أزواجهن ولا لأقاربهم، ولا لأقاربها، وعندنا النساء يخرجن باديات الوجوه يحضرن الحفلات، ولا يحجبن أنفسهن عن قريب أو بعيد؟.
إن غيرة المسلمين ليست كبيرة، وإنما هي ميزان الوسط. والغيرة وهي كذلك ممدوحة، تفرض على الرجل ألا يتغافل عن مبادىء الأمور التي يخاف عاقبتها. ومن كلام العرب قولهم: (لا تبالغ في الغيرة على زوجتك فيرميها الناس بالزنا) وقال الحكماء: (كل أمة كانت الغيرة في رجالها، كانت الصيانة في نسائها، والغيرة في القلب كالقوة التي في البدن، تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك، وإذا ذهبت الغيرة كان الفساد).
سؤال: إن الطلاق عند المسلمين كثير. وعندنا لا يكون أبدا، ونحن نلومكم على ذلك لما فيه من الضرر على النساء وعلى الأولاد أيضا لكونهم يقعون في يد من لا يرحمهم كوالدتهم.
وتضمن الجواب: للطلاق محاسنه ومساوئه، وهو أكره الحلال إلى الله، وفي قوله (ص): (تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش) ومن أمثال العرب (إذا لم يكن وفاق ففراق). فالطلاق راحة للرجل إن كانت امرأته خبيثة، وقد أذن الله للمرأة المسلمة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا حصل لها من جهته ضرر. وهناك ديانات غير الإسلام تسمح بالطلاق.
وأسئلة أخرى منها:
- إن المسلمين لا يورثون البنت مثل الذكر، فكيف ذلك والكل أولاده؟
- .......... إن نساءنا يدخلن المدارس ويتعلمن الكتابة ويحصلن على
стр. 2487
المعارف والآداب، بخلاف نساء العرب. فإن العربية إذا اتقت مع غيرها تكون غير عارفة ولا كيسة، وكثيرا ما تسقط لعدم معرفتها، وجهلها بأوضاع الحيلة، وإن كانت المرأة العربية أعرف من غيرها بآداب المحبة؟
نساء المسلمين لا يدخلن المساجد للصلاة. وأما نساء النصارى فيدخلن الكنائس ويتعبدن مع الرجال؟
- يقال إن المسلمين يمنعون نساءهم من الدخول إلى المساجد إذا كن صغيرات وجميلات، ولا يمنعونهن من السفر إلى الحج؟
- بلغنا أن بعض الناس يقولون أن النساء لا يدخلن الجنة. وما يكون مصير المرأة التي تتزوج بأكثر من رجل؟
- يقال أن المسلمة إذا ماتت لا يخرج الناس في جنازتها مثل الرجل، فهل هذا صحيح؟
- إن كثيرا من المسلمين لا يأنفون من تزويج المرأة الساقطة إذا تابت، ولا ينقص ذلك من قدرهم. بخلاف النصارى، فإن الذي يتزوج بالساقطة منهم يبتذل بين الناس، ولا يبقى له اعتبار عندهم؟
- المرأة عند النصارى يسرها ما يسر الجنس، ويحزنها ما يحزن الجنس، وهذا التجاوب يقوي الزوج على الحرب مع بني جنسه والدفاع عن بلاده، وأما المسلمة فقد لا تلتفت إلى ذلك؟ ...
يستطيع كل انسان أوتي قدرا من العلم والمعرفة، والعلم بالإسلام وشريعته، والمعرفة بالحياة وطبيعتها، أن يجيب على هذه الأسئلة ويدحض ما تضمنته من مزاعم باطلة وافتراءات فاحشة على الإسلام وأهله، فكيف برجل مثل الأمير عبد القادر، وقد امتلك ناصية العلم والمعرفة؟! وليس المهم على كل حال، الدخول في محاورات ومناقشات للمفاضلة بين ما يطبقه الغرب من قوانين وشرائع
стр. 2488
على مجتمعه وبين ما يلتزم به المجتمع العربي - الإسلامي من قضائل، فالقضية ليست قضية جدل أو نقاش أو حوار للتعارف وإقامة الجسور، إنما هي قضية تدمير لكل ما يمكن إقامته من جسور بين فضائل عربية إسلامية وبين تقاليد وعادات غربية وقد انتصر الغرب عسكريا، فأخذ في تحسس الطريق التي تمكنه من تحقيق انتصاراته الأخرى حتى تستقر له الأمور. وقد جاءت الأحداث المتتالية طوال ليل الاستعمار لتؤكد تلاحم الحرب الصليبية بالحرب الاستعمارية. وعلى هذا، وإذا كانت إجابات الأمير عبد القادر هي إجابات العلم والمعرفة للدفاع عن عالم الإسلام والمسلمين، لا في الجزائر وحدها، فإن الأسئلة بدورها، وإن كانت من أجل اكتساب المعرفة بالجزائر، ومجتمعها، فإنها كانت من أجل الهجوم على عالم العرب المسلمين بداية من الجزائر، ونهاية بالمشرق العربي - الإسلامي.
...
ومضى قرن من عمر الزمن على استعمار فرنسا للجزائر، ونجحت السلطات الاستعمارية في تغيير الكثير من معالم المجتمع الإسلامي الجزائري. غير أن شيئا لم تتمكن من بلوغه هو تدمير قلعة الصمود من الداخل، فقد اعتزلت المرأة المسلمة بنفسها، وتقوقعت في معقلها، متحصنة بدينها، متدرعة بإسلامها. وقد برزت هذه الظاهرة بشكلها الواضح للمجاهد التونسي المولد، والجزائري الموطن، عندما قدم الجزائر منفيا (مبعدا) سنة ١٩٢٥. فقال - بعد أن وصف فئة من الشباب الجزائري الذي انساق مع تيار الاستعمار، وما وصل إليه حالهم من السقوط والانحلال -: (أما السيدات، فلم يختلطن بمستعمر، ولم يعرفن أجنبيا، ولم يترددن على مدرسة -
стр. 2489
أجنبية - ولم يدخل العبث والرجس بيوتهن، فكن من أطهر وأجمل وأجل ما يستطيع الإنسان ذكره عن سيدة كاملة، مسلمة، عربية، تقية، نقية، طاهرة، ورعة، حفظت من جزائر الأجداد دينها وإيمانها وعروبتها وعزتها وشرفها. وورثت عنها ابتها تلك التقاليد، وتلك الأخلاق) (١).
لقد كانت خميرة الثورة كامنة هنا، في معقل صمود المرأة الجزائرية المسلمة، فلا غرابة في أن تقفز المرأة الجزائرية إلى موقع الغداء والتضحية عندما تتوافر لها الفرصة. ويعود الاستعمار إلى محاولاته التقليدية في محاولة تدمير قلعة الصمود من الداخل - عن طريق المرأة. وعرف قادة الثورة الجزائرية ذلك، فكان في جملة توجيهاتهم:
(تنحصر مهمة الممرضين والممرضات والهلال الأحمر والصليب الأحمر في جلب الأخبار من النساء لما تسمح به مهمتهم من التمكن باتصال جميع طبقات الشعب، وإظهار مزايا فرنسا للمواطنين من عطف وشفقة ومعالجة وتوزيع للأدوية مجانا).
(تقوم النساء من جواسيس العدو، ببث روح التفرقة بين النساء ورجالهن، وخلق سوء التفاهم، وحمل النساء - المسلمات - على أن يشتكين ببعولتهن إلى مكاتب الشؤون الأهلية - الساس - وأن يقمن - أي الجاسوسات - بمراقبة زيادة الأطفال والنساء في العائلات، ومن أين طرأت هاته الزيادة. وبالاتصال بنساء المجاهدين. والإيحاء إليهن بكل ما من شأنه التأثير عليهن؛
стр. 2490
وتحويلهن عن عقيدتهن، ويقلن لهن إن أزواجكن قد تزوج البعض منهم بالتونسيات أو المغربيات، وهجروكن) (١).
وتفشل كل جهود الاستعمار في تحطيم قلعة الصمود الجزائرية. وتخرج المرأة الجزائرية المسلمة مرتدية عباءتها التقليدية (الغندورة) لتتصدى بصدرها لرصاص العدو. وتسقط شهيدة، فيما كانت أختها تعاني ألوان العذاب تحت سياط الجلادين. إنها صورة خالدة لم ترسمها ريشة رسام، ولم يحدد معالمها خيال شاعر، ذلك لأنها صورة واقعية ترتبط بتراث أصيل يضرب في جذوره عميقا إلى أعماق التاريخ الإسلامي في الجزائر. وإذا كانت المرأة الجزائرية - جاهلة للحضارة الغربية - فما أغناها عن معرفة تلك الحضارة التي لم تحمل إلى بلادها إلا الانحلال والتمزق والضعف. ولعلها لم تدرك ذلك في بداية الأمر بعقلها، غير أنها أدركته بقلبها المؤمن، فكان إيمانها هو مصدر معرفتها.
стр. 2491
٢ - المرأة الجزائرية (أصالة عميقة الجذور)
لم يكن وضع المرأة الجزائرية، قبل اندلاع الثورة التحريرية، إلا جزءا شديد التلاحم بالوضع العام الذي كانت عليه الجزائر في كل مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبوضع الإنسان الجزائري بصورة خاصة. ويفرض ذلك بالضرورة العودة إلى الوراء، عبر المسيرة التاريخية، لمعرفة مكانة المرأة الجزائرية في مجتمعها. ولما كان من المحال الإحاطة الشاملة بوضع المرأة التاريخي - دون إهمال أي جانب - نظرا لما تفرضه هذه المحاولة من خروج بالبحث عن هدفه، ونظرا لما يتطلبه ذلك من إسهاب يتطلب بحثا مستقلا - بحد ذاته - فقد يكون من المناسب تقديم صورة مختصرة لا تفقد على الرغم من إيجازها الأبعاد التكاملية، ولا يضيع فيها وضوح المعالم. ولا تغيب عنها عملية الربط بين الشكل والمضمون. ويمكن في هذا المجال العودة إلى نقطة زمنية معينة تعتبر البداية لما هو معروف من تاريخ الجزائر.
لقد تميز المجتمع الجزائري - قبل الإسلام - بكل خصائص المجتمعات القديمة ومميزاتها، وتوافرت لهذا المجتمع عوامل جيواستراتيجية واقتصادية وسياسية وثقافية أسهمت في تكوينه تكوينا
стр. 2492
منفتحا يضم كل المقومات الإنسانية. ولقد شهدت ذرى الأوراس، من عليائها، تفتح الحضارات التي تنساب على السفوح والسهول الساحلية، بداية من القرطاجيين ونهاية بالرومانيين - ثم البيزنطيين بعد انهيار روما على أيدي البرابرة الغربيين - ونجم عن هذا التفاعل بروز شخصية إنسان المغرب عامة وإنسان الجزائر منه خاصة، حيث تميزت هذه الشخصية بمرونة الإنسان البدائي وبساطته المدفوعة بالفطرة إلى التطور والتجديد والاندفاع. غير أن هذه الشخصية احتفظت أبدا باستقلاليتها، لقد كانت الجبال هي المعاقل الحقيقية التي لم تتمكن الحضارات القديمة من بلوغها، وبقيت السهول هي منطقة الاحتكاك وأداة الاتصال بين سكان البلاد الأصليين وبين موجات الحضارات المتصارعة على سفوح البحر.
في هذا المجتمع كانت المرأة تتمتع بالاحترام والتقدير، وتحظى بالرعاية، مسموعة الكلمة، قوية الشخصية، ولعل كل ذلك، هو الذي جعلها القاعدة القوية لخلية المجتمع الأساسية (الأسرة). في هذا المجتمع، الذي تهيمن عليه القوة والمثل العليا، وتبرز فيه قيمة الحرية وتعشقها، كانت المرأة تبعث الحياة، وتشارك في كل صغيرة وكبيرة. فكان ركوبها للخيل ومشاركتها في الزراعة والحرب أمرا طبيعيا مثل عنايتها بطفلها. ولتكون الصورة التي حفظها التاريخ لمكانة المرأة أكثر وضوحا، خلال تلك الحقبة التاريخية، يمكن تذكر (الكاهنة) التي تربعت على عرش الجزائر من دون الرجال. ويمكن اعتبار التعرض لسيرة من هذا النوع دليلا على ما كانت عليه المرأة الجزائرية القديمة من القدرة والكفاءة، وليس ذلك فحسب بل إنه دليل أيضا على ما كانت تحظى به المرأة من المكانة حتى أن مجتمعها القبلي ملكها عليه، وحكمها في الوطن
стр. 2493
والرقاب والأموال. ولم تكن لهذه المرأة القائدة ميزة الشجاعة والبطولة فحسب، بل كانت تعمل بفكرها الثاقب أيضا، وموقفها من الفتح الإسلامي خير دليل على ذلك، فقد تصدت الكاهنة لقوات المسلمين بحزم وشجاعة. واستطاعت إلحاق الهزيمة بهم إذ اعتبرتهم موجة من موجات الغزاة، ثم تعرفت على الإسلام والمسلمين من خلال (خالد بن يزيد) الذي تبنته وجعلته كواحد من أبنائها. وعندما عاد (الحسان بن النعمان) لاستئناف الفتح (سنة ٨١ للهجرة) وعرفت الكاهنة أنه لا قبل لها بمقاومة جحافل المسلمين، ولا قدرة لها على مقاومة التطور الذي يحمله الإسلام، دفعت بابنيها مع (خالد بن يزيد) للالتحاق بجيوش المسلمين. ورفضت الفرار، حتى لا تحمل عار الهزيمة، وخاضت المعركة في سفوح الأوراس وهي مقتنعة بخسارة المعركة مسبقا. ولقيت مصرعها (عند بئر الكاهنة) تاركة للمجتمع الإسلامي القدرة على النهوض والارتقاء، فكان مصرعها هو نقطة الالتقاء بين عالمي (الجاهلية والإسلام) فوق الثرى الجزائري. وكانت مقاومة الكاهنة شبيهة بمقاومة (هند بنت عتبة). غير أن الأولى لم تستطع التكيف مع المجتمع الجديد، في حين ارتضت الثانية لنفسها الإسلام دينا.
وقام المجتمع الاسلامي في المغرب العربي - الإسلامي وفي الأندلس، واحتفظت المرأة المسلمة (عربية وبربرية) بكل الفضائل التي تضمنها الإسلام، وأصبحت هي القاعدة الصلبة التي توحد ولا تفرق، تجمع ولا تبدد، في الأخوة لله ودينه، وانصهر هذا المجتمع تحت راية الجهاد في سبيل الله، وأصبحت قيم المجتمع وفضائله راسخة الجذور في المجتمع المتكامل. وكانت عملية الربط بين الدين الإسلامي وبين الجهاد في سبيله إرثا ثابتا تتناقله الأجيال عبر
стр. 2494
توجيه الأمهات وأحاديث الجدات.
وتحول المد إلى جزر، ووقعت الجزائر أول ضحية لهذا التحول وهنا عادت (المرأة الجزائرية) لممارسة دورها التاريخي اعتبارا من اللحظة التي اجتاحت فيها قوات الاستعمار (الجزائر المحروسة) يوم ٥ تموز - يوليو - ١٨٣٠. والأمثلة عن هذا الدور متوافرة بكثرة، لعل من أبرزها وأكثرها شهرة هي قصة إحدى بطلات الجزائر (لالافاطمة نسومر) التي قادت المجاهدين والمسلمين الجزائريين في ثورة عارمة (عام ١٨٥٧) ضد قادة الجيش الفرنسي - جنرالاته - فكانت مثالا رائعا لجهاد المرأة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. ولم يكن استشهادها هو مجرد إضافة لموكب الشهيدات المدافعات عن الدين والوطن، وإنما إعلاة وتأكيدا لمكانة المرأة المؤمنة القائدة في مجتمع المجاهدين.
ومع التركيز على ذكر المرأة في ميادين الجهاد، فإن الأمر الواضح هو أن هذه المرأة كانت عضوا فعالا في المجالات التعليمية (الثقافية) والاجتماعية والاقتصادية قبل الغزو الفرنسي الاستعماري وكانت لها مكانتها اللائقة بها في أسرتها ومجتمعها، وكانت تشارك في جميع الأعمال - الشاقة وغير الشاقة - مما تتطلبه حياة الريف. وكانت في المدينة أيضا تتبوأ مكان الصدارة في مجالات الثقافة والفكر والأدب، مما ساعدها على الإسهام في رفع المستوى الاجتماعي للوطن الجزائري لقد فرض الاستعمار الفرنسي شكله البغيض، وطبق مخططاته الجهنمية، على شعب الجزائر، الذي عاش فترة تاريخية مظلمة، وذلك لأنه لم يكن استعمارا ماديا (اقتصاديا) فحسب وإنما كان أيضا استعمارا معنويا (روحيا) واستعمارا استيطانيا، كاد أن يقضي على أصالة هذا
стр. 2495
الشعب ويزيل شخصيته العربية الإسلامية المميزة، والمتمثلة بدينه ولغته وتاريخه وتقاليده، التي تحتل الحرية فيها المرتبة الأولى.
لقد استعمل المستعمر ضد الجزائر والجزائريين مختلف أساليب الظلم والوحشية، وحاول تجريدهم من المقومات والمبادىء الوطنية، بتبديل علمهم، ومحاربة دينهم ولغتهم، وقلب نظام حياتهم الاجتماعية فقرا وحرمانا، وحضارتهم وتطورهم تخلفا وانحطاطا. ثم بعد أن تم له ذلك بدأ يوهمهم أنه الكريم صاحب الغاية الحضارية السامية. وصار يعطيهم جرعاته المسمومة باستمرار من فكره ولغته وتقاليده طمعا في الوصول إلى عملية (فرنسة عامة) فهل تم له ذلك بالنسبة للمجتمع عامة وللمرأة بصفة خاصة؟
إنه بالنسبة للمجتمع لم يقدر إلا على تشويه السطح والمظهر، أما المضمون والروح فبقيت نقية أصيلة، وكان يوم ثورته أهم عوامل انتصاره.
وأما المرأة، فنجدها رغم جهلها، وحالة التخلف والجمود التي تجرعت منها أكثر من أخيها الرجل، بسبب وضعها داخل البيت، ينقسم كفاحها ضد عمليات القمع والتشويه الاستعماري إلى نوعين اثنين:
أولهما: كفاح ظاهر ومباشر، ويتميز في المظاهرات والتنظيمات والنشاطات الحزبية والإصلاحية.
وثانيهما: كفاح ضمني وغير مباشر، وهو ذلك الموقف الإيجابي الذي وقفته كمسؤولة عن مقومات الأسرة وعاداتها وتقاليدها الروحية والحضارية. وبالتالي موقفها إزاء مقومات وخصائص المجتمع عامة، حيث أشاحت بوجهها عن كل ما هو أجنبي واستعماري بما في ذلك الثقافة والتعليم، متفطنة لدور الإغراء
стр. 2496
والإثارة الذي يمثله المستعمر معها قصد كسب ثقتها، لأنها على رأس خلايا المجتمع. ولقد رأى أنه لا طريق أحسن وأضمن للوصول إلى تدمير شخصية هذا الشعب وأصالته وفضائله إلا بالاستيلاء على عقل المرأة، حتى تكون بعد ذلك أداة لتحويل الأسرة وبالتالي المجتمع عن هذه الأصالة. ولقد تعمدت - أكثر - التمسك (بالحجاب) واستماتت أكثر في التمسك - بالعادات والتقايد حتى لا تترك للمستعمر ثغرة ينفذ منها لمحاربة شخصيتها.
هذه لمحة تاريخية وجيزة عن دور (المرأة الجزائرية) عبر التاريخ، والتي برهنت عن وعيها ووطنيتها واسماتتها من أجل الحفاظ على الوطن وقيمه وشخصيته. وما المرأة المجاهدة إلا امتداد طبيعى لتلك المرأة الجزائرية التي ما بخلت يوما أو تأخرت عن العطاء والتضحية.
...
لقد كانت الحرية أبدا هي الشيء الذي لا بديل له لتقدم العقل وتطور الروح. وقد كان غياب الحرية باستمرار هو أداة تجميد العقل وإصابة الروح بالشلل. وبرهنت التجربة التاريخية عامة، وتجربة التاريخ العربي - الإسلامي منها خاصة بأن أي تقدم للبشرية، وأي تطور للانسانية مرهونان بالحرية والعدالة. والحرية شيء لا بديل له، لأنه ليس كالأشياء الأخرى التي تكتب بالبيع والشراء، وإنما هي شيء لا يمكن تحقيقه إلا ببذل الأرواح والدماء رخيصة في سبيله، شيء لا يمكن شراؤه ولا بيعه ولا التفاوض على كسبه. وهنا يمكن القول بأنه ليس من قبيل المصادفة أن ترتبط الدعوة إلى تحرير الوطن بالدعوة إلى تحرير المرأة. وقد كان ذلك هو هدف جهاد المتعلمين والمفكرين والمصلحين - بل إن الرواد الأوائل الذين
стр. 2497
تصدوا للدفاع عن المرأة كان معظمهم من المدركين بثاقب فكرهم مدى الحاجة إلى تحرير المرأة كضرورة اجتماعية وحضارية من أجل اللحاق بالمجتمعات الإنسانية المتقدمة. وهكذا، فعند اندلاع الثورة التحريرية، كان المناخ الاجتماعي الذي تعيشه المرأة متشبعا بالاستعداد للتفاعل والحركة والعطاء. مثلها كمثل الجماهير الجزائرية بصورة عامة. لتعيش أخصب الفترات في تاريخ الجزائر الحديث. ووجدت لها المتنفس في غرة نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٥٤.
إن عدد النساء في كل بلد يقدر بنصف سكانه على الأقل، وبقاؤهن في الجهل والسلبية والتواكل يعد حرمانا من الانتفاع بأعمال نصف المجتمع، ويكون سببا في فشل عمل الرجل ذاته بنسبة كبيرة.
بهذا المفهوم المنطقي للثورة استقبل مناضل ومجاهد ثورة الفاتح من نوفمبر (تشرين الأول) ١٩٥٤، أخته وأمه وابنته، ملقيا عليها أعباء كثيرة من مسؤوليات الصراع المسلح. وكانت عند حسن الظن بها وقد اشتركت جندية وممرضة ومسؤولة عن التموين والسلاح. ومسؤولة عن الاتصالات السرية في جميع جبال الولايات الست، زيادة على دورها المعروف في المدينة كفدائية ومسبلة وكان ما كان ... مما يقابل الكفاح والفداء من معاملات استعمارية ضد كل الثوار. فعذبت المرأة أشنع أنواع التعذيب. ولفظت روحا سعيدة مع أنفاسها، لأنها لم تعترف على مواقع إخوانها. واستعملت معها أبشع وأقذر أشكال الإهانة لإنسانيتها وطبيعتها، وعوملت بوحشية وعذبت بالسجون والمعتقلات وحكم عليها بالإعدام. ورغم ذلك بقيت صامدة حتى النصر.
стр. 2498
البيعة الشعبية (الفواطم) تحمي الثورة وترفع رايتها
стр. 2499
وقد كانت (صحوة الموت) بالنسبة للاستعمار الفرنسي في الجزائر هي ثورة المستوطنين في ١٣ - أيار - مايو - ١٩٦١.وإسقاط الجمهورية الرابعة في فرنسا واستيلاء ديغول على الحكم. يومها، فتش الاستعمار في دفاتره القديمة عن كل سلاح يحاول تجربته لأخر مرة. ومن بينها سلاح (السفور) و (تحرير المرأة).
وعقد (سرستيل) اجتماعات أطلق عليها صفة (شعبية) حشد الناس فيها بالقوة، وخطب داعيا إلى (تحرير المرأة الجزائرية). وتحت ضغط السلاح، أكرهت بعض النساء على خلع الحجاب وإحراقه، في حركة مسرحية، أمام الجماهير بعد انتهاء الخطب في ساحة أفريقيا بالعاصمة (الغروم سابقا). وكان هذا الحادث كله كأنه الإشارة السرية، ففي اليوم التالي لم تظهر امرأة جزائرية واحدة في الطريق سافرة، حتى اللواتي كن قد أسفرن عن وجوههن قبل الحادث عدن إلى الحجاب. كانت مظاهرة تقول للمستعمر أن الجزائرية لا تخلع حجابها بدعوة من المستعمر، ولكنها تخلعه في ساحة القتال، لترتدي ثياب الجهاد والاستشهاد.
لقد توافرت مجموعة لا نهاية لها من الشواهد التي تبرز دور المرأة أثناء الحرب، وما تميزت به من الإقدام وروح التضحية. فوقفت نساء المدن وهن يتحدين قوة العدو التي كانت تواجههن وكن يزحفن للقاء الموت من أجل الكرامة. ولا زالت ذكريات المرأة الريفية نابضة بالحياة وهي تحتمل كل الصعوبات، وتعاني من كل ويلات الاستعمار. وتضحي بنفسها وأولادها وزوجها لمساعدة المجاهدين. وكم من مرة رأت كوخها وهو يحترق أمام عينيها. أو أطفالها يقتلون، أو زوجها وهو يحفر قبره بيده. ورأينا المرأة الجزائرية في الجبال وهي تحمل السلاح أو تعمل كممرضة أو
стр. 2500
طبيبة، وهي تنتقل من دشرة إلى أخرى. وخاضت المرأة المعركة بجميع جوانبها، بكل حزم، مثلها كمثل الرجل، يدا بيد.
وصمدت لكل أهوال الحرب حتى ساعة النصر. وبرهنت بذلك أنها عضو كفء لتحمل أصعب المسؤوليات، وتنفيذ أخطر أعمال الفدائيين وسجل لها التاريخ ذلك بأحرف لا تنسى على مدى الأيام. وأصبحت قدوة يقتدى بها، ومثالا تحتذي به كل نساء الشعوب الباحثة على الكرامة والحرية (١).
стр. 2501
٣ - لوحة شعبية للمجاهدة الجزائرية
(يا نساء ولولوا ... نحي علينا الغمة!)
ويرتفع صوت امرأة ثانية، يغلفه الانفعال ذاته، فيجب بلهجة نصف آمرة، ونصف متوسلة:
(لا، لا! الدياب يهجموا علينا) الذئاب ستهجم علينا لتأكلنا، لتطردنا من المحكمة!!
يا للحوار العجيب!
كان ذلك يوم ١٢ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩. حيث كانت المحكمة العسكرية تعقد جلساتها بشكل استثنائي في قصر العدل في مدينة الجزائر لمحاكمة (الاتحاد العام للعمال الجزائريين). وكان الجو هو الآخر غريبا. الجمهور واقف، كثير العدد، ومعظمه من الجزائريات المحجبات. إن الصورة التي أعطيت عن زمن السلم تذكر بقصيدة الشاعر الفاسي الذي غنى (الجمعة، يوم خروج الريم) الغزلان البيضاء التي تشاهد أيضا في مدينة الجزائر حول الحمامات وقبو القطار، وضريح سيدي ابراهيم - قرب الأميرالية - أو حول جامع سيدي محمد في (البلكور). لكن الصور الخيالية تتلاشى عندما يتجه النظر تحت تأثير قرقعة السلاح، إلى جموع
стр. 2502
الجنود والشرطة، اللابسين ثيابا مدنية، يحاصرون جمهور المحكمة النسائي. إنه لمن الأقرب إلى المعقول والواقع أن يتذكر المرء اللوحة الشهيرة التي رسمها مواطننا (الحاج إتيان ديني - الرسام والكاتب) وجد فيها رؤياه السياسية والجمالية لسكان الجزائر الأصليين، فقد صور جزائريا مقيدا يمشي بين فارسين من فرسان الجيش الاستعماري، على طريق النفي إلى سجن في الصحراء.
إنها لوحة حية للجزائر المجاهدة، فالنسوة المجتمعات تراهن حول السجون، وحول الثكنات، وحول مراكز التعذيب وحول معسكرات الاعتقال والمحاكم العسكرية، لذلك كن مرهفات الحساسية إزاء التكريم العلني الذي أداه لهن الجميع. فقد عمدت
(جبهة التحرير) وهي في قفص الاتهام، إلى تمجيد وطنية الجزائريات اللواتي أعطين الثورة - قلبهن وروحهن - مجاهدات وفدائيات، مجندات ومقاتلات.
ذلك هو المنبر التقليدي - الكلاسيكي - للثوريين. إن الاستجواب يستحيل مديحا هجوميا للثورة التي لا تقهر. ولقد لجأت جبهة التحرير إلى استخدام جميع الوسائل لبلوغ غايتها، وهي استقلال الجزائر.
...
مارس الفدائيون في المدن دور قوة مغناطيسية، بصورة طبيعية تماما، وكللتهم نساء بالمجد الصوفي، وهو ذات المجد الذي يكلل هامات المجاهدين المرتدين لثياب الجنود النظامية. إن المحبة الجماعية، الدينية والوطنية، للمجاهد، تتحد بنوع آخر من التقدير، هو الإعجاب بوجه المحرر الذي ضرب في كل يوم موعدا له مع الموت. وتجذرت هذه المشاعر في أعماق قلوب الشعب، وكان
стр. 2503
خطوات ثابتة - في موقف يثير الهلع وسط الاستعماريين
стр. 2504
التعبير عنها لدى هذا الشعب هو في التضامن العملي مع الأبطال. لقد كان الولاء والشجاعة ونكران الذات من الصفات النادرة جدا في ظهورها سنة ١٩٥٤، فأصبحت ابتداء من سنة ١٩٥٦، وعند ولادة فرق الجهاد في المدن عملة رائجة، كثيرة التداول. وللمسلمات حساسية خاصة تجاه القدر الذي رسمته السماء للمحارب الذي جعل منه الإسلام بطلا مثالتيا غير خاضع لعوامل الضعف البشري. وهن يؤوين منقذي الوطن المدنس، ويوفرن لهم الطعام ويخدمنهم، ويعالجن الجرحى، ويخبئن الهاربين والمطاردين - وأصبحت النساء المسلمات بطريقة عفوية، مساعدات ورديفات للفرق المسلحة، يؤمن الاتصال العاجل، بل ينقلن حتى السلاح أو الذخيرة. وهن يعتنين بأيتام الأمة الجريحة، وأبناء الشهداء، الشهداء الناصعي الجبين والقلب، والذين يمكن دفنهم بثيابهم.
فهم - وفقا لما سنه الشرع - في غنى عن مراسم دفن الموتى - التقليدية، ولا حاجة لتكفينهم بالأكفان البيضاء الناصعة.
وهكذا فإن إرهاب المدن لم يتدخل بشكل كيفي في عملية تطوير المقاومة الإجماعية للشعب، وإنما هو انطلق من قلب الجماعة، ووفق التأييد الجماعي، حيث الظروف الموروثة مباشرة من المجتمع الإسلامي، تتيح المجال أمام المساعدة المتبادلة. ويمكن إيضاح هذه العلاقة الجدلية المتبادلة من خلال مثلين عكسيين:
في الحالة الاولى: يظهر إرهاب المدن وهو يمارس دور الوازن السياسي للقوى الشعبية.
في حزيران - يونيو - ١٩٥٦، حدثت الاعتداءات الأولى على الأوروبيين، وكانت أعمالا انتقامية مشروعة. فلقد كانت جبهة
стр. 2505
التحرير الجزائرية قد أعلنت في بياناتها أنها ستثأر للمجاهدين (زيانان) و (فراج) جنديي جيش التحرير اللذين وقعا في الأسر وهما في ثيابهما العسكرية، وأعدما بالمقصطة، خلافا للأعراف الدولية في ما يتعلق بأسرى الحرب.
وفي تموز - يوليو - ١٩٥٦، حدث أول اعتداء غاشم! جريمة رهيبة! أول قنبلة استعمارية! فقد وضعت ليلا في شارع (طيبة) ولما انفجرت دمرت بضعة منازل عربية وذهب ضحيتها (٥٣) شخصا وسقط مئات من الجرحى. وثارت ثائرة (حي القصبة) وعم السخط ورغبة الانتقام كل السكان. ولم يهدىء هؤلاء غير التدخل المباشر، التدخل الجسدي والسياسي للفدائيين والفدائيات. وجاء كاتب فرنسي ليعالج الموهف: (حيال اللامبالاة العامة - ظاهريا - في موقف الرأي العام الفرنسي، والسلطات العامة الفرنسية، نجد أن المسلمين في اضطراب شديد: لقد دب فيهم الشعور بأنهم أسلموا، دون حماية ولا سلاح ولا عون شرعي من أي نوع كان، إلى الجريمة بكل معنى الكلمة، إلى التقتيل، وعندما انفجرت بدورها، بعد ذلك بشهرين، القنابل الأولى لجيش التحرير الوطني الجزائري، استقبلت بالترحاب الحار في أوساط أكثر فأكثر أهمية بين أوساط الرأي العام عندهم، ولا غرابة بعد هذا أن يظهر واضعو القنابل بمظهر - حماة الشعب - و - الأبطال الوطنيين (١) -).
لا شك مطلقا في أن ذلك الاتصال الحميم مع الجماهير، أو بالأحرى تلك الحياة داخل الشعب هي التي جعلت جبهة التحرير
стр. 2506
الوطني قادرة على تجنب الموجة الحيوانية التي أطلقتها منظمة الجيش السري الفرنسي. ولقد عمل إرهاب المدن، إرهابنا المحرر، كصمام الأمان. وأتاح للمواطنين الذين أرهقهم الصراع غير المتكافىء، وأثارهم الظلم الفرنسي الذي استمر يمارس ضغطه على الأفريقيين دون الأوروبيين، أن يفجروا كبتهم، وأن يحتفظوا برباطة جأشهم، وأن يتقيدوا بالانضباط الثوري. أجل! لقد تصرفت (فرق الموت) في كل من (الجزائر ووهران وقسنطينة وتيزي أوزو وسطيف الخ ...) تصرف القوى السياسية حتى تحول دون وقوع مجازر طائفية. واعترفت بذلك صحيفة فرنسية، ولو أن الاعتراف بهذه المأثرة قد تأخر كثيرا، حيث ذكرت ما يلي:
(لا ريب في أن الانضباط الصارم الذي تتحلى به جبهة التحرير الوطني هو الذي كبح جماح المسلمين عن القيام بعملية انتقام من الأوروبيين. حيث كان تأثير الجبهة أقوى بكثير من عامل الخوف من الجيش الفرنسي (١)).
نصل الآن إلى الحالة المعاكسة، وهي أن القوى الشعبية بالمقابل، تؤمن إيمانا مطلقا بالقوة غير المحدودة لإرهاب المدن.
وإذا كان واضعو القنابل يظهرون بمظهر (حماة الشعب) فإن الطاقة البشرية ستكون، بالتالي، دائمة التفجر، ولن تنضب. إنه (الاختيار) الذي يلغي الذريعة السخيفة التي يتذرع بها العقداء السافلين - الكولونيلات - وهم يحاولون تفسير التجدد الدائم للباحثين عن الخطر والعذاب والاستشهاد، بأنه نتيجة الإكراه لا الاندفاع. إن تجميع الفدائيات يتم وفقا لاختيارهن المطلق الحرية. ويمكن في
стр. 2507
هذا المجال ذكر أسماء الفتيات (ملقيات أو قاذفات القنابل) اللواتي نجون من الموت، واللواتي رفضن العودة إلى العمل حيث فقدن القدرة على المجازفة بحياتهن من جديد، أو القيام بتنفيذ الواجبات بما يتطلبه تنفيذها من الشجاعة إنه مثل بين الأمثلة عن المشاركة النسائية في انطلاقة الثورة العملاقة. وفوج المجاهدات من بنات المدينة هو على صورة الإجماع الشعبي كله. وبالإضافة إلى تنوع أصولهن أو طوائفهن، هناك التنوع الإجماعي (فبين المجاهدات الفتاة والأم) أو المهني (طالبات حقوق أو طب، موظفات، عاملات في المنازل، خادمات أو ممرضات طالبات، معلمات بالفرنسية أو بالعربية، عالمة، مذيعة وممثلة، مولدة، طبيبة ..) هذه ثروة ساحرة من إنكار الذات على الصعيدين الشخصي والعام. إن الجزائريات، كل الجزائريات، قد انتزعن حقهن بالمواطنة الكاملة غير المنقوصة. وسيكملن ذكرى الشهيدات الخالدة ذكرى الشقيقات الشهيدات في قلب المعركة التحريرية. وهذه بعض الأسماء في قائمة طويلة ومقدسة.
زاهية، سقطت شهيدة وسلاحها في يدها إلى جانب رامل. حسيبة بن بوعلي، دفنت حية مع علي لا بوانت (عمر علي) ومحمود، ١٧ سنة، وعمر ١٣ سنة.
ورويدة مداد، ألقيت من الطابق الثاني من مركز التعذيب في مدرسة ساروي.
بهية، بترت ذراعاها، وأحرقت ساقاها بلهيب الغاز المذيب للمعادن.
стр. 2508
أما الناجيات من الموت، اللواتي سبق أن أصدرت المحاكم العسكرية الاستعمارية أحكاما بإعدامهن، فقد كن يعرفن كيف يؤثرن فينا، كأن يروين لنا، بمنتهى التواضع، قصص نشاطهن المحفوف بالمخاطر. إننا سنعود - في الفصل الثاني - لنكتشف مرة أخرى في أدب المقاومة شهاداتهن المباشرة حيث الكلمات العادية، البسيطة، تتحول في روايات (سجن فرين) وسواه من المعتقلات الى قصائد شعرية تعجز عن بلوغها كلمات الشعراء، وتصوراتهم المبدعة المجنحة.
لقد كان إرهاب المدن هو الخميرة المولدة للبطولة الثورية التي تفتحت على تحولات اجتماعية مذهلة.
...
يختلف الواقع النفسي - السياسي اختلافا تاما عن الفكرة التي يكونها عنها (الشيوعي الفرنسي) أو (الجزائري المهاجر المتفرنس) حين يتحدث عن جزائر يجهلها.
لقد نصبت الثورة نفسها، بمراقبة جبهة التحرير الوطني، مدافعة عن ذاتها، لتنقذ كرامة المجموع وكرامة الفرد. وكل جزائري، وكل جزائرية، واعيان إلى ضرورة التنكب عن العفونة للوصول إلى التقدم والنهضة. ليس صحيحا أن الفعالتية هي بالضرورة غير صافية. إن السلوك الجماعي والفردي للمجاهدين يثبت على الضد، أن الصفاء هو الفعال. وكيف يمكن الشك في هذه الحقيقة عندما لا تكون أعمال الفداء والجهاد والقتال المسلح امتيازا خاصا بالرجال؟
стр. 2509
النساء حاضرات في كل مكان من الثورة الوطنية. لحسن الحظ! ذلك أنه إذا ما أريد تقدير المقاومة الإنسانية الخارقة حق قدرها. فإنه لا بد من التذكر أبدا تلك المخططات الرهيبة التي وضعها (لاكوست) و (غي موليه). والتي أشارت إليها كاتبة فرنسية - بموضوعية ووضوح في صحيفة شيوعية:
(الخلاصة: تلقى الجيش الفرنسي أمرا في أيلول - سبتمبر - من العام ١٩٥٦ يقضي بإبادة العناصر القيادية السياسية - العسكرية للثورة - العصيان - وبكل الوسائل. والترجمة العملية لمضمون العناصر السياسية - العسكرية المقصودة، هو جميع شخصيات المدن وصفوتها ونخبتها، وجميع الشباب المتعلم (١)). ودعمت الصحيفة الشيوعية المشار إليها وجهة نظرها على (جريمة الحرب). وأبرزت الاستنتاجات الخاطئة التي استخلصها الضباط الفرنسيون أثناء إبادتهم للمواطنين الرجال إبادة منهجية منتظمة. حيث أخذ هؤلاء الضباط ينبشون شعرهم - كعادتهم - كلما باغتتهم المفاجآت غير السارة، وكان نوع المباغتة في هذه المرة جديدا عليهم. وهو كما ورد في المصدر الفرنسي: (من الممكن أن يكون هؤلاء المحاربين نساء. ففي يوم ٨ أيار - مايو - ١٩٦٠ - نشبت معركة ضارية في - ميديا (٢) - وكان عدد من النساء المسلمات يقاتلن جنبا إلى جنب مع فرقة من فرق جيش التحرير الوطني الجزائري (٣)).
стр. 2510
وهذا مثل آخر غير معروف. عثر الجيش الفرنسي على وثيقة نادرة في حقيبة أحد المحافظين السياسيين (الموجهين) الذي وقع شهيدا في أحد الكمائن التي نصبها الجيش الفرنسي لرجال المقاومة في (تابلات) وكانت هذه الوثيقة النادرة تتضمن خطة العمل السياسي العسكري المتعلقة بمنطقة الجزائر العاصمة حيث أعلنت وفاة (جبهة التحرير الوطني - في العاصمة) مرات عديدة، ثم لا تلبث أن تبعث من مرقدها. ولكن ما أثار فضول ضباط (الحرب النفسية) هو أن الوثيقة كانت مكتوبة بخط امرأة. وهذا لمما يدعو إلى العجب مرتين، فحتى الآن لم يعط جيش التحرير الوطني دليلا بمثل هذا الوضوح على قبوله الجناح النسائي بين صفوفه. إنه يقبل المعونة النسائية كقوة دعم إضافية، ثانوية، ولبثت هذه - الترقية أو الترفيع للمرأة - تشغل بال (العارفين العالمين) بشؤون (النفسية البربرية - الإسلامي). ثم من تكون هذه المرأة. أتكون - فاطمة ما - رئيسة للشبكة؟.
تم اعتقال (الزعماء الإرهابيين) دون سواهم - في الليل - وسط تحركات للقوى العسكرية نظمت بدقة ونفذت بمهارة. وأخضعت الموقوفة للتعذيب طوال اثنين وعشرين يوما. لكن المرأة لم تغير حرفا واحدا مما قالته في البداية. إنها لم تحاول أبدا أن تمثل دور (جان دارك) بحسب تعبير أحد الجلادين الذين عذبوها. ولم تكن سوى ضابطة ارتباط. ولم يجدوا في بيتها قطعة سلاح أو قنبلة أو منشورا أو شيئا من ملفات - أرشيف - جبهة التحرير الوطني. أما فيما يتعلق بخطة العمل التي عثر عليها في الجبل، فإن دورها فيها كان مقتصرا على (إعادة نسخ) نص تم إتلافه فيما بعد لتضييع كل أثر من آثار واضعه. واعترفت بأنها سبق لها أن أمضت في السجن عاما كاملا.
стр. 2511
لكن ألم تعلن المحكمة العسكرية الفرنسية براءتها؟ إنها أم لأربعة أولاد، تعمل خياطة، درست المرحلة الابتدائية ولكنها لم تحصل على الشهادة الابتدائية (السرتفيكا).
ووقع ضباط (الحرب النفسية) الفرنسيين ضحية تخيلاتهم المريضة وافتراضاتهم الخاطئة. إنه لم يكن باستطاعتهم تصور ارتقاء المقاومة الجزائرية وارتفاعها إلى مرتبة سامية. إذ كان مثل هذا الارتقاء في اعتبارهم هو امتياز لحضارة متفوقة: كالمقاومة الفرنسية هي عهد إحتلال النازية لفرسا، أو مثل المقاومة الصينية أو حتى الفييتنامية؟ وأخذوا يعيبون على أنفسهم أنهم اعتقدوا إلى حين بأنه من المحال على مسلمة مغربية، حتى لو كانت تمتلك ثقافة جامعية، أن تبرهن على قوة عقلية تجمع إلى إرهاب المدن النشاط النقابي المنظم، كنجدة عائلات المعتقلين الذين عاقبوا جنديا حاول تلطيخ ذكرى المجاهد الشهيد (عيسات ايدير) النقابي الذي مات ضحية الغدر. وكتأليف جميعة لتظاهرات النسوة مطالبات بحماية الفتيات ضد وقاحة الأرزال والزعران - من الفرنسيين ..
كان ذلك في كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٩. وإن قبول امرأة في مركز مسؤول، تحتل فيه المبادرة محل المشورة، إنما هو اختيار أكثر مما هو رمز. إنه برهان على النضج الاجتماعي، وتهديم لأسطورة - تخلف - الجنس الضعيف. وإعلان عن مدى مشاركة الجزائريات في إرهاب المدن والأعمال الجماعية.
حدث في كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠. حادث (عجائبي) باغت الأعداء والانهزاميين الذين كانوا قد اعتقدوا بنصر المظليين نصرا نهائيا إبان معركة الجزائر العاصمة. حتى أن بعض العقول الكبيرة كانت قد بدأت اعتقادها بفشل إضراب الثمانية الأيام، فيما
стр. 2512
كان نجاح ذلك الإضراب العام يبلغ غايته: وهي إظهار جبهة التحرير الوطني أمام الامم المتحدة بأنها الممثلة الحقيقية والوحيدة للشعب الجزائري (١).
وظلت روح الثورة الجزائرية تشع بالأمل، على الرغم من الوحشية الرهيبة الفظيعة. وظهرت حيويتها المتجددة أبدا، في الشوارع تحت أشكال مراكب وطنية تلوح فيها النساء بعشرات الأعلام الخضراء والبيضاء ...
هذا الانبعاث الذي تم لجبهة التحرير الوطني بفضل التعبئة الشعبية، ولم يتردد ضباط (الحرب النفسية) بإصدار بيانات تزعم أن سبب بروز هذه الظاهرة هو دعم الحزب الشيوعي الجزائري للثورة. بالرغم من معرفة هؤلاء الضباط لما كان يقدمه الشيوعيون من مقاومة للثورة. وكان الضباط في حاجة (لمشجب) يعلقون عليه أسباب فشلهم، على أن يكون لهذا المشجب هيبة دولية، حتى يعطوا فشلهم طابعا بطوليا، فلم يجدوا غير مشجب الشيوعية الذي يعطي العمل الثوري طابعه الدولي (٢).
стр. 2513
٤ - زغاريد النساء (اليويو)
نحن بنات تبع وحمير ... وضربنا في القوم ليس ينكر
لأننا في الحرب نار تسعر ... اليوم تسقون العذاب الأكبر
ذلك هو نموذج من رجز الحرب، أطلقته المجاهدات في سبيل الله يوم فتح الشام. وكانت خولة بنت الأزور، وعفرة بنت غفار، وأم إبان بنت عتبة، وسلمة بنت النعمان تتقدمن جموع النساء وهن تحملن أعمدة الخيام لقتال الروم. وتشتد المعركة في اليرموك، وتقف مجموعة من النساء خلف المجاهدين، وهن تستثرن الحماسة بما ترتجزنه من الشعر، وما تطلقنه من الزغاريد:
أين أين عز الإسلام والأمهات والأزواج.
قبح الله رجلا يفر عن حيلته، وقبح الله رجلا يفر عن كريمته.
والله لستم بعولتنا إن لم تمنعونا.
يا هاربا عن نسوة ثنيات ... فعن قليل ما ترى سبات
ويبقى الرجز، وتبقى صيحات النسوة، من الظواهر المميزة لحروب الإسلام والمسلمين، حيث وقفت المرأة إلى جانب الرجل، تشاركه أمجاد انتصاراته وتشاطره مرارة هزائمه وانتكاساته ويغمض التاريخ عينه في إغفاءة، ليستيقظ على رؤية الصورة ذاتها،
стр. 2514
ولكن مع بعض التطور. لقد بقيت المرأة الجزائرية صامدة صابرة على البلاء، مقتدية بسيرة خولة وهند وسلمة في الحروب والمعارك، غير أن طبيعة المعركة تغيرت وأسلوبها تبدل وسلاحها تطور. وكذلك تطور (أسلوب الرجز في الحرب). فحلت الزغاريد - اليويو - وكان الرجز التقليدي. وكانت هذه الزغاريد - سلاحا حير الاستعماريين وأرهب جنودهم. ولم تفت صحيفة (لوموند الفرنسية) الإشارة إلى غيظ جند الاستعمار وعجزهم أمام صرخات (اليويو) الداوية تطلقها (فاطمات هستيريات).
إنها لظاهرة مذهلة! كيف يمكن للتغريد الشعبي - الفولكلوري - في حناجر المسلمات الجزائريات أن يحطم أعصاب المرتزقة محترفي القتل، ويشعل نار الغضب وكراهية المرأة في قلوب الضباط المتخرجين من كلية الحرب (سان سير)؟.
كانت (اليويو) قبل الثورة صيحة فرح تطلقها المغربيات المسلمات في الحفلات التقليدية: في الخطبة والعرس والولادة والختان والعودة من الحج، الخ ... ثم صارت الهتافات المعبرة عن الفرح نادرة في سنة ١٩٥٥. ثم اختفت نهائيا من الحياة الاجتماعية الجزائرية باختفاء كل مظهر من مظاهر المرح واللهو اختفاء عفويا، تلقائيا، ابتداء من الغناء ومرورا بالرقص الشعبي ونهاية بالموسيقى وعزف الناي وقرع الطبول. ولم يكن ذلك بوحي من (سوق عكاظ جبهة التحرير الوطني). إن ما أوحى بالرقابة الذاتية هي الحشمة وحدها. هذا الشعور بالحياء الذي يمتزج في الإنسان بخوفه من احتقار نفسه إذا هو أظهر فرحه الأناني، والتعبير الصامت عن التحسس العميق بأحزان الأمة. لقد ابتلعت المآسي والأحزان كافة ظواهر الفرح.
стр. 2515
إنه لتحول عجيب! إن عودة (اليويو) بذلك الشكل المباغت هي في حد ذاتها لعز غامض يثير التساؤل والدهشة لا سيما وأن هذه العودة ترافقت مع تصعيد الحرب الرهيبة. وهذه هي (الولولة) القديمة البريئة والهزيلة، والتي لم تكن تتجاوز حدود المنازل، قد تحولت بغتة إلى (صيحة حرب) تطلقها جوقة من النساء، جوقة لا يحصى عدد أفرادها، جوقة خفية، مثل زئير الهزة الأرضية، أو تفجر البركان من أعماق المدينة كلها.
إن (المثقفين الفرنسيين) بارعون ملاعين، لديهم خبرات كثيرة في شؤون العالم. فقد تعلموا جميع أنواع حيل الحرب في صراعهم مع شعب الهند الصينية (فييتنام). وكثيرا ما كان الفلاح الفييتنامي أو المرأة الفييتنامية يضللانهم ويحيرانهم. فكيف يتحسبون لما قد تبتكره (الفواطم المسلمات) من أساليب للعمل محض جزائرية، جديدة في مفهومها، جديدة في تطبيقها، جديدة حتى في بساطتها وديناميكيتها وفعاليتها؟ ... كيف يفسرون هذه القدرة (ولولة النساء أو زغاريدهن) على مسح عقدة الخوف، وإطلاق المجال لآلاف الثوار (الفلاقة) للعمل في (المدن المقموعة - المكبوتة). والتصدي لوسائل الفاشيين المرعبة، وإيقاف تظاهرات الاستعماريين؟
لقد أصبحت صيحات (اليويو) مصدر وحي للشعراء الناشئين في جزائر الثورة، إذ وجدوا فيها تعبيرا عن عبقرية الشعب الخلاقة المبدعة المجددة، فهل يمكن وضع تحديد أو تعريف لهذه الولاويل أو الزغاريد الوطنية؟
إنها المد المعروف، المألوف، لحرف واحد على أنغام عديدة يؤديه شخص واحد، ثم يشاركه عدة أشخاص ثم يتسع المد ويكبر
стр. 2516
شيئا فشيئا ودون توفف. فكلما توقف أو انتهى فريق من إرسال النداء، تولى فريق آخر المهمة عنه ويرتدي (اليويو) مسحة من الرتابة، غير أنها رتابة زائفة، وغير حقيقة، فالصوت يتبدل بتبدل قوة الاصوات المختلفة وكثافتها وتنوعها. كما يحدث في جوقة مؤلفة من عشرين ألف مغنية. إنها فرقة (كورال) لا مثيل لها في العالم تنشد (اليويو) بطريقة مثيرة للأعصاب بقدر ما هي مؤثرة في النفس، تصل قوية فتهز أعماق الوجدان، وتخاطب العقل فتصفعه وتفقده الشعور والإحساس. و (اليويو) تحمل معان مختلفة، فهي في وقت واحد (صفارات الإنذار) و (أنين التأوهات الساحرة) و (زئير الغضب) و (تلاوة مقدسة) , ولقد مارست (اليويو) المعادية للاستعمار تأثيرا لا يقاوم. وكانت قادرة باستمرار على التقمص في البطولة الجماعية وقد أعجزت (اليويو) حتى خبراء (السكان الأصليين) عن فهمها. ووقف الرجعيون والصوفيون السياسيون في حيرة من تفسيرها: أهي نوع من الوباء؟ أم هي نوع من الذهول المعدي؟ أم هي نوبة من نوبات جمهور هادر؟ أم هي مس من فعل الشيطان؟ ... على أنه ليس ما هو أقرب من (اليويو) إلى العقل. وليس أكثر منها وعيا وهدوءا كوسيلة جديدة وفذة من وسائل العمل الجماعي. وتعبئة مجموع سكان (قصبة) ما، أو مدينة ما، و (اليويو) أيضا صرخات مشحونة بالمعاني المحددة المتنوعة بحسب الظروف. فقد تكون (كزقزقة العصافير) في الليل، إشارة إنذار تعلن قدوم دوريات الأعداء، أو (صرخة تحذير) من أجل تجنب خطر كمين أو تهديد صادر عن (منظمة الجيش السرية - الإفرنسية). وهي أيضا (نداء للمساعدة) أو (استنفار للمقاومة) ضد الاعتقالات. وهي فوق ذلك
стр. 2517
كله (تقدير إجماعي لبطولة جيش التحرير الوطني ومآثر رجاله).
وحين يتظاهر الوطنيون فاتحين صدورهم لنار المظليين الوحشية وقنابل المتطرفين الجبناء المختبئين وراء الشرفات والمتاريس.
كانت (اليويو) تتصاعد من الجزائريات وهن على سطوح منازلهن أو في نوافذ غرفهن أو حتى وهن سائرات في الطرقات، فتكون صرخات تشجيع في بداية الأمر، ثم تتلاحق من غير توقف ولا انقطاع لتتحول في النهاية إلى نوع من الصلاة على الشهداء، تمجيدا لتضحية فتيان العشيرة الذين مضوا للقاء ربهم وقد نالوا (خير الحسنيين).
كانت هذه (اليويو) أقوى من الرصاص الذي عجز عن إسكاتها، فكانت تخترق آذان قاتلي الأطفال والنساء مجرمي الحروب الاستعمارية، فترهقهم وتعذبهم وتبقى كابوسا يطاردهم حتى في أوكارهم ومعسكراتهم. وكان (يويو) النصر بالنسبة لهؤلاء الذين (أكلوا خبز المساوىء) هو الرعب المسيطر في العاصفة. مع هذا الوسواس بأن هناك موسيقى قادرة على تدمير كل شيء.
موسيقى الثورة الجزائرية الأصيلة، والتي ترافقها تهاويل أحلام تتراقص فيها نيران هائلة. كما لو أن تفتح الجزائر الشعبي ليس إلا امتدادا لذلك الموج العربي - الإسلامي الذي أتعب الدنيا ولم يتعب، وهو ما شكل مصدر الرعب للاستعماريين. قبل الثورة وأثناءها وبعد انتصارها.
стр. 2518
٥ - رسالة من مجاهدة
(بلا حقد ولا شفقة)
ذلك هو الشعار الذي أطلقته مجاهدة جزائرية للتعامل مع الأعداء. وتبناه مجاهدو جيش التحرير وطبقوه. ومن هذا المنطلق ذاته، منطلق القوة والثقة، كتبت أخت مجاهدة كانت تعمل ممرضة مع المجاهدين. والهدف من رسالتها هو الإبقاء على الذكريات - ذكريات الجهاد ضد الاستعمار ومآسيه - حية، قومية، تحفز أبدا للبقاء في حالة استنفار حتى يتم القضاء على رواسب الاستعمار وذيوله. وكان في رسالة الأخت المجاهدة:
(انتشر في شهر آب - أغسطس - ١٩٥٦ خبر هام عرفته الجزائر كلها، ثم وصل إلى أسماع العالم جميعه. وكان هذا الخبر يتلخص بأن القوات الاستعمارية قد ألقت القبض في إحدى (عمليات التهدئة - ببني مصرة) على ثلاث ممرضات أسماءهن: (فضيلة
مسلى) و (صافية بو عزيز) و (مريم بو المهيوب). وانتهزت الصحافة الاستعمارية الفرصة، كعادتها، وفسرت وجود الفتيات بين المجاهدين تفسيرات دنيئة منحطة. ولم يخجل السادة العاملون في صحيفة (صدى الجزائر - ايكور الجير) والعاملون في الصحف
стр. 2519
(اقرأ باسم ربك الذي خلق)
стр. 2520
الأخرى التابعة للدوائر الاستعمارية من أنفسهم وهم يطلقون الافتراءات الفاحشة.
ويعرف الشعب الجزائري كما يعرف الرأي العام العالمي أن المتسعمرين الإفرنسيين قد أفلسوا ولم يبق لهم من وسيلة لمواجهة ثورة الشعب الجزائري غير الدس الرخيص وإشاعة النوايا السيئة. ويلزمنا أن نعترف أن للحادثة أهميتها. إذ كيف يمكن للفتاة (الموريسكية) أن تحمل السلاح وتناضل مع المجاهدين؟ تلك خيبة أمل قاسية هزت أسس اللعبة الاستعمارية في وقت احتضار الاستعمار. ولقد خطت الجزائرية بفعلها هذا خطوة حاسمة. فلقد ظهرت على حقيقتها. ومن هنا فقد أصبحت مريم وصفية وفضيلة رمزا للمرأة الجزائرية الأصيلة. تلك المرأة التي حاول الاستعمار الكريه أن يدمرها بمختلف الوسائل والسبل. وفشل الاستعمار في محاولته التي استمرت طوال (١٢٦) سنة. واحتفظت المرأة بأصالتها الجزائرية. وهذا الشعور بالأصالة هو الذي يوحد اليوم بين نساء الجزائر، لا فرق بين من تسكن المدينة أو تقيم في القرى، حيث تشتركن جميعا في الجهاد لتحرير وطننا .. الخ).
...
تلك مقتطفات من رسالة (أخت مجاهدة) غير أن هذه الرسالة لا تكفي لإعطاء صورة كاملة عما قامت به المرأة الجزائرية المجاهدة. ولعل في (القصص الوثائقية) الواردة في القسم الثاني من هذا الكتيب ما يغطي هذه الناحية. وتبقى هناك نقطة ثانية وهي ما تعرضت له الجزائر المجاهدة وثوارها من معاناة مريرة عبر (الإرهاب الاستعماري) وهو موضوع (الفصل الثالث) من هذا الكتاب. ولئن كان هذا الإرهاب مركزا ضد المجاهدين والفدائيين
стр. 2521
والمسبلين، غير أنه كان أكثر شمولا بحيث لم ينج منه أحد من أبناء شعب الجزائر. وبديهي أن تحتمل (المرأة الجزائرية) القسط الأكبر من الضغوط الناجمة عن هذا الإرهاب. علاوة على ما لحق بها من الضغوط المباشرة و (المعاناة الشخصية).
حملت المرأة السلاح ووقفت الى جانب الرجل
стр. 2522
﴿وما نقموا منهم ....... للحريق﴾.
(سورة البروج، الآية ٨ - ١٠)
الفصل الثاني
١ - قصة (عقيلة) وزوجها (الملازم سي الأخضر).
٢ - من ملف الذكريات مع (فضلة سعدان).
٣ - نساء جزائريات في (معسكر الاعتقال).
٤ - أم الشهيد.
٥ - مجاهدة وأم شهيد.
٦ - جميلة بو حيرد.
стр. 2523
١ - قصة (عقلية) وزوجها (الملازم سي الأخضر) (*)
كانت (زمورة) في صيف سنة ١٩٥٩ خاضعة للاحتلال العسكري الإفرنسي. وقد نظمت القوات الإفرنسية أمورها على النحو التالي: تمركزت القوة الرئيسية في الثكنة الكبيرة بقيادة النقيب - الكابتن - (أموريك). في حين احتل (المكتب الثاني - أو
الاستخبارات العسكرية) بناء هو عبارة عن بيت قديم كان يقيم فيه القائد ثم أعيد إصلاحه ليفي بالمتطلبات التي يحتاجها رجال الاستخبارات وقد تمركزت فيه وحدات فرنسية، ووحدات من (الحركيين) واجبها الرئيسي هو القيام بدوريات ليلية لاعتقال المواطنين واستجوابهم وتعذيهم بمختلف الوسائل: (بما فيها إرغام المعتقلين على شرب البترول وماء جافيل وتسليط الكهرباء على الأعضاء التناسلية والأجزاء الحساسة من الجسم). وأخيرا كانت
стр. 2524
هناك (الوحدة الإدارية الخاصة) (١) ورمزها (س. آ. س) وهي تمارس دور عمدة الإقليم، وتنافس المكتب الثاني أو الاستخبارات في مجال اضطهاد المواطنين وتعذيبهم. إذ كان أي مواطن مضطرا لسبب من الأسباب أن يلجأ اليها من أجل الحصول على وثيقة إدارية، أو من أجل قضة روتينية - رتيبة - من أمور الحياة اليومية، وعندها يجد أن موظفي هذه الوحدة غير متعجلين أبدا لمساعدته أو تسهيل مهمته، وقد يجد النقيض من ذلك، إذ أن هؤلاء الموظفين الجالسين وراء مكاتبهم ليسوا إلا عسكريين ينتظرون كل فرصة لإجراء استجواب دقيق مع من تعرض له حاجة للاحتكاك بهم، فيطرحون عليه الأسئلة من كل نوع، والتي لا علاقة لها أبدا بالقضية التي جاء المواطن يلتمس المساعدة من أجلها. وكان يرأس هذه الوحدة ملازم من أصل كورسيكي (اسمه سكاربانكي) سبق له أن عاش سنوات في المغرب، وتعلم فيه اللغة العربية فكان يستخدم بعض العبارات (كلازمة أومتكأ) في حديثه للتظاهر بالبساطة، عندما كان يتجول في الأسواق ويختلط بالناس، على أمل الوصول إلى أسرارهم. غير أنه لم يكن من الصعب على القرويين البسطاء اكتشاف أمره، والحذر منه، إذ كانت لكنته الكورسيكية تفضحه عندما يحاول نطق اللغة العربية، لا سيما عندما يقحم نفسه في حديث له أهميته، ولم يبق على القرويين سوى التزام الصمت والتظاهر باللامبالاة عندما يتعرض لهم الملازم (سكاربانكي).
وكان سكان قرية (زمورة) شأنهم شأن كل سكان القرى، على
стр. 2525
علاقة وثيقة بالدوار (الماكي). وكان رجال الحركة (التابعين للقيادة الإفرنسية) يعرفون أن المجاهدين يترددون على القرية للتزود بالطعام والمواد التموينية وقد رغب (الملازم سكاربانكي) إعادة تجميع القرويين الذين يسكنون البيوت المنعزلة في القرية، غير أن سكان هذه البيوت رفضوا بدافع وطني الجلاء عن منازلهم أو إخلائها لأنها كانت تتيح لهم فرصة الاتصال بإخوانهم الثوار.
...
كان من بين سكان قرية (زمورة) فتاة جميلة تحمل اسم (عقيلة) وهي زوجة المجاهد (الملازم حمد الأخضر) تعارف الناس على مناداته باسم (سي الأخضر) واشتهر بإرباك الدوريات الإفرنسية وإزعاجها وتدميرها، لا في الجبال فقط، وإنما في داخل القرى أيضا.
عرف الحركيون (أو رجال الحركة) بأمر الحب العاصف الذي يحمله (سي الأخضر) لزوجته. فعملوا فورا على إخطار رجال المكتب الثاني (الاستخبارات) (والوحدة الإدارية الخاصة. س. آ. س). ومنذئن أصبحت (عقيلة) رازحة تحت عبء كابوس ثقيل ومرعب لا يحتمل ولا يطاق؛ إنها محنة قاسية في أن تثور شكوك السلطات الإفرنسية حول الزيارات المتكررة التي يقوم بها الملازم (سي الأخضر) لزوجته (عقيلة). لقد أخذت دوريات رجال الاستخبارات ورجال. س. آ. س في التردد باستمرار ودونما انقطاع للبحث والتفتيش والتحقيق. وتعرض أهل القرية كلهم لهذا الضغط، ذلك أن جند العدو كانوا يعرفون تلك الروابط الوثيقة التي تشد هؤلاء الجبليين إلى الثوار المجاهدين. وكان لهذه الاجراءات ذريعتها لدى الإفرنسيين الذين كانوا يخافون من هجوم مباغت،