← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

مدينة (نيدروما). وهكذا لم تكن المنطقة إلا مجموعة من الصخور والثوار والجبال. إنها مكان يبتغيه كل حالم بالراحة، وكل محتاج للامداد من أبطال المجاهدين الميامين. تولى مسؤولية الإدارة المدنية للمنطقة شاب حمل أصالة البطولة الثورية كابرا عن كابر، وعرف باسم (مجيدي الشيخ ولد الشيخ) والذي اجتذب اسمه اهتمام كل الشعب الجزائري، نظرا لما قدمه للثورة الجزائرية من خدمات يصعب وصفها، إذ بقيت هذه الخدمات مجهولة في معظمها، ولم يعرف منها إلا النذر اليسير. أظهر (سي الشيخ) اهتمامه بالأمور السياسية وهو لا زال في مقتبل العمر. وقد أنهى دراسته للقرآن الكريم وحفظه له وهو لما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وأخذ في التهام ما ألفه الشيخ (بن باديس) وما كتبه. حتى إذا ما بلغ التاسعة عشرة من عمره، قرر التوجه إلى (فزان) لمتابعة دراسته في علوم (التفسير). وكان يلتقي ما بين فترة وأخرى برجل أثر فيه تأثيرا عميقا. نظرا لكونه عضوا في (رابطة العلماء). وما هي إلا أيام حتى أقبل (سي الشيخ) بحماسة وانضم إلى الحركة. واكتسب (سي أحمد دبوزا) بذلك شرف ضم رجل آخر إلى الحركة، ولكن أي رجل! لقد حدث ذلك في اللحظة التي انفجرت فيها الثورة الجزائرية المسلحة. وجاء (سي الشيخ) ليحتضن طريق الجهاد المقدس. وما هي إلا فترة قصيرة، حتى ارتفع بكفاءته إلى مستوى القيادة، وأصبح مسؤولا أولا عن إقليمه، تحت توجيه جبهة التحرير الوطني. وقام ضباط جيش التحرير الوطني بتسليمه كل الأعمال الإدارية، وحملوا له كل ما يستحقه من الاحترام. ونظر إليه ضباط الجيش الفرنسي نظرتهم إلى أكبر عدو لهم، واعتبروه عقبة يجب تدميرها بكل الوسائل.

стр. 2452

لم يكن (شي الشيخ) إلا زهرة في مقتبل العمر، وبالرغم من ذلك، فقد عزف عن كل مباهج الحياة، وابتعد عن مسراتها. وآلى على نفسه أن يعيش للثورة، ولم يكن هناك ما يعادل شجاعته إلا إيمانه العميق بالله الواحد القهار، وبحتمية انتصار الثورة. أقبلت عشية رأس السنة الجديدة في يوم ٣١ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٦، واستعد الاستعماريون للاحتفال بها كعادتهم: بالطعام والشراب والرقص والغناء، فيما كان يعيش الشعب الجزائري محنته تحت وطأة التعذيب الوحشي والضغط الذي لا يحتمل. في هذا اليوم ذاته، كانت حلقة رهيبة تنغلق بصررة بطيئة وهي تحيط (بولد بن راشد). حيث انطلق مئات الجنود الاستعماريين من كافة المراكز العسكرية المجاورة: من (سيدي علي بن زمرة) و (نيدورما) و (سيدي المشكور) و (العين الكبيرة). وأخذوا في التقدم نحو الدوار المقفر من الرجال الذين شعروا بريح التحركات العسكرية لجنود الأعداء. فلجؤوا على عادتهم إلى (الكهف). وكان هذا الكهف عبارة عن مغارة ضخمة قد لا يوجد لها مثيل في الجزائر كلها. وهو يقع عند الحد الشرقي للدوار، حيث تمتد من هناك الحقول الزراعية لجبل (القرية) في وسط نباتات كثيفة للغاية. مما حمل على الاعتقاد بأنه من المحال الوصول إليه. ولهذا فقد أعد لإنقاذ آلاف الجنود المجاهدين. ولعله من الصعب تحديد اتساعه، غير أن الأمر المعروف هو أن الزائر يستطيع السير فيه طوال خمس ساعات من غير أن يتمكن من تحديد أبعاده، حتى أنه يستطيع إيواء ألفي شخص دون أن يضيق بهم. ***

стр. 2453

وصلت القوات الفرنسية، ومرت من أمام الكهف، وتجاوزته إلى القرية، ولم يكن من الغريب ألا تكتشف القوات هذا الكهف أو تتوقف عنده، فتابعت تقدمها نحو (القرية). وهي تدفع أمامها رجلين من الفلاحين اعتقلتهما في الحقول. وكان (فرضي الهاشمي) هو الخفير المكلف بحراسة مدخل (الكهف) وقد تصادف وقوفه على بعد بضعة أمتار فقط من المدخل عندما مرت به القوات، فشعر بالخطر، وأراد الدخول لإنذار الرجال الذين لم يكن عددهم يزيد على ثمانية وسبعين رجلا. غير أن حركته جاءت متأخرة جدا. فقد وصلت مجموعة أخرى من المرتزقة وهي تتقدم من الجهة المقابلة، واعتقلته. وتمت صفقة (بيع) الكهف للأعداء. وتقدم دليل يلبس ثياب الجلادين فلا يظهر منه غير عينيه. وتولى قيادة الجنود نحو الكهف. وأثناء ذلك كان (البائس - فرضي) والفلاح الآخر، قد تورما لكثرة ما نزل بهما من الضرب. وأرغما تحت سيل المطر على حفر قبرهما استعدادا لإعدامهما. غير أن حدثا أنقذهما من الموت في تلك اللحظة، إذ وصل (اللواء ماسون) قائد الدرك - الجندرمة - في (ندروما) وهبط من طائرة عمودية - هيليكوبتر - على مسافة قريبة منهما، فشهد شهادة لمصلحتهما أهام الجنود المرتزقة. بينما تابع (الرجل المقنع) مهمته في قيادة المرتزقة إلى مدخل الكهف. وقام هؤلاء المرتزقة بدفع البائس (فرضي) أمامهم بعد أن أدخلوه في ثياب عسكرية. اعتقادا منهم أن ذلك هو تدبير احترازي للمرور من الشق الضيق الذي يشكل ممرا مجاورا للمنحدر السحيق، والذي لا يسمح بالمرور لأكثر من شخص واحد. وكانت الظلمة الحالكة مسيطرة على مدخل الكهف، وسقط (البائس فرضي) بغتة إذ أصابته رصاصة انطلقت من الداخل. وأصيب

стр. 2454

الإبادة في كل مكان

стр. 2455

الجندي الذي كان يتقدم خلفه بجراح قاتلة، وأخذ الآخرون في القتال - قتالا تراجعيا - وهم يبتعدون متسارعين. وسع اللاجئون إلى الكهف النقاش الدائر بين جند الأعداء - باللغة الفرنسية. فعرفوا أن العدو قد اكتشف كهفهم، ولم يبق عليهم إلا الاستعداد لبذل حياتهم بثمن مرتفع، وعدم الموت ميتة رخيصة، غير أنهم لم يكتشفوا وهم في الظلمة القاتمة بأنهم قد قتلوا على غير إرادة منهم واحدا من إخوانهم. أخذت قوات الفرنسيين في تطويق الكهف، وإحكام الحصار حوله. وقال قائد العملية معبرا عن حقده الدفين: (سيخرج هؤلاء الكلاب من جحرهم عندما ينالهم الجوع والعطش). هيمن على الكهف صمت ثقيل بعد تلك اللحظة القصيرة من الفوضى والاضطراب. فماذا تستطيع أن تفعله هذه الحفنة من المواطنين الجزائريين في مواجهة جيش كامل؟ لم يكن لدى (أصحاب الكهف) من الأسلحة سوى مسدس رشاش، ومسدس، وبارودتين (ماس - ٣٦) وثلاثة بواريد صيد قديمة مع قليل من الذخيرة. أما بالنسبة للطعام والتموين فقد كان باستطاعتهم الاعتماد على كيس من التين المجفف، وكيسين من الشعيرية (كعك) وخمسة (بيدونات) من صفائح البترول. وكيس من الزيتون الجاف. وثلاثة صناديق من علب المحفوظات - كونسروة - مع قليل من الخبز، غير أنه لم يكن لديهم شيء من الماء. وقد أدرك هؤلاء الرجال الخطر الرهيب الذي يتهددهم، وهو الخطر الذي تصدى زعيمهم (سي الشيخ) لمجابهته عندما وقف بينهم، وقال لهم الكلمات التالية: (إخوتي الأحباء، إنكم تعرفون الموقف بكامله. فالعدو هنا، وأمامنا، في اعتقادي، ثلاثة

стр. 2456

حلول: الأول: هو محاولة الخروج بالقوة، غير أنني أحب أن أقول لكم مسبقا بأننا سنسير في هذه المحاولة إلى موت محتم بسبب قلة الأسلحة المتوافرة بين أيدينا. والحل الثاني: هو الاستسلام للعدو. وعلينا أن نتوقع في هذه الحالة من عدونا أسوأ معاملة، وسنتعرض للتعذيب حتى الموت. غير أني استحلفكم أمام الله الالتزام بالصمت، وعلى هؤلاء الذين يقررون الاستسلام ألا يعطوا الخونة الأعداء أي اسم - غير اسمي أنا - وذلك حفاظا على حياة هؤلاء الرجال الذين تحتاجهم الثورة، وتريد بقاءهم على قيد الحياة. أما الحل الثالث: فهو البقاء في الكهف والدفاع عنه، ويجب علينا في هذه الحالة أن نبرهن على تصميمنا وحزمنا وشجاعتنا، وذلك بألا نسمح لأي واحد من هؤلاء المرتزقة بالوصول إلينا. وإننا إذ نقاوم فلدينا الأمل بأن يقوم إخواننا المجاهدون بمد يد المعونة إلينا، ومحاولة بذل الجهد لانقاذنا. ولقد سبق لي أن تحدثت مع صديق لي ذات يوم، وهو ضابط في جيش التحرير الوطني، فوعدني ببذل كل جهد مستطاع، والإسراع في القدوم لمساعدتنا إذا ما تعرضنا للحصار من قبل العدو. ولا أستطيع أن أؤكد حاليا مكان وجوده، ولكن هناك يقينا (مراسل) هو في طريقه الآن إليه لإعلامه بالموقف الذي نجابهه). لقد كان ما قاله الشيخ في الواقع حقا وصدقا، وكان الضابط الذي أشار إليه في حديثه هو القائد (بن الحسين) الذي وعد بالتدخل مع جنوده لرفع الحصار فيما إذا نجح العدو باكتشاف الكهف أو تطويقه. غير أن (بن الحسين) كان في (وجده) بالمغرب عندما وقعت هذه الأحداث. فقد خاض في المرحلة السابقة معارك ضارية، انسحب بعدها إلى القيادة العامة، وانتقل منها إلى

стр. 2457

الحدود، بهدف استعادة قوته والحصول على نصيبه من الراحة، هو ورجاله. وقد وصله الإنذار بتطويق العدو للكهف فشرع فورا بالتحرك، غير أنه لم يتمكن من الوصول في الوقت المناسب نظرا لبعد المسافة الشاسعة التي كانت تفصل بينه وبين موقع الكهف. ... لقد اكتسب هذا الكهف شهرة واسعة بحكم تكوينه، فهو يبدأ بمدخل ضيق يشبه الدهليز، وهو عبارة عن ثغرة واسعة لها من العمق متران، تنتهي بصالة واسعة، صالة شكلتها الصخور على شكل موقد ضخم يتسع عدة أمتار من الأصداف الصخرية الحادة والمثقبة كالغربال. وهذا الموقد ليس في واقعه إلا ممرات تنتهي، أو تنفتح على عدد غير محدود من المغاور الصغرى المتداخلة بما يشبه التيه (المتاهة). وقد يضطر المرء أحيانا للزحف مسافة عشرة حتى خمسة عشر مترا من أجل الوصول إلى غرف أو صالات رحبة، حيث تضم هذه تجاويف (أنفاق) متعرجة تتصل بدهاليز كثيرة، لا تسمح للداخل بالخروج منها إلى غيرها. ولعل أكثر ما يثير المرء عند توغله في الكهف هو تكوين تلك الصخور في داخل الكهف. والتي هي عبارة عن صخور رخامية من (المرمر). ... تلك هي المغاور التي لجأ إليها (سي الشيخ) وإخوانه، وكان أول عمل قام به هؤلاء المواطنون هو تنظيم الحراسة، وتعيين المناوبين بالتتابع. وبما أن المدخل إلى الكهف يقع في مقدمة دهليز لا يمكن رؤيته من الخارج، فقد تقرر تعيين مركز الحراسة في وسط هذا الدهليز، كما تقرر أيضا إيقاد ناز ضخمة في الليل للإضاءة،

стр. 2458

ولمنع كل احتمال بالمباغتة، أما في النهار، فقد كانت بعض الأشعة المتسللة من الخارج، كافية لإضاءة الدهليز. وتأمين الفترة الكافية للإنذار من أي غدر محتمل. انقضت الليلة الأولى بهدوء وسلام. وأشرق الفجر، والمطر ينهمر غزيرا فيما كانت الريح تضرب السيل المتدفق لتجعل منه قطعا من الطين (الوحل). وعاش الدوار مع الطبيعة الباكية، فالنساء في بيوتهن يبكين في صمت مصير رجالهم، ويترقبن انقضاء اللحظات بتخوف وحزن لا حدود لهما. وعادت ثلة من الأوغاد - الجنود - إلى القرية، فهذه هي اللحظة المناسبة لممارسة الضغط الوحشي على النساء والأطفال، وبدأت عملية تدمير بيوت القرية وإحراقها، مع تعذيب الشيوخ - الكهول - قبل اقتيادهم لمرافقه الجند. وكانت زوجة (سي الشيخ) تحمل ابنها البكر وهي في شهرها السابع. وعلى الرغم من ذلك، فإن وضعها الخاص لم يشفع لها، وتعرضت لما تعرضت له من التعذيب والإهانة والمعاملة السيئة. هبطت طائرة عمودية - هيليكوبتر - في هذه اللحظة ذاتها، على بعد مائتي متر فقط من الكهف. ونزل منها ضباط يرافقهم بعض الجنود يحملون صناديق من الأعتدة. وتم على الفور تركيب محرك كهربائي، فيما كانت المعاول والمطارق تهاجم الصخور في محاولة لشق ثغرة عميقة تصلح لاستيعاب كمية كافية من المتفجرات بهدف توسيع مدخل الكهف. غير أن الصخر الأصم امتنع على المعاول، ولم يتمكن المهندسون من تفجير أكثر من شحنتين في اليوم الواحد. وفي الوقت ذاته، كان جند الاستعمار يدفعون باستمرار أنبوبا ضخما إلى مدخل الكهف. وكان هذا الأنبوب يتصل بنفاث قوي يدفع الغاز السام بهدف خنق المجاهدين اللاجئين إلى الكهف. وتراجع هؤلاء

стр. 2459

المجاهدون نحو جوف الكهف، ولم يبق في مركزه إلا أولئك المكلفين بحراسة المدخل وحمايته والذين حافظوا على مراكزهم بالرغم من مئات القنابل اليدوية الهجومية وقنابل الغاز التي قذفت نحو الداخل طوال أيام الحصار. وبعد أيام ثلاثة، أصبح الجو مسمما حتى بات من الصعب تنفس الهواء واستنشاقه. وحتى بات الهواء المسموم بالغاز الخانق حارا وحارقا. وأخذ المجاهدون في التقيؤ مرة بعد المرة. كما أخذت تنتابهم حالات من الإغماء. وبالرغم من ذلك، فقد استمر المجاهدون في مقاومتهم، وأخذوا في استخدام قطع من النسيج - القماش - يبللونها من الصخور، ويضعونها أقنعة لحماية أنفسهم من تأثير الغاز الخانق. وبدأ العطش في تعذيب المجاهدين، والضغط على بطونهم. واحتمل المجاهدون معاناتهم ببذل جهد يزيد على قدرة احتمال البشر حتى لا يفقدوا وعيهم. كان (شي الشيخ) خلال ذلك كله، يتنقل بحركة دائمة ليجلس إلى كل مجاهد من المجاهدين، وليحدثه بكلمات تناسب وتخفف من معاناته، وتدعم من شجاعته،) فيتلو ما يتيسر له من آيات (القرآن الكريم). ويحدث المجاهدين فيذكرهم بقصص الأنبياء وما احتملوه لأداء رسالاتهم، وما عاناه أتباعهم من الصابرين المؤمنين. ولا زال من نجى من الموت يتذكر حتى اليوم ذلك الموقف الذي وقفه (سي الشيخ) وهو موقف يصعب تصديقه لو لم يعشه من نجى بنفسه. فكيف استطاع (سي الشيخ) الصمود والمحافظة على قوته. حتى يبقى واقفا كالطود؟ ألم يقف وحده، وكأنه عصبة من الرجال، في مجابهته للعدو طوال أكثر من يومين، متيقظا لأية محاولة قد يقدم عليها جند العدو للاقتراب من الكهف؟. - إنها قوة الإيمان التي لا تقهر.

стр. 2460

أقبل صباح يوم ٧ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧ وقد مضى على الحصار ثمانية أيام. ولا زال المجاهدون في ملجئهم من الكهف، ولا زال الموقف خارج الكهف كما كان عليه. غير أن قوة المجاهدين قد استنزفت وأصابهم التسمم، فاضطجعوا جميعا وهم في حالة من الإغماء، وظهر واضحا أنهم اقتربوا من حافة الموت. وجلس (سي الشيخ) إلى صديقه الوفي ومعاونه (رباح شايب) وإلى بعض إخوته المجاهدين الذين أمكن لهم حتى الآن المحافظة على تماسكهم وتجلدهم وصحوهم. وفي هذه الجلسة، أخرج (سي الشيخ) من محفظته ثلاثة ملايين فرنك فرنسي (ثلاثين ألف دينار جزائري حاليا) كما أخرج مجموعة من الوثائق والرسائل وبطاقة هويته الشخصية وذلك من أجل إحراقها جميعا. وكان هذا المبلغ من المال قد تجمع من اشتراكات مجاهدي الإقليم ثم عمل على تحطيم مسدسه الرشاش على كتلة الصخور، وكذلك فعل بمسدسه وببقية الأسلحة التي تجمعت في الكهف، حتى أنه حطم ساعة يده. لقد أراد عدم تسليم شيء من الغنائم للعدو. ثم توجه لإيقاظ أخيه (بن عمار) والذي كان تلميذه في الوقت ذاته، وطلب إليه أن يتزوج زوجته (رحمه) في حالة استشهاده، وتبني الولد الذي ستلده زوجته. ثم نهض فصلى بالجماعة، وتوسل إلى من بقي في حالة من الصحو الخروج لمقابلة العدو، وشرح حالة الإغماء التي أصابت اللاجئين إلى الكهف. وقال لهم: (عليكم عدم الاهتمام بأمري، أو الانشغال بمصري. قولوا لهم بشأني كل ماترونه مناسبا لإنقاذكم. أما بالنسبة لي، فإنهم لن يحلموا برؤيتي حيا، إنني سأقتل واحدا منهم وسأموت). ***

стр. 2461

على هذا خرجت المجموعة الأولى من الرجال، ولكن ما إن صنعتهم نسمات الهواء النقية حتى فقدوا وعيهم وسقطوا على الأرض، فأيقظتهم من إغماءتهم ضربات أقدام الجنود الأوغاد المشتركة مع ضربات أخماص - أعقاب - بنادقهم. وجرت مناقشة قصيرة بين المرتزقة الفرنسيين قرروا بعدها استخدام الأسرى كستار للحماية واقتحموا بهم الزوايا الأمامية من الكهف، فعثروا على كافة الرجال تقريبا. وتم إخلاء رجال المقاومة من غير مقاومة، فيما كان هدير الرعد في السماء يقصف بصورة مرعبة. واستعاد كل رجل من الرجال وعيه، ورجعت إليه أفكاره بتأثير صدمة الرعد، ومياه الأمطار التي مسحت وجوه المعذبين فأنعشتها وأعادت إليها حيويتها. وعندها أخذ المرتزقة المجرمون في إطلاق عنانهم لممارسة وحشيتهم. فبدؤوا باقتياد الرجال ودفعهم نحو الطرف المرتفع من الكهف، وانطلقوا يضربونهم بقسوة فوق الأرض المتموجة. وتطورت النوبة الجنونية - الهستيرية - لهؤلاء الأوغاد الأنذال فقذفوا بالأسرى داخل حفر عميقة تم إعدادها لهذه الغاية، فغاص الأسرى بالوحل حتى لم يعد يظهر إلا رؤوسهم المعروضة لسيل المطر، وشهدت السماء ما فعله جند الاستعمار الذين أخذوا يمتعون أنظارهم بهذا المشهد الغريب، ويشفون غليل حقدهم من مجاهدي شعب صابر. ولم يتوقف جند الاستعمار عن ممارساتهم، إلا للتأكد من شخصية كل واحد من الأسرى. وإذ ذاك تبين لهم غياب الشخص الأول الذي يريدونه ويبحثون عنه: (الثائر - أو الفلاقة - سي الشيخ). وأرسلت برقية فورية: (لا زال هناك شخص في الكهف) وأسرع أفراد زمرة من القتلة لينذروه بأنه: إذا لم يخرج خلال ربع ساعة، فسيعملون على إعدام كافة رفاقه. ولم يكن باستطاعة (سي الشيخ) احتمال

стр. 2462

هذه المسؤولية، فأسرع بالخروج من ملجئه. ووقف على عتبة عرينه، شامخا، وعلى بعد أمتار فقط من الضابط الذي وقف في انتظاره. وقف (سي الشيخ) وهو يتأمل بنظره هؤلاء الذين جاؤوا من عالم غريب ليمارسوا ما أطلقوا عليه اسم (تهدئة البلاد). لقد جاؤوا من بلاد يزعمون أنها (بلاد متحضرة) و (بلاد متمدنة) تمثل القوة فأين تكمن هذه القوة؟ وهل من القوة التعامل بوحشية مع النساء والأطفال، ومع الشيوخ والأسرى المجردين من كل سلاح؟ أية قوة برهن عليها هذا العالم النذل الجبان؟ فهل تكمن القوة فقط في كتلة هذه الدبابات الضخمة والمنتشرة في كل مكان ومعها أسراب طائراتها ومدفعيتها؟ كلا: إن القوة، كل القوة، هي تلك القدرة الكامنة في الإيمان، وبالثقة العميقة في الشعب. وتابع (سي الشيخ) التجول بنظراته الحارقة وهو يتأمل تلك الجموع من الخونة، ثم تقدم قليلا وفتشه الضابط تفتيشا دقيقا، ثم سأله عن الأسلحة، فأجاب الشيخ: (ليت لدي أيه قطعة سلاح. لقد دمرتها) وصاح به الضابط: (هيا عد، وهات ما بقي منها). رجع (سي الشيخ) إلى المتاهة (التيه). وفي هذه اللحظة قرر يقينا المجازفة، فإما أن يكسب حريته وإما أن يموت دونها. وأخذ في انتظار اللحظة المناسبة وهو في ظلمة دهليز الكهف، متحفزا لاغتنام أول بادرة. وجاءته الفرصة غير المتوقعة، فقد تم استدعاء الضابط الذي كان ينتظره من قبل قائده الواقف مع بقية الأسرى. ولم يبق هناك غير جندي وقف منتظرا خروج الأسير من الكهف. وانزلق (سي الشيخ) برفق نحو المخرج، واندفع من الفتحة بسرعة مذهلة، وضرب الجندي على كتفه ضربة أفقدته توازنه، وقفز من

стр. 2463

فوق صخرة مرتفعة، فسقط أربعة أمتار ليستقر فوق قمة الأشجار الكثيفة، وصرخ الجندي الذي تلقى الضربة، فأسرع لتلبية صراخه نفر من الجند المتعطشين للدماء وقد ساد الصخب والضجيج فيما بينهم. وبقي (سي الشيخ) مختبئا وقد حمته الأشجار من أنظار المراقبين والمستطلعين. ولم يكن باستطاعته الخروج من الغيضة الآن إلا تحت مراقبة العدو، ولا زال أمامه ثلث الجبل الذي يجب عليه أن يجتازه حتى يبتعد عن منطقة الخطر. ولم يبق أمامه إلا حل واحد للخروج من مأزقه: محاولة الوصول إلى الوادي الواقع تحته، حيث يمكنه بعد ذلك السير لاجتياز الحقول الطينية بصورة حتمية، واذا ما أمكن اكتشاف أمره عندها، فسيكون قد ابتعد مسافة لا تقل عن ثلاثمائة متر. وخلال هذه الفترة كانت هناك زمرتان من جند العدو قد انطلقتا بأقصى سرعة لهما للإمساك يمجنبتي الجبل، وقطع كل طريق للانسحاب. وقفز (سي الشيخ) بغتة، وانطلق مسرعا - كالصاروخ - فاجتاز آخر غيضة من الغياض، وتابع مساره باندفاع مذهل في طريقه نحو السلامة، غير أنه كان باستطاعة الواقفين على مرتفعات الجبل مراقبة كل حركة، وكان الأسرى يبتهلون الله في سرهم بأن ينقذ شيخهم، ويتابعون تقدمه عبر حقول الطين وقلوبهم تخفق بشدة. وانطلقت بغتة نيران متصلة؛ وتدحرج الهارب، وأخذ يتلوى من الألم، غير أنه حاول الوقوف من جديد، فعاجلته نيران انصبت عليه كالسيل، فأغرقته ومزقت جسده. لقد استشهد (سي الشيخ). وخسر الشعب الجزائري باستشهاده مجاهدا من أفضل أبنائه المجاهدين، كما فقدت الثورة بطلا من أبطالها الذين يحق لها أن تفخر بهم على الأيام.

стр. 2464

استقر جسد البطل (سي الشيخ) فوق أرض الحقول، وأحاط به قتلته وهم ينظرون إليه بحزن وأسف، لقد أرادوه حيا حتى ينفثوا فيه بعض حقدهم الأسود، غير أنه لم يمكنهم من إشفاء غليلهم ونيل مبتغاهم. وها هي حبات المطر، تأتي لتغسل له وجهه، وتكشف عن بيانه الناصع والذي كان يعبر، وهو في جموده، عن تحد مشوب بالاحتقار لهؤلاء الجنود الذين جاؤوا من العالم الغريب. وما لبث (نبلاء التهدئة) حتى انسحبوا تاركين (الشهيد) في وسط الحقول، والتحقوا بقافلة الأسرى للبدء بتنفيذ مذبحتهم، فصفوا خمسة من الأسرى أمام رفاقهم، وقتلوهم بسيل من رصاصهم، وكانوا يعتزمون متابعة العملية عندما وصلتهم الأوامر بالعودة إلى الثكنات، فتقرر نقل الأسرى إلى سجون (العين الكبيرة). وعند الاقتراب من أحد المنحدرات، اقترب الجنود من بعض أسراهم، وأقنعوهم بإنقاذ أنفسهم عن طريق محاولة الفرار، وتجربة حظهم. وأسرع أربعة من هؤلاء الأسرى في عدوهم يسابقون الريح، غير أنهم لم يبتعدوا أكثر من أمتار قليلة عندما حصدهم سيل من الرصاص، فسقط ثلاثة على الفور، وتمكن المجاهد (مجيدي حسين) من الفرار وحده، بعد أن أصابته جراح عميقة في فخذه، وأمكن له الاختفاء في ملجأ يصعب اكتشافه في غيضة من الغياض. وقد بحث الجند الفرنسيون طويلا في محاولة للعثور عليه غير أن محاولتهم باءت بالفشل (وعاد هذا المجاهد فالتحق بقوات جيش التحرير الوطني عندما شفيت جراحه). وصلت قافلة الأسرى إلى سجن (العين الكبيرة) مع هبوط الظلام. ولم يسمح لهم بالحصول على أي فرصة للراحة، حيث بدأت على الفور عملية تعريضهم للتعذيب الوحشي على أيدي

стр. 2465

جلاديهم الأعداء. وعلى الرغم من ذلك، فلم يحصل الجلادون من أسراهم على أية معلومات من تلك التي أوصدت دونها صدور المجاهدين. علمت والدة (سي الشيخ) بمصرع ابنها وهي في (نيد روما). وكانت مثلها كمثل بقية السكان، قد غادرت الدوار، تاركة أرضها وثروتها. فاتخذت المرأة العجوز قرارها بالسير عبر دروب (فيلاوسين) الضيقة حتى ترى جسد ابنها الحبيب، وتودعه الوداع الأخير، مهما كلفها ذلك من جهد وعناء. وأمكن لها الوصول إلى (الدوار) ثم إلى المكان الذي استشهد فيه البطل. فرأت بأن الفلاحين في (عين فارو) وهو الدوار الذي يبعد مسافة أربعة كيلومترات عن (ولد بن راشد) قد قاموا بواجبهم الديني بعد ابتعاد الأوغاد، ودفنوا جثته. مضى عام على ذلك. وفي يوم ٣ آذار - مارس - ١٩٥٨، على وجه التحديد، تلقت هذه المرأة الشجاعة صدمة جديدة. فقد أقدم القتلة على اغتيال زوجها، بذات الرصاص الذي قتلوا فيه ابنها، وذلك في وسط مدينة (نيد روما) ومعه سبعة من رفاقه. وكان ذلك بعد مضي ثلاثة أشهر من قصف دوار (ولد بن راشد). وهو القصف الذي أزال هذا الدوار من عالم الوجود.

стр. 2466

كلمة أخيرة وبعد! بمثل تلك النماذج البشرية العليا انتصرت الثورة الجزائرية. وبمثل ذلك الإيمان العميق استطاعت جزائر الثورة إنجاز هدفها العظيم. لم يكن المجاهدون جميعهم على درجة واحدة من الصبر والثبات والإيمان والقدرة على احتمال كره القتال. غير أن النماذج (الممتازة)، إذا جاز التعبير، قد دعمت روح الثورة بنوع من الصوفية وإنكار الذات لا يعرفه إلا المجاهدون حقا وصدقا. ترى هل كان باستطاعة جزائر الثورة الصمود في وجه أشرس حرب استعمارية عرفتها دنيا الاستعمار لو لم يتوافر لها جيل كامل من رواد الثورة العربية الإسلامية؟ ... لقد مارست فرنسا وجندها ضد شعب الجزائر وثورته ما لا قبل لفرد أو لشعب باحتماله؛ تقتيل وإبادة، إحراق وتدمير، نهب وسلب، انتهاك للحرمات، قمع يعجز القلم عن وصفه ويقصر الخيال عن تصوره، وصمد الشعب الجزائري طوال سبع سنوات ونيف. فأية قوة تلك التي استطاعت احتمال هذا القدر من الجرائم الإنسانية، والخروج من ذلك كله بالنصر؟ إنها قوة الإيمان، ولا شيء غير الإيمان.

стр. 2467

إنها روح الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن الدين ومقدماته، والدار وحرماتها. وقد يغتر مغرور، أو يندس دساس لئيم، فيقول: ولكن كان هناك بعض المسلمين، (كالقوم والحركيين) وسواهم ممن عملوا مع فرنسا ضد أبناء قومهم وإخوانهم في الدين. إن أمثال هؤلاء يتجاوزون الحقيقة عن عمد. يتجاوزون الحقيقة عندما يتجاهلون عوامل الضعف البشرية. ويتجاوزون الحقيقة عندما يتجاهلون تأثير الاستعمار وأساليبه الذكية - الخبيثة - طوال مائة وستة وعشرين عاما. ومع ذلك، فكيف كان موقف الكتلة الرئيسية من هؤلاء المضللين عندما كانت تصلهم دعوات إخوانهم للانضمام إليهم في الجهاد ضد أعداء الدين والوطن؟. تلك حقيقة تبرزها وثائق الثورة ذاتها، وتحفظها يوميات القتال. لقد كان معظم هؤلاء يستجيبون لنداء الثورة. ويهجرون معسكرهم ليعملوا مع إخوانهم في الله، وفي الدين، في الوطن، لقد ضمت الثورة في طليعتها الريادية نحبة، أو جيلا، من المؤمئين المسلمين الذين لم يتوافر مثلهم في جيل واحد، إلا وكان النصر في ركابهم. وبمثل تلك النماذج البشرية العليا انتصرت الثورة الجزائرية. وبمثل تلك النماذج البشرية العليا ستبقى الجزائر المجاهدة قاعدة راسخة من قواعد العرب المسلمين. وستحتفظ بمكانتها منارة تهدي التائهين في صحراء الظلام.

стр. 2468

محتوى الكتاب

стр. 2469

_________ ٤ - مهمة على موجات الأثير .......... ١٧٤ ٥ - مهمة في الأغوار .................. ١٨٦ ٦ - بطل من الأبطال .................. ٢٠٣ كلمة أخيرة .............................. ٢١٩ محتويات الكتاب ........................ ٢٢١

стр. 2470

المجاهدة الجزائرية

стр. 2471

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2472

المجاهدة الجزائرية (والإرهاب الاستعماري) بسام العسلي دار النفائس

стр. 2473

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م الطبعة الثالثة: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م

стр. 2474

الإهداء إلى أرواح الشهيدات المجاهدات من حفيدات خولة والخنساء. إلى العربيات المسلمات اللواتي حفظن لجزائر المسلمين أصالتها الثورية. وفجرن فيها ينبوع التضحية والفداء. إلى المؤمنات المسلمات اللواتي لا زلن على العهد بهن دائما، يحفظن لجزائر المسلمين دينها وقواعد صمودها ومجدها وعزها والعزة لله ولعباده المؤمنين.

стр. 2475

المقدمة احتلت الثورة الجزائرية مكانتها السامية بين ثورات العصر الحديث، وبمثل ما كانت هذه الثورة جبارة، وعملاقه، كان دور المرأة فيها جبارا، وعملاقا. وللمرأة الجزائرية في نسيج الثورة ولحمتها قصة مثيرة لا بد من التعرض لها. لقد ران على جزائر المسلمين حين من الدهر، أحاق فيه بالعرب المسلمين بلاء لا يوصف، فقد استطاع الاستعمار الفرنسي تدمير المجتمع الجزائري بطرائق مبرمجة رهيبة، فتمزق هذا المجتمع أحزابا وشيعا، وانحرف من انحرف، واستسلم من استسلم، ويئس من يئس، إلا قلة عمر الإيمان قلوبها، وأنار الإسلام بصيرتها، فمضت مجاهدة تبشر بمولد الفجر الجديد للجزائر، وتعمل له. وكانت (قسنطينة) على وجه التحديد هي مقر الدعوة الجديدة، وكان (عبد الحميد بن باديس) وإخوانه العلماء هم طلائع التبشير بفجر اليوم الجديد - فجر الثورة الكبرى. تلك حقيقة باتت معروفة، ومسلم بها، لا تقبل الجدل أو النقاش. ولكن، وحتى من قبل أن تتفجر بواكير اليقظة، كانت هناك (الأم الجزائرية) متقوقعة في منزلها، منعزلة عن دنياها، تمارس دورها

стр. 2476

الرهيب بعيدا عن عيون الناس الباحثة عن الطريق القويم. لم يكن هناك (تنظيم) أو (اتحاد) يوجهها. لقد استخلصت كل الحقائق من خلال تحليلها السليم للأمور، تحليل القلب المؤمن والعين المبصرة. والتقت كل النساء، المنعزلات، المتقوقعات، على الهدف، من غير مشاورات تمهيدية، ولا مقررات تنفيذية. وأمكن لها بذلك بناء قاعدة الثورة في منزلها. فاتصلت قواعد المنازل، وتشكلت القاعدة الصلبة. من هذه القاعدة، أشرق الفجر الجديد في الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر- ١٩٥٤، عندئذ بدأ التحول، وانتقلت (الأم الجزائرية) من قاعدة عملها السرية - إذا صح التعبير - إلى ميدان الجهاد العلني، فمضت تؤجج الحماسة في النفوس، تدفع فتى العشيرة لحمل السلاح، وتودع الأب والابن والأخ وهي ترسلهم إلى ميادين القتال، ثم هي تحمل السلاح في معاقل الثوار، وتلقي القنابل في المدن وتقوم بكل الأعمال الخطرة، وتقبل التضحية بمثل ما كانت عليه أختها المجاهدة في صدر الإسلام. ويجن جنون الاستعمار. لقد كان يتوقع كل شيء، إلا أن تكون الفواطم (جمع فاطمة) على مثل هذا الإقدام، وبمثل تلك الجرأة، فيزج فواته في حرب وحشية، يكون للمرأة فيها قسط كبير. لم يكن تجريد العذارى من طهرهن، حبا في الانتقام فحسب، ولا رغبة مجونية عارضة فقط. إنما لتدنيس حرمة هذه التي صانها الإسلام وشرفها ورفعها إلى قدرها الذي تستحقه. واحتملت المرأة، صابرة، كل ما لحق بها من الإهانات، وكل ما ارتكب بحقها من الجرائم، فعرفت زنزانات التعذيب، وتعرضت للقتل، وعاشت حياة السجون والمعتقلات ومعسكرات الترحيل والانتقال

стр. 2477

وكانت معاناتها أكبر وهي ترى ما يحل بقومها وأفراد عشيرتها وأبنائها وإخوانها. فكانت في كل مواقفها جبارة، وصامدة، وقوية. وأكدت بذلك أنها الطاقة غير المحدودة للبذل والعطاء. لكم تعرضت المجاهدة الجزائرية، ولكم عانت، ولكم احتملت من ظلم الاستعمار وجبروته. لقد عرفت الحروب، كل الحروب، ألوانا من البؤس والشقاء، كان للمرأة فيها نصيب كبير، غير أنه ما من تجربة مرت بها المرأة يقينا، تماثل أو تشابه تجربة (المرأة الجزائرية) لا من حيث اتساع أفق هذه التجربة، ولا من حيث شدتها وقوتها، ولا من حيث الوضع الخاص الذي تتمتع به المرأة المسلمة في منزلها ومجتمعها. وتمضي سبعة أعوام ونصف تقريبا، والجزائر المجاهدة تخوض حربها الضروس، وتصمد المرأة الجزائرية لأهوال هذه الحرب ومآسيها بصبر لا يوصف. وتصل الثورة إلى نهايتها الظافرة. وتبدأ مرحلة بناء ما بعد الثورة. وهنا لنا كلمة في نهاية البحث. لقد انتهت الثورة بالنصر، ولا زالت الحرب مستمرة. والدروس المستخلصة من (جهاد المرأة الجزائرية) كثيرة، وفيرة. غير أن هناك درس يتصدر الدروس المستخلصة من التجربة الذاتية. لقد حققت المرأة ما حققته بفضل تمسكها بأصالتها، وبفضل محافظتها على قواعد صمودها. ولا بد لها، حتى تستطيع متابعة دورها الحضاري من إعادة تقويم مواقفها، ودعم الدروس المستخلصة من تجربتها.

стр. 2478

إن التقليد الظاهري هو أنة مجتمعنا العربي - الإسلامي الذي يعاني ما يعانيه في إطار الحرب الشاملة التي حلت فيها (وسائل علم النفس) و (وسائل علم الاجتماع) محل (الأسلحة التدميرية التقليدية). والمرأة العربية المسلمة - لا في الجزائر وحدها - وإنما في كل بقاع العالم العربي - الإسلامي مدعوة اليوم، وبإلحاح، لممارسة دورها، لأنها الأكثر قدرة - بحسب ما برهنت عليه التجربة الجزائرية - على (بناء المستقبل). وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله بسام العسلي

стр. 2479

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة النور - الآية ١٩ - ٢١) الفصل الأول ١ - المرأة الجزائرية على مخططات الاستعمار. ٢ - المرأة الجزائرية - أصالة عميقة الجذور. ٣ - لوحة شعبية للمجاهدة الجزائرية. ٤ - زغاريد النساء - اليويو-. ٥ - رسالة من (مجاهدة).

стр. 2480

١ - المرأة الجزائرية على مخططات الاستعمار أثارت المرأة الجزائرية خيالات الكتاب والباحثين، الشعراء والروائيين، بفضل ما أظهرته من ضروب الشجاعة في ميادين الصراع المختلفة ضد الاستعمار وقواته الفرنسية. فكان لها في كل مجال دورها: حملت السلاح مقاتلة في السهول والجبال، ودفعت الابن والزوج، والأخ والأب لحمل السلاح وخوض القتال، واستقبلت موت الأبناء والأحياء بمثل ما استقبلت (الخنساء) نبأ استشهاد أبنائها الأربعة، إذ أطلقت مقولتها الشهيرة، والتي باتت قدوة لكل مجاهدة: (الحمد لله إذ شرفني بشهادتهم). لقد ماتت الخنساء، وصمت عنها التاريخ، غير أنها بعثت في الجزائر بألف خنساء وخنساء. فكانت ترافق المجاهدين إلى معاقلهم وصياصيهم، تشاركهم مشاق الجهاد وتقدم لهم الدعم، وتقوم بالأعمال التي يصعب على المجاهدين في كثير من الظروف الاضطلاع بها، كإخلاء الجرحى والعناية بهم. ودفن الشهداء، وتأمين الإمداد والتموين للمجاهدين، ونقل الأسلحة والذخائر، وتأمين الاتصالات وتنسيق التعاون بين فصائل وسرايا وكتائب مجاهدي جيش التحرير الوطني، ونقل الوثائق بين القيادات، وتنظيم التظاهرات في

стр. 2481

المدن، ومطاردة القوات الاستعمارية في كل مكان، بالمراقبة والمتابعة، وإطلاق الزغاريد (اليويو) التي طالما أثارت حماسة المجاهدين في ميادين الجهاد، وفي قاعات المحاكم عندما كانت (محاكم التفتيش الحديثة) تعقد جلساتها التظاهرية للحكم على المجاهدين والمجاهدات. وذهل العالم - الغربي والشرقي - على السواء لهذه الظاهرة. لقد اشتركت المرأة في الحروب الحديثة، ودخلت في صلب تنظيم القوات المسلحة، غير أنها لم تتمكن من الوصول والارتقاء إلى مستوى المجاهدة الجزائرية، لا في قدرتها على احتمال كرة القتال، ولا في صمودها ضد وسائل القمع والإرهاب، ولا في صبرها على نوائب الاستعمار وكوارثه. وكان ذهول الاستعمار الفرنسي أكبر من كل تقويم. ذلك أن هذا الدور الذي اضطلعت به المجاهدة الجزائرية قد جاء ليؤكد (سقوط كافة المخططات الاستعمارية) التي استهدفت تدمير أصالة الجزائر من خلال الحرب المنظمة ضد المرأة الجزائرية حتى تتحول إلى (دمية لا تصلح إلا للعبث) على نحو ما هو عليه حال (الغربية) التي دفعت إلى ما تكره تحت شعارات (الحرية والتحرر) و (الحضارة والمدنية) حتى باتت مكبلة بالقيود الثقيلة التي لم يعد باستطاعتها التحرر منها، أو الانعتاق من ثقل وطأتها، وباتت (حياة المرأة الشرقية - المسلمة) هو الحلم الذي تتطلع إليه المرأة (في مشرق الأرض ومغربها) والشواهد كثيرة لا مجال هنا لذكرها. المهم في الأمر، لقد عرفت فرنسا، ومنذ بداية استعمارها للجزائر، أن إحكام قبضتها على (جزائر المسلمين) إنما يكمن بالقدرة على (تدمير أصالة المرأة الجزائرية). ولم تكن أسئلة

стр. 2482

(الجنرال دوماس) (١) التي وجهها إلى (الأمير عبد القادر) ضربا من العبث أو إرواء الفضول، أو بهدف (البحث الموضوعي) عن (المرأة الجزائرية المسلمة) وإنما كان وسيلة - في جملة الوسائل - لإحكام المخططات الاستعمارية ضد المجتمع الجزائري المسلم. كان (الجنرال - دوماس) من أكبر القادرة الفرنسيين في الجزائر، اشتهر بوحشيته في الحروب، وتعلم اللغة العربية، واطلع على أحوال المواطنين الجزائريين المسلمين، فوجه إلى الأمير (عبد القادر) مجموعة من الأمثلة تفضح - في حد ذاتها - النوايا الاستعمارية ضد دين الإسلام - عامة - وتخدم قضية الحرب الشاملة من خلال التركيز على قضبة (المرأة المسلمة). وقد أجاب الأمير عبد القادر - ببلاغته المعروفة، وحجته القوية، - فدحض المزاعم المطروحة من خلال الأمثلة. وقد يكون من المناسب التعرض لبعض هذه الأمثلة وما جاء في الرد عليها - بإيجاز - قدر المستطاع (٢): سؤال: قد رأينا المسلمين يتزوجون من غير أن ينظر أحدهم إلى من يريد أن يتزوج بها، وربما عند الاجتماع يجد كل منهما في الآخر ما ينفره منه وذلك يؤدي إلى سوء المعاشرة مدة حياتهما أو الفراق لا محالة. (١) الجنرال دوماس: (UMAS ALEXANDRE DAVY DE LA PAILLETERIE) قائد فرنسي، من مواليد جزيرة سانت دومينك (١٧٩٢ - ١٨٦٠). من دهاقنة الاستعمار وقادة حربها في فترة التوسع الاستعماري الفرنسي في الجزائر. (٢) نص الأسئلة، وإجاباتها كاملة في: تاريخ الجزائر - الأستاذ مجاهد مسعود - الجزء الأول - ص ٣٩١ - ٤١٠.

стр. 2483

وكان في جواب الأمير عبد القادر: ورد في الحديث الشريف: (إذا أراد أحدكم أن يتزوج بامرأة فلينظرها، فإنه أحرى أن تدوم الإلفة والمحبة بينهما) ومن كلام العرب: (كل نكاح وقع من غير رؤية فعاقبته هم وغم) وكذلك (. . . والمرأة لا تخطبها حتى تسأل عن منصبها وخلقها) وكذلك: (الندامات ثلاثة: ندامة يوم وندامة سنة وندامة العمر - وندامة العمر هي في أن يتزوج الرجل من غير نظر، ولا سؤال خبير). سؤال: يتزوج المسلمون من غير أن يأخذوا من الزوجات مالا، والزوج هو الذي يدفع للمرأة الصداق. وبذلك تكون ملكه أو بمثابة الأشياء التي تشترى؟ وتضمن الجواب: (من كلام العرب: إذا خطب الرجل المرأة وسأل عن مالها، فهو سارق لص) ومن كلامهم: (يلزم أن يكون الرجل فوق المرأة بثلاثة أشياء، المال والسن والشرف - وإياك أن تتزوج المرأة التي تنظر لما في يديها) واعلم أن العرب لا يسألون عن المال لشدة حبهم لنسائهم، ولو دفع الرجل للمرأة قناطير من الذهب والفضة، لا يحسبها ملكه، ولا يجعلها بمثابة الشيء المشترى - كما زعمت -. سؤال: رأيت الناس يلومون العرب على ضربهم نساءهم، وعلى تكليفهن في الخدمة فوق طاقتهن، وعلى قلة المبالاة بهن، وهم مستريحون، لا يخدمون ولا يعملون شيئا؟ وتضمن الجواب: لقد نهى الشرع عن ضرب النساء، وقال الرسول (ص): (لا يضرب النساء إلا أشرار الرجال) و (أوصى بهن خيرا) وتضمن القرآن الكريم آيات كثيرة تحض الرجال على معاملة

стр. 2484

النساء بالحسنى. وطلب الرسول (ص) من المسلمين، احتمال الأذى منهن بقوله: (من صبر على خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه) وأما خدمة النساء وتكليفهن فوق طاقتهن وعدم خدمة الرجال فهذا أمر لا نعرفه وما رأيناه. سؤال: بنات الأكابر من المسلمين لا هم لهن إلا في زينتهن وتبرجهن، بحيث أنهن لا ينظرن إلى غير ذلك. ولا يحسن بالمرأة أن تهمل أوقاتها وتقضيها في البطالة فإن ذلك ينشأ عنه شرور كثيرة. وتضمن الجواب: إن المرأة المسلمة لا تترك الخدمة، سواء كانت من بنات الأكابر أو من بنات الأصاغر. وما سمعنا بامرأة معرضة عن الخدمة مقبلة عل اللهو والبطالة. وحكي أن امرأة من العرب كان أبوها أميرا وزوجها أميرا، وهي تغزل الصوف. فقيل لها: لماذا تغزلين الصوف، وأنت شريفة، غنية عن الغزل؟ فقالت: (إنه يطرد الشيطان، ويقطع حديث النفس) ومن أقوال العرب: (خير لعب المرأة بالغزل والإبرة) وأما اشتغال المرأة بالزينة في أوقات مخصوصة فهو مطلوب منها، لأن التزين من الأسباب التي تدوم بها الإلفة والمحبة بين الزوجين. ومن كلام العرب: (عقل المرأة في جمالها وجمال الرجل في عقله) ويلزم الرجل أن يتزين لزوجته بما هو من زينة الرجال. سؤال: نرى الرجل المسن من المسلمين يخطب البنت ويتزوجها، ولكن هذا لا يقع عند النصارى، إذ لا يصح أن يتزوج شيخ هرم بنتا هي في عمر أولاده أو أحفاده؟ وتضمن الجواب: هذا عيب، وقليل من المسلمين من يفعله، وعندنا، إذا صبغ الرجل شيبه، وتزوج من فتاة وأوهمها أنه شاب، فإن الشرع يعاقبه ويفسخ النكاح ويبطله، وكذلك المرأة العجوز إذا

стр. 2485

تزوجت شابا صغيرا، حيث يتخذها الناس هزءا وسخرية. سؤال: المرأة عند النصارى تحب على ما فيها من الخصال الحميدة، وأما عند المسلمين فإنها لا تحب إلا على حسب جمالها، في الكثير وفي القليل، على حسب أصلها. وتضمن الجواب: قال الرسول محمد (ص): (تنكح المرأة لجمالها ولمالها ولحسبها ولدينها، فعليك بذات الدين) وقوله: (لا تنكحوا المرأة لمالها، فلعل مالها يطغيها، ولا لجمالها فلعل جمالها يرديها، وانكحوا المرأة لدينها). سؤال: يقال عن العرب أن الرجل لا يحترم زوجته، ولا يحبها إلا كخادمة له، ولا يشاورها ولا يقربها إلا عند قضاء شهوته، ولا يعتد بكلامها. وعندنا الأمر بخلاف ذلك، فنشاور المرأة في كل شيء، وهي رئيسة البيت. فكيف ينظر العرب إلى المرأة هذه النظرة؟. وتضمن الجواب: قال رسول الله (ص): (ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهان النساء إلا لئيم) وكان الرسول (ص) يرفع امرأته على يديه حتى تركب على البعير. وكان أمير المؤمنين - معاوية بن أبي سفيان - يقول: (النساء يغلبن الكرام من الرجال ويغلبهن اللئام منهم) ومن أقوال العرب: (يلزم الرجل أن يفعل مع امراته كل ما يحببها إليه حتى يكون هو أحب الناس إليها) واعلم أن العرب يطلقون لنسائهن حرية التصرف في البيت حتى تكون المرأة في بيتها مثل الحاكم على رعيته. سؤال: الذي يظهر أن غيرة المسلمين على نسائهن هي غيرة كبيرة، حتى أنهن لا يخرجن إلا ملتحفات ولا يظهرن لأصدقاء

стр. 2486

أزواجهن ولا لأقاربهم، ولا لأقاربها، وعندنا النساء يخرجن باديات الوجوه يحضرن الحفلات، ولا يحجبن أنفسهن عن قريب أو بعيد؟. إن غيرة المسلمين ليست كبيرة، وإنما هي ميزان الوسط. والغيرة وهي كذلك ممدوحة، تفرض على الرجل ألا يتغافل عن مبادىء الأمور التي يخاف عاقبتها. ومن كلام العرب قولهم: (لا تبالغ في الغيرة على زوجتك فيرميها الناس بالزنا) وقال الحكماء: (كل أمة كانت الغيرة في رجالها، كانت الصيانة في نسائها، والغيرة في القلب كالقوة التي في البدن، تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك، وإذا ذهبت الغيرة كان الفساد). سؤال: إن الطلاق عند المسلمين كثير. وعندنا لا يكون أبدا، ونحن نلومكم على ذلك لما فيه من الضرر على النساء وعلى الأولاد أيضا لكونهم يقعون في يد من لا يرحمهم كوالدتهم. وتضمن الجواب: للطلاق محاسنه ومساوئه، وهو أكره الحلال إلى الله، وفي قوله (ص): (تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش) ومن أمثال العرب (إذا لم يكن وفاق ففراق). فالطلاق راحة للرجل إن كانت امرأته خبيثة، وقد أذن الله للمرأة المسلمة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا حصل لها من جهته ضرر. وهناك ديانات غير الإسلام تسمح بالطلاق. وأسئلة أخرى منها: - إن المسلمين لا يورثون البنت مثل الذكر، فكيف ذلك والكل أولاده؟ - .......... إن نساءنا يدخلن المدارس ويتعلمن الكتابة ويحصلن على

стр. 2487

المعارف والآداب، بخلاف نساء العرب. فإن العربية إذا اتقت مع غيرها تكون غير عارفة ولا كيسة، وكثيرا ما تسقط لعدم معرفتها، وجهلها بأوضاع الحيلة، وإن كانت المرأة العربية أعرف من غيرها بآداب المحبة؟ نساء المسلمين لا يدخلن المساجد للصلاة. وأما نساء النصارى فيدخلن الكنائس ويتعبدن مع الرجال؟ - يقال إن المسلمين يمنعون نساءهم من الدخول إلى المساجد إذا كن صغيرات وجميلات، ولا يمنعونهن من السفر إلى الحج؟ - بلغنا أن بعض الناس يقولون أن النساء لا يدخلن الجنة. وما يكون مصير المرأة التي تتزوج بأكثر من رجل؟ - يقال أن المسلمة إذا ماتت لا يخرج الناس في جنازتها مثل الرجل، فهل هذا صحيح؟ - إن كثيرا من المسلمين لا يأنفون من تزويج المرأة الساقطة إذا تابت، ولا ينقص ذلك من قدرهم. بخلاف النصارى، فإن الذي يتزوج بالساقطة منهم يبتذل بين الناس، ولا يبقى له اعتبار عندهم؟ - المرأة عند النصارى يسرها ما يسر الجنس، ويحزنها ما يحزن الجنس، وهذا التجاوب يقوي الزوج على الحرب مع بني جنسه والدفاع عن بلاده، وأما المسلمة فقد لا تلتفت إلى ذلك؟ ... يستطيع كل انسان أوتي قدرا من العلم والمعرفة، والعلم بالإسلام وشريعته، والمعرفة بالحياة وطبيعتها، أن يجيب على هذه الأسئلة ويدحض ما تضمنته من مزاعم باطلة وافتراءات فاحشة على الإسلام وأهله، فكيف برجل مثل الأمير عبد القادر، وقد امتلك ناصية العلم والمعرفة؟! وليس المهم على كل حال، الدخول في محاورات ومناقشات للمفاضلة بين ما يطبقه الغرب من قوانين وشرائع

стр. 2488

على مجتمعه وبين ما يلتزم به المجتمع العربي - الإسلامي من قضائل، فالقضية ليست قضية جدل أو نقاش أو حوار للتعارف وإقامة الجسور، إنما هي قضية تدمير لكل ما يمكن إقامته من جسور بين فضائل عربية إسلامية وبين تقاليد وعادات غربية وقد انتصر الغرب عسكريا، فأخذ في تحسس الطريق التي تمكنه من تحقيق انتصاراته الأخرى حتى تستقر له الأمور. وقد جاءت الأحداث المتتالية طوال ليل الاستعمار لتؤكد تلاحم الحرب الصليبية بالحرب الاستعمارية. وعلى هذا، وإذا كانت إجابات الأمير عبد القادر هي إجابات العلم والمعرفة للدفاع عن عالم الإسلام والمسلمين، لا في الجزائر وحدها، فإن الأسئلة بدورها، وإن كانت من أجل اكتساب المعرفة بالجزائر، ومجتمعها، فإنها كانت من أجل الهجوم على عالم العرب المسلمين بداية من الجزائر، ونهاية بالمشرق العربي - الإسلامي. ... ومضى قرن من عمر الزمن على استعمار فرنسا للجزائر، ونجحت السلطات الاستعمارية في تغيير الكثير من معالم المجتمع الإسلامي الجزائري. غير أن شيئا لم تتمكن من بلوغه هو تدمير قلعة الصمود من الداخل، فقد اعتزلت المرأة المسلمة بنفسها، وتقوقعت في معقلها، متحصنة بدينها، متدرعة بإسلامها. وقد برزت هذه الظاهرة بشكلها الواضح للمجاهد التونسي المولد، والجزائري الموطن، عندما قدم الجزائر منفيا (مبعدا) سنة ١٩٢٥. فقال - بعد أن وصف فئة من الشباب الجزائري الذي انساق مع تيار الاستعمار، وما وصل إليه حالهم من السقوط والانحلال -: (أما السيدات، فلم يختلطن بمستعمر، ولم يعرفن أجنبيا، ولم يترددن على مدرسة -

стр. 2489

أجنبية - ولم يدخل العبث والرجس بيوتهن، فكن من أطهر وأجمل وأجل ما يستطيع الإنسان ذكره عن سيدة كاملة، مسلمة، عربية، تقية، نقية، طاهرة، ورعة، حفظت من جزائر الأجداد دينها وإيمانها وعروبتها وعزتها وشرفها. وورثت عنها ابتها تلك التقاليد، وتلك الأخلاق) (١). لقد كانت خميرة الثورة كامنة هنا، في معقل صمود المرأة الجزائرية المسلمة، فلا غرابة في أن تقفز المرأة الجزائرية إلى موقع الغداء والتضحية عندما تتوافر لها الفرصة. ويعود الاستعمار إلى محاولاته التقليدية في محاولة تدمير قلعة الصمود من الداخل - عن طريق المرأة. وعرف قادة الثورة الجزائرية ذلك، فكان في جملة توجيهاتهم: (تنحصر مهمة الممرضين والممرضات والهلال الأحمر والصليب الأحمر في جلب الأخبار من النساء لما تسمح به مهمتهم من التمكن باتصال جميع طبقات الشعب، وإظهار مزايا فرنسا للمواطنين من عطف وشفقة ومعالجة وتوزيع للأدوية مجانا). (تقوم النساء من جواسيس العدو، ببث روح التفرقة بين النساء ورجالهن، وخلق سوء التفاهم، وحمل النساء - المسلمات - على أن يشتكين ببعولتهن إلى مكاتب الشؤون الأهلية - الساس - وأن يقمن - أي الجاسوسات - بمراقبة زيادة الأطفال والنساء في العائلات، ومن أين طرأت هاته الزيادة. وبالاتصال بنساء المجاهدين. والإيحاء إليهن بكل ما من شأنه التأثير عليهن؛

стр. 2490

وتحويلهن عن عقيدتهن، ويقلن لهن إن أزواجكن قد تزوج البعض منهم بالتونسيات أو المغربيات، وهجروكن) (١). وتفشل كل جهود الاستعمار في تحطيم قلعة الصمود الجزائرية. وتخرج المرأة الجزائرية المسلمة مرتدية عباءتها التقليدية (الغندورة) لتتصدى بصدرها لرصاص العدو. وتسقط شهيدة، فيما كانت أختها تعاني ألوان العذاب تحت سياط الجلادين. إنها صورة خالدة لم ترسمها ريشة رسام، ولم يحدد معالمها خيال شاعر، ذلك لأنها صورة واقعية ترتبط بتراث أصيل يضرب في جذوره عميقا إلى أعماق التاريخ الإسلامي في الجزائر. وإذا كانت المرأة الجزائرية - جاهلة للحضارة الغربية - فما أغناها عن معرفة تلك الحضارة التي لم تحمل إلى بلادها إلا الانحلال والتمزق والضعف. ولعلها لم تدرك ذلك في بداية الأمر بعقلها، غير أنها أدركته بقلبها المؤمن، فكان إيمانها هو مصدر معرفتها.
следующие страницы →