والمسبلين، غير أنه كان أكثر شمولا بحيث لم ينج منه أحد من أبناء شعب الجزائر. وبديهي أن تحتمل (المرأة الجزائرية) القسط الأكبر من الضغوط الناجمة عن هذا الإرهاب. علاوة على ما لحق بها من الضغوط المباشرة و (المعاناة الشخصية).
حملت المرأة السلاح ووقفت الى جانب الرجل
стр. 2522
﴿وما نقموا منهم ....... للحريق﴾.
(سورة البروج، الآية ٨ - ١٠)
الفصل الثاني
١ - قصة (عقيلة) وزوجها (الملازم سي الأخضر).
٢ - من ملف الذكريات مع (فضلة سعدان).
٣ - نساء جزائريات في (معسكر الاعتقال).
٤ - أم الشهيد.
٥ - مجاهدة وأم شهيد.
٦ - جميلة بو حيرد.
стр. 2523
١ - قصة (عقلية) وزوجها (الملازم سي الأخضر) (*)
كانت (زمورة) في صيف سنة ١٩٥٩ خاضعة للاحتلال العسكري الإفرنسي. وقد نظمت القوات الإفرنسية أمورها على النحو التالي: تمركزت القوة الرئيسية في الثكنة الكبيرة بقيادة النقيب - الكابتن - (أموريك). في حين احتل (المكتب الثاني - أو
الاستخبارات العسكرية) بناء هو عبارة عن بيت قديم كان يقيم فيه القائد ثم أعيد إصلاحه ليفي بالمتطلبات التي يحتاجها رجال الاستخبارات وقد تمركزت فيه وحدات فرنسية، ووحدات من (الحركيين) واجبها الرئيسي هو القيام بدوريات ليلية لاعتقال المواطنين واستجوابهم وتعذيهم بمختلف الوسائل: (بما فيها إرغام المعتقلين على شرب البترول وماء جافيل وتسليط الكهرباء على الأعضاء التناسلية والأجزاء الحساسة من الجسم). وأخيرا كانت
стр. 2524
هناك (الوحدة الإدارية الخاصة) (١) ورمزها (س. آ. س) وهي تمارس دور عمدة الإقليم، وتنافس المكتب الثاني أو الاستخبارات في مجال اضطهاد المواطنين وتعذيبهم. إذ كان أي مواطن مضطرا لسبب من الأسباب أن يلجأ اليها من أجل الحصول على وثيقة إدارية، أو من أجل قضة روتينية - رتيبة - من أمور الحياة اليومية، وعندها يجد أن موظفي هذه الوحدة غير متعجلين أبدا لمساعدته أو تسهيل مهمته، وقد يجد النقيض من ذلك، إذ أن هؤلاء الموظفين الجالسين وراء مكاتبهم ليسوا إلا عسكريين ينتظرون كل فرصة لإجراء استجواب دقيق مع من تعرض له حاجة للاحتكاك بهم، فيطرحون عليه الأسئلة من كل نوع، والتي لا علاقة لها أبدا بالقضية التي جاء المواطن يلتمس المساعدة من أجلها. وكان يرأس هذه الوحدة ملازم من أصل كورسيكي (اسمه سكاربانكي) سبق له أن عاش سنوات في المغرب، وتعلم فيه اللغة العربية فكان يستخدم بعض العبارات (كلازمة أومتكأ) في حديثه للتظاهر بالبساطة، عندما كان يتجول في الأسواق ويختلط بالناس، على أمل الوصول إلى أسرارهم. غير أنه لم يكن من الصعب على القرويين البسطاء اكتشاف أمره، والحذر منه، إذ كانت لكنته الكورسيكية تفضحه عندما يحاول نطق اللغة العربية، لا سيما عندما يقحم نفسه في حديث له أهميته، ولم يبق على القرويين سوى التزام الصمت والتظاهر باللامبالاة عندما يتعرض لهم الملازم (سكاربانكي).
وكان سكان قرية (زمورة) شأنهم شأن كل سكان القرى، على
стр. 2525
علاقة وثيقة بالدوار (الماكي). وكان رجال الحركة (التابعين للقيادة الإفرنسية) يعرفون أن المجاهدين يترددون على القرية للتزود بالطعام والمواد التموينية وقد رغب (الملازم سكاربانكي) إعادة تجميع القرويين الذين يسكنون البيوت المنعزلة في القرية، غير أن سكان هذه البيوت رفضوا بدافع وطني الجلاء عن منازلهم أو إخلائها لأنها كانت تتيح لهم فرصة الاتصال بإخوانهم الثوار.
...
كان من بين سكان قرية (زمورة) فتاة جميلة تحمل اسم (عقيلة) وهي زوجة المجاهد (الملازم حمد الأخضر) تعارف الناس على مناداته باسم (سي الأخضر) واشتهر بإرباك الدوريات الإفرنسية وإزعاجها وتدميرها، لا في الجبال فقط، وإنما في داخل القرى أيضا.
عرف الحركيون (أو رجال الحركة) بأمر الحب العاصف الذي يحمله (سي الأخضر) لزوجته. فعملوا فورا على إخطار رجال المكتب الثاني (الاستخبارات) (والوحدة الإدارية الخاصة. س. آ. س). ومنذئن أصبحت (عقيلة) رازحة تحت عبء كابوس ثقيل ومرعب لا يحتمل ولا يطاق؛ إنها محنة قاسية في أن تثور شكوك السلطات الإفرنسية حول الزيارات المتكررة التي يقوم بها الملازم (سي الأخضر) لزوجته (عقيلة). لقد أخذت دوريات رجال الاستخبارات ورجال. س. آ. س في التردد باستمرار ودونما انقطاع للبحث والتفتيش والتحقيق. وتعرض أهل القرية كلهم لهذا الضغط، ذلك أن جند العدو كانوا يعرفون تلك الروابط الوثيقة التي تشد هؤلاء الجبليين إلى الثوار المجاهدين. وكان لهذه الاجراءات ذريعتها لدى الإفرنسيين الذين كانوا يخافون من هجوم مباغت،
стр. 2526
بالإضافة إلى رغبتهم في القبض على واحد أو أكثر من (العصاة - أو الفلاقة) (١) واعتقال أولئك الذين يساعدونهم أو يعملون على إيوائهم.
وعاشت (عقيلة) في حالة رعب دائم: الرعب من القتل، والرعب من أن يصل زوجها في زيارة غير متوقعة، فيصطدم بدورية الأعداء التي باتت كثيرة التردد على منزلها. وفي الحقيقة، فإنه لم يحدث شيء من ذلك، غير أن ما عاشته خلال تلك الفترة كان أكثر قسوة من الرعب ذاته، لقد جفاها النوم، فباتت دائمة السهاد، حتى إذا ما استنزفت أعصابها، أغمضت عينيها قليلا، فالخوف من زيارة أخرى غير متوقعة، والخوف من أن يجدها الجنود نائمة في سريرها، والخوف من كل مجهول، كل ذلك كان يعذبها ويطرد النوم عن عينيها، فتقفز من مقعدها لتستوي واقفة على قدميها تحملق فيما حولها لتتبين أنه لم يتحقق شيء من مخاوفها - حتى الآن على الأقل - وكانت (عقيلة) على حق في خوفها .. فهي زهرة شابة جدا، لم تتجاوز العشرين من ربيع عمرها، ذات قامة متوسطة (طولها ١٦٠ سم تقريبا) لها بشرة بيضاء صافية ينعكس عليها سواد شعرها الفاحم وعينان سوداوتان واسعتان ولهما نظرات أخاذة. وقد أخذ الهواء الجبلي النقي والرطب على عاتقه إكساب وجنتيها اللون الوردي، مما كان يثير الشعور بأن وردتين جميلتين قد احتلتا مكانتهما على وجنتيها. وكان ذلك الشعور يظهر وهو أقرب الى الحقيقة عندما كانت
стр. 2527
قوة الحياة على حدود الوطن - عائدون ولكن مع الحرية -
стр. 2528
(عقيلة) تبكي فتنساب منها الدموع لتتوقف على الخدين، كما يتوقف ندى الصباح على أزرار الورد في بدء تفتحها. وكانت يداها وقدماها مكتنزتين باعتدال وكذلك ساقيها الرشيقتين. مما كان يشكل مع قوامها الأهيف، الرشيق، وصدرها البارز، لوحة تمثل كل ملامح الأنوثة الطاغية. ولم يكن ذلك كله ليغيب عن أنظار الجنود الإفرنسيين والجنود الحركيين، فيثير فيهم الغرائز الوحشية الشريرة. وشعرت (عقيلة) بذلك، فأهملت نفسها طوعا، وامتنعت عن النظافة والاغتسال، وقررت عدم استبدال ثيابها القذرة. فباتت ذات رائحة منفرة لا تستثير إلا عواطف الاشمئزاز.
انصرفت (عقيلة) إلى العمل، تفرق همومها فيه، وتلاحقت لياليها المسهدة البيضاء، بعضها يمسك برقاب بعض، وتتابعت عليها الكوابيس تتصل بعضها ببعض، فكانت أقل ضجة تثير فيها الرعشة، وأية صرخة أو طلقة نار تقلب كيانها رأسا على عقب.
هكذا عاشت (عقيلة) فترة متطاولة من المعاناة، تشاركها همومها أمها العجوز، المضطربة العقل، لما انتابها من الهموم. وكانت (عقيلة) تمضي لياليها في نسج الصوف، وكثيرا ما توقفت عن عملها، وهي مستغرقة فيه، بسبب اقتحام دورية من رجال (س. آ. س) أو (الاستخبارات) باب منزلها، بصورة مباغتة (فقد أرغمت على ترك باب المنزل مفتوحا، وعدم إغلاقه واقفاله بالمفتاح). وعندئذ تبدأ عملية استجوابها بالأسئلة المعروفة وغير المعروفة من كل نوع: هل أقبل زوجها لرؤيتها؟ هل تعرف مركز إقامته؟ الخ .. وهددوها، ثم أخذوا في إزعاجها، وكثيرا ما حاولوا التغرير بها وخداعها غير أنهم كانوا ينصرفون من غير أن يظفروا منها بما يريدون. غير أنهم لا يلبثون طويلا حتى يعودوا، وبمعدل أربعة
стр. 2529
إلى خمسة مرات في اليوم والليلة. ويعاودها الكابوس في كل مرة بعد انصرافهم. وتنتابها المخاوف من جديد. ولم تكن هناك دورية واحدة هي التي تتردد على منزلها، فقد كانت - على الأغلب - ترى في كل مرة وجوها جديدة. وكان (الحركيون) في جملة من كان يتردد عليها، غير أن هؤلاء كانوا يستخدمون أساليب مغايرة، فكثيرا ما كانوا يحاولون التبسط معها وملاطفتها وكسب ثقتها، ويعدونها بألف أمنية وأمنية جميلة، على أمل الحصول منها على بعض أسرارها، أو بعض المعلومات عن زوجها، أو حتى تكون (مطواعة لهم ورقيقة في تعاملها معهم، على الأقل؟) غير أنه ما من أحد معهم ظفر منها بنائل. واستطاعت (عقيلة) بالرغم من كل ذلك المحافظة على موقفها بثبات. ولكن إلى متى ستستمر في احتمال هذا الشقاء؟ وما هي حدود قدرتها على التعايش مع هذه المعاناة؟ وحتى متى تستطيع العيش تحت التهديد المستمر بالقتل؟ كانت يد القدر معها، فاستجابت لها، ومهدت لها طريق النجاة، ولكن كيف؟
...
كان (سي الأخضر) ورجاله يتابعون من مواقعهم في الجبال كل ما كان يدور حولهم. وكان أنصارهم من رجال القرية ينقلون إليهم تباعا كل ما تتعرض له (عقيلة) وما تعانيه على أيدي رجال الدوريات الإفرنسية. بما في ذلك التردد المستمر على منزلها في الليل والنهار، وما يرافق ذلك من تهديد وإغراء، وتحقيق واستجواب، وإهانات ومحاولات انتهاك أو اغتصاب ...
أدرك (سي الأخضر) أن زوجته باتت تتعرض لخطر حقيقي، كما عرف بأنه من الخطر أيضا محاولة القيام بزيارتها، فقرر مع رجاله تقديم يد المساعدة لها والإسراع لإنقاذها. وشرع بجمع المعلومات
стр. 2530
الدقيقة عن الموقف العسكري في القرية، ونوع الدوريات التي تتردد على منزل زوجته، وعدد أفراد هذه الدوريات، وكذلك المواعيد الليلية والنهارية للدوريات وكذلك كل ما هو ضروري من المعلومات لوضع مخطط من أجل دخول القرية. وعلم (سي الأخضر) ان هذه الدوريات عادة ما تكون من (س. آ. س) أو (المكتب الثاني) وأحيانا من (الحركيين). كما علم أيضا بأن معدل الزيارات الليلية هو أقل من معدل الزيارات النهارية.
وما أن توافرت كافة المعلومات الضرورية حتى قرر (سي الأخضر) ورجاله الانتقال إلى العمل، ووضع مخططهم موضع التنفيذ.
شكل (سي الاخضر) القوة التي ستذهب الى القرية من ستين مجاهدا، كلهم من الفرسان، المسلحين أفضل تسليح، والذين تملؤهم الحماسة ولديهم الاستعداد للقيام بأي عمل من أجل انقاذ زوجة قائدهم الشابة (عقيلة). وسارت هذه القوة في عتمة الليل المظلم، حتى إذا ما أشرفت على القرية، عين (سي الأخضر) عددا من رجاله لإكمال المهمة وهي (اختطاف زوجته) في حين بقي هو وبقية رجاله في أسفل القرية، بانتظار عودة المنفذين، وعلى استعداد للتدخل إذا ما تطلب الأمر، وتسارعت الأحداث. وكان (سي الأخضر) قد قرر التوجه بنفسه من أجل إحضار زوجته، وبرفقته عدد من المجاهدين، إلا أن رجاله منعوه من تحقيق رغبته، لأنهم كانوا يعتقدون، بالرغم من تقديرهم لخطورة هذه المهمة، أن هناك أعمالا أخرى أكثر أهمية تتطلب وجوده، من أجل مستقبل الوطن بكامله. وأن مجاهديه أكثر حاجة لشجاعته ولكفاءته العسكرية القيادية، ولجرأته في مواجهة مواطن الخطر. وهكذا، وفي تلك
стр. 2531
الليلة الخالدة التي ستبقى ذكراها ماثلة أبدا في أذهان أهل قرية (زموره)، هكذا في الحوليات التاريخية للقرية، اتخذ الرجال قرارهم، وأقدموا على اقتحام الخطر الداهم واتجهوا نحو المنزل الذي تقيم فيه (عقيلة).
كانت الليلة مظلمة كمداد الحبر الأسود، أو كدخان الحريق - الشحار -. وكانت الريح تعصف بقوة غير معهودة حتى أنها اقتلعت ألواح التوتياء التي تغطي سقوف المنازل وقذفت بها كما تقذف الرياح أوراق الأشجار الميتة في فصل الخريف. وبلغت شدة الريح من القوة مبلغا كادت معه تقتلع الأبواب الخشبية من جدران المنازل؛ غير أن المجاهدين، انطلقوا لتنفيذ مهمتهم كما هي عادتهم، في تلك الليلة، غير عابئين بما حولهم، ذلك أنهم رجال (سي الأخضر). رجال الجبال والريح والطبيعة القاسية، وها هم يمضون إلى
هدفهم، ولا يهمهم شيء إلا تحقيق النجاح في تنفيذ مهمتهم. ولدى اقترابهم من المنزل، أطلقوا بعض الرصاصات في الريح، وقذفوا قنبلة يدوية في الفضاء، بهدف خداع قوات الافرنسيين ودورياتهم من جهة، ولاقناع القرويين بأن هذه القوة تقوم بدورية من الدوريات العادية التي يقوم بها (الروم).
وصلت أصداء الطلقات وصوت انفجار القنبلة إلى رجال (المكتب الثاني) ورجال (س. آ. س) غير أن أحدا لم يحرك ساكنا لاعتقاد كل طرف من الطرفين أن الآخر هو الذي قام بذلك، على نحو ما جرت عليه العادة، بهدف إيقاظ انتباه القوات العسكرية المقيمة في الثكنة، وإدخال الذعر إلى نفوس القرويين وإقناعهم بالعدول عن أية محاولة (لتعكير الأمن والنظام) الذي حرصوا على إقامته
стр. 2532
لقد كان كل شيء منظما بدقة، ومر كل شيء بسرعة، ومن غير مجابهة أي عقبة، كانت (عقيلة) تمارس عملها العادي في حياكة نسج - الصوف، وذلك على الرغم من شعورها بحاجتها الشديدة للنوم. وجاءت أصداء الطلقات وصوت انفجار القنبلة واقتراب وقع خيول الفرسان من منزلها، فأثارت في نفسها كل المخاوف، وأخرجت من ذاكرتها كل صور الكوابيس والهواجس التي كانت تنتابها. ولم يساورها الشك أبدا أن ذلك من فعل دورية من دوريات العدو، أو (الحركيين). فتوقفت عن العمل، واكتسى وجهها شحوبا لا يشابهه إلا شحوب وجوه الموتى، وأصاخت السمع ... ومرت عليها وهي على هذه الحالة دقائق قليلة خيل إليها أنها قرون طويلة لا تكاد تنتهي. لم تتحرك أبدا، لأن الخوف شل قدرتها على الحركة، فثبتها على الأرض، ومنعها من القيام بأية إيماءة، كان نفسها يتردد بصعوبة، كما لو أن التنفس العميق يفضحها أو يخونها ليكشف عما يعتمل في صدرها الذي بات يتقلص بشدة حتى كاد يخنقها ... الانتظار ولا شيء غير الانتظار ... في توقع الرعب.
ولم يكن الشك يراود (عقيلة) أبدا في أن تلك الليلة ستكون بالنسبة لها (ليلة المصير). إن خط سير حياتها يجب أن يتغير، يجب أن ينتهي الخوف من الجنود الأعداء، وسينتهي معه التحقيق والاستجواب، وما يرافقه من ضربات وإهانات وبؤس وشقاء طالما نزل بساحتها وأصاب أمها العجوز، سينتهي كل ذلك.
وصل المجاهدون، وتوقفوا أمام منزل (عقيلة). وظهر مصادفة شاب يافع غير بعيد عن المكان، فاستجوبوه. ولم يعرف الشاب الفتى أبدا أن هؤلاء الذين يستجوبونه هم مجاهدي (سي الأخضر). وظن أنهم من الحركيين (رجال الحركة) جاؤوا
стр. 2533
كعادتهم لتعذيب (عقيلة) وإزعاجها. فاتجه اليهم، وربت رجل على رأسه، وأمره بفتح الباب من الداخل. وتملك الخوف الفتى الشاب من أن يسقط صريعا، ولم يتمكن من رفض تنفيذ ما طلب إليه تنفيذه. ومضت ثوان قليلة، وانفتح الباب على مصراعيه. واقتحم الرجال المنزل تاركين للشابة (عقيلة) الشعور بأنهم من رجال (المكتب الثاني) أو (س. أ. س). وقد جاؤوا لإلقاء القبض عليها واعتقالها. وكانت الظلمة قاتمة بحيث كان من الصعب على المرء رؤية ما هو أبعد من خطوتين عن مكانه. وبوغتت (عقيلة) بقدر ما بوغتت أمها من هذا الاقتحام لمنزلها بمثل هذه القوة، فشرعتا في العويل والصراخ بكل ما تملكانه من القوة. وأخذ الرجال (عقيلة) وسحبوها الى خارج المنزل، واقتادوها إلى حيث ينتظرها (سي الأخضر) ورجاله.
لم تفهم (عقيلة) لعبة الخداع (ولم تكن لديها القدرة على فهمها وإدراكها) وظنت كعادتها أن مختطفينها من الإفرنسيين، فأرسلت صرخات حادة تفتت الأكباد. واستمرت في الصراع كاللبوءة وهي بين يدي مختطفيها محاولة الإفلات من قبضتهم، هذا فيما استمر الرجال على صمتهم ولا ينبس أحدهم ببنت شفة. وأيقظت صرخات (عقيلة) سكان القرية كلها، وظن هؤلاء بدورهم أن (الحركيين) قد جاؤوا لاعتقال البائسة (عقيلة). ولم يكن باستطاعة أحد منهم التدخل، فكلهم يعانون من هذا الضيق، وكلهم يعيشون مع هذا الكابوس المرعب. ولو أن (صرخات عقيلة تركت في أعماق النفوس أثرا لا يمحى) وفقا لما ذكرته (الممرضة رتيبة) التي كانت تعمل في المركز الطبي. وتمكنت (عقيلة) من الافلات من قبضة مختطفيها، وأسرعت الى منزل مجاور لمنزلها حيث
стр. 2534
ومجاهدات في خدمة المجاهدين
стр. 2535
كانت تقيم فيه (الممرضة رتيبة) وعائلتها وأبوها الذي كان يعمل خبازا للقرية. وأخذت (عقيلة) في ضرب الباب بكل قوتها وهي تصرخ (لقد جاء العسكر لاعتقالي).
أسرع المجاهدون للامساك بزوجة (سي الأخضر) من جديد، واقتيادها إلى حيث بقية المجاهدين الذين يقفون بانتظار وصولهم. ومضت دقائق قليلة. وتوقف الصراخ بصورة مباغتة. ولم يعد هناك من يسمع إلا صفير الريح وهي تعصف بسقوف المنازل. لا صراخ، ولا همس، لقد أصبحت (عقيلة) في أيد (مأمونة).
أردف (سي الأخضر) زوجته على حصانه، وأعطاها منديله (فولار) الاخضر القاتم، ومضى مع رجاله على الطريق، محاولا تضليل هؤلاء الذين قد يطاردونه .. حتى إذا ما وصل إلى نقطة يتفرع عنها دربين من المسالك الضيقة، ترك أحدهما، وسار على الآخر الذي يصل إلى (تاسامرت) التي تبعد مسافة كيلومتر تقريبا عن (زمورة).
في هذه الفترة، كانت القوات الإفرنسية تحاول معرفة حقيقة ما حدث، وأمضت وقتا غير قصير حتى أدركت الموقف، وإذ ذاك بدأت عملية المطاردة، غير أن الوقت كان متأخرا جدا. فقد وصل (سي الأخضر) ورجاله في هذه اللحظة إلى مسافة بعيدة جدا بات من المحال معها اللحاق به. وعلاوة على ذلك، فقد سار (سي الأخضر) على دروب جبلية ضيقة لا تستطيع السير عليها إلا قطعان الماعز، متجنبا ورجاله السير على الطريق الرئيسية التي يعرفها القرويون باسم (طريق البيلك) والتي غالبا ما تسير عليها السيارات الخفيفة للجيش الإفرنسي - الجيب - وهي تقوم بدورياتها الرتيبة.
стр. 2536
توجه (الملازم سكاربانكي) ومعه بعض رجاله في صبيحة اليوم التالي لمقابلة خباز القرية، (والد رتيبة) وهدفه معرفة ما إذا كان قد عرف بأمر حضور (سي الأخضر) إلى القرية. وكان الخباز يتمتع بسمعة طيبة في القرية، فأنكر أن يكون على معرفة بالأمر، وقال له: بأنه يعتقد، مثله مثل أهل القرية جميعا، بأن رجال (المكتب الثاني) أو رجال (س. آ. س) هم الذين جاؤوا لاعتقال (عقيلة) وهكذا فإن أهل القرية، لم يعرفوا إلا بعد هذا الاستجواب، بحقيقة ما حدث لقد استطاع (سي الأخضر) السخرية من شجاعة الجنود الإفرنسيين، واقتحم عليهم ملجأهم، وانتزع زوجته من تحت مخالبهم وهو تحد حقيقي لمحترفي العسكرية الإفرنسية وقادتهم من أصحاب (الأدمغة المفكرة).
عرفت (أم عقيلة) ما عرفه الجميع عن أمر اختطاف ابنتها، غير أنها أصرت بالرغم من ذلك، على القول بأن (الروم) هم الذين اختطفوها، سواء كان المتحدثون معها من أهل قريتها، أو كانوا من رجال الدوريات الإفرنسية - بصورة خاصة - ممن استمروا في التردد على المنزل لاستجوابها.
...
وصل (سي الأخضر) مع رجاله إلى قرية (تاسامرت) واستراح قليلا ثم استأنف السير حتى وصل (بيرقسطلي) الواقعة على بعد (٦٤) كيلومترا من (زمورة). ومن هناك ذهب (سي الأخضر) إلى رجل كان يعرفه جيدا ويثق به، إنه (سي طيب) المعروف بقامته الضخمة ولونه الأسود وشاربيه الكثيفين. وأوكل اليه أمر العناية بزوجته والسهر عليها. وبدأت (عقيلة) منذ هذه اللحظة حياتها السرية في المقاومة.
стр. 2537
كانت (عقيلة) تعمل في النهار كما يعمل كل من حولها، متجنبة كل ما يثير شبهات القرية بأمرها أو بدفعهم للتعرف على شخصيتها. ولم تكن قرية (بيرقسطلي) أكثر من قرية متواضعة لا يزيد عدد منازلها على (ستين مسكنا). والأمر الواضح هو أنه من المحال في قرية كهذه إبقاء قادم جديد بعيدا عن الأعين الفضولية، أو عدم التعرف على وجوده.
وكانت (عقيلة) تعمل طوال النهار في انتظار قدوم الظلام، حتى إذا ما هبط الليل، خلعت عنها ثوبها (جلابيتها - أو دشداشتها) وارتدت ثوب القتال (لباس الميدان للجنود) ومضت مع زوجها، حتى تعود في صباح اليوم التالي. وعندما لم تكن ترافق زوجها (سي الأخضر) كانت تعمل بوصاياه وتعليماته؛ فتنتقل في كل ليلة من بيت إلى بيت، وتقتصر في حديثها على الحد الأدنى مما هو ضروري. دون أن تذكر شيئا عن المكان الذي جاءت منه، أو تكشف عن هويتها ومن تكون، ذلك لأن الحركيين يترصدونها، والجنود الإفرنسيين قد شددوا البحث عنها. وبات لزاما عدم التعرض لأي خطر عن طريق ترك أي أثر قد يهتدي به (القوم) لمعرفة حقيقتها أو افتضاح أمرها.
عثرت الدوريات التي دفعها الإفرنسيون للبحث عن آثار (الفلاقة) عل المندل - الفولار - الذي كان (سي الأخضر) قد أعطاه لزوجته (عقيلة). وسلموه إلى النقيب (آموريك) الذي قام بإعطائه الى امرأته - الطبيبة في المركز الصحي -. وعملت هذه بدورها على إظهاره أمام (رتيبة) الممرضة التي كانت تهتم بأمر (عقيلة) وتعتني بها، وقالت لها بصوت متهدج، وبلهجة صارمة: (انظري: ها هو منديل - فولار - رفيقتك الفلاقة، وآمل أن تتجنبي فعل ما قامت بعمله، وإلا فإنني سأفك لك رقبتك ...).
стр. 2538
خلال هذه الفترة، كانت حياة (عقيلة) في قرية (بيرقسطلي) قد شهدت بعض التغيير. إذ باتت تعمل بهدوء، محاولة نسيان كل معاناتها وآلامها التي عرفتها هناك في قرية (زمورة). حتى جاء اليوم الذي واتت فيه أحد الحركيين (رجال الحركة) فكرة شيطانية، وذلك بإرسال أمه الى (قرية بيرقسطلي) بهدف التجسس على مكان القرية، والحصول على بعض المعلومات التي قد تفيده. وكانت المرأة العجوز تعرف معظم سكان القرية، مما ساعدها على تنفيذ مهمتها إلى حد بعيد. ولم يكن من العسير عليها التسلل إلى وسط القرويين، واكتساب ثقتهم، والدخول بسهولة إلى قلب منازلهم. وفي إحدى الأمسيات، دخلت منزلا من المنازل بحجة زيارة أصحابه، ولفت انتباهها وجود فتاة حلوة كانت منصرفة لعملها في حياكة الصوف. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقع فيها بصرها على هذه الفتاة، مما أثار اهتمامها. فرسمت المرأة العجوز ابتسامة ماكرة على شفتيها، واقتربت من الفتاة، ثم جلست إلى جانبها. ولم تجد صعوبة كبرى في اكتساب ثقة الفتاة الحلوة، ذات النظرة البريئة والنفس الصافية. وباحت (عقيلة) بسرها.
...
سار الملازم (سكار بانكي) على رأس مجموعة من رجاله في اتجاه قرية (بيرقسطلي) بعد أن أعلمتهم المرأة العجوز عن البيت الذي تسكنه (عقيلة). وعندما وصلت هذه القوة إلى القرية، قامت بتطويق المنزل وإحكام الحصار حوله. ثم باتوا ينتظرون وأصابعهم على زناد السلاح، وهم ينتظرون أمر الهجوم من الملازم (سكار بانكي). وكان هذا يريد اصطياد عصفورين بحجر واحد. وكان يعرف بأن الملازم (سي الأخضر) سيأتي في ليلة من الليالي لرؤية
стр. 2539
زوجته حتى يصطحبها معه. ولهذا فقد انتظر (سكار بانكي) ظهور (سي الأخضر) حتى يقتله مع زوجته. وليحقق الأمل الذي طالما داعب مخيلته منذ أن اختطفت (عقيلة) من قرية (زمورة).
مضت الليلة الأولى، ولم يظهر (سي الأخضر). وفي الليلة التالية، وصل ممتطيا صهوة جواده، ومعه بعض فرسانه، ودخل المنزل. وبوغت فرسان (سي الأخضر) بالهجوم عليهم، فلم يتمكنوا من استخدام أسلحتهم، وسقطوا شهداء على الفور. وشرع رجال (الملازم سكار بانكي) بتوجيه نيرانهم إلى المنزل الذي دخله (سي الأخضر). وأمسك الرجل وزوجته سلاحهما بشجاعة، ووجها نيرانهما إلى الأعداء، فقتلا بعض الجنود الإفرنسيين. غير أن المعركة لم تستمر طويلا فلم تمض أكثر من ثوان قليلة حتى صمتت الأسلحة. وخيم السكون. ثم استؤنف إطلاق النار بكثافة عالية، وتهدمت جنبات المنزل. وعاد الهدوء من جديد وعندما تبدد الدخان والغبار الخانقين، تقدم رجال (سكار بانكي) بخطى مترددة وجلة وأصابعهم ترتجف على الزناد. وعندما وصلوا إلى عتبة المنزل، دفعوا الباب بأخمص السلاح. واقتحموا المنزل، فوجدوا (سي الأخضر) و (عقيلة) وهما قتيلين وسط بركتين متجاورتين من
الدماء، وهما ممسكين بسلاحيهما اللذين أفسدهما كثرة ما أصابهما من الرصاص. وعرف فيما بعد أن (عقيلة) كانت حاملا في أسبوعها الثالث.
...
اجتاحت الجزائر في يوم ٥ جويليه - تموز - ١٩٦٧ موجة من البهجة والفرح. فقد تفتحت كل الأمال، وكل الأحلام التي طالما أحبطت خلال سنوات عديدة، وارتفع العلم الجزائري أخيرا، في
стр. 2540
هذا اليوم المشرق ليرفرف عاليا فوق أبنية العاصمة كلها، وفوق كل مدن الجزائر، إنه علم انتصارات الشهداء الأبرار. إن الجزائر تعيش عيدها، لقد حصلت أخيرا على استقلالها.
أخذ الاحتفال بالعيد في قرية (زمورة) طابعا مثيرا من الفرح والسعادة. وكان لا بد أيضا من التفكير بأولئك الذين كانت تضحياتهم هي التي مهدت لظهور فجر هذا اليوم. فقرر الفلاحون أن ينقلوا إلى قريتهم رفات أبنائهم، ولم يتأخروا عن تنفيذ فكرتهم. وكان بين العظام التي ضمها الكفن الأبيض عظام (سي الأخضر) وزوجته (عقيلة) لقد كان الحديث على كل شفة يتردد بذكر قصة الزوجين، وشجاعتهما وميتتهما البطولية. ولم يتعب الناس أو يشعروا بالملل من ترديد القصة، وتناقلها، والإشارة في كل مرة إلى (عقيلة) الفتاة الحلوة والزوجة الأمينة التي كانت أول امرأة في القرية انضمت إلى الثوار وهي تحمل السلاح.
كان حفل التأبين الجنائزي مؤثرا وعظيما بقدر ما كان بسيطا. وقد أقيم في داخل الثكنة الكبرى التي ظلت حتى الأمس رمزا للقهر والظلم. وشاركت في الحفل كل بيوت القرية التي عملت على طهو الطبق الشعبي (الكسكس) مع تقديم الحليب واللبن الرائب - العيران -. لقد قام أهل كل منزل في تقديم الطعام تعبيرا عن مشاركتهم بهذا الحدث. وفي الحفل، كان الجو غريبا، اختلطت فيه المشاعر بطريقة تعجز الكلمات عن وصفها، لقد وصلت مشاعر الفرحة بالحرية والاستقلال حتى ذروتها، غير أنها فرحة اقترنت بالحزن العميق لغياب أشخاص أحبهم الجميع، وافتقد الجميع.
ودخلت اسطورة البطولة للزوجين الشجاعين في حكايات
стр. 2541
الأطفال، الذين كانوا ينشدون قصة حياة (عقيلة) وزوجها (سي الأخضر) في أغنية، تقول لازمتها:
عقيلة يا عقيلة
يا من لوجناتك جمال الورد
سيأتيك سي أحمد الأخضر
ليحملك معه على حصانه
أنتم أحق مني بهذا الطعام
стр. 2542
٢ - من سلف الذكريات مع (فضيلة سعدان) (*)
لم أباغت أبدا وأنا أقتحم غرفة نومي فأكتشف بأن يد العبث قد أثارت فيها الفوضى والاضطراب. إنهما ابنتاي البالغتان من العمر ثلاثة عشرة، وأربعة عشر عاما، حتى لتحسبهما أنهما توأم واحد. وها هما وقد تمددتا فوق كومة من الصور والأوراق القديمة، التي يضمها عادة (صندوق الذكريات) وقد أفرغ من محتواه، ونثر بإهمال على الأرض. وصرخت:
- .......... لقد منعتكما من تحويل غرفة نومي إلى اسطبل! أين هي أختكم الكبرى؟
وقفزدت الصغيرتان لدى سماع صوتي، واستدارتا برأسهما نحوي وقالت كبراهما:
- .......... لقد أثرت الروع في نفوسنا. والتقطت ابنتي (فضيلة) طرف الحديث وقالت:
стр. 2543
- أجل، لقد أفزعتنا. وعندئذ قلت لهما: حسنا، تحدثا بصوت ناعم حتى لا يستفيق أخوكما الصغير من نومه وأثناء هذا الاضطراب، سقطت من يد (البنات) صورة، سارعت لالتقاطها وتأملتها طويلا، فانقلب كياني رأسا على عقب.
كانت الصورة تحمل خلفها الكتابة التالية: (فضيلة: ٢٧ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٦) وكانت هذه الصورة جانبية (بروفيل) التقطت لفضيلة أثناء فترة اعتقالها.
وسألت فضيلة بكثير من الفضول الطبيعي: لمن هذه الصورة يا أماه؟
غير أنها لم تنتظر الإجابة، بل راحت تبحث بنظرها عبر الصور المتناثرة فوق السرير. في حين كانت أصابعي تتشبث بالصورة خوفا من سقوطها مرة أخرى - وقلت: -
يا فضيلة! هذه هي صورة فضيلة!
وزلقت يدي إلى جيب مئزري، ووضعت فيها الصورة، وتراجعت مترنحة، وتركت نفسي أهوي على مقعد كان موجودا هناك. وهيمن علي حزن عميق ومباغت، في حين كانت بناتي مشغولات عني باكتشافاتهن، حتى أنهن لم يشعرن بما أنا فيه، بل ربما نسين وجودي بينهن. وقلت في سري:
- فضيلة! كنت زهرة عمرها ١٨ ربيعا! (لقد كنت من مواليد ١٠ نيسان - أفريل - ١٩٣٨، وكان مسقط رأسك في الحروش (من نواحي سكيكيدة). كنت صبية في مقتبل العمر على كل حال.
لقد مضى زمن غير قصير على غيابك، غير أنني أشعركم أني لصيقة بك، كأن الأيام لم تباعد بيننا. إنك قريبة مني إلى درجة لا أستطيع تصديقها، إنك لا زلت حية ... كم كنت نضرة، وكم كنت
стр. 2544
قوية، فضيلة! أنت بعينيك الضاحكتين أبدا، وبابتسامتك الساحرة الأخاذة. وما أحلى مناجاتك. وبدأ شريط الذكريات يتدفق متسارعا:
هبطت (فضيلة) ذات صباح من معاقل (الثوار) وبرفقتها أخوها في السلاح (عمر كيخيا). وسلكت في طريقها الدرب الذي ينتهي بالقرب من (مدينة البير) حيث كان عليها أن تأتي لزيارتنا بعد ذلك، وكانت تتقدم وأخوها في السلاح بحذر، ولكن كم كان أمرا مباغتا أن يقفا وجها لوجه مع دورية فرنسية، وقد أمسك أفرادها بمسدساتهم الرشاشة، وهم على أتم استعداد لإطلاق النار عند الاشتباه بأية حركة غير طبيعية في وسط المارة. وعلى الرغم من أن الوقت لا زال مبكرا فقد كان هناك عدد من السابلة.
فهل سقط الاثنان ضحية الرعب؟ وهل كانا يحملان وثائق سرية وأسلحة هامة على نحو ما يفعلانه في كل مرة كانا يهبطان فيها من الجبل؟ لا هذا، ولا ذاك، وكل ما فعلاه هو أنهما ركضا بسرعة جنونية، واقتحما منطقة الأبنية القديمة. ثم افترق الشابان المناضلان، ليبحث كل واحد منهما عن ملجأ ينجيه، وهما يعرضان حياتهما بتصميم وشجاعة لكل ما تخبئه مباغتات القدر، ولكل ما قد يقوم به جند العدو. غير أن هذه المواجهة المباغتة وغير المتوقعة للبطلين، لم تكن لتمر من غير أن تسترعي انتباه رجال الدورية الآلية - المتحركة - والتي كان رجالها مشدودي الأعصاب دائما: فأطلقوا النار فورا ومن غير تردد على الهاربين، وانهمر الرصاص على طريق الفرار، وأصابت إحدى الرصاصات كتف (عمر) فتركته يعاني من الآلام المبرحة طوال شهرين كاملين، مع اضطراره للبقاء في الملاجىء السرية تحت العناية الطبية، وكان مما زاد من آلامه
стр. 2545
الجسمية تلك المعاناة النفسية المريرة بسبب إلزامه على البقاء من غير القيام بأي عمل أو نشاط له صلة بالصراع ضد أعداء البلاد. وطالما تذمر في تلك الفترة من حجزه، ومن عجزه عن متابعته الصراع. لقد كان أمنه وسلامه مرتبطا بقدرته على الجهاد.
أما (فضيلة) فقد اقتحمت بحزم كوخا صغيرا من تلك التي تؤوي الفقراء. فوقع نظرها فورا على سيدة عجوز وقد جلست على جلد خروف، وهي تدير طاحونة القمح اليدوية. فنظرت إليها بقلق خلال جزء من الثانية. لم يكن الوقت يسمح بتبادل الحديث أو شرح الموقف، يجب الخروج من المأزق بأقصى سرعة، وتجنب الخطر قدر المستطاع. واستطاعت المرأة العجوز الطيبة أن تدرك المأساة التي تتعرض لها الفتاة (فضيلة)، وأمكن لها الاحتفاظ بكل برود أعصابها وهدوئها، فقامت بحل شعر الفتاة، حتى ظهرت بشكل (فتاة غندورة) ثم نثرت بعضا من الدقيق عليها حتى غطتها فظهرت وكأنها تمارس عملها منذ وقت غير قصير في (طحن القمح). غير أن ذلك لم يكن كل شيء، فثيابها لا تزال تحمل رائحة جدها، وكذلك منديلها الأسود الذي سقط منها أثناء ركضها الجنوني. وشعرت (فضيلة) أنها وقعت في الفخ، إنه خطر حقيقي في أن تترك ذلك الأثر الذي يفضح أمرها، ويمهد لإلقاء القبض عليها عندما يصل رجال الشرطة بعد هنيهة وبرفقتهم كلابهم البوليسية وناجت (فضيلة) نفسها: (أنقذني يا الله! ماذا أفعل! احفظي يا رب، واحمني يا إلهي) وأخذت أسنان (فضيلة) تصطك رعبا، فهي تعرف ما قد تتعرض له فيما لو تم إلقاء القبض عليها. وفكرت للحظة في أختها (مريم) التي اختطفها الإفرنسيون بطريقة غامضة، ثم أعلنوا عن موتها تحت التعذيب. وخطرت في ذاكرتها أيضا، كلمح
стр. 2546
البصر أسماء رفيقاتها (مريم بوعطورة) و (سالمة أم حازم) اللتين لقيتا مصيرا بائسا كمصير أختها (مريم) ... واستمرت (فضيلة) في مناجاة نفسها: يجب أن أحافظ على هدوئي - يا .. ما. والتفتت إلى المرأة العجوز: هل لديك مسحوق (د. د. ت).؟ وأجابتها هذه: شكرا لله، لدي منه. وأسرعت العجوز الطيبة، من غير تردد أو تلكؤ، لإحضار المسحوق، وأخذت في نثره حول مسكنها البائس، ومن المفروض أن تكون رائحة هذا المسحوق قد أزالت كل أثر لرائحة فضيلة. وأثناء ذلك، كان قلب (فضيلة) يضرب بشدة، ويضرب، حتى ليكاد يقفز من صدرها، وقالت مناجية نفسها؛ ملتجئة إلى ربها: يا الله ساعدني حتى لا أكشف عما بي من اضطراب. وقامت (الغندورة) بإخفاء قنبلة يدوية تحت طيات ثوبها، وأعدتها للتفجير عند الضرورة لقد صممت على عدم الوقوع في قبضة أعدائها وفيها حياة تختلج. وعادت للمناجاة: لن أموت وحدي ياما (يا أماه) وسأقتل معي عددا من (أولاد الكلب).
هيمن السكون والصمت على ما يجاور الكوخ، وخاف المارة من إصابتهم برصاصة طائشة، وقد اعتاد الجميع اللجوء إلى منازلهم في كل مرة يتناهى إلى سمعهم اطلاق النار، أو يمرون بظروف مماثلة. ووصل إلى أسماع (فضيلة) وقع خطوات متسارعة مختلطة بعواء الكلاب، وصوت جندي يحادث آخر - باللغة الإفرنسية - وهو يقول له: من هنا يا بول.
وأخذ الطنين يتردد قويا في أذني (فضيلة) وهي تسمع من جديد:
- من هنا - من هنا - في هذه المرة لن يفلتوا من قبضتي. وخفضت (فضيلة) رأسها، وقد عاودتها شجاعتها، فاستمرت
стр. 2547
في عملها وهي تدير الطاحونة وظهر اثنان من رجال الدورية، وهما بهيئة مرعبة، وتحدثا بلهجة قاسية وهما يسألان بصوت واحد: هل لجأ أحدهم للاختباء عندكم؟
وأجابت العجوز الطيبة بلهجة طبيعية تماما: فتش!.
وانطلق الجنديان للنظر في كافة زوايا الكوخ، ثم اقتربا من الفتاة وأعادا طرح السؤال ذاته، فردت هذه بإيماءة سلبية، وهي تشد على القنبلة اليدوية بيدها الأخرى. وانطلق الجنديان نحو الباب بخطوات متعجلة وأحدهما يقول للآخر: فلنسرع للبحث في مكان آخر.
اختلطت المشاعر القوية في نفس (فضيلة) فلم تعد تعرف أتضحك أم تبكي. وتدفق الدم الى وجهها فأصبح أحمر بعد أن كان أصفر شاحبا. ونهضت وهي تقفز من مكانها وتنفض الدقيق من على ثيابها. فعانقتها المرأة العجوز الطيبة، وقدمت إليها قدحا من الماء مع قطعة من السكر، وقالت لها بلهجة حنون إشربي هذا يا ابنتي حتى تهدئي ويزول ما بك!
...
ألم تكن هذه ملحمة؟ كلا! وهي ليست أسطورة. فقد روتها لي (فضيلة) وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة المرعبة. وتأكد لي صدق قولها من حالتها النفسية التي كانت عليها عندما أقبلت لزيارتي بعد الحادث الذي صادفها مباشرة. وقلت لها عندما أنهت حديثها:
- (فضيلة) لماذا تعرضين حياتك للخطر، على مثله هذا النحو؟ ..
وأجابت (فضيلة): حتى يكون لي الحق أن أعيش بشرف.
قالت ذلك بصورة عفوية، وبلهجة تحمل معنى التوبيخ لأنني طرحت عليها مثل هذا السؤال.
стр. 2548
كانت الصرخات المباغتة التي تطلقها (البنات) ما بين فترة وأخرى، تكاد تبعدني أو بالأحرى تنتزعني من دائرة (صندوق الذكريات) التي أخذت في محاصرتي، وتضييق الخناق علي. وانتزعني صوت إحدى البنات وهي تهتف قائلة:
- أنظري يا أماه، كم هي شابة جميلة في هذه الصورة؟. وأجبت:
هي لا تزال صبية حلوة، لو عاشت حتى اليوم! كم كانت جميلة؟ وكم كانت رقيقة؟ وكم كانت مجدة مجتهدة. إنني أكاد أراها الآن وهي تحضر حفل توزيع الجوائز في نهاية كل عام دراسي - لقد كان اسمها معروفا من كل الأساتذة ومن كل الطلاب. كان اسمها يتردد على ألسنة الجميع فهي:
فضيلة. س: الحائزة على الجائزة الأولى في اللغة الإفرنسية.
وهي فضلة. س: الحائزة على الجائزة الأولى في اللغة العربية.
وهي فضلة. س: الحائزة على الجائزة الأولى في الرياضيات.
وهي فضيلة. س: الحائزة على جائزة التفوق بامتياز.
كانت ذراعاها مثقلتان دائما بالمجلدات الضخمة. وكانت دائما تلميذة مجدة رائعة. وقيل عنها أيضا أنها (صعبة المراس) ... وقاطعتني إحدى البنات بقولها: ولهذا أصبحت ثائرة؟ لا، لقد حدث ذلك قبل إضراب الطلاب سنة ١٩٥٦ بوقت طويل. حيث وقع ما أطلق عليه إسم (العصـ .. يان) وفقا لما كانت تصفه بهذه الكلمة المتقطعة، الآنسة (شفز) المراقبة العامة للفتيات في معهد قسنطينة، والتي انقطعت عن ممارسة مهنتها كان صوتها متهدجا
стр. 2549
وحادا، لا سيما عندما كانت تتحدث إلى الفتيات الجزائريات اللواتي كن قليلات في تلك الفترة، يعشن في وسط كله غريب عنهن.
كانت الفتيات ينتظمن في الصف، عند العشاء، للدخول الى قاعة الطعام باعتبارهن طالبات داخليات - مقيمات - في المعهد. حتى إذا ما جلسن إلى الطاولة، قدمت إليهن وجبة العشاء المعروفة: الحساء، وطبقا لا يتغير من الطعام واللحم. وكان هذا اللحم من نوع (لحم الخنزير) في معظم الأحيان. وكانت الطالبات كثيرا ما يتحدثن بعضهن إلى بعض - في الفرصة - عن موضوع هذا الطعام. وكانت (فضيلة) رئيسة للطاولة، وذات يوم أعلنت تذمرها بصوت مرتفع وهي تحتج قائلة: (ما من سبب لحرماننا من لحم الخروف أو لحم البقر). وظهر بوضوح أنه بات من المحال الاستمرار بقبول هذا الوضع الذي مضى وقت طويل على فرضه، غير أنه بات من الواضح أيضا بأننا سنواجه مأزقا صعبا وأياما عسيرة وقيل لنا بأن وجبة العشاء ستتغير، وأنه سيقدم لنا طبق الطعام بصورة ملائمة. فطلبنا بحزم ألا يحتوي الطبق الأخير (لحم الخنزير). وتم قبول طلبنا، غير أننا أصبنا بالإحباط عندما قدم لنا لحم (الكورن بيف، أو العجل) بدمه، وهو غير مذبوح على الطريقة الإسلامية. فرفضنا قبول الطعام أو تذوقه، وبدأ ما أطلقت عليه الآنسة (شفز) اسم (العصـ ... يان) وذلك عندما اندفعت نحو (فضيلة، صعبة المراس) وقالت لها بلهجتها الحادة:
(إنك أنت يقينا! أنت عنصر التحريض! فهل تريدين شيئا آخر؟ ألا يرضيك شيء؟).
وابتسمت (فضيلة) ابتسامة ساخرة، ثم اجتاحتها نوبة من الغضب، وأجابتها وهي تشير إلى (اللحم الأحمر) وهي تقول:
стр. 2550
(إنكم تعرفون جيدا بأن هذا اللحم محرم علينا نحن المسلمين).
وكانت هذه الكلمات تمثل تحديا صارخا، واجهته (الآنسة شفز) بنوبة من الغضب المحموم، وقد تقلصت أساريرها، فقالت مهددة متوعدة:
(حسنا! سننظر في الأمر).
قامت السيدة المديرة بجمع الطالبات المسلمات في صبيحة اليوم التالي بمكتبها. وكانت (فضيلة) كعادتها، هي التي تولت الدفاع عن قضية الطالبات، وهي التي وقفت في المقدمة لشرح الحقوق الشرعية للطالبات. وتضامنت الطالبات مع (فضيلة) فخرجن من الاجتماع ساخطات، وقررن (الإضراب عن الطعام) حتى تستجاب، طلباتهن مهما تعرضن في سبيل ذلك للخطر. وكان لا بد لهن من هذا الإجراء بعد أن أرغمن عليه ولم يبق أمامهن طريق سواه.
استمرت الفتيات الطالبات في إضرابهن ثلاثة أيام، وعضهن الجوع بنابه، وكانت معاناتهن مع الجوع صعبة وشاقة، غير أنهن قررن التجلد والصبر مهما اشتد عليهن الأمر، ومهما ساءت حالتهن. وزاد من سوء موقفهن أنهن يتوقعن تضامن زميلاتهن، الأجنبيات غير الجزائريات معهن، ولكن رفيقات الدراسة انصرفن عنهن، وأظهرن عدم اكتراث بقضيتهن، بل إنهن لم يظهرن شيئا من الاهتمام بمصيرهن. وعلى كل حال، فقد جاء اليوم الرابع ومعه وعد بتقديم اللحم (المذبوح والمطبوخ - المطهي - على الطريقة الإسلامية) وصاحبت الفتيات فرحات (انتصرنا). غير أنه كان لا بد من الاستمرار في التضحية، بالرغم من كل المعاناة وآلام الجوع، إذ كانت القضية هي قضية مبدأ، كما قالت (فضيلة). ولا يجوز أن
стр. 2551
نتناول أي طعام حتى يقدم لنا (اللحم من الخروف أو البقر المذبوح على الطريقة الإسلامية).
وارتسمت ملامح الفتاة المجاهدة على شخصية (فضيلة) منذ ذلك التاريخ.
خلال تلك الفترة، اخترت طريق الزواج في ظروف البلاد المضطربة أما (فضيلة) فقد وجدت نفسها مرغمة على متابعة طريقها، محاولة التوفيق بين الدراسة والصراع. وقد بدأ ذلك في شهر أيار - ماي - ١٩٥٦، عندما صدر الأمر إلى كل الطلاب بإعلان الإضراب العام عن الدراسة. وكان هذا الإعلان هو القنبلة المدمرة لنظام التعليم الإفرنسي، وقد أدرك الطلاب دورهم، وحددوا مطالبهم الشرعية.
...
كانت (فضيلة) من بين المحرضين على الإضراب ومن قادته، فضحت بذلك بالقسم الثاني من شهادتها الثانوية (البكالوريا). وبدأت الاعتقالات على نطاق واسع. وكانت (فضيلة) في جملة المعتقلين، وألقي بها في سجن (الكدية). واستمرت فترة اعتقالها لمدة سنة كاملة، تعرضت خلالها الفتاة البائسة لكل أنواع المعاملة السيئىة، والأساليب الدنيئة، والأعمال الشائنة التي يندى لها الجبين بالنسبة لفتاة صبية عذراء مسلمة فقد شوه جسدها، ووشم برسم أعقاب لفافات التبغ - السكائر - التي كان يتم إطفاءها على جسمها، مما ترك على بشرتها آثارا واضحة لازمتها طويلا، وتركت حروقا مرعبة. وأرغمت على مشاهدة التعذيب وعمليات الإعدام - الإبادة. وعرفت (فضيلة) من خلال تجربتها نوعا لم تكن تعرفه من المخلوقات البشرية، إنه نوع يتمثل فيه الحقد الكريه والقسوة
стр. 2552
الوحشية، وقد دعمت هذه المعرفة حجتها للصراع، وقلبت كيانها المرهف الإحساس.
حصلت (فضيلة) بعدئذ على فترة من الهدنة، وسمح لها بمتابعة دراستها، بشرط ترك البلاد لفترة معينة، إنها فتاة متعلمة ومناضلة، وقبلت. إن هذا العرض سيزيد من صلابتها، وسيشجعها على المضي قدما في الطريق الذي اختارته لنفسها. وكانت هناك فكرة نبتت في ذهنها، وأخذت تلح عليها باستمرار، فبعد الحصول على القسم الثاني من شهادتها الثانوية (البكالوريا) ستتابع دراسة الحقوق في جامعة (كلير مونت - فيراند) في فرنسا.
مضت (فضيلة) الى فرنسا تاركة وراءها فراغا كبيرا، غير أنها كانت هناك على كل حال في مأمن، وبعيدة عن الضغوط التي كان يرزح تحتها شعب الجزائر، مما كان يترك نوعا من الطمأنينة تجاهها في نفوس أولئك الذين يعرفونها ويحبونها. ومضت الأيام متلاحقة، وأشرفت السنة الدراسية على نهايتها. وأخذنا ننتظر عودتها بصبر نافذ، ونعد الأيام التي تقربنا من العطله الصيفية.
كنا نردد باستمرار القول: ستكون (فضيلة) بيننا عما قريب. وكانت تصلنا ما بين فترة وأخرى معلومات متفرقة عن أختها (مريم) التي كانت تعاني بدورها من ظروف العيش في سجن المدينة. ولم يرحم أحد حياتها البائسة، فسقطت شهيدة بين أيدي جلاديها. (مريم) تلك السجية التي كانت تشدني إليها عواطف الصداقة العميقة. لقد انضمت إلى قافلة الضحايا الذين مضوا إلى ربهم، إنها ضحية جديدة من ضحايا (النشاط الاستعماري) ورجاله الذين تجردوا من الضمير، وحرموا من كل عاطفة إنسانية. ولكن المشكلة الراهنة: هي كيف يمكن إعلام (فضيلة) بموت أختها؟ إنها
стр. 2553
ستكون هنا بعد بضعة أيام، لا أكثر، فهل ستكون قادرة على احتمال هذه الصدمة الجديدة؟ لقد كانت (فضيلة) ذات (إرادة صلبة) تدفعها للسير نحو مثلها الأعلى، غير أن صحتها لم تكن جيدة، وهذا ما كان يخيفنا.
عندما وصلت (فضيلة) عانقناها عناقا حارا حمل كل الشوق بعد طول غياب. وكنا ونحن نعانقها نخاف على قوامها الرقيق من أن يتحطم. غير أنها كانت تمتلك من الروح المعنوية العالية والفضائل الأخلاقية ما يمكنها من التعويض عن ضعفها الجسدي، ويرفعها صعدا نحو أهدافها، وإذا كانت لا تزال فتاة شابة صغيرة العمر، غير أن ذلك لم يمنعها من استيعاب مشكلات بلادها، بكل اتساع تلك المشكلات وعمقها. وكان ينتظرها - علاوة على كل معاناتها - ألم مرير لعله أكثر قسوة من كل آلامها ومعاناتها، إنه اختفاء اختها الحبيبة في ظروف تشكل مأساة قائمة بحد ذاتها. وكانت (مريم) هي الوحيدة التي تفهم (فضيلة) بعمق، وتحبها بشغف، وتشجعها على المضي قدما في طريق الجهاد، وذلك ضد رغبات كل من يحيط بهما من الأهل والأقارب وحتى الأصدقاء. وكان تأثير (مريم) على أختها (فضيلة) كبيرا، فأخذت عنها الشجاعة والثقة بالنفس، وغذت فيها الإيمان، وتعلمت منها حب العمل على طريق الخير والعدل. وها هي تسير على طريقها حتى نهايته. وهو الطريق الذي سبقهما إليه عمهما (الدكتور سعدان). ثم ها هي (فضيلة) تعلم بصورة مباغتة باستشهاد أختها (مريم) والظروف التي أحاطت بمصرعها وهي تحاول خدمة قضية بلادها. وقالت (فضيلة): (هذا شيء لا يحتمل! من أي نوع هؤلاء البرابرة الذين يطلقون نيرانهم على الأبرياء؟ وكيف السبيل للتعبير عن مشاعر الاحتقار
стр. 2554
تجاه تلك الوحوش الاستعمارية؟ كم أنت بائسة يا (فضيلة)؟. وما أحوجك إلى قدر إضافي من الشجاعة؟ وكم هو صعب ما تواجهينه؟ ولكن لا بد من مواجهة الأمر الواقع، هذا الواقع الذي أصاب نفسك بجرح عميق سيبقى نازفا. إبتهلي إلى الله حتى يحفظ لك ملكاتك العقلية!.
جاءت (فضيلة) لزيارتنا في اليوم التالي لوصولها. واستقبلتها مع أفراد عائلتي. كانت منهارة القوى، وكانت نظراتها ساهمة شاردة، تنظر إلينا محدقة وهي لا ترانا. وكانت نفسها تفيض مرارة بأكثر مما تفيض غضبا وهي تقول: (لقد ماتت مريم، كيف يمكن احتمال ذلك؟ يجب ألا يستمر ذلك!) ترى بماذا كانت (فضيلة) تفكر وهي تنطق بهذه الكلمات؟.
لقد كانت (فضيلة) تعيش في تلك اللحظة ذروة الانفعال، وأقصى درجات التأثر والاستثارة. كانت دموعها تنهمر بغزارة، فشاركناها جميعا البكاء وكان صوتها المختنق بالعبرات يتلجلج بكلمات أخرى غير واضحة ومتقطعة بسبب إجهاشها بالبكاء. كانت عيناها متورمتين، منتفختين، وصمتت قليلا، ثم عادت وأجهشت منتحبة، وانتصبت واقفة وارتسمت على وجهها خطوط قاسية، وعاد صوتها حادا، يشبه الزئير.
بقيت (فضيلة) شديدة التعلق بنا قدر تعلقنا بها، فكانت كثيرا ما تفتح لنا صدرهما لتبوح لنا بأسرارها. غير أنها بقيت صامتة في هذه المرة. وهي لم تكن في حاجة للإفصاح عما ستفعله، كان تصميمها واضحا، يغني عن كل بيان. وعرفنا أنها لا زالت تملك معينا لا ينضب من الحزم و (المراس الصعب). وكل ما كان باستطاعتنا قوله لها: كوني حذرة ...
стр. 2555
انضمت (فضيلة) إلى الثوار الذين استقبلوها كما لو كانوا في انتظارها. وحملت السلاح في الجبال مع إخوانها المجاهدين وأخواتها المجاهدات. ولقد حملت السلاح في هذا المرة وهي أكثر ثقة بقدرتها على الانتقام من الأعداء. إنها ستنتقم لأختها (مريم). ولن يثنيها عن عزمها شيء، هنا ستعيش مع وطنها الحقيقي، وطن الحرية، وستنال حريتها وتمارسها قبل أن يتحرر وطنها.
...
استخدمت (فضيلة) منزلنا ملجأ لها باستمرار، فلم تنقطع اتصالاتنا بها، وعندما كانت تنقطع عن زيارتنا، كانت أيامنا تمضي ثقيلة، حزينة، رتيبة، حتى جاء ذلك اليوم الحاسم عندما أقبلت علينا، وانتحت بوالدتي (ليلى) جانبا لتتحدث إليها بأمر يهمها، ولتسر إليها بكلمات أمكن لأذناي التقاطها: (يجب أن أقابلك غدا على الرصيف - ظهر! - بكل تأكيد ...).
وتناولنا طعام الغذاء معا. كانت (فضيلة) على غير عادتها، مرحة حتى أبعد حدود المرح. وضحكنا كثيرا. وتحدثنا عن أيام الدراسة في المعهد. وتذكرنا (العصـ ... يان) والسيد (غروس) أستاذنا في تدريس اللغة العربية، وسخريتنا منه، وهزأنا به، عندما كان يلقي دروسه. واستعدنا كلماته: (آنسة سس - أو آنسة ي - هيا اخرجي من الدرس) (وأنت يا آنسة فضيلة - كوني على حذر). وكان الأستاذ (غروس الأصلع والسمين) يصطبغ أثناء ذلك باللون الأحمر. وهو يحدجنا بنظراته من فوق نظاراته. فكان يظهر لنا وهو يكاد يتفجر غيظا، ثم لا يلبث حتى يعود إلى هدوئه ليشرع في توجيه نقده اللاذع ضد الجميع، وضد أي موضوع. ويبدأ بعد ذلك برواية القصص المضحكة والتي لم يكن يضحك لها إلا هو وحده. وعلى
стр. 2556
هذا خيم على منزلنا جو من المرح لم نعرفه منذ وقت طويل. وأثناء ذلك قالت (فضيلة): (إنهم سيشرعون بإجراء المفاوضات في (مولون) وسنحصل في هذه المرة على الاستقلال بكل تأكيد).
لقد كانت اليوم شديدة التفاؤل، صافية النفس، خلافا لعادتها، إذ كانت باستمرار تظهر متفرقة في تفكير عميق، وتتصرف بجدية مطلقة. وكان ذلك مبعث بهجتنا، فضحكنا كثيرا ومن أعماق قلوبنا. وكان يوما لا ينسى. غير أن أختي الصغرى قطعت علينا مرحنا، وأثارت تشاؤمنا عندما قالت: (إن من يضحك الجمعة، سيبكي يوم الأحد). وكان ذلك اليوم هو يوم الجمعة.
تركتنا (فضيلة) وكلها مرح وتفاؤل، وكانت قسمات وجهها تعكس ما يعتمل في نفسها من صفاء وطهر ونقاء، فمضت والابتسامة الحلوة على شفتيها. لقد كانت مقتنعة باقتراب موعد السلام. فغرست في نفوسنا نواة الأمل باقتراب فجر المستقبل الذي سيشرق بإذن الله. وقالت لأمي (ليلى) التي كانت مثل أمها أيضا، وهي تودعها: إذن! إلى الغد!. وأجابتها أمي: إلى اللقاء غدا. ولما كنت على وشك الوضع لمولودي الثالث، فإن (فضيلة) لم ترغب بالذهاب قبل أن تهمس لي بأمنيتها: (أتمنى أن تضعي لنا هذه المرة مولودا ذكرا).
لم أتمكن من منع نفسي عن التفكير بأمر (فضيلة) بعد أن غادرتنا، فقلت مناجية:
(ماذا ينقصك في هذه الحياة وماذا تفتقدين؟ إنك يا (فضيلة) فتاة لا تقاوم! ويحبك الجميع حيثما ذهبت وأين حللت. إنك برقتك تجتذبين كل من حولك! وباستطاعتك رعاية أسرة سعيدة. إنك زهرة متفتحة، تعيشين في يسر وبحبوحة! ابتسامتك البريئة تظهر غمازتيك
стр. 2557
الحلوتين. ولون بشرتك الصافي، وعينيك البراقتين، وشعرك الأسود الحريري الذي يحيط بوجهك الملائكي. ويعترف كل من عرفك بأنك مثال للفتاة الجميلة والرقيقة والفاتنة. إنك تمتلكين كل شيء؛ الأنوثة والرقة، البساطة والشجاعة، الحزم والعقل والذكاء والخيال الخصب، فماذا ينقصك؟ إن ما ينقصك هو (العدالة والحرية). إنك لا تريدين العودة مرة ثانية إلى الوحل. ولهذا اخترت طريق الثورة، فمضيت لإيقاظ النيام من سباتهم، وأشعلت فيهم لهيب الثورة. لقد خضت صراعا مريرا، ونذرت نفسك لخدمة بلادك.
ذهبت والدتي (ليلى) إلى (الرصيف) في الموعد المتفق عليه. وكان تفكيرها مركزا على ما ستتسلمه من (فضيلة). إنها ستأخذ منها رزمة من البريد لتنقلها بدورها إلى (السيد العربي).
قرأت (ليلى) وهي تقترب من مكان اللقاء، إمارات الحزن على وجوه المارة. كان المكان مكتظا بالناس. وقد احتشد الدهماء بأعداد كبيرة في المكان المحدد للالتقاء. وكان الناس يتحدثود بأصوات مرتفعة، ويلوحون بأيديهم بإشارات غامضة، وكأنهم يعلنون احتجاجهم ضد عمل من الأعمال. وانتاب (ليلى) شعور من القلق، وتجنبت الاقتراب من الجموع المهتاجة. وكان من المحال عليها - في كل الأحوال - شق طريقها من أجل الوصول إلى حيث تريد. وصادفت رجلا منفردا، وحاولت أن تعرف منه جلية الأمر؛ وسألته: (ماذا حدث؟). وأجابها هذا: قتلوا اثنين من الفدائيين - رجلا وامرأة -. وأسروا رجلا ثالثا. وفي ذروة الانفعال عاودت (ليلى) السؤال: ومن يكونون؟. وأجاب الرجل: لا أحد يعرف أبدا؟ فالحي مطوق بكامله ولا أحد يستطيع أن يرى شيئا ..
стр. 2558
وشعرت (ليلى) فجأة بضيق يعتصر صدرها، وفكرت على الفور (بفضيلة). إذ كان عليها مقابلتها في هذا المكان ذاته. وتلاحقت أنفاس (ليلى) حتى لتكاد تختنق. وعادت بخطى متسارعة حتى تصل إلى منزلها، وعندما دخلته كانت بادية الاضطراب بحيث لم تتمكن من إخفاء انفعالها. وأخذت فور وصولها بإتلاف الوثائق والرسائل التي كانت بحوزتها. ماذا حدث؟ وماذا يمكن أن يحدث؟ ..
وهيمن على منزلها مناخ من الهياج والانفعال. وبات القلق شعورا قاتلا لا يمكن احتماله. وأظلمت السماء، معلنة اقتراب هبوب العاصفة.
ماذا حدث؟ لم يكن هناك من يجرؤ على التعبير عما كان يجيش في خاطره. كانت الحقيقة تخيفنا جميعا. وتعاظم قلقي حتى أنني قضمت أظافري دون أن أشعر بذلك. وعلى هذا أمضينا ليلتنا، ومضى الظلام ولم يغمض لأحدنا جفن، كانت ليلة لا تنسى. وما أن طلع النهار، حتى أسرعت إلى بائع الصحف الذي كان دكانه يقع في أسفل المبنى حيث يقع منزلنا. واشتريت صحيفة (ديبيش - دو - قسنطينة) وأمسكتها بضيق، وبيد مرتجفة فيما كان جدي كله يرتجف ويهتز بعنف، وفتحت صفحات الجريدة، فصدمتني على الفور ثلاثة صور تغطي الصفحة الأولى: إنها صور (فضيلة) و (عمر كيخيا) و (رواج). وصرخت بصوت مختنق: فضيلة ماتت؟ كيف، وهل هذا ممكن؟ وشعرت بقواي تنهار حتى لتكاد قدماي تخوناني وأنا أهرب مسرعة. وأطلقت صرخة وأنا أجهش بالبكاء، ولم أعد أرى الطريق بعد أن أسدلت الدموع ستارا على عيني، وشعرت بألم حاد في أحشائي، لقد أخد الجنين في التحرك بعنف،
стр. 2559
وكأنه يشاطرني ما أنا فيه؛ واستمر لساني في الهذيان: فضيلة، يا الله، لماذا؟ وعمر! و (رواج)! .. ولا زالت الصحيفة في يدي وأنا أقتحم باب المنزل صارخة، - أماه - أبتاه - أنظروا! لقد ماتت (فضيلة).
وبكت والدتي حتى احمرت عيناها، وانتحت بي جانبا لتقول لي اهتمي بنفسك، وانظري إلى حالتك. هل نسيت أنك ستضعين مولودك .. قريبا.
...
مضت (فضيلة) عن هذه الدنيا، ولم تخطئها يد القدر في هذه المرة غير أن الأسئلة لا زالت تلح علينا وتشغل تفكيرنا، كيف ماتت؟ وهل تعذبت قبل أن تلفظ أنفاسها؟
وذهبت والدتي (ليلى) فورا لتعزية والدة (فضيلة) في مصابها، ومعرفة تفاصيل ما حدث. وكانت الام البائسة قد جلست تحت ثقل كارثتها حتى لم تعد قادرة على الوقوف، كانت متهدمة محطمة، قد تغيرت كل ملامح وجهها، وتورمت عيناها لكثرة البكاء. وكان رجال الشرطة قد وصلوا إلى هناك. لينقلوا إليها تفاصيل المأساة الجديدة. وكانت كل كلمة من كلماتهم كافية لتمزيق أشد القلوب قسوة إلا قلوب الاستعماريين:
كانوا ثلاثة قد وصلوا إلى منزل (الرصيف) حيث الموعد. واكتشف الإفرنسيون أمرهم، وأرادوا أخذ (فضيلة) وهي على قيد الحياة. فنادوها مرات كثيرة حتى تخرج إليهم، واستمرت في الرمي حتى نفذت ذخيرتها، ثم صعدت الى السطح وهي تصرخ بملء صوتها القوي:
لا! ... ثم لا! ... ثم لا! ...
стр. 2560
وقامت القوات الإفرنسية بتطويق المنزل وإحكام الحصار حوله، فلم يكن من الصعب تمزيق جسد (فضيلة) بالرصاص، فهوت الى الأرض وقد فارقت الحياة.
كانت (فضيلة) تعرف أن استسلامها لأعدائها يعني البوح بأسرارها. إنها تعني الخيانة، وليس باستطاعة فضيلة أن تخون أحدا أو تغدر بأحد.
سقطت (فضيلة) ميتة، وغير بعيد عنها كانت ترقد جثة (رواج) وسط بركة من الدماء. أما (عمر كيخيا) فقد حاول الهرب حاملا معه جراحه، غير أنه لم يذهب بعيدا، فقد ألقي القبض عليه، ولم يتأخر عن اللحاق بأخويه المجاهد والمجاهدة.
يا للمسكين (عمر)، لقد كان يفكر وهو يهرب - يقينا - بأمر زوجته الشابة التي ستصبح أرملة وهي في نضرة العمر، وكذلك بابنه الصبي الصغير الذي سيتركه لقدره ولعل شجاعته قد خانته في هذه اللحظة بالذات وهو يحاول الفرار. وعلى كل حال، فإن (عمر) لم يقتل لسبب تافه، وإنما استشهد مجاهدا بطلا، ما عرف عنه إلا أنه شاب شجاع حتى حدود التهور. ولقد مضى على الطريق الذي سبقته إليه بثوان قليلة (المجاهدة فضيلة) ومن قبلها شقيقتها (مريم). وهو ذات الطريق الذي مضت عليه قافلة (شهداء الثورة).
قدمت والدتي (ليلى) العزاء بكلمات قليلة إلى الأم البائسة بمصابها الجديد، ثم ودعتها وعادت إلى المنزل. وقد كان مصاب أم (فضيلة) بابنتيها أكبر من كل عزاء. وإن أكبر محنة تتعرض لها امرأة هي فقد أحد أبنائها.، فكيف بها وقد فقدت (مريم) من قبل