عليها أعلام الجزائر عالية خفاقة. ونفذ المجاهدون ذلك، وفي الساعة (١٢٠٠) من يوم ١٩ آذار - مارس - قام المجاهدون بتنظيم عرض لقواتهم استمر نصف ساعة، تحت سمع العدو وبصره (بعد أن دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لدى الجانبين).
دخل المجاهدون (عين الكرمة) يوم ٦ تموز - يوليو - واحتفلوا فيها بعيد الاستقلال. وكان هذا العيد مناسبة لإحياء ذكرى شهداء المجاهدين الأبرار الذين مهروا راية البلاد بدمهم الطاهر.
***
стр. 2421
٤ - مهمة على موجات الأثير (١)
دخلت الثورة الجزائرية عامها السادس منذ يوم تفجرها في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤. وفي هذه الفترة، وصل الضغط الاستعماري ذروة اتساعه وقوته، وذلك كرد فعل على الهزائم المنكرة التي نزلت بساحة كبار قادة الحرب الفرنسيين. إذ أن ذكريات الكوارث التي رافقت الأعمال القتالية المتتالية، قد التصقت بأسماء أولئك الذين تم تكليفهم بتنفيذها، والذين صدمتهم المقاومة الضارية للمدافعين عن حريتهم.
لقد خاض المدافعون عن حريتهم الحرب، وجابهوا أضخم جهاز حربي استعماري عرفه القرن العشرين، حيث أنه ضم القدرة الضاربة الأمريكية، إلى جانب قدرة الغرب الاستعماري مجتمعه. وقد استرسل (الماكيافيليون - الاستعماريون) في مفاهيمهم، فأقاموا السدود المكهربة التي لم تتمكن من عزل الجزائر المجاهدة عن العالم الخارجي. وفشلت عبقرية الاستراتيجيين الاستعماريين في الوصول إلى هدفها. وأمام هذا الفشل المتكرر الذي أصاب كبرياء قادة الجيش الاستعماري بجراح عميقة، لم يبق أمام
стр. 2422
الاستعماريين إلا الاستدارة نحو المواطنين المدنيين ليصبوا عليهم جام غضهم وانتقامهم، وليعرضوهم لأبشع أنواع الإذلال والتعذيب. فأقيمت (مراكز التجمع) و (معسكرات الحشد) و (السجون) و (المحاكم العسكرية العرفية) و (التجمعات القسرية - الإجبارية) (ونصبت المقاصل - جمع مقصلة) و (أبيحت الرذائل) و (انتهكت حرمات الأماكن المقدسة). وكان الهدف الاستعماري من ذلك كله هو حل الشعب الجزائري، وتفتيته، ومنعه من احتضان ثورته التي تولى قيادتها جيش التحرير الوطني، الذي بقي صامدا في وجه كل المخططات الاستعمارية، فأتعب الاستعماريين ولم يتعب.
لقد اكتسب الشعب الجزائري قناعاته من خلال معاناته لليل الاستعمار، وأصبحت لديه المنعة الكافية ضد السموم التي كانت تنفثها أجهزة استخبارات العدو، وفروع حربه النفسية، فأقبل على الانتظام في صفوف جبهة التحرير الوطني، سواء في المدن أو في القرى والسهول، وانصرف لدعم ثوار المدن (الماكي) وإمدادهم بالقدرة، ومساعدة شبكاتهم السرية، وحماية أعمال الفدائيين اليومية، أحيانا بطرائق سلبية، وأحيانا بحزم وصلابة، وأحيانا أيضا بشجاعة بطولية ونبل رائع في آن واحد خلال مجابهتهم للقمع الاستعماري. وبذلك عرفت العاصمة (الجزائر) وضواحيها نوعا من النشاط الذي لا يهدأ، وكان مجاهدو جبهة التحرير الوطني يتابعون ظهورهم على مسرح الأحداث في كل مكان وفي كل وقت، ويؤكدون وجودهم باستمرار، وفي كل المناسبات وذلك عن طريق ضرباتهم المباغتة والسريعة والقوية والتي كانت تترك أثرا نفسيا عميقا لدى الأصدقاء والأعداء على السواء. وقد ركزت المنطقة الرابعة من
стр. 2423
الولاية الرابعة (الجزائر) كل جهودها ضمن هذا الاتجاه. وكان شهر حزيران - يونيو - ١٩٦٠ - يقترب من نهايته، ولم يبق إلا أيام قليلة على قدوم اليوم المشؤوم (يوم ٥ تموز - يوليو) الذي يثير في ذكراه السنوية كل مشاعر الحزن التي رافقت إنزال القوات الفرنسية على ثرى الجزائر سنة ١٨٣٠. وفي هذه الذكرى كان الشعب الجزائري يحتفل بطريقته الخاصة: فيعلن الصيام، ويقيم الصلوات، ويدعو للجهاد وكانت هذه العبادات تتضمن كل المعاني التي تمسك بها شعبنا فحافظ بها على أصالته.
قررت قيادة جبهة التحرير الوطني - وجيش التحرير الوطني، إعطاء هذه المناسبة بعدا نفسيا خاصا. وصدرت الأوامر بذلك.
كانت المنطقة الأولى قد أقامت مقر قيادتها في بناء قديم يتكون من طابق واحد، ويقع عند أقصى الطرف الغربي من الجسر الذي يجتاز المدينة - عند الحراش -. ولم يكن هذا المبنى أكثر من مهجع يضم مجموعة من الغرف البائسة، الفقيرة، التي يتكوم فيها كل مساء عدد من العمال الذين يسحقهم عملهم في المصانع المجاورة والمزارع القريبة. وكان هناك درج صغير تحيط به الجدران ينتهي إلى دهليز طويل ومظلم. وكانت الروائح الكريهة المنبعثة من دورات المياه، والظلمة المهيمنة على المكان، من الظواهر الكافية لإعطاء فكرة عما كانت تعانيه كتلة العمال الجزائريين من البؤس والشقاء. وكان هناك باب كبير قديم - نخر - ينفتح على مصراعيه ليطل على غرفة واسعة مطلية جدرانها بالكلس، وتضيئها نافذة واحدة، يحميها من الخارج باب شبك خشبي مخلع. وأما أثاث الغرفة فكان يشتمل على صف من الكراسي قد نضدت على امتداد طول الغرفة، وهناك طاولة مصنوعة صناعة بدائية قد احتلت عرض الغرفة حتى يتم
стр. 2424
استخدامها كمكتب للعمل. وقد غطت الجدران بألواح من مختلف الأشكال والألوان التي تمثل المصطلحات والرموز المستخدمة على الطرق - كشارات لسائقي السيارات ولتنظيم المرور -. وكان عشرات الرجال يترددون على هذه الغرفة طوال النهار، حيث كان يجلس في نهايتها رجل متوسط العمر يستند إلى الطاولة بمرفقيه. وكان هذا الرجل متوسط الطول (مربوع القامة) تشع من عينيه نظرات معبرة ونشطة، تعكس حماسة صاحبها وهو يتحدث باستمرار مع زواره حيث ينجز لهم ما يطلبونه من الأعمال بطريقة محببة وهو يمارس دوره باعتباره مدربا لقيادة السيارات (السواقة). وكان بعض تلاميذه يتابعون التدريب، في حين كان آخرون ينتظرون دورهم وهم يتبادلون الأحاديث فيما بينهم. وكان باستطاعة الواقف إلى النافدة المطلة على الشارع أن يرى محطة للوقود، توقفت فيها مجموعة من المركبات (السيارات) المعدة للتدريب (وقد كتب عليها - مدرسة قيادة السيارات).
وكانت هناك مسطبة لمقهى يتاخم هذه المحطة وقد ارتفعت فيها الأشجار التي أظلت بظلها مجموعة من الطاولات وقد جلس حول كل واحدة منها رجلين أو ثلاثة من الزبن (الزبائن أو الرواد). وضمن هذا المثلث، حيث لم يكن لا السائقين ولا السابلة - المارة - يعيرون انتباها لما يدور حولهم بسبب حركة المرور الكثيفة والتي لم تكن لتتوقف أو تهدأ في أي وقت من الأوقات، ضمن هذا المثلث اختارت المنطقة الأولى إقامة قيادتها تحت غطاء (مدرسة تدريب قيادة السيارات - السواقة) وكان سائقو السيارات، ورواد المقهى وزبن محطة الوقود وطلاب التدريب يعملون جميعا بتنسيق تام وتعاون مذهل. وكانت حركة مستأجري المهجع في غدوهم وإيابهم تقدم
стр. 2425
الغطاء المناسب للمناضلين الفدائيين الذين كانوا يترددون على هذا المكان لتقديم تقاريرهم عن إنجازهم لمهماتهم وواجباتهم، ولتلقي معلومات جديدة. وقد فرضت قيود دقيقة، وأنظمة محكمة، سمحت للطلاب المزيفين بالتحرك بحرية تامة في وسط الطلاب الحقيقيين الذين جاؤوا للتدريب على قيادة السيارات والحصول على الإجازات التي تسمح لهم بممارسة العمل في قيادة السيارات فيؤمنون بذلك الغطاء الذي يستر عمل المنظمة السرية، حيث كان أعضاء المنظمة يضطلعون بإنجاز كافة الأعمال، وتنفيذ مختلف المهمات، في كل يوم، وبنجاح تام، وبعيدا عن كل الشبهات.
كانت الساعة (١٦٠٠) من يوم ٢٨ حزيران - يونيو - ١٩٦٠ عندما توقفت سيارة من سيارات التدريب على القيادة أمام مبنى بلدية (ود - سمار) الملحقة بالحراش. وكان هذا المبنى الإداري يضم (صندوق البريد) للمنظمة السرية، والجهاز العصبي لاتصالات الفدائيين وكان موظفو هذا المركز يمارسون عملهم بطريقة دقيقة لا تترك مجالا للشك أو الشكوى، وهم يؤدون واجباتهم الوظيفية تحت مراقبة المسؤولين من مدنيين وعسكريين...وكانت هيئة الموظفين المذكورة تستفيد من غطاء عملها الرسمي، لتساعد منظمات الفدائيين السرية في تحرير الرسائل والمحافظة عليها وتوزيعها. وكان السعاة (راكبي الدراجات النارية) والذين تحمل دراجاتهم لوحات (مدينة الجزائر) يؤدون متطلبات الخدمات الإدارية، فيخترقون الأحياء المجاورة لاكتشاف كل نشاط تقوم به القوات الفرنسية، ونقل أوامر جبهة التحرير الوطني وتوجيهاتها إلى الثوار (الماكي) في مراكزهم المجاورة. وكان المركز الإداري - للبلدية - يعمل علاوة على ذلك في تنظيم الأمور الاجتماعية، فيساعد الأرامل واليتامى من
стр. 2426
نساء الشهداء وأبناءهم، ويرعى أسر المجاهدين الذين أودعتهم السلطات الاستعمارية في السجون. وعلى الرغم من قيام ضباط الحرس المتحرك، وضباط المظليين، والمسؤولين في البلدية، وعلى الرغم أيضا من تعيين ضباط من (مكاتب الشؤون الأهلية - الساس) في قلب هذا المركز البلدي. فإن الموظفين فيه استمروا في ممارسة عملهم، ولم تضعف إرادتهم، وبصورة خاصة إثنان منهم كانا على معرفة تامة بكافة أسرار المنظمة السرية للفدائيين. وكانا يمتلكان قدرا من الشجاعة البطولية مكنتها من متابعة دورهما دون توقف، ودون خوف من الزيارات المباغتة التي كان يقوم بها المسؤولون الفرنسيون من مدنيين وعسكريين.
...
لا زالت عربة (تدريب السواقة) متوقفة أمام مبنى البلدية. وقد أشار سائقها إلى موظف يعمل في المركز واسمه (محمد الأندلسي). فاستأذن هذا رفاقه بالخروج متذرعا بحجة الذهاب لتلقي درس في قيادة السيارة حدد موعده في هذه الساعة. وصعد إلى جانب السائق، المدرب، وانطلقت السيارة على الفور، وما إن وصلت إلى الطريق العام، بعيدا عن أنظار الفضوليين، حتى قام السائق بإبلاغ (محمد الأندلسي) أمر قيادة جبهة التحرير الوطني التي كلفته باغتنام مناسبة اليوم الخامس من تموز - يوليو - للقيام بعمل مثير له أثر نفسي بعيد.
...
لقد أراد المسؤولن استخدام الأسلحة النفسية التي كان يستخدمها العدو ذاته ولكن بطريقة أكثر فاعلية وأكبر تأثيرا. ولم يكن
стр. 2427
لديهم في هذا المجال إلا القليل من الوسائط المادية - الأعتدة - غير أنهم كانوا يمتلكون بالمقابل عناصر مؤهلة ولديها كفاءة عالية جدا بالإضافة إلى إيمان عميق بشرعية خوضها للصراع. وكانت الصدمة المتوخاة من هذه المهمة تحتل مرتبة عالية من الأهمية، وهي تتطلب الابتعاد عن (الحراش) للمثول في صباح اليوم التالي إلى المكان المحدد، وهو أحدث مقهى في العاصمة (مقهى لوداميا) الواقع عند عقدة الشوارع الرئيسية في المدينة. وقد تطاولت تلك الليلة على المكلف بتنفيذ المهمة (محمد الأندلسي) حتى اعتقد أن فجرها لن يطلع عليه، وقد زاد من قلقه إدراكه لما تتطلبه المهمة من خيال خصب ومن اختيار للوسائل التي لا زال من الصعب عليه اختيارها واستخدامها. المهم في الأمر، هو أن (الأندلسي) قد وصل في الموعد المحدد، فوجد من ينتظره وقد جلس إلى طاولة في زاوية من المقهى. فتم تبادل شارات التعارف من مسافات بعيدة، وتقدم (الأندلسي) فجلس إلى جوار أخيه الفدائي، وبدأ الحديث بينهما على الفور. وكان (الأندلسي) يتحرق شوقا لمعرفة كافة التفاصيل المتعلقة بمهمته المقبلة.
...
كان التنظيم السري للعدو، والذي عرف فيما بعد باسم (التنظيم السري للجيش الفرنسي - واس) قد نفذ بعض العمليات من هذا النوع وها هم الفدائيون يتحركون على أرضه الخاصة ويسخدمون أجهزته وترتيباته ذاتها. وكانت الإدارة الفرنسية تعمل على نقل صلاة الجمعة بالتناوب، مرة من مسجد أتباع (مالك - أو المالكيين) ومرة من مسجد أتباع (أبو حنيفة - أو الحنفيين) محاولة بذلك الوقوف موقف الحياد من المذهبين
стр. 2428
الدينيين. وكانت عملية نقل الصلاة تذاع على موجات الأثير بالبث المباشر على موجات راديو الجزائر (أو ما كان يسمى محطة فرنسا
الخامسة).
وكانت الترتيبات الفنية تنتقل نوبا، لتتفرع مرة إلى (المسجد الكبير) ومرة إلى (مسجد الصيادين) وكان موقع المسجد الكبير يشكل مصيدة حقيقية لكل عمل فدائي، لأن كافة المحاور المؤدية إليه تنتهي إما إلى حصون القيادة البحرية، أو إلى التحصينات المتاخمة للبحر، الأمر الذي كان يفرض تجنب القيام بأي عمل في هذا المسجد. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد كان لا بد من تكليف فدائي آخر للعمل من أجل القيام بعمل مماثل بهدف تضليل العدو إذا ما استنفر فواته.
كان مسجد (الصيادين) بالمقابل يضمن توافر كل المتطلبات الضرورية للانسحاب بسهولة، إذ كانت تجاوره شوارع فرعية عديدة يمكن استخدامها للتفرق في كل اتجاه بعد تنفيذ العملية. وتمت دراسة المهمة بأدق تفاصيلها، ووضع مخطط تنفيذها في زاوية المقهى، وتحت مراقبة رجال الشرطة والدوريات العسكرية التي كانت تتجول باستمرار على الرصيفين المجاورين للشارع. وتم وضع نص البيان - باللغة العربية - ليصار إلى توزيعه على أوسع نطاق ممكن، وفي كافة شوارع العاصمة. وقد تولى الفدائيون تنفيذ هذا الجانب من المهمة. أما الجانب الآخر فتمثل بالمهمة التي قضت بقراءة نسخة من هذا البيان وإذاعته على موجات الأثير (من إذاعة فرنسا الخامسة). وذلك أثناء نقل صلاة يوم الجمعة. وتضمن نص البيان دعوة من (جبهة التحرير الوطني) إلى الشعب الجزائري، لإعلان الإضراب العام في ذكرى اليوم المشؤوم الذي احتلت فيه
стр. 2429
فرنسا الجزائر. وللتأكيد على التزام الشعب الجزائري بتأييده (لجبهة التحرير الوطني) ووقوفه مع (جيش التحرير الوطني).
جرت بعد ذلك مناقشة مخطط التنفيذ، فتقرر تكليف زمرة من بعض الفدائيين، واجبها إثارة الفوضى والاضطراب في وسط العسكريين الفرنسيين الذين كانوا يحيطون بمنطقة الجامع (المسجد). ومن واجب هذه الزمرة أيضا مراقبة كافة أبواب المجد بهدف منع كل عملية هروب من داخل المسجد إلى خارجه. وكان الأمر الذي تلقته الزمرة بهذا الصدد دقيقا وحازما؛ تيسير دخول المصلين إلى المسجد ومنعهم من الخروج. وفي الوقت
ذاته نظمت مجموعة أخرى من الفدائيين - زمرة - واجبها الإشراف على التنفيذ وتشكيل نوع من القيادة للعملية. ولم يبق بعد هذا الإجراء إلا قيام المنفذ (محمد الأندلسي) بدخول المسجد، وتلاوة بيان الجبهة.
قام (محمد الأندلسي) في الموعد المحدد بوداع عائلته وداعا مؤثرا، غير أن هذا التأثر لم يصل إلى حد الانتقاص من البهجة التي كانت تعمر قلب (محمد الأندلسي) باحتمال انضمامه إلى قافلة الشهداء. وقد باتت أمنية الأعداد الكبرى من جماهير الجزائريين هي طلب الشهادة، وبلوغها، دفاعا عن كل موطىء قدم من الأرض
التي دنسها الفرنسيون، والتي أقسم الجزائريون على تطهيرها بسيل غزير من الدماء الزكية الطاهرة. وخرج (محمد الأندلسي) من منزله، وقد حمل معه كيسا صغيرا علقه على كتفه، ووضع فيه جلبابا (غندورة) وعمامة تشكل كفنا، وآلة حلاقة آلية - ميكانيكية ثم مضى في طريقه حذرا وسط ثكنة عسكرية شملت كل شوارع المدينة، ودخل شارعا فرعيا طويلا ظهر لامتداده أنه لن ينتهي. وكانت الرغبة
стр. 2430
المحتدمة في نفس (محمد الأندلسي) تدفعه لاستشارة ساعته في كل ثانية، غير أنه امتنع عن الاستجابة لرغبته حتى لا يجذب الانتباه إليه. وأخيرا ظهرت له مئذنة الجامع، شامخة بكبرياء، تمثل كل الحضارة .. الإسلامية، وهزت جسد (محمد الأندلسي) رعدة قوية لرؤيتها، وأدرك أنه وصل إلى هدفه، فمضى بخطى ثابته، وهبط درجات المدخل المؤدي إلى الباب الكبير للجامع (المسجد). وتبادل - سرا - التحية مع زمرة الفدائيين - الأخوة - الذين كانوا يستندون إلى (الدرابزوق) وظهرت عليه علامات الارتياح لما شعر به من احترام لتدابير الحيطة الهادفة للمحافظة على سرية العملية. واتجه مباشرة وهو يتوغل داخل المسجد إلى المكان المخصص للوضوء، حيث كان يصطف إلى يساره نسق من دورات المياه (المراحيض). ودخل (محمد الأندلسي) الى دورة من دورات المياه، وأوصد مغلاق الباب، وأخرج من كيسه آلة الحلاقة، فحلق ذقنه، وأصبح بلا لحية - كما خلع (شاربه) الذي جهد في منزله على وضعه بعناية فائقة في موضعه، حتى بات مميزا لملامح حامله في نظر أولئك الذين رأوه داخلا إلى المسجد، أو هؤلاء الذين عرفوه عن قرب أو عن بعد. ثم خلع بنطاله وارتدى الجلباب (الغندورة) ووضع العمة على رأسه فاكتمل بذلك تنكره. وكان هناك صوت أجش لرجل يشرح بعض الأحاديث النبوية الشريفة، يرتفع من الطابق الأسفل للمسجد، في حين كانت أصوات عصبة من المتسولين ترتفع على صوت المحدث وتقاطعه. وكان منظر هذه العصبة من المتسولين تمثل جرحا في جملة الجراح النازفة التي خلفها الاستعمار الفرنسي المرعب في جسد الأمة الجزائرية.
انتهى (محمد الأندلسي) من الوضوء، وصعد درجات السلم
стр. 2431
المؤدي إلى ساحة المصلى الفسيحة. وكان المؤمتون المصلون قد اصطفوا أنساقا متراصة ينتظرون موعد الخطبة والصلاة. ولم يكن الوصول إلى المحراب سهلا وسط هذا الزحام، إذ كان لا بد من تجاوز كل هذا الجمع الحاشد. وأمكن تجاوز الصعوبات والوصول الى الهدف، مع تقديم آلاف الأعذار للمصلين المؤمنين الذين كانوا يصوبون نظراتهم المتسائلة الى هذا الذي سار مخترقا صفوفهم على غير ما جرت عليه - العادة، حتى وصل إلى جوار المحراب، واختار مكانا لجلوسه. وأخذ في إعداد نفسه للعمل في اللحظة المؤاتية. وكان صمت المصلين وخشوعهم كافيا لإثارة مختلف المشاعر. ولم يعد يشعر الفدائي (محمد الأندلسي) إلا وجيب دقات قلبه، وإلا بإيقاع رقاص الساعة المعلقة فوق المحراب.
لم يكن من المسموح به الوقوع في أي خطأ، إذ أن أي حركة في غير محلها كافية لإثارة الشكوك، وتعريض الشبكة بكاملها لخطر الدمار. وكان المنفذ الرئيسي (محمد الأندلسي) يحمل أكبر قسط من المسؤولية، ولهذا فقد انصرف بتفكير. كله نحو إنجاز المهمة بنجاح تام، ولم تنتابه، ولو للحظة واحدة، فكرة عما قد يتعرض له، وكان جل اهتمامه هو تنفيذ الواجب الذي أخذ على عاتقه مسؤوليته ونتائجه وبينما كان (الأندلسي) مستنفرا لكل أعصابه، متحفزا، ارتفع صوت الإمام وهو يمسك بمكبر الصوت: (الله أكبر) - وقفز (الأندلسي) واختطف من يده (المكبر). وانطلق في حديثه: (باسم جبهة التحرير الوطني، وباسم جيش التحرير الوطني ..) واستمر في إلقاء البيان، من غير أن يعارضه الشيخ الإمام أو يقاطعه، وكان جمهور المصلين يستقبل فقرات البيان بهتاف مجلجل كارعد، في حين كانت زغاريد المسلمات (اليويو) ترتفع
стр. 2432
من سدة النساء، فتزيد من حدة الهياج ومن شدة الحماسة. وانتهى البيان، وتدافعت جموع المصلين لتحيط (بممثل جبهة التحرير) وهي ترفع الهتاف الذي كان يتصاعد إلى عنان السماء. وتدافع جمهور المسلمين كالموج المتلاطم. حتى أن (محمد الأندلسي) لم يجد طريقه إلا بصعوبة. وأمكن له تغيير ثيابه، والعودة إلى ثيابه الاعتيادية والوصول إلى الشارع بعد عناء كبير ومشقة لا توصف. فاتجه إلى مقهى أوروبي. حيث التقطته عربة (التدريب على السواقة).
стр. 2433
٥ - مهمة في الأغوار (*)
نحن الآن في (شبكة متليلي - في شعامبا) وهي منطقة جبلية وصخرية تضم أربعة أودية متوازية مقفرة لا تنبت إلا باقات متناثرة من الأعشاب اليابسة، تنمو على جنبات الهضاب، وفوق المنحدرات الشمالية لهذه الأودية. وإلى الجنوب من هذه المنطقة، ظهرت هناك كثبان رملية تناثرت فوقها حزم من الأعشاب التي تنتمي إلى فصيلة نبات (الحلفا) والتي يطلق عليها اسم (الدرين). وكانت هذه الجنبات الصخرية تجف بواد صخري مقفر من الزرع والشجر. وكانت الفسحة ما بين الأودية تشكل مسطحا صخريا يختلف عرضه ما بين (٢٥) و (٣٥) كيلومترا.
نحن الآن، برفقة قافلة عائدة من (وادي زرقون) وقد تسلم قيادتها مجاهد (اسمه باحفص) واجبه الوصول بالقافلة إلى الولايتين الخامسة والأولى. وكانت هذه القافلة تضم (٢٤) جملا محملا بالمواد التموينية والأسلحة والأدوية والذخائر - ومعظمها إيطالي المنشأ، تم جلبها من المملكة الليبية. ووصلت القافلة إلى مركز القيادة في (غوفافا) وذلك بعد أن أعطت عناصر الاستطلاع الذين
стр. 2434
كانوا يراقبون المنطقة من أعلى المرتفعات، كلمات التعارف. وما إن وصلت القافلة إلى المعسكر، حتى انصرفت الكتيبة التي كانت ترافق القافلة، وتفرقت هنا وهناك، لتحتل أمكنتها المخصصة لها في الخنادق والملاجىء. وتوجه قائد هذه الكتيبة لمقابلة المسؤول عن الثكنة (إبراهيم دهان) ليقدم له البريد الذي يحمله، وليرفع له تقريرا شفهيا عن تنفيذ المهمة، وعما توافر لديه من معلومات متعلقة بحالة طرق المواصلات، وحركة القوات الفرنسية في الإقليم. وقام المسؤول (إبراهيم دهان) في الوقت ذاته، بإبلاغ قائد الكتيبة عن حركة العدو في المنطقة، وقوات الدعم القادمة من (غرداية) و (الأغواط) و (ورقلة). بهدف دعم الفوج المتمركز في (متليلي). وقد تم السماح للكتيبة إثر هذه المقابلة بالانضمام إلى بقية الرجال لأخذ قسط من الراحة. وارتفع ضجيج الأصوات مختلطا بضحكات الرجال وقهقهتهم وهم يذكرون لإخوانهم قصة معركة (جبل فرنسا) التي خاضوها حديثا، والتي كانت أول وأضخم معركة من معارك الصحراء. وفي الوقت ذاته، انصرف أفراد الكتيبة التي رافقت قافلة الإمداد، للحديث عن رحلتهم، مع مناقشة نتائج معركة إخوانهم الكبرى. لقد كانت قيادة الكتيبة تجلس على موقد من الجمر وهي تحاول معرفة أهداف العدو. وأصدر القائد أمره إلى الكتيبة بمرافقة المجاهد الأخ (بوجمعة) للتوجه مسافة أربعين كيلومترا، حيث الطريق الذي يصل (متليلي) بقرية (غزيلات) الصغيرة، حيث توافرت معلومات تشير إلى توجه مركبات مثقلة بالحمولة إلى هذه القرية. وجاءت تقارير عديدة من عناصر الاستطلاع ذكرت أن القوات الفرنسية تحشد قواتها في ثكنة عسكرية تقع في (غزيلات).
стр. 2435
شكلت الكتيبة دورية لتنفيذ هذه المهمة، وانطلق أفرادها ركوبا بأعلى الجمال، وبمسافة مائتي متر تفصل كل فرد عن الآخر. وكان عدد أفراد هذه الدورية ثلاثة مجاهدين فقط، هم (سي بوجمعة) وهو قائد فصيلة ومحارب قديم اشترك في حرب الهند الصينية، واقتصر تسليحه على مسدس رشاش وقنبلتين يدويتين. و (سي الأخصر) وهو من الأنصار - مسبل - انضم إلى قوات المجاهدين حديثا. و (دهمان رمضان) وهو من الأنصار أيضا، غير أنه مضى عليه وقت طويل في الجهاد مع قوات جيش التحرير - أكثر من عام - ولم يكن الاثنان الأخيران يحملان من السلاح إلا السكين المعروفة باسم (بوسعدي) وهي سكين معروفة تماما لدى أبناء الصحراء.
هبط الليل على الصحراء، ووصلت الدورية إلى مكان يحمل اسم (ساقلات الدريك) حيث ظهر لها سرير الوادي والطريق الصاعد نحو أعالي الهضبة، فعقل أفراد الدورية جمالهم، وتابعوا طريقهم سيرا على الأقدام. وإذ ذاك ظهر لهم بصورة مباغتة. وعلى البعد، ضوء يبهر الأبصار، وأنذر (سي بو جمعة) رفيقيه بقوله: (لقد وصلت قافلة من المركبات) وأمرهما باتباعه، ثم حدد لكل واحد منهما موقعه وهو يقول لهما: اعملا على عد المركبات، وتحديد نوعها، وحاولا معرفة ما تحمله. وما لبث صوت هدير المحركات أن تزايد اقترابا شيئا فشيئا. وتمركز أفراد الدورية في مخابئهم. وأخذت عربات النقل (الكميونات) في تسلق المرتفع وهي تزمجر وتزأر. وكان قلب كل فرد من أفراد الدورية يخفق بشدة متزايدة مع اقتراب العربات ومرورها من أمامه. لا سيما وأنها كانت المرة الأولى بالنسبة للمجاهد (دهمان رمضان) حيث يجد نفسه على مسافة قريبة جدا من هذه العربات الكبيرة (الكميونات)
стр. 2436
فأخذه نوع من الفزع، وارتفع صوت الطنين في أذنيه، وتدفق العرق غزيرا من ظهره وثنايا جسمه، وكاد يرتفع صوته بالصراخ عندما مرت به ناقلة نصف مجنزرة كادت تلامس جسده.
وانقضت لحظة متطاولة بعد مرور المركبة الأخيرة، وأطلق (سي بوجمعة) صرخة حادة أيقظ بها رفيقيه من ذهولهما، فأسرعا إليه وقدما إليه تقريرهما الشفهي وهما يرتجفان خوفا من أن يتضمن تقريرها شيئا من الخطأ: كانت القافلة مكونة من (١٧) عربة نقل - كميون - بينها (١٤) مثقلة بحمولتها من الذخائر والمواد التموينية والجنود. وكانت هذه القافلة محمية في مقدمتها بدبابة ومدرعتين خفيفتين، مع مدرعة وسط القافلة وأخرى في مؤخرة القافلة. ثم جلس أفراد الدورية لفترة قصيرة، ثم قال (سي بو جمعة) بغتة لرفيقيه: (هيا بنا! فلنخرج!). غير أن ضوءا يخطف الأبصار، قطع عليهم أنفاسهم، وأرغمهم على الجلوس في أمكنتهم. وتقدم (رئيس الدورية - سي بوجمعة) خطوات، ثم قال لرفيقيه: (إنهما مركبتان: سيارة خفيفة (جيب) وسيارة نقل (كميون)). وأمسك بمسدسه الرشاش بغتة وهو يقول: (سنهاجمهما) وتذكر بأن رفيقيه لا يحملان السلاح، فأخرج قنبلتيه اليدويتين، وأعطاهما لرفيقيه، وشرح لهما كيف يستخدمانهما. وأظهر لهما المكان المناسب لوقوفهما، وشرح لهما بهدوء تام، ومرات متتالية، ما يجب عليهما عمله لتنفيذ المهمة وأخيرا قال لهما بلهجة جافة وحازمة: (عليكما بعد إلقاء القنبلتين الصعود إلى المرتفعات، فإذا ما سمعتما صياح ديك، فانضما إلي).
ترك رفيقيه وهما جاثيان على ركبتيهما، ومضى يزحف كالثعبان على الطريق. ووصلت المركبة الأولى (سيارة الجيب)
стр. 2437
إلى بداية الطريق الصاعد، وأخذت في تسلقه بيسر وسهولة. في حين كانت المركبة الثانية - الكميون - تصعد بعناء، حتى كاد ضجيج المحرك يهدد بالانفجار. وفي هذه الفترة كان الوجيب قد عاد قويا إلى قلب (دهمان رمضان) من جديد، واصطكت ركبتاه، ومرت من أمامه سيارة الجيب وتجاوزته، ووصله صوت رفيقه وهو يحذره بصوت منخفض ويقول له: (إن عربة النقل - الكميون - تقترب) وأثناء ذلك، كانت سبابة يده اليسرى ممسكة بحلقة القنبلة اليدوية بينما كانت أصابع يده اليمنى تحيط بأخاديد القنبلة وتشد عليها بقوة. ومزقت وحشة الليل بغتة صرخة حادة: (الله أكبر) وتبعتها أصوات الرصاصات المنطلقة من المسدس الرشاش. واهتز الرجلان وكأنهما استفاقا من ذهولهما، وقذفا بقنبلتيهما وهما يصرخان بدورهما (الله أكبر) وانبطحا أرضا. غير أن رأس (دهمان رمضان) اصطدم بصخرة كبيرة وهو ينبطح فأصابه ما يشبه الدوار والإغماء، غير أن أصوات الانفجارين وما تبع ذلك من ضجيح دفعه للوقوف حتى يعود للسقوط من جديد. وجمع كل قوته، ونهض بغتة فانضم إلى رفيقه الذي كان يتقدمه. ووصل الاثنان إلى المرتفع، فعادا وانبطحا أرضا. وقد التصق رأس كل واحد منهما بالأرض. ووصلهما بعد ثوان (صياح الديك) فأيقظهما وأوقفهما، ودفعهما إلى الركض حتى الطريق، ثم توقفا ليبحثا في وسط الظلمة عن رئيسهما ورفيقهما الذي ناداهما للمرة الثانية من جوف الوادي، فتدحرجا على منحدر الوادي، وانضما إليه.
كان بوجمعة ممسكا بيده بمصباح كهربائي، وهو يفتش عربة النقل الكبيرة - الكميون - والتي هوت من ارتفاع ثلاثيق مترا فتحطمت، واختلط حديدها بزجاجها المهشم، مصطبغا بلون
стр. 2438
الدماء، كما التصقت الألبسة باللحم، ولم يكن بالامكان متابعة النظر في هذا المشهد. إذ تصاعد إلى حلق كل من المجاهدين شعور بالحاجة للتقيؤ، وفعلا ذلك مرات متتالية. بينما كان (سي بوجمعة) يتابع التفتيش، فأخذ بارودة السائق (وهي بارودة ماس - ٣٦) وأعطاها إلى (دهمان رمضان) ومعها نطاق يحمل الذخيرة. وظهر نور شاحب أصفر يبشر بظهور القمر على خط الأفق. وإذ ذاك التمعت على سطح الأرض علب المحفوظات (الكونسروة) المتناثرة، وكذلك الرزم والصناديق المنتشرة هنا وهناك، وكانت بعض الصناديق لا تزال سليمة وقد قذفت بها عربة النقل أثناء سقوطها وانقلابها على مجنبتها. وجرى بعد ذلك تفتيش العربة الخفيفة - الجيب - فتم استخراج مسدس رشاش ومزودة تحتوي على ثمانية مخازن محشوة بالرصاص، أعطاها (سي بوجمعة) إلى رفيقه (سي الأخضر). وبعد ذلك استدار (سي بوجمعة) حول العربة، ودفع الضابط القتيل وانتزع منه نطاقه الذي كان يعلق فيه مسدسه. ومضى مبتعدا عن رفيقيه اللذين قاما بجمع الأسلحة وحملا قربة ماء وبعض المعجنات (كاتو) والشوكولا. وابتعد قليلا عن المكان واضطجعا أرضا وأخذا في تجربة سلاحهما واختباره وهما يفكران بأمر مهمتهما، حتى إذا ما انقضت عليهما ساعة من الزمن وهما صامتان، قام أحدهما بقطع حبل الصمت وهو يقول لرفيقه: (ما أجمل ضوء القمر، لقد تغيرت ظلال الأشياء، غير أن (سي بوجمعة) قد تأخر، وأخذت أشعر تجاهه بالقلق).
لم تكن مرابط الجمال بعيدة عن المكان، وهيمن خوف من اصطدام رئيس الدورية بالعدو، الأمر الذي أخر وصوله. وكان لا بد من العودة إلى مركز القيادة قبل الفجر، حتى يتم تجنب كل طارىء
стр. 2439
مشؤوم، وحتى يتم الوصول بالإمدادات - الغنائم - وهي في حالة سليمة. ونهض (دهمان رمضان) من مكانه، وتنكب بندقيته، وسحب مغلاقها نحو الخلف، وأدخل طلقة في حجرة الانفجار الفارغة، وأعاد المغلاق، وأحكم رتاجه، فيما كان رفيقه يتابعه بنظره متظاهرا باللامبالاة. غير أن (دهمان) بادره بقوله: إني ذاهب لإلقاء نظرة إلى الوادي. وأنا لا أشعر بالارتياح. فإذا لم أعد، أو لم أتمكن من الرجوع، حتى ظهور الفجر، فموعدنا في مركز القيادة، على أمل اللقاء هناك).
وهنا قرر (سي الأخضر) مرافقة (دهمان) وعدم تركه ليذهب وحده. وانطلق الاثنان يهبطان المنحدر بيسر وسهولة. وكانا يتناوبان التقدم، حيث يتوقف أحدهما مراقبا بينما يسير الآخر لمسافة عشرين مترا، يتوقف بعدها حتى يلحق به رفيقه ويتقدمه عشرين مترا أخرى وهكذا ... إر أن وصلا أسفل المنحدر فشاهدا أشباح عشرة من الجمال الواقفة وهي تأكل حزم الأعشاب القليلة في الوادي. وانبطح الإثنان على كثبان رملي. وتساءلا عن سر وجود هذه الإبل في هذا المكان؟ وعما إذا كانت تابعة للواء الهجانة (المهريين) الأعداء؟ وأرسل (دهمان) عواء يشبه صوت (ابن آوى) ثم أتبع ذلك بعد فترة قصيرة بصوت مماثل، وكرر ذلك ثالثة، غير أنه ما من أحد أجابه. فكان لا بد من إجراء استطلاع لمعرفة أصحاب الجمال. وتقدم الرجلان بحذر وهما يقفان عند كل خطوة، حتى وصلهما صوت وشوشات وهمسات قادمة من اتجاه يسارهما، فاتجها نحو مصدر الصوت ليتوقفا بغتة إذ وقع نظرهما على خيمة (كندية) تتربع على المرتفع المقابل لهما. ونظر كل إلى صاحبه نظرة التساؤل: إنهم من (القوم) - فلماذا لم يتدخلوا عندما وقع الاشتباك - لعلهم لم
стр. 2440
المجاهدون يقاتلون في أصعب الظروف
стр. 2441
يتبينوا بوضوح مصدر الصوت. فتوقفوا في هذا الوادي منتظرين الفجر للقيام ببحثهم وتفتيشهم؟ وظهرت للرجلين مرة أخرى ضرورة العودة بسرعة للوصول إلى مركز القيادة لتقديم تقرير عن كل ما أمكن لهما مشاهدته واكتشافه.
وفي هذه الثانية، وقع أحد الرجلين بقدمه على طبق من النحاس، فتصاعد ضجيج الأقداح التي كانت متربعة على الطبق النحاسي وهي تتدحرج. وانطلق النور من مصباح يدوي متجها نحو الرجلين. ونهض ثلاثة من الرجال، وهم يقولون بصوت واحد: (من هناك). ولدى سماع الصوت، أطلق الرجلان نيرانهما. وصرخ الرجال الثلاثة وهم يسقطون صرعى مضرجين بدمائهم. وعلى البعد، تردد الرصاص المنطلق من مسدس رشاش وهو يمزق بصداه وحشة الليل وظلمته. وشعر الرجلان بفرحة تهز كيانهما، إن ربهما (سي بو جمعة) لا زال حرا وهو على قيد الحياة. فانطلقا للبحث عنه، واللقاء به، ومضت ساعات من البحث من غير جدوى، حتى كأن الثلاثة كانوا يلعبون لعبة (الاستغماية) بين الكثبان الرملية، فيما كان صفير الرياح، وزئير رصاص، يمزق سكون الفضاء. وأصاب الفزع خمسين جملا، واهتاجها، فمضت تضرب في الوادي جيئة وذهابا. وظهرت بغتة
إلى يمين الرجلين (دهمان رمضان) و (سي الأخضر) مجموعة من عربات النقل - الكميونات - وعربات نصف المجنزرة، وهي تهبط المنحدر، وعندها شعر الرجلان بأن ضوء النهار قد اقترب. وصرخ (دهمان رمضان) برفيقه: (فلننسحب). وتسلقا الهضبة، ومضيا في سيرهما على خط الذرى.
***
стр. 2442
انحدر الرجلان إلى الوادي، وإذ ذاك استقبلهما صفير الرصاص وهو يحرث الهواء من فوق رأسهما، فاستدارا إلى الخلف، ووقع بصرهما فورا على ناقلة مدرعة - نصف مجنزرة - وهي تقف إلى جوار تلك التي تم تدميرها في الليل. فانبطح الرجلان أرضا، وما كادا يفعلان ذلك حتى جاءت رصاصات مدفع رشاش لتحرث الأرض من أمامهما. ونهض الرجلان، وأسرعا بالسير عدوا طوال ربع ساعة، وربما أكثر، حتى صارت أقدامهما تصدم بعضها بعضا لشدة ما أصابها من الإعياء، وحتى غرقت ثيابهما بمياه عرقهما، وكاد صدريهما يتمزقان، ووصل قلباهما إلى حلقاهما. ونظر كل واحد منهما إلى الآخر للحظة قصيرة، وجلسا أرضا وقد أسندا ظهريهما إلى صخرة ضخمة. وبللا شفاههما بما أمكن لهما تجميعه من اللعاب في فمهما. وطلب (دهمان رمضان) من رفيقه إعطاءه قربة الماء لتناول جرعة منها. فنظر إليه رفيقه (سي الأخضر) ثم خفص من بصره وهو يجيبه على سؤاله: (لقد تركتها في مكانها). وتبع ذلك صمت ثقيل، هو صمت الموت البطيء من العطش. لقد كانت مدينة (متليلي) تقع إلى يمينهم، وفيها الماء والراحة في مئات الملاجىء، غير أن الوصول إليها عبر الطريق المكشوف - الأجرد - يعني الموت الحتمي. أما إلى يسارهما فكان (الحماد) حيث قبور الظمأ وفيها الموت الحتمي أيضا. حيث يمكن تحديد مكانهما واكتشاف أمرهما بسهولة. وظهر لهما أن الموت يتربص بهما في كل مكان، ولم يبق عليهما إلا اختيار الميتة التي يرغبان فيها حتى ينالا ميتة مشرفة تليق باسم (المجاهد). فنهضا وسارا متجهين نحو (متليلي) ولم يتوقفا إلا بعد سير ساعة من الزمن، عندما كان يقترب منهما صوت هادر لمحرك آلية (مركبة) تسير في اتجاههما.
стр. 2443
أسرع الرجلان باللجوء إلى كهف أسعفهما وجوده بالقرب منهما. وعادا صاعدين بعد أن ابتعد الصوت عنهما، ونظر (دهمان رمضان) إلى رفيقه (سي الأخضر) فوجد أن عصبة رأسه (الشيش أو العمة) مصطبغة بالدماء، فنظر إليه نظرات ذاهلة، فقال له (سي الأخضر) متسائلا: (ماذا بك؟) والتقت نظراتهما، ثم عاد (دهمان رمضان) بنظره إلى عصبة الرأس، وقال لرفيقه: (هل أنت جريح؟) وهتف هذا: كلا. ووضع يده على عصبته وسحبها، فظهر له أنها غارقة بالدماء. وعندها عاد فنظر إلى رفيقه من جديد، وقد جحظت عيناه. وأخذ (دهمان رمضان) من رفيقه عصبة رأسه وأعاد طيها مخفيا جلطات الدم المتخثرة، فيما كانت قطرات كبيرة من الدم تنساب على كتف رفيقه. وظهر أن رصاصة قد أصابت جلد الرأس ومزقته بشدة. فأخرج (دهمان رمضان) عودا كان يحمله وسحقه بين حجرين وصنع منه ضمادا ضاغطا عصب به رأس رفيقه. واستأنف الرجلان مسيرهما. وعندها ظهرت لهما طائرة عمودية (هيليكوبتر) وهي تحلق فوق رأسيهما، وترسم في الفضاء دوائر واسعة هنا، وهناك، ثم تنقض مقتربة من الأرض لتعاود ارتفاعها من جديد. وهكذا. فما كان من (دهمان رمضان) إلا أن قال لرفيقه: (لا تتحرك! قف، فأية حركة ستودي بنا!). وأكملت الطائرة العمودية جولتها خلال عشرة دقائق، ثم قامت بجولة أخيرة، وهي تبتعد نحو الجنوب لتختفي وراء الأفق. وقال (دهمان رمضان) محدثا رفيقه: (هيا بنا! فالوحدات الآلية - الميكانيكية - للعدو تبحث عنا، وكذلك تفعل قوات المهريين (الهجانة) وهي تقتص أثرنا. ولم يعد لدينا ما يكفي من الوقت، إذ يجب علينا الوصول إلى الأغوار قبل هبوط الظلام، لا
стр. 2444
سيما وأن العدو يركز بحثه في اتجاه الإقليم الصحراوي - حيث الحماد).
تابع الرجلان طريقهما بخطوات متسارعة، ونسي (سي الأخضر) ألم جرحه، وأخذ عصف الريح يشتد أكثر فأكثر، وكانت عقارب الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر (١٤٠٠). وبدأت قوة الريح في التعاظم حتى أنها أعاقت تقدم الرجلين وقاومته، - كما كانت الرمال التي تحملها الريح تشكل سياطا تصفع الرجلين صفعا مؤلما. وتزايدت صعوبة التقدم وأصبحت أكثر إرهاقا فانحنى الرجلان وانكمشا في محاولة لإنقاص سطح المقاومة. وقال (سي الأخضر) لرفيقه (ستنقذنا هذه العاصفة إذ أنها ستجعل من الصعب البحث عنا. فصبرا!). وتبع ذلك صمت قطعه بعد ذلك (دهمان رمضان) بقوله: (الحمد لله، ها قد وصلنا الأغوار!) , وأشرق وجه (سي الأخصر) للحظة قصيرة غير أن ابتسامته ما لبثت أن غاضت خلف سحابة من الحزن. وأخذ الرجلان في تسلق المرتفع الصخري وقد اقتلعا بعض الشجيرات لاستخدامها في التمويه. وظهر لهما فرن نصف متهدم وقد بني بالجص فرفع الإثنان ما به من الرماد، ودخلاه، ورفعا ما معهما من الشجيرات فوق رأسهما. لقد أصبح الطريق إلى (الغولة) و (ورقلة) وراءهما، أما الطريق إلى (متليلي) فلم يكن يبتعد عنهما بأكثر من ثمانمائة متر، وهو يمتد من أمامهما. وكان يظهر لهما على البعد المطار والطريق المؤدي إلى (غرداية). ووقف (سي الأخضر) وقال لرفيقه: (لم تعد لدي قدرة على الاحتمال، فرأسي يكاد ينفجر، لم أعد أحتمل، وإذا كان لا بد من الانتهاء، فلتكن نهاية مجيدة). غير أنه لم يكد ينهي قوله، حتى ارتفع صخب يصم الآذان، وظهرت قافلة من عربات النقل -
стр. 2445
الكميونات - وهي تسير متجهة نحو (متليلي). وجذب (دهمان رمضان) رفيقه من ذراعه، وقال له: (انظر! إلى أين تريد الخروج، وماذا تستطيع أن تفعل بمسدسك في مواجهة مئات الجنود؟) غير أنه لم يقتنع بما قاله رفيقه؛ فحاول الوقوف، وجذبه رفيقه مرة أخرى وهو يقول له: (هل جننت؟). وأجاب (سي الأخضر) رفيقه وهو ينظر إلى الأفق البعيد: (لم يعد باستطاعتي البقاء هنا، إنني أختنق، فلنضع نهاية لذلك مرة واحدة وإلى الأبد). ودفع بيده شجرات التمويه، وأسرع خارجا. كانت القافلة بعيدة عنه، ونظر إليه رفيقه (دهمان رمضان) وهو يمضي نحو الطريق، وقد أصابه نوع من الجمود فلم تصدر عنه أية حركة، وتابع ببصره رفيقه حتى وصل إلى ارتفاع الطريق.
وفي تلك اللحظة، ارتفع ضجيج طائرة عمودية - هيليكوبتر - كانت تتجه نحو المطار وما إن سمع (سي الأخضر) صوتها حتى استدار نحوها، ورفع رأسه، وأمسك صدمه بيده، واجتاز الطريق عدوا - ركضا -. ورأته الطائرة، واقتربت منه، ولم يعد باستطاعة (دهمان رمضان) الانتظار في مكانه، فنهض وتنكب بندقيته، ووقف منتظرا. وانطلقت رصاصتان، فأسرعت الطائرة العمودية بالصعود إلى الفضاء، ثم عادت للهجوم. وأسرع (دهمان رمضان) لمغادرة الفرن، متجها وهو يركض نحو هضبة لا تبتعد عنه بأكثر من خمسين مترا. وقذف بنفسه في أخدود شكلته مياه ساقية أثناء سيرها بين (غورين من الأغوار). واقترب هدير محرك الطائرة العمودية، وإذ ذاك انفجرت دفعة جديدة من الطلقات التي أطلقها (سي الأخضر) من مسدسه على الطائرة. وتبع ذلك مزيد من اطلاق النار استمر لعشرة دقائق. وعرف (دهمان رمضان) وهو في مخبئه نتيجة
стр. 2446
الاشتباك. فانسابت قطرات كبيرة من العرق على جبينه، واجتاحت كيانه نوبة من الضيق الشديد كادت تخنقه. وانطلقت صيحة من بين شفتيه. وتدحرجت قطرات من الدموع على خديه. فيما كانت الطائرة العمودية تتابع جولاتها ذهابا وإيابا مستفيدة من بقية ضوء النهار. وشعر (دهمان رمضان) بنوع من اللامبالاة، فلم يعد يهتم بما يحيط به من أخطار، لقد كانت دموعه لفقد رفيقه تدفعه نحو التهور.
...
سمع (دهمان رمضان) وهو لا زال في مكانه من الساقية، ضجيج محركات المركبات - السيارات - وهي ترتفع وتهبط حتى كأنها محاريث قوية جاءت لتقلب عالي الأرض سافلها، ولم تكن هذه المركبات بعيدة عن مكمن المجاهد (دهمان) الذي عرف بأن القوات الاستعمارية قد انتشرت في مواقعها بهدف تمشيط المنطقة. بمذراة دقيقة، الأمر الذي سيمكنها من إلقاء القبض عليه. فقال لنفسه: (يجب عدم تمكينهم من إلقاء القبض عليك حيا!) لقد كان يعرف ما تعنيه كلمة (الأسير) من تعذيب وتشويه وآلام. فتحسس سلاحه، لقد كان مخزن البارودة فارغا إلا من طلقة واحدة. وبسط يده إلى مزودته، وأفرغها، فلم يجد فيها غير ثماني طلقات، وهذا كل شيء. فأي أسلوب تعبوي - تكتيكي - يستطيع استخدامه؟. إن عليه مغادرة هذا المكان، للوصول إلى (متليلي) قبل هبوط الظلام، فإذا لم يتمكن من ذلك، فإنه لن يستطيع رؤيتها أبدا. وعليه أيضا الاقتصاد في استخدامه لذخيرته، بحيث أن كل طلقة يجب أن تصيب هدفها. وكل طلقة تصرع عدوا. ويجب الاستعداد لاستقابل الموت عندما لا تبقى إلا طلقة واحدة. وها هو جندي فرنسي يقترب
стр. 2447
من (دهمان) الذي أمسك سكينه وغرسها في جنب عدوه، وصرخ هذا صرخة حادة، وسقط صريعا، وأمسك (دهمان) بسلاحه وانطلقت رصاصة؛ فأصابه ألم حاد دفعه للصراخ: لقد احترقت. وأصابه مغص أليم حمله على الجمود في مكانه. غير أنه ما لبث أن أفاق من ذهوله، ونظر فيما حوله، فرأى شبحا يتقدم نحوه.
وأثناء ذلك هبت عاصفة قوية حملت معها الرمال والغبار والحصى، فأعاقت الرؤية. فما كان من (دهمان) إلا أن أغمض إحدى عينيه حتى يستطيع النظر بصورة أفضل، ورأى شبحا ثانيا، فثالثا، فرابعا. وكان أفراد دورية العدو يتجهون نحوه. ونسي في هذه اللحظة كل شيء، وانتابته موجة من الحمى فقال لنفسه: (يجب أن أصرعهم جميعا!). وأمسك بندقيته، وتنكبها، وسدد نحو الشبح الأول، وأطلق رصاصته التي مزقت العتمة، وهوى الجندي وهو يطلق صيحة الموت، وتدحرج مرتين على نفسه واستقر جثة هامدة. وخيم الصمت لثوان قليلة، بدأ بعدها صليل الأسلحة. وانطلقت رصاصات مرت من فوق رأس (دهمان) وضاعت في المرتفعات وعاد الصمت من جديد. وظهر شبح إلى جوار (دهمان) الذي لقم سلاحه وأطلق رصاصته بسرعة مذهلة، وأطلق الشبح صراخا وهو يسقط على ظهره. وجاء الرد في هذه المرة سريعا، إذ انطلقت نيران رشاش من الهضبة المقابلة، واختلطت أصوات الضجيج، وأخذت النيران تنطلق من الهضبتين المتقابلتين. وإذن فقد وقع (دهمان) بين نارين. فقرر هذا الانسحاب والوصول إلى المرتفعات حيث يمكن له بلوغ نقطة أكثر ارتفاعا من ذروتي الهضبتين، وبحيث يمكن له أيضا تكبيد العدو خسائر أكبر، حتى لا يموت رخيصا.
стр. 2448
اشتدت حميا المعركة بين الهضبتين، وامتد اللهيب إلى كافة المرتفعات. وابتسم (دهمان) وراودته رغبة في الضحك بصراخ مرتفع، فما أجمل أن يقتتل جند الجيش الاستعماري فيما بينهم؟ وفكر (دهمان) بإنقاذ نفسه، والوصول إلى غايته بأسرع ما يمكن، متجنبا كل صدام مشؤوم، أو الإصابة برصاصة طائشة. فأخذ يتقدم في الاتجاه المضاد، وبدأ هبوطه على امتداد الساقية. سار المجاهد (دهمان) طويلا، وهو محني الظهر قدر المستطاع، حتى نال منه الإعياء كل منال والتمع برق في السماء، مبشرا باقتراب هطول المطر، وشعر (دهمان) بثقل في قدميه، وبدوار في رأسه، فانبطح على صدره، وقال لنفسه بصوت خافت: (لم يعد ينقصني إلا النوم، ولا زالت - متليلي - تبعد مسافة خمسة عشر كيلومترا وهذا ما يتطلب السير لمدة أربعة وحتى خمسة ساعات) فقرر البحث عن ملجأ يقضي فيه الليل، قبل أن يحاول الوصول إلى المدينة في اليوم التالي. وعثر على ثغرة تتسع لشخص واحد على أن ينام وهو مثني القدمين. ولم يكن هذا الملجأ بالمكان المريح، غير أن الموقف لم يكن يحتمل خيارا آخر. فزج (دهمان) نفسه بالثغرة، محاولا أن يتحسس بأصابعه جوف الثغرة، إذ لم يتمكن من دخولها إلا بنصف جسمه. وزاد من سوء الموقف هطول المطر بغزارة. ولمست أصابع (دهمان) صخرة صخمة حاول زحزحتها بجميع يديه، غير أن جهوده عجزت عن تحقيق الهدف. وكرر (دهمان) محاولته مرات عديدة، حتى بلله العرق، وأخيرا اكتفى بوضع صف من الحجارة أوصد بها فتحة الثغرة. ووضع بارودته جانبا، وتمدد أرضا وهو يشعر بالراحة، فيما كان يصيخ بسمعه لأصوات المطر وهو يقرع بحباته الكبيرة الصخور الصامدة. وانصرف تفكيره عن المعركة، واجتاحه شعور
стр. 2449
بالأمن، فراح في نوم عميق.
استفاق (دهمان) على ثغاء قطع من الأغنام، وشعر أنه مصاب (بالحمى). إذ كانت قطرات من العرق البارد تنساب على صدغيه، وقلبه يخفق بقوة، مع صعوبة في التنفس. وأقبل راعي الأغنام فقدم الماء لهذا البائس، واستعلم منه عما يجري في المنطقة. وكلفه بإبلاغ (سي طيب بن عبد القادر) عن مكانه. وأصبح باستطاعته أخيرا الوصول إلى (قسمة شاعمبا). وانتهت بذلك مهمته. وكان لا بد له من الراحة قبل إرساله في مهمة جديدة.
стр. 2450
٦ - بطل من الأبطال (*)
تمتد سلسلة جبال (تراراس) من الحدود الجزائرية - المغربية وحتى الحد الفاصل (لوهران) وهي ترتفع مقفرة وموحشة لتطاول السماء الزرقاء المكفهرة بالغيوم السوداء والتي حملها معه شهر كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٦. حيث أخذت هذه الغيوم بإسقاط مطرها الغزير، وكأنها تحاول غسل الجبال من ثياب الحداد السوداء التي كانت ترتديها باستمرار.
نظمت هذه المنطقة في إطار (الولاية الخامسة) التي تولى قيادتها البطل الشهير (لطفي - الذي استشهد في معارك حرب التحرير). وقسمت الولاية بدورها إلى مناطق، منها: (ولد بن راشد) حيث كان هناك دوار صغير يعشش في جوف قمع ضخم شكلته سلسلة الجبال ويمتد إلى المنطقة الأولى التي تولى قيادتها الملازم (سي بن الحسين - وهو اسم حركي). وكان الوصول إلى الدوار من الأمور المتناهية في صعوبتها، إذ لم يكن هناك أي طريق يصل إليه، أوحتى أي درب، وكل اتصال بهذا الدوار مرتبط بمسلك يتلوي كالأفعى عبر (فيلاوسين) المشهورة، ويسمح بالوصول إلى
стр. 2451
مدينة (نيدروما). وهكذا لم تكن المنطقة إلا مجموعة من الصخور والثوار والجبال. إنها مكان يبتغيه كل حالم بالراحة، وكل محتاج للامداد من أبطال المجاهدين الميامين.
تولى مسؤولية الإدارة المدنية للمنطقة شاب حمل أصالة البطولة الثورية كابرا عن كابر، وعرف باسم (مجيدي الشيخ ولد الشيخ) والذي اجتذب اسمه اهتمام كل الشعب الجزائري، نظرا لما قدمه للثورة الجزائرية من خدمات يصعب وصفها، إذ بقيت هذه الخدمات مجهولة في معظمها، ولم يعرف منها إلا النذر اليسير.
أظهر (سي الشيخ) اهتمامه بالأمور السياسية وهو لا زال في مقتبل العمر. وقد أنهى دراسته للقرآن الكريم وحفظه له وهو لما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وأخذ في التهام ما ألفه الشيخ (بن باديس) وما كتبه. حتى إذا ما بلغ التاسعة عشرة من عمره، قرر التوجه إلى (فزان) لمتابعة دراسته في علوم (التفسير). وكان يلتقي ما بين فترة وأخرى برجل أثر فيه تأثيرا عميقا. نظرا لكونه عضوا في (رابطة العلماء). وما هي إلا أيام حتى أقبل (سي الشيخ) بحماسة وانضم إلى الحركة. واكتسب (سي أحمد دبوزا) بذلك شرف ضم رجل آخر إلى الحركة، ولكن أي رجل! لقد حدث ذلك في اللحظة التي انفجرت فيها الثورة الجزائرية المسلحة. وجاء (سي الشيخ) ليحتضن طريق الجهاد المقدس. وما هي إلا فترة قصيرة، حتى ارتفع بكفاءته إلى مستوى القيادة، وأصبح مسؤولا أولا عن إقليمه، تحت توجيه جبهة التحرير الوطني. وقام ضباط جيش التحرير الوطني بتسليمه كل الأعمال الإدارية، وحملوا له كل ما يستحقه من الاحترام. ونظر إليه ضباط الجيش الفرنسي نظرتهم إلى أكبر عدو لهم، واعتبروه عقبة يجب تدميرها بكل الوسائل.
стр. 2452
لم يكن (شي الشيخ) إلا زهرة في مقتبل العمر، وبالرغم من ذلك، فقد عزف عن كل مباهج الحياة، وابتعد عن مسراتها. وآلى على نفسه أن يعيش للثورة، ولم يكن هناك ما يعادل شجاعته إلا إيمانه العميق بالله الواحد القهار، وبحتمية انتصار الثورة.
أقبلت عشية رأس السنة الجديدة في يوم ٣١ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٦، واستعد الاستعماريون للاحتفال بها كعادتهم: بالطعام والشراب والرقص والغناء، فيما كان يعيش الشعب الجزائري محنته تحت وطأة التعذيب الوحشي والضغط الذي لا يحتمل.
في هذا اليوم ذاته، كانت حلقة رهيبة تنغلق بصررة بطيئة وهي تحيط (بولد بن راشد). حيث انطلق مئات الجنود الاستعماريين من كافة المراكز العسكرية المجاورة: من (سيدي علي بن زمرة) و (نيدورما) و (سيدي المشكور) و (العين الكبيرة). وأخذوا في التقدم نحو الدوار المقفر من الرجال الذين شعروا بريح التحركات العسكرية لجنود الأعداء. فلجؤوا على عادتهم إلى (الكهف). وكان هذا الكهف عبارة عن مغارة ضخمة قد لا يوجد لها مثيل في الجزائر كلها. وهو يقع عند الحد الشرقي للدوار، حيث تمتد من هناك الحقول الزراعية لجبل (القرية) في وسط نباتات كثيفة للغاية. مما حمل على الاعتقاد بأنه من المحال الوصول إليه. ولهذا فقد أعد لإنقاذ آلاف الجنود المجاهدين. ولعله من الصعب تحديد اتساعه، غير أن الأمر المعروف هو أن الزائر يستطيع السير فيه طوال خمس ساعات من غير أن يتمكن من تحديد أبعاده، حتى أنه يستطيع إيواء ألفي شخص دون أن يضيق بهم.
***
стр. 2453
وصلت القوات الفرنسية، ومرت من أمام الكهف، وتجاوزته إلى القرية، ولم يكن من الغريب ألا تكتشف القوات هذا الكهف أو تتوقف عنده، فتابعت تقدمها نحو (القرية). وهي تدفع أمامها رجلين من الفلاحين اعتقلتهما في الحقول. وكان (فرضي الهاشمي) هو الخفير المكلف بحراسة مدخل (الكهف) وقد تصادف وقوفه على بعد بضعة أمتار فقط من المدخل عندما مرت به القوات، فشعر بالخطر، وأراد الدخول لإنذار الرجال الذين لم يكن عددهم يزيد على ثمانية وسبعين رجلا. غير أن حركته جاءت متأخرة جدا. فقد وصلت مجموعة أخرى من المرتزقة وهي تتقدم من الجهة المقابلة، واعتقلته. وتمت صفقة (بيع) الكهف للأعداء. وتقدم دليل يلبس ثياب الجلادين فلا يظهر منه غير عينيه. وتولى قيادة الجنود نحو الكهف. وأثناء ذلك كان (البائس - فرضي) والفلاح الآخر، قد تورما لكثرة ما نزل بهما من الضرب. وأرغما تحت سيل المطر على حفر قبرهما استعدادا لإعدامهما. غير أن حدثا أنقذهما من الموت في تلك اللحظة، إذ وصل (اللواء ماسون) قائد الدرك - الجندرمة - في (ندروما) وهبط من طائرة عمودية - هيليكوبتر - على مسافة قريبة منهما، فشهد شهادة لمصلحتهما أهام الجنود المرتزقة. بينما تابع (الرجل المقنع) مهمته في قيادة المرتزقة إلى مدخل الكهف. وقام هؤلاء المرتزقة بدفع البائس (فرضي) أمامهم بعد أن أدخلوه في ثياب عسكرية. اعتقادا منهم أن ذلك هو تدبير احترازي للمرور من الشق الضيق الذي يشكل ممرا مجاورا للمنحدر السحيق، والذي لا يسمح بالمرور لأكثر من شخص واحد. وكانت الظلمة الحالكة مسيطرة على مدخل الكهف، وسقط (البائس فرضي) بغتة إذ أصابته رصاصة انطلقت من الداخل. وأصيب
стр. 2454
الإبادة في كل مكان
стр. 2455
الجندي الذي كان يتقدم خلفه بجراح قاتلة، وأخذ الآخرون في القتال - قتالا تراجعيا - وهم يبتعدون متسارعين. وسع اللاجئون إلى الكهف النقاش الدائر بين جند الأعداء - باللغة الفرنسية. فعرفوا أن العدو قد اكتشف كهفهم، ولم يبق عليهم إلا الاستعداد لبذل حياتهم بثمن مرتفع، وعدم الموت ميتة رخيصة، غير أنهم لم يكتشفوا وهم في الظلمة القاتمة بأنهم قد قتلوا على غير إرادة منهم واحدا من إخوانهم.
أخذت قوات الفرنسيين في تطويق الكهف، وإحكام الحصار حوله. وقال قائد العملية معبرا عن حقده الدفين: (سيخرج هؤلاء الكلاب من جحرهم عندما ينالهم الجوع والعطش).
هيمن على الكهف صمت ثقيل بعد تلك اللحظة القصيرة من الفوضى والاضطراب. فماذا تستطيع أن تفعله هذه الحفنة من المواطنين الجزائريين في مواجهة جيش كامل؟
لم يكن لدى (أصحاب الكهف) من الأسلحة سوى مسدس رشاش، ومسدس، وبارودتين (ماس - ٣٦) وثلاثة بواريد صيد قديمة مع قليل من الذخيرة. أما بالنسبة للطعام والتموين فقد كان باستطاعتهم الاعتماد على كيس من التين المجفف، وكيسين من الشعيرية (كعك) وخمسة (بيدونات) من صفائح البترول. وكيس من الزيتون الجاف. وثلاثة صناديق من علب المحفوظات - كونسروة - مع قليل من الخبز، غير أنه لم يكن لديهم شيء من الماء. وقد أدرك هؤلاء الرجال الخطر الرهيب الذي يتهددهم، وهو الخطر الذي تصدى زعيمهم (سي الشيخ) لمجابهته عندما وقف بينهم، وقال لهم الكلمات التالية: (إخوتي الأحباء، إنكم تعرفون الموقف بكامله. فالعدو هنا، وأمامنا، في اعتقادي، ثلاثة